مدنية، وهي إحدى عشرة أو اثنتا عشرة أو ثلاث عشرة آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأَحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ ١ - ٣]
خص النبي ﷺ بالنداء، وعم بالخطاب؛ لأن النبي إمام أمته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت،
_________________
(١) سورة الطلاق مدنية، وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وعم بالخطاب)، "عم": مسند إلى الجار والمجرور.
[ ١٥ / ٤٦٣ ]
إظهارًا لتقدمه واعتبارًا لترؤسه، وأنه مدره قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسد جميعهم.
ومعنى ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إذا أردتم تطليقهن وهممتم به، على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله ﵇: " من قتل قتيلا فله سلبه" ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم، أي: مستقبلا لها
_________________
(١) قوله: (إظهارًا لتقدمه واعتبارًا لترؤسه)، ومن ثم أوثر لفظ النبي على الرسول، كما روينا في"صحيح البخاري" غير مرة أن البراء قال في الدعاء: ورسولك الذي أرسلت، قال رسول الله ﷺ: "لا، ونبيك الذي أرسلت". النهاية: قيل: إن"النبي" مشتق من النباوة: وهو الشيء المرتفع. الراغب: النبوة: سفارة بين الله ﷿، وبين ذوي العقول من عباده لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم. قوله: (مدره قومه)، الجوهري: المدره: زعيم القوم والمتكلم عنهم. قوله: (ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي)، هذا إشارة إلى قوله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون وعليكم السكينة، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة". قوله: (فطلقوهن مستقبلات لعدتهن)، قال القاضي: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: وقتها، وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان وما يشبهها للتأقيت، ومن عد العدة بالحيض علق اللام بمحذوف، مثل مستقبلات، وظاهره يدل على أن العدة بالأطهار، وأن طلاق المعتدة بالأقراء
[ ١٥ / ٤٦٤ ]
وفي قراءة رسول الله ﷺ: (في قبل عدتهن)، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها، والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه،
_________________
(١) ينبغي أن يكون في الطهر وأنه يحرم في الحيض من حيث أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، ولا يدل على عدم وقوعه، إذ النهي لا يستلزم الفساد، كيف وقد صح أن ابن عمر لما طلق امرأته حائضًا أمره رسول الله ﷺ بالرجعة، وهو سبب نزوله. قوله: (وفي قراءة رسول الله ﷺ: "في قبل عدتهن")، يعني: هذه القراءة ترجع تقدير"مستقبلات"، وروى هذه القراءة الأئمة كلهم. وقال ابن جني: هذه القراءة تصديق لمعنى قراءة الجماعة، أي: فطلقوهن عند عدتهن، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أي: عند وقتها. وقال صاحب" الانتصاف": وجه الدليل من القراءتين على أن الأقراء الأطهار، خلاف ما ظنه، أن الله تعالى جعل العدة، وإن كانت في الأصل مصدرًا، ظرفًا للطلاق المأمور به كاستعمال المصادر ظرفًا، كخفوق النجم، ومقدم الحاج، وزمان الطلاق، هو الطهر وفاقًا. فالتطهر: عدة، وتصير اللام على التحقيق مثلها في ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أي: لو علمت عملًا في حياتي، وعلى القراءة الأخرى من قبل عدتهن تحقق ذلك، فإن قبل الشيء جزء منه، فلقد أطلق القول من غير تحرير. قوله: (في الطهر المتقدم للقرء الأول)، أي: للحيض الأول بأن يطلقها في طهر يشارف الحيض.
[ ١٥ / ٤٦٥ ]
ثم يخلين حتى تنقضي عدتهن، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة، وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدةً، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثًا في أطهار، وقال مالك بن أنس ﵁: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدةً، وكان يكره الثلاث مجموعةً كانت أو متفرقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحد في طهر واحد، فأما مفرقًا في الأطهار فلا؛ لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: "ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا، وتطلقها لكل قرء تطليقةً". وروي أنه قال لعمر: "مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء".
وعند الشافعي ﵁: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنةً ولا بدعةً وهو مباح، فما لك تراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت؛ وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت؛ والشافعي يراعي الوقت وحده.
_________________
(١) قوله: (أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته) الحديث، رواه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وأبو داود عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: "ليراجعها ويمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله"، وفي رواية نحوه وفيه: "الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى" قال: وقرأ النبي ﷺ: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن". قول: (وعند الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث)، قال صاحب "التقريب": يقع عند
[ ١٥ / ٤٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الشافعي الثلاث طلاق البدعة مع الإثم، وعند ابن المسيب وجماعة من التابعين: لا يقع ما أوقعه في حيض أو ثلاثًا. وقال محيي السنة في"المعالم": ولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث عند بعض أهل العلم، حتى لو طلق امرأته في حال الطهر ثلاثًا لا يكون بدعيًا، وهو قول الشافعي وأحمد، وذهب بعضهم إلى أنه بدعة، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. وقال: الطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فلو طلق غير المدخول بها في حال الحيض، أو طلق الصغيرة التي لم تحض، أو الآيسة بعد ما جامعها، أو طلق الحامل بعد ما جامعها، أو في حال رؤية الدم، لا يكون بدعيًا ولا سنيًا، ولو طلق في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدًا، يعصي الله، لكن يقع الطلاق. وقال الزجاج: عند مالك: إن أراد الزوج أن يطلق امرأته ثلاثًا أن يطلقها طاهرًا من غير جماع تطليقةً واحدةً ثم يتركها إن أراد المقام على فرقتها ثلاث حيض، فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فلا يملك رجعتها، ولكن إن شاء أن يجدد نكاحها كان ذلك لهما، لأن معنى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي: بعد الطلاق الواحد، فإذا طلقها ثلاثًا في وقت واحد فلا يبقى لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ معنى. وقد جاء التشديد فيمن تعدى طلاق السنة فقال: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ وقال: ﴿ومَن
[ ١٥ / ٤٦٧ ]
فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟
قلت: نعم، وهو آثم؛ لما روي عن النبي ﷺ: أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا بين يديه، فقال: "أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثًا، فقال له: "إذن عصيت وبانت منك امرأتك".
وعن عمر ﵁: أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثًا إلا أوجعه ضربًا، وأجاز ذلك عليه. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين: أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أوثلاث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف.
فإن قلت: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟
قلت: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفهما محمد وزفر في الحامل، فقالا: لا تطلق للسنة إلا واحدة، وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعى الوقت.
فإن قلت: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟
قلت: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا، والظاهر الكراهة.
فإن قلت: قوله: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء
_________________
(١) يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ يعني حدود طلاق السنة. قوله: (ولا يراعى الوقت) إذ لا حيض لها، فلا يتصور رعاية الوقت. قوله: (والظاهر الكراهة) قيل: هذا لا يتصور على مذهب الشافعي إلا بالخلع مع الأجنبي، لأنه إذا طلق المدخول بها طلقةً واحدةً لا تبين إن كان مجانًا، وإن خالعها لا يكون مكروهًا، وأما إن خالع مع الأجنبي والمرأة حائض، فلا يكون الطلاق بدعيًا.
[ ١٥ / ٤٦٨ ]
والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صح تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟
قلت: لا عموم ثم ولا خصوص؛ ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك، فلما قيل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ علم أنه أطلق على بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض. ﴿وأَحْصُوا العِدَّةَ﴾ واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ حتى تنقضي عدتهن، ﴿مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ من مساكنهن التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج؛ وأضيفت إليهن لا ختصاصها بهن من حيث السكنى.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن؟ قلت: معنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن، وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن،
_________________
(١) قوله: (لا عموم ثم ولا خصوص)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، وقيل: قوله: "لا عموم" مشكل، لأن اسم الجنس المعرف باللام من صيغ العموم، فالأولى أن يقال هو عام، ولما قيل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ علم أن المراد به الخصوص، وقلت: السؤال والجواب مبني على أصول الحنفية وتوجيه السؤال: أن النساء جمع محل باللام، فيقيد استغراق جميع ما يصلح له. وخلاصة الجواب: أن هذا ليس من العام الذي خص بقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لأن المخصص عندهم دليل مستقل بنفسه كما سبق في البقرة، وها هنا ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ من تتمة الكلام لأنه جزاء للشرط، فلا يصلح للتخصيص فتعين أن يكون قيدًا للمطلق، والنساء على هذا دال على شائع في جنسه مقيد بقيد ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقد فسره النبي ﷺ في حديث ابن عمر بطهر لم يجامعها فيه، فيجب الحمل عليه، وإليه أشار بقوله: "علم أنه أطلق على بعضهن، وهن المدخولات بهن من المعتدات بالحيض".
[ ١٥ / ٤٦٩ ]
وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانًا بأن غذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك، ﴿إلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ قرئ بفتح الياء كسرها، قيل: هي الزنى، يعني إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن، وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهن في السكنى، وقيل: إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن؛ وتؤكده قراءة أبي: (إلا أن يفحشن عليكم)، …
_________________
(١) قوله: (وأن لا يأذنوا لهن في الخروج)، عطف على "أن لا يخرجهن البعولة غضبًا عليهن"، وكلاهما تفسير لقوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ لكونه مطلقًا يحتمل الحالتين، والحاصل: أن الجمع بين الإخراج والخروج استيعاب أقسام العناية بعدم الخروج، وفي"المطلع": وإنما جمع النهي بين الإخراج والخروج إيذانًا بأن لا أثر لإذن الأزواج في إباحة خروجهن، لأنه حق الشرع فلا يسقط بإسقاط العبد. قوله: (لا يخرجن)، من اللف التقديري، أي: معنى الإخراج والخروج أن لا يخرجهن البعولة، وأن لا يخرجن بأنفسهن قوله: (﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ قرئ بفتح الياء وكسرها) بالفتح: ابن كثير وأبو بكر؛ والباقون: بالكسر. قوله: (إلا أن يفحشن عليكم)، قيل: الاستثناء عند الجمهور من الجملة الأولى، وقيل: هو منقطع، أي: إلا أن يحشن فيخرجن، أي: من خرجت أتت بفاحشة، فعلى هذا يحتمل أن يكون الاستثناء من الجملة الثانية، ويحتمل أن يكون متصلًا، روي عن المصنف أنه قال: أي: لا يطلق لهن في الخروج إلا في الخروج الذي هو فاحشة، وقد علمنا أنه لا يطلق لهم فيه، فيكون ذلك منعًا على أبلغ وجه من الخروج.
[ ١٥ / ٤٧٠ ]
وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.
الأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها، والمعنى: فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون، ﴿فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ وهو آخر العدة وشارفنه، فأنتم بالخيار: إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان؛ وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار، وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلًا للعدة عليها وتعذيبًا لها ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ يعني عند الرجعة والفرقة جميعًا، وهكذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وعند الشافعي: هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.
وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث. ﴿مِنكُمْ﴾ قال الحسن: من المسلمين. وعن قتادة: من أحراركم ﴿لِلَّهِ﴾ لوجهه خالصًا، وذلك أن تقيمموها لا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] أي: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط ﴿يُوعِظُ بِهِ﴾.
_________________
(١) قوله:: (وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة)، أي: لا تخرجوهن إلا أن يخرجن قبل انقضاء العدة فإنه محل إخراجهن لأنه فاحشة في نفسه. قوله: (وشار فنه)، عطف على قوله: ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، على وجه البيان، أي: البلوغ يراد به المشارفة، إذ لا يمكن الرجعة بعد بلوغ الأجل، أي: انقضاء العدة. قوله: (إن شئتم فالرجعة)، أي: إن شئتم الرجعة والإمساك، وإن شئتم ترك الرجعة فلكم ذلك.
[ ١٥ / ٤٧١ ]
﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقة الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله، فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها، واحتاط فأشهد، ﴿يَجْعَل﴾ الله ﴿لَّهُ مَخْرَجًا﴾ مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص ﴿ويَرْزُقْهُ﴾ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه، إن أوفى المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله. وعن النبي ﷺ أنه سئل عمن طلق ثلاثًا أو ألفًا، هل له من مخرج؟ فتلاها، وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: " لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجًا، بانت منك بثلاث، والزيادة إثم في عنقك".
ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ يعني: ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ومخلصًا من غموم الدنيا والآخرة
_________________
(١) قوله: (والزيادة إثم في عنقك)، لأن التعرض للزائد انحراف عما عينه الله تعالى، وعدم مبالاة بما يجري على لسانه، نعوذ بالله من سخطه، ومن سقط القول، وعدم الوقوف على ما حده الله تعالى قوله: (ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾)، يعني: لما أمر المؤمنين بأمور تتعلق بالنساء من المجاملة معهن في الفراق والطلاق والإمساك، وأتى باسم الإشارة فذلكةً، وأن المذكور تذكير من الله وموعظة للمتقين من المؤمنين، أتى بكلام جامع منوط به أمور الدين ظاهره وباطنه، وفائدة الإشارة إلى أن أمور النساء من عظائم الشؤون في الدين، لاسيما المفارقة بعد العلقة التامة، فيجب على المتقي أن يكون على حذر من جانبهن، وأن لا يقصر في المجاملة معهن، ولما قلنا: إنه من الكلام الجامع. قال صلوات الله وسلامه عليه: "إني لأعلم آيةً لو أخذ بها الناس لكفتهم" … الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي ذر، ورواه ابن ماجه والدارمي عنه، وليس فيه:
[ ١٥ / ٤٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "فما زال يقرؤها ويعيدها" ولما ذكرنا أن أمور النساء من جلائل الخطب وعظائم الشؤون كرر الأمر بالتقوى في هذه السورة الكريمة في عدة مواضع وختمها بوعيد شديد، وتهديد عظيم، حيث قال: ﴿وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ ثم قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ مقررًا لذلك المعنى، وعقبه بقوله: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا﴾ إلى آخره، امتنانًا لمزيد التوصية. ذكر الراغب في"غرة التنزيل": إنما اقترن بالطلاق والعدة هذا الوعظ، لأن الطلاق رفض حال متمهدة، وقطع آمال متأكدة، والعدة باستيفائها يخلص النسب ويصح للزوج الثاني الولد، ولو لم يكن هذا الح الذي حده الله تعالى لكان الفساد يتصل إلى انقضاء الدنيا، فهو أحق الأشياء بالمراعاة، وتأكيد المقال فيه والوصاية. وذكر بعد الطلاق: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أي: من تمسك بتقوى الله فيما يحل ويعقد ويصدر ويورد، فإن الله يلقيه في شدته فرجًا، ويجعل له ممًا يكرهه مخرجًا، ويتيح له محبوبه من حيث لا يقدر، ويوجه له رزقه من حيث لا يحتسب، وفي ضمنه أنه إذا طلق لكراهة أحد القرينين لصاحبه، وقارن ذلك تقوى الله، فإن الله سبحانه يسبب له القرنية الصالحة، ولها القرين الصالح، ويرزق أحدهما على يد الآخر من حيث لا يبلغه تقديره ولا يدركه حسبانه، وهذا وعد منه مخافته، فيخرجهم من الغم إلى السرور، ومن الفزع إلى الأمن، ويعدلهم من كرامته ونعمته ما يكتفون به، ولا يحتاجون معه إلى غيره. ويكون قوله ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ مرادًا به أنه يكل أمره إلى الله فيتبعه راضيًا بما يصرفه فيه، كالدابة التي تسير بسير غيرها منقادةً لحكمه وسيره، فإذا كان المتوكل على الله بهذه الصفة فالله حسبه حافظًا له ممن يحاول ظلمه، ومنتقمًا منه إن رأى ذلك أنفع له، وهو مراده في الوقت الذي قدره، وإذا كان قد جعل لكل شيء حينًا يقع عنده، لا يتعجل قلبه، ولا يتباطأ بعده.
[ ١٥ / ٤٧٣ ]
وعن النبي ﷺ أنه قرأها فقال: "مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة"، وقال ﵇: " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ " فما زال يقرؤها ويعيدها، وروي: أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنًا له يسمى سالمًا، فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة؛ فقال: "ما أمسى عند آل محمد إلا مد فاتق الله واثبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله"، ففعل، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مئة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية. (بالغ أمره) أي يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب. وقرئ: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالإضافة و(بالغ أمره) بالرفع، أي: نافذ أمره، وقرأ المفضل: (بالغًا أمره) على أن قوله: ﴿قَد جَعَلَ اللهُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و(بالغًا) حال.
﴿قَدْرًا﴾ تقديرًا وتوقيتا، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه؛ لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته
_________________
(١) وأما قوله بعد ذكر عدة الحامل: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، فمعناه أن من لزم التقى سهل الله عليه الصعب من أمره، كما يجعل أمر الولادة سهلًا إذا قامت الأم عن ولدها سرحًا، ثم عقب حال الدنيا بذكر ما يفعله في الآخرة من تكفير سيئاته وإعظام أجره، فكل شرط من"من يتق الله" قرن إليه من الجزاء ما لاق به، والأخير لما كان مقدمًا على أحوال احتاجت إلى غاية الترغيب، وإلى المبالغة فيه، وعد عليه أفضل الجزاء، وهو ما يكون في الآخرة من النعماء، فتدبره تجد ما ذكرت لك. قوله: (تغفل عنها العدو)، أي: استغفل ابنه عدوه، تغفلت الرجل عن كذا: أخذته على غفلة. قوله: (وقرئ: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾)، بالإضافة، الجر لحفص، والنصب للباقين. والرفع شاذ.
[ ١٥ / ٤٧٤ ]
لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
[﴿واللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إلَيْكُمْ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ ٤ - ٥]
روي أن ناسًا قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء، فما عدة اللائي لا يحضن؛ فنزلت. بمعنى ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾: إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن، وقيل: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس- وقد قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين- أهودم حيض أو استحاضة؟
_________________
(١) قال الزجاج: معنى الإضافة: أن الله يبلغ ما يريد، ومعنى الرفع: أن الأمر يرفع، أي: الله يبلغ أمره وينفذ. وقال أبو البقاء: وقيل: "أمره" مبتدأ، و"بالغ" خبره. والضمير المجرور في "أمره" لله تعالى، أي: أن الله ينفذ حكمه، وأنشد: بتقوى الإله نجا من نجا وفاز وصار إلى ما رجا ومن يتق الله يجعل له كما قال من أمره مخرجا قوله: (لم يبق إلا التسليم للقدر)، الانتصاف: أين القدري من التسليم للقدر؟ وهو يعتقد أن المقدر أكثره لا يقع، وأكثر الكائنات تتبع إرادة الخلق عندهم، وإن وافقت إرادة الله تعالى فليس لها أثر في الإيجاد، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قوله: (أهو دم حيض)، قيل: "هو" متعلق بقوله: ﴿ارْتَبْتُمْ﴾ وقد علق عن العمل بسبب الهمزة.
[ ١٥ / ٤٧٥ ]
﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ وإذا كانت هذه المرتاب بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك، ﴿واللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ هن الصغائر، والمعنى: فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة المذكور عليه. اللفظ مطلق في "أولات الأحمال"، فاشتمل على المطلقات والمتوفى عنهن، وكان ابن مسعود وأبي وأبو هريرة وغيرهم لا يفرقون. وعن علي وابن عباس: عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأجلين. وعن عبد الله: من شاء لاعنته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في "البقرة"، يعني: أن هذا اللفظ مطلق في الحوامل.
_________________
(١) قوله: (فغير المرتاب بها)، وهن الحوامل والصغيرة. قوله: (وعن عبد الله: من شاء لاعنته)، روى البخاري وأبو داود والنسائي عن محمد ابن سيرين قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدثت بحديث سبيعة بنت الحارث إلى قوله: قال أبو عطية: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة؟ ! لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وفي رواية النسائي عن علقمة: أن ابن مسعود قال: من شاء لاعنته: ما نزلت: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها إذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت. ورواه ابن ماجه عن مسروق عنه. لاعنته: أي باهلته، والقصرى تأنيث الأقصر، وهي هذه السورة، والطولى هي البقرة. قول: (نزلت بعد التي في البقرة)، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فهذه الآية ناسخة أو مخصصة لتلك،، عن بعضهم: ما في البقرة محمول على غير الحامل، إذ لو أريد به الحامل لم تتعين عدتها بأربعة أشهر وعشر، أو هي معينة بالنص.
[ ١٥ / ٤٧٦ ]
وروت أم مسلمة: أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها: "قد حللت فانكحي".
﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ييسر له من أمره ويحلل من عقده بسبب التقوى ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يريد ما علم من حكم هؤلاء المعتدات، والمعنى: ومن يتق الله في العمل بما أنزل الله من هذه الأحكام وحافظ على الحقوق الواجبة عليه مما ذكر من الإسكان وترك الضرار والنفقة على الحوامل وإيتاء أجر المرضعات وغير ذلك استوجب تكفير السيئات والأجر العظيم.
[﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وجْدِكُمْ ولا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإن كُنَّ أُوْلاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ واتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وإن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ٦ - ٧]
﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وما بعده: بيان لما شرط من التقوى في قوله: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾.
_________________
(١) قوله: (وروت أم سلمة: أن سبيعة)، روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال جاء رجل إلى ابن عباس وأبو هريرة جالس عنده فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلةً؟ فقال ابن عباس: آخر الأجلين، وقلت أنا: ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ﴾؟ قال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة- فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا إلى أم سلمة فسألها، فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ، وكان أبو السنابل بن بعكك فيمن خطبها. قوله: (قد حللت)، هذا يؤيد قول ابن مسعود، وهو مذهب الشافعي ﵄. قوله: (ويحلل من عقده)، تتميم لمعنى قوله: "ييسر له من أمره"، أفاد ذلك التنكير في
[ ١٥ / ٤٧٧ ]
فإن قلت: ﴿مِنْ﴾ من ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ما هي؟
قلت: هي" من" التبعيضية مبعضها محذوف، معناه: أسكنوهن مكانًا من حيث سكنتم، أي بعض مكان سكناكم، كقوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] أي: بعض أبصارهم. قال قتادة: إن لم يكن إلا بيت واحد فأسكنها في بعض جوانبه.
فإن قلت: فقوله ﴿مِّن وجْدِكُمْ﴾؟
قلت: هو عطف بيان لقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ وتفسير له، كأنه قيل: أسكنوهن مكانًا من مسكنكم مما تطيقونه، والوجد: الوسع الطاقة، وقرئ بالحركات الثلاث.
والسكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعي: ليس للمبتوتة
_________________
(١) ﴿يُسْرًا﴾، فإنه للتعظيم والتكثير، والعموم من قوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ لأنه بمعنى الشأن والحال، فقوله: ﴿يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ أبلغ من قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ثم ليتأمل في استقرار كل واحد من مقامه، وتمكنه في مكانه. قوله: (مبعضها محذوف)، يريد: أن "من" إذا كانت تبعيضيةً، لا بد من تقدير مكان هو المبعض الموصوف، لتقع السكنى فيه، وهو"مكانًا"، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه اختصارًا. قوله: (﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أي: بعض أبصارهم)، يعني: في الأزمنة، لأنه ليس عليهم غض البصر أبدًا. قوله: (فقوله: ﴿مِّن وجْدِكُمْ﴾؟)، أي: إذا كان معنى ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ما ذكرت، فقوله: ﴿مِّن وجْدِكُمْ﴾ ما موقعه؟ وما معناه؟ يعني في قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾ ما يشعر بقوله ﴿مِّن وجْدِكُمْ﴾، فقوله: ﴿مِّن وجْدِكُمْ﴾ كالمستدرك، فأجاب المصنف بأنه عطف بيان له. قوله: (وقرئ بالحركات الثلاث)، أي: الوجد بالضم السبعة، والبواقي شواذ.
[ ١٥ / ٤٧٨ ]
إلا السكنى ولا نفقة لها، وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى؛ لحدث فاطمة بيت قيس: أن زوجها أبت طلاقها، فقال لها رسول الله ﷺ: "لا سكنى لك ولا نفقة".
وعن عمر ﵁: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها، سمعت النبي ﷺ: "لها السكنى والنفقة". ﴿ولا تُضَارُّوهُنَّ﴾: ولا تستعملوا معهن
_________________
(١) قوله: (لحديث فاطمة بنت قيس)، روى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي ﵁ إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها، فأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة، فقالا لها: والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملًا. فأتت النبي ﷺ فذكرت له قولهما فقال: "لا نفقة لك". فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت: أين يا رسول الله؟ قال: "إلى ابن أم مكتوم". وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها. فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب فسألها عن الحديث فحدثته به، فقال مروان: لم يسمع هذا الحديث إلا من امرأة! ! سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها. فقالت فاطمة ﵂ حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله ﷿: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلاَّ أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ . وفي رواية أبي اسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس أن الرسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفًا من حصى فحصبه به ثم قال: ويحك تحدث بمثل هذا وقال عمر ﵁: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة! !
[ ١٥ / ٤٧٩ ]
الضرار (لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل مكانهن، أو غير، ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج. وقيل: هو أن يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها. وقيل: هو أن يلجئها إلى أن تفتدى منه.
فإن قلت: فإذا كانت كل مطلقة عندكم تجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في قوله (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ)؟ قلت: فائدته أن مدة الحمل ربما طالت فظن ظانّ أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحائل، فنفى ذلك الوهم. فإن قلت: فما تقول في الحامل المتوفى عنها؟
قلت: مختلف فيها، فأكثرهم على أنه لا نفقة لها، لوقوع الإجماع على أنّ من أجبر الرجل على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته، فكذلك الحامل.
_________________
(١) ـ وقال صاحب (الانتصاف): لا يخفى على المتأمل أن المبتوتة غير الحامل لا نفقة لها لأن الله تعالى أوجب السكنى لكلّ معتدة وشرط في النفقة أن يكنّ أولات حمل. فالقول بوجوبها للمبتوتة غير الحامل كما فعل الزمخشري لنصرة مذهب أبي حنيفة منافر للآية. وقيل: إن الحاصل أن مذهب أبي حنيفة ﵁ ظاهر في وجوب النفقة والسكنى للمعتدة البائنة حاملة كانت أو لا، ومذهب مالك والشافعي ﵄ أنّ لها السكنى بكلّ حال وأمّا النفقة فإن كانت حاملا استحقّت وإلا فلا، أما السكنى فلقوله تعالى (أسكنوهن من حيث سكنتم) وهذا مطلق وأمّا النفقة فلقوله تعالى (وإن كنّ اولات حمل فأنفقوا عليهن حتىّ يضعن حملهنّ) قوله: فأكثرهم على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على أن من أجبر الرجل) على مالم يسمّ فاعله والضمير في «عليه» راجع إلى «من» و«من امرأة أو ولد» بيان «من قبل»، قيل: حاصله أنّ
[ ١٥ / ٤٨٠ ]
وعن علي وعبد الله وجماعة: أنهم أو جبوا نفقتها.
﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ يعني: هؤلاء المطلقات، إن أرضعن لكم ولدًا من غيرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ حكمهن في ذلك حكم الأظآر، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه ﵃ الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم بين. ويجو عند الشافعي.
الائتمار بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور. يقال: ائتمر القوم وتآمروا، إذا أمر بعضهم بعضًا. والمعنى: ليأمر بعضكم بعضًا، والخطاب للآباء والأمهات، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بجميل وهو المسامحة، وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم؛ لأنه ولدهما معًا، وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه. ﴿وإن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه، وفيه طرف من معاتبة الأم على المعاشرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك، تريد: لن تبقى غير مقضه وأنت ملوم.
_________________
(١) الرجل الذي يجب عليه الإنفاق على ولده أو زوجته، فإذا مات ذلك الرجل، لا يجب إخراج النفقة من ماله لأجل الولد والزوج. قال الإمام الرافعي ﵀: المعتدة عن الوفاة لا نفقة لها، حائلًا كانت أو حاملًا، أما إذا كانت حائلًا فإن البائنة الحائل لا نفقة لها على الزوج في حياته، فعند الموت أولى. وأما إذا كانت حاملًا فإن النفقة للحمل والحامل، فإن كانت للحمل فنفقة الأقارب تسقط بالموت، وإن كانت حاملًا فبسبب استحقاقها الحمل، فإذا كانت نفقته في نفسه بعد الانفصال لا يجب بعد الموت، فكذلك النفقة الواجبة بسببه. قوله: (وأنت ملوم)، قال:
[ ١٥ / ٤٨١ ]
وقوله: ﴿لَهُ﴾ أي للأب، أي: سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه. ﴿لِيُنفِقْ﴾ كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه، يريد: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، كما قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقرئ: (لينفق) بالنصب، أي شرعنا ذلك لينفق. وقرأ ابن أبي عبلة: (قدر). ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾ موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقتصروا.
[﴿وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا ورُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا * فَذَاقَتْ وبَالَ أَمْرِهَا وكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ ومَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ ٨ - ١١]
_________________
(١) ومن يك ذا فضل، فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم الانتصاف: وخص بالعتاب الأم، لأن المطلوب منها اللبن، والأب غير متمول، خصوصًا على الولد، ولا كذلك ما يطلب من الأب. قوله: (أو لفقراء الأزواج)، يعني: قوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وعد من الله تعالى للمنفق بعد أن أمره بالإنفاق في قوله: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ فإذا قيد مطلق الأمر بما سبق، وأنه حديث من شأن المطلقات والمرضعات، يقال: أنه لفقراء الأزواج، وإذا ترك على إطلاقه ليكون استطرادًا في الكلام، على منوال ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ يقال: إنه موعد لفقراء ذلك الوقت، ويدخل فيه فقراء الأزواج دخولًا أوليًا، وهذا أوفق لتأليف النظم، ليكون
[ ١٥ / ٤٨٢ ]
﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ ربها﴾ أعرضت عنه على وجه العتو والعناد، ﴿حِسَابًا شَدِيدًا﴾ بالاستقصاء والمناقشة، ﴿عَذَابًا نُّكْرًا﴾ وقرئ: (نكرًا) منكرًا عظيمًا، والمراد: حساب الآخرة، وعذابها: ما يذوقون فيها من الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤، ٥٠]، ونحو ذلك؛ لأن المنتظر من وعد الله وعبده ملقى في الحقيقة، وما هو كائن فكأن قد كان.
_________________
(١) تخلصًا إلى قوله: ﴿وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ لأنها كالخاتمة للتحريض على تقوى الله وحفظ حدوده والتفادي عن التجاوز عنها، وإليه الإشارة بقوله: "فليكن لكم ذلك يا أولي الألباب من المؤمنين، لطفًا في تقوى الله وحذر عقابه". قوله: (وقرئ: "نكرًا")، نافع وابن ذكوان وأبو بكر. قوله: (فكأن قد كان)، وفي بعض النسخ: "فكأن قد" بلا"كان"، بلغ الوليد بن عبد الملك أن سليمان بن عبد الملك تمنى موته لما له من بعده العهدة، فكتب الوليد إليه يعاتبه على ما بلغه، وكتب في آخر الكتاب: تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد وقد علموا لو ينفع العلم عندهم لئن مت ما الداعي علي بمخلد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى فهيئ لأخرى مثلها فكأن قد
[ ١٥ / ٤٨٣ ]
وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبًا، كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك، ﴿يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ من المؤمنين لطفًا في تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات واستقصاؤها عليهم في الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل؛ وأن يكون ﴿عَتَتْ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية،، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ جوابًا لـ ﴿وكَأَيِّن﴾.
﴿رَسُولًا﴾ هو جبريل صلوات الله عليه: أبدل من ﴿ذِكْرًا﴾؛ لأنه وصف بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر؛ فصح إبداله منه، أو أريد بـ"الذكر": الشرف، من قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف، غما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ بالتكوير: ٢٠] أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد: ذا ذكر، أي: ملكًا مذكورًا في السماوات وفي الأمم كلها، أو دل قوله: ﴿أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ على "أرسل" فكأنه قيل: أرسل رسولًا؛ أو أعمل ﴿ذِكْرًا﴾ في ﴿رَسُولًا﴾ إعمال المصدر في المفاعيل، أي: أنزل الله أن ذكر "رسولًا" أو ذكره "رسولًا". وقرئ: (رسول)، على: هو رسول أنزله.
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يراد)، عطف على قوله: "والمراد حساب الآخرة"، وعلى هذا مجيءلا"حاسبنا" و"عذبنا" ماضيين على ظاهرهما، وقوله: "أن يكون ﴿عَتَت﴾ وما عطف عليه صفة للقرية" من تتمة هذا الوجه، و﴿أَعَدَّ اللهُ﴾ جواب لـ"كأين"، وعلى الأول: ﴿عَتَت﴾ جواب "كأين"، ﴿أَعَدَّ اللهُ﴾، تكرير وبيان، والمراد بالجواب الخبر، لأن "كأين" بمعنى "كم" الخبرية. قوله: (أو دل قوله ﴿أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ على "أرسل")، عطف على قوله: " ﴿رَسُولًا﴾، أبدل من ﴿ذِكْرًا﴾ ". اعلم أن ﴿رَسُولًا﴾ في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا﴾ إما أن يكون معمولًا لـ ﴿أَنزَلَ﴾ على الإبدال من الذكر، أو لا يكون معمولًا له، فعلى الأول: المراد بالرسول جبريل ﵇، لأنه هو الذي أنزله الله تعالى بالرسالة إلى الأنبياء.
[ ١٥ / ٤٨٤ ]
﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد إنزاله، أي: ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح؛ لأنهم كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين؛ وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ، أو ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون.
قرئ: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ بالياء والنون
_________________
(١) ثم الذكر: إما أن يراد به القرآن أو الشرف أو الذكر المتعارف، فإذا أريد به القرآن فوصفه بسبب الملابسة ونزوله به، وإذا أريد به الشرف فالوصف إما لكونه نازلًا على خير البرية، أو أنه في نفسه ذو شرف ومجد، وإذا أريد به المتعارف فوصفه به إما للمبالغة، نحو: رجل عدل، أو أنه ذو ذكر، أي: مذكور عند الخلق، وعلى الثاني الظاهر هو أن يراد بقوله ﴿رَسُولًا﴾: محمد ﷺ؛ فهو إما أن يكون معمولًا لفعل محذوف. قال الواحدي: أنزل إليكم قرآنًا، وأرسل رسولًا، وإنزال الذكر، يدل على إرسال الرسول. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾، أي: الرسول، أو معمولًا لـ ﴿ذِكْرًا﴾، أي: أنزل الله أن ذكرًا رسولًا، وذكره رسولًا، وجوز القاضي على الإبدال وإعمال "أنزل" أن يراد بـ ﴿رَسُولًا﴾ محمد صلوات الله وسلامه عليه، و﴿أَنزَلَ﴾ بمعنى: أرسل، حيث قال: ﴿رَسُولًا﴾ محمد صلوات الله عليه أبدل عن ﴿ذِكْرًا﴾ لمواظبته على تلاوة القرآن، أو لتبليغه، وعبر عن إنزاله بالإرسال ترشيحًا. وقلت: و﴿يَتْلُو﴾، تجريد للاستعارة. قوله: (قرئ: ﴿يُدْخِلُهُ﴾ بالياء والنون)، نافع وابن عامر: بالنون، والباقون: بالياء.
[ ١٥ / ٤٨٥ ]
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب.
[﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ومِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ١٢]
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ مبتدأ وخبر، وقرئ: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾؛ وبالرفع على الابتداء، وخبره: ﴿مِنَ الأَرْضِ﴾.
قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه. وقيل: بين كل سماءين مسيرة خمس مئة عام، وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السماوات. ﴿يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي: يجري أمر الله وحكمه بينهن، وملكه ينفذ فيهن.
وعن قتادة: في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه.
وقيل: هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره.
وقرئ: (ينزل الأمر)، وعن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق سأله: هل تحت الأرضين خلق؟ قال: نعم. قال: فما الخلق؟ قال: إما ملائكة أو جن.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾ قرئ بالتاء والياء.
_________________
(١) قوله: (﴿قَدْ أَحْسَنَ اللهُ﴾، فيه معنى التعجب)، نحوه قول الشاعر: . غلت ناب كليب بواؤها سبق بيان دلالته عليه في الفرقان. قوله: (قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه)، روينا عن الإمام أحمد
[ ١٥ / ٤٨٦ ]
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ﷺ".
_________________
(١) ابن حنبل والترمذي عن أبو هريرة قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه، إذ قال: "هل يدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها الرقيع: سقف محفوظ، وموج مكفوف"، ثم قال: "هل تدرون ما بينكم وبينها؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "بينكم وبينها خمس مئة عام"، ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "سماءين، بعدما بينهما خمس مئة سنة"، ثم قال كذلك، حتى عد سبع سموات، ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم،، قال: "إن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين"، ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها الأرض"، ثم قال: "هل تدرون ما تحت ذلك؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إن تحتها أرضًا أخرى، بينها مسيرة خمس مئة سنة"، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمس مئة سنة. الحديث. تمت السورة حامدًا لله ومصليًا على رسوله ﷺ * * * *
[ ١٥ / ٤٨٧ ]