مكية، وهي خمس عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)] ١ - ١٠ [
ضحاها: ضوءها إذا أشرقت وقام سلطانها؛ ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار،
_________________
(١) سورة الشمس مكية، وهي خمس عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (ضُحاها: ضوؤها إذا أشرقت)، في: المطلع": "عن مجاهد والكلبي: وضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وارتفعت، والإشراق بعد الشروق، لأن الشروق الطلوع، ثم الضحوة، ولذلك قيل: كأن وجهه شمس الضحى". قوله: (ولذلك)، أي: ولأجل أن المراد بضحاها ضوؤها وإشراقها، أضيف الوقت إليه، فقيل: وقت الضحى، كما يقال: وقت الإشراق.
[ ١٦ / ٤٥٤ ]
والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف، (إِذا تَلاها) طالعًا عند غروبها آخذًا من نورها؛ وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور. (إِذا جَلَّاها) عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة؛ يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء. إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق.
_________________
(١) قوله: (آخذًا من نورها؛ وذلك في النصف الأول من الشهر)، قال الفراء: "إن القمر يأخذ الضوء من الشمس، يقال: فلا يتبع فلانًا في كذا، أي: يأخذ منه". وفي "الوسيط": ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: تبعها؛ يقال: تلا يتلو تُلوًا، إذا تبع. قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقال الإمام: "تلاها في الضياء، أي صار كالقائم مقام الشمس في الإنارة، وذلك في الليالي البيض". الراغب: "تلاه: تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما، وذلك تارة يكون بالجسم وترة بالاقتداء في الحكم، ومصدره تِلو وتُلو. وتارة بالقراءة وتدبر المعنى ومصدره تلاوة، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾؛ فإنما يراد به هاهنا الاقتداء والمرتبة، وذلك أنه فيما يقال: إن القمر يقتبس النور من الشمس، وهو لها بمنزلة الخليفة". قوله: (عند انتفاخ النهار)، الأساس: "ومن المجاز: انتفخ النهار: علا". قوله: (إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق)، قال الإمام: "يغشى الليل فيُزيل ضوءها، وذلك يقوي القول: إن الضمير في ﴿جَلَّاهَا﴾ للشمس، لتتفق الفواصل، وليطابق بين قوله
[ ١٦ / ٤٥٥ ]
فإن قلت: الأمر في نصب (إذا) معضل: لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفةً فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحًا كليًا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمةً مقام الفعل والباء سادّةً مسدهما معًا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل والجار جميعًا، كما تقول: ضرب زيد عمرًا، وبكر خالدًا؛ فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما.
_________________
(١) ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، وبين قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، فلما حسن جعل الليل يغشى الشمس، يحسن أن النهار يجليها. وقال القفال: وهذه الأقسام الأربعة دائرة مع الشمس بحسب أوصافها". قوله: (مررت أمس بزيد)، أمس: منصوب بـ "مررت"، وزيد: مجرور بالباء؛ فإذا قلت: واليوم عمرو، فقد نصبت اليوم، وجررت عمرًا بالواو، وقد جعلت هذه الواو نائبة عن "مررت" وعن الباء. ولا يجوز جعل الضعيف نائبًا عن قويين. قوله: (على استكراهه)، قال صاحب "المطلع": "يعني أن الخليل وسيبويه استقرءا كلام العرب، فعلما أن لا بد لكل قسم من مُقسَم عليه، لأنه هو المطلوب بالقسم؛ فلو زعمت أن الكل قَسم، فقد جئت بأقسام كثيرة ليس لكل واحد مقسم عليه على حدة. وقد سبق القول فيه في فواتح البقرة مشبعًا". قوله: (أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل)، وعن بعضهم: الأصل: أقسمت بالله؛ فهاهنا تصير الواو نائبًا عن الفعل المضمر في "إذا"، ونائبًا عن الباء في "الليل"، وإنما لم يجز إظهار الفعل مع الواو، لأن الباء تلصق كل شيء، والواو لا تلصق إلا فعل القسم، فطلبًا
[ ١٦ / ٤٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) للاختصاص أُضمر الفعل معها، لأن الواو فرع عن الباء. وقال ابن الحاجب: "يلزم من مجيء الواو حذف الفعل، كأنهم جعلوها عوضًا من الباء والفعل معًا، ومن ثم أجيب: لما استدل على جواز العطف على عاملين بقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢]، بأن واو القسم جرت مجرى الباء والفعل معًا، فصح إعمالها بالاعتبارين، وكانت كأنها عامل واحد، أي: عامل واحد له معمولان، نحو: ضرب زيدًا عمرًا وبكرًا خالدًا، ولا خلاف في جواز ذلك". وقال صاحب "اللُّباب": "ما ذكره صاحب "الكشاف" لطيف، ولكن يرد عليه مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٨]، حيث صرح العاملين وليس هناك شيء ناب عنهما وعمل علمهما، والأحسن عندي أن "إذا" هاهنا قد انسلخ للظرفية، ويكون منصوب المحل بدلًا من الليل، كأنه قيل: والليل وقت غشيانه، قال: وبعد غد يا لهف من غدٍ إذا راح أصحابي ولست برائح حيث أبدل "إذا" من "غد"، أو على حذف مضاف نحو: وغشيان الليل إذا يغشى، و"إذا" ظرف لهذا المضاف، ولا يحسن إعمال فعل القسم فيه إذ القسم مطلق وليس بمقيد بوقت من الأوقات، لصحة الكلام واستقامته في النهار". وقال صاحب "الانتصاف": "أجاز ابن الحاجب العطف على عاملين، وجعل هذه الآية حجته في مخالفة سيبويه، ورد جواب الزمخشري في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] بأنه لم يستمر في التكوير، وكان يستحسن من نفسه هذا الاستنباط. ويمكن أن يقال: إن الواو
[ ١٦ / ٤٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] واو القسم، وفي ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] عاطفة، فيطرد ما قال الزمخشري". فإن قيل: خالفتم سيبويه؛ فإنه لا يرى الواو المتعقبة للقسم ابتداء قسم، بل عاطفة، وقد جعلتم الواو الأولى المتعقبة لباء القسم، وهي في ﴿بِالْخُنَّسِ﴾، قسمًا. قلنا: إنما تكلم سيبويه في واو تعقبت قسمًا بالواو، فأما إذا جاءت الواو بعد الباء فلم يذكره؛ فإن الذي ذكره سيبويه فيه تكرار الواو في معنى واحد، وهو مُستكره بخلاف هذا، ألا ترى أنه لو صدر القسم بالواو ثم تلاه قسم بالباء، لتحتم كونهما قسمين. وأيضًا فكان المانع لسيبويه من جعل الواو الثانية قسمًا مستقلًا، مجيء الجواب واحدًا، واحتياج الواو الأولى إلى محذوف؛ فالعطف يغني عن تقدير محذوف، فلا يلزم اطراده في الباء التي هي أصل للقسم، لا سيما مع التصريح بفعل القسم وتأكيده بزيادة "لا"؛ ففي مجموع ذلك ما يغني عن إفراده بجواب، ولا كذلك الواو، فإنها ضعيفة المكنة في القسم بالنسبة إلى الباء، فلا يلزم من حذف جواب، ويصح الدلالة عليه حذف جواب دونه في الوضوح. فهنا نكثة خصت إيراد السؤال بالواو الثانية في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] دون الثالثة، لأنه لا يلزم منها العطف على عاملين؛ لأنا نجعلها نائبة عن الباء، ونجعل "إذا" فيها منصوبة بالفعل مباشرة، إذ لم يتقدم في جملة الفعل ظرف يُعطف عليه "إذا"، فهو كقولك: مررت بزيد وعمرو اليوم، فاليوم منصوب بالفعل مباشرة؛ فمرورك بزيد غير مطلق غير مقيد بظرف، فالمقيد به عمرو خاصة، فالظرف وإن عمل فيه الفعل مباشرة، فهو مقيد للقسم بالليل لا للقسم بالخُنَّس". قال الدار الحديثي: "إن الواو في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨]، وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٨]، للقسم لا للعطف، وجواب أحد القسمين محذوف، وهو أسهل تحملًا من ارتكاب العطف على عاملين".
[ ١٦ / ٤٥٨ ]
جعلت (ما) مصدريةً في قوله: (وَما بَناها) (وَما طَحاها) (وَما سَوَّاها)، وليس بالوجه لقوله: (فَأَلْهَمَها) وما يؤدى إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة،
_________________
(١) قوله: (جعلت (ما) مصدرية في قوله ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾)، روى الواحدي عن عطاء: "والذي بناها، والكلبي: ومن بناها. وقال الفراء زالزجاج: (ما): بمعنى المصدر". الراغب: "تسوية الشيء: جعله سواء، إما في الرفعة أو الضعة. قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧]، أي: جعل خلقك على ما اقتضت الحكمة، وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، فإشارة إلى القوى التي جعلها مقومة للنفس، فنُسب الفعل إليها، لأن الفعل كما يصح أن ينسب إلى الفاعل، يصح أن ينسب إلى الآلة، نحو: سيف قاطع، وهذا أولى من قول من قال: أراد ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، يعني: الله، لأن "ما" لا يعبر به عن الله، إذ هو موضوع للجنس، ولم يرد [به] سمع يصح". قوله: (وما يؤدي إليه من فساد النظم)، وذلك أن ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ لله تعالى، والفاء فيه للترتيب؛ فلا يجوز: ونفس وتسويتها فألهمها الله، فلا بد من ذلك التقدير، فإذن يوجب النظم السري الموافقة بين سائر القرائن. قال الإمام: "أورد القاضي عبد الجبار هذا القول وأبى إلا أن يكون مصدرًا، لما يلزم من تقديم الأقسام بغير الله على أقسامه بنفسع ﷿". وأجاب الإمام عنه "بأن أعظم المحسوسات الشمس، فذكرها الله تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر ذاته المقدسة ووصفها بصفات ثلاث، ليحظى العقل بإدراك جلال اللع وعظمته كما يليق به، والحس لا ينازعه، فكان ذلك طريقًا إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إلى بيداء أوج كبريائه".
[ ١٦ / ٤٥٩ ]
وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا.
فإن قلت: لم نكرت النفس؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفسًا خاصةً من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفٍس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) [التكوير: ١٤]
_________________
(١) قوله: (لإرادة معنى الوصفية)، لأن (ما) يستعمل في الصفات، إذا أردت أن تسأل عن صفو زيد، فقلت: ما زيد؟ والجواب عنه: فقيه أم طبيب. وإذا سألت عن ذاته فقل: من هو؟ والجواب عنه: إنه زيد. قوله: (الباهر الحكمة الذي سواها)، قال الإمام: "تسويتها: تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح، وإعطائها القوة السامعة والباصرة والمخيلة والمفكرة والمذكرة، على ما يشهد به علم النفس". وبهذه الدقيقة خص المصنف تفسير "ما" في ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ بصفة الحكمة. قوله: (سبحان ما سخركن لنا)، يخاطب النساء، وفي "سبحان" ما في معنى التعجب؛ يتعجب من كونهم مسخرات للرجال، قال الزجاج: "قيل: "ما" هاهنا بمعنى "من"، وحكي عن أهل الحجاز: سبحان ما سبحت له". قوله: (وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة)، وهي أنه من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه. ويجوز أن يكون التنكير فيه للتعظيم والتفخيم، قال الإمام: "يريد
[ ١٦ / ٤٦٠ ]
ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما بدليل قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) فجعله فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما،
_________________
(١) ـ نفسًا خاصةً من بين النفوس، وهي النفس القدسية النبوية، وذلك أن كل كثرة لا بد لها من وحدة تكون هي الرئيس؛ فالمركبات جنس تحته أنواع، ورئيسها الحيوان، والحيوان جنس تحته أنواع، ورئيسها الإنسان، والإنسان أصناف ورئيسهم النبي، والأنبياء كثيرون، ورئيسهم المصطفى صلوات الله عليه". قوله: (بدليل قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾)، يريد أنه لما أسند التزكية والتدسية إلى ذي النفس، عُلم أنه متمكن من اختيار ما شاء من الفجور والتقوى، وعُلم أن المراد من إلهام الفجور والتقوى، إفهام الله لا خلقهما. الانتصاف: "دس في كلامه نوعين من الباطل: أحدهما: تفسير "ألهمها" بقوله: "أفهمها الفجور والتقوى، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح". وظن الحسن والقبيح مُدركين للأحكام، إلا أنا لا ننكر أن العقل يدرك الأحكام الشرعية، بل لا بد في كل حكم شرعي من مقدمة عقلية موصلة إلى العقيدة، وسمعية دالة على خصوص الحكم. وثانيهما: وهي التي كشف القناع عنها، وهي أن التزكية والتدسية ليستا مخلوقتين لله تعالى، وذكر فيها مجرد دعوى مقرونة بسفاهة. فنقول: لا شك أن الضمير يمكن عوده إلى الله تعالى وإلى ذي النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين: أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، وضمائرها
[ ١٦ / ٤٦١ ]
والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور.
_________________
(١) ـ كلها تعود إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. ومن ادعى عود الضمير إلى ذي النفس، فإنما يتمحله من حيث المعنى، وعود الضمير إلى ما جرى نطقًا أولى. والثاني: أن الفعل في الآية التي استشهد بها، وهي قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، مطاوع "زكي"، فهذا أولى أن يدل لنا، وأن المعنى: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الآيتين واحد، وأضاف إليه الفعلين المختلفين، ويُحتاج في تصحيحه تعدد اعتبار ونحن عنه في غنى، ونحن لا ننكر أن تُضاف التزكية والتدسية إلى العبد لأنه فاعلهما، كما يضاف إليه طاعته ومعصيته؛ لأن له عندنا قدرة مقارنة، بل ننفي أن تكون قدرة العبد مؤثرة خالقة". قوله: (والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور)، راعى في التقدير معنى اللف والنشر مع الطباق المعنوي، ونبه به على التقابل المعنوي بين قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، وأنهما متفرعان على قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، وقد لمح من القرينتين معنة قوله؟: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله". أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، لأن الكياسة تقتضي الفلاح، وأن يفوز صاحبها ببغيه، ومن أتبع نفسه هواها خاب وخسر: وإنما قلنا: إن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، متفرع على قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، لأن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول داعية مخلوقة لله تعالى، فليجرب العاقل نفسه، فإنه ربما يكون ذاهلًا عن شيء، فتقع صورته في قلبه، وينبعث منه ميل، ويترتب على الميل حركة الأعضاء، فيصدر منه الفعل.
[ ١٦ / ٤٦٢ ]
وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباٍس عنه فقال: أتقرأ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)] الأعلى: ١٤ [(وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)] طه: ١١١ [.
_________________
(١) قال الواحدي وصاحب "المطلع": "الإلهام أن يوقع في القلب التوفيق والخذلان؛ فإذا أوقع في قلب عبد شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء"، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود، عن عمران بن حصين، أن رجلين من مُزينة أتيا رسول الله؟، فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم، من قدر قد سبق، أو فيما يُستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قوله: (وسئل ابن عباس عنه)، أي: عن فاعل زكى ودسى. وأجاب: أن فاعل ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وفاعل ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وفاعل ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]، وفاعل ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ سواء، أي: الضمير المستتر في ﴿زَكَّاهَا﴾، عائد إلى "من"، والبارز إلى النفس، وكذا في ﴿دَسَّاهَا﴾. ولما كان ظاهر هذا التأويل موافقًا لمذهبه، قال: "وأما قول من زعم أن الضمير في "زكى" و"دسَّي" لله، فمن تعكيس القدرية"، وهو كلام خارج عن جراءة عظيمة، لما روينا عن مسلم والنسائي، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله؟، قال: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها". وروى الواحدي عن ابن عباس أنه قال: "قد أفلحت نفس زكاها الله تعالى، وأصلحها وطهرها ووفقها للطاعة، وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها"، ونحو منه في "معالم التنزيل". وقد تقرر عند صاحب "الانتصاف"، أن النظم لا يساعد إلا هذا التأويل.
[ ١٦ / ٤٦٣ ]
وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسي لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من؛ لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون على الله قدرًا هو بريء منه ومتعاٍل عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشةٍ ينسبونها إليه.
فإن قلت: فأين جواب القسم؟
قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحًا. وأما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) فكلام تابع لقوله: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء.
_________________
(١) ـ الراغب: "تزكية الإنسان نفسه ضربان: أحدهما بالفعل وهو محمود، وإليه قصد بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. والثاني بالقول، وأما قول كتزكية العدل غيره، وهو مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلًا وشرعًا، ولذلك قيل: لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقًا؟ قال: مدح الرجل نفسه". وقال أيضًا: "الخيبة: فوت المطلوب، قال تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ ". قوله: (يُوركون)، أي: ينسبون ويُضيفون إليه. الجوهري: "ورك فلان ذنبه على غيره: أي قرفه به". قوله: (تقديره: ليُدمدمن الله عليهم)، قال الزجاج: "الجواب: قد أفلح، أي: لقد أفلح؛ حذفت اللام لطول الكلام"، وتبعه القاضي ثم قال: "كأنه لما أراد به الحث على تكميل
[ ١٦ / ٤٦٤ ]
[(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها)] ١١ - ١٥ [
الباء في (بِطَغْواها) مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوًا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزيي وصديا، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل: كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى كقوله: (فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ)] الحاقة: ٥ [،
_________________
(١) ـ النفس والمبالغة فيه، أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع، ووجوب ذاته وكمال صفاته، الذي هو أقصى درجات القوة النظرية، ويذكرهم عظائم آلائه، ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه، الذي هو منتهى كمالات القوة العملية. وقيل: استطرد بذكر بعض أحوال النفس، والجواب محذوف تقديره: لَيُدمْدمن الله"، إلى آخره. كأنه رجح قول الزجاج على قول المصنف. فعلى هذا: يكون قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]، كلامًا تابعًا على سبيل الاستطراد لقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾؛ فإن الطغيان أعظم أنواع التدسية، وعلى تأويل المصنف: استطراد لجواب القسم على طريق التشبيه. قوله: (خزيا وصديا)، "خَزْيا" من: خزي الرجل؛ إذا استحيا، والصدى: العطش، يقال: رجل صد وامرأة صديا. قوله: (وقيل: كذبت بما أوعدت به)، عطف على قوله: "الباء في ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: مثلها في قوله: كتبت بالقلم" فالباء مثل قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ويؤيد الأول قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.
[ ١٦ / ٤٦٥ ]
وقرأ الحسن: (بطغواها) بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر. (إِذِ انْبَعَثَ) منصوب بكذبت، أو بالطغوى. و(أَشْقاها) قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته. بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في (لَهُمْ) يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. و(ناقَةَ اللَّهِ) نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبي الصبي، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها، (وَسُقْياها) فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها، (فَكَذَّبُوهُ) فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ) فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشحم، (بِذَنْبِهِمْ) بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنٍب أن يعتبر ويحذر،
_________________
(١) ـ قوله: (والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته)، تقول: هذان أفضل الناس، وهؤلاء أفضلهم. قوله: (نصب على التحذير)، أي: اتركوا العَقْر والسُّقيا؛ يقال: سقيته وأسقيته، والاسم: السُّقيا، أي: احذروا سُقيا الناقة، فلا تمنعوا سقياها. قوله: (ولا تستأثروا بها)، أي: بسُقياها على الناقة؛ يقال: استأثر بالشيء، أي: استبد به. قوله: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾: فأطبق عليهم)، الراغب: "دمدم عليهم ربهم: أهلكهم وأزعجهم، وقيل: الدَّمدمة حكاية صوت الهرة، ومنه: دمدم فلان في كلامه، والدِّمام: يُطلى به، وبعير مُدمدم بالشحم".
[ ١٦ / ٤٦٦ ]
(فَسَوَّاها) الضمير للدمدمة، أي: فسوّاها بينهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم. (وَلا يَخافُ عُقْباها) أي: عاقبتها وتبعتها؛ كما يخاف كل معاقٍب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض، أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشام: فلا يخاف. وفي قراءة النبي ﵌: ولم يخف.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "الشمس"، فكأنما تصدق بكل شيٍء طلعت عليه الشمس والقمر».
_________________
(١) قوله: (في مصاحف أهل المدينة والشام)، أهل المدنة: نافع، (والشام): ابن عامر. والله أعلم. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٤٦٧ ]