مكية، وهي تسعٌ وستونٌ آية
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) ١ - ٣]
الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل. ألا ترى أنك لو قلت: حسبت زيدًا وظننت الفرس:
_________________
(١) ـ سورةُ العنكبوت مكِّيّة، وهي تسعٌ وستُّون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (الحِسْبانُ لا يَصِحُّ تَعليقُه بمعاني المفرَدات، ولكنْ بمَضامينِ الجُمَلِ) سَبَقَ في «سُورة القَصَص» تحقيقُ هذا الكلام. الراغب: الحِسْبانُ: أن يُحكمَ لأحدِ النقيضَيْن من غيرِ أنْ يخطرَ الآخرُ بباله فيَحْسِبُه ويعْقِدُ عليه الأَصِبع، ويكونُ بمَعرضٍ أن يعتريَه شَكٌّ، ويقاربُ ذلك الظنُّ، لكن الظنَّ أنْ يُخطرَ النقيضَيْن بباله، فيُغلِّبَ أحدَهما على الآخَر.
[ ١٢ / ١٢٨ ]
لم يكن شيئًا؛ حتى تقول: حسبت زيدًا عالمًا؛ وظننت الفرس جوادًا، لأنّ قولك: زيدٌ عالم، أو الفرس جواد: كلامٌ دال على مضمون، فإن أردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتًا عندك
_________________
(١) ـ قولُه: (لم يكنْ شيئَا) أي: كلامًا مفيدًا، والضميرُ في «يَكُنْ» يعودُ إلى القولِ الَّذي يدلُّ عليه قولُه: «لَوْ قُلْتَ». قولُه: (ثابتًا عندَك) حالٌ إمَّا مِنْ فاعلِ «أَردْتَ»، أوْ «عن ذلك المَضمونِ»، وقيل: هو منصوبٌ عن كونِ مقدَّرٍ، أوْ عنَ كونِ «ذلكَ المضمونِ ثابتًا عندَك»، يدلُّ عليه قولُه: «فلمْ تَجدْ بُدًّا في العبارةِ عن ثَباتِه عندَك»؛ لأنَّه مِنَ التَّركِ الَّذي هو بِمعنى التَّصيير؛ يعني: يتعدَّى على مفعولَيْن، يشهدُ له الاستشهاد، وما سبقَ في أوَّلِ «البقرةِ» في قوله: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، وفيهِ نَظَر؛ لأنّ قولَه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ حالٌ، الواوُ صادَّةٌ عن جعلِ الجُمْلة ثاني مفعولَيْ: تَرك. والظاهرُ أنَّه ممَّا يَتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ بمعنى يُخَلَّوا أو يُطرَحوا، ولعلَّه مالَ إلى مذهب الأخفش، حيث جوَّز دخولَ الواوِ في خبرِ «كانَ» وأخوَاتِها. قالَ شارحُ أبياتِ «المفصَّل»: حُكيَ عن الأخفشِ: أنَّه كانَ يُجوِّز كان زيدٌ وأبوهُ قائِمٌ؛ على نُقصانِ «كان» وجَعْلِ الجملةِ خبرًا معَ الواو، وتَشبيهِها لخبرِ «كانَ» بالحال، وهذا كأنَّه التفاتٌ إلى مذهبِ الكوفيِّ، أنّ عندَه خبرُ «كانَ» حالٌ لا خبرٌ، وعليه قولُ المَعرّي: وَكَانتْ كالنَّخِيلِ وظَلَّ كُلٌّ … وَمُشْبِهَةً مِنَ الضُّمْرِ الإِهَانُ المِصْراعُ الأخيرُ جملةٌ معَ الواوِ وخبر ظل. وأبطلَ أبو عليٍّ قولَ الكوفيِّ: تقولُ العرب: كنتُ إيَّاه وكنتُه، فالضمير الجامد لا يقعُ حالًا، إذْ هو لازمُ التَّعريف. لعلَّ مذهبَه كمذهبِ يُونس، إذْ هوَ يجوِّزُ تعريفَ الحال.
[ ١٢ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقالَ صاحبُ «التَّقريب» في قولِه: «أَحسِبوا تَركَهُم غيرَ مفتونِين كقولهِم: ﴿آمَنَّا﴾» نَظَر؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تُركوا غيرَ مفتُونِين. وإنّما الكلامُ في العلِّةِ وليسَ كذلكَ لما ذكر من معنى الآية: أي أَحَسِبَ الذين نَطقُوا بكلمة الشهادة أنّهم يُتركون غيرَ مُمتَحَنين، بل يُمتَحنون ليتميَّزَ الراسخُ في الدِّين من غيرِه. ولسَبَبِ النُّزولِ. فالوجهُ أن يُجعلَ ﴿أَن يُتْرَكُوا﴾ سادًّا مَسدَّ مفعوليَ «حَسِبَ» كما سَيذكر في ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ بعدَ «حَسِبَ» ونظائرِه، و﴿أَن يَقُولُوا﴾ علَّةً للحِسْبان؛ أي: أَحَسِبوا كقولهم: ﴿آمَنَّا﴾ أن يُتركوا غيرَ مفتُونين بسبب قولِهم هذا لا بسببٍ آخَر، وليس الكلامُ إلاّ في أنْ جَعَلوا قولَهم علَّةً لقولهم: ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾. وأما سَببُ النُّزولِ: فهو أنَّ ناسًا من الصحابة جَزِعوا من أذى المشركين، إلى آخره. وأُجيبَ: أنَّ ذلك إنّما لَزِم أنْ لو كان التقديرُ ما ذَكَره، أمّا لو قُدِّر: أَحَسِبُوا تَرْكُهُم غيرَ مفتُونينَ يحصلُ لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، كما نصَّ عليه المصنِّفُ بقوله: «على تقدير: حاصِلٌ ومستقرٌّ، قَبلَ اللاّم» استقام، كأنّه قيل: لا ينبغي أن تَحسَبُوا أنَّ إجراءَ كلمةِ الشهادةِ على ألسنَتِكُم سببٌ لأنْ لا تُفتَنُوا؛ لأنّه مُقتَضٍ لازدياد الفتنةِ على ما سيجيءُ في حديث خبّابِ ابنِ الأَرتِّ، فإن لم يجعلوه مقتضيًا له فَلأَنْ لا يَجعلُوه لِعَدمِه أَولى. والحاصل أنّ دلالة المفهوم الذي ذَكَره، وأن الكلام في العلَّة مهجور؛ لأنَّ الكلام مع قومٍ مخصوصينَ؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبوَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقال الزَّجاجُ: في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ معنى التَّقريرِ والتَّوبيخِ؛ أي: أَحَسِبوا أن نقنعَ منهم بأن يقولوا: إنّا مؤمنون فقط ولا يُمتَحنون بما تَتبيَّنُ به حقيقةُ إيمانِهم، وموضعُ «أَنْ» الأُولى نصبٌ؛ لأنَّه اسمُ «حَسِبَ» وخبرُه، وموضعُ «أَنْ» الثانية إما نصبٌ بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾. المعنى: أَحَسِبَ النّاسُ أن يُتركوا لأنْ يَقولوا أو بأنْ يقولوا، ثم حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ، وإمّا أن يكونَ العاملُ فيها ﴿أَحَسِبَ﴾، كأن المعنى: أَحَسِب الناسُ أن يقولوا: آمنّا وهم لا يُفتنون. والأوَّلُ أجودُ.
[ ١٢ / ١٣٠ ]
على وجه الظن لا اليقين، فلم تجد بدّا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه، من ذكر شطرى الجملة مدخلًا عليهما فعل الحسبان، حتى يتم لك غرضك. فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟ قلت: هو في قوله: (أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، فالترك أول مفعولي "حسب"؛ ولقولهم: آمنا، هو الخبر. وأما «غير مفتونين» فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله:
فتركته جزر السّباع ينشنه
ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان، تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين، لقولهم:
_________________
(١) قوله: (فتَرَكْنَهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ)، تَمامُه: يَقْضُمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمْعْصَمِ وفي روايةٍ: «يَقْضَمْنَ قُلَّةَ رأسِه». جزَرَ السِّباعِ: اللَّحمُ الذي تأكلُه، وهو مفعولٌ ثانٍ إن كان التَّرْكُ بمعنى التَّصييرِ، وإلاّ فحالٌ؛ أي: تَركنَه وهو جَزَرُ السِّباعِ. النَّوْشُ: التَّناوُلُ. القَضْمُ: الأكلُ بطَرَف الأسنانِ. يصف مقتولًا. إذا كانت الروايةُ بالنُّون فالضَّميرُ في «تَرَكنه» للخيل، وإذا كانت بالتاء فللشاعِر، والمسموعُ بالنُّون. الراغب: التَّرْكُ: رفضُ الشيءِ قَصْدًا واختيارًا، أو قَهْرًا واضطِرارًا، فمِنَ الأوَّلِ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضُهْمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، ومِنَ الثاني قولُه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥]. ومنه: تَرِكُةُ فلانٍ؛ لِمَا يُخلِّفُه بعدَ موتِه. وقد يُقال في كلِّ فعلٍ ينتهي به إلى حالةٍ ما؛ نحو: تَرِكَتُه كذا، أو يَجري مَجْرى: جَعلتُه كذا، نحو: تَركتُ فلانًا.
[ ١٢ / ١٣١ ]
آمنا، على تقدير: حاصلٍ ومستقر، قبل اللام. فإن قلت: (أَنْ يَقُولُوا) هو علة تركهم غير مفتونين، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت: كما تقول خروجه لمخافة الشر، وضربه للتأديب، وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت مخافة الشر، وضربته تأديبًا: تعليلين. وتقول أيضا: حسبت خروجه لمخافة الشر، وظننت ضربه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرًا. والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف: من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم. والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف، كما قال:) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ([آل عمران: ١٨٧]، وروى أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قد جزعوا من أذى المشركين. وقيل في عمار بن ياسر: وكان يعذب في الله. وقيل: في ناسٍ أسلموا بمكة، فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا، فخرجوا فتبعهم المشركون فردّوهم، فلما نزلت كتبوا بها إليهم؛ فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا. وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب ﵁، وهو أوّل قتيلٍ
_________________
(١) ـ قوله: (في مِهْجَع بنِ عبدِ الله) وفي «الاستيعاب»: مِهْجَعُ بنُ صالح، مولى عمرَ بنِ الخطّابِ، شهد بدرًا، وهو أوَّل من قُتل من المسلمين بينَ الصَّفَّينِ، أَتاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فقتَله، فقال ابنُ إسحاقَ: هو من اليمن. وقال ابن هشام: هو من عَكٍّ، أصابَه سِبَاءٌ فمَنَّ عليه عمرُ ابنُ الخطابِ.
[ ١٢ / ١٣٢ ]
من المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي فقال رسول الله ﷺ: "سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " فجزع عليه أبواه وامرأته. (وَلَقَدْ فَتَنَّا) موصول ب- (أحسب) أو ب- لا يفتنون، كقولك: ألا يمتحن فلانٌ وقد امتحن من هو خير منه، يعنى: أن أتباع الأنبياء ﵈ قبلهم، قد أصابهم من الفتن والمحن نحو ما أصابهم، أو ما هو أشدّ منه فصبروا، كما قال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا) الآية [آل عمران: ١٤٦]، وعن النبي ﷺ: «قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن
_________________
(١) سَهْمٌ غَرْبٌ: أن لا يُعرفَ راميه، يُضاف ولا يُضاف. قوله: (﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ موصولٌ بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ أو بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾)، فإذا اتَّصل بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾ دخل في حيِّز متعلِّق الحِسْبانِ المُنكَرِ؛ أي: أَحَسِبُوا أن لا يكونوا كغَيرِهم، وليس لهم أُسوةٌ بالأمم السالفةِ، فيكون حالًا من فاعل ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾، وإذا اتصل بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ كان حالًا مقرِّرةً لجهةِ الإنكار؛ أي: أَحَصَل الحِسْبانُ والحالةُ هذه، وفي هذا تنبيهٌ على الخطأ وفي الأول تخطئةٌ. قوله: (﴿وَكَأَيِّن مِن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) تمهيدٌ لعُذْره في قوله: «مَنْ هو خيرٌ منه»، فإنه تُوُهِّمَ منه أنَّ أتباعَ الأنبياءِ خيرٌ من هذه الأمَّةِ، فقال: المراد منه النبيون مع الربيِّين، فهو تتميم لصيانة المكروه. قوله: (قد كان مَنْ قَبلَكُم يؤخذ)، الحديثُ من رواية البخاريِّ وأبي داودَ والنَّسائيِّ، عن خبّابِ بن الأَرتِّ قال: شَكَوْنا إلى رسول الله ﷺ ولقد لَقينا من المشركينَ شدَّةً فقلنا: ألَا تَستنصِرُ لنا، أَلا تَدعو لنا؟ فقال: «قَدْ كانَ مَنْ قَبلَكُمْ يُؤخَذُ الرجل فيُحفَرُ له في الأَرضِ فيُجعَلُ فيها، ثُمَّ يُؤتَى بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ على رَاسِه فيُجعَلُ نِصفَينِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِه وعَظْمِه مَا يَصُدُّه ذلكَ عن دِينِه».
[ ١٢ / ١٣٣ ]
دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه» (فَلَيَعْلَمَنَّ الله) بالامتحان (الَّذِينَ صَدَقُوا) في الإيمان (وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ) فيه. فإن قلت: كيف وهو عالم بذلك فيما لم يزل؟ قلت: لم يزل يعلمه معدومًا، ولا يعلمه موجودا إلا إذا وجد، والمعنى: وليتميزن الصادق منهم من الكاذب.
_________________
(١) ـ قوله: (لم يَزَلْ يَعلمُه مَعدومًا ولا يَعلمُه موجودًا إلا إذا وُجِدَ)، الانتصاف: هذا يُوهِم مَذهبًا فاسدًا، وهو أنَّ العلمَ بالكائن غيرُ العلمِ بما سيكون، والحقُّ أنَّ علمَ اللهِ واحدٌ يتعلَّق بالموجودِ، زمانَ وجودِه وقبلَه وبعدَه على ما هو عليه. وفائدةُ ذِكْرِ العلمِ التَّنبيهُ بالسَّبب على المُسبِّب، وهو الجزاء؛ أي: لَيَعلَمَنَّهم فلَيُجازِيَنَّهُم بسَبب علمِه فيهم، هذا هو الوجهُ الثاني في الجوابِ. وقال الإمام: عِلْمُ اللهِ صفةٌ يظهرُ فيها كلُّ ما هو واقع، فقَبْلَ التَّكليفِ كان اللهُ ﷾ يعلمُ أنَّ زيدًا سيُطيعُ وأنَّ عمرًا سَيعصي، ثمَّ وَقْتَ التَّكليفِ والإتيانِ يعلمُ أنه مطيعٌ والآخَرَ عاصٍ، وبعدَ الإتيانِ يعلمُ أنّه أطاعَ والآخَرَ عَصى، ولا يتغيَّرُ علمُه في شيءٍ منَ الأحوالِ، وإنّما المتغيٍّرُ المعلومُ، ويتبيَّن هذا بمثالٍ [منَ الحِسِّيّاتِ]- ولله المثلُ الأَعلى- وهو أنَّ المرآة الصَّقِيلةَ إذا عُلِّقت قُوبِلَ بها جهةٌ، فعَبَر عليها زيدٌ وعليه ثوبٌ أبيضُ، ثم عمروٌ وعليه ثوبٌ أصفرُ، فتَشكّلا فيه على حَسْب ما هُما عليه، فهل يُتصوَّر أنَّ المرآة من كَونها حديدًا أو مدورًا أو صَقِيلًا اختَلفت، بل يُقطع أن المتغيِّرَ الخارجُ، بل علمُ الله أعلى وأجلُّ، فإنَّ المرآة مخلوقةٌ، وعِلْمُ الله قديمٌ. وقال مُحيي السُّنة: ولَيُظهرنَّ اللهُ الصادقينَ من الكاذبينَ، حتى يُوجِدَ مَعلُومَه؛ لأنَّ الله تعالى عالمٌ بهم قَبل الاختبارِ.
[ ١٢ / ١٣٤ ]
ويجوز أن يكون وعدًا ووعيدًا، كأنه قال: وليثيبن الذين صدقوا وليعاقبنّ الكاذبين. وقرأ على ﵁ والزهري: "وليعلمنّ"، من الإعلام، أى: وليعرفنهم الله الناس من هم. أو ليسمنهم بعلامةٍ يعرفون بها؛ من بياض الوجوه وسوادها، وكحل العيون وزرقتها.
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ)] ٤ [
(أَنْ يَسْبِقُونا) أي: يفوتونا، يعنى: أنّ الجزاء يلحقهم لا محالة، وهم لم يطمعوا في الفوت، ولم يحدّثوا به نفوسهم، ولكنهم لغفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وإصرارهم على المعاصي: في صورة من يقدر ذلك ويطمع فيه
_________________
(١) ـ قوله: (ويَجوز أن يكونَ وَعْدًا ووَعِيدًا)، قال ابن جِنِّي: فإنَّه من إقامةِ السَّبَبِ مقامَ المُسبِّب، والغرضُ فيه: ليُكافِئنَّ اللهُ الذين آمنوا، وذلك أن المكافآتِ على الشيء إنّما هي مُسبَّبة عن علم. قوله: (أو لَيَسِمَنَّهُم بعلامةٍ) قال ابن جنِّي: «ولَيُعلِمَنَّ اللهُ» بضمِّ الياءِ وكسرِ اللاّمِ؛ معناه: وَليُعَرِّفَنَّ الناسَ مَنْ هُم؟ فحُذف المفعولُ الأوَّلُ، ولك أنْ لا تحذفَه على أنَّه من قولهم: ثَوبٌ مُعْلَم، وفارسٌ مُعْلَم؛ أي: أَعلَمَ نفسَه في الحرب بثوب أو غيره. المعنى: ولَيُشْهِرنَّ اللهُ الذين صَدَقوا. قوله: (وهم لم يَطْمَعُوا في الفَوْت، ولكنّهم لِغَفلَتِهم وإصرارِهم على المعاصي: في صُورة مَن يُقدِّرُ ذلك)، يعني أنّه تعالى أَوقَعَ الحُسْبانِ على السَّبْق والفَوْتِ وهم لا يَعلمون ذلك، بل خلافُه مُتيقَّنٌ وُقوعُه، وهو لُحوقُ الجزاءِ بهم؛ لأنَّ قولَه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ في المؤمنين بدليل تَعْقِيبِه قولَه: أَحَسِبَ الناسُ أن يُترَكُوا وهم لا يَشُكُّونَ في الجزاء
[ ١٢ / ١٣٥ ]
ونظيره: (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ)] العنكبوت: ٢٢ [، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ)] الأنفال: ٥٩ [. فإن قلت: أين مفعولا (حسب)؟ قلت: اشتمال (صلة أن) على مسنٍد ومسنٍد إليه سدّ مسدّ المفعولين؛ كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ)] البقرة: ٢١٤ [، ويجوز أن يضمن (حسب) معنى (قدر) و(أم) منقطعة. ومعنى الإضراب فيها: أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأوّل، لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه. (ساءَ ما يَحْكُمُونَ): بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا. أو بئس حكمًا يحكمونه حكمهم هذا، فحذف المخصوص بالذم.
(مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)] ٥ [
لقاء الله: مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت، والبعث، والحساب،
_________________
(١) ـ لكن تَرَكَهُم بسَببِ جَرْيهم على غيرِ موجبِ العلم، وهو غَفلتُهم وإصرارُهم على المعاصي، منزلةَ مَنْ لم يتيقّن الجزاء؛ أي: لو اعتَقَدُوا ما أَصرُّوا على المعاصي. قوله: (ونَظيرُه ﴿وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال: ٥٩] أي: تَنْزيل المُتيقِّن منزلةَ الشّاكِّ. هذا إذا خُوطب الرسولُ ﷺ أو المؤمنون. قوله: (بئسَ الذي يحكمونَه حُكْمُهم). قال مَكِّيٌّ: «ما» في موضع نَصْبٍ وهي نكرة؛ أي: ساء شيئًا يَحكُمونَه. وقيل: «ما» في موضع رفعٍ وهي معرفة؛ أي: ساء الذي يَحكُمونَه. وقال ابنُ كَيْسانَ: «ما» مع الفعل مصدرٌ في موضع رفعٍ؛ أي: ساء حُكْمُهم.
[ ١٢ / ١٣٦ ]
والجزاء: مثلت تلك الحال بحال عبٍد قدم على سيده بعد عهٍد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتى ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب؛ لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخطه منها، فمعنى قوله: (مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ الله) من كان يأمل تلك الحال، وأن يلقى فيها الكرامة من الله والبشرى (فَإِنَّ أَجَلَ الله) وهو الموت (لَآتٍ) لا محالة؛ فليبادر العمل الصالح الذي يصدق رجاءه، ويحقق أمله، ويكتسب به القربة عند الله والزلفى. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الذي لا يخفى عليه شيء مما يقوله عباده ومما يفعلونه، فهو حقيق بالتقوى والخشية. وقيل: (يَرْجُوا): يخاف من قول الهذلي في صفة عسال:
إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها
فإن قلت: (فإن أجل الله لآت)، كيف وقع جوابًا للشرط؟
_________________
(١) ـ قوله: (إذا لَسَعَتْهُ الدَّبْرُ لم يَرْجُ لَسْعَها)، تمامُه: وخالَفَها في بيتِ نُوبٍ عَوامِلِ الدَّبْرُ: جماعةُ النَّحْلِ. قيل: سمِّيت بذلك لِتَدْبيرها وحُسن نَيْقَتِها في العَمَل، ومن كلام سُكَينة بنتِ الحُسين﵂- قالت لأُمِّها: يا أُمَّاه، مرَّت بيد ُبَيْرة فلَسَعَتْنِي بأُبَيْرَةٍ لم يَرْجُ: لا يخافُ. والنُّوبُ: ضَربٌ منَ النَّحلِ قيل: سمّيت بذلك لأنها تَنُوبُ إلى أهلِها، والهاءُ في «لَسَعَتْهُ» يعودُ إلى العَسّال المتقدِّمِ ذِكْرُه. والعَسّالُ: الذي يَشُورُ العَسَلَ. قوله: (﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَأَتٍ﴾ كيف وقع جوابًا للشرط)، تلخيصه ما ذكره الإمام: أن قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا﴾ شرط، وجزاؤه: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ﴾، والمعلَّق بالشرَّطِ عَدَمٌ عند عَدَم
[ ١٢ / ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الشَّرْطِ، فيَلزمُ منه أنَّ مَن لا يَرجُو لقاءَ الله، لا يكونُ أَجَلُ الله آتيًا له، والأجلُ آتٍ لكلِّ أحدٍ لا مَحالَةَ. وخُلاصةُ جوابِ المصنِّف أنَّ هذا الكلامَ واردٌ في حقِّ من عَلِمَ، بدليل قوله: «إذا عُلِمَ أنَّ لقاءَ الله عُنيت به تلكَ الحالُ المُمثَّلةُ» يعني: هذا إنّما يَصِحُّ أنْ يقعَ جوابًا للشَّرط إذا عَلِمَ المُخاطَبُ أن المرادَ بلقاء الله تعالى ما هو، ووقتُه متى هو، والمراد بلقاء الله تعالى ووَقْتِه: هو ما قال: «مَثَلٌ للوُصُولِ إلى العاقبةِ»؛ أي: يلقى مَلَكَ الموتِ والبَعْثَ والحسابَ والجزاءَ، وهو المراد من قوله: «تلك الحالُ المُمثَّلةُ» وإذا لم يَعلمِ المُخاطَبُ ذلك لا يُقال له ذلك، أَلا تَرى كيف استَشهد بقوله: «إذا عَلِمَ أنه يَقعدُ للنّاسِ يومَ الجُمعةِ»؛ يعني: من كان يرجو نَيْلَ ثوابِ الله ويخافُ عقابَه، فلْيَعلَمْ أنَّ وقوعَ ذلك لا بدَّ منه، وهذا لا يَصِحُّ في حقِّ الكافرِ. ويَنصرُه أنَّ هذه الآيةَ قد عُقِّبت بها ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ وسَبقَ أنّها في حقِّ المؤمنين، وفائدة هذا التَّنبيهِ الحَثُّ على طاعة الله تعالى وما يُنالُ به ذلك الثَّوابُ، والرَّدْعُ عن المعاصي والتأهُّبُ لأخْذِ الزادِ لذلك اليوم المَهُولِ، وإليه أشار بقوله: «فلْيُبادِرِ العملَ [الصالحَ] الذي يُصدِّق رجاءَه، ويُحقِّق أَملَه ويَكتَسِبُ به القُربةَ عند الله والزُّلْفى»، وسبيلُ هذه الطريقةِ سبيلُ الكِنايةِ؛ لأنّه إذا حَصَل العلمُ بأنَّ لقاءَ الله مُستَلْزِمٌ للأجل المَضْرُوبِ، كان ذِكْرُ الأَجَلِ شاهدًا على حُصول اللِّقاءِ بوَجْهٍ بُرْهانٍّي، ولذلك علَّل قولَه: «إنَّ لقاءَ الله لآتٍ» بقوله: «لأنَّ الأَجَلَ واقعٌ قيه»، وإلى هذا المعنى نَلْمَحُ ما روينا عن البخاريِّ ومسلم عن عبادةَ بن الصّامِتِ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَن أَحَبَّ لقاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لقاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ اللهُ لقاءَهُ، والموتُ قبل لقاءِ الله» الحديثَ. فعلى هذا: الموتُ أحدُ الأسبابِ المُوصِلَة إلى النَّعيم الأَبَدِيِّ، والكَمالِ السَّرْمَدِيِّ، ثمَّ قولُه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لتحقيق حُصولِ المَرْجُوِّ والمَخُوف وَعْدًا ووَعِيدًا، وإليه أشار بقوله: «الذي لا يخفي عليه شيءٌ ممّا يقولُه عبادُه ومِمّا يَفعلُونَه، فهو حَقيقٌ بالتَّقوى والخَشيةِ»، وتَرَكَ ذِكْرَ الوَعْدِ؛ وهو أن يُقالَ: فهو جَديرٌ بأنْ يؤمَّل ويُناطَ بكَرَمِه
[ ١٢ / ١٣٨ ]
قلت: إذا علم أن لقاء الله عنيت به تلك الحال الممثلة، والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت، فكأنه قال: من كان يرجو لقاء الله؛ فإن لقاء الله لآت، لأن الأجل واقع فيه اللقاء، كما تقول: من كان يرجو لقاء الملك؛ فإن يوم الجمعة قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة.
(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ)] ٦ [
(وَمَنْ جاهَدَ) نفسه في منعها ما تأمر به وحملها على ما تأباه (فَإِنَّما يُجاهِدُ) لها، لأن منفعة ذلك راجعة إليها، وإنما أمر الله ﷿ ونهى، رحمةً لعباده وهو الغنى عنهم وعن طاعتهم.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ)] ٧ [
إما أن يريد قومًا مسلمين صالحين قد أساءوا في بعض أعمالهم، وسيئاتهم مغمورة بحسناتهم فهو يكفرها عنهم، أى: يسقط عقابها بثواب الحسنات، ويجزيهم أحسن الذي
_________________
(١) الرجاءُ؛ إيجازًا واختصارًا. وأما «إذا» في قوله: «إذا عَلِمَ أنَّ لقاءَ اللهِ عُنيتْ به»، فهي كـ «إذا» في قوله: «إذا عُلِمَ أنَّه يَقْعُدُ»، فكما أنَّ جزاءَ المِثالِ ما دلَّ عليه بقوله: «مَن كان يَرجو لقاءَ المَلِكِ» كذلك يقدَّر له الجزاءُ. والفاءُ في «كأنَّه» جوابُ شرطٍ محذوفٍ؛ أي: إذا كان كذلك فكأنَّه قال. قوله: (صالحين قد أَساؤوا في بعض أعمالِهم، وسيِّئاتُهم مَغْمُورةٌ بحَسناتِهم)، الانتصاف: هذا من تحجُّرِ رحمةِ الله الواسعةِ بناءً على مذهبِه في وَعِيد أصحابِ الكَبائِر، وقد سَبَق إبطالُه. وقلت: قد مَرَّ أنَّ الآياتِ واردةٌ في حقِّ المؤمنينَ تَعْييرًا على اجتِراحِ السَّيِّئاتِ، وتَحريضًا على اكتساب الحَسَناتِ، وأعلَمَهمُ اللهُ أنّ نَفْعَ ذلك كلُّه عائدٌ إليهم، بقوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ
[ ١٢ / ١٣٩ ]
كانوا يعملون، أى: أحسن جزاء أعمالهم؛ وإما قومًا مشركين آمنوا وعملوا الصالحات، فالله ﷿ يكفر سيئاتهم؛ بأن يسقط عقاب ما تقدم لهم من الكفر والمعاصي ويجزيهم أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام.
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] ٨ [
(وصى) حكمه حكم (أمر) في معناه وتصرفه. يقال: وصيت زيدًا بأن يفعل خيرًا، كما تقول: أمرته بأن يفعل. ومنه بيت "الإصلاح":
_________________
(١) فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾، وأكَّدَه بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، ثمَّ أتى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، تَذْييلًا لذلك على سبيل التَّفضُّل، فلا بدَّ من إثبات أمرٍ يَعظُم شأنُه، فيُحمل قولُه: ﴿لَنُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ على الكبائر، ولذلك أتى بالقَسَمِيَّة وأَوقعَه في مقابل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كأنَّه قيل: لَنُكَفِّرَنَّ عنهم أَسوأ الذي كانوا يعملون، ولَنَجزِيَنَّهم أحسَنَ الذي كانوا يعملون؛ وهذا المعنى لا يَستقيمُ في حقِّ المشركينَ؛ لأنَّ التَّكفيرَ يَحصُل بمُجرَّد الإيمانِ، ولا مَدخَلَ فيه. وقال مُحيي السُّنةِ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لَنُبْطِلَنَّها حتّى تَصيرَ بمنزلة ما لم يُعمل، فالتَّكفيرُ إذهابُ السَّيئةِ بالحَسَنة. وقد مرَّ في «الفرقان» نحوٌ من هذا التَّقدير وأيَّدْناه بالحديث الصَّحيح. قال الإمامُ: ذَكَر الله تعالى ممّا يَختَصُّ بالعَبد شيئَينِ: الإيمانَ والعملَ الصَّالح، وذَكَر في مُقابَلَتِهما ممّا يَختصُّ بالله شيئَينِ: التَّكفيرَ والجزاءَ، فتكفيرُ السَّيِّئاتٍ في مُقابَلَة الإيمانِ، والجزاءُ بالأحسنِ في مُقابَلَة العملِ الصالحِ، وهذا يَقتضي أنَّ المؤمنَ لا يُخلَّد في العذاب. قوله: (بيتُ «الإصلاح») وهو كتاب «إصلاح المَنْطِق» لابن السِّكِّيتِ. «كَذَبَ»؛ أي:
[ ١٢ / ١٤٠ ]
وذبيانيّة وصّت بنيها … بأن كذب القراطف والقروف
كما لو قال: أمرتهم بأن ينتهبوها. ومنه قوله تعالى: (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ)] البقرة: ١٣٢ [أى: وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وقولك: وصيت زيدًا بعمرو، معناه: وصيته بتعهد عمرٍو ومراعاته ونحو ذلك، وكذلك معنى قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا): وصيناه بإيتاء والديه حسنا، أو بإيلاء والديه حسنا؛ أى: فعلا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، كقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)] البقرة: ٨٣ [وقرئ: (حسنا)، و(إحسانا)، ويجوز أن تجعل (حُسْنًا) من باب قولك: زيدًا، بإضمار (أضرب) إذا رأيته متهيئًا للضرب، فتنصبه بإضمار:
_________________
(١) ـ وَجَبَ نَهْبُ هذه الأشياء. الجوهريُّ: قال ابن السِّكِّيت: كَذَبَ [هاهنا] إغراءٌ؛ أي: عليكم به. وهي كلمة نادرةٌ جاءت على غير القياسِ، والقَراطِفُ جمعُ القَرْطَفِ: وهي القَطِيفةُ. والقَرْفُ- بالفتح: وِعاءٌ من جِلْد يُدْبَغُ بالقِرْفَةِ؛ أي: قُشُور الرُّمّانِ ويُجْعَل فيه الخَلْعُ، وهو لَحمٌ يُطبخ بتَوابِلَ فيُفْرَغُ فيه. والبيت لِمُعَقِّرِ بن حِمارٍ البارِقيِّ، يَصِفُ امرأةً ذُبْيانيَّةً أَمَرَت بَنِيها بأنْ يَنتَهِبُوها؛ أي: عليكم بها فاغتَنِموها. قوله: (وقرئ: ﴿حُسْنًا﴾ و«إحسانً»)، الأُولى: مشهورةٌ، والثانيةُ: شاذَّةٌ. قال الزَّجّاجُ: ﴿حُسْنًا﴾ معناه: ووصينا الإنسان أن يَفعلَ بوالِدَيْه ما يَحسُنُ، و«إحسانًا» معناه: ووَصَّينا الإنسانَ أن يُحسِنَ إلى والِدَيْهِ إحسانًا. والأُولى أعمُّ في البِرِّ. وقيل: يَعُمُّ الفعلَ والقولَ. قوله: (أن تَجعلَ ﴿حُسْنًا﴾ من باب قولك: زيدًا، بإضمار: اضرِبْ) عطفٌ على قوله: ووَصَّيناهُ بإيتاء والِدَيهِ حُسنًا، وعلى الأوَّل المضافُ محذوفٌ وهو العاملُ في ﴿حُسْنًا﴾
[ ١٢ / ١٤١ ]
أولهما، أو: افعل بهما، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال: قلنا: أولهما معروفًا، ولا تُطِعْهُما في الشرك إذا حملاك عليه. وعلى هذا التفسير إن وقف على (بِوالِدَيْهِ) وابتدأ (حُسْنًا) حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لابد من إضمار القول، معناه: وقلنا إن جاهداك أيها الإنسان (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أى: لا علم لك بإلهيته. والمراد بنفي العلم؛ نفى المعلوم، كأنه قال: لتشرك بى شيئًا لا يصح أن يكون
_________________
(١) على تقدير: فعلًا ذا حُسْنٍ، أو على المُبالغةِ، وعلى الثاني: العاملُ فعلٌ آخَرُ مضمَرٌ بقَرينة المَقامِ، وهو أَوْلِهِمَا منَ الإيتاء والإعطاءِ، والجملةُ مُستأنَفةٌ، كأنَّه لمّا قيلَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ فقيل: ما تلك الوَصِيَّةُ؟ فأُجيب قلنا: أَوْلِهِمَا مَعروفًا ولا تُطِعْهُما، وإليه الإشارةُ بقوله: «إن وقف على ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ وابتدأ ﴿حَسْنًا﴾ حَسُنَ الوَقْفُ». قوله: (وما بعدَه مطابقٌ له) يعني: النَّهْيَ في قولِه: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ مطابقٌ للأمرِ؛ لأنَّهما من وادي الإنشائيّاتِ. قوله: (وعلى التفسيرِ الأول لابدَّ من إضمارِ القول)، يعني عند قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾، لأنّ المعنى: أَمَرْنا الإنسانَ بإيلاء والِدَيْهِ ذا حُسْنٍ وقلنا: ﴿إِن جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وعلى الثاني: القولُ مقدَّرٌ. قيل: عاملُ ﴿حُسْنًا﴾: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ إلى آخره، عطفٌ على هذا العاملِ فلا يقدَّر القولُ عند قولِه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ﴾ لاستغنائه بذلك عنه، ومِنْ ثَمَّ قُدِّر هاهنا: أَوْلِهِمَا معروفًا ولا تُطِعْهُما في الشِّرك إذا حَمَلاكَ عليه. قوله: (والمراد بنَفْي العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُوم)، يعني هو من الكِنَايةِ، نَفْيُ الشَّيءِ بالبُرْهان؛ لأنَّ هذا الأسلوبَ يُستعمل غالبًا في حقِّ الله تعالى؛ نحو: أَتُعَلِّمون اللهَ بما لا يَعلَمُ. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ نَفْيَ الشِّرك منَ العلمِ الضَّروريِّ، وأنَّ الفِطْرةَ السَّليمةَ مَجْبولةٌ عليه على ما وَرَد: «كلُّ مَوْلودٍ يُولدُ على الفِطْرةِ»، وذلك أنَّ المُخاطَبَ بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ﴾ جنسُ الإنسانِ، واللهُ أعلم.
[ ١٢ / ١٤٢ ]
إلهًا ولا يستقيم: وصاه بوالديه وأمره بالإحسان إليهما، ثم نبه بنهيه عن طاعتهما إذا أراداه على ما ذكر، على أن كل حق وإن عظم ساقط؛ إذا جاء حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوٍق في معصية الخالق، ثم قال: إلىّ مرجع من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم. وفيه شيئان: أحدهما: أن الجزاء إلىّ، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك وعقوقهما؛ لشركهما، ولا تحرمهما برك ومعروفك في الدنيا، كما أنى لا أمنعهما رزقي. والثاني: التحذير من متابعتهما على الشرك، والحث على الثبات والاستقامة في الدين بذكر المرجع والوعيد. روى: أن سعد بن أبى وقاص الزهري ﵁ حين أسلم قالت أمّه، وهي حمنة بنت أبى سفيان بن أمية بن عبد شمس: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت من الفيح والريج؛ وإن الطعام والشراب علىّ حرام حتى تكفر بمحمد، وكان أحبّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه، فنزلت هذه الآية، والتي في "لقمان"، والتي في "الأحقاف"، فأمره رسول الله ﷺ أن يداريها ويترضاها بالإحسان. وروى: نزلت في عياش بن أبى ربيعة المخزومي، وذلك: أنه هاجر مع عمر بن الخطاب ﵄ مترافقين حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة: امرأة من بنى تميم من بنى حنظلة، فنزلا بعياش وقالا له: إن من دين محمٍد صلة الأرحام وبر الوالدين، وقد تركت أمّك لا تطعم
_________________
(١) قوله: (رُويَ أنَّ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ) الحديثَ؛ من رواية مسلمٍ والتِّرمذيِّ، عن سعدٍ قال: أُنزلت فيَّ أربعُ آياتٍ منَ القرآنِ، قال: حَلفَتْ أُمُّ سعدٍ لا تُكلِّمُه أبدًا حتّى يَكْفُرَ بدِينِه، ولا تأكلُ ولا تَشربُ، قالت: زَعَمتُ أنَّ اللهَ وَصّاكَ بوالِدَيْكَ، فأنا أُمُّكَ وأنا آمُرُكَ بهذا، فمَكَثَتْ ثلاثًا حتّى غُشِيَ عليها من الجَهْدِ، فقام ابنٌ يُقال له: عُمارة فسَقاها، فجَعَلت تَدْعو على سَعدٍ، فأَنزلَ اللهُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]؛ يعني: التي في «لقمان».
[ ١٢ / ١٤٣ ]
ولا تشرب ولا تأوي بيتًا حتى تراك، وهي أشدّ حبا لك منا فاخرج معنا، وفتلا منه في الذروة والغارب، فاستشار عمر ﵁ فقال: هما يخدعانك، ولك علىّ أن أقسم مالى بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما وعصى عمر، فقال له عمر: أما إذ عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل: إن ناقتي قد كلت فاحملني معك. قال: نعم، فنزل ليوطئ لنفسه وله، فأخذاه وشدّاه وثاقًا، وجلده كل واحٍد منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه فقالت: لا تزال في عذاٍب حتى ترجع عن دين محمد، فنزلت.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)] ٩ [
(فِي الصَّالِحِينَ) في جملتهم. والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو متمنى أنبياء الله. قال الله تعالى حكايةً عن سليمان ﵇: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي
_________________
(١) ـ قوله: (وفَتَلا منه في الذِّرْوَة والغارِبِ)، فَتَل منه في الذِّرْوَة والغارِبِ: مَثَلٌ يُضرَبُ لمَن يَتَحَيَّلُ في مَيْل صاحبِه إلى ما كان يمتَنعُ منه؛ أي: لم يَزلْ يَرْفُقْ به رِفْقًا يُشبه مَنْ يَفْتِلُ الشَّعْرَ في ذِرْوَة الجَمَلِ الصَّعْبِ وغارِبِه حتّى يَستأنِسَ. قوله: (والصَّلاحُ مِن أَبلَغ صفاتِ المؤمنينَ) وذلك أنَّ الصَّلاحَ ضِدُّ الفسادِ، والفسادُ: خروجُ الشَّيءِ عن كُوْنه مُنتفَعًا به، ولا كمالَ للإنسان أكملَ من حُصولِه على ما خُلِقَ له منَ البقاءِ، ولا يَحصُل ذلك في الدُّنيا؛ غايتَها الفَناءُ، وأيُّ فساد وراءَهُ؟ ! فإذن ليس له ذلك إلا ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥]، ولهذا كان طَلبُ الصَّلاحِ مُتَمنّى أنبياءِ الله، اللَّهمَّ أدخِلْنا في زُمرتهم. قال الإمام: الصَّالِح باقٍ والصّالحونَ باقونَ، وبقاءُهم ليس بأَنفُسِهم، بل بأعمالِهُم الباقيةِ والمَعْمولُ له- وهو وَجْهُ اللهِ-[باقٍ]، والعاملونَ باقون ببقاء أعمالِهم. هذا على خلافِ
[ ١٢ / ١٤٤ ]
عِبادِكَ الصَّالِحِينَ)] النمل: ١٩ [، وقال في إبراهيم ﵇: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] البقرة: ١٣٠، النحل: ١٢٢، العنكبوت: ٢٧ [أو في مدخل الصالحين وهي الجنة، وهذا نحو قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ) الآية] النساء: ٦٩ [.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ الله وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ)] ١٠ - ١١ [
هم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذًى من الكفار وهو المراد بفتنة الناس، كان ذلك صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارٌف للمؤمنين عن الكفر. أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفًا، وإذا نصر الله المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا: (إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ) أى: مشايعين لكم في دينكم، ثابتين عليه
_________________
(١) الأمورِ الدُّنيويةِ، فإنَّ في الدُّنيا بقاءَ الفعلِ بالفاعلِ، وفي الآخرة بقاءَ الفاعِلِ بالفعلِ. كأنَّه أَخذَ المعنى من قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرُ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦]. قوله: (كان ذلك صارِفًا لهم عنِ الإيمانِ، كما أنَّ عذابَ الله صارفٌ للمؤمنينَ). قال الإمامُ: قيل: جَزِعُوا من عذاب النّاسِ كما جَزِعُوا من عذابِ الله. وبالجُملة معناه: جَعَلُوا فِتنةَ النّاسِ معَ ضعفها وانقِطاعِها موضعَ عذابِ الله الأليمِ الدائم، حتّى تَردَّدُوا في الأمرِ، وقالوا: إنْ آمَنّا نَتعرَّضُ لتأذِّي الناسِ، وإنْ تَركْنا الإيمانَ نتعرَّضُ لِمَا تَوَعَّدَنا به محمَّدٌ ﷺ، ولا يكونُ التَّردُّدُ إلاّ عند التَّساوي. فقد أَبعَدوا المَرْمى. قوله: (أو كما يَجبُ أن يكونَ عذابُ الله صارفًا) أي: عن الكُفر من حيث هو هو وإن لم يَلتَفِتْ إليه الكافرُ ولم ينصرف.
[ ١٢ / ١٤٥ ]
ثباتكم، ما قدر أحد أن يفتننا، فأعطونا نصيبنا من المغنم. ثم أخبر سبحانه أنه أعلم (بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما تكنّ صدور هؤلاء من النفاق، وهذا إطلاع منه للمؤمنين على ما أبطنوه، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين، وقرئ: (ليقولنّ) بفتح اللام.
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ)] ١٢ - ١٣ [
أمروهم باتباع سبيلهم؛ وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم، وأمروا أنفسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا: ليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن تحمل خطاياكم. والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، وهذا قول صناديد قريش: كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم،
_________________
(١) قوله: (وأرادوا: لِيجتمعَ هذان الأمران) يُريد أنَّهم عَطَفوا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَكُمْ﴾، وهو أمرٌ لأنفُسِهم لِحَمْلِ خَطايا الأتباع على أمرِ المؤمنينَ باتباعِهم إرادةً للمُبالَغةِ، وأنَّ كِلَيْهما لا بدَّ منَ الحُصول والإدخالِ في الوُجود على طريقةِ قولهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَوَودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] في تَعْويل استعارة الرَّتْبِ إلى الذِّهن. ولو جيءَ بهما على ظاهرِهِما. وقيل: إن اتَّبعتمُونا حَملْنا خطاياكُم؛ على الشَّرطِ والجزاء كما قال، والمعنى: تعليقُ الحَمْل بالاتِّباع لم يكن منَ التحقيق في شيءٍ. قال القاضي: وإنّما أَمَرُوا أنفُسَهم بالحَمْلِ عاطفين على أمرِهم بالاتِّباع مبالغةً في تعليق الحَمْلِ بالاتِّباع والوعدِ بتخفيف الأوزارِ عنهم إن كانت، تشجيعًا لهم عليه، وبهذا الاعتبار ردَّ عليهم كَذِبَهُم بقوله: ﴿وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَهُم﴾.
[ ١٢ / ١٤٦ ]
فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم. ونرى في المتسمين بالإسلام من يستن بأولئك فيقول لصاحبه إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم: افعل هذا وإثمه في عنقي. وكم من مغروٍر بمثل هذا الضمان من ضعفة العامّة وجهلتهم، ومنه ما يحكى أنّ أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض أهل الحشو حوائجه، فلما قضاها قال: يا أمير المؤمنين، بقيت الحاجة العظمى. قال: وما هي؟ قال: شفاعتك يوم القيامة، فقال له عمرو بن عبيٍد ﵀: إياك وهؤلاء، فإنهم قطاع الطريق في المأمن. فإن قلت: كيف سماهم كاذبين، وإنما ضمنوا شيئًا علم الله أنهم لا يقدرون على الوفاء به، وضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به، لا يسمى كاذبا؛ لا حين ضمن، ولا حين
_________________
(١) ـ قوله: (فإن عسى كان ذلك) قيل: التقدير: فإن كان ذلك فإنّا نَتَحمَّلُ، وذَكَر «عسى» قبل ذِكْر الشَّرِطِ إشارةً إلى أن ذلك مبنيٌّ على رجائكم لا عن تَحقيقٍ، واسمُ «عسى» ضميرٌ يعود إلى ما دلَّ عليه قولُه: «كان ذلك» فإنه مقدَّمٌ معنًى؛ لأنَّ حرفَ الشَّرطِ داخلةٌ عليه، وخبرُه محذوفٌ، كأنَّه قيل: عسى كَوْنُ ذلك أن نَتَحمَّل، وقد أجاز ذلك ابنُ الحاجبِ في «شرح المفصَّل» في باب التَّنازُعِ، وفيه نظرٌ، والظاهرُ أنَّ «عسى» مُقْحَمٌ مؤكِّد بمعنى الفَرْض، والتقدير: ولذا رُتِّب على قولِه: «لا نُبعث نحن ولا أنتُم». قوله: (فقال له عَمْرو بنُ عُبيد: إيّاكَ وهؤلاءِ، فإنَّهم قُطّاعُ الطَّريق في المَامَنِ)، الإنتصاف: عَمْرُو بنُ عبيد أوَّلُ القَدَريَّةِ المُنكِرينَ للشَّفاعةِ، والزَّمخشريُّ بَني كلامَه على أنه لا فَرق بين اعتقادِ أنَّ الكُفّارَ يَحملون خَطايا أتباعِهِم، فساقَهُما سِياقًا واحدًا، وفي الآيةِ نُكتةٌ وهي أنَّ الأمرَ قد يجيءُ بمعنى الخَبَرِ، فإنَّ بعضَ النّاسِ أنكَرَه والتَزم تَخريجَ جميعِ ما وَرَد في القرآن على الأمرِ، ولا يَتِمُّ له ذلك هاهُنا؛ لأنَّ التَّكذيبَ إنَّما يتطرَّق إلى الخَبَرِ. وقلت: قد مَرَّ أنَّ أَصلَ الكلامِ على التَّعليقِ، فإنَّ المرادَ: إنِ اتَّبعتُمونا نَتَحمَّلُ خَطاياكُم. والعُدولُ للمُبالغةِ.
[ ١٢ / ١٤٧ ]
عجز؛ لأنه في الحالين لا يدخل تحت حدّ الكاذب، وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه؟ قلت: شبه الله حالهم -حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون- بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه. ويجوز أن يريد أنهم كاذبون، لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف.
(وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ) أى: أثقال أنفسهم. (َأَثْقالًا) يعنى: أثّقالًا أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها، وهي: أثقال الذين كانوا سببًا في ضلالهم. (وَلَيُسْئَلُنَّ)
_________________
(١) قوله: (فإنَّهم قُطَّاع الطَّريقِ في المامَنِ)، «في المامَنِ» تتميمٌ؛ لأنَّ قُطّاعَ الطَّريقِ إنّما يكونون في البَراريِّ والمَخاوَفِ. قوله: (ويَجوز أن يُريد أنَّهم كاذبون، لأنَّهم قالوا ذلك وقلوبُهم على خِلَافِه) عطفٌ على قولِه: «شَبَّه الله حالهم»، الجوابان مَبيّان على الاختلاف في أنَّ الكَذِبَ هل هو الإخبارُ عنِ الشَّيءِ خلافَ ما هو به في الواقع؟ أَمْ على خلافِ مُعتَقَد القائِلِ؟ والجوابُ الأوَّلُ مبنيٌّ على المذهب الأوَّلِ، لكن على التَّشبيه، واستعارةُ الكَذِب لضمانِهم عندَ الله لا على ما عليه المَضْمونُ. قال صاحب «الفرائد»: قولُه: «شَبَّه الله تعالى» منظورٌ فيه؛ لأنَّ الواقعَ أنَّهم غيرُ حاملينَ من خطاياهم شيئًا؛ لقوله تعالى و: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازْرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، فكانوا مُخبِرينَ عن شيءٍ لا على ما عليه، فظَهَر أنَّه تَركَ الحقيقةَ إلى المجاز بدون المانِعِ. قوله: (أثقالًا أُخَرَ غيرَ الخَطايا التي ضَمْنُوا للمؤمنين) وإنَّما قَيَّده به لِما عَلِمَ من قولهِ تعالى: ﴿وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِن شَيْءٍ﴾ نَفَى حَمْلَ خَطايا المؤمنينَ على سبيل الاستغراقِ.
[ ١٢ / ١٤٨ ]
سؤال تقريع (عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) أى: يختلقون من الأكاذيب والأباطيل. وقرئ: (من خطيآتهم).
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ)] ١٤ - ١٥ [
كان عمر نوح ﵇ ألفًا وخمسين سنة، بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمئة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب: أنه عاش ألفًا وأربعمئة سنة. فإن قلت: هلا قيل: تسع مئةٍ وخمسين سنة؟ قلت: ما أورده الله أحكم؛ لأنه
_________________
(١) ـ فإن قلتَ: ما فائدةُ ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾؟ إذْ لو قيلَ: ولَيَحْمِلُنَّ أثقالًا معَ أثقالِهم لأفادَ. قلت: أُريد بيانُ استقلالِ أثقال أنفُسِهم، وأنها بَهظَتْهُم واستَفرغَت جُهدَهُم، ومع ذلك جُعلت أثقالُ الذين يُضِلُّونَهم كالعَلاوَةِ عليها. نحوهُ قولهُ تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقْيَامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ [النحل: ٢٥]. ومعنى التَّنكيرِ في ﴿وَأَثْقَالًا﴾ كمعنى «مِن» في ﴿وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم﴾ [النحل: ٢٥]. قال: وبعضُ أوزارِ مَنْ ضَلَّ بضَلالِهم، وهو وِزْرُ الإضلالِ. قوله: (كان عُمُر نوحٍ ﵇) إلى آخره، وفي «جامع الأصول»: كانت مدَّةُ نُبوَّتِه تسع مئةٍ وخمسين سنةً، وعاش بَعد الغَرَقِ خمسينَ سنةً، وقيل: مئتي سنةٍ، وكانت مدَّةُ الطُّوفانِ ستةَ أشهرٍ آخرُها يومُ عاشُوراءَ. قوله: (ما أَورَدَه اللهُ أَحكمُ)؛ لأنَّه لو قيلَ كما قلتَ لجاز أن يُتَوهَّمَ إطلاقُ هذا العَدَدِ على أكثَرِه. وقال الزَّجّاجُ: الاستثناءُ مستعملٌ في كلامِهم، وتأويلُه توكيدُ العَدَدِ وكمالِه؛ لأنَّك قد تَذكُر الجُملةَ ويكونُ الحاصلُ أكثَرَها، فإذا أردتَ التَّوكيدَ في تمامِها قلتَ كلَّها، وإذا أردتَ
[ ١٢ / ١٤٩ ]
لو قيل كما قلت، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل: تسعمئة وخمسين سنةً كاملةً وافية العدد، إلا أنّ ذلك أخصر وأعذب لفظًا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة أخرى: وهي أنّ القصة مسوقة لذكر ما ابتلى به نوح ﵇ من أمّته وما كابده من طول المصابرة، تسلية لرسول الله ﷺ وتثبيتًا له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه، أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدّة صبره. فإن قلت: فلم جاء المميز أوّلًا بالسنة وثانيًا بالعام؟ قلت: لأنّ تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم؛ من تفخيم، أو تهويل، أو تنويه، أو نحو ذلك. و(الطُّوفانُ) ما أطاف وأحاط بكثرةٍ وغلبة، من سيٍل أو ظلام ليٍل أو نحوهما. قال العجاج:
وغمّ طوفان الظّلام الأثأبا
_________________
(١) التوكيدَ في نُقصانها أَدخلْتَ الاستثناءَ تقول: جاءَني إخوتُكَ، يعني أن جميعَهم جاؤوكَ، وجائزٌ أن تعني أنَّ أَكثَرَهم جاءكَ، فإذا قلتَ: كلُّهم أكَّدتَ معنى الجماعةِ، وأَعلمتَ أنَّه لم يتخلَّفْ منهم أحدٌ، وإذا قلتَ: إلاّ زيدًا أكَّدتَ أنَّ الجماعةَ تَنقُصُ زيدًا، وكذلك رؤوسُ الأعدادِ مُشبَّهةً بالجماعة تَحتَمِلُ النُّقصانَ والتَّمامَ. وعن بعضِهم: الصَّحيحُ أنَّ العددَ لا يَقبلُ الزِّيادةَ والنُّقصانَ، والمعدودُ يَقبَلُهما. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فإنَّه سَمّى بعضَ الشَّهرِ شهرًا خلافًا لمالكٍ، فإنَّ المعنى المُعَوَّلَ عليه أنَّ ما نَصَّ اللهُ مشتملٌ على الإيجابِ والنَّفْي، وما أورَدَه السائلُ إيجابٌ مَحْضٌ، والأوَّل أوكدُ. قوله: (وغَمَّ طُوفانُ الظَّلامِ الأَثْأَبا) أوله:
[ ١٢ / ١٥٠ ]
(وأَصْحابَ السَّفِينَةِ) كانوا ثمانيةً وسبعين نفسًا: نصفهم ذكور، ونصفهم إناث، منهم أولاد نوح ﵇: سام، وحام، ويافث، ونساؤهم. وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجاٍل وخمس نسوة. وقد روى عن النبىّ ﷺ: «كانوا ثمانية: نوح وأهله وبنوه الثلاثة». والضمير في: (وَجَعَلْناها) للسفينة أو للحادثة والقصة.
(وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا الله وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) [١٦ - ١٨]
_________________
(١) ـ إنَّ النَّهارَ المُسْتَبينَ قد مَضَى ويُروى أوَّلُه: حتّى إذا ما يَوْمُها تَصَبْصَبا بعده: وأطاء مِنْ دَعْسِ الحَميرِ نَيْسَبَا يومها يومُ العانَةِ. وهي القَطيعُ منَ الحُمُرِ الوَحْشِ، وتَصَبْصَبَ الشيَّءُ: انمَحَقَ وذَهَب، وأطاء هذا الحمار طريقًا لينًا تَدْعسُه الحميرُ وتَطَؤُه. والنَّيْسَبُ: الطَّريقُ اللَّيِّنُ. عَمَّ؛ أي: غَطّى. الأَثْابُ: شَجَرٌ الواحدةُ: الأَثابة. الراغب: الطُّوفان: كلُّ حادثةٍ تُحيط بالإنسان، وصار متعارفًا في الماء المُتَناهي في الكَثرة؛ لأنَّ الحادثةَ التي نالَتْ قومَ نوحٍ ﵇ كانت ماءً.
[ ١٢ / ١٥١ ]
نصب (إِبْراهِيمَ) بإضمار (اذكر)، وأبدل عنه (إِذْ) بدل الاشتمال؛ لأنّ الأحيان تشتمل على ما فيها. أو هو معطوف على (نُوحًا) وإذ: ظرف لـ (أرسلنا)، يعنى: أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغًا صلح فيه لأن يعظ قومه وينصحهم، ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى. وقرأ إبراهيم النخعي وأبو حنيفة رحمهما الله: (وإبراهيم)، بالرفع على معنى: ومن المرسلين إبراهيم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) يعنى: إن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم. أو إن نظرتم بعين الدراية المبصرة دون عين الجهل العمياء؛ علمتم أنه خير لكم. وقرئ: (تخلقون) من: (خلق) بمعنى التكثير في (خلق)، و(تخلقون) من: (تخلق) بمعنى: تكذب وتخرص. وقرئ: (أفكا)، وفيه وجهان:
أن يكون مصدرًا، نحو: كذب ولعب. والإفك: مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، وأن يكون صفةً على (فعل)، أى: خلقًا إفكًا، ذا
_________________
(١) ـ قوله: (أو إنْ نَظرتُم بعَينِ الدِّرايةِ المُبصِرَةِ) وعلى هذا ﴿تَعْلَمُونَ﴾ يجري مجرى اللاّزِم؛ نحو: فلانٌ يُعطي ويَمنعُ، وعلى الأوَّل المتعلِّق محذوفٌ بقرائنِ الأحوالِ، ولهذا قال: «علمتُم أنه خير لكم»، وقوله: «علمتم أنه خير لكم» جزاءٌ على التَّقديرَينِ يدلُّ عليه ما قبلَ الشَّرطِ. قوله: (وقرئ: «تُخَلِّقُون») قال ابن جِنِّي: قرأها السُّلَميُّ وزيد بن عليّ. وقرأ فُضَيل ابنُ مروانَ: «تَخْلِقُون أَفِكًَا» بفتح الهمزةِ وكسرِ الفاء، وأمّا «تَخْلِقُونَ» فعَلَى وَزْنِ: تَكْذِبُون، ومعناه. وأمّا «أَفِكًا»، فإمّا أن يكونَ مصدرٌ كالكَذِبِ والضَّحِكِ، وإمّا أن يكون صفةَ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: تَكْذبون كَذِبًا أَفِكًا، فحُذف وأُقيمتِ الصِّفةُ مقامَه؛ نحو: قمتُ مِثلَ ما قامَ زيدٌ؛ أي: قيامًا مثل قِيامِ زيدٍ. و«أَفِكَ» على هذا صفةٌ كبَطِرَ وأَشَرِ، ويجوز أن يكون بمعنى «آفِك» اسمُ فاعلٍ.
[ ١٢ / ١٥٢ ]
إفك وباطل. واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهةً وشركاء لله أو شفعاء إليه. أو سمى الأصنام إفكًا، وعملهم لها ونحتهم: خلقًا للإفك. فإن قلت: لم نكر الرزق ثم عرفه؟ قلت: لأنه أراد: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كله. فإنه هو الرزاق وحده؛ لا يرزق غيره. (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وقرئ: بفتح التاء، فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، وإن تكذبونني فلا تضروننى بتكذيبكم، فإنّ الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضرّوهم؛ وإنما ضروا أنفسهم، حيث حلّ بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل: وأما الرسول فقد تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشكّ، وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته. أو: وإن كنت مكذبًا فيما بينكم؛ فلي في سائر الأنبياء أسوة وسلوة حيث كذبوا، وعلى الرسول أن يبلغ، وما عليه أن يصدق ولا يكذب، وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضةً في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش؛ بين أوّل قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم؛ فما المراد بالأمم
_________________
(١) ـ قوله: (لا يستطيعون أن يَرزُقوكم شيئًا منَ الرِّزقِ، فابتَغُوا عند الله الرِّزقَ كلَّه) يعني: إنَّما نكّر أوَّلًا للتعليل مبالغةً في النَّفي وعَرِّفَ للاستغراقِ ليشملَ كلَّ ما يُسمّى رزقًا، وهذا من المواضع التي وَرَدت فيه المعرفةُ بعدَ النَّكرةِ، ولم يُرِد بالثاني الأَوَّلَ ذهابًا إلى معنى التَّقابُلِ وفَرْقًا بين الرِّزقَينِ. قوله: (وإن تُكذِّبوني فلا تَضُرُّونَني بتَكذيبكُم، فإنَّ الرُّسلَ قَبْلي) إشارةٌ إلى أن الجزاءَ مقدَّرٌ، والمذكورُ علَّة، ويجوز أن يكونَ المذكورُ جزاءً متضمِّنًا للإخبار والإعلامِ، يعني: تكذيبُكم إيّايَ سببٌ لأنْ أُخبرَكُم بأنْ كَذَّبت أُممٌ قبلكم، وأنَّ لي أُسوةً بالأنبياء من قَبْلي؛ نحو قولِهم: إنْ تُكْرِمْني الآنَ فقد أكرمتُك أَمْسِ؛ مرادًا به: إنْ تَعْتَدَّ بإكرامك إيّايَ الآنَ فاعتدَّ بإكرامي إيّاكَ أمسِ.
[ ١٢ / ١٥٣ ]
قبله؟ قلت: قوم شيٍث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوٍح أمّةً في معنى أمم جمةٍ مكذبة، ولقد عاش إدريس ألف سنةٍ في قومه إلى أن رفع إلى السماء. وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب.
(أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)] ١٩ - ٢٢ [
فإن قلت: فما تصنع بقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)؟ قلت: هي حكاية كلام الله حكاه إبراهيم ﵇ لقومه، كما يحكى رسولنا ﷺ كلام الله على هذا المنهاج في أكثر القرآن. فإن قلت: فإذا كانت خطابًا لقريش فما وجه توسطهما بين طرفى قصة إبراهيم؛ والجملة أو الجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصاٍل بما وقعت معترضةً فيه؟ ألا تراك لا تقول: مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد الله؟ قلت: إيراد قصة إبراهيم ليس إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله ﷺ، وأن تكون مسلاةً له ومتفرجًا بأنّ أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوّا بنحو ما مني به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله: وإن تكذبوا، على معنى إنكم يا معشر قريش: إن تكذبوا محمدًا فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمةٍ نبيها؛ لأن قوله: (فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ) لا بد من تناوله لأمّة إبراهيم، وهو كما ترى؛ اعتراض واقع متصل، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها، لكونها ناطقةً بالتوحيد ودلائله، وهدم
_________________
(١) ـ قوله: (إيرادُ قصَّةِ إبراهيمَ ﵇ ليس إلاّ إرادةً للتَّنفيسِ عن رسول الله ﷺ) إلى آخره، هذه قاعدةٌ شريفةٌ يُبنى عليها أكثرُ النَّظْمِ، وجُلُّ القَصَصِ واردٌ على هذا النَّهْجِ كما سَرَدْنا الكلامَ عليه مِرارًا. قوله: (كان مَمنُوًّا) أي: مُبْتلًى. الجوهري: مَنَوْتُه ومَنَيْتُه: إذا ابتَليتُه.
[ ١٢ / ١٥٤ ]
الشرك وتوهين قواعده، وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه قرئ: (يَرَوْا) بالياء والتاء. و(يبدئ) و(يبدأ). وقوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) ليس بمعطوف على (يبدئ)، وليست الرؤية واقعةً عليه، وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت، كما وقع النظر في قوله تعالى: (كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) على البدء دون الإنشاء، ونحوه قولك: ما زلت أوثر فلانًا وأستخلفه على من أخلفه،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ ﴿يَرَوْا﴾ بالتّاءِ والياءِ) أبو بكرٍ وحمزةُ والكسائيُّ: بالتّاءِ الفَوقانيّةِ، والباقون: بالياءِ. قوله: (ليس بمَعْطُوفٍ على ﴿يُبْدِئُ﴾ وليست الرُّؤيةُ واقعةً عليه، وإنّما هو إخبارٌ على حِيالِه)، الجوهريُّ: بحِيالِه بإزائه، وأصلُه الواو؛ يعني لا يجوزُ العطفُ على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لأنَّ الرُّؤيةَ وَقعتْ على البَدْءِ لا على الإعادة. قال صاحب «المطلع»: وإن جعلتَ الرُّؤيةَ بمعنى العِلْمِ لِتَمكُّنِهم من تَحصيله بالبحث عن دلائله والاستدلالِ بها، فلا حاجةَ إلى هذا التَّكليفِ في التَّقصِّي عن عُهدة العَطفِ. وقال صاحب «الانتصاف» أيضًا: ولقائلِ أن يقول: وإنْ لم تقعِ الرُّؤيةُ عليه إلاّ أنّها إخبار الله وهي كالماتيِّ به، فعُومِلَت معاملةَ المأتيِّ به. وقال الإمام: الآيةُ الأُولى إشارةٌ إلى العِلْم الحَدْسِيِّ، وهو حاصلٌ فلمْ يَحتجْ إلى الاستفهام، فاستَفهمَ ليُفيدَ استبعادَ عَدَمِه، والثانيةُ إشارةٌ إلى العلم الفكريِّ، كأنَّه قيلَ: إن كنتم لستم من قَبيل الأوَّل فسَيِّروا فِكْرَكُم في الأرض، وأَجِيلُوا ذِهْنَكُم في الحوادث الخارجةِ عن أنفُسِكم لتعلموا بَدْءَ الخَلْقِ وإعادته، والرُّؤيةُ أقوى منَ النَّظَر؛ لأنَّ النَّظرَ يُفْضي إلى الرُّؤية، يُقال: نَظَرتُ فرأيتُ. قوله: (ونحوُه قولك: ما زلتُ أُوثِرُ فلانًا وأستَخلِفُه)، وإنَّما لم يَحسُنْ عطفُ «أستَخلفُه»
[ ١٢ / ١٥٥ ]
فإن قلت: هو معطوف بحرف العطف، فلا بد له من معطوف عليه، فما هو؟ قلت: هو جملة قوله: (أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ) وكذلك: وأستخلفه، معطوف على جملة قوله: ما زلت أوثر فلانًا، (ذلِكَ) يرجع إلى ما يرجع إليه "هو" في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)] الروم: ٢٧ [من معنى يعيد.
دل بقوله: (النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) على أنهما نشأتان، وأن كل واحدةٍ منهما إنشاء، أى: ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأول ليست كذلك. وقرئ: (النشأة) و(النشاءة) كالرأفة والرآفة. فإن قلت: ما معنى الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله: (ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) بعد إضماره في قوله: (كيف بدأ الخلق)؟ وكان القياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة؟ قلت: الكلام معهم كان واقعًا في الإعادة، وفيها كانت
_________________
(١) ـ على «أُوثر»؛ لأنَّ في تعلُّق «ما زلت» بـ «أُوثِرُ» دلالةً على استمرار إيثاره غيرَه من غير انقطاعٍ، وليس حُكم استخلافِه على مَنْ يَخلفُه بهذه المنزلة، فإنَّ ذلك لا يقع إلاّ نادرًا وأحيانًا. قوله: (﴿ذَلِكَ﴾ يَرجعُ إلى ما يَرجعُ «هو») يعني: موقعُ ذلك في هذه الآية لفظًا وحُكمًا موقعُ «هو» في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] في أنَّ معناه: أنَّ الإعادةَ على الله أَيْسَرُ من الإبداء فيما يجب عندكم، وَينْقاسُ على أصولكم وتَقْتَضيه عُقولُكُم. قوله: (دلَّ بقوله: ﴿النَّشْأةَ الأَخِرَةَ﴾) يعني لمّا عَطَف ﴿يُنشِئُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ﴾ على قوله: ﴿بَدَأَ الخَلْقَ﴾ دلَّ على أنَّ الإبداءَ إنشاءٌ، والإنشاء إبداءٌ، لا تَفاوُتَ بينهما، وكلاهما إخراجٌ منَ العَدَم إلى الوجودِ. قوله: (وقُرئ: ﴿النَّشْأَةَ﴾ بالمَدِّ: ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ، والباقون: ﴿النَّشْأَةَ﴾
[ ١٢ / ١٥٦ ]
تصطك الركب، فلما قرّرهم في الإبداء بأنه من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لم يعجزه الإبداء، فهو الذي وجب أن لا تعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى؛ هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) تعذيبه (وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ) رحمته، ومتعلق المشيئتين مفسر مبين في مواضع من القرآن، وهو من يستوجبهما من الكافر والفاسق إذا لم يتوبا، ومن المعصوم والتائب.
(تُقْلَبُونَ) تردون وترجعون. (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) ربكم أى: لا تفوتونه
_________________
(١) ـ قوله: (تَصْطَكُّ الرُّكَبُ) وهي كنايةٌ عن موضع الخلافِ، ومَقامِ جُثُوِّ المُناظِرينَ للجِدالِ حتى تَصْطَكَّ رُكَبُهم. قولهُ: (فلّما قَرَّرهُم) أي: جَعلَهم مُقرِّين مُعترفينَ. قوله: (فكأنه قال: ثمَّ ذاكَ الذي أنشأَ النَّشأَة الأُولى هو الذي يُنشئُ النشأةَ الآخِرةَ) يعني: إنّما أعادَ في عَجُزِ الآيتَينِ ما بدأَ في صَدرِهِما ليكونَ كلُّ من صَدْر الآيتَينِ وعَجُزِهِما مُسَجّلًا بالاسم المُتَجلِّي في هذا المقام، لِمَعْنى القادرية التامَّةِ والعالِمِيَّة الكاملةِ، والمعنى: فلمّا قرَّرهم في قوله: ﴿يُبْدِئُ اللهُ الخَلْقَ﴾ بأنَّه منَ الله القادرِ العالِمِ، ثم احتجَّ عليهم في قوله: ﴿ثُمَّ الله يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ﴾ بأنه أيضًا منه ولا فَرْقَ بينهما. قال الإمام: أشار في الآية الأُولى إلى الدَّليل النَّفْسيِّ، وفي الثانية إلى الآفاقيِّ، يعني قوله: ﴿سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾، وعندَه تَمَّ الدَّليلانِ، فأكَّده بإظهار اسمِ الذاتِ الذيَ يُفْهِمُ المسمّى بصفاتِ كَمالِه، ونُعُوتِ جَلالِه؛ ليقعَ في الذِّهن كمالُ قُدرتِه، وشُمولُ علمِه، ونُفوذُ إرادتِه. هذا تلخيص كلامه مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ في مواضعَ، فَسره في «النساء» عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] مُستوفٍي على مذهبه، وأَجبْنا عنه.
[ ١٢ / ١٥٧ ]
إن هربتم من حكمه وقضائه (فِي الْأَرْضِ) الفسيحة (وَلا فِي السَّماءِ) التي هي أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها، كقوله تعالى: (إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا)] الرحمن: ٣٣ [، وقيل: ولا من في السماء كما قال حسان ﵁:
أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: ولا مَنْ في السَّماء) أي: على حَذْف المَوْصُولِ، فالموْصُولُ المحذوفُ عطفٌ على «أنتُم». قال الزَّجاجُ: أي: ليس يُعجِزُ الله -﷾- خَلْقٌ في السَّماء ولا في الأرض. المعنى: ما أنتم بمُعجِزينَ في الأرض، ولا أهلُ السَّماء. هذا من قول ابن عبّاسٍ والكَلْبيِّ. قوله: (أَمَنْ يَهْجُو) البيتَ، في «المطلعِ»؛ أي: ومَن يَمدحُه، وهذا كما يقال: أَكْرِمْ مَنْ أتاكَ، وأتى أباك؛ أي: وأكرِمْ من أتى أباكَ. وقيل: لو لم يقدِّر «مَنْ» لكان «يَمدحُه» عَطْفًا على «يهجوه» وكان داخلًا في حَيِّزِ الصِّلةِ، فكانَ الهاجي والمادحُ شخصًا واحدًا، وفَسَد المعنى ولا يَصحُّ قولُه: «سَواءُ». وقيل: إنَّ أبا سفيانَ بن الحارثِ هجا رسولَ الله ﷺ فعارَضَه حسانُ بنُ ثابتٍ بقصيدةٍ هذا البيتُ منها، ولمّا انتهى إلى قوله: هَجْوتَ محمّدًا فأَجبتُ عنه … وعندَ الله في ذاكَ الجَزاءُ قال النبيُّ ﷺ: «جزاكَ اللهُ الجنَّةَ»، فلمّا بلغَ منها قولَه: فإنَّ أبي ووالِدَه وعِرْضي … لعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ قال له النبيُّ ﷺ: «وقاكَ اللهُ حَرَّ النّارِ»، ثم لمّا بلغ إلى قولِه:
[ ١٢ / ١٥٨ ]
ويحتمل أن يراد: لا تعجزونه كيفما هبطتم في مهاوي الأرض وأعماقها، أو علوتم في البروج والقلاع الذاهبة في السماء، كقوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)] النساء: ٧٨ [أو: لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجرى عليكم، فيصيبكم ببلاٍء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ الله وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)] ٢٣ [
(بِآياتِ الله) بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته ولقائه والبعث (يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) وعيد، أى: ييأسون يوم القيامة، كقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)
_________________
(١) أَتَهْجُوه ولستَ له بكُفْءٍ … فشَرُّكُما لِخَيرِكُما فِداءُ قال مَنْ حَضَر: هذا أَنصَفُ بيتٍ قالتْهُ العربُ. وفيها: هَجَوْتَ مطَهَّرًا بَرًّا حَنيفًا … أَمين الله شِيمَتُه الوَفاءُ قوله: (في مَهاوي الأرضِ) المَهْوى: بُعْدُ ما بَيْنَ الشَّيئينِ المُنتَصِبَيْنِ، حتى يُقال لِبُعْدِ ما بَين المَنكِبَيْن: مَهْوًى. قال: أَكَلتُ دمًا إنْ لم أَرُعْكِ بضَرَّةٍ … بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبةِ النَّشْرِ قوله: (﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ وَعِيدٌ)؛ أي: سَيُعاقَبُونَ يومَ القيامةِ، وحاصلُ الوُجوهِ: أنَّ الكافر لا يُوصَفُ باليأس؛ لأنه مسبوقٌ بالرّجاء والكافرُ لا رجاء له لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [يونس: ٧]، ففيه وُجوهٌ: أحدُها: أنَّه كِنايةٌ عن الوعيدِ؛ أي: يحصلُ لهمُ اليأسُ منَ الرَّحمة يومَ القيامةِ. وثانيها: أن يكونَ وصفًا لهم كما يُوصف المؤمنُ بـ «صَبّار شكور»، كأنه قيل: والذين كفروا بآيات الله أولئك همُ الكامِلُون في الكُفرِ، فوُضِعَ مَوْضِعَه: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾
[ ١٢ / ١٥٩ ]
[الروم: ١٢]. أو هو وصف لحالهم؛ لأنّ المؤمن إنما يكون راجيًا خاشيًا، فأما الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف. أو شبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم بحال من يئس من الرحمة، وعن قتادة ﵁: إن الله ذمّ قومًا هانوا عليه فقال: (أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) وقال: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ ولا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)] يوسف: ٨٧ [فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله ولا من رحمته، وأن لا يأمن عذابه وعقابه.
صفة المؤمن أن يكون راجيًا لله ﷿ خائفًا.
_________________
(١) ـ وثالثها: أن يكونَ تَمثيلًا، مُثِّلت حالُ هؤلاءِ الذين كَفروا بآيات الله ولقائه بحالِ قومٍ قُدِّرَ وجودُهم آيِسِينَ من رحمة الله، كما قال في ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] مُثِّلت حالُ قلوبِهم بحال قلوبٍ مقدَّرٍ خَتْمُ الله عليها، أو يُقال: شُبِّه حالُهم بحال مَن مات على الكُفر؛ مبالغةً في انتِفاءِ الرَّحمةِ عنهم، لأنَّ مَنْ عاشَ يُرجى إيمانُه فلا يكون مِمَّن أَيِسَ من رحمة اللهِ؛ أَبَرزَهُم في صورة الآيسينَ من رحمة اللهِ، وقريبٌ منه ما مَرَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، فإنَّ قولَه: ﴿يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾ نحوَ قولِه: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]. قال: كَنّى عنِ الموتِ على الكُفر بقولهِ: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]، وفائدتُه: إبرازُ حالِهم في صورة الآيِسِينَ منَ الرَّحمة التي هي أغلظُ الأحوالِ وأَشدُّها. قال الإمام: أضافَ الرَّحمةَ إلى نفسِه ﷿، ونَسَب العذابَ إليهم؛ لِيُؤذِنَ بأنَّ رحمتَه سَبقَت غَضبَه. وقلت: وفيه تنبيهٌ على أنَّهم حين لم يَلتفتوا إلى آيات الله، ولم يُؤمنوا بالآخرةِ، ولم يَعْملوا ما يَرْجُون به رحمةَ الله؛ حَرَّموا على أنفُسِهم ما وَسِعَت كلَّ شيءٍ، واستَحقُّوا العذابَ الأليمَ.
[ ١٢ / ١٦٠ ]
[(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ الله مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)] ٢٤ [
قرئ: (جَوابَ قَوْمِهِ) بالنصب والرفع، (قالُوا): قال بعضهم لبعض، أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين، فكانوا جميعًا في حكم القائلين. وروى أنه لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار، نعنى: يوم ألقى إبراهيم في النار، وذلك لذهاب حرّها.
[(وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ الله أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَاواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ)] ٢٥ [
قرئ على النصب بغير إضافة وبإضافة، وعلى الرفع كذلك، فالنصب على وجهين: على التعليل، أى: لتتوادّوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم على عبادتها واتفاقكم عليها وائتلافكم، كما يتفق الناس على مذهب، فيكون ذلك سبب تحابهم وتصادقهم. وأن
_________________
(١) ـ قوله: (قُرئ ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بالنَّصْبِ) وهي مشهورةٌ، والرَّفعُ: شاذَّةٌ. قوله: (على النَّصْب بغير إضافةٍ) يعني: «مَوَدَّةً بَيْنَكم»؛ قرأها نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ، وبإضافةٍ: حفصٌ وحمزةُ، وبالرفعِ: ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ والكسائيُّ. قوله: (على التَّعليل) فعلى هذا «ما» في ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم﴾ كافَّةٌ. قال مَكِّي في «إعرابه»: «ما» يجوز أن تكون كافَّةً، ومفعول ﴿اتَّخَذْتُم﴾: ﴿أَوْثَانًا﴾، واقتصر على مفعولٍ واحدٍ كقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢] و﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ مفعول من أجله؛ أي: اتَّخذتُمُ الأوثانَ من دُونِ الله للمَودَّة فيما بَينِكُم، لا لأنَّ عند الأوثانِ نَفْعًا وضَرًّا.
[ ١٢ / ١٦١ ]
يكون مفعولا ثانيًا، كقوله: (اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ)] الفرقان: ٤٣ [،] الجاثية: ٢٣ [أى: اتخذتم الأوثان سبب المودّة بينكم، على تقدير حذف المضاف. أو اتخذتموها مودّة بينكم، بمعنى: مودودة بينكم، كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ الله أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله)] البقرة: ١٦٥ [وفي الرفع وجهان: أن يكون خبرًا لـ (إنّ) على أن (ما) موصولة. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف. والمعنى: أنّ الأوثان مودّة بينكم، أى: مودودة، أو سبب مودّة. وعن عاصم: (مودّة بينكم) بفتح (بينكم) مع الإضافة، كما قرئ: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)] الأنعام: ٩٤ [ففتح وهو فاعل. وقرأ ابن مسعود ﵁: (أوثانًا إنما مودّة بينكم في الحياة الدنيا)، أى: إنما تتوادّون عليها، أو تودّونها في الحياة الدنيا (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يقوم بينكم التلاعن والتباغض والتعادي؛ يتلاعن
_________________
(١) قوله: (أن يكون خبرًا) قال مَكِّيٌّ: «ما» بمعنى «الذي»، والعائدُ محذوف وهو المفعولُ الأوَّلُ، و﴿أَوْثَانًا﴾ المفعولُ الثاني، و«مَوَدَّةُ» الخبرُ. وقيل: هي رفعٌ بإضمارِ: هي «مودّة». وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون «ما» مصدريةً، و«مَوَدَّةُ» الخبرَ، ولا حذفَ إلاّ في اسم «إنَّ»؛ أي: [إنَّ] سببَ اتِّخاذِكُم مودةٌ. قوله: (أو تَوَدُّونَها في الحياة الدُّنيا) قال أبو البَقاء: يجوز أن يَتَعلَّقَ في ﴿فِي الْحَيَوَاةِ الدُّنْيَا﴾ بنَفْس ﴿مَّوَدَّةَ﴾ إذا لم يُجعل ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفةً لها؛ لأنَّ المصدرَ إذا وُصِفَ لا يَعملُ. وقال مَكِّي: وإذا جُعِلَت ﴿بَيْنِكُمْ﴾ صفةً لـ ﴿مَّوَدَّةَ﴾ كان في ﴿فِي الْحَيَوَاةِ﴾ في موضعِ الحالِ من الضَّمير في الظرف الذي هو صفة، والعاملُ الظَّرفُ، ولا يجوز أن يعملَ في الحال ﴿مَّوَدَّةَ﴾؛ لأنَّك قد وصفتَها ومعمولُ المصدر متَّصلٌ به، فتكون قد فَرَّقتَ بينَ الصِّفةِ والموصوفِ بالصِّفة وأيضًا لو جعلتَه حالًا من الضَّمير في ﴿بَيْنِكُمْ﴾ يكونَ العاملُ الظَّرفَ
[ ١٢ / ١٦٢ ]
العبدة والأصنام، كقوله تعالى: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)] مريم: ٨٢ [.
[(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢٦ [
كان لوط ابن أخت إبراهيم ﵉، وهو أول من آمن له حين رأى النار لم تحرقه (وَقالَ) يعنى إبراهيم: (إِنِّي مُهاجِرٌ) من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى حرّان ثم منها إلى فلسطين، ومن ثمة قالوا: لكل نبى هجرة، ولإبراهيم هجرتان، وكان
_________________
(١) لأنَّ العاملَ في ذِي الحالِ هو العاملُ في الحال، ولو قَدَّرْنا أن يكون العاملُ فيها ﴿مَّوَدَّةَ﴾ لَزِمَ أن يجتمعَ عاملانِ على معمولٍ واحدٍ، ويجوز أن يكونَ ﴿فِي الْحَيَاةٍ﴾ صفةً أخرى لـ ﴿مَّوَدَّةً﴾. والتقدير: إنّما اتَّخذتم مِن دُون الله أوثانًا مودَّةً مستقرَّةً بينكم، ثابتةً في الحياة الدُّنيا، فلمّا حُذف العاملانِ تحوَّل الضميرُ إلى الطَّرفَينِ. هذا تلخيصُ كلامِه. ثم قال: فافهَم هذه المسألةَ، فإنَّها من أسرار النَّحو وغرائبِه. وقال صاحب «الكَشْف»: يجوز عندي أن تَعملَ المودَّة الموصوفة ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾؛ لأنَّه ظرفٌ، والظَّرفُ يُفارق المفعولَ به. وقال أبو البَقاءِ: ويجوز أن يتعلَّق ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ بـ ﴿اتَّخَذْتُم﴾ إذا جعلتَ «ما» كافَّة. قوله: (كان لوط ابن أخت إبراهيم). وفي «جامع الأُصول»: هو لُوط بن هاران بن تارِح- بالحاء المهملة- وهاران هو أخو إبراهيمَ الخليلِ﵇- ولوطٌ ابنُ أخيهِ، آمَنَ بإبراهيمَ وشَخَص معه مهاجرًا إلى الشام، فنَزل إبراهيمُ فلسطينَ، وأَنزلَ لوطًا الأردنَّ، فأرسلَه اللهُ إلى أهل سَدُوم. قوله: (ولإبراهيمَ هِجْرتانِ) عن أبي داودَ، عن عبدالله بن عمرٍو قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «سَتكون هجرةٌ بعدَ هجرةٍ، فخِيارُ أهلِ الأرضِ أَلْزَمُهم مُهَاجَرَ
[ ١٢ / ١٦٣ ]
معه في هجرته: لوط، وامرأته سارّة، وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة (إِلى رَبِّي) إلى حيث أمرنى بالهجرة إليه (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ) الذي يمنعني من أعدائى (الْحَكِيمُ) الذي لا يأمرنى إلا بما هو مصلحتي.
[(وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] ٢٧ [
(أَجْرَهُ) الثناء الحسن، والصلاة عليه آخر الدهر، والذرية الطيبة والنبوّة، وأن أهل الملل كلهم يتولونه. فإن قلت: ما بال إسماعيل ﵇ لم يذكر، وذكر إسحاق وعقبه؟
قلت: قد دلّ عليه في قوله: (وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) وكفى الدليل لشهرة أمره وعلوّ قدره. فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: قصد به
_________________
(١) إبراهيمَ، ويَبْقى في كلِّ أرضٍ إذْ ذاكَ شِرارُ أهلِها، تَلْفِظُهم أَرْضُوهم، تَقْذَرُهُم نَفْسُ الله، وتَحشُرُهمُ النارُ معَ القِرَدةِ والخَنازيرِ». قوله: (قد دلَّ عليه في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ﴾ فكفى الدَّليلُ لشُهرةِ أمرِه، وعُلوِّ قَدْرِه) يُريد أنَّهم قد يُخففون ذِكْرَ بعضِ المُشتَهِرينَ، ويَكتَفُونَ برَمْزِهِ عن ذِكْره لشُهرتِه إعلاءً لقَدْرِه، ورَفعًا لمنزلتِه، وإيذانًا بأنَّه العلمُ المُشارُ إليه الذي لا يَلْتَبِسُ على كلِّ أحدٍ، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] مُريدًا به نَبيَّنا ﷺ وهاهنا لمّا عَطَف ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ على ﴿وَوَهَبْنَا﴾ عُلِمَ أنَّ الثاني هو المَوْهُوبُ الأعظمُ، والمَطلُوبُ الأوَّلُ، لا سِيَّما [إذا] جُعلت الذُّريةُ مكانًا للنُّبوةِ وظَرْفًا لها. ولا يَلتبسُ على كلِّ ذي بَصيرةٍ أنَّ النُّبوةَ والكتابَ لم يستقرَّا في أحدٍ منَ الأنبياءِ استقرارَهُ لِنبيِّنا ﷺ فكان في ذِكْره ذِكرُ جَدِّه إسماعيلَ صلواتُ الله عليهما، فقولُه: «لِشُهرة أَمْرِه» تعليلٌ لقوله: «فكَفى الدَّليلُ» من حيث المعنى كما قَرَّرناه.
[ ١٢ / ١٦٤ ]
جنس الكتاب، حتى دخل تحته ما نزل على ذرّيته من الكتب الأربعة التي هي: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن.
[(وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَاتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ الله إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)] ٢٨ - ٣٠ [
(وَلُوطًا) معطوف على "إبراهيم"، أو على ما عطف عليه. والْفاحِشَة: الفعلة البالغة في القبح. و(ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة، كأن قائلًا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازًا منها في طباعهم لإفراط قبحها، حتى أقدم عليها قوم لوط؛ لخبث طينتهم وقذر طباعهم. قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط قط. وقرئ: (إنكم)، بغير استفهام في الأوّل دون الثاني، قال أبو عبيدة: وجدته في الإمام بحرف واحد بغير ياء، ورأيت الثاني بحرفين: الياء والنون.
_________________
(١) قوله: (﴿وَلُوطًا﴾ معطوفٌ على «إبراهيمَ»، أو على ما عُطِفَ عليه) أي: إبراهيمَ، وهو ﴿نُوحًا﴾ في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ يؤيِّد الأوَّلَ أن قصَّة لوطٍ ﵇ لا تكادُ تُوجد إلا مقرونةً بقصَّة إبراهيمَ ﵇؛ لأنَّه ابنُ أخيهِ ومُهاجِرٌ معه. والثاني قولُه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، فإنَّه معطوفٌ على قصَّة نوح ﵇ لا غيرُ؛ لأنَّ التَّقديرَ: ولقد أرسَلْنا إلى مَدينَ أخاهم شُعيبًا، فيكون كلٌّ مِنَ القَصَص مُستَقِلاًّ بنفسه. قوله: (اشمئزازًا) أي: انقِبَاضًا. قوله: (﴿إِنَّكُمْ﴾ بغير استفهام) نافعٌ وابنُ كثيرٍ وابنُ عامرٍ وحَفصٌ.
[ ١٢ / ١٦٥ ]
قطع السبيل: عمل قطاع الطريق، من قتل الأنفس وأخذ الأموال. وقيل: اعتراضهم السابلة بالفاحشة. وعن الحسن: قطع النسل بإتيان ما ليس بحرث. والْمُنْكَرَ عن ابن عباس ﵄: هو الخذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، ومضغ العلك، والسواك بين الناس، وحل الإزار، والسباب، والفحش في المزاح. وعن عائشة ﵂: "كانوا يتحابقون". وقيل: السخرية بمن مرّ بهم. وقيل: المجاهرة في ناديهم بذلك العمل، وكل معصية، فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء: من خرق جلباب الحياء فلا غيبة له. ولا يقال للمجلس: ناٍد، إلا ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه لم يبق ناديًا. (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فيما تعدناه من نزول العذاب. كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعًا وكرهًا، ولأنهم ابتدعوا الفاحشة وسنوها فيمن بعدهم، وقال الله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ)] النحل: ٨٨ [. فأراد لوط ﵇ أن يشتد غضب الله عليهم، فذكر لذلك صفة المفسدين في دعائه.
[(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) [٣١ - ٣٢]
_________________
(١) قوله: (يتحابقون) أي: يَتضارَطُونَ. قوله: (ولأنَّهم ابتَدَعُوا الفاحشةَ) عطفٌ على مقدَّرٍ مَدْلُولٍ عليه بقوله: «كانوا يُفْسِدونَ النّاسَ» إلى آخره، يعني: إنّما لوطٌ صفةَ المُفسِدينَ؛ لأنَّهم كانوا يَحمِلُونَ النّاسَ على الإفسادِ، ولأنَّهم ابتَدَعوا الفاحشة؛ أي: فَعَلوا الفاحشةَ وحَمَلُوا النّاسَ عليها، وسَنُّوها فيمَن بعدَهم، والكافرُ إذا وُصِفَ بالفسقِ أو الإفسادِ كان مَحْمولًا على غُلَوائه في الكُفر. أَلَا ترى كيف رتَّب الوَعيدَ بزيادة العذابِ في الآية المُستَشْهَدِ بها على الإفساد دُونَ الكُفرِ، ومِنْ ثَمَّ جَعلَ نبيُّ الله أيضًا الإفسادَ عَلَمَه لاستنزالِ شدَّةِ غَضَبِ الله بدُعائه. وفي إتيان الفاءِ في قوله: (فأراد لوطٌ) إشارةٌ إلى قولنا: «ومِن ثمَّ جَعَل نبي » إلى آخره.
[ ١٢ / ١٦٦ ]
(بِالْبُشْرى) هي: البشارة بالولد والنافلة، وهما: إسحاق ويعقوب. وإضافة مهلكو إضافة تخفيف لا تعريف. والمعنى: الاستقبال. والقرية: سدوم التي قيل فيها: أجور من قاضى سدوم. (كانُوا ظالِمِينَ) معناه: أنّ الظلم قد استمر منهم إيجاده في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم: كفرهم وألوان معاصيهم. (إِنَّ فِيها لُوطًا) ليس إخبارًا لهم بكونه فيها، وإنما هو جدال في شأنه: لأنهم لما عللوا إهلاك أهلها بظلمهم: اعترض عليهم بأن فيها من هو بريء من الظلم، وأراد بالجدال: إظهار الشفقة عليهم، وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته وحياطته، والخوف من أن يمسه أذًى أو يلحقه ضرر. قال قتادة: لا يرى المؤمن ألا يحوط المؤمن، ألا ترى إلى جوابهم بأنهم أعلم منه (بِمَنْ فِيها) يعنون: نحن أعلم
_________________
(١) ـ قوله: (أَجوَرُ من قاضي سَدُومَ). قال المَيْدانيُّ: سَدُومُ- بفتح السِّينِ-: مدينةٌ من مدائنِ قومِ لُوطٍ. قال أبو حاتم: إنّما هو سَذُومُ؛ بالذالِ المُعجَمةِ، والدّالُ خطأ. قال الأزهريُّ: هذا عندي هو الصحيحُ. قال الطَّبريُّ: هو ملكٌ من بقايا اليُونانيةِ غَشُومٌ كان بمدينة سَرْمِينَ من أرض قِنَّسْرِين. قوله: (﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ليس إخبارًا لهم بكَوْنِه فيها، وإنَّما هو جِدالٌ) يعني: أنَّ مضمونَ هذه الجملةِ كان معلومًا عند الرُّسلِ، ففائدةُ الإخبار ما اقتضاه المقامُ منَ الاعتراضِ والجدالِ كما قال تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] لا سِيَّما وقد صُدِّرتِ الجملةُ بـ (إنَّ) المؤكِّدةِ، فكأنَّهم لمّا قالوا: ﴿إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ وفيها ابنُ أخيه لوطٌ اعتَرضَ عليهم بقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إظهارًا للشَّفَقةِ عليه. قوله: (لا يرى المؤمنُ أنْ لا يَحُوط المؤمنَ) أي: لا ينبغي للمؤمن أن يتَّصفَ بهذا الوصفِ وهو أنْ لا يَحُوط أخاه، وهو معنى قوله: «ومِمّا يجب للمؤمن مِنَ التَّشَمُّرِ في حِياطَة المؤمنِ؛ أي: في نُصْحه وكلامِه».
[ ١٢ / ١٦٧ ]
منك وأخبر بحال لوٍط وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستأهل ما يستأهلون، فخفض على نفسك وهوّن عليك الخطب. وقرئ: (لَنُنَجِّيَنَّهُ) بالتشديد والتخفيف، وكذلك (منجوك).
[(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ)] ٣٣ [
(أَنْ) صلة أكدت وجود الفعلين مترتبًا أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما؛ كأنهما وجدا في جزٍء واحٍد من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث، خيفة عليهم من قومه (وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) وضاق بشأنهم وبتدبير أمرهم. ذرعه: أى: طاقته، وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع: عبارة عن
_________________
(١) قوله: (وقرئ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ،﴾ بالتَّشديد والتَّخفيف) حمزةُ والكسائيُّ: بالتخفيف، والباقون: بالتَّشديد. قوله: (أَكَّدت وُجودَ الفِعْلَينِ مُتَرتِّبًا أحدُهما على الآخر)، «مُتَرتِّبًا» حالٌ من الفعلينِ، والعاملُ فيه الوُجودُ، لا «أَكَّدت»، وذلك أن المساءَةَ في قوله: ﴿وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سْيءَ بِهِمْ﴾ مُتَرتِّبٌ على مجيء الرُّسلِ، وأُقحِمَت «أنْ» توكيدًا للتَّرتُّبِ، فلا يجوز أن يكون العاملُ (أَكَّدت)؛ لأنَّ التأكيدَ في حالِ تَرتُّب أحدِهما على الآخَرِ. قوله: (ذَرْعُه؛ أي: طاقتُه)، الراغب: ضاقَ بكذا ذَرْعِي، نحو: وضاقَتْ به يَدي، وذَرَعْتُه: ضرَبتُ ذِراعَه، وذَرَعْتُ: مَدَدْتُ الذِّراعَ، ومنه: ذَرَع البَعيرُ في سَيْرِه؛ أي: مَدَّ ذِراعَه، وفَرسٌ ذَرِيعٌ وذَرُوعٌ: واسِعُ الخَطْوِ، وذَرَعَه القَيءُ: سَبقَه من قولهم: ذَرَعَ الفَرسُ.
[ ١٢ / ١٦٨ ]
فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع بكذا، إذا كان مطيقًا له، والأصل فيه أنّ الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع، فضرب ذلك مثلًا في العجز والقدرة.
(إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)] ٣٤ - ٣٥ [
الرجز والرجس: العذاب، من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب، لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب. وقرئ: (مُنْزِلُونَ) مخففًا ومشدّدًا. (مِنْها) من القرية (آيَةً بَيِّنَةً) هي: آثار منازلهم الخربة. وقيل: بقية الحجارة. وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض. وقيل: الخبر عما صنع بهم (لِقَوْمٍ) متعلق بـ (تركنا) أو بـ (بينة).
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا الله وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ)] ٣٦ - ٣٧ [
(وَارْجُوا) وافعلوا ما ترجون به العاقبة. فأقيم المسبب مقام السبب. أو: أمروا
_________________
(١) ـ قوله: (وقُرئ: ﴿مُنزِلُونَ﴾ مخفَّفًا ومشدَّدًا) ابنُ عامرٍ: مشدَّدًا، والباقون: مخفَّفًا. قوله: (وافعلوا ما تَرْجُون به العاقبةَ، فأُقِيمَ المُسبِّبُ مَقامَ السَّببِ) أي: اعبُدوا اللهَ واعملوا صالحًا حتى تَتمكَّنُوا على رجاءِ أنْ يُثِيبَكُمُ اللهُ الجنَّةَ؛ لأنَّ مَنْ لم يَعملْ منَ الصالحات لم يَرْجُ الثَّوابَ الذي في الدار الآخرةِ، فالأعمالُ سببٌ للتَّمكُّن على الرَّجاء، فيكون عطفُ ﴿وَارْجُوا﴾ على ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ للبيان والتَّفسيرِ. وقريبٌ منه ما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَاتِ اللهِ وَلِقَاءِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي﴾، ويجوزُ أن يكونَ العطفُ للحُصول والوُجودِ، ويُفوَّضُ الترَّتُّبُ إلى الذِّهْنِ.
[ ١٢ / ١٦٩ ]
بالرجاء: والمراد: اشتراط ما يسوّغه من الإيمان، كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرط. وقيل: هو من الرجاء بمعنى الخوف. والرجفة: الزلزلة الشديدة. وعن الضحاك: صيحة جبريل ﵇؛ لأنّ القلوب رجفت لها (فِي دارِهِمْ) في بلدهم وأرضهم. أو في ديارهم، فاكتفى بالواحد؛
لأنه لا يلبس. (جاثِمِينَ) باركين على الركب ميتين.
(وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ)] ٣٨ [
(وَعادًا) منصوب بإضمار (أهلكنا) لأن قوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) يدل عليه، لأنه في معنى الإهلاك، (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ) ذلك: يعنى: ما وصفه من إهلاكهم (مِنْ) جهة (مَسْكَنِهِمْ) إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها. (وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) عقلاء متمكنين من النظر والافتكار. ولكنهم لم يفعلوا. أو كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم؛ لأن الله تعالى قد بين لهم على ألسنة الرسل ﵈،
_________________
(١) قوله: (والمرادُ اشتراطُ ما يُسَوِّغُه) يعني: أمرَهم بالرَّجاء على سَنَن طَلَب مُقدِّمةِ الواجبِ بالواجبِ. قوله: (﴿مِّن﴾ جِهَةِ ﴿مَّسَاكِنِهِمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ «مِنْ» في ﴿مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ ابتدائيَّةٌ. قوله: (أو كانوا مُتَبيِّنِينَ أنّ العذابَ نازلٌ بهم) عطفٌ على ما «كانوا مُستَبْصرينَ عُقلاءَ»؛ أي: كان أهلُ مكَّةَ وقد تبيَّن لهم من مساكِنِ الظَّلَمةِ من قوم عادٍ وثَمودَ هلاكُهم بشُؤم كُفرِهِم، إمّا بطريق النَّظَرِ والاستدلالِ، وإمّا بطريق الإخبارِ مِنَ الرُّسل، لكنْ لم يَعتبروا، فلمْ يفعلوا بمُوجب العقلِ، ولا التَفَتُوا إلى النصِّ القاهرِ.
[ ١٢ / ١٧٠ ]
ولكنهم لجوا حتى هلكوا.
[(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] ٣٩ - ٤٠ [
(سابِقِينَ) فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه.
الحاصب: لقوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصباء. وقيل: ملك كان يرميهم. والصيحة: لمدين وثمود. والخسف: لقارون. والغرق: لقوم نوح وفرعون.
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ الله يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٤١ - ٤٢ [
الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلًا ومعتمدًا في دينهم وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوّة.
_________________
(١) قوله: (لَجُّوا)، لَجَّ: مِنْ باب عَلِمَ، لَجَاجًا ولَجَاجَةً: تَمادي في الخُصومةِ، والَّجَّةُ بالفتح: الأصواتُ، وفي أمثالهم: لَجَّ فلانٌ حتّى حَجَّ؛ أي: غَلَب. قوله: (الغَرَضُ تَشبيه ما اتَّخذُوه مُتَّكَلًا ومُتَعمدًا في دينهم وتَولَّوْهُ من دُون الله بما هو مَثَلٌ عند النّاسِ في الوَهْن وضَعْفِ القُوَّةِ) اعلَمْ أنَّ الغَرضَ في التَّشبيه في الأَغلَب يكونُ عائدًا إلى المُشَبَّه، ويكون ذلك تَقويةَ شَانِه في نَفْس السامِعِ وزيادةَ تَقريرِه عندَه، كما إذا كنتَ معَ صاحبِكَ في تقريرِ أنَّه لا يحصلُ مِن سَعْيه على طائلٍ قلتَ كما قال:
[ ١٢ / ١٧١ ]
وهو نسج العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه وهو قوله: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
_________________
(١) ـ فأَصبحتُ من ليلى الغَداةَ كقابضٍ … على الماءِ خانَتْهُ فُروجُ الأَصابِعِ ولمّا كانت حالُ الآلهةِ التي جَعلَها الكُفّارُ أندادًا لله لا حالَ أحقَرَ منها وأقلَّ، جُعل بيتُ العنكبوتِ مثلًا لها في الضَّعْفِ والوَهْنِ، وفي هذا التَّقرير إشارةٌ إلى تقدير مضافٍ في كلام المصنِّفِ عند المُشبَّه؛ أي: تَشبيه حالِ ما اتَّخذوه مُتَّكلًا، وعند المشبَّهِ به؛ أي: بحال ما هو مَثَلٌ عند الناسِ، وذِكْرُ المَثَلَينِ في التَّنزيل أيضًا يُوجبُ هذا الإضمارَ. قوله: (ألا تَرى إلى مَقْطَعِ التَّشبيهِ) أي: كيف دلَّ قولُه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ على أنَّ الغَرَضَ مِنَ التَّشبيه ما ذَكَرْنا. وكلامُه يَجمعُ أمورًا: أحدها: أنْ يكونَ قولُه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كالتَّذييلِ للتَّشبيه كما يُفهَمُ مِنَ الوجه الأوَّلِ مِنَ الوُجوهِ المَذكورةِ في جوابِ ما معنى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وذلك أنَّ التَّشبيهَ عندَ قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ ثُمَّ ذُيِّل بقولِه: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كما مَرَّ في قولهم: فلانٌ يَنطِقُ بالحقِّ، والحقُّ أَبْلَجُ. وحَدَثتِ الحوادثُ، والحَوادثُ جَمَّةٌ. فالتَّشبيهُ حينئذٍ يَحتملُ أن يكون مركَّبًا عقليًّا، إذا جُعِلَ الوجهُ الوَهْنَ كما أشار إليه في قوله: «بما هو مَثَلٌ عند النّاسِ في الوَهْنِ»؛ لأنَّه هو الزُّبدةُ والخُلاصةُ المأخوذةُ مِنَ المجموعِ، أو وَهْمِيًّا بأنْ يكونَ الوجهُ مُنْتَزَعًا من عدَّة أمورٍ مُتوهَّمة، وفي قوله: «وأنَّ أَمْرَ دينهِم بالغٌ إلى هذه الغايةِ مِنَ الوَهْن» إيماءٌ إليه. وثانيها: أن يكونَ التَّمثيلُ بجُملته كالمقدِّمة الأولى، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ كالثانية، والنتيجةُ محذوفةٌ لشُهرتِها، ولذلك أتى بالفاء، وفي قولِه: «فقد تبيَّن أن دِينَهم أَوْهَنُ الأديانِ»، فالكلامُ متضمِّنٌ للكناية الإيمائيَّةِ. وثالثها: أن يكونَ ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ استعارةً تَمثيليَّةً، وذِكْرُ
[ ١٢ / ١٧٢ ]
لبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)؟ فإن قلت: ما معنى قوله: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) وكل أحٍد
_________________
(١) المشبَّهِ والمُشبَّهِ به كالتَّسَبُّبِ والتَّوطئةِ لِذِكْرها؛ لأنَّ الاستعارةَ مسبوقةٌ بالتَّشبيه، وإليه الإشارةُ بقوله: «أو أخرجَ الكلامَ بعدَ تَصْحيحِ التَّشبيه مخرجَ المَجازِ»، فعلى هذا الجملةُ أيضًا تذييلٌ مقرِّر لمعنى المُشبَّهِ كما كان مُقرَّرًا في الأوَّلِ للمُشبَّه به، نَحوُه التَّجريدُ والتَّرشيحُ في الاستعارةِ. ورابعها: أن يكونَ من تتمَّة التَّشبيهِ، داخلًا في حَيِّز المُشبَّه به حالًا منَ المنصوبِ، والعاملُ ﴿اتَّخَذَتْ﴾، أو مِنَ المرفوعِ المُستَكِنِّ الراجعِ إلى العنكبوتِ، وعلى التَّقديرَينِ وُضِعَ موضعَ الرّاجعِ في الجُملة المُظْهَرِ، واللاَّمُ في ﴿الْبُيُوتِ﴾ استغراقيَّةٌ، يشهدُ له قولُه: «إذا استَقْرَيْتَها بيتًا بيتًا»، والتَّشبيهُ حينئذٍ إمّا مِنَ التَّشبيهاتِ المُفرَّقة أو التَّمثيليَّةِ التي يكون وجهُها المُشبَّهُ مُنْتَزَعًا مِنَ الأمور المُتعدِّدة الوَهْميَّةِ، ولذلك قال: «بالإضافة إلى رَجلٍ يبني بيتًا بآجُرِّ وجِصٍّ» فالعنكبوتُ التي تَتَّخِذُ بيتًا في مُقابِلِ الكافرِ الذي يَعْبُدُ الوَثَنَ، والرَّجُلُ الذي يبني بيتًا بآجُرٍّ وجِصٍّ في مُقابِلِ المؤمنِ الذي يَعبُدُ اللهَ، وإنَّ أَوْهَنَ البيوتِ بيتًا بَيتًا وهو بيتُ العنكبوتِ، مقابلٌ لضَعْفِ دِين عَبَدةِ الأوثانِ دِينًا دِينًا، وإنَّ أقوى البيوتِ بيتًا بيتًا هو البيتُ المبنيُّ بالآجُرِّ والجَصِّ، مقابلٌ لقوَّةِ دين عِبادِ الرَّحمنِ دِينًا دِينًا، وكلُّ هذه التَّقريراتِ المُلتَزِمَةِ إدخالَ هذه الفَقْرَةِ في حَيِّزِ التَّشبيهِ. وأما قولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فإيغالٌ لأنَّ مَن وَقَف على قُبح القَبيحِ ربَّما أَقلَع عنه. وعن بغضِهم: الوَقْفُ على قولِه: ﴿الْعَنكَبُوتِ﴾ لازِمٌ، وهو قولُ الأَخفَشِ؛ لأنَّ جوابَ «لو» محذوفٌ، تقديرُه: لو كانوا يَعلمون وَهْنَ دِينِ عَبَدةِ الأوثانِ لَمَا اتَّخذوها أولياءَ، ولو وُصِل صار وَهْنُ بيتِ العنكبوت معلَّقًا بعِلْمِهم، وهو مطلَقٌ، والجملةُ لا تَصْلُح صفةً للمعرفةِ. وعن الفَرّاء: إنَّ الموصولَ محذوفٌ كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا﴾ [الجمعة: ٥]؛ أي: الذي يَحملُ الأسفارَ؛ وعلى هذا لا يُوقَفُ، وهو اختيارُ ابنِ دَرَسْتَوَيه في حَذْف المَوصُولِ.
[ ١٢ / ١٧٣ ]
يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت: معناه لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. ووجه آخر: وهو أنه إذا صحّ تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون. أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، فكأنه قال: وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون.
ولقائٍل أن يقول: مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوٍت يتخذ بيتًا، بالإضافة إلى رجل يبنى بيتًا بآجر وجص أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتًا بيتًا؛ بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينًا دينًا؛ عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. قرئ: (يدعون) بالتاء والياء. وهذا توكيد للمثل وزيادة عليه، حيث لم يجعل ما يدعونه شيئًا (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فيه تجهيل لهم؛ حيث عبدوا ما ليس بشيء؛
_________________
(١) قال صاحبُ «الفرائد»: يُمكن أن يكونَ المعنى مَثَلُ مَنْ أَشرَكَ وطَمِعَ في نَفْعِهم والإغناءِ عنها في الدّارَين كمَثَلِ العنكبوتِ جَعَلت لِنفسِها بيتًا وطَمِعَت في نَفْعِها مِنْ دَفْع الحَرِّ والبَرْدِ والإغناءِ عنها، فكما لا يَفي بذلك بيتُ العنكبوتِ كذلك اتِّخاذُهمُ الأوثانَ. قوله: (برئ ﴿يَدْعُونَ﴾ بالتاء والياء) بالياء التحتانية: أبو عمروٍ وعاصمٌ، والباقون: بالتاء. قوله: (وهذا توكيدٌ للمَثَل وزيادةٌ عليه) أي: تَتْمِيمٌ له للمبالغة فيه؛ لأنَّه أَثْبَتَ في المَثَلِ وَهْنَ دِين عابدِ الوَثَنِ وضَعْفَه، وجُعل هنا عَدَمًا صِرْفًا، فـ «ما» في ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ نافيةٌ. قال أبو البقاء: يجوزُ أن تكونَ استفهاميّةً منصوبةً بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، و﴿مِن شَيْءٍ﴾: تَبْيِينٌ، ويجوز أن تكونَ نافيةً، و«مِنْ» زائدةً، و﴿شَيْئًا﴾ مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾.
[ ١٢ / ١٧٤ ]
لأنه جماد ليس معه مصحح العلم والقدرة أصلًا، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل شيئًا إلا بحكمةٍ وتدبير.
(وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ)] ٤٣ [
كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون: إنّ ربّ محمٍد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) أى: لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم، لأنّ الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار؛ حتى تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها للأفهام، كما صوّر هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد.
وعن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه».
_________________
(١) ـ قوله: (ليس معه مُصَحِّحُ العِلْمِ والقُدْرةِ)، أي: الحياة، يريدُ أنَّ قولَه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تتمِيمٌ لمعنى التَّجهيلِ الذي يُعطيه قولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ يعني: ما عَرَفوا أنَّ ما يَدْعونَه ليس بشيءٍ، ولا عَلِموا أنَّه ﴿الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ حيث تَرَكوا عبادةَ القادِرِ الحَكيمِ إلى ما ليس معه مُصحِّحُ العِلْمِ والقُدرةِ. قوله: (العالِمُ مَنْ عَقَل عن الله فعَمِلَ بطاعتِه واجتَنبَ سَخَطَه) الحديثَ، أورَدَه محيي السُّنة في «معالم التنزيل» عن جابرٍ. الجوهريُّ: قولُهم: ما أَعقِلُه عنك شيئًا، أي: دَعْ عنكَ هذا الشَّكَّ. هذا حرفٌ رواه سيبويه كأنه قال: «ما أعلم شيئًا ممّا تقول، فدع عنك الشكّ». وعن بعضِهم في الكلام حَذْفٌ، أي: الذي تقول ما أَعْقِلُه عنك شيئًا؛ ما أَعْقِل منه. وقلت: خلاصتُه أنَّ مِثْلَ هذا التَّركيبِ لا يُستعمل إلاّ في معنًى دقيقِ المَسْلَكِ، صَعْبِ المُرْتَقى.
[ ١٢ / ١٧٥ ]
[(خَلَقَ الله السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)] ٤٤]
_________________
(١) ومِنْ ثَمَّ جيء بقوله: «العالمِ» بلام الجِنْسِ؛ أي: العالِمُ الكامِلُ، الحكيمُ الحازمُ، ذو الدُّرْبَةِ والكِياسَةِ، مَنْ يَعقِلُ ويَعرِفُ ما صَدَر عنِ الله، ومِنْ ثَمَّ طبَّق التأويلُ النَّبويُّ التَّنزيلَ الإلهيَّ ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ حيث جَمعَ العَقْلَ والعِلْمَ معًا على سبيل الحَصْرِ. ومِثْلُه: «الكَيِّسُ مَنْ دانَ نفسَه وعَمِلَ لِمَا بعدَ الموتِ»، فإذن الواجبُ أنْ يُتَركَ قولهُ تعالى: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ - في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ﴾ - على الإطلاقِ ليتناوَلَ سائرَ الولاياتِ التي يَجبُ على الموحِّد الاجتنابَ عنها، ويَشْتملَ على دقائق الشِّركِ ومَكامِنِه، ويَنْفي الحَوْلَ والقوَّةَ عمَّن سِواهُ إلى غير ذلك. وفيه مَسْحةٌ من معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. في «حقائق السُّلَميِّ»: قال ابنُ عطاءٍ: مَنِ اعتَمَد شيئًا سوى اللهِ فهو هَباءٌ لا حاصِلَ له، وهَلاكُه في نَفْسِ ما اعتَمَده، ومَنِ اتَّخذ سِواهُ ظَهيرًا قَطَع عن نَفسِه سبيلَ العِصْمَةِ ورُدَّ إلى حَوْله وقُوَّتِه، كالعنكبوتِ اتَّخذت بيتًا ظَنَّه أنَّه يَكُنُّه. وأنشَدَ البُسْتِيُّ: مَنِ استَعانَ بغير الله في طَلَبٍ … فإنَّ ناصِرَه عَجْزٌ وخِذلانُ والله أعلمُ.
[ ١٢ / ١٧٦ ]
(بِالْحَقِّ) أي بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل، وهو أن تكونا مساكن عباده وعبرةً للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته، ألا ترى إلى قوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) ونحوه قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا)] ص: ٢٧ [ثم قال: (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)] ص: ٢٧ [.
(اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ)] ٤٥ [
الصلاة تكون لطفًا في ترك المعاصي، فكأنها ناهية عنها. فإن قلت: كم من مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته؟ قلت: الصلاة التي هي الصلاة عند الله المستحق بها
_________________
(١) قوله: (أو بالغَرَض الصَّحيح)، الانتصاف: اللَّفظُ والمعنى فاسدٌ، ولو فُرض أنَّ المعنى صحيحٌ لَكانَ الواجبُ اجتنابَ هذه الألفاظ الرَّديئةِ. قوله: (ونحوُه [قوله تعالى]: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]) وذلك أنَّ الباطلَ في مُقابلِ الحقِّ، وأنَّ قولَه: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] في مُقابِلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأمّا ظَنُّ الكافرِ أنَّه باطلٌ فلأنَّه لم يَجعلِ الدَّلائلَ مَسارِحَ نَظَرِه ومطارِحَ فِكْرِه، لِيستَدِلَّ به على وُجودِ مُبدِعٍ فاطِرٍ، مُستَحِقٍّ لأنْ يُعبَدَ ويُطاعَ في أوامِرِه ونَواهِيه، كما أنَّ معنى يَقينِ المؤمنِ أنّه نَظَر وعَرَف فعَبَد وأطاعَ وانتَفَع بها، فكأنَّه أقَرَّ بحقِّيَّتِها. وفيه: أنَّ صاحبَ عِلْمِ الهيئةِ الذي لا عبادةَ له كأنَّه ما نظَرَ فيها ولا عَرفَها حقَّ مَعرفتِها.
[ ١٢ / ١٧٧ ]
الثواب: أن يدخل فيها مقدّمًا للتوبة النصوح، متقيًا؛ لقوله تعالى: (إِنَّما يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ)] المائدة: ٢٧ [، ويصليها خاشعًا بالقلب والجوارح، فقد روى عن حاتم: كأنّ رجلي على الصراط، والجنة عن يمينى، والنار عن يساري، وملك الموت من فوقى، وأصلى بين الخوف والرجاء؛ ثم يحوطها بعد أن يصليها فلا يحبطها، فهي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن ابن عباس ﵄: "من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر؛ لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا". وعن الحسن ﵀: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه". وقيل: "من كان مراعيًا للصلاة جرّه ذلك إلى أن ينتهى عن السيئات يومًا ما، فقد روى أنه قيل لرسول الله ﷺ: إنّ فلانًا يصلى بالنهار ويسرق بالليل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه».
وروى أنّ فتًى من الأنصار كان يصلى معه الصلوات، ولا يدع شيئًا من الفواحش إلا ركبه، فوصف له فقال: «إن صلاته ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وعلى كل حاٍل فإنّ المراعى للصلاة لا بدّ أن يكون أبعد من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها. وأيضًا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضى أن لا يخرج واحد من المصلين عن قضيتها، كما تقول: إنّ زيدًا ينهى عن المنكر؛ فليس غرضك أنه
_________________
(١) ـ قوله: (واللَّفظُ لا يَقْتضي أنْ لا يَخرُجَ واحدٌ) يعني: ليس التَّعريفُ في الصَّلاة للاستغراقِ لِيستوعِبَ جميعَ المُصلِّينَ، بل هو للجنسِ، فهو مُطلَقٌ في تَناوُلِه، ومعناه: مِنْ شأنِ الصَّلاةِ أنْ تَنهى عنِ الفحشاءِ والمُنكَرِ، فقد وُجد في صُوَرٍ كثيرةٍ هذا الحُكْمُ، فلا يجبُ أن لا يَخرُجَ أحدٌ منَ المصلِّينَ عن قَضيَّتِها. والحاصلُ أنَّ تَعريفَ الجِنسِ- الذي هو المعهودُ الذِّهنيُّ- كالنَّكرة في الشِّياع، والنَّكرةِ في سياق الإثباتِ، لا يُفيد العُمومَ.
[ ١٢ / ١٧٨ ]
ينهى عن جميع المناكير، وإنما تريد أنّ هذه الخصلة موجودة فيه، وحاصلة منه من غير اقتضاء للعموم. (وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ) يريد: وللصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله كما قال: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله)] الجمعة: ٩ [وإنما قال: ولذكر الله: ليستقلّ بالتعليل، كأنه قال:
وللصلاة أكبر، لأنها ذكر الله. أو: ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر، فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس ﵄: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته (وَالله يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ) من الخير والطاعة، فيثيبكم أحسن الثواب.
(وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)] ٤٦ [
(بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بالخصلة التي هي أحسن، وهي مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والسورة بالأناة، كما قال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)] المؤمنون: ٩٦ [،
_________________
(١) قوله: (ليستقلَّ بالتعليل) أي: لِيرَفعَه ويكونَ حاملًا له. الأساس: أقلَّه واستَقَلَّ به: رَفَعَه، يعني إنَّما عَدَل عنِ الظاهِرِ وهو قولُه: «ولَلصَّلاةُ أكبر»؛ ليكونَ اللَّفظُ دالاًّ على المقصود بالمَجازِ ومُتضمِّنًا للتَّعليل؛ كأنَّه قيلَ: ولَلصَّلاةُ أكبرُ؛ لأنَّها ذِكْرُ الله، وقد عُلم أنَّ ذِكْرَ الله أكبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ. تلخيصُه: أنه مِنْ وَضْعِ المُظهَرِ موضعَ المُضمَرِ من غير لفظِه السابقِ؛ للإشعار بالعِلِّيَّة، ولو جيءَ بظاهِرٍ لم يُفِدْ هذا المعنى. قوله: (مِنَ اللُّطْف الذي في الصَّلاة) المراد باللُّطف على اصطلاحهم: ما يُقرِّب إلى الطاعة ويَزْجُر عنِ المعصيةِ، يعني: تأثير الزّاجِرِ بذِكْر الله، وذِكْرُ نَهْيِه ووَعِيدِه أكثرُ مِنْ تأثير الزّاجِرِ بالصَّلاة. قوله: (والسَّوْرَة)، الجوهريُّ: سَوْرَةُ السُّلطانِ: سَطْوَتُه واعتداؤه، و«الأَنَاةُ» بوزن القَنَاةِ: الحِلْمُ والوَقارُ.
[ ١٢ / ١٧٩ ]
(إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا) فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق. فاستعملوا معهم الغلظة، وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله ﷺ، وقيل: إلا الذين أثبتوا الولد والشريك وقالوا: يد الله مغلولة. وقيل: معناه: ولا تجادلوا الداخلين في الذمّة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمّة ومنعوا الجزية، فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالله وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)] التوبة: ٢٩ [ولا مجادلة أشدّ من السيف: وقوله: (قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا) من جنس المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي ﷺ: "ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا
_________________
(١) قوله: (وقيل: معناه: لا تُجادلوا الدّاخِلينَ في الذِّمَّةِ) عطفٌ على قوله: «وهي مُقابَلَةُ الخُشُونةِ باللِّينِ»، وعلى الأوَّل: المُجادَلَةُ بالحُجَّة، وعلى الثاني: بالسَّيفِ، والحاصلُ من الوُجوه أنَّ قولَه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُطلَقٌ؛ إمّا أن يجريَ على إطلاقِه، فهو المرادُ من قولِه: «إلاّ الذينَ ظَلَموا فأَفرَطُوا في الاعتداء»؛ لأنَّ الكافرَ إذا وُصِفَ بالفِسْق أو الظُّلم حُمِلَ على المُبالغة فيما هو فيه، ولذلك أتى بالفاء في «فأَفْرَطُوا» ليكونَ سببًا في الإفراط، أو يُقيَّدُ بما يُوجد منهم مِنَ الأذى لرسول الله ﷺ، من قولهم: ما أنتَ بصاحِبنا، ولا نجدُ في كتابنا ذِكْرَكَ، وهو المرادُ من قوله: «آذَوْا رسولَ الله ﷺ» والقَرينةُ خارجيَّةٌ، أو القَرينةُ ما يُفهَمُ مِنْ قولِه: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ وأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ وهو المرادُ من قوله: «الذين أَثَبَتُوا الولدَ والشَّريكَ»، أي: منَ النَّصارى، «وقالوا: يدُ الله مغلولة»، أي: منَ اليهودِ، أو يكونُ المرادُ من المُجادَلَةِ التَّعرُّضَ والقتالَ، لا المُقاوَلَةَ والظُّلمَ. على هذا أيضًا باقٍ على إطلاقِه، ونتيجتُه نَبْذُ العَهْدِ؛ لذلك جيءَ بالفاء في «فنَبَذُوا الذِّمَّةَ». قوله: (ما حدَّثَكُم أهلُ الكتابِ) الحديثَ؛ أخرجَه أبو داودَ، عن أبي نَمْلةَ الأنصاريِّ، وروى البخاريُّ عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا يُصَدِّقوا أهلَ
[ ١٢ / ١٨٠ ]
بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدّقوهم، وإن كان حقًا لم تكذبوهم».
[(وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ)] ٤٧ [
ومثل ذلك الإنزال (أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) أى: أنزلناه مصدّقًا لسائر الكتب السماوية، تحقيقًا لقوله: (آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم). وقيل: وكما أنزلنا الكتب إلى من كان قبلك أنزلنا إليك الكتاب (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) هم عبد الله بن
_________________
(١) الكتابِ بما يُحدِّثُونَكُم عن الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]»؛ لأنَّ الله أخبرَ بأنهَّم كَتَبوا بأيديهم وقالوا: هذه من عندِ الله. قوله: (وكما أنزَلْنا الكُتُبَ إلى مَنْ كان قَبلَكَ)، يعني: أنَّ «الكافَ» منصوبُ المَحَلِّ على المصدر، والمشارُ إليه بـ «ذلك»: إمّا ما دلَّ عليه قولُه: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، وهو المرادُ من قوله: «تحقيقًا لقوله: ﴿آمَنَّا﴾» و«تحقيقًا» مفعولٌ له لمقدَّرٍ؛ أي: أشار بذلك تَحقيقًا له، أو المُشارُ إليه ما في الذِّهْنِ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ المَعلُومِ الذي أُنزل على الأنبياء من قَبلِكَ أَنزلْنا إليك. والمِثْلُ على الوجه الثاني: بمعنى النَّظيرِ والشَّبيهِ، وعلى الأوَّل: مُستعارٌ للصِّفة العَجيبةِ الشَّانِ. والفاءُ في «فالذين آتيناهُم» تفصيليَّةٌ؛ أي: مثلَ ذلك الإنزالِ العَجيبِ الشَّأنِ الداعي إلى الإيمان بجميع الكُتبِ المنزَّلَةِ وإلى التَّوحيد أَنزَلْناه، ثُمَّ النّاسُ مع ذلك تفرَّقوا فِرَقًا أربعًا؛ لأنَّ المبعوثَ إليهم إمّا أهلُ الكتابِ أو المشركون، فقولُه: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ المرادُ به بعضُ مَنْ آمَنَ من أهل الكتاب. وقولُه: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ هم بعضُ المشركينَ. وقولُه: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ﴾ مُؤذِنٌ بأنَّهم الفريقانِ الباقيانِ من
[ ١٢ / ١٨١ ]
سلام ومن آمن معه (وَمِنْ هؤُلاءِ) من أهل مكة، وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب: الذين تقدموا عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب. (ومن هؤلاء) ممن في عهده منهم. (وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا) مع ظهورها وزوال الشبهة عنها، إلا المتوغلون في الكفر المصممون عليه. وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه.
(وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ)] ٤٨ - ٤٩ [
وأنت أمىّ ما عرفك أحد قط بتلاوة كتاٍب ولا خط، (إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) لو كان شيٌء من ذلك، أى: من التلاوة والخط (لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) من أهل الكتاب وقالوا: الذي نجده في كتبنا أمى لا يكتب ولا يقرأ وليس به. أو لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده. فإن قلت: لم سماهم مبطلين، ولو لم يكن أمّيًا وقالوا: ليس الذي نجده في كتبنا، لكانوا صادقين محقين؟ ولكان أهل مكة أيضًا على حق في قولهم لعله تعلمه أو كتبه فإنه رجل قارئ كاتب؟ قلت: سماهم مبطلين لأنهم
_________________
(١) أُولئكَ، وهمُ تَوغَّلُوا في الكُفر وصَمَّمُوا عليه ولم يَفتحوا آذانَهم الصُّمَّ وأَعيُنَهم العُمْيَ، ولم يَلْتفتوا إلى الآيات البَيِّناتِ، والمرادُ بقوله: ﴿بِئَايَتِنَا﴾ الآياتُ المُنزَّلةُ في هذا الكتابِ الكريمِ، أو هو نفسُه آياتُ الله الباهرةُ، وحُجَّتُه القاهرةُ، واللهُ أعلمُ. قوله: (لِمَ سَمّاهُم مُبْطِلينَ) تَوجيهُ السُّؤالِ: لمَ سمّاهُم مُبْطِلِينَ في حال كَوْنِه كاتبًا قارئًا؛ لكونهم حينئذ محقين، وكونهم مبطلين إنما يصح أن لو لم يكن كاتبًا قرئًا؛ لِكَونِهم جينئذٍ عَلِموا الحقَّ وجَحَدوا؟ وخُلاصةُ الجوابِ: أنَّ التَّعريفَ في ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ للعَهْد، وهم قومٌ مَعْلُومونَ بدَليل قولِه: «هؤلاء المُبْطِلُونَ»، يعني: هؤلاء المُجادلونَ المُبْطِلُونَ. تَزضيحُه: أنَّ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ على تأويلِ مفهومِ اللَّقَبِ لا الصِّفةِ، كأنَّه قيل: هؤلاء الأشخاصُ الذين حَصَل لهمُ الإبطالُ.
[ ١٢ / ١٨٢ ]
كفروا به وهو أمىّ بعيد من الريب، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أمّيًا لارتابوا أشدّ الريب؛ فحين ليس بقارئ كاتٍب فلا وجه لارتيابهم. وشيءٌ آخر: وهو أن سائر الأنبياء ﵈ لم يكونوا أمّيين، ووجب الإيمان بهم وبما جاءوا به، لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارئ كاتب فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى ﵉؟ على أن المنزلين ليسا بمعجزين، وهذا المنزل معجز، فإذن: هم مبطلون حيث لم يؤمنوا به وهو أمى، ومبطلون لو لم يؤمنوا به وهو غير أمى. فإن قلت: ما فائدة قوله: (بيمينك)؟ قلت: ذكر اليمين وهي الجارحة التي يزاول بها الخط: زيادة تصويٍر لما نفى عنه من كونه كاتبا.
_________________
(١) قوله: (وشيءٌ آخَرُ) يعني: سَمّاهُم مُبْطِلينَ؛ لأنَّهم لم يَنظروا إلى الدَّليل، وما يُثبتُ به رسالتَه من إظهار المُعجزةِ بعد سَبْقِ الدَّعوى كما ثَبتَتْ رسالةُ سائرِ الأنبياءِ، وحينئذٍ لم يَفْتقروا إلى النَّظَر في كَوْنه أُمِّيًّا أو غيرَ أُمِّيٍّ، وهو المرادُ من قوله: «فما لهم لم يُؤمنوا به مِنَ الوَجْهِ الذي آمَنُوا منه بموسى وعيسى ﵉»، ومعَ هذا انضَمَّ معه ما يَزيدُ به الدَّليلُ إيضاحًا، وهو أنَّه أُمِّيٌّ لم يقرا ولم يَكتبْ، فهو أَولى بالقَبُولِ، وعلى كلِّ حالٍ إنَّهم مُبْطِلُونَ، سواءٌ كان أُمِّيًّا أو لم يَكنْ. وهذا إنَّما يَستقيمُ معَ المشركينَ؛ لأنَّ أهلَ الكتاب يُثْبتون نُبوَّتَه بأماراتٍ يَجِدُونها في كُتبهم، وهي أنَّه أُمِّيٌّ لا يكتبُ ولا يقرأُ، فلَهُم أن يقولوا: أنت نبيٌّ، لكنْ لستَ بصاحِبنا. وإلى هذا يُنْظَر قولُ صاحبِ «التَّقريب»: هذا الوجهُ إنَّما يَرِدُ على المشركين لا على أهل الكتابِ، إذْ نَعْتُه عندَهم أنَّه أُمِّيٌّ. قوله: (زيادةُ تَصْويرٍ لِمَا نُفِيَ عنه من كَوْنه كاتبًا) يعني: هو مِنْ أُسلوب قولِهم: نَظَرتُه بعَيني، وأَخذتُه بيَدي، وقلتُه بفَمِي. فإن قلتَ: كيف جَمَعَ بينَ هذا وبينَ ما رَوى البخاريُّ ومسلمٌ والإمامُ أحمدُ والدارميُّ عن البَراء بن عازبٍ، قال: اعتَمَر رسولُ الله ﷺ وساقوا الحديثَ إلى قوله: فلما كَتبوا الكتابَ
[ ١٢ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ كَتبوا: هذا ما قاضى عليه محمَّدٌ رسولُ الله، قالوا: لا نُقِرُّ بهذا، فلو نَعلمُ أنك رسولُ الله ما مَنَعْناك، ولكن أنتَ محمّدُ بنُ عبد الله، فقال رسولُ الله ﷺ: «أنا رسول الله، وأنا محمّدُ بنُ عبدِ الله»، ثم قال لعليٍّ ﵁: «امْحُ رسولَ الله»، قال: لا والله لا أمحوكَ أبدًا، فأخذَ رسولُ الله ﷺ وليس يُحسِنُ يكتب، فكتب: «هذا ما قاضي عليه محمّدُ بنُ عبد الله، لا يُدْخِلُ مكَّةَ السِّلاحَ إلا السَّيفَ في القِرَابِ، وأنْ لا يَخرُجَ من أهلِها بأَحَدٍ إن أراد أنْ يَتْبَعَه، وأن لا يَمْنَعَ من أصحابه أَحدًا إذا أراد أن يُقِيمَ بها». الحديثَ. والجواب ما قال مُحيي السُّنة: يعني: لو كنتَ تَكْتبُ أو تَقرأً قبل الوحي لشَكَّ المُبْطِلُونَ. قلت: ويؤيِّدهُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾؛ أي: من قَبْلِ إنزالِنَا إليكَ الكتابَ. وقال الشيخ مُحيي الدِّين النَّواوي في «شرح صحيح مسلم»: وكما جاز أن يتلوَ جاز أنْ يَخُطَّ، ولا يَقْدَحُ هذا في كونه أُمِّيًّا، إذ ليستِ المُعجزةُ مجرَّدَ كونِه أُمِّيًّا، فإنَّ المعجزةَ حاصلةٌ بكَوْنه أوَّلًا كذلك، ثم جاء بالقرآن وبعُلومٍ لا يَعلَمُها الأُمِّيُّونَ. وقالوا: إنَّ اللهَ تعالى علَّمَه ذلك حينئذٍ، حِينَ كَتَب، وجَعَل هذا زيادةً في مُعجزتِه، فإنَّه كان أُمِّيًّا، فكما علَّمَه ما لم يكن يَعْلم منَ العلمِ وجَعَله يقرأُ ما لم يَقرا، ويَتْلو ما لم يَتْلُ، كذلك عَلَّمه أن يَكتُبَ ويَخُطَّ ما لم يَخُطَّ بعدَ النُّبوةِ. واحتَجُّوا أيضًا بآثار جاءتْ في هذا عن الشَّعبيِّ وبعضِ السَّلفِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يَمُتْ حتّى كَتَب. تَمَّ كلامُه. ويمكنُ أن يُقالَ سبيلُ هذه الكتابةِ مع هذه الآيةِ سبيلُ قولِه: هل أنتِ إلاّ أُصْبَعٌ دَمِيتِ … وفي سَبيل الله ما لَقِيتِ
[ ١٢ / ١٨٤ ]
ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات: رأيت الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتبته، فكذلك النفي (بَلْ) القرآن (آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ) العلماء به وحفاظه، وهما من خصائص القرآن: كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظًا في الصدور يتلوه أكثر الأمة ظاهرًا؛ بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة «صدورهم أناجيلهم».
_________________
(١) ـ ونحوُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٢٩]، قال المصنف: «ما هو إلاّ كلامٌ من جِنْس الكلامِ الذي يُرْمى به على السَّليقةِ من غير صَنْعَةٍ وقَصْدٍ إلى ذلك، ولا التفاتٍ منه إليه»، ويَعضُدُه قولُ راوي الحديثِ: «وليس يُحسِن يَكْتُبُ». قال في تفسير قولِه تعالى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]: «حقيقتُه: يحسن معرفته؛ أي: يَعرِفُه معرفةً حسنةً بتحقيق وإتقان». وفي «الروضة»: وممّا عُدَّ منَ المحرَّماتِ الشِّعرُ والخَطَّ، وإنّما يَتَّجهُ القولُ بتحريمهما لمَنْ يقول: إنه ﷺ كان يُحْسِنُهما، وقد اختُلف فيه؛ فقيل: كان يُحسنهما لكنه يمتنع منهما. والأصحُّ: أنه كان لا يُحسنهما. ثم قال صاحبُ «الروضة»: ولا يمتنع تحريمهما وإن لم يُحسنهما، والمرادُ تحريمُ التَّوصُّلِ إليهما. قوله: (وهما من خصائص القرآنِ) مفسَّرٌ بقوله: «كَوْنُ آياتِه بَيِّناتِ الإِعجازِ» وبقوله: «كَوْنُه محفوظًا في في الصُّدور»، يدلُّ عليه قوله: «بخلاف سائرِ الكُتبِ»، فعلى هذا «بل» إضرابٌ عن مفهوم الآيتَينِ السابقتَينِ. المعنى: وكذلك أنزَلْنا إليكَ الكتابَ، والحال أنَّك أُمِّيٌّ ما كنتَ تَتْلُو مِنْ قَبلهِ من كتابٍ ولا تَخُطُّه بيَمينِكَ، بل ذلك الإنزالُ معجزةٌ خارقةٌ للعادات، وهي كَوْنُها في نفسِها آياتٍ بيِّناتٍ؛ لبلاغَتِها وفَصاحَتِها، وكَوِنُه اختُصَّ بأنْ حُوفِظَ [عليه] في صُدور العلماءِ دونَ سائر الكُتبِ. قوله: (صُدورُهم أَناجِيلُهم)، النهاية: في صفة الصَّحابة: «معه قومٌ صُدورُهم
[ ١٢ / ١٨٥ ]
(وَما يَجْحَدُ) بآيات الله الواضحة، إلا المتوغلون في الظلم المكابرون.
[(وقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) أوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِالله أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)] ٥٠ - ٥٢ [
قرئ: (آية) و(آيات) أرادوا: هلا أنزل عليه آية مثل ناقة صالح ومائدة عيسى ﵉، ونحو ذلك (إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ الله) ينزل أيتها شاء، ولو شاء أن ينزل ما تقترحونه لفعل (وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ) كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أتخير على الله آياته فأقول: أنزل علىّ آية كذا دون آية كذا، مع علمى أنّ الغرض من الآية ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آيةٍ واحدةٍ في
_________________
(١) أناجيلُهم»: هي جمعُ إنْجِيلٍ، وهي اسمُ كتابِ الله المنزَّلِ على عيسى- صلواتُ الله عليه- وهو عِبْرانيٌّ وسُريانيٌّ، وقيل: عربيٌّ، يريد أنَّهم يقرؤون كتابَ الله عن ظَهْر قُلوبِهم، ويَجمعُونَه في صُدورِهم حِفْظًا. وفي روايةٍ: «وأَناجِيلُهم في صُدورِهم»؛ أي: كتبهم محفوظة فيها. ورُويَ في بعض كُتب التَّفسير في الكتابَينِ في صفة النبيِّ ﷺ وأُمَّتِه: يجتزئ بالبُلْغَةِ، ويَلْبَسُ الشَّمْلَةَ مع عَصَابَةٍ، وأَناجِيلُهم في صُدُورِهم. ورُويَ في بعض كتب التفسير: «وقَرابينهُم من نُفوسِهم». قوله: (قرئ: «آيةٌ»، و﴿آيَاتٌ﴾)، «آيةٌ»: ابنُ كثيرٍ وأبو بكرٍ وحمزةُ والكسائيُّ، والباقون: ﴿آيَاتٌ﴾.
[ ١٢ / ١٨٦ ]
ذلك، ثم قال: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ) آيةً مغنيةً عن سائر الآيات -إن كانوا طالبين للحق غير متعنتين- هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكاٍن وزمان فلا يزال معهم آيةً ثابتةً لا تزول ولا تضمحلّ. كما تزول كل آيةٍ بعد كونها، وتكون في مكاٍن دون مكان.
إنّ في مثل هذه الآية الموجودة في كل مكاٍن وزماٍن إلى آخر الدهر (لَرَحْمَةً): لنعمةً عظيمةً لا تشكر، وتذكرةً (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقيل: أو لم يكفهم، يعني: اليهود
_________________
(١) ـ قوله: (هذا القرآنُ الذي تَدُوم تلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ) إلى آخره، هذه المُبالَغاتُ إنَّما نَشأتْ من وضع ﴿إِنَّا أَنزَلِنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ موضعَ «القرآنِ»؛ لأنَّه مشتملٌ على صيغة التَّعظيمِ، فدلَّ على عظمة المنزَّل، واللاّم في ﴿اَلْكِتَابَ﴾ للجنس، فدلَّ على الكمالِ، أو للعهد فدلَّ على ما عُرف واشتُهر في البلاغة. ثم في استئنافِ ﴿يُتْلَى﴾ وتَخصِيصِه بالمضارع وجَعْلِه علَّةً للمنزَّل الدلالةُ على الاستمرار زمانًا ومكانًا، وإليه الإشارةُ بقوله: «هذا القرآن الذي تَدُوم تِلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ»، ثم تعليل الجملة بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ تَتْمِيمٌ لذلك المعنى. قوله: (إنَّ في مِثْل هذه الآيةِ الموجودةِ) المِثْلُ: يُستعمل كنايةً عن ذات الشَّيء إذا كان متَّصفًا بأوصافٍ يَشترك فيها غيرُه تحقيقًا أو فرضًا، وهاهنا لمّا وَصَف القرآنَ بتلك الصفاتِ الفائقةِ وعقَّب بقوله ذلك لِيُستحضرَ بجميع صفاتِه، وآذَنَ بأنَّ القرآنَ جديرٌ بأنْ يكونَ رحمةً وذِكْرى، لِمَا له تلك الخِصَالُ الكاملةُ على سبيل التَّعليل. والقولِ الكُلِّيّ، حَسُنَ أن يُقالَ: إنَّ في مثل هذه الآيةِ كذا وكذا، ونَظيرُه في الكناية قولُهم: العَربُ لا تَخْفِرُ الذّْمَمَ. قوله: (﴿لَرَحْمَةً﴾ لَنِعْمَةً عظيمةً لا تُشْكَرُ) يُريد: أَنَّ التَّتكيرَ في ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾ للتَّعظيم، وأنَّها رحمة لا يُقادَرُ قَدْرُها، وتَذكرةٌ؛ أي: تَذْكرة للمؤمنينَ. وفيه تعريضٌ بمَن لم يَرفعْ به رأسًا، ويقترحُ آياتٍ غيرَها، لا نِسْبةَ بينَها وبينَها، يعني: أَوْلَيناهُم تلكَ النِّعمةَ المُتكاثِرةَ الفوائدِ لِيَشْكُروها ويَعْرفوا حقَّها بأنْ يؤمنوا، وهم عَكَسوا وكَفَروا بها وقالوا: لولا نُزِّل عليه آيةٌ.
[ ١٢ / ١٨٧ ]
أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك. وقيل: إنّ ناسًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ بكتٍف قد كتبوا فيها بعض ما تقول اليهود، فلما أن نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوٍم أو ضلالة قوٍم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم، فنزلت. والوجه: ما ذكرناه. (كَفى بِالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا) أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، وأنكم قابلتمونى بالجحد والتكذيب، (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فهو مطلع على أمرى وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) منكم، وهو ما تعبدون من دون الله (وَكَفَرُوا بِالله) وآياته (أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) المغبونون في صفقتهم؛
_________________
(١) قوله: (إنَّ ناسًا منَ المسلمينَ) الحديثَ، من رواية الدارميِّ عن يَحيى بنِ جَعْدةَ قال: أُتَي النبيُّ ﷺ بكَتِفٍ فيه كتابٌ، فقال: «كفى بقومٍ ضَلَالًا أنْ يَرْغَبُوا عمّا جاء به نَبيُّهم، إلى ما جاء بع غيرُ نَبيِّهم، أو كتابٍ غيرِ كتابِهم»، فأَنزلَ اللهُ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الآيةَ. قوله: (والوَجْهُ ما ذَكَرِنا) أي: المعنى: أوَلَم يَكْفِهِم آيةٌ مُغْنيةٌ عن سائر الآياتِ؟ لأنَّه لا يلزمُ منَ الوَجْه الثاني كَوْنُه معجزةً بالغةً حَدَّ الإعجازِ والكَمالِ، ومِنَ الثالث كَونُه معجزةً أصلًا، والكلامُ في المُعجِزَة كقولهم: «لولا أُنزل عليه آيةٌ»، يدلُّ عليه ما في «المعالم» و«المطلع»: هذا جوابٌ لقولهم: «لولا أُنزِلَت عليه آيةٌ من ربِّه». قوله: (المَغْبُونونَ في صَفْقَتِهم) إشارةٌ إلى أنَّ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ استعارةٌ للاشتراء والبيع تقديرًا، و﴿الْخَاسِرُونَ﴾ قرينةٌ للاستعارة، فإنَّ الخُسْرانَ لا يُستعمل حقيقةً إلاّ في التِّجارة المُتعارَفةِ. شَبَّه استبدالَ الكُفرِ بالإيمان المُستَلْزِمِ للعقابِ بالاشتراء المُستَلْزِمِ للخُسْرانِ.
[ ١٢ / ١٨٨ ]
حيث اشتروا الكفر بالإيمان، إلا أن الكلام ورد مورد الإنصاف، كقوله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)] سبأ: ٢٤ [، وكقول حسان:
فشر كما لخير كما الفداء
وروى أنّ كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد، من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزلت.
_________________
(١) ـ قوله: (إلاَّ أنَّ الكلامَ وَرَدَ مَوْرِدَ الإنصافِ) أي: على أُسلوبِ الاستدراج والكلامِ المُنْصِفِ، وذلك أنَّ قولَه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالبَاطِلِ﴾ الآيةَ كلامٌ فيه وَعيدٌ شديدٌ، وتهديدٌ عظيمٌ، لكن لم يُكافِحْ به مَنْ خُوطِبَ بأنْ لم يَقُلْ: والذين آمنوا بالباطلِ منكم، بل جيءَ به عامًّا على الغَيْبةِ، ولم يُصرِّحْ بما كان منهم من الجَحْد والتَّكذيبِ ليتفكَّروا فيه، ويَنظُروا: هل هم منَ الجاحِدينَ للحقِّ أو مِنَ المُنصِفِينَ، أو مِنَ الذين آمنوا بالله وكَفَروا بالطَّاغوتِ أو خلافِه، أو كانوا مُحِقِّينَ أو مُبْطِلِينَ؟ فحينئذٍ يُنْصَفُون من أنفُسِهم ويُذعنون للحقِّ، كما أنَّ حسّانَ وَبَّخ المخاطَبَ في صَدر البيت بقولِه: أتَهْجُوهُ ولستَ له بكُفْءٍ ثم أَبرزَ الكلامَ على الإنصافِ حيث لم يُبَيِّنِ الشِّريرَ والخَيِّرَ بقوله: فشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ فقولُه: «إلا أنَّ الكلام وَرَد» متعلِّقٌ بقوله: «فهو مُطَّلِعٌ على أَمْري» إلى آخِره؛ يعني: كان مِنْ ظاهرِ ما يَقتضيه الكلامُ أنْ يُقالَ: عالمٌ بحَقِّي وباطِلِكُم، والذين آمنُوا بالباطِلِ منكم، إلى آخِره، ولكنَّ الكلامَ وَرَدَ مَورِدَ الإنصافِ. قوله: (من يشهد لك بأنَّك رسولُ الله؟ فنَزلتْ) أي: قولُه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾.
[ ١٢ / ١٨٩ ]
[(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَاتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] ٥٣ - ٥٥ [
كان استعجال العذاب استهزًاء منهم وتكذيبًا، والنضر بن الحارث هو الذي قال: اللهم أمطر علينا حجارةً من السماء، كما قال أصحاب الأيكة: (فأسقط علينا كسفا من السماء)] الشعراء: ١٨٧ [. (وَلَوْلا أَجَلٌ) قد سماه الله وبينه في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى (لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) عاجلًا. والمراد بالأجل: الآخرة، لما روى أنّ الله تعالى وعد رسول الله ﷺ أن لا يعذب قومه ولا يستأصلهم، وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة. وقيل: يوم بدر. وقيل: وقت فنائهم بآجالهم، (لَمُحِيطَةٌ) أى: ستحيط بهم (يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ) أو هي محيطة بهم في الدنيا،
_________________
(١) فإنْ قلتَ: كيف الجمعُ بين هذا وبينَ قولِه تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣]؟ لا تَسْتَشْهِدُوا بالله، ولا تقولوا: اللهُ يَشهدُ أنَّ ما نَدَّعِيه حقٌّ، كما يقولُه العاجِزُ عن إقامة البَيِّنةِ. قلت: المراد بالشَّهيد في هذه الآية: إظهارُ المُعجزةِ القاهرة على يَدِه، وإنزالُ هذا الكتاب الذي لا يزال معه آيةً ثابتةً في كلِّ مكانٍ وكلِّ زمانٍ يَشهدُ بذِلك الآيةُ السابقةُ. قوله: (﴿لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلًا) يدلُّ على هذا المقدَّر قولُه: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾، وقولُه: ﴿وَلَيَاتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ عطفٌ تفسيريٌّ على ﴿لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ نحو: أَعجَبَني زيدٌ وكرمُه. قوله: (أي: سَتُحيطُ بهم) أي: أصلُ الكلامِ هذا، ولكن جيءَ بالجملة الاسميَّةِ مؤكَّدةً باللاّم، و«إنَّ» لِيُؤذنَ بأنَّ إخبارَ الله عن الكائنِ واقعٌ البَتَّةَ، لِصِدْق وَعْدِه ووَعيدِه؛ نحو قولِه تعالى: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وعلى هذا: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ﴾ منصوبٌ بـ «مُحِيطةٌ». قوله: (أو هي مُحِيطةٌ بهم في الدُّنيا) تُنزَّلُ إحاطةُ أسبابِ العذابِ بهم منَ الكُفر والمعاصي
[ ١٢ / ١٩٠ ]
لأنّ المعاصي التي توجبها محيطة بهم. أو: لأنها مآلهم ومرجعهم لا محالة فكأنها الساعة محيطة بهم. و(يَوْمَ يَغْشاهُمُ) على هذا منصوب بمضمر، أى: يوم يغشاهم العذاب كان كيت وكيت. (مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) كقوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)] الزمر: ١٦ [، وَ(يَقُولُ) قرئ بالنون والياء (ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أى: جزاءه.
[(يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)] ٥٦ [
معنى الآية: أنّ المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلٍد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه كما يحب فليهاجر عنه إلى بلٍد يقدّر أنه فيه أسلم قلبًا وأصح دينًا وأكثر عبادةً وأحسن خشوعًا. ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جرّبنا وجرّب أوّلونا، فلم نجد فيما درنا وداروا أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد من كثير من الفتن، وأضبط للأمر الديني في الجملة؛ من سكنى حرم الله وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب، ورزق من الصبر وأوزع من
_________________
(١) منزلةَ إحاطةِ العذاب نَفْسِه؛ إطلاقًا لاسم المسبَّب على السَّببِ. قوله: (أو لأنَّها مآلُهم ومَرْجِعُهم لا مَحالَة) يريد أنَّ «ما» للوُقوع كالواقعِ لِتَظاهُرِ أسبابِه؛ نحو: مُتْ، وهو من باب المَجازِ باعتبار ما يَؤُولُ. قوله: (كَيْتَ وكَيْتَ) كنايةٌ عمّا يَقْصُر الوَصفُ عن بَيانِه؛ أي: حَدَثَ ووَقَع أمرٌ عظيمٌ، وخَطْبٌ جَسيمٌ، منَ الانتقام منَ المستهزئين وقَهْرِ المُكذِّبينَ، وتَشَفِّي غَليلِ المؤمنينَ، إلى غير ذلك، ولو قيل: واذكُرْ يومَ يغشاهُم، لم يُفِدْ هذه الفوائدَ. قوله: (﴿وَيَقُولُ﴾ قُرئ بالنُّونِ والياءِ) بالنُّون: ابنُ كثيرٍ وأبو عَمرٍو وابنُ عامر، والباقون: بالياء.
[ ١٢ / ١٩١ ]
الشكر. وعن رسول الله ﷺ: «من فرّ بدينه من أرٍض إلى أرٍض وإن كان شبرًا من الأرض؛ استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد» وقيل: هي في المستضعفين بمكة الذين نزل فيهم: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها)] النساء: ٩٧ [وإنما كان ذلك لأنّ أمر دينهم ما كان يستتب لهم بين ظهراني الكفرة، (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) في المتكلم، نحو: إياه ضربته، في الغائب وإياك عضتك، في المخاطب. والتقدير: فإياى فاعبدوا فاعبدون. فإن قلت: ما معنى الفاء في (فَاعْبُدُونِ)
وتقديم المفعول؟ قلت: الفاء جواب شرط محذوف؛ لأنّ المعنى: إنّ أرضى واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في
_________________
(١) قوله: (وإيّاكَ عَضَّتْكَ) بالعين المُهملة والضّادِ المُعجَمةِ، والفاعلُ مقدَّرٌ، وهو الحربُ، «وإيّاك» منصوبٌ على شَرِيطة التَّفسير. الأساس: مِنَ المُستعار: عَضَّه الأمرُ: اشتدَّ عليه، وعضَّتْهُ الحربُ. قوله: (فإيّايَ فاعبُدوا فاعْبُدون)، يُريد أنَّ «إيايَ» لا يجوزُ أن يكون مَعْمولًا لهذا المَذْكورِ؛ لأنَّه اشتَغَل عنه بضَميرِه، فوَجَب تقديرُ مُفسِّرٍ، وهو قولُه: «فاعبُدوا» وهو العاملُ في «إيّايَ»، والفاءُ الأُولى جوابُ شرطٍ محذوفٍ والثانية كذلك، لكن أُنِيبَ مَنابَه تقدُّمُ المفعول، المعنى: يا عبادي إنَّ أرضي واسعةٌ. وإذا كان كذلك فأَخْلِصُوا لي العبادةَ أينما كنتُم، فإنْ لم تَتمكَّنوا منَ الإخلاص في أرضٍ تَتمكَّنون منه فيها. قال الزَّجاجُ: «إيّايَ» منصوبٌ بفعل مضمَرٍ يُفسِّرُه الظّاهرُ؛ أي: فاعبُدوا إيّايَ فاعبدوني، ولا يجوز انتصابه بالمذكور؛ لأنه مشغول بالضمير. وإذا قلت: «فإيّايَ فاعبُدوا» فـ «إيّايَ» منصوبٌ بما بعدَ الفاءِ، ولا تَنصبه بفعل مُضمَرٍ، كما إذا قلتَ: بزيدٍ فامْرُرْ، فالباء متعلِّقة بـ «امْرُرْ»، وإذا قلتَ: زيدًا فاضربْ، فالفاء لا يَصلُح إلا أن تكونَ جوابًا للشَّرط، كأن قائلًا قال: أنا لا أضربُ عمرًا، ولكنّني أضربُ زيدًا. ثم قلتَ: زيدًا فاضْرِبْ، فجعلتَ تقديمَ الاسم بَدَلًا من لفظك بالشَّرطِ، كأنك قلت: إذا كان الأمر على ما قَصَدتَ فاضرِبْ زيدًا. هذا مذهبُ جميع البَصريِّينَ.
[ ١٢ / ١٩٢ ]
أرٍض فأخلصوها لي في غيرها، ثم حذف الشرط وعوّض من حذفه تقديم المفعول، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص.
[(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ)] ٥٧ [
لما أمر عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام بها حتى يتطلبوا لها أوفق البلاد وإن شسعت، أتبعه قوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) أى: واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم حَذِفَ الشرطُ وعُوِّضَ مِنْ حَذْفِه تقديمُ المفعولِ، مع إفادةِ تَقْديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاص) يعني: لمّا حُذف الشَّرطُ لدلالة الفاعليَّةِ، وعند الحَذْف خَفِيَ أمرُ المقدَّرِ أنَّه مِنْ أيِّ جنسٍ هو، فعُوِّض من ذِكْره تقديمُ المفعولِ معَ إفادةِ تَقْديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاصِ، يعني: لمّا حُذف لدلالة الفاعليَّةِ وعندَ الحَذْفِ خَفِيَ أمر المقدَّر أنَّه من أيِّ جنس هو فعوض من ذِكْره تقديمُ المفعولِ، فإنَّه يُفيد الإخلاصَ ضِمْنًا لدلالتِه على الاختصاصِ، والاختصاصً والإخلاصُ من وادٍ واحدٍ، وإنّما أَخَّرْنا المفسَّرَ على المنصوبِ ليُفيدَ الاختصاصَ لاقتِضَاء المَقام، وهو قولُه: «لأنَّ أَمْرَ دِينِهم ما كان يَسْتَتِبُّ لهم بينَ ظَهْرانَيِ الكَفَرة». قوله: (وإنْ شَسَعَتْ) أي: بَعُدَتْ. الأساس: سَفَرٌ شاسِعٌ، وقد شَسِعَ شُسُوعًا. قوله: (كما يَجِدُ الذائقُ طَعْمَ المَذُوقِ)، الراغب: الذَّوْقُ: وُجودُ الطَّعم بالفَمِ، وأصلُه فيما يَقِلُّ تَناولُه دُونَ ما يَكْثُر منه، فإنَّه يُقال له الأكلُ، واخْتِيرَ في القرآن لفظُ الذَّوْقِ في العذابِ؛ لأنَّ ذلك- وإن كان في التَّعارُفِ للقليل- فهو مُسْتَصْلَحٌ للكثير، فخَصَّه بالذِّكر لِيَعُمَّ الأمرَينِ، وكَثُرَ استعمالُه في العذاب نحو: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]؛ وقد جاء في الرَّحمةِ؛ نحوُ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [هود: ٩].
[ ١٢ / ١٩٣ ]
ومعناه: إنكم ميتون فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته لم يكن له بد من التزود لها والاستعداد بجهده.
[(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)] ٥٨ - ٥٩ [
(لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) لننزلنهم (مِنَ الْجَنَّةِ) علالي. وقرئ: (لنثوّينهم) من الثواء، وهو
_________________
(١) ـ قوله: (ومعناه: إنَّكم مَيِّتون فواصِلُون إلى الجزاء) فإنْ قلتَ: لِمَ خالَفَ التِّلاوةَ حيث أَتى بالفاء، وفيها «ثم»، وشَتّانَ ما بينَهما؟ قلت: الفاءُ الكاشفيَّةُ فَصيحةٌ، وليست للتَّعقيبِ المذكورِ؛ لأنَّ بينَ الموتِ والمُثُولِ بَيْن يَدَي المَلِكِ الجبّارِ في دار الجزاء تَراخِيًا؛ ولهذا جيءَ في التَّنزيل بـ «ثُمَّ»، كأنَّه قيل: ثمَّ إنَّكم مَيِّتون فتُقبرون، ثم تُنشَرون فواصِلُون عَقِيبَه إلى الجزاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. وفائدةُ العُدُولِ الإشعارُ بأنَّ ما هو آتٍ أت، كأنَّ مَنْ مات فقد قامَت قيامتُه، وتَرتَّب عليه الجزاءُ على نحوِ ما مرَّ في قوله: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ﴾. ويُمكن أن تُحملَ «ثُمَّ» على التَّراخي في الرُّتبة، المعنى: يا عبادي الذين آمنُوا، إنْ يَصْعُب عليكم مُفارقةُ الأَوطانِ والهِجْرةُ إلى دار الغُربة للتَّخلِّي لعبادتي، فاعلَمُوا أنَّ الفُرْقَةَ العُظمى -وهي الموت- لابدَّ منها؛ لأنَّها مكتوبةٌ على كلِّ نَفْسٍ، ثُمَّ أصعبُ منها الحصولُ في دار الجزاء بَين يَدَي جبّار السَّماواتِ والأرضِ، يومَ نَضَع الموازينَ القِسْطَ، يومَ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، ومَن كانت عاقبتُه هذه لم يكنْ له بُدٌّ من التَّزوُّد لها وأخْذِ الأُهْبَةِ لها بمَجْهُوده. قوله: (لَنُثوِيَنَّهُم) حمزةُ والكسائيُّ: بالثاء، مِنَ الثَّواءِ، وهي الإقامةُ؛ ساكنة من غير همز، والباقون: بالباء مفتوحة مع الهمزِ.
[ ١٢ / ١٩٤ ]
النزول للإقامة. يقال: ثوى في المنزل، وأثوى هو، وأثوى غيره وثوى: غير متعد، فإذا تعدى بزيادة همزة النقل لم يتجاوز مفعولًا واحدًا، نحو: ذهب، وأذهبته. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إمّا إجراؤه مجرى لننزلنهم ونبوئنهم. أو حذف الجار وإيصال الفعل: أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. وقرأ يحيى بن وثاب: (فنعم)، بزيادة الفاء (الَّذِينَ صَبَرُوا) على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين. وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله.
[(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)] ٦٠ [
لما أمر رسول الله ﷺ من أسلم بمكة بالهجرة، خافوا الفقر والضيعة. فكان يقول الرجل منهم: كيف أقدم بلدةً ليست لي فيها معيشة، فنزلت. والدابة: كل نفٍس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل. (لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) لا تطيق أن تحمله
_________________
(١) ـ قال مَكِّيٌّ: من قرأ بالثاء المثلَّثة من الثَّواء فـ ﴿غُرَفًا﴾ منصوبٌ بحَذْف حرف الجرِّ؛ لأنَّه لا يتعدَّى إلى مفعولين. ولا يَحسُن أن يُنصبَ «الغُرَف» على الظَّرف؛ لأنَّ الفعل لا يتعدَّى إلى مفعولَينِ، يقول: بَوَّاتُ زيدًا منزلًا. وأما قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّانَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، فاللاّم زائدةٌ كزيادتها في ﴿رَدِفِ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] أي: رَدِفَكُم. قوله: (أو تَشبيهُ الظَّرفِ المؤقَّتِ بالمُبْهَمِ) أي: المعيَّنِ المَحْدودِ، وهذا أسْهَلُ في المُنكَّر منه في المُعرَّف في قول القائل: كما عَسَل الطَّريقَ الثَّعلَبُ لِمَا فيها منَ الإبهام، ومثل ﴿غُرَفًا﴾ في مجيئه ظرفًا منكرًا «أرضًا» في قوله: ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: ٩]. في «المطلع».
[ ١٢ / ١٩٥ ]
لضعفها عن حمله (الله يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ) أى: لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله،
_________________
(١) قوله: (أي: لا يرزق تلك الدَّوابَّ الضِّعافَ إلا الله) هذا الحَصْرُ مُستفادٌ من بناء ﴿يَرْزُقُهَا﴾ على الاسم الجامع، ومثل هذا التَّركيبِ يُفيدُ التَّخصيصً عنده كما مرَّ في «سورة الرعد» عند قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِزْقَ﴾ [الرعد: ٢٦]. قوله: ﴿وَإيَّاكُمْ﴾ تتميم ومبالغة لمعنى الرازقية في قوله: ﴿اللهُ يَرزُقُهَا﴾، ومِنْ ثَمَّ قال: «ولا يَرزُقكُم أيضًا أيُّها الأقوياءُ إلاّ هو وإن كنتم مُطِيقينَ»، ويُمكن أن يُستنبَطَ معنى التَّخصيص من مَضْمون الكلامِ، وذلك أنَّه تعالى ما حَرَّض المؤمنينَ على المُهاجِرَةِ بقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ إلاّ وأنَّهم اعتَقَدوا الضَّياعَ وخافوا الفقرَ، يَدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾. وتأويلُ المصنِّف ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولكم: نخشى الفقرَ والضَّيعةَ، ﴿العَلِيمُ﴾ بما في ضمائركم، فمعنى قولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، أي: إنْ كان أمرُ دينِكُم لا يَسْتَتِبُّ بينَ الكَفَرةِ، فاعلَموا أنَّ أرضي واسعةٌ، فهاجروا إلى ما يَتَمكَّنُ فيه لكم ذلك الأمرُ. وفي لفظ ﴿وَاسِعَةٌ﴾ إشعارٌ بالوَعد من الضِّيق إلى السَّعَة، وقد أنجَزَ اللهُ وَعْدَه في المدينة. ولما أراد الوَعْدَ بالتَّوسعةِ في الآخرةِ والتَّسليةِ عن مُفارقَةِ الوطنِ قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وعقَّبَه بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، وبَنىَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ ولمّا أَتمَّ أمرَ التَّسليةِ في مُفارقةِ الأوطان وأراد أن يُزيلَ عنهم خوفَ الفقرِ أتى بقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ ليكونَ كالتَّخلُّصِ من حديث التَّوسعةِ في الأَمكِنَةِ إلى حديث التَّوسعةِ في الرِّزق، وهو قولُه: ﴿كَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾. ومِنْ ثَمَّ فسَّر المصنِّف الصَّبْرَ بقوله: «صَبَروا على مُفارَقَة الأوطانِ»، فيكون هذا الكلامُ نفيًا لِمَا أَضْمَرُوا في أنفُسِهم من استشعارِ الخوفِ على الفقرِ إذا فارَقُوا أوطانَهم، وإثباتًا
[ ١٢ / ١٩٦ ]
ولا يرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلا هو، وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها، لأنه لو لم يقدركم ولم يقدّر لكم أسباب الكسب، لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل، وعن الحسن: (لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) لا تدّخره، إنما تصبح فيرزقها الله. وعن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة.
وعن بعضهم: رأيت البلبل يحتكر في حضنيه. ويقال: للعقعق مخابئ إلا أنه ينساها، (وَهُوَ السَّمِيعُ) لقولكم: نخشى الفقر والضيعة، (الْعَلِيمُ) بما في ضمائركم.
[(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ الله فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)] ٦١ [
الضمير في (سَأَلْتَهُمْ) لأهل مكة، (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) فكيف يصرفون عن توحيد الله وأن لا يشركوا به، مع إقرارهم بأنه خالق السماوات والأرض.
_________________
(١) لِرازقيَّةِ الله تعالى على التَّوكيد البَليغِ، فيحصلُ الحَصْرُ من معنى نَفْي مُعتَقَدِهم وإثباتِ ما يُخالِفُه. قوله: (لو لم يُقْدِرْكُم ولم يقدِّرْ لكم)، أَقْدَرَهُ: جَعَلَه قادرًا، وقدَّره له: هَيّأهُ له، وهذا المعنى إنّما استُفِيدَ من عطفِ «إيّاكم» على ضمير الدَّوابِّ، وأنَّهم مشتركونَ معها في العَجْزِ. قوله: (في حِضْنَيهِ)، الأساس: الحِضْنُ: ما دُون الإبطِ إلى الكَشْحِ، حَضَنتِ المرأةُ وَلدَها، والحمامةُ بيضَها ومِحْضَنَةُ الحمامةِ، شِبْه قَصعتَينِ مُرَوَّحتينِ تُعمل من الطِّينِ. قوله: (فكيف يُصرفونَ عن توحيدِ الله)، الجوهريُّ: صَرَفْتُ الرَّجلَ عنِّي فانصَرَفَ، وصَرَف اللهُ عنك الأَذى. و«أن لا يشركوا به» عطفٌ على سبيل التَّفسير على قوله: «تَوْحيدِ اللهِ»، و«معَ إقرارِهم» حالٌ من فاعل «يُصْرَفون».
[ ١٢ / ١٩٧ ]
[(الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)] ٦٢ [
قدر الرزق وقتره بمعنى إذا ضيقه. فإن قلت: الذي رجع إليه الضمير في قوله: (وَيَقْدِرُ لَهُ) هو: من يشاء، فكأن بسط الرزق وقدره جعلا لواحد؟ قلت:
_________________
(١) ـ وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الفاءَ في ﴿فَأَنَّى﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٌ مقدَّرٌ بعد جوابِ القَسَمِ السادِّ مَسَدَّ جواب الشَّرطِ، وهو: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: إذا كان جوابُهم عن قولِه: ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، والاستفهامُ ولَّد التَّعجُّبُ، يعني: كيف يُمنَعون عنِ التَّوحيدِ وهُم مُقِرُّون بأنَّه خالقُ السَّماواتِ. قوله: (قَدَرَ الرِّزقَ وقَتَرَه) هذه الآيةُ- أعني قولَه: ﴿للَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ -تكميلٌ لمعنى قولِه: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، لأنَّ الأوَّلَ الكلامُ في المَرْزُوقِ وعُمومِه، وهذا في الرِّزقِ وبَسْطِه وقَتْرِه. وقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مُعتَرِضٌ لتوكيدِ معنى الآيتينِ، وتَعرُّضٌ بأنَّ الذين اعتَمدتُم عليهم في الرِّزق مقرِّونٌ بقُدرتِنا؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. قوله: (الذي رجع إليه الضَّميرُ) يعني: إنَّ الضَّميرَ المجرورَ في قوله عائد إلى «مَنْ»، فيَلْزمُ منه أن يَجعلَ القَبْضَ والبَسْطَ لواحدٍ. وأجاب أن الضَّميرَ غيرُ عائدٍ إلى «مَنْ»، بل وَضعَ موضعَ «من يشاء»، بجامع كونهما مبهمتين فيتعدد المرزوق، ويجوز أن يرجع إلى «من»، ويُرادَ به شخصٌ واحد، فيتعدد بحَسْبِ أحواله فيبسطُ له تارةً ويُقدِّر له أخرى. وقلت: يمكنُ أن يرجعَ إلى «مَنْ»، ويرادَ به العمومُ بدليل بيانِه بقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾، فيكونَ التعددُ بحَسبِ أشخاصِه، فالمعنى: إنَّ الله يبسطُ رزقَ بعضٍ ويُقدِّرُ رزْقَ بعضٍ، كما يقول: أكرمْتُ بني تميمٍ وأهنتُهم، ويريد البعضَ بقرينةِ المقام.
[ ١٢ / ١٩٨ ]
يحتمل الوجهين جميعًا: أن يريد ويقدر لمن يشاء، فوضع الضمير موضع "من يشاء"؛ لأن "مَنْ يَشاءُ" مبهم غير معين، فكان الضمير مبهمًا مثله، وأن يريد تعاقب الأمرين على واحٍد على حسب المصلحة (إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم.
[(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)] ٦٣ [
استحمد رسول الله ﷺ على أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به؛ ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفى الأنداد والشركاء عنه، ولم يكن إقرارًا عاطلًا كإقرار المشركين؛ وعلى أنهم أقروا بما هو حجة عليهم؛ حيث نسبوا النعمة إلى الله وقد جعلوا العبادة للصنم، ثم قال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد. أو: لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله، ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم؟
_________________
(١) ـ قوله: (يحتمل الوجهين جميعًا) اللام للعهد؛ أي: الوجهين المذكورين في السؤال منطوقًا ومفهومًا؛ لأن قوله: «فكأنَّ بَسْطَ الرزقِ وقَدْرَه جعلا لواحد»، والحال أنهما للاثنين. قوله: (استحمدَ رسولَ الله ﷺ) أي: طلب منه أن يحمده. الأساس: واستحمدَ الله على خلقِهك بإحسانِه إليهم وإنعامه عليهم. قوله: (﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما يقولون) هذا مبنيٌّ على الوجه الثاني، وهو أنهم أقروا بما هو حُجّةٌ عليهم، وقوله: أو لا يعقلون ما تريد، بينيٌّ على الوجهِ الأول، وهو قوله: «إنه أقر بنحو ما أقروا به)، والأول أظهر لمُقْتضى بل من الترقي، كأنه قيل: احمَدِ الله على ما أقروا بما هو حُجّةٌ عليهم، وعلى تبكيتِهم وإلزامِهم، بل على جهلهم، وأن ما قالوه دلّ على سَلْبِ عقولهم.
[ ١٢ / ١٩٩ ]
[(وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)] ٦٤ [
(هذِهِ) فيها ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها، وكيف لا يصغرها وهي لا تزن عنده جناح بعوضة، يريد: ما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعةً ثم يتفرقون. (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ) أى: ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان: مصدر "حي"، وقياسه حييان، فقلبت الياء الثانية واوًا، كما قالوا: حيوة، في اسم رجل، وبه سمى ما فيه حياة: حيوانًا. قالوا: اشتر من الموتان ولا تشتر من الحيوان. وفي
_________________
(١) ـ قوله: (وهي لا تزِنُ عنده جناحَ بعوضة) مقتبس من قوله ﷺ: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء». أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد. قوله: (وقياسه: حَيَيان) قال أبو البقاء: فقُلبت الياءُ واوًا؛ لئلا يلتَبسَ بالتثنية، ولم يَقلب الفاء لتحرُّكِها وانتفاحِ ما قبلها؛ لئلا يحذف أحد الألفين. قوله: (وبه سُمِّيَ ما فيه حياةٌ: حيوانًا) قال صاحب «الكشف»: أما قولهم: الحيوان للنفس، فإنه في الأصل مصدر، وسمي به الشخص على تقدير أنه ذو الحياة. قوله: (اشْتَر من المَوَتان)، الجوهري: الموتَانِ بالتحريكِ خلافُ الحيوان؛ أي: اشْترِ الأرضِينَ والدورَ، ولا تشتر الرقيقَ والدوَاب. والنَّزَوان من نزا نزوانًا، ونزا الذكر على الأنثى نِزا بالكسر، يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع. والنفَضان: التحرك، نفضَ رأسَه ينفضُ نفضًا ونفوضًا. واللَّهَبان بالتحريك: إيقاد النار، وكذلك اللهيبُ واللُّهبان بالضم.
[ ١٢ / ٢٠٠ ]
بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب، كالنزوان والنفضان واللهبان، وما أشبه ذلك. والحياة: حركة، كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناٍء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة. (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ): فلم يؤثروا الحياة الدنيا عليها.
[(فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)] ٦٥ - ٦٦ [
فإن قلت: بم اتصل قوله (فَإِذا رَكِبُوا)؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم، معناه: هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كائنين في صورة من يخلص الدين لله
_________________
(١) ـ قوله: (ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع) أي: لما فيه من المبالغة اختيرت، وأن المقام يقتضي المبالغة؛ لأنه واقع في مقابل حياة الدنيا، فكما بولغَ في قلّةِ ثباتها وسرعة تقضيها حيث جعلت لهوًا ولعبًا تشبيهًا بلعب الصبيان، يلعبون ساعة ثم يتفرقون؛ بولغ في دوامها وثباتها، كما قال: «ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة فكأنها في ذاتها حياة». قوله: (هم على ما وُصِفوا به من الشرك والعناد ﴿فَإِذَا رَكِبُوا﴾، يريد: أن الفاء للتعقيب، وفي الكلام معنى الغاية، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ إلى قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، يعني: هم مصروفون عن توحيد الله مع إقرارِهم بأنه الخالقُ مُقِرّون بما هو حجة عليهم في قولهم ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ حين سئلوا ﴿مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ لاهون بالدنيا، مشتغلون بما هو في وشك الزوال، ذاهلون عن الحياة الأبدية حتى إذا ركبوا في الفلك فحينئذ يرجعون إلى أنفسِهم داعين خاضعينَ مُخلصين له الدين. يدل على هذا الترتيب قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾، فإنه نَشْرٌ لمضمون
[ ١٢ / ٢٠١ ]
من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلهًا آخر. وفي تسميتهم مخلصين ضرب من التهكم، (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ) وآمنوا عادوا إلى حال الشرك: واللام في (لِيَكْفُرُوا) محتملة أن تكون لام "كى"، وكذلك في (وَلِيَتَمَتَّعُوا) فيمن قرأها بالكسر. والمعنى: أنهم يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعود إلى شركهم كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير، على خلاف ما هو عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة: إذا أنجاهم الله أن يشكروا نعمة الله في إنجائهم، ويجعلوا نعمة النجاة ذريعةً إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التمتع والتلذذ، وأن تكون لام الأمر، وقراءة من قرأ: (وليتمتعوا) بالسكون تشهد له. ونحوه قوله تعالى: (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)] فصلت: ٤٠ [. فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله تعالى بالكفر وبأن يعمل العصاة ما شاءوا، وهو ناهٍ عن ذلك ومتوعد عليه؟ قلت: هو مجاز عن الخذلان والتخلية، وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية. ومثاله أن ترى الرجل قد عزم
_________________
(١) ـ الآيات السابقة من الشرك الذي بَيَّنَ عنه قوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ومن التمتع بالدنيا المُومَأ إليه بقوله: ﴿مَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾. قوله: (من قرأ: «وَلْيَتَمتَّعُوا» بالسكون) ابن كثير وقالون وحمزة والكسائي، والباقون: بكسر اللام. قال مكي: مَنْ كَسرها جَعلَها لام «كي»، ويجوز أن يكون لام أمر، ومن أسكنَها فهي لامُ أمرٍ لا غير. ولا يجوز أن يكون مع الإسكان لام «كي»، لأنّ لام «كيْ» حُذِفَتْ بعدها «أن»، فلا يجوزُ حذْفُ حركتِها أيضًا لضعفِ عواملِ الأفعال. قوله: (﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فُصِّلَت: ٤٠])، فالأمر للتهديد. قوله: (مُتسخَّط)، الأساس: سَخِط عليه سُخْطًا، وهو مَسْخوطٌ عليه، وأسخطه: أعطاه قليلًا، فَتسخَّطه: لم يرضه، والبِرُّ مَرضاة للربِّ مَسْخَطةٌ للشيطان، ولا يَتعرّضُ لسُخْطةِ الملك.
[ ١٢ / ٢٠٢ ]
على أمر، وعندك أنّ ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدى إلى ضرٍر عظيم، فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم، حردت عليه وقلت: أنت وشأنك وافعل ما شئت، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. وكيف والآمر بالشيء مريد له، وأنت شديد الكراهة متحسر، ولكنك كأنك تقول له: فإذ قد أبيت قبول النصيحة، فأنت أهل ليقال لك: افعل ما شئت وتبعث عليه، ليتبين لك إذا فعلت صحة رأى الناصح وفساد رأيك.
[(أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ)] ٦٧ [
كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضًا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون آمنون فيها، لا يغزون ولا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة عليهم، ووبخهم بأنهم يؤمنون بالباطل الذي هم عليه، ومثل هذه النعمة المكشوفة الظاهرة، وغيرها من النعم التي لا يقدر عليها إلا الله وحده، مكفورة عندهم.
[(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ)] ٦٨ [
افتراؤهم على الله كذبًا: زعمهم أن لله شريكًا. وتكذيبهم بما جاءهم من الحق: كفرهم بالرسول والكتاب. وفي قوله: (لَمَّا جاءَهُ) تسفيه لهم، يعني:
_________________
(١) قوله: (والآمِرُ بالشيء مريدٌ له) يعني: أمر الكافر بالإيمان، فلا يكون مريدًا للكفر منه. هذا مذهبه. وعند أهل السنة: يجوز أن يكون الأمر على خلاف المراد؛ لأن الله تعالى أمر فرعون بالإيمان ولم يرد منه إلا الكفر. قوله: (وتُبعَثُ عليه)، الأساس: بعثه على الأمر، وتباعثوا عليه.
[ ١٢ / ٢٠٣ ]
لم يتلعثموا في تكذيبه وقت سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل المراجيح العقول المثبتون في الأمور: يسمعون الخبر فيستعملون فيه الروية والفكر. ويستأنون إلى أن يصح لهم صدقه أو كذبه، (أَلَيْسَ) تقرير لثوائهم في جهنم، كقوله:
ألستم خير من ركب المطايا
قال بعضهم: ولو كان استفهامًا ما أعطاه الخليفة مئةً من الإبل. وحقيقته: أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير، فهما وجهان، أحدهما:
_________________
(١) ـ قوله: (لم يَتَلَعثَموا)، الجوهري: أبو زيد: تلعثم الرجل في الأمر: إذا مكث فيه وتأني. وقال الخليل: نكل عنه وتبصَّر. قوله: (المراجيح العقول)، ومن المجاز: رجل راجح العقل، وفلان في عقله رجاحة، وفي خُلقه سَجاحة. قوله: (ويَسْتَأنون)، تأني في الأمر واستأنى، يقال: تأنَّ في أمرك: اتَّئِد، واستأنيت فلانًا: لم أعجله، واستأنى: رفق. في «الأساس». هذا كُله معنى ﴿لَمَّا﴾ في ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ قوله: (ألستُم خيرَ مَن ركبَ المَطايا)، تمامه: وأندى العالمين بطونَ راح يقال: نَدِيَتْ كفُّه بكذا؛ أي: جادت، يعني أكثرهم عطاء. قيل لما مدح الشاعر الخليفة بهذه القصيدة وبلغ البيت متكئًا فاستوى جالسًا فرحًا، وقال: مَنْ مَدحَنا فليمْدَحْنا هكذا، وأعطاه مئة من الإبل. قوله: (وفيها وجهان) ويروي: «فهما» بغير واو. قيل: ضميرُ التثنية مُبْهَمٌ فُسِّرَ بقوله: «وجهان»، كقوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، فقوله: «وألا
[ ١٢ / ٢٠٤ ]
ألا يثوون في جهنم، وألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله، وكذبوا بالحق هذا التكذيب والثاني: ألم يصح عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترءوا مثل هذه الجرأة؟ .
[(وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)] ٦٩ [
أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول؛ ليتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس الأمّارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين، (فِينا) في حقنا ومن أجلنا ولوجهنا خالصًا،
_________________
(١) ـ يستوجبون الثواءَ فيها وقد افتروا» هذا مستفاد من جعل التعريف في «الكافرين» للعهد، وتنزيله منزلة المضمر إشعارًا بالعِلّيّة. قوله: (والثاني: ألم يصحَّ عندهم أن في جهنم مثوىً للكافرين) على أن التعريف للجنس، فيلزم منه إدخالهم في ذلك الحكم بطريق برهاني. قوله: (﴿فِينَا﴾ في حَقِّنا ومن أجلِنا ولوَجهنا) أكّد تفسيرَ «فينا» وترقّي فيه، وذلك لاستعمالِ «في» وإدخالها على صيغةِ التعظيم، كأنه أريد أنّ حَقيقة المجاهدة مكانُها ومستقَرّها أن تكونَ في الله وفي ذاته لا يتجَزّأُ منها شيءٌ إلى مكانٍ آخر، وهو كناية إيمائية. قال خُبيبٌ الأنصاريُّ المقتول صَبْرًا: فلستُ أبالي حين أُقتلُ مُسلمًا … على أيِّ شِقٍّ كان لله مَصْرعي وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يشَا … يُباركْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمزَّع الممزَّع: المُفرَّق، والمقسَّم والشِّلْوُ: العضْوُ، وحديثُه بطولهِ مذكور في «صحيح البخاري» و«سنن أبي داود» عن أبي هريرة. ألا ترى كيف أظهَر الإخلاصَ حتى علّق البركةَ بالمشيئة. وقال جعفر الصادق ﵁: المجاهدةُ صدقُ الافتقارِ، وهو انفصالُ العبدِ من نفسهِ واتصالُه بربه. وقال: من جاهَد بنفسِه لنفسِه وصلَ إلى كرامةِ ربه، ومن جاهد بنفسهِ لربِه وصل إلى ربه.
[ ١٢ / ٢٠٥ ]
(لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) لنزيدنهم هدايةً إلى سبل الخير وتوفيقًا، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً)] محمد: ١٧ [، وعن أبى سليمان الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. وعن بعضهم: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم. وقيل: إن الذي نرى من جهلنا بما لا نعلم، إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) لناصرهم ومعينهم.
وعن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل المؤمنين والمنافقين».
_________________
(١) ـ قوله: (مَنْ عمِلَ بما يعلمُ وُفِّق لما لا يعلم) مثله قولهم: العلم علمان: علم وراثةٍ وعلمُ دراسة، العارفون صدقَتْ مجاهداتهم فنالوا علومَ الدراسة، العارفون صدقَتْ مجاهداتهم فنالوا علومَ الدراسة، وصفَتْ معاملتُهم فمُنحوا علم الوارثة. قوله: (﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لَناصِرُهم ومعينهم)، أفادت النصرةَ المعيّةُ فطابق ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لَناصِرُهم ومعينهم)، أفادت النصرةَ المعيّةُ فطابق ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ لفظًا ومعنى، أما اللفظ فمن حيث الإطلاق، وأما المعنى فالمجاهد للأعداء يفتقر إلى معين وناصر، ثم إن جملة قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ تذييلٌ للآية مؤكَّدٌ بكلمَتي التوكيد، محكيٌّ باسم الذات؛ ليؤذن بأن من جاهد بكليته وشراشرهِ في ذاته تجلَّى له الربُّ عن اسمهِ باسمهِ الجامع في صفةِ النصرة والإعانةِ تجليًّا تامًّا. هذه خاتمةٌ شريفةٌ للسورة؛ لأنها مجاوبةٌ لمُفتتَحِها ناظرةٌ إلى فريدةِ قلادتِها ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ لامحةٌ إلى واسطةِ عِقْدِها ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، وهي في نفسها جامعة فاذة، ولهذا قال: ليتناولَ كل ما يجبُ مجاهدته من النفس الأمارة بالسوء والشيطانِ وأعداءِ الدين. تمت السورة، حامدًا لله ومُصَلِّيًا ومسلِّمًا
[ ١٢ / ٢٠٦ ]