مكية، وهي أربع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ * إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ١ - ٤]
﴿لِمَ﴾ هي لام الإضافة داخلة على (ما) الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف؛ لأن (ما) والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرًا في كلام المستفهم؛ وقد جاء استعمال الأصل قليلًا، والوقف على زيادة هاء السكت، أو الإسكان،
_________________
(١) سورة الصف مكية، وهي أربع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (والوقف على زيادة هاء السكت)، قال الزجاج: فإذا وقفت عليها قلت: لمه، ولا يوقف عليها لئلا تخالف المصحف، وينبغي للقارئ أن يصلها.
[ ١٥ / ٣٧٨ ]
ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع: ثلاثة اربعه، بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة. وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد.
وروي أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد، فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسمعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا.
وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر.
وقيل: قد آذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي ﵇ أنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فنزلت في المنتحل.
وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم؛ هذا من أفصح كلام وابلغه في معناه، قصد في ﴿كَبُرَ﴾ التعجب من غير لفظه كقوله:
_________________
(١) قوله: (وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد)، لف، وقوله: "قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال" إلى آخره نشر للثاني، وقوله: "كان الرجل يقول قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن" نشر للأول. قوله: (ونكى فيهم)، النهاية: يقال: نكيت في العدو وأنكي نكاية فأنا ناك، إذا كثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك. قوله: (هذا من أفصح الكلام)، "هذا" إشارة إلى قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾، وقوله: "في معناه"
[ ١٥ / ٣٧٩ ]
.. غلت ناب كليب بواؤها
ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه؛ واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه
_________________
(١) تنازع فيه "أفصح" و"أبلغ"، وقوله: "قصد" إلى آخر الفصل بيان لبلاغته وفصاحته. قوله: (غلت ناب كليب بواؤها)، أوله: وجارة جساس أبانا بنابها كليبًا أي: ما أغلى نابًا بواؤها كليب! البواء: السواء، والناب: الناقة المسنة، ومضى شرح البيت غير مرة. ومثاله في "المطلع": عظم البطن بطنك، ومؤداه: ما أعظم البطن بطنك. قوله: (ومعنى التعجب: تعظيم الأمر)، الراغب: التعجب: حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ويقال لما لم يعهد مثله: عجب. قوله: (ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسيره)، أي: على تفسير ﴿أَن تَقُولُوا﴾ وقيل: على تفسير هذا الكلام، أعني: كبر أن تقولوا؛ لأن هذا تمييز عن النسبة، ولا يحسن أن يعود الضمير إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾، لأن التمييز ليس عنه، والأول هو الظاهر، لأن الضمير في "أسند" عائد إلى ﴿كَبُرَ﴾ أي: قصد في كبر التعجب من غير لفظه، وأسند إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسير ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ليؤذن بالإبهام، والتفسير: أن قولهم ذلك مقت خالص، وإليه
[ ١٥ / ٣٨٠ ]
ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرًا، حتى جعل أشده وأفحشه. و﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فسكت، ثم قيل له: حدثنا، فقال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله!
في قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد علي: (يقاتلون) - بفتح التاء_. وقرئ: (يقتلون).
_________________
(١) أشار بقوله: "دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص"، فقدم التمييز في الآية على الفاعل، ومثله جائز، قال: أرى كل أرض دمنتها وإن مضت لها حجج يزداد طيبا ترابها قال المرزوقي: إن قوله: "طيبًا" تمييز قدم على الفاعل، وليس خلاف في جوازه. قوله: (للعقد على الرابة)، النهاية: في حديث مجاهد: كان يكره أن يتزوج الرجل امرأة رابه، يعني: امرأة زوج أمه، لأنه كان يربيه. قوله: (لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله، فقد تم كبره)، يريد: أن العدول من البغض إلى المقت تتميم لمعنى إرادة البغض، ثم إن التقييد بقوله: ﴿عِندَ اللهِ﴾ تتميم للتتميم ومبالغة فيه. قوله: (دليل على أن المقت تعلق بقول الذين وعدوا الثبات)، الانتصاف: أي: هو بساط لهذا، كما يقول: لا تفعل ما يلصق بك العار، لا تشاتم زيدًا، ليقع النهي مرتين؛ عامًا وخاصًا، فهو أولى من النهي على الخصوص مرتين، فإن ذلك تكرار. وقلت: أراد أنه تخصيص بعد تعميم.
[ ١٥ / ٣٨١ ]
﴿صَفًا﴾ صافين أنفسهم أو مصفوفين ﴿كَأَنَّهُم﴾ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل ﴿بُنْيَانٌ﴾ رص بعضه إلى بعض ورصف.
_________________
(١) اعلم أنه لما بولغ في بغض القول إبهامًا جيء بما يحب من الفعل تعريضًا، قوبل البغض بالحب، والقول بالفعل، ووصفه بالبنيان المرصوص، تعريضًا بالقول المتزلزل والوعد المخلف، وأما كيفية اتصاله به، فإن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن ما يلي كلمة النداء والتنبيه من الخطاب معني به جدًا كما سبق في فاتحة البقرة. والخطاب هو قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا﴾، وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ تمهيد وتوطئة لهذا الخطاب، وتقدمة تنبيه على أن ما يخالفه مبغوض عند الله، والتقاعد عنه بعد الوعد من أشد البغض، وأكبر المقت عنده، ومما يشد من عضد ذلك أن قطب هذه السورة الكريمة يدور على أمر الجهاد، ألا ترى كيف أعيد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وختمت بقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، وفيه دليل ظاهر على علو شأن الجهاد ورفعة منزلته عند الله، لأنه ذروة سنام الأمر، وكفى به شاهدًا ما رويناه عن ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لوددت أني أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل"، وكان أبو هريرة يقولهن ثلاثًا، أشهد بالله، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: (رص بعضه إلى بعض ورصف)، الراغب: كأنما بني بالرصاص، ويقال: رصصته ورصصته وتراصوا في الصلاة، أي: تضايقوا فيها. والرصفة بالتحريك واحد الرصف، وهو حجارة مرصوف بعضها إلى بعض، يقال: رصفت الحجارة في البناء أرصفها بالضم: إذا ضممت بعضها إلى بعض.
[ ١٥ / ٣٨٢ ]
وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلًا؛ لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله: ﴿صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ حالان متداخلتان.
[﴿وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ ٥]
_________________
(١) قوله: (وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات)، وعليه ورد قوله صلوات الله عليه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ثم شبك بين أصابعه، وأخرجه البخاري والإمام أحمد عن أبي موسى، وهذا أوجه ليقيموا الظاهر مع الباطن وسائر الأحوال، ويكون تعريضاُ بما وعدوا من الثبات في قتال الكفار، ويتصل به قصة موسى ﵇ وقومه، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ولهذا عم الأذى بقوله: "كانوا يؤذونه بأنواع الأذى" لإطلاقه. قوله: (وقوله: ﴿صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ حالان متداخلتان)، الانتصاف: يريد أن معنى الأولى مشتمل على الثانية، فإن هيئة التراص هي هيئة الاصطفاف. قال صاحب "الإنصاف": ليس المراد بالتداخل هذا، بل إن الحال الثانية وقعت جزاء من الحال الأولى، لأن معنى ﴿صَفًا﴾: مصطفين، وفيه ضميره، وقوله: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ حال من الضمير المذكور، فالحال الثانية داخلة في الأولى، وهي كقوله: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢ - ٣]. وقلت: فرق بين الصورتين، فإن قوله: ﴿صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مشبه ومشبه به، والمشبه به في الحقيقة بيان للمشبه ووصف له؟
[ ١٥ / ٣٨٣ ]
﴿وإذْ﴾ منصوب بإضمار "اذكر"، أو: وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا، ﴿تُؤْذُونَنِي﴾ كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه، وجحود آياته، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه، ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ﴾ في موضوع الحال، أي: تؤذونني عالمين علمًا يقينا ﴿أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بي؛ لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، علمًا بأن تعظيمه في تعظيم رسوله،
_________________
(١) قوله: (كانوا يؤذونه بأنواع الأذى) إلى قوله: (وطلبهم رؤية الله جهرة)، أراد أن قوله: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ إنكار لمطلق الإيذاء، فيصح حمله على الإيذاء في الدين وفي النفس، ولذلك أوقع قوله: ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ حالًا مقررة لجهة الإنكار، وفسره المصنف بقوله: "وقضية عملكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بي، لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله". وذكر الواحدي: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ يعني حين رموه بالأدرة. وهو المراد بقوله: "من انتقاصه وعيبه"، وأما الكلام في طلب الرؤية فانتهاز لفرصة التعصب. وبيان النظم: هو أن الله تعالى لما وبخ المؤمنين الذين ما وفوا بما عاهدوا، وأخلفوا المواعيد تمهيدًا وبساطًا، لقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ﴾ حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص في القتال، حذرهم مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق بسبب الأذى، ومما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات، من تكذيبه وقولهم فيه: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ
[ ١٥ / ٣٨٤ ]
ولأن من آذاه كان وعيد الله لا حقا به، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ عن الحق ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ بأن منع الطافه عنهم ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف.
فإن قلت: ما معنى ﴿قَدْ﴾ في قوله ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ﴾؟
_________________
(١) الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ﴾ أي: قضية الدعوى إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وتوقير حرمته، وإجابة دعوته، والتفادي عن إخلاف المواعيد وعما يؤذيه من القول والفعل؟ قوله: (﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾: لا يلطف بهم)، قال صاحب "الفرائد": لا يهدي من يريد الفسق، وهو من باب ذكر الفعل وإرادة الإرادة، نحو: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقلت: هذا التقدير غير مفتقر إليه، لأن هذه الفاصلة تذييل للآية، وكالتعليل لقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. والمراد بقوله: ﴿زَاغُوا﴾ أذى موسى ﵇. وبيانه: أن القوم لما آذوا موسى ﵇ ورموه بالأدرة زاغوا وفسقوا، وأدى ذلك إلى أن خذلهم الله وطبع على قلوبهم، وهذا التقرير غير ضار لمذهب أهل السنة، لأن ذلك الأذى والفسق كان كسبًا لهم، وقد تقرر أن صغائر الذنوب مستجلبة لكبائرها، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] وأما التذييل الثاني، وهو قوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تقرير لقوله: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ﴾ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وغليه أشار بقوله: "وأي الناس أشد ظلمًا ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام، فيجعل إجابته افتراء الكذب على الله"، يعني كان جزاء الداعي القبول والتصديق، فوضعوا موضعه أن كذبوه وسموا ما جاء به سحرًا. وكما روعي في هذين التذييلين هذه المناسبة روعيت في قوله: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾، وذلك أن الكفر في الأصل الستر والتغطية، ومن يحاول إطفاء نور الله يحاول إخفاء الحق
[ ١٥ / ٣٨٥ ]
قلت: معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينا لا شبهة لكم فيه.
[﴿وإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ٦]
_________________
(١) وستره، وكذا في قوله: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ لأنه مقابل لقوله: ﴿ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وليس دين الحق إلا التوحيد ونفي الشرك. وفي الآيات نرق من وجهين: أحدهما: من الأذى، فإن أذى موسى ﵇ كان في جسده، وأذى عيسى ﵇ في الدين، وأذى نبينا محمد صلوات الله عليه فيهما، فإن نور الله عبارة عنه وعن دينه، لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وقد سبق في التوبة تقرير وجه التشبيه. وثانيهما: في التسلية، يعني: لا تبال بأذى القوم، ولك أسوة بموسى، ولا بتكذيب الكافرين والمشركين كما لو يضر عيسى تكذيبهم، وتمكن من إمضاء ما جاء به من الدين والبشارة بقدومك تمكنك منه، ويظهرك على الدين كله ولو كره المشركون والله أعلم. قوله: (معناه التوكيد)، الانتصاف: "قد" إذا صحبت الماضي صحبها التوقع، قال الخليل: هذا خبر لقوم ينتظرونه، وإذا صحبت المضارع صحبها التكثير كربما، وهو من الكلام الذي قصد فيه الإفراط والمبالغة. قال: قد أترك القرن مصفرًا أنامله فإن قيل: حمله على التكثير في الآية متعذر، لأن العلم معلوم التعلق، لا يتكثر ولا يتقلل. قلنا: المراد تأكيد الفعل وتحققه وبلوغه الغاية في نوعه، وكذا في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ [الحجر: ٢] ليس معناها إلا تأكد ذلك الودادة لا كثرته وتعدده.
[ ١٥ / ٣٨٦ ]
قيل: إنما قال: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: يا قوم، كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه. والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ وفي حال تبشيري ﴿بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي﴾ يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعًا ممن تقديم وتأخر. وقرئ: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ بسكون الياء وفتحها، والخليل وسيبويه يختار ان الفتح.
وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد؛ حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
_________________
(١) قوله: (إنما قال: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾، ولم يقل: "يا قوم" كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم)، الانتصاف: هو كقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦] لأنه لم يكن منهم. وقلت: يجوز أن يكون للاستعطاف، لمجيء قوله: ﴿مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: إني أرسلت إليكم في حال تصديقي لكتاب نزل إليكم يا بني إسرائيل خاصة. قوله: (وقرئ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ بسكون الياء)، بفتح الياء: نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر، والباقون: بسكونها. قوله: (أمة أحمد)، روينا عن البخاري ومسلم ومالك والدرامي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: "لي خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس
[ ١٥ / ٣٨٧ ]
فإن قلت: بم انتصب ﴿مُّصَدِّقًا﴾ و﴿مُبَشِّرًا﴾؟ أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟
قلت: بل بمعنى الإرسال؛ لأن ﴿إلَيْكُم﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئًا لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل؛ فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل، فمن أين تعمل؟ وقرئ: (هذا ساحر مبين).
_________________
(١) على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي بعدي نبي". وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا، رواه البخاري في تفسيير هذه الآية. وعن أحمد بن حنبل عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه بأسماء منها ما حفظنا قال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي الرحمة" قال يزيد: ونبي التوبة، ونبي الملحمة". قال محيي السنة والواحدي: اسمه أحمد يحتمل معنيين: أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: أنه أكثر حمدًا لله من غيره، والآخر: أنه مبالغة من المفعول، أي: أنه يحمد بما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره. قوله: (وقرئ: "هذا ساحر")، حمزة والكسائي. قوله: (لأن ﴿إِلَيْكُمْ﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئًا)، لا يريد عملها الذي هو الجزء؛ وإنما يريد أنها لا تعمل عمل الفعل بأنفسها.
[ ١٥ / ٣٨٨ ]
[﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٧]
وأي الناس أشد ظلمًا ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله، بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق: هذا سحر، لأن السحر كذب وتمويه.
وقرأ طلحة بن مصرف: (وهو يدعي)، بمعني: يدعى، دعاه وادعاه، نحو: لمسه والتمسه. وعنه: يدعي، بمعنى يدعو، وهو الله ﷿.
[﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ٨]
أصله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢] كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة
_________________
(١) قوله: (لأن السحر كذب وتمويه)، فيه إشعار بهذه الآية بقصة عيسى ﵇، وقولهم في الآيات البينات: ﴿هَذَا سِحْرٌ مَبِينٌ﴾ مكرًا وتمويهًا، وإخفاء للحق الجلي. وقلت: وفي إيقاع الإسلام مقابلًا لافتراء الكذب، إيذان باتصالها بقصة محمد صلوات الله عليه، وأن ذكر الإسلام كالتخلص من القصة إلى القصة، ولذلك ذيلت الآية بقوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ كأنه قيل: قد علم ظلم أولئك الكفرة بروح الله، وما أرادوا به من المكر والكيد، وعرف أن الله ما هداهم إلى ما أرادوا، بل خذلهم الله ونصر أولياءه كما قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ فما ظلم هؤلاء الكفرة لحبيب الله، وما مكرهم به، وكيف يفعل الله به وبهم، قيل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ إلى آخر الآيتين. قوله: ("وهو يدعي" بمعنى: يدعى)، قال ابن جني: قرأ طلحة بن مصرف: "وهو يدعى إلى الإسلام"، والظاهر: يدعي الإسلام، لكن لما كان معنى "يدعي الإسلام": ينتسب إليه، قال:
[ ١٥ / ٣٨٩ ]
تأكيدًا له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك: جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في: لا أبا لك؛ تأكيدًا لمعنى الإضافة في: لا أباك.
وإطفاء نور الله بأفواههم: تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه (والله متم نوره) أي: متم الحق ومبلغه غايته. وقرئ بالإضافة.
[﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ ٩]
و"دين الحق" الملة الحنفية ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على جميع الأديان المخالفة له؛ ولعمري لقد فعل، فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد: أذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام.
وقرئ: (أرسل نبيه).
_________________
(١) يدعي إلى الإسلام، حملًا على معناه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ والاستعمال: هل لك في كذا، لكن لما كان معناه وأدعوك إلى أن تزكى استعمل إلى هاهنا تطاولًا نحو المعنى. قوله: (كما زيدت اللام في: أبا لك، تأكيدًا)، قيل: معناه: أي: كنت على وجه لا يعرف لك أب. قوله: (وقرئ بالإضافة)، ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص: ﴿مُتِمُّ﴾ بغير تنوين: ﴿نُورِهِ﴾ بالخفض، والباقون: بالتنوين والنصب.
[ ١٥ / ٣٩٠ ]
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ويُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ومَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ * وأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ١٠ - ١٣]
﴿تُنجِيكُم﴾ قرئ: مخففًا ومثقلًا. و﴿تُؤْمِنُونَ﴾ استئناف، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾، وهو خبر في معنى الأمر؛ ولهذا أجيب بقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وتدل عليه قراءة ابن مسعود: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا.
فإن قلت: لم جيء به على لفظ الخبر؟
قلت: للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي: غفر الله لك، ويغفر الله لك: جعلت المغفرة لقوة الرجاء، كأنها كانت ووجدت.
فإن قلت: هل لقول الفراء: إنه جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وجه؟
_________________
(١) قوله: (﴿تُنجِيكُمْ﴾ قرئ: مخففًا ومثقلًا)، ابن عامر: مشددًا، والباقون: مخففًا. قوله: (وهو خبر في معنى الأمر)، قال صاحب"الكشاف": هذا قول سيبويه. قوله: (هل لقول الفراء: إنه جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وجه؟)، قال الزجاج: وقد غلط بعض النحويين فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾، وذلك أنه ليس إذا دلهم النبي ﷺ على ما ينفعهم غفر الله لهم، إنما يغفر الله لهم إذا آمنوا وجاهدوا، وإنما هو جواب: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُونَ﴾، لأن معناه معنى الأمر، أي: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا يغفر لكم، أي:
[ ١٥ / ٣٩١ ]
قلت: وجهه أن متعلق الدلالة هو التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد؛ فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم؟
فإن قلت: فما وجه قراءة زيد بن علي ﵄: (تؤمنوا) و(تجاهدوا)؟
قلت: وجهها أن يكون على إضمار لام الأمر، كقوله:
محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر تبالا
_________________
(١) إن فعلتم ذلك يغفر لكم، ويدل عليه قراءة ابن مسعود. وخلاصة جواب المصنف: أن قوله ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى آخره، بيان لجملة قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ على سبيل الاستئناف،، وعلم أن البيان والمبين واحد، فبهذا الاعتبار كان جوابًا. الانتصاف: هذا التأويل لا يحتاج إليه، فإنه يلحق بقوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وأمثاله، وقد تقدم الكلام فيه، وأن المؤمن الراسخ في الإيمان لما كان مظنةً لحصول الإقامة والامتثال صار كالمحقق منه ذلك. وقال أبو البقاء: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جواب شرط محذوف: أي إن تؤمنوا يغفر لكم، أو جواب لما دل عليه الاستفهام، والمعنى: هل تقبلون إن دللتكم. قوله: (محمد تفد نفسك)، البيت، أي: يا محمد لتفد نفسك، فحذفت اللام من اللفظ
[ ١٥ / ٣٩٢ ]
وعن ابن عباس أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناها، فنزلت هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون: ليتنا نعلم ما هي، فدلهم عليها بقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ وهذا دليل على أن ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ كلام مستأنف، وعلى أن الأمر الوارد على النفوس بعد تشوف وتطلع منها إليه: أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به.
﴿ذَلِكُمْ﴾ يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من أموالكم وأنفسكم.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟
قلت: معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرًا لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون ﴿وأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: عاجل، وهو فتح مكة.
_________________
(١) وهي مضمرة، ولهذا الفعل كان مجزومًا فحذف لكثرة الاستعمال، تبالًا: أي سوء عاقبة، والتبال: عداوة يطلب بها، يقال: تبلني فلان وتبلهم الدهر. قال كعب: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول أي: مصاب بتبل، وهو الذحل والعداوة. قوله: (معناه: إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرًا لكم)، الانتصاف: أجرى الشرط على حقيقته، وليس بالظاهر؛ لأن علمهم بذلك محقق، فإنهم مؤمنون، ولعله مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] كما تقول لمن ينتصر من عدوه: إن كنت حرًا فانتصر.
[ ١٥ / ٣٩٣ ]
وقال الحسن: فتح فارس والروم. وفي ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجل.
فإن قلت: علام عطف قوله ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾؟
_________________
(١) وقلت: يريد أنه من باب المبالغة والتتميم، وعليه ظاهر كلام القاضي: إن كنتم من أهل العلم، إذا الجاهل لا يعتد بفعله. وليس بذاك، لأن شرط ذلك الأسلوب أن يكون الشرط ثابتًا في نفسه أو عند المتكلم والمخاطب، لم يتعوج عن السداد، ولم يتحر سوى الصواب، كما مر في سورة الممتحنة، وهاهنا الكلام على ما سبق في فاتحة السورة مع أولئك المؤمنين الذين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، يشهد له نقله عن ابن عباس في هذا المقام قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناها فنزلت، فلما دلهم الله تعالى في يوم أحد على المجاهدة في سبيل الله تولوا، وحين لم يعلموا بموجب العلم قيل لهم: ﴿إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "إذا علمتم ذلك واعتقدتموه، أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم"، وفي التعقيب بقوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ والتوبيخ إيماء إلى هذا. قوله: (شيء من التوبيخ على محبة العاجل)، وذلك أنه تعالى عطف"أخرى" من حيث المعنى على النعمة المذكورة من المغفرة والثواب، وقيدها بقوله: ﴿تُحِبُّونَهَا﴾، وفيه إشارة إلى هذا المعنى، لأن الفتح والنصرة وإن كانا من الأمور الدينية، لكن فيهما حظ النفس؛ لأنهما بظاهر هما مما تشتهيه النفس، ويجوز أن يكون عطفًا على ﴿تِجَارَةٍ﴾؛ أي: أبشركم بتجارة أخرى عاجلة، بعد البشارة الآجلة.
[ ١٥ / ٣٩٤ ]
قلت: على ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك.
فإن قلت: لم نصب من قرأ (نصرًا من الله وفتحًا قريبًا)؟
قلت: يجوز أن ينصب على الاختصاص أو على (تنصرون نصرًا)، و(يفتح لكم فتحًا) أو على: يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرًا من الله وفتحًا.
_________________
(١) قوله: (على ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ لأنه في معنى الأمر)، قال صاحب"المفتاح": هو عطف على ﴿قُلْ﴾ مرادًا: قبل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقلت: قد سبق أن ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ متضمن معنى الأمر لقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ولأن سياق الكلام عليه، فإنه تعالى لما نبه عباده على ما يخلصهم مما يؤذيهم بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ اتجه لهم أن يتضرعوا إليه: نعم يا مولانا وربنا أرشدنا إلى هذه البغية! فقيل لهم: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا، ثم أمر حبيبه بأن يبشرهم بأن الله سيجز ما وعد من الثواب العظيم في الآخرة، والنصر القريب في الدنيا، تقريرًا أو تشريفًا، ولذلك أتى بما يدل على التجدد ووضع ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ موضع الضمير، للإشعار بأن صفة الإيمان هي التي تقتضي هذه البشارة، وأما اتحاد المسند إليه بين المعطوف والمعطوف عليه فليس بواجب كما مر في سورة البقرة: "أن قولك: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم"، من فصيح الكلام. ويمكن أن يقال: إنه تعالى لما أمر رسوله ﷺ بأن يخاطب الناس بقول: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أرشده إلى ما يقتضيه من جواب أنه اتجه لسائل أن يقول: بلى دلنا؟ أي: قل: آمنوا بالله .. الآية، وبشرهم بعد ذلك بما لا يكتنه كنهه مما يصح أن تبشر به، لإطلاق
[ ١٥ / ٣٩٥ ]
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ١٤]
قرئ: ﴿كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ و(أنصارًا لله). وقرأ ابن مسعود: (كونوا أنتم أنصار الله).
وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم.
فإن قلت: ما وجه صحة التشبيه، وظاهره تشبيه كونهم أنصارًا بقول عيسى صلوات الله عليه: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾؟
قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح. والمراد: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾.
_________________
(١) "بشر"، فعلى هذه"بشر" معطوف على ﴿قُلْ﴾ مرادًا عند قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، ويجوز أن تكون"بشر" من الخطاب العام كأنه قيل: آمنوا بالله وبشروا، أي: ليبشر كل من يتأتى منه البشارة، فإن هذا الأمر بعظمته وفخامته حقيق بأن لا يختص بأحد دون أحد. قوله: (قرئ: ﴿كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾)، الكوفيون وابن عامر: ﴿أَنصَارَ اللَّهِ﴾ بغير تنوين ولا لام، والباقون: بالتنوين ولام مكسورة. أي: في أول اسم الله ﷿. قوله: (وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم)، وذلك أن الضمير إذا جعل فصلًا لا محل له أفاد الاختصاص، أي: هذا الأمر لعظم مناله لا يختص به إلا أمثالكم، البذالون للأرواح الناصرون لله ولرسوله، وإن جعل مبتدأ أفاد تقوي الحكم، وأن النصرة مطلوبة البتة. وقوله: (التشبيه محمول على المعنى)، أي: على تقدير أشياء عدة لتصحيح التشبيه، و"ما" في
[ ١٥ / ٣٩٦ ]
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾؟ قلت: يجب أن يكون معناه نطابقًا لجواب الحواريين ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ والذي يطابقه أن يكون المعنى: من جندي متوجها إلى نصرة الله، وإضافة ﴿أَنصَارِي﴾ خلاف إضافة ﴿أَنصَارُ اللَّهِ﴾ فإن معنى ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾: نحن الذين ينصرون الله
_________________
(١) ﴿كَمَا قَالَ﴾: مصدرية، أي: كونوا أنصار الله، مثل كون الحواريين أنصار الله وقت قول عيسى: من أنصاري إلى الله؟ قوله: (يجب أن يكون معناه مطابقًا لجواب الحواريين)، يريد أن قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ ليس على ظاهره لتعديته بـ"إلى"، ولا يطابقه أيضًا جواب الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾، فالواجب أن يؤول بما يطابق الجواب بحيث يعلم منه معنى التعدية، وتضمين ما يتعلق به "إلى"، وهو: "من جندي متوجهًا إلى نصرة الله". قوله: (وإضافة ﴿أَنصَارِي﴾ خلاف إضافة ﴿أَنصَارُ اللَّهِ﴾)، قال صاحب"الانتصاف": الإضافة الأولى محضة، والثانية غير محضة. وقلت: يشهد للأول قوله: "من الأنصار الذين يختصون بي؟ "، والثاني قوله: "نحن الذين ينصرون الله". فإن قلت: هذا يخالف تقديره الأول: "من جندي متوجهًا إلى نصرة الله؟ "، لأن"جندي" خبر"من" الاستفهامية، وفيه ضمير راجع إلى المبتدأ، و﴿إِلَى اللهِ﴾ حال منه. قلت: عمله حينئذ نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]. فإن قلت: ما فائدة الاختلاف؟
[ ١٥ / ٣٩٧ ]
ومعنى ﴿مَنْ أَنصَارِي﴾ من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله؛ ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله؟؛ لأنه لا يطابق الجواب. والدليل عليه: قراءة من قرأ: (من أنصار الله).
والحواريون أصفياؤه، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلًا؛ وحواري الرجل: صفيه وخلصانه، من الحوار وهو البياض الخالص. والحوارى: الدرمك
_________________
(١) قلت: الإيذان بأن يطلب منهم هو النصرة المعتبرة، وهو اختصاصهم به وما أخبروا به عن أنفسهم، إنشاءً للنصرة بل ادعاءً منهم أنهم الذين ينصرون الله، ولذلك عقب بقوله: ﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ وقريب منه قوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: ٥٣] فإذا اعتبر المبتدأ من جانب المسلمين قدر: الذي يطلب منكم طاعة معروفة فعلًا، وإذا اعتبر من جانب المنافقين قيل: أمركم وشأنكم معروفة قولًا. قوله: (ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله) وهو قول الزجاج، لأنه لا يطابق ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾، إذ المطابق: نحن أنصار الله ننصرك مع الله، على أن "إلى" بمعنى "مع" قليل. قوله: (قراءة من قرأ: "من أنصار الله")، ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. قوله: (والحوارى: الدرمك) عن بعضهم: الدرمك: نقاوة الدقيق الذي ليس فيه نخالة، ويقال: الدرهم يكسو النرمق أي: الثوب اللين، تعريب نرمك ويطعم الدرمق، قال الزجاج: الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب، وكذلك الدقيق الحوارى؛ لأنه ينقى من لباب البر وخالصه، وتأويله في الناس: أنه إذا رجع في اختياره مرةً بعد أخرى وجد نقيًا من العيوب، من حار يحور، وهو الرجوع والترجيع.
[ ١٥ / ٣٩٨ ]
ومنه قوله ﵊: " الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي" وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب: يبيضونها. ونظير الحواري في زنته: الحوالي: الكثير الحيل.
﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ﴾ منهم بعيسى ﴿وكَفَرَت﴾ به ﴿طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا﴾ مؤمنيهم على كفارهم، فظهروا عليهم. وعن زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة.
عن رسول الله ﷺ: " من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليًا عليه مستغفرًا له ما دام الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه".
_________________
(١) قال الراغب: قيل: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم. قوله: (الزبير ابن عمتي وحواريي)، الحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن جابر قال النبي ﷺ: "إن لكل نبي حواريًا؛ وإن حواري الزبير". الراغب: تشبيهه بهم في النصرة حيث قال: ﴿مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾. وقلت: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "من يأتينا بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا، ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " فقال الزبير: أنا، ثم قال في الثالثة: "إن لكل نبي حواريًا، وإن حواري الزبير". تمت السورة.
[ ١٥ / ٣٩٩ ]