مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)] ١ - ٥ [.
عن ابن عباٍس ومجاهد: هي أول سورةٍ نزلت،
_________________
(١) سورة العلق مكية، وهي تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (هي أول سورة نزلت)، عن الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي، عن يحيى ابن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن. قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ قال: سألت جابرًا عن ذلك، فقلت له مثل الذي قلت لي. فقال: ما أحدثُك إلا ما حدثنا رسول الله؟، إلى قوله: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وفي رواية عن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ في حديث "في بدء الوحي"، هو "اقرأ باسم ربك
[ ١٦ / ٥٠٩ ]
وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ما نزل ثم سورة القلم. محل (بِاسْمِ رَبِّكَ) النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ.
فإن قلت: كيف قال: (خَلَقَ) فلم يذكر له مفعولًا، ثم قال: (خَلَقَ الْإِنْسانَ)؟
قلت: هو على وجهين: إما أن لا يقدر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه. وإما أن يقدر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. وقوله: (خَلَقَ الْإِنْسانَ) تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض.
_________________
(١) ـ الذي خلق". ويمكن أن يقال: إن وجه التوفيق بين الروايتين، هو أن أول ما بُدئ به من الأمر بإنشاء القراءة هو ﴿اقْرَأْ﴾، ومن الأمر بإنشاء الإنذار ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (قُمْ فَأَنذِرْ﴾. قوله: (محل ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ النصب على الحال)، في "الكواشي": "الباء دخلت لتدل على الملازمة والتكرير، كأخذت بالخطام وأخذت الخطام، أو دخلت لتدل على البداية باسمه تعالى ومحلها حال، أي: اقرأ مبتدئًا باسم ربك". قوله: (قل: باسم الله، ثم اقرأ)، الجملة بيان لقوله: "اقرأ مفتتحًا باسم ربك، ولذلك أُخليت من العاطف". قوله: (لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض)، يعني: هذا من باب قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، لكن تقييده الأشرف بقوله: ﴿مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾، إيماء إلى تفضيل الملائكة. وقال القاضي: "الذي خلق كل شيء، ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعًا وتدبيرًا"، وقال صاحب "الكشف": "خصص بعد التعميم؛ فهو
[ ١٦ / ٥١٠ ]
ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ)] الرحمن: ١_ ٣ [فقيل: (الَّذِي خَلَقَ) مبهمًا، ثم فسره بقوله: (خَلَقَ الْإِنْسانَ) تفخيمًا لخلق الإنسان، ودلالةً على عجيب فطرته.
_________________
(١) كقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣ ٍ؛ فالغيب عام لكل ما غاب عنا، ثم قال: ﴿وَبِالْأخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وعكسه قول الشاعر: وهم العشيرة أن يبطئ حاسد أو أن يلوم لحاجة لوامها ألا ترى أن اللوم أعم من التبطئة، لأن التبطئة نسب قوم إلى البُطء وهو بعض اللوم. أن يبطئ: أي لأن يبطئ. وقلت: إنما علل تخصيص اإنسان بالذكر بقوله: "لأن التنزيل إليه"، لأن الأمر بقراءة المنزل مترتب على وصف الله ﷿ بخلق الأشياء، ثم تخصيص خلق الإنسان، وذلك لأنه هو المشرف بأن التنزيل إليه. قوله: (خلق الإنسان، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ (عَلَّمَ الْقُرْآنَ (خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣ ٍ])، عن بعضهم: إنه استشهد به من حيث إن خلق الإنسان خلق عظيم. وقلت: تقريره أن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ كقوله: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، في أن المراد منه خلق الإنسان فأُبهم، كما أن المراد من قوله: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: علم الإنسان القرآن. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾: تفسير أو بيان للمجمل، كما قيل: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤] كذلك، والفاء في قوله: "فقيل: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ "، عطفت ما بعدها بقوله: "يُراد"، وما توسط بينهما اعتراض. ويمكن أن يقال: إنه إذا جعلت الصلة ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾، كان القصد في علة القراءة هو
[ ١٦ / ٥١١ ]
فإن قلت: لم قال (مِنْ عَلَقٍ) على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله: (مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَة)؟
قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ)] العصر: ٢ [. (الْأَكْرَمُ) الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي واطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال: (الأكرم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)، فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم،
_________________
(١) ـ خلق الإنسان، كأنه قيل: اقرأ لأجل أنه خلقك للقراءة كما قال ثمة، وأخر ذكر ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليُعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط به علمًا بوحيه وكتُبه. قوله: (﴿الْأَكْرَمُ﴾: الذي له الكمال في زيادة كرمه)، الكواشي: "الأكرم: الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير. أو أكرم بمعنى كريم". وقوله: "ينعم على عباده" بيان للجملة الأولى. قوله: (حيث قال: ﴿الْأَكْرَمُ (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾)، يعني لما أطلق ﴿الْأَكْرَمُ﴾ وأبرزه في معرض "أفعل"، ليدل على الكمال في زيادة الكرم، وعلى الأنعام التي لا تُحصى، ثم أردفه بقوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، وجعله توطئةً وتمهيدًا لقوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، عُلِمَ أن ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم، وفي ذكر بدء حال الإنسان وأخسها وهو كونه علقة، وانتهاء حاله وهو صيرورته عالمًا، وإيصاله إلى أعلى المراتب، غاية الامتنان. يعني: كان ذليلًا مَهينًا، فاقتضى كرم الربوبية إلى ارتقائه ذروة العِز والشرف بفضله ولُطفه، ثم في جعل ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، توطئة إدماج وتنبية على فضل علم الكتابة.
[ ١٦ / ٥١٢ ]
ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة؛ ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا؛ ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ودليل إلا أمر القلم والخط، لكفى به. ولبعضهم في صفة القلم:
ورواقم رقش كمثل أراقم … قطف الخطا نيّالة أقصى المدى
سود القوائم ما يجدّ مسيرها … إلّا إذا لعبت بها بيض المدى
وقرأ ابن الزبير: (علم الخط بالقلم).
[(كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)] ٦_ ١٩ [.
(كَلَّا) ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه
_________________
(١) ـ قوله: (ولبعضهم في صفة القلم)، قيل: يعني به نفسه. قُطف الخُطا: ضيقة الخُطا. الرُّقْش كالنقش، والرُّقش جمع الراقش. والأراقم جمع أرقم، وهي حية فيها سواد وبياض. ورواقم من الرقم وهو الكتابة. والمُدي جمع الُمدية وهي السكين العريض. يقول: رب أقلام منقوشة، كمثل الأراقم، متقاربة الخُطوة، لا تجد في السير إلا إذا قطعتها السكين. قوله: (ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه)، الباء في "بنعمة الله" صلة "كفر" و"بطغيانه"، ومثلها: كتبت بالقلم. قوله: (وإن لم يُذكر لدلالة الكلام عليه)، أي: وإن لم يُذكر الكافر بنعمة الله الطاغي على ربه، فإن الكلام السابق دل على أنه تعالى خلق الإنسان من العلقة، ثم علمه ما لم يكن يعلم، فرفعه من حضيض الخِسَّة إلى يفاع العلم والمعرفة، كأنه قيل: خلقنا الإنسان من علق،
[ ١٦ / ٥١٣ ]
(أَنْ رءاهُ) أن رأى نفسه. يقال في أفعال القلوب: رأيتني وعلمتني، وذلك بعض خصائصها. ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. و(اسْتَغْنى) هو المفعول الثاني (إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى) واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان، تهديدًا له وتحذيرًا من عاقبة الطغيان. والرجعى: مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع. وقيل: نزلت في أبى جهل، وكذلك (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى). وروى: أنه قال لرسول الله ﷺ: أتزعم أن من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال مكة فضةً وذهبًا، لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، فنزل جبريل فقال: إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة، فكف رسول الله ﷺ عن الدعاة إبقاء عليهم. وروى عنه لعنه الله أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فو الذي يحلف به، لئن رأيته توطأت عنقه،
_________________
(١) ـ وعلمناه ما لم يعلم، ليشكر تلك النعمة الجليلة، فطغى وكفر، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾. وكذلك اللاحق وهو التعليل بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى﴾، فيقدر بعد قوله ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، ما يصح أن يكون ﴿كَلَّا﴾ ردعًا له. فعلى هذا، يحسن الوقف على ﴿كَلَّا﴾. وفي "الكواشي": "يجوز أن يكون ﴿كَلَّا﴾ تنبيهًا فيقف على ما قبلها، وردعًا فيقف عليها". وفي "المرشد": "الوقف على ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ تام. قالوا: أول ما نزل من القرآن هذه السورة، فلما بلغ هذا الموضع جبريل طوى النمط، فحكى الفراء بأنه وقف تام، لقطع جبريل ﵇ الكلام عنده، ولأن الكلام تمام لا يحتاج إلى غيره". قوله: (وروي عنه لعنه الله)، أي عن أبي جهل. الحديث مختصر من رواية الإمام أحمد ابن حنبل والبخاري عن أبي هريرة. قوله: (قال: فوالذي يحلف به)، أي: فوالذي يحلف به أبو جهل. قال المصنف: "يحكي الراوي حلفه، كي لا يذكر اللات والعُزى الذي يحلف به".
[ ١٦ / ٥١٤ ]
فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم، فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من ناٍر وهولًا وأجنحةً، (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى) ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته، إن كان ذلك الناهي على طريقةٍ سديدةٍ فيما ينهى عنه من عبادة الله،
_________________
(١) قوله: (وهولًا وأجنحةً)، أي: أولى أجنحةٍ، وهم الملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُوْلِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]. وفي الحديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم". قوله: (ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله)، قال الإمام: "أرأيت إن كان على الهُدى، خطاب لمن؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب للنبي؟، ولو جعلناه لغيره لاختل النظم، لأن ﴿أَرَءَيْتَ﴾ الأولى والثالثة خطاب له، كأنه تعالى يقول: أيها الرسول، أرأيت إن كان على الهدى واختار الرأي الصائب والاهتداء والأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيرًا له من الكفر بالله والنهي عن حديثه؟ أي: تلهف عليه أنه كيف فوت على نفسه المراتب العالية. وثانيهما: أنه خطاب للكافر، لأن الله تعالى كالمشاهد للظالم والمظلوم، والمولى القائم بين يديه المظلوم والظالم، والحاكم الحاضر عنده المدعي والمدعى عليه، يخاطب هذا مرة وهذا مرة، فلما خاطب النبي؟ بقوله: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾، التفت إلى الكافر وقال: أرأيت يا كافر إن كانت صلاته هدى، ودعاؤه إلى الله أمرًا بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ ". وقلت: بناء الكلام على "إن" الشرطية، وعلى التنكير في ﴿عَبْدًا﴾ معلوم، لأنه الرسول؟، دل على أن المقام مقام إرخاء العنان والكلام المنصف. ولذلك خص المصنف لفظ "البعض" أولًا في قوله: "بعض عباد الله"، وقال كما يعتقد ثانيًا، ثم ثلث بقوله: "كما نقول نحن"؛ فحينئذ الواجب أن يكون المخاطب بقوله: ﴿أَرَءَيْتَ﴾، غير النبي؟ وغير الكافر، لقوله: "أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله"، فإن الناهي والمنهي خارجان عن مورد
[ ١٦ / ٥١٥ ]
أو كان آمرا بالمعروف والتقوى فيما بأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح كما نقول نحن (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك. وهذا وعيد.
فإن قلت: ما متعلق أرأيت؟
قلت: الذي ينهى مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين.
فإن قلت: فأين جواب الشرط؟
قلت: هو محذوف تقديره: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى. وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: فكيف صح أن يكون (أَلَمْ يَعْلَمْ) جوابًا للشرط؟
_________________
(١) الخطاب، فكأنه تعالى يجعل الغير حاكمًا بين أهل الحق وأهل الباطل، ويهضم من حق أهل الحق، ويقول: أيها الحاكم، أخبرني عمن يزعم أنه على الحق، وينهي عبدًا من عباد الله عن عبادة الله وطاعته، لا أقول إنه رسول الله وصفوته من خلقه، بل هو بعض خلقه، أو يأمره بعبادة الأوثان، ويعتقد أنه أمر بالمعروف والتقوى. وأخبرني أيضًا عما نقول نحن: إن ذلك الآمر والناهي حاصل على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح، فما حكمك في ذلك؟ قال بعضهم: ﴿أَرَءَيْتَ﴾ وأُختاها متوجهات إلى ﴿أَلَمْ يَعْلَم﴾، وهو مقدر عند الأولين، وترك إظهاره اختصارًا، كما في قوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]. مثاله أن تقوله: أخبرني عن زيد إن وفدت عليه، أخبرني عنه إن استخبرته عنه، أخبرني عنه إن توسلت إليه، أما يوجب حقي؟ قوله: (تقديره: ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى (أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾)، يعني: الشرط قوله: ﴿إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، وجزاؤه ما دل عليه جزاء الشرط الثاني، وهو ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾، وترك ذكره اختصارًا. قوله: (فكيف صح) أي: كيف صح أن يكون الاستفهام جزاء للشرط؟ وخلاصة
[ ١٦ / ٥١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الجواب أن الاستفهام دخل بين الشرط والجزاء مؤكدة مقررة للتعجب. قال الزجاج في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾؟ [الزمر: ١٩]: "الهمزة جاءت مؤكدة معادة بين المبتدأ المتضمن للشرط، وبين الخبر للطول"؛ فعلى هذا، لا يقال: إن أكرمتك، أتكرمني؟ إلا مع من استمر معه الإكرام، واستمر منه عدم المبالاة. فإن قلت: ذكر أن ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ مع الجملة الشرطية، هما في موضع المفعولين، لأنهما مبتدأ وخبر، والخبر شرط وجزاء. هذا صحيح في ﴿أَرَءَيْتَ﴾ الأولى. وأما الثالثة، فليس فيها سوى الجملة الشرطية، وقد تقرر أنه لا يحذف المفعول الأول، إلا إذا كان الفاعل والمفعولان لشيء واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]، على القراءة بالياء التحتانية، أي: لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم في سبيل الله أمواتًا. وإنما جاز الحذف لأنه في الأصل مبتدأ، فيحذف كما يحذف المبتدأ، لكن بذلك الشرط. قلت: إنما لم يجز حذف المفعول الأول للإلباس. فأما إذا قامت قرينة، نحو كون الفاعل والمفعولين شيئًا واحدًا، وثم قرينة ظاهرة تدل على المحذوف، كما نحن بصدده من تصريحه بالقرينة الأولى، فما المانع من الجواز؟ وقد سبق عن المالكي وصاحب "التُّحفة" في سورة "القصص" جواز ذلك، على أن ﴿أَرَءَيْتَ﴾ استخبار ومتعلقه الجملة الشرطية. وفاعل ﴿كَذَّب﴾ ضمير راجع إلى الناهي والآمر، فلا يحتاج إلى شيء آخر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠]، في وجه.
[ ١٦ / ٥١٧ ]
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟
فإن قلت: فما "أرأيت" الثانية وتوسطها بين مفعولي "أرأيت"؟
قلت: هي زائدة مكرّرة للتوكيد. وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة. (كَلَّا) ردع لأبى جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات، ثم قال: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ) عما هو فيه، (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ) لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدّة. قال عمرو بن معديكرب:
قوم إذا يقع الصّريخ رأيتهم … من بين ملجم مهره أو سافع
_________________
(١) قوله: (وأمره بعبادة اللات)، إشارة إلى تفسيره لقوله: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ على زعمه كما قال: "آمرًا بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد". قوله: (قوم إذا نقع الصريخ) البيت، النقيع: الصراخ، ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع إذا صوت المصوت. ويروى: إذا فزعوا الصريخ والفزع: الرُّعب والنُّصرة أيضًا، والصريخ والصارخ: المستغيث، والمهر: الفتي من الخيل، أو سافع: أي: آخذ بناصية فرسه بالسرعة من غير لجام. الراغب: "السفع: الأخذ بسُفعة الفرس، وهو سواد ناصيته، قال تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]. وباعتبار السواد يقال للأثافي: سُفع، وبه سُفعة غضب، اعتبارًا بنا يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتد غضبه". يصف القوم بأنهم يُغيثون المستغيث بسرعة وينصرونه، وبعضهم يُلجمون الخيل، وبعضهم يأخذون ناصية الخيل ولا يُلجمون.
[ ١٦ / ٥١٨ ]
وقرئ: (لنسفعنّ) بالنون المشدّدة. وقرأ ابن مسعود: (لأسفعا). وكتبتها في المصحف بالألف على حكم الوقف، ولما علم أنها ناصية المذكور اكتفى بلام العهد عن الإضافة. (ناصِيَةٍ) بدل من "الناصية"؛ جاز بدلها عن المعرفة وهي نكرة؛ لأنها وصفت فاستقلت بفائدة. وقرئ: (ناصية) على: هي ناصية، و(ناصية) بالنصب، وكلاهما على الشتم. ووصفها بالكذب والخطأ على الإسناد المجازى، وهما في الحقيقة لصاحبها. وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك: ناصية كاذب خاطئ. والنادي: المجلس الذي ينتدي فيه القوم، أي: يجتمعون. والمراد: أهل النادي. كما قال جرير:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة
_________________
(١) قوله: (﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من "الناصية") إلى قوله: (وصفت فاستقلت بفائدة)، قال ابن الحاجب: "سُئلت: لم جُمع بين (﴿بِالنَّاصِيَةِ (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، فهلا اقتصر على إحداهما؟ فأجبت: أن الأولى ذكرت للتنصيص على ناصية الناهي، والثانية ذكرت تنبيهًا على علة السفع، ليشمل بظاهره على كل ناصية هذه صفتها". قوله: (ووصفها بالكذب والخطأ)، قال الزجاج: "تأويله: بناصية صاحبها كاذب، كما يقال: نهاره صائم وليله قائم، أي: هو صائم في نهاره وقائم في ليله". وقلت: والمبالغة فيه أن الكافر بلغ في الكذب والخطأ، إلى حيث إن الكذب والخطأ ظاهران من ناصيته، على نحو قولهم: وجهه نصف الجمال. قوله: (لهم مجلس صُهب السِّبال أذلة)، أي: لهم أهل مجلس. الأساس: "شعر أصهب: بين
[ ١٦ / ٥١٩ ]
وقال زهير:
وفيهم مقامات حسان وجوههم
والمقامة: المجلس. روى أن أبا جهٍل مر برسول الله ﷺ وهو يصلى فقال: ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول الله ﷺ؛ فقال: أتهدّدني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا، فنزلت. وقرأ ابن أبى عبلة: (سيدعى الزبانية) على البناء للمفعول، والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد، زبنية، كعفرية، من الزبن وهو الدفع
_________________
(١) الصُّهبة، وهو حُمرة في سواد. ومن المجاز: "هو أصهب السِّبال" للعدو، قال ابن قيس الرُّقيات: وظلال السيوف شيبن رأسي واعتناقي في الحرب صُهب السِّبال قال الميداني: "صُهب السِّبال: كناية عن الأعداء، قال الأصمعي: صهب السبال وسود الأكباد، يضربان مثلًا للأعداء، وإن لم يكونوا كذلك"، وأنشد البيت. قوله: (روي أن أبا جهل مر برسول الله؟)، الحديث أخرجه الترمذي عن ابن عباس، مع تغيير يسير. قوله: (زبنية كعفرية)، قال الأخفش: "قال بعضهم: الواحد: زباني، وبعضهم: زابن، وبعضهم: زبنية. قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من الجمع الذي لا واحد له، مثل: أبابيل". وقال الجوهري: "قال أبو عبيدة: العفريت من كل شيء: المبالغ. يقال: فلان عفريت نفريت، وعفرية نفرية، وفي الحديث: "إن الله يبغض العفرية النفرية، الذي لا يُرزأ في أهل ولا مال". والعفرية: المصحح، والنفرية إتباع".
[ ١٦ / ٥٢٠ ]
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم أمسيٌ، وأصله: زباني، فقيل: زبانية على التعويض؛ والمراد: ملائكة العذاب. وعن النبي ﷺ: «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا» (كَلَّا ردع) لأبى جهل، (لا تُطِعْهُ) أي اثبت على ما أنت عليه من عصيانه، كقوله: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)] القلم: ٨ [. (وَاسْجُدْ) ودم على سجودك، يريد: الصلاة (وَاقْتَرِبْ) وتقرّب إلى ربك. وفي الحديث: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد».
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة العلق، أعطى من الأجر كأنما قرأ المفصل كله».
_________________
(١) قوله: (وفي الحديث)، عن مسلم وأحمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله؟، قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء". وعن مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي، عن معدان بن طلحة قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله؟، فقلت: أخبرني بعمل يُدخلني الله به الجنة، فقال: سألت ذلك رسول الله؟، فقال: "عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة"، والله أعلم. تمت السورة بعون الله تعالى * … * … *
[ ١٦ / ٥٢١ ]