مكية، وهي سبع عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(وَالسَّمَاءِ والطَّارِقِ • ومَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ • النَّجْمُ الثَّاقِبُ) ١ - ٣]
(النَّجْمُ الثَّاقِبُ) المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، كما قيل: دريء؛ لأنه يدرؤه، أي: يدفعه. ووصف بالطارق؛ لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلًا: طارق: أو لأنه يطرق الجني، أي يصكه. والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها.
_________________
(١) سورة الطارق سبع عشرة آية، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (للآتي ليلًا)، أي: كما يقال لمن يأتي في الليل: طارق، كذلك يقال للنجم الطالع في الليل: طارق. قوله: (أو لأنه يطرق الجني، أي: يصكه)، أي: يضربه. الراغب: "الطرق في الأصل الضَّرب، إلا أنه أخص، لأنه ضرب توقع كطرق الحديد بالمطرقة، ويتوسع فيه توسعهم في
[ ١٦ / ٣٧٩ ]
فإن قلت: ما يشبه قوله: (ومَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ • النَّجْمُ الثَّاقِبُ) إلا ترجمة كلمة بأخرى، فبين لي أي فائدة تحته؟
قلت: أراد الله عز من قائل: أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيمًا له، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبه على ذلك فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو الطارق، ثم قال: (ومَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)، ثم فسره بقوله: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) كل هذا إظهار لفخامة شأنه، كما قال: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ • وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] روي: أن أبا طالب كان عند رسول الله ﷺ، فانحط نجم، فامتلأ ماء ثم نورًا، فجزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال ﵇: «هذا نجم رمى به، وهو آية من آيات الله»، فعجب أبو طالب، فنزلت.
[(إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) ٤]
فإن قلت: ما جواب القسم؟
قلت: (إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)؛ لأن (إن) لا تخلو فيمن قرأ: (لَّمَّا) مشددة، بمعنى: إلا أن تكون نافية. وفيمن قرأها مخففة_على أن (ما) صلة_تكون مخففة من الثقيلة،
_________________
(١) الضرب. وسمي الماء الكدر طرقًا لطرقه الدواب بالرِّجل، والطارق السالك للطريق، لكن في المتعارف خُص بالآتي ليلًا، وعُبر عن النجم بالطارق لاختصاص ظهوره بالليل، وعن الحوادث التي تأتي بالليل بالطوارق". قوله: (فانحط نجم)، الأساس: "ناقة حطوط: سريعة السير، وحطت في سيرها وانحطت". قوله: (لا تخلو فيمن قرأ: ﴿لَّمَّا﴾ مشددة)، قرأ عاصم وابن عامر وحمزة: مشددة، والباقون: مخففة؛ فإن قُرئ "لمَّا" مشددة، يكون "إنْ" في قوله ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ﴾ نافية على تقدير: ما كل نفس
[ ١٦ / ٣٨٠ ]
وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم، حافظ مهيمن عليها رقيب، وهو الله ﷿ (وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) [الأحزاب: ٥٢]، (وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا) [النساء: ٨٥]، وقيل: ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشر. وروي عن النبي ﷺ: «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكًا يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين».
[(فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ • خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ • يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ) ٥ - ٧]
فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (فَلْيَنظُرِ) بما قبله؟
قلت: وجه اتصاله به، أنه لما ذكر أن على كل نفسٍ حافظًا،
_________________
(١) إلا عليها حافظ. وإذا قُرئ مخففة تكون "إنْ" مخففة من الثقيلة، و"ما" في "لما" صلة، أي: إن كل نفس لعليها حافظ، وأيتهما كانت، فهي مما يتلقى به القسم. قال الزجاج: "استعملت "لما" في موضع "إلا" في موضعين، أحدهما هذا، والآخر في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت، بمعنى: إلا فعلت". قوله: (وجه اتصاله [به] أنه لما ذكر)، وتحريره أنه تعالى لما أثبت أن على كل نفس حافظًا، يكتب أعمالها دقيقها وجليلها، خيرها وشرها على التوكيد القسمي، عُلم أنه تعالى ما خلق الخلق سُدى وعبثًا، بل خلقهم لأمر خطير وخطب عظيم، وما ذاك إلا ليعرفوا مالكهم وخالقهم، ويعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وعُلم منه أنه لا بد من ثواب المطيع وعقاب العاصي، ومن الرجوع إلى المالك العادل للوصول إلى ما لكل منهما، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤]. فمن أنكر ذلك، فلينظر إلى نفسه ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، وهو المراد من قوله: "أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أول أمره"، إلى قوله "ولا يُملي على حافظه من الأعمال إلا ما يَسُرُه في عاقبته".
[ ١٦ / ٣٨١ ]
أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أول أمره ونشأته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته؛ و(مِمَّ خُلِقَ) استفهام جوابه (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) والدفق: صب فيه دفع. ومعنى دافق: النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللابن والتامر، أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه، ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه، (مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ) من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة.
_________________
(١) فظهر من هذا التقدير أن الفاء في ﴿فَلْيَنظُرِ﴾ فصيحة تُفصح عن هذه المقدرات، مثلها في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، بعد قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]. قوله: (الدفق: صب فيه دفع)، عن بعضهم: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾، أي: سائل بسرعة، ومنه استعير: جاؤوا دُفقة، وبعير أدفق، أي: سريع. قوله: (وترائب المرأة، وهي عظام الصدر)، قال الإمام: "طعن [في هذه الآية] الملحدة، خذلهم الله وأبادهم، وقالوا: إن المني إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، مستعدًا لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء. فإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف، لأن معظمه
[ ١٦ / ٣٨٢ ]
وقرئ: (الصلب) بفتحتين، و(الصلب) بضمتين. وفيه أربع لغات: صلب، وصلب، وصلب وصالب. قال العجاج:
في صلب مثل العنان المؤدم
وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة.
[(إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ • يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ • فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا نَاصِرٍ) ٨ - ١٠]
(إنَّهُ) الضمير للخالق، لدلالة خلق عليه
_________________
(١) إنما يتولد من الدماغ. وإن كان المراد أن مُستقر المني هناك فضعيف أيضًا، لأن مستقره أوعية المني، وهي عروق تلتف بعضها ببعض عند البيضتين". وأجاب أن "لا شك أن أعظم الأعضاء معونة الدماغ، ومنه النخاع في الصلب، وشعب نازلة إلى مقدم البدن وهي التَّريبة؛ على أن كلامهم محض الوهم والظن الضعيف، وكلام الله المجيد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". قوله: (وقُرئ: "الصَّلب" بفتحتين)، ﴿الصُّلْبِ﴾: بضم الصاد وسكون اللام: هي المشهورة، والبواقي: شواذ. قوله: (في صلب مثل العنان المؤدم)، أوله: ريا العظام فخمة المخدم يصف صلب امرأة باللين. فخمة المخدم: عظيمة الساق، والعنان: السير الذي يأخذه
[ ١٦ / ٣٨٣ ]
ومعناه: إن ذلك الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة (عَلَى رَجْعِهِ) على إعادته خصوصًا (لَقَادِرٌ) لبين القدرة لا يلتاث عليه ولا يعجز عنه. كقوله:
إنني لفقير
_________________
(١) الراكب بيده. المؤدم: أي المتخذ من الأديم. وعن بعضهم: جاء الصُّلب، بضمتين، وقد قُرئ به، واستشهد بقول الشاعر. قوله: (وما معناه: إن ذلك الذي خلق الإنسان)، يعني: إن في مجيء الفعل مجهولًا أولًا، والإضمار قبل الذكر ثانيًا، الدلالة على أن الكلام من باب إرخاء العنان. أي: ما أقول: إنني أنا المبدئ والمعيد، بل أقول: إن ذلك الذي تعورف عندكم واشتهر وتقرون أنه الخالق، هو القادر على الإعادة؛ فجيء بإن واللام وتنكير الخبر، ليدل على رد بليغ، وعلى إنكار مبالغ عنهم، بأنه لا حشر ولا نشر، بل إما تعطيل أو أمر آخر كما اختلف فيه المبطلون. يعني: لا تتعلق القدرة بشيء من الأشياء، إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، ومن ثم نص على قوله: "على إعادته خصوصًا ﴿لَقَادِرٌ﴾؛ قال الإمام: "الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للخالق، مع أنه لم يتقدم ذكره، لأنه قد تقرر في بدائه العقول، أن القادر على هذه التصرفات هو الله تعالى، ولذلك كان كالمذكور". قوله: (لا يلتاث عليه)، الجوهري: "الالتياث: الاختلاط والالتفات، يقال: التاثت الخطوب والتاثت برأس القلم شعرة". يعني: دل التنكير في ﴿لَقَادِرٌ﴾ على كمال القدرة، كما التنكير في قول الشاعر: لئن كان يهدي برد أنيابه العلا لأفقر مني، إنني لفقير يريد: بليغ الفقر جدًا، ومضى شرحه في "البقرة".
[ ١٦ / ٣٨٤ ]
(يَوْمَ تُبْلَى) منصوب بـ (رَجْعِهِ)، ومن جعل الضمير في (رَجْعِهِ) للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو الإحليل، أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بمضمر (تُبْلَى السَّرَائِرُ) ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال. وبلاؤها: تعرفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث،
_________________
(١) قوله: (﴿يَوْمَ تُبْلَى﴾ منصوب بـ ﴿رَجْعِهِي﴾)، قال صاحب "الكشف": "لا يجوز أن ينتصب به، للفصل بين الصلة والموصول بقوله ﴿لَقَادِرٌ﴾، ولا ينتصب أيضًا بقوله: ﴿قَادِرٌ﴾ " لأنه تعالى قادر في كل الأوقات؛ فإذن ينتصب بمُضمر دل عليه قوله ﴿رَجْعِهِي﴾، أي: بعثه يوم تبلى السرائر. وإن شت بمضمر دل عليه قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. ومنع أبو البقاء أن يكون منصوبًا بـ ﴿رَجْعِهِي﴾ للعلة المذكورة، وأجاز أن يكون منصوبًا بـ ﴿قَادِرٌ﴾. ويمكن أن يقال: إن الفصل غير مانع لأنه في تقدير التأخير، قُدم مُراعاة للفواصل، على أن الظرف اتسعوا فيه ما لم يتسعوا في غيره. قوله: (ومن جعل الضمير في ﴿رَجْعِهِي﴾ للماء، وفسَّره برجعه إلى مخرجه) إلى قوله (نصب الظرف بمضمر)، وفي "معالم التنزيل"، قال مجاهد: على رجعه: رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء إلى الصُّلب الذي خرج منه، وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماءً كما كان من قبل لقادر، وقال قتادة: إن الله على بعث الإنسان وإعادته بعد الموت قادر، وهذا أولالأقاويل لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وذلك يوم القيامة، لأنه مردود إلى قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: يوم تبلى ما كتب عليه الملك من أعمال الخير والشر، وكانت خفية عليه وعلى الناس، فحينئذ لا يقدر على دفع ذلك بنفسه، ولا له ناصر يدفع عنه غير الله. قوله: (نصب الظرف بمضمر)، أي: بـ "اذكر" قبله، أو بقوله: "كان كيت وكيت" بعده.
[ ١٦ / ٣٨٥ ]
وعن الحسن أنه سمع رجلًا ينشد:
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا … سريرة ود يوم تبلى السرائر
فقال: ما أغفله عما في (وَالسَّمَاءِ والطَّارِقِ)! (فَمَا لَهُ) فما للإنسان، (مِن قُوَّةٍ) من منعة في نفسه يمتنع بها (ولا نَاصِرٍ) ولا مانع يمنعه.
[(والسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ • والأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ • إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ • ومَا هُوَ بِالْهَزْلِ) ١١ - ١٤]
سمي المطر رجعًا، كما سمي أوبًا قال:
رباء شمّاء لا يأوى لقلتها … إلا السحاب وإلا الأوب والسبل
تسمية بمصدري: رجع، وآب؛ وذلك أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض.
_________________
(١) قوله: (فقال: ما أغفله عما في ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾)، يعني: يشتغل بالشدائد ولا يتفطن لها، إذ لو عقل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾، شغله عن هذه المحبة، لكنه ذُهل عن تلك الشؤون حتى تكلم بهذا. روي عن ابن عمر ﵄: "يُبدي الله تعالى يوم القيامة كل خير وشر، فيكون إما زينًا في الوجوه أو شينًا فيها". يعني: من حفظها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر. قوله: (رباء شماء) البيت، وفي "المطلع": زناء، بالزاي والنون المشددة، من: زنأ في الجبل: إذا صعد فيه. ويروى: "رباء"، بالراء والباء الموحدة من تحت، يقال من: ربأ: الرَّبيئة: الديدبان، إذا صعد المربأ وهو المرقب. تم كلامه. الشمم: ارتفاع الأنف، والنعت منه الأشم. وقيل: شماء مضاف إليه، والسبل: المطر الجود. يصف الهضبة بالارتفاع، والمعنى: هذا الرجل رباء قلعة شماء. قوله: (كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض)، لعل هذه الوجه غير مرضي، لأن هذا الزعم باطل، وقد مر بطلانه في "البقرة"، ولم يذكره الإمام ولا المفسرون.
[ ١٦ / ٣٨٦ ]
أو أرادوا التفاؤل فسموه رجعًا، وأوبًا ليرجع ويؤب. وقيل: لأن الله يرجعه وقتًا فوقتًا. قالت الخنساء:
كالرجع في المدجنة السارية
والصدع: ما يتصدّع عنه الأرض من النبات (إنَّهُ) الضمير للقرآن، (فَصْلٌ) فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له فرقان (ومَا هُوَ بِالْهَزْلِ) يعني: أنه جد كله لا هوادة فيه. ومن حقه وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيبًا في الصدور،
_________________
(١) قوله: (كالرجع في المدجنة الساريه)، أوله: يوم الوداع ترى دموعًا جاريه المُدجنة: السحابة المظلمة، والسارية من السحاب: ما بين الغادية والرائحة. قوله: (﴿إِنَّهُ﴾: الضمير للقرآن)، روى الإمام عن القفال أنه قال: "إن المعنى أن ما أخبرتكم به من قُدرتي على إحيائكم يوم تُبلى فيه سراركم، قول حق وكلام فصل"، ثم قال الإمام: "هذا أولى، لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أحرى". وقلت: ويؤيده قضية النظم، وهو أنه تعالى لما بدأ في مفتتح السورة بما دل على إثبات الحشر، وأكده بالإقسام بالنجم الثاقب، ثنى بالإقسام بقوله: لإثبات ذلك المطلوب تشديدًا وتقريرًا، ولذلك نفى الهزل، وعبر عن إنكارهم بالكيد والحيلة والتلبيس على العوام، قال الإمام: "الكيد: هو إلقاء الشبهات، كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، قال: ﴿مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ". قوله: (لا هوادة فيه)، الأساس: "بينهم مُهاودة وهوادة، وما في فلان هوادة: رفق ولين". قوله: (ومن حقه)، وهو خبر، والمبتدأ: "أن يكون مهيبًا"، "وقد وصفه الله تعالى بذلك":
[ ١٦ / ٣٨٧ ]
معظمًا في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه، وأن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى أن جبار السموات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده وبوعده، حتى إن لم يستفزه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جادا غير هازل، فقد نعى الله ذلك على المشركين في قوله: (وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ • وأَنتُمْ سَامِدُونَ) [النجم: ٦٠ - ٦١]، (والْغَوْا فِيهِ) [فصلت: ٢٦].
[(إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا • وأَكِيدُ كَيْدًا • فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) ١٥ - ١٧].
(إنَّهُمْ) يعني أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق، وأنا أقابلهم بكيدي: من استدراجي لهم وانتظاري بهم الميقات الذي وقته للانتصار منهم، (فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ) يعني: لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به،
_________________
(١) حال من الضمير المجرور في "حقه"، يريد أنه من المعلوم أن القرآن كله جد وليس بهزل؛ وإنما وصفه الله تعالى بذلك، ليكون مهيبًا في الصدور، معظمًا في القلوب. روينا عن الترمذي والدرامي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، قال: "سمعت رسول الله؟ يقول: إنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله". الحديث. قوله: (يترفع به قارئه)، أي: يُعظه بأن لا يشتغل بما يخالف تعظيمه، من الإلمام بالهزل، والتفكه بالمزاح. "الأساس": "دخلت عليه فلم يرفع لي رأسًا، ورفعت له غاية فسما إليها". قوله: (أن يُلم)، أي: أن ينزل. الجوهري: "قد ألم به، أي: نزل به". قوله: (وأن يلقي ذهنه)، عطف على قوله: أن يكون مهيبًا" على سبيل البيان، يدل عليه قوله: "أن جبار السموات يخاطبه"، أي: به، لا على قوله: "أن يلمّ" لفساد المعنى.
[ ١٦ / ٣٨٨ ]
(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي إمهالًا يسيرًا؛ وكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «الطارق»، أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات».
_________________
(١) ـ قوله: (أي: إمهالًا يسيرًا)، جعله صفة مصدر محذوف، ومنه قوله: ضعه رويدًا، أي: وضعًا رويدًا؛ قال الإمام: "واعلم أن رُويد": إما اسم للأمر كقولك: رويد زيدًا، أي: خله ودعه وارفق به، ولا تنصرف فيه حينئذ لأنه غير متمكن. أو يكون بمنزلة سائر المصادر، تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرب زيد. أو يكون نعتًا منصوبًا، أي: إمهالًا يسيرًا، أو يكون حالًا، أي: أمهلهم غير مستعجل، قال أبو عبيدة: تكبيره: رود، وأنشد: يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته كأنه ثمل يمشي على رود أي: على مهل ورفق وتؤدة. وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال: "رويد زيدًا، يريد: أرود زيدًا، وأمهله، وأرفق به". قوله: (وكرر وخالف بين اللفظتين)، يعني: مَهِّل وأَمْهِل، ومعناهما واحد والباب مختلف. ولما كان الأصل في التكرار الموافقة، فلما خولف آذن أنه لأمر ما؛ فقوله: "لزيادة التسكين"، يتعلق بكل واحد من التكرير والمخالفة، فكأنه قيل: كرر وخالف لمزيد، مزيد التسكين منه. تمت السورة بعون الله * … * … *
[ ١٦ / ٣٨٩ ]