مكية، وهي ست وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ • وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ • عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ • تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً • تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ • لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلاَّ مِن ضَرِيعٍ • لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ) ١ - ٧]
(الغَاشِيَةِ) الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها. يعني القيامة، من قوله: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ) [العنكبوت: ٥٥]، وقيل: النار، من قوله: (وتَغْشَى وجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم: ٥٠]، (ومِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف: ٤١]، (يَوْمَئِذٍ) يوم إذ غشيت، (خَاشِعَةٌ) ذليلة. (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) تعمل في النار عملًا تتعب فيه،
_________________
(١) سورة الغاشية مكية، وهي ست وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (تعمل في النار عملًا)، ذكر في قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ وجوهًا ثلاثةً: الأول مبني على أن العمل والتعب كلاهما في الآخرة، والثاني أن العمل في الدنيا والنصب في الآخرة، والثالث أن العمل والنصب كلاهما في الآخرة. وفي أن يكون العمل والنصب في لدنيا إشكال، لأن ﴿خَاشِعَةٌ (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ أخبار لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، وقد قُيدت بقوله ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛
[ ١٦ / ٤٠٤ ]
وهو جرها السلاسل والأغلال، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت، فهي في نصب منها في الآخرة، وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة. من قوله: (وقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) [الفرقان: ٢٣]. (وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٤]، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) [آل عمران: ٢٢] وقيل: هم أصحاب الصوامع، ومعناه: أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب، والتهجد الواصب. وقرئ: (عاملة ناصبة) على الشتم. قرئ: (تَصْلَى) بفتح التاء. و(تصلى) بضمها. وتصلى بالتشديد.
_________________
(١) فالوجه أن يُجعلا خبرين لمبتدأ محذوف، حكاية عن الحال الماضية كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، كأنه تعالى يخبر عن أحوالهم في القيامة على سبيل الحكاية عن الحال الماضية. قوله: (دائبة)، الجوهري: "دأب في عمله، أي: جد وتعب، دأبًا ودؤوبًا فهو دائب، والدائبان: الليل والنهار". قوله: (وهبوطها)، عطف على "ارتقاؤها"، و"في صعود" خبره. كما أن "في حدود منها" خبر "هبوطها"، و"دائبة" حال من الضمير في الجار والمجرور. والجملتان مُبينتان لتشبيه العامل بخوض الإبل في الوحل. قوله: (الواصب)، الجوهري: "وصب الشيء يصب وصوبًا: إذا دام"، أي: ما نفعها هذه الأفعال لأنها لم تكن مع الإيمان. قوله: (وقرئ: ﴿تَصْلَى﴾، بفتح التاء)، أبو عمرو وأبو بكر: بضم التاء، والباقون: بفتحها، وبالتشديد: شاذ.
[ ١٦ / ٤٠٥ ]
وقيل: المصلى عند العرب: أن يحفروا حفيرًا فيجمعوا فيه جمرًا كثيرًا، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور، فلا يسمى مصليًا. (آنِيَةٍ) متناهية في الحر، كقوله: (وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: ٣٣]. الضريع: يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل، قال أبو ذؤيب:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى … وعاد ضريعًا بأن عنه النّحائص
وقال:
وحبسن في هزم الضريع فكلها … حدباء دامية اليدين حرود
_________________
(١) قوله: (وقيل: المصلى عند العرب أن يحفروا حفيرًا)، قيل على هذا: معنى الآية معنى قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]. قوله: (رعى الشِّبرق) البيت، إذا ذوى: أي ذبل. النحوص: الأتان الحائل. قوله: (وحبسن)، البيت، الهزم: ما يبس وتكسر من الضريع. وناقة حدباء: إذا بدا عظم وركها، والحرود: قليلة اللبن؛ يصف نوقًا حُبسن في مرعى سوء غير ناجع، وهزلن، وكلهن داميات الأيدي من وضعها على الضريع ذي الشوك، عُصبن من سوء الحال، أو قليلة اللبن.
[ ١٦ / ٤٠٦ ]
فإن قلت: كيف قيل (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلاَّ مِن ضَرِيعٍ) وفي الحاقة (ولا طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ) [الحاقة: ٣٦] قلت: العذاب ألوان، والمعذبون طبقات؛ فمنهم. أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع: (لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ). (لا يُسْمِنُ) مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام، أو ضريع، يعني: أن طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس، وإنما هو شوك، والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به. وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه. ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه: وهما إماطة الجوع، وإفادة القوّة والسمن في البدن. أو أريد: أن لا طعام لهم أصلًا: لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلًا عن الإنس؛ لأن الطعام ما أشبع أو أسمن، وهو منهما بمعزل، كما تقول: ليس لفلان ظل إلا الشمس، تريد: نفي الظل على التوكيد. وقيل: قالت كفار قريش: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت (لا يُسْمِنُ) فلا يخلو: إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر، فيرد قولهم بنفي السمن والشبع، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى: أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع.
[(وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ • لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ • فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ • لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً • فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ • فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ • وأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ • ونَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ • وزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) ٨ - ١٦]
(نَّاعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن، كقوله: (تَعْرِفُ فِي وجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين: ٢٤] أو متنعمة. (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) رضيت بعملها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب. (عَالِيَةٍ) من علو المكان أو المقدار.
_________________
(١) قوله: (فلا يخلو إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك) إلى آخره، الانتصاف: "فعلى الأول يكون صفة لازمة شارحة لحقيقة الضريع، وعلى الثاني صفة مخصصة".
[ ١٦ / ٤٠٧ ]
(لا تَسْمَعُ) يا مخاطب، أو الوجوه، (لاغِيَةً) أي: لغوًا، أو كلمة ذات لغو، أو نفسًا تلغو، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم.
_________________
(١) قوله: (﴿لَّا تَسْمَعُ﴾ يا مخاطب)، أي: هو من الخطاب العام، كقوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته قوله: (أو كلمة ذات لغو)، قيل: يريد أن لغوًا يجوز أن يكون مصدرًا أو صفةً، فإن كان صفةً؛ فإما صفة "كلمة"، أي: كلمة ذات لغو، وإما صفة "نفس" وهو ظاهر، قال صاحب "الكشف": "لاغيةً: لغوًا، كالعافية والعاقبة". قوله: (لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة)، قال الإمام: وهو قول الزجاج، وقال القفال: "أهل الجنة منزهون عن اللغو لأنها منزل جيران الله، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم يكون مبرءًا عن اللغو". وقلت: ومن ثم وصف علي بن أبي طالب ﵁، مجلس رسول الله؟ بقوله: "لا تُثني فلتاته"، أي: لا فلتات ولا إنثاء.
[ ١٦ / ٤٠٨ ]
وقرئ: (لا تسمع) على البناء للمفعول بالتاء والياء. (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) يريد عيونًا في غاية الكثرة، كقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) [التكوير: ١٤]، (مَّرْفُوعَةٌ) من رفعة المقدار أو السمك، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم. وقيل: مخبوءة لهم، من رفع الشيء إذا خبأه.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "لا تُسمع" على البناء للمفعول)، ابن كثير وأبو عمرو: بالياء التحتانية. و"لاغية" بالرفع، ونافع: كذلك إلا بالتاء. والباقون: بالتاء المفتوحة، و﴿لَاغِيَةً﴾ بالنصب. قوله: (يريد عيونًا في غاية الكثرة كقوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤])، قال في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤]: "هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه". وقلت: هذا التعكيس يجيء: تارة على التهكم نحو قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، وأخرى على التلميح كمان نحن بصدده، وقول الشاعر: قد أترك القرن مُصفرًا أنامله وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
[ ١٦ / ٤٠٩ ]
(مَّوْضُوعَةٌ) كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم عتيدة حاضرة، لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها. أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب. ويجوز أن يراد: موضوعة عن حد الكبار، أوساط بين الصغر والكبر، كقوله: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) [الإنسان: ١٦] (مَصْفُوفَةٌ) بعضها إلى جنب بعض، مساند ومطارح، أينما أراد أن يجلس على مسورة واستند إلى أخرى. (وزَرَابِيُّ) وبسط عراض فاخرة. وقيل: هي الطنافس التي لها خمل رقيق. جمع زربية، (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة أو مفرقة في المجالس.
[(أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ • وإلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ • وإلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ • وإلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ • فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ • لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ • إلاَّ مَن تَوَلَّى وكَفَرَ • فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ • إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ • ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) ١٧ - ٢٦]
(أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ) نظر اعتبار، (كَيْفَ خُلِقَتْ) خلقًا عجيبًا، دالًا على تقدير مقدر، شاهدًا بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمّتها: لا تعاز ضعيفًا ولا تمانع صغيرًا،
_________________
(١) قوله: (جلس على مسورة)، جزاءٌ للشرط، أي: النمارق بعضها مساند وبعضها مطارح، أي: مفارش، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة مثل الفراش، وأُسند إلى وسادة لأن النمارق الوسائد مطلقًا، قال الواحدي: "نمارق: وسائد، على قول الجميع، واحدها نُمرقة بضم النون، وعن الفراء: نِمْرقة، بكسر النون". قوله: (على مسورة)، الأساس: "جلس على المسورة وجلسوا على المساور، وهي الوسائد".
[ ١٦ / ٤١٠ ]
وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل بها، ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبرها على احتمال العطش؛ حتى إن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدًا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم. وعن سعيد بن جبير قال: لقيت شريحًا القاضي فقلت: أين تريد؟ قال: أريد الكناسة: قلت: وما تصنع بها؟ قال: أنظر إلى الإبل كيف خلقت.
فإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟
_________________
(١) قوله: (برأها)، أي: خلقها. الجوهري: "برأ الله الخلق برءًا، والبرية: الخلق". قال المصنف: "البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئًا من التفاوت". قوله: (لتنوء بالأثقال)، الجوهري: "ناء بالحمل: إذا نهض به مثقلًا، وناء به الحمل إذا أثقله". يعني: الحكمة في خلق طول أعناقها، اقتدارها على النهوض بالأحمال الثقيلة؛ فإن الأعناق وعليها الرؤوس مع تلك الأثقال، كالقرسطون تجعل فيه القناطير، ويجعل في أقصاه مقدار يسير، فيوازي ذلك الثقيل باستعانة الطول فيه. قوله: (لترتفع إلى العشر)، الجوهري: "العشر بالكسر: ما بين الوردين، وهو ثمانية أيام، لأنها ترد اليوم العاشر. وكذلك الأظماء كلها بالكسر. وليس لها بعد العشر اسم إلا في العشرين، فإذا وردت يوم العشرين قيل: ظمؤها عِشْران، وهو ثمانية عشر يومًا. فإذا جاوزت العشرين فليس لها تسمية، فإنما حوازي بالحاء والزاي. حوز الإبل: ساقها إلى الماء. قوله: (الكناسة)، الجوهري: "هي القمامة، وهي اسم موضع في الكوفة".
[ ١٦ / ٤١١ ]
قلت: قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم؛ فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم، ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله إلا طلب المناسبة، ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين، وغير ذلك، وإنما رأى السحاب مشبهًا بالإبل كثيرًا في أشعارهم، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز. (كَيْفَ رُفِعَتْ) رفعًا بعيد المدى بالإمساك وبغير عمد. (كَيْفَ نُصِبَتْ) نصبًا ثابتًا، فهي راسخة لا تميل ولا تزول، (كَيْفَ سُطِحَتْ) سطحًا بتمهيد وتوطئة، فهي مهاد للمتقلب عليها. وقرأ علي بن أبى طالب ﵁: خلقت، ورفعت، ونصبت، وسطحت، على البناء للفاعل وتاء الضمير، والتقدير: فعلتها، فحذف المفعول. وعن هرون الرشيد أنه قرأ: (سطحت) بالتشديد
_________________
(١) قوله: (إلا طلب المناسبة)، استثناء مفرغ، أي: لم يدعه شيء إلا طلب المناسبة. قوله: (على طريق التشبيه والمجاز)، والمجاز عطف على طريق البيان، أي المجاز الذي يقع على طريق التشبيه، وهو الاستعارة، أي: استعار الإبل للسحاب بعد التشبيه به، والقرينة انضمامه مع السماء والجبال. قوله: (بلا مساك)، الجوهري: "يقال فيه: إمساك ومساك ومساكة، أي: بُخل". قوله: ("سُطِّحت" بالتشديد)، قال ابن جني: "وإنما جاز التضعيف بالتكرير، من قبل أن الأرض بسيطة فسيحة، فالعمل فيها مكرر على قدر سعتها، كقولك: قُطعت الشاة، لأنها أعضاء يختص بكل عضو منها عمل".
[ ١٦ / ٤١٢ ]
والمعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ﷺ ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه. أي: لا ينظرون، فذكرهم ولا تلح عليهم، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يذكرون، (إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) كقوله: (إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ) [الشورى: ٤٨]. (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) بمتسلط،
_________________
(١) قوله: (أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث)، بيان لتوافق نظم الآيات بفاتحة السورة، وأن الخطاب بقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع العرب، وأن هذه الأشياء المذكورة منتظمة على حسب عُرفهم، وما ثبت في متخيلاتهم في أوديتهم وبواديهم، نبهتهم أولًا بقوله ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفخم المستفهم منه وعظمه؛ إذ المعنى: تنبهوا لهذا الأمر الخطير والخطب الجسيم، وهُبوا من رقدة الغفلة، فخوفهم بالصلي في النار وبإطعام الضريع، ولما كان حديثًا مناسبًا للإبل كما قال، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا، وأراد أن يقرر ذلك، أتى تنبيه آخر على سبيل النظر، ليضم شاهد العقل مع شاهد النص، وأسس الدلائل والشواهد على حسب ما ألفوه في بواديهم وأوديتهم، وعدل من الخطاب إلى الغيبة توبيخًا لهم وتنبيهًا على مظان الافتكار، فقال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى آخره. قال الإمام: "لعل الحكمة في ذكر هذه الأشياء المتباينة على أن هذا الوجه من الاستدلال، غير مختص بنوع دون نوع، بل هو عام في الكل كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولو ذكر نوعًا أو نوعين وراعى بينهما المناسبة لم يكن كذلك، بل ذكر أمورًا متباعدة جدًا، ليؤذن بأن الأجرام العلوية والسفلية، عظيمها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، متساوية في الدلالة على الصانع الحكيم. وهذا وجه حسن مقبول وعليه الاعتماد". قوله: (﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾: بمتسلط)، الجوهري: "المصيطر والمسيطر: المسلط على الشيء
[ ١٦ / ٤١٣ ]
كقوله: (ومَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق: ٤٥] وقيل: هو في لغة تميم مفتوح الطاء؛ على أن (سيطر) متعد عندهم وقولهم: تسيطر يدل عليه. (مَن تَوَلَّى) استثناء منقطع، أي: لست بمستول عليهم، ولكن من تولى (وكَفَرَ) منهم؛ فإن لله الولاية والقهر. فهو يعذبه (العَذَابَ الأَكْبَرَ) الذي هو عذاب جهنم. وقيل: هو استثناء من قوله: (فَذَكِّرْ) أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض. وقرئ: (ألا من تولى) على التنبيه. وفي قراءة ابن مسعود: (فإنه يعذبه).
_________________
(١) ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله. وأصله من السطر، لأن الكتاب مُسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر، يقال: سيطرت علينا". قوله: (وقولهم: تُسيطر)، قيل: لما جاء "تُسيطر" بمعنى: تسلط، دل على أن "مسيطر" متعد، كما قالوا: دحرج وتدحرج. قوله: (وقيل: هو استثناء من قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾)، الكواشي: "هو استثناء متصل، أي: فذكر إلا من لا مطمع لك في إيمانه"، وقال القاضي: "الاستثناء متصل؛ فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا، وما بينهما اعتراض". وقلت: كأنه قيل: لست عليهم بمسيطر، أي بمتسلط بالقتل والجهاد إلا من تولى وكفر. وقال القاضي: "وما يدل على ترجح الاستثناء المنقطع، قراءة من قرأ: ألا، على التنبيه". قوله: (وقرئ: "ألا من تولى")، قال ابن جني: "قرأ ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة وزيد ابن علي: ألا، بالتخفيف، وهو افتتاح كلام، و"من" شرط وجوابه "فيعذبه الله"، كقولهم: من قام فيضربه زيد، أي: فهو يضربه زيد، أي: من يتول ويكفر به فهو يعذبه الله".
[ ١٦ / ٤١٤ ]
وقرأ أبو جعفر المدني (إيابهم) بالتشديد. ووجهه أن يكون (فيعالًا) مصدر (أيب) فيعل من الإياب. أو أن يكون أصله أوابًا: فعالًا من أوب، ثم قيل: إيوابًا كديوان في دوان، ثم فعل به ما فعل بأصل: سيد وميت.
فإن قلت: ما معنى تقديم الظرف؟
قلت: معناه التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير. ومعنى الوجوب: الوجوب في الحكمة.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «الغاشية»، حاسبه الله حسابًا يسيرًا».
_________________
(١) قوله: (ما فعل بأصل سيد)، أي سيود، جعل الواو ياء لكسرة ما قبله وأدغم في الياء، كذا جعل الواو في إيواب ياء وأدغم، قال الزجاج: "أُدغمت الياء في الواو، وانقلبت الواو ياء لأنها سبقت بسكون". قوله: (التشديد في الوعيد)، وذلك أنه تعالى علل قوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ بقوله ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، والتفت فيه من الغيبة إلى الحكاية، ومن الاسم الجامع إلى صيغة الكبرياء والجبروت، وقدم الظرفين على عامليهما، وإليه الإشارة بقوله: "ليس إلا إلى الجبار المقتدر". الانتصاف: "وفي "ثم" الدلالة على أن الحساب أشد من الإياب، لأنه موجب العذاب وبدوه". قوله: (ومعنى الوجوب الوجوب في الحكمة)، الانتصاف: "أخطأ على عادته في قاعدته،
[ ١٦ / ٤١٥ ]
_________________
(١) ولا يجب على الله شيء". وقال الإمام: "محاسبة الكفار إنما تكون لإيصال العقاب إليهم، وذلك حق على الله، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق نفسه. ومعنى الوجوب: امتناع وقوع الخلف من الله تعالى بحكم الوعد". تمت السورة بحمد الله * … * … *
[ ١٦ / ٤١٦ ]