مدنية، وهي تسع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ١ - ٣]
هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله ﷺ عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى.
_________________
(١) ـ سورة الفتح مدنية، وهي تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وفي ذلك من الفخامة): أي: في مجيء الماضي لتنزيل الكائن منزلة الواقع المتحقق من الفخامة ما لا يكتنه كنهه، لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله، ويعز الوصول إليه، ولا يقدر على نيله إلا من له قهر وسلطان ومن يغلب ولا يغالب، ولذلك ترى أكثر أحوال
[ ١٤ / ٣٦٨ ]
فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية.
_________________
(١) ـ القيامة واردةً على هذا المنهج، لأن فتح مكة من أمهات الفتوح، وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا، وأمر رسول الله ﷺ بالاستغفار والتأهب للمسير إلى دار القرار، ولو أخذ من ذلك معنى صيغة التعظيم، ليتم به معنى العظمة، بلغ الغاية. قوله: (كيف جعل فتح علةً للمغفرة): أي: الفتح فعل الله لا فعله حتى يكون علةً للمغفرة، لذلك قال القاضي: " ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك، وتكميل النفوس الناقصة قهرًا، ليصير ذلك بالتدريج اختيارًا، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة". وقلت: يمكن أن يقال: إنما جعل فتح مكة علة للمغفرة، لأنه سبب لأن يؤمر رسول الله ﷺ بالاشتغال بخاصة نفسه، بعد بذل المجهود فيما كلف به من تبليغ الرسالة ومجاهدة أعداء الدين، وبالإقبال على التقوى، واستدراك الفرطات، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، إلى قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قوله: (ولكن لاجتماع ما عدد): خلاصة الجواب: أن العلل متعدد، وهو المعطوفات الأربعة، على أن يراد بقوله: ﴿ويَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾: الفتح، فتؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، فعبر به عن العلل، كما قال: "ليجمع لك بين عز الدارين"، وكان كذلك لأن هذا الفتح هو فتح الفتوح، وهدم به منار الجاهلية، وكمل الدين، وأتمت النعم، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
[ ١٤ / ٣٦٩ ]
الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدوّ سببًا للغفران والثواب.
والفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا، بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح.
_________________
(١) ـ روى السلمي عن [ابن] عطاء: جمع للنبي ﷺ في هذه الآية بين النعم المختلفة؛ من الفتح والمغفرة وتمام النعمة والهداية والنصرة. وعن جعفر الصادق: تمام النعمة: أن جعله حبيبه، وأقسم بحياته، ونسخ له شرائع الرسل أجمع، وعرج به إلى المحل الأدنى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وبعثه إلى الأبيض والأسود، وأحل له الغنائم، وجعله سيد ولد آدم، وقرن ذكره بذكره، ورضاه برضاه، وجعله أحد ركني التوحيد. قوله: (لأنه منغلق ما لم يظفر به): الراغب: "الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، وهو ضربان: أحدهما: يدرك بالبصر، كفتح الباب والغلق والقفل والمتاع، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥]، ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحجر: ١٤]. والثاني: ما يدرك بالبصيرة، كفتح الهم، وهو إزالة الغم، وذلك ضربان: أحدهما: في الأمور الدنيوية كغم يفرج، وفقر يزال بإعطاء المال، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، أي: وسعنا، والثاني: فتح المنغلق من العلوم، نحو: فلان فتح من العلم بابًا مغلقًا. وقوله تعالى: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾: قيل: عنى فتح مكة، وقيل: بل عنى ما فتح على النبي ﷺ
[ ١٤ / ٣٧٠ ]
وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة، وعن ابن عباس: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم، وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت: كيف يكون فتحًا وقد أحصروا، فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحًا مبينًا.
وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعًا، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت، وصد هدينا، فبلغ النبي ﷺ، فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح،
_________________
(١) ـ من العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة التي صارت سببًا لغفران ذنوبه. وفاتحة كل شيء: مبدؤه الذي يفتح به ما بعده، وقيل: افتتح فلان كذا: إذا بتدأ به، وفتح عليه كذا: إذا أعلمه ووقفه عليه، قال تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، وفتح القضية فتاحًا: فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والاستفتاح: طلب الفتح، قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: يستنصرون ببعثة محمد ﷺ، وقيل: يطلبون من الله بذكره الظفر، وقيل: يستعلمون خبره مرة، ويستنبطونه من الكتب مرة. وباب فتح: مفتوح في عامة أحواله، وغلق: بخلافه، وروي: (من وجد بابًا غلقًا وجد إلى جانبه بابًا فتحًا) ". قوله: (بالراح): الجوهري: "الراح: جمع راحة، وهي الكف، وأراح الرجل: رجعت إليه نفسه بعد الإعياء وأراح إبله؛ أي: ردها".
[ ١٤ / ٣٧١ ]
ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا».
وعن الشعبي: نزلت بالحديبية، وأصاب رسول الله ﷺ في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله ﷺ، ثم مجه فيها، فدرت بالماء، حتى شرب جميع من كان معه. وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت، ولم ينفد ماؤها بعد.
وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم، وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها؛ إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه.
_________________
(١) ـ قوله: (ويسألوكم القضية): أي: الصلح، كما جاء في الحديث: "هذا ما قاضى عليه رسول الله ﷺ "، النهاية: "هذا ما قاضى عليه؛ قاضى: هو فاعل من القضاء للفصل والحكم، وأصله: القطع، وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه". ويؤيده قوله بعيد هذا: "ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية". قوله: (أنه نزح ماؤها): عن البخاري عن البراء قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد [الفتح] بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك منها قطرة، فبلغ ذلك النبيصلى الله عليه وسلم، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء، فتوضأ، ثم مضمن ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا".
[ ١٤ / ٣٧٢ ]
وقيل: معناه قضينا لك قضاء بينًا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل، لتطوفوا بالبيت؛ من الفتاحة، وهي الحكومة. وكذا عن قتادة.
﴿ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ يريد: جميع ما فرط منك، وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها، وقيل: ما تقدم من حديث مارية، وما تأخر من امرأة زيد.
﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ فيه عز ومنعة، أو وصف بصفة المنصور إسنادًا مجازيًا، أو عزيزًا صاحبه.
_________________
(١) ـ قوله: (ما تقدم من حديث ماربة): وحديث ماربة: هو ما رواه المصنف في سورة التحريم: "أن رسول الله ﷺ خلا بمارية في يوم عائشة ﵂، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي علي، وقد حرمت مارية على نفسي"، إلى آخر القصة، لكن قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ يدل على أنه ترك الأولى، لا أنه صلوات الله عليه ارتكب الذنب. ويجوز أن يراد بالذنب: تعجيل رسول الله ﷺ بقتل البريء على ما روى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن أنس قال: "إن رجلًا كان يتهم بأم إبراهيم؛ أم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي، فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: والله لمجبوب"، وقال أبو عمر: "هذا الرجل المتهم كان ابن عم مارية القبطية، أهداه معها المقوقس، وأظنه الخصي الذي يقال له: مأبور". قوله: (أو عزيزًا صاحبه): فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار "عزيزًا هو"، فاستتر الضمير، فصار مرفوعًا بعد أن كان بارزًا مجرورًا.
[ ١٤ / ٣٧٣ ]
[﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤ - ٧]
﴿السَّكِينَةَ﴾ للسكون، كالبهيتة للبهتان، أي: أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقينًا إلى يقينهم.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿السَّكِينَةَ﴾ السكون): الراغب: "قيل: هو ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه، كما روي: "إن السكينة لتنطق على لسان عمر"، وقيل: والعقل، ويقال: له سكينة: إذا سكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب؛ قال: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]، وقيل: السكينة والسكن: واحد، وهو زوال الرعب". وروى السلمي عن ابن عطاء: السكينة: نور يقذف في القلب يبصر به مواقع الصواب.
[ ١٤ / ٣٧٤ ]
أو أنزل فيها السكون إلى ما جاء به محمد ﵇ من الشرائع، ﴿لِيَزْدادُوا إِيمانًا﴾ بالشرائع مقرونًا إلى إيمانهم، وهو التوحيد. عن ابن عباس ﵄: أن أوّل ما أتاهم به النبي ﷺ التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم.
أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله ﷿ ولرسوله، ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانًا إلى إيمانهم. وقيل: أنزل فيها الرحمة ليتراحموا، فيزداد إيمانهم.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يسلط بعضها على بعض، كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه، ويشكروها، فيستحقوا الثواب، فيثيبهم، ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: أنزل فيها الرحمة): أي: في قلوبهم. فسر إنزال السكينة بوجوده: أولها: حصول الطمأنينة والأمن في قلوب المؤمنين بعد الخوف، ليتمكنوا مما يزيد به إيمانهم، فإن الخائف من العدو قلق مزعج. وثانيها: السكون إلى التوحيد، وهو مجرد التصديق، والازدياد بانضمام الأعمال الصالحة إليه، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وثالثها: حصول الوقار في القلب ليكون سببًا لقوة اليقين، كما قال ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ورابعها: الرحمة. والوجه المختار هو الأول، كما سيجيء. قوله: (﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ [يسلط بعضها على بعض] كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن): إِشارة إلى أن هاتين الفقرتين- أعني: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ - وردتا معترضتين بين العلة، وهي قوله: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ﴾، وبين معللها، وهو قوله: ﴿أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾، ولذلك عممهما وجعل بعض قضاياهما إنزال السكينة والطمأنينة بسبب الصلح، والأمن في قلوب المؤمنين،
[ ١٤ / ٣٧٥ ]
وقع "السوء" عبارة عن رداءة الشيء وفساده، و"الصدق" عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضي الصالح من الأفعال: فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها: فعل سوء، ومعنى ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾: ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرًا، ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، والسوء: الهلاك والدمار.
وقرئ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالفتح؛
_________________
(١) ـ ليكون ذلك الإنزال سببًا لعرفان المؤمنين فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف، ثم يكون ذلك العرفان سببًا لأن يتلقوها بالشكر من الأعمال الصالحة، فيستأهلوا به الثواب، فيثيبهم بإدخالهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ويرغم أعداءهم من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات بالتعذيب، فظهر أنه اختار من الوجوه الأربعة سابقتها، فقوله: "ليعرف المؤمنون نعمة الله": هو المذكور في الوجه الأول: "ليعرفوا فضل الله بتيسير الأمن". روينا عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج عن أنس: "لما نزلت: ﴿إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، قال رسول الله ﷺ: لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا جميعًا"، وفي رواية الترمذي عن أنس: "فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسول الله ﷺ، لقد بين الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ". قوله: (وقرئ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالفتح): كلهم إلا أبا عمرو وابن كثير. ؟
[ ١٤ / ٣٧٦ ]
أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق.
فإن قلت: هل من فرق بين السُّوء والسَّوء؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (فهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق): الأساس: "ودارت به دوائر الزمان، وهي صروفه، ويتربص بكم الدوائر"، الراغب: "الدائرة: الخط المحيط، ثم عبر بها عن الحادثة، والدورة والدائرة في المكروه: كالدولة في المحبوب، قال تعالى: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢]، ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨]، أي: يحيط بهم السوء إحاطة الدائرة بمن فيها، فلا سبيل إلى الانفكاك منه بوجه"، وسبق تمام تقرير"الدائرة" في آخر المائدة. قوله: (هل من فرق بين السوء والسوء): فإن قلت: هل السؤال مستدرك، لأنه قال: "والسوء_ أي: بالضم_: الهلاك والدمار، وقرئ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالفتح، أي: الدائرة التي يذمونها"؟ قلت: لا، لأنه ذكره مجملًا بحسب الاستعمال، فسأل ليشرحه مفصلًا بحسب اللغة أيضًا. اعلم أن الدائرة مطلقة يصح استعمالها في العذاب مرة، وفي الذم تارة، وفي الصدق أخرى، ولذلك قال: "وعند المؤمنين دائرة صدق"، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان على المبالغة، قال في سورة براءة: "السوء: بالضم، وهو العذاب، والسوء: بالفتح، وهو ذم للدائرة، كقولك: رجل سوء، في نقيض قولك: رجل صدق، لأن من درات عليه ذام لها". ولما كان "السوء" بالضم ظاهرًا في معنى العذاب والهلاك، لم يحتج إلى التأويل، وبالفتح بمعنى الذم لم يكن مطلقًا، لأنها بالنسبة إلى لمؤمنين محمودة، احتيج إلى تأويل "الدائرة"، وأن يقال: إنها بالنسبة إلى الكافرين مذمومة، لأن من دارت عليه ذام لها، وهو المراد من قوله: "وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا"، يعني:
[ ١٤ / ٣٧٧ ]
هما كالكُره والكَره، والضُّعف والضَّعف، مِن: ساء، إلا أنّ المفتوح غلب. في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما "السوء" بالضم: فجار مجرى الشر الذي هو إلى المفتوح لكونه مذمومًا، وكانت الدائرة محمودة، فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا، وأما دائرة السوء -بالضم-: فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله عزّ وعلا: ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧].
[﴿إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٨ - ٩]
﴿شاهِدًا﴾ تشهد على أمّتك، كقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
_________________
(١) ـ قوله: "السوء - بالفتح -: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، وهي عندهم دائرة سوء، وعند المؤمنين: دائرة صدق". قال صاحب "التقريب": المفتوح غلب في المذموم بالإضافة، والمضموم كالشر في نفسه لا بالإضافة، ولذلك أضيف"الظن" إلى المفتوح؛ لكونه مذمومًا بالإضافة، لا في نفس الأمر. الراغب: "السوء_ بالضم_: كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية، والنفسة والبدنية، والخارجة؛ من فوات مال أو فقد حميم، وعبر بـ"السوأى" عن كل ما يقبح، ولذلك قوبل ب"الحسنى" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠]، كما قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، أي: ما يسوءهم في العاقبة". قوله: (كالكره والكره): الجوهري: "عن الفراء: الكره_ بالضم_: المشقة، يقال: قمت على كره؛ أي: على مشقة، قال: وأقامني فلان على كره_ بالفتح_: إذا أكرهك عليه، وكان لكسائي يقول: الكره والكره لغتان، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرها".
[ ١٤ / ٣٧٨ ]
(لِيُؤْمِنُوا) الضمير للناس، (وَيُعَزِّرُوهُ) ويقووه بالنصرة، (وَيُوَقِّرُوهُ) ويعظموه، (وَيُسَبِّحُوهُ) من التسبيح أو من السبحة، والضمائر لله ﷿، والمراد بتعزير الله: تعزير دينه ورسوله ﷺ. ومن فرق الضمائر فقد أبعد.
_________________
(١) ـ قوله: ("ويعزروه" ويقووه بالنصرة): الراغب: "التعزير: النصرة مع التعظيم، قال تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢]، والتعزير: ضرب دون الحد، وذلك يرجع إلى الأول، فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة ما، لكن الأول نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصرة بقمعه عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان، فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا في الحديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال: أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفه عن الظلم) ". قوله: (والمراد بتعزير الله: تعزير دينه): رفع للتوهم، يعني: التعزير والتوقير غير مانع من إجراء الضمائر على سنن واحد، لجواز إطلاقهما على الله تعالى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقول الحواريين: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، الصف: ١]، وقول نوح ﵇: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. قوله: (ومن فرق الضمائر فقد أبعد): قال صاحب "المرشد": ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: قال أبو حاتم: هو وقف؛ لأن التعزير والتوقير للنبي ﷺ، والتسبيح لله تعالى، فأراد أن يفرق بين
[ ١٤ / ٣٧٩ ]
وقرئ: ﴿لِتُؤْمِنُوا … وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾، بالتاء، والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمّته.
_________________
(١) ـ ما هو صفة للنبي ﷺ، وبين ما هو لله تعالى. وأراد المصنف بقوله: "فقد أبعد": رد هذا؛ لأنه بعيد عن منهج النظم المعجز، وقال في قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]: "الضمائر كلها راجعة إلى موسى ﵇، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة؛ لما يؤدي من تنافر النظم" الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. وقوله: (وقرئ: ﴿لِتُؤْمِنُوا … وتُعَزِّرُوهُ﴾ بالتاء): ابن كثير، والباقون: بالياء التحتانية. قوله: (والخطاب لرسول الله ﷺ ولأمته): هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد: الخطاب في قوله: ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ لرسول الله ﷺ، وفي قوله: ﴿وتُعَزِّرُوهُ﴾ لأمته، وعليه كلام الواحدي، وقال: "ومن قرأ بالتاء فمعناه: قل لهم _يا محمد_: لتؤمنوا بالله، وتعزروه وتعينوه وتنصروه بالسف واللسان، وتوقروه وتعظموه وتبجلوه، وتسبحوه بكرة وأصيلًا"، فعلى هذا: أن كان اللام للتعليل يكون المعلل محذوفًا، أي: لتؤمنوا بالله وكيت وكيت فعل ذلك الإرسال، أو للأمر على طريقة: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، على قراءة التاء الفوقانية. وهذا الوجه موافق للقراءة بالياء التحتانية.
[ ١٤ / ٣٨٠ ]
_________________
(١) والثاني: أن يكون الخطاب في: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ إلى آخره: لرسول الله ﷺ ولأمته، فيكون تعميمًا بعد تخصيص، نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، خص النبي ﷺ بالنداء وعم الخطاب، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال: "هو رسول الله ﷺ جاء بالحق وآمن به، أراد به إياه ومن تبعه". وقوله: "مأمورًا بالإيمان برسالة نفسه كسائر المسلمين": روينا عن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال، وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الذي تحدث أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله أشد القتال، فكان بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهمًا منها، فانتحر به، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله ﷺ، صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". أخرجه البخاري ومسلم. روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن معاوية: "أن النبي ﷺ كان يتشهد مع المؤذنين"، وفي رواية أخرى عن علقمة بن أبي وقاص قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذنه، فقال
[ ١٤ / ٣٨١ ]
وقرئ: "وتعزروه" بضم الزاى وكسرها، و"تعزروه" بضم التاء والتخفيف، و"تعززوه" بالزايين، و"توقروه" من: أوقره، بمعنى وقره.
وتسبحوا الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، عن ابن عباس: صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١٠]
لما قال: ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ أكده تأكيدًا على طريقة التخييل،
_________________
(١) ـ معاوية كما قال، فلما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك. قوله: (و"تعزروه" بضم الزاي وكسرها): قال ابن جني: "بالضم: قراءة الجحدري، معناه: تمنعوه أو تمنعوا دينه ونبيه، كقوله تعالى: ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، فهو على حذف المضاف، وأما "تعزروه" بالتشديد: فتمنعوا منه بالسيف، وعزرت فلانًا: أي: فخمت أمره. وقرأ محمد بن اليماني: بالزايين، أي: تجعلوه عزيزًا". قوله: (أكده تأكيدًا على طريقة التخييل): يعني: لما روعيت المشاكلة بين قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ وبين قوله: ﴿إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، بني عليها قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ على سبيل
[ ١٤ / ٣٨٢ ]
_________________
(١) الاستعارة التخييلة، تتميمًا لمعنى المشاكلة، وهو كالترشيح للاستعارة، أي: إذا كان الله مبايعًا، ولا بد للمبايع_ كما تعورف واشتهر_ من الصفقة باليد، فتتخيل اليد لتأكيد معنى المشاكلة، وإلا فجل جنابه الأقدس عن الجارحة. هذا هو المراد من قول صاحب "المفتاح": "وأما حسن الاستعارة التخييلية: فأن تكون تابعة للكناية، ثم إذا انضم إليها المشاكلة كانت أحسن وأحسن". روى الواحدي عن ابن كيسان: "قوة الله ونصرته فوق قوتهم وتصرتهم، أي: ثق بنصرة الله لك لا بنصرتهم وإن ييايعوك". وقال الزجاج: "المعنى: يد الله في الوفاء فوق أيديهم_ أو: في الثواب فوق أيديهم_ في الصاعة، أو يد الله في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة". وقلت: هذه الوجوه لا تنطبق على تأويل المصنف، لأن قوله: ﴿إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: معناه: ما يبايعون أحد إلا الله، أي: ليست تلك المبايعة مع رسول الله ﷺ، بل مع الله، ثم لما أريد مزيد توكيد قيل: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾، أي: لا تظنن أن الأمر على خلافه، ألا تشاهد يد الله كيف حصلت فوق أيديهم، كما يفعل المتبايعان. وفي اختصاص الفوقية تتميم معنى الظهور. وقال أبو البقاء: " ﴿إنَّمَا يُبَايِعُونَ﴾ خبر "إن"، و﴿يَدُ اللَّهِ﴾ مبتدأ، وما بعده: الخبر، والجملة خبر آخر ل"إن"، أو حال من ضمير الفاعل في ﴿يُبَايِعُونَ﴾، أو مستأنف".
[ ١٤ / ٣٨٣ ]
فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، يريد: أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين: هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله، من غير تفاوت بينهما، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، والمراد: بيعة الرضوان.
﴿فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر بن عبد الله ﵁: "بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفرّ، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقًا، اختبأ تحت إبط بعيره، ولم يسر مع القوم".
وقرئ: "إنما يبايعون لله"؛ أي: لأجل الله ولوجهه،
_________________
(١) ـ قوله: (بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة على الموت): روينا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر: "بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت". ولمسلم: "سئل جابر: كم كنتم يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مئة، فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده صلوات الله عليه تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصاري، اختفى تحت بطن بعيره". وفي رواية: "على الموت".
[ ١٤ / ٣٨٤ ]
وقرئ: ﴿يّنكُثُ﴾ بضم الكاف وكسرها، و﴿بِمَا عَاهَدَ﴾ و"عهد"، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالنون والياء، يقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، وهي لغة تهامة، ومنها قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٧].
[﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ١١]
هم الذين خلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل، وذلك أنّ رسول الله ﷺ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه؛
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿يَنْكُثُ﴾ بضم الكاف وكسرها): والضم: المشهورة، والكسر: شاذ. قوله: (﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ بالنون والياء): بالنون: نافع وابن كثير وابن عامر، والباقون: بالياء. قوله: (وفيت بالعهد): الراغب: "الوافي: الذي بلغ التمام، يقال: درهم واف، وكيل واف، واوفيت الكيل والوزن، ووفى بعهده: إذا تمم العهد، والقرآن جاء ب"أوفى"، وفي قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: إشارة إلى قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وتوفية الشيء: بذله وافيًا، ووفى إبراهيم حيث بذل المجهود في جميع ما طولب به؛ من بذل ماله في الإنفاق في طاعته، وبذل ولده الذي هو أعز من نفسه، واستيفاء الشيء: تناوله وافيًا، قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ٢٥] ". و"العهد: حفظ الشيء وماعاته حالًا بعد حال، وسمي الموثق الذي تلزم مراعاته: عهدًا، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وعهد فلان إلى فلان بعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] ".
[ ١٤ / ٣٨٥ ]
حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو ﷺ، وساق معه الهدي، ليعلم أنه لا يريد حربًا، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك، فلا ينقلب إلى المدينة، واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم.
وقرئ: "شغَّلتنا" بالتشديد. ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب لهم في اعتذارهم، وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق، وطلبهم للاستغفار أيضًا ليس بصادر عن حقيقة.
﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ﴾ فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، ﴿إِنْ أَرادَ بِكُمْ﴾ ما يضركم من قتل أو هزيمة،
_________________
(١) ـ قوله: (في عقر داره): النهاية: "في الحديث: "عقر دار الإسلام: الشام"، أي: أصله وموضعه، كأنه أشار به إلى وقت الفتن، أي: يكون الشام يومئذ آمنًا منها، وأهل الإسلام به أسلم، وعقر الدار_ بالضم والفتح_: أصلها". الراغب: "عقر الدار والحوض وغيرهما: أصلها، يقال: له عقر، وفيل: ما غزي قوم في عقر دارهم قط إلا ذلوا". قوله: (فمن يمنعكم من مشيئة الله تعالى وقضائه ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ﴾ ما يضركم) إلى آخره: الانتصاف: "هذه الآية من اللف، أي: من يملك لكم من الله شيئًا أن أراد بكم ضرًا، ومن يحرمكم النفع أن أراد بكم نفعًا، لأن "من يملك" يستعمل في الضر، كقوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ﴾ [المائدة: ١٧]، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الأحقاف: ٨].
[ ١٤ / ٣٨٦ ]
_________________
(١) وسر اختصاص دفع المضرة: أنه تعالى أضاف الملك في هذه المواضع باللام، ودفع المضرة نفع، وليس كذلك حرمان المنفعة، فهو ضرر عائد عليه لا له، وإنما انتظمت هذه الآية كذلك، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقد من ير وشر، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة، وخص عبارة دفع الضرر لأنه المتوقع لهؤلاء، إذ الآية تهديد ووعيد. وفي نظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧]، والعصمة أبدًا تكون من الشر، فهاتان الآيتان توأمتان". وقلت: ويعضد هذا التأويل ما رواه الواحدي عن ابن عباس: "من يمنعكم من عذاب الله أن أراد بكم ضرًا أو أراد بكم نفعًا". هذا ولا ارتياب أن ﴿يَمْلِكُ﴾ هاهنا غير مستعمل فيما وضع له، قال في "الأساس": "ملك الشيء وامتلكه وتملكه، ومن المجاز: ملك نفسه عند الفضب، وملك علبه أمره: إذا استولى عليه"، وعلى هذا: يجعل ﴿يَمْلِكُ﴾ مجازًا من "يمنع"_ كما عليه ظاهر كلام المصنف_ أو تضمينًا بوساطة "من"، وتكون اللام مزيدة مثلها في قوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]، ولما عقب بقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ وجب تقدير مشيئة الله مطلقًا؛ ليتناول مشيئة الضر والنفع، فتكون القرينتان_ أعني: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ - تقسيمًا له، ثم جعل المجموع عبارة على سبيل الكناية الإيمائية عن أنه ضار ولا نافع إلا هو. والنظم يساعد عليه؛ لأن الخطاب مع قوم تثاقلوا عن الحرب حين استنفروا، قالوا: نذهب إلى قوم عزوه في عقر داره، ثم جاؤوا معتذرين: أن أموالنا وأهلينا شغلتنا عن الاستنفار معك، ولم ين ذلك خيرًا لنا، فجئنا تائبين مستغفرين، فاستغفر لنا.
[ ١٤ / ٣٨٧ ]
﴿أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ من ظفر وغنيمة. وقرئ: ﴿ضّرًّا ﴿، بالفتح والضم.
الأهلون: جمع أهل. ويقال: أهلات، على تقدير تاء التأنيث، كأرض وأرضات، وقد جاء: أهلة، وأمّا أهال فاسم جمع، كليال.
[﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِب َ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ١٢]
وقرئ: "إلى أهلهم"، "وزين" على البناء للفاعل، وهو الشيطان، أو الله ﷿، وكلاهما جاء في القرآن؛ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤]، و﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ [النمل: ٤].
_________________
(١) ـ ولما لم يكونوا مثل أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] نبه الله ﷾ رسول ﷺ بقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ثم أمره يحبيبهم بأجوبة ثلاثة على الترقي، بقوله أولًا على سبيل الكلام المنصف تعريضًا بغيرهم من المحقين والمبطلين: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾، يعني: ليس مالك النفع والضر إلا هو، فلا أهلكم وأموالكم ولا القعود في بيوتكم ينفعكم أن أراد بكم ضرًا، كما في أحد، ولا الشخوص إلى الغزو ومقاتلة الأعداء تضركم أن أراد بكم نفعًا من الظفر والغنيمة، كما في بدر. ثم أضرب عن هذا الجواب إلى قوله: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وفيه نوع تهديد، ولكن على الإيهام، ثم ترقى وصرح بمكنون ضمائرهم والكشف عن فضائحهم في قوله: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ والْمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾، والله أعلم. قوله: (وقرئ: ﴿ضَرَّا﴾ بالفتح والضم): حمزة والسائي: بالضم، والباقون: بالفتح.
[ ١٤ / ٣٨٨ ]
والبور: من بار، كالهلك: من: هلك، بناء ومعنى، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ. والمعنى: وكنتم قومًا فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، أو: هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه.
[﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ ١٣]
﴿لِلْكافِرِينَ﴾ مقام مقام "لهم"؛ للإيذان بأنّ من لم يجمع بين الإيمانين -الإيمان بالله وبرسوله- فهو كافر، ونكر ﴿سَعِيرًا﴾ لأنها نار مخصوصة، كما نكر ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
[﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١٤]
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبره تدبير قادر حكيم، فيغفر ويعذب بمشيئته، ومشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب وتعذيب المصر، ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ رحمته سابقة لغضبه؛ حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة.
_________________
(١) ـ قوله: (كعائذ وعوذ)، الجوهري: "العوذ: الحديثات النتاج من الإبل والخيل، واحدتها عائذ". قوله: (﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ مقام مقام "لهم"): أي: أقيم الظاهر_ وهو ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ - مقام المضمر، وهو: "لهم". قوله: (ومشيئه تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب): الانتصاف: "تقدم منه أمثال ذلك حملًا للقرآن على رأيه". وقلت: يريد: أن فيه تحريفين: أحدهما: جعل المشيئة تابعة للحكمة، والحكم بالعكس. وثانيهما: قيد الغفران باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة. واعلم أنه يمكن أن يقال_ والله أعلم_: أن قوله: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ الآية: موقعه موقع التذييل لقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾
[ ١٤ / ٣٨٩ ]
[﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَاخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ١٥]
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ الذين تخلفوا عن الحديبية: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ﴾ إلى غنائم خيبر. ﴿أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ - وقرئ: "كلم الله"-: أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوّضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئًا. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣].
﴿تَحْسُدُونَنا﴾ أن نصيب معكم من الغنائم، قرئ بضم السين وكسرها، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون إلا فهمًا ﴿قَلِيلًا﴾، وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، كقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الروم: ٧].
_________________
(١) ـ الآية، على أن يقدر له ما يقابله من قوله: ومن آمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للمؤمنين الجنان، فلا يقيد شيء منه؛ ليؤذن بالتصرف التام، والمشيئة النافذة، والغفران الكامل، والرحمة الشاملة. قوله: (أن يغيروا موعد الله): تفسير لقوله: ﴿أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، وقوله: "وقرئ: كلهم الله": معترض بين التفسير والمفسر، وقوله: "قيل: هو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ " عطف على قوله: "يغيروا موعد الله لأهل الحديبية". و"كلم الله": هي قراءة حمزة والكسائي، والباقون: ﴿كَلامَ اللَّهِ﴾. وفي القول الثاني نظر؛ لأن قوله: ﴿قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]: نازل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين، وكانت تلك الغزوة في رجب سنة تسع، وغزوة الحديبية في سنة ست، كما ذكره ابن الجوزي في "الوفا". قوله: (قرئ بضم السين وكسرها): أي: ﴿تَحْسُدُونَنَا﴾، بالضم: المشهورة، وبالكسر: شاذة.
[ ١٤ / ٣٩٠ ]
فإن قلت: ما الفرق بين حرفي الإضراب؟ قلت: الأوّل: إضراب معناه: ردّ أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد، . والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم مما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة الفقه.
[﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ ١٦]
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ هم الذين تخلفوا عن الحديبية، ﴿إِلى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ﴾ يعني: بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر الصديق ﵁،
_________________
(١) ـ قوله: (إلى وصفهم بما هو أطم منه): النهاية: "طم الشيء: إذا عظم، وطم الماء: إذا كثر". الانتصاف: "الإضراب الأول هو المعروف، والثاني هو المستغرب المستعذب الذي ليس فيه مباينة بين الأول والثاني، بل زيادة تنبيه، ومبالغة متمكنة، والمنسوب إليهم ثانيًا أشد؛ فإنهم في الأول جهلوا شيئًا مخصوصًا بنسبتهم المؤمنين إلى الحسد، والثاني نسبتهم إلى الجهل المطبق". وقلت: الإضراب الأول واقع في كلام المتخلفين، والثاني في كلام الله ﷿، وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾: أخبر الله تعالى أنهم سيقولون للمؤمنين: إذا ذهبتم إلى الغزو لا تمنعونا من متابعتكم، ومنعكم إيانا ذلك ليس من حكم الله، بل هو من عند أنفسكم؛ حسدًا أن نصيب من الغنائم شيئًا. ثم أضرب الله عن المجموع بقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ﴾، والحاصل أن ردهم حكم الله وإثباتهم الحسد كان من قلة التفكير وسوء الظن بالمسلمين، ودع ذلك، بل كان بجهل منهم وقلة عقل لما يلزم منه؛ إما رد حكم الله، أو نسبة التقول على الله والحسد إلى أولئك السادة، وإيثار هذه الأدنى على الحياة السرمدية. وفيه: أن الجهل غاية في الذم، وحب الدنيا ليس من شيمة العالم العاقل.
[ ١٤ / ٣٩١ ]
لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي حنيفة، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية. وعند الشافعي: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس، دون مشركي العجم والعرب.
وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق ﵁؛ فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله ﷺ، ولكن بعد وفاته، وكيف يدعوهم رسول الله ﷺ مع قوله تعالى: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]؟ !
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق ﵁): وتقريره: ما ذكره الإمام قال: الداعي في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ لا يخلو من أن يكون رسول الله ﷺ، أو الأئمة الأربعة ومن بعدهم. لا يجوز الأول لقوله تعالى: ﴿لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ الآية، ولا علي رضي الله تعالى عنه، لأنه ﵁ إنما قاتل البغاة والخوارج، وتلك المقاتلة للإسلام؛ ولما بطلت الأقسام تعين أن المراد بالداعي: أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، ثم إنه تعالى أوجب طاعتهم، وأوعد على مخالفتهم بقوله: ﴿فَإن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وإن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
[ ١٤ / ٣٩٢ ]
وقيل: هم فارس والروم. ومعنى ﴿يُسْلِمُونَ﴾: ينقادون، لأنّ الروم نصارى، وفارس مجوس، يقبل منهم إعطاء الجزية.
فإن قلت: عن قتادة: أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله ﷺ؟ قلت: إن صح ذلك فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدًا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين،
_________________
(١) ـ قوله: (عن قتادة: أنهم ثقيف): يعني: ذكرت أن ليس الداعي في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ رسول الله ﷺ، وكيف يدعوهم وقد قال: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، وقد روي عن قتادة: أن المدعو ثقيف وهوازن، فيكون الداعي هو رسول الله ﷺ؟ وأجاب: أن هذا المطلق مقيد، إما بقيد: ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب، وحين دعاهم زال عنهم ذلك المرض، وإما بقيد قوله: "إلا متطوعين"، وبيأنه: أن ذلك الموعد _الذي دل عليه قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ - هو أنهم لا يتبعون رسول الله ﷺ إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. وقال محيي السنة: " ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل مرجعنا إليكم؛ أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب". فاللام في" الموعد" للعهد بشهادة قوله فيما سبق: " ﴿أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ أي: يغيروا موعد الله لأهل الحديبية"، فإن ذلك الموعد_ على قول مجاهد_ هذا المذكور، فعلى هذا: "أو على قول مجاهد" عطف على قوله: "فالمعنى: لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا ما دمتم على ما أنتم عليه"، أو: لن تخرجوا أبدًا إلا متطوعين لا نصيب لكم في المغنم، بناء على قول مجاهد.
[ ١٤ / ٣٩٣ ]
أو على قول مجاهد: كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله ﷺ إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم.
﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يريد: في غزوة الحديبية.
﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ معطوف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أي: يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما. وفي قراءة أبيّ: "أو يسلموا"؛ بمعنى: إلى أن يسلموا.
[﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا﴾ ١٧]
_________________
(١) ـ قوله: (متطوعين): الجوهري: "التطوع بالشيء: التبرع به، المطوعة: الذين يتطوعون بالجهاد". قوله: (معطوف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أي: يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة أو الإسلام، لا ثالث لهما): أي: لا تؤخذ الجزية أن أريد ب"القوم": مشركو العرب، و"الإسلام" محمول على حقيقته، ولا يترك سدى أن أريد ب"القوم": المجوس والنصارى _ذكر المجوس والنصارى، ولم يذكر اليهود؛ لأن القوم ما دعوا إلى اليهود، لأن اليهود ما اجتمع لهم رأي بعد ذلك، ولا كانت لهم شوكة وبأس شديد_ و"الإسلام" محمول على الانقياد. والعطف يحتمل أمرين_ كما قال في "المفصل"_: "الرفع على الإشراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الابتداء". وقال ابن الحاجب في "الشرح": "الرفع على الإشراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ على معنى التشريك بينهما في عامل واحد، حتى كأنك عطفت خبرًا على خبر، أو على الابتداء،
[ ١٤ / ٣٩٤ ]
_________________
(١) يعني بقوله: "أو على الابتداء": على الاستئناف بجملة معربة إعراب نفسها غير مشترك بينها وبين ما قبلها في عامل واحد، ومثلها بقول: "أو هم يسلمون"، ليظهر الفرق بين هذا التقدير والتقدير الأول؛ إذا الجملة الاسمية لا تكون معطوفة على جملة فعلية باعتبار التشريك، ولكن باعتبار الاستقلال". وقال في "الأمالي": "الرفع فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مشتركًا بينه وبين ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ في العطف، والآخر: أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة التي قبلها باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد، و﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ فيه معنى الأمر، وإن كان صيغته صيغة الخبر، ولا يستقيم أن يكون مجردًا عن معنى الأمر لأنه يؤدي إلى أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق الإخبار، ونحن نرى الوجود ينفك عنهما. ولا نقول: إنه يمتنع لما تؤدي إليه "أو" من الشك، وذلك في حق العالم باطل، فإنا على يقين نعلم أن "أو" تأتي لأحد الأمرين إذا كان المخبر عنه لا ينفك عن أحدهما، وليس ذلك عن شك، بل عن قطع أنه كذلك، كقولك: الجسم إما أن يكون ساكنًا أو متحركًا، وكذلك ما أشبهه مما يلزم أن يكون على أحد الأمرين في عقليته أو وجوده، وإنما يلزم الشك في الإخبار عن أمر معين في الوجود، وقع أو سيقع على أحد أمرين، فهاهنا قد يتوهم لزوم الشك من المخبر، كقولك: زيد إما مريض وإما معافى. وإذا ثبت أن ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ في معنى الأمر، فـ ﴿يُسْلِمُونَ﴾: إما في معنى الأمر فيصح المعنى، ويكون المعنى: الواجب عليكم إما القتال وإما الإسلام منهم، وهذا واضح، وعلم أن
[ ١٤ / ٣٩٥ ]
_________________
(١) الإسلام لا يسقط عنهم بالقتال من المسلمين من دليل آخر، وإما أن لا يكون ﴿يُسْلِمُونَ﴾ في معنى الأمر، فيكون المعنى الإخبار بأن أحد الأمرين لا ينفك عن الوجود، وهو إما وجوب القتال منكم، أو حصول الإسلام منهم". قلت: أما قوله: "أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة قبلها باعتبار الجملة لا باعتبار الأفراد"، فمناه: أن قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ مجرور المحل صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، فإذا عطف ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ عليه باعتبار الأفراد، كان حكمهما سواء، وأما إذا عطف لا من هذه الجهة، بل بالنظر [إلى] أنها جملة كانت مستقلة. ويؤيده ما ذكره ابن جني في "المحتسب"، قال: "أما قراءة العامة بالنصب: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] فمعطوف على ﴿يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل، والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل، فالتقدير: ورفع السماء، فلما أضمر" رفع"، فسره بقوله: ﴿رَفَعَهَا﴾، كقولك: قام زيد وعمرًا ضربته، أي: وضربت عمرًا، لتعطف جملة من فعل وفاعل، على أخرى مثلها. وفي نصب "السماء" على القراءة العامة ردًا على أبي الحسن في امتناعه أن يقول: زيد ضربته وعمرًا كلمته، على تقدير: وكلمت عمرًا، عطفًا على: ضربته، لأن قوله: "ضربته" جملة ذات موضع من الإعراب، لكونها خبرًا للمبتدأ، و" كلمت عمرًا" لا موضع لهامن الإعراب، لأنها ليست خبرًا عن "زيد"؛ لخلوها من ضميره، فلا تعطف جملة غير ذات موضع على جملة ذات موضع؛ إذ العطف نظير التثنية، فينبغي أن يتناسب المعطوف والمعطوف عليه.
[ ١٤ / ٣٩٦ ]
_________________
(١) وهذا ساقط عند سيبويه، وذلك أن ذلك الموضوع من الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات الموضع كغيرها من الجملة غير ذات الموضع، كما أن الضمير في اسم الفاعل لما لم يظهر إلى اللفظ جرى مجرى ما لا ضمير فيه، فقيل في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان ورجلان، بل إذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير من هوله، ثم أجري مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه لما لم يظهر في بعض الموضع، كان ما لا يظهر فيه الإعراب أصلًا أحرى أن يسقط الاعتداد به". تم كلام ابن جني. وأما تلخيص الكلام: فهو أن يقال: لا بد من تأويل ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ بالأمر؛ ليستقيم المعنى، ولا نقول: إنه يمتنع الحمل على الإخبار لأجل كلمة"أو" لأنها موضوعة للشك، وهو في حق الله تعالى محال، وكيف نقول به ونحن نعلم يقينًا أن "أو" في الأخبار ليست منحصرة في الشك، لأن "أو" التنويعية، وهي أن تأتي لأحد الأمرين إذا كان المخبر عنه لا ينفك عن أحدهما، نحو: الجسم إما أن يكون ساكنًا أو متحركًا، بل نقول: إنما يمتنع الإخبار لأن قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ليس من هذا القبيل؛ لما نرى أن الوجود ينفك عنهما، وهو أن لا تحصل مقاتلة هؤلاء ولا إسلام أولئك، إما بالهذنة أو أن يتركوا سدى. وإذا ثبت أن ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ في معنى الأمر: فلا يخلو من أن يحمل ﴿يُسْلِمُونَ﴾ على الأمر أيضًا أم لا. فالمعنى على الأول: الواجب عليكم إما القتال وإما الإسلام منهم. ويرجع المعنى على الثاني إلى الإخبار بأن أحد الأمرين لا ينفك عنه الوجود؛ إما وجوب القتال منكم أو حصول الإسلام منهم، وإنما يستقيم هذا على الأمر، لأن الأمر للوجوب، وليس الإخبار بحصول وجوب القتال كالإخبار بحصول وقوع القتال.
[ ١٤ / ٣٩٧ ]
_________________
(١) فظهر بهذا معنى قول المصنف: "يكون أحد الأمرين؛ إما المقاتلة أو الإسلام، ولا ثالث لها". هذا، والذي يقتضيه المقام ما ذهب غليه صاحب "التخمير" حيث قال: "وإذا رفعت هذا الفعل فعلى أن "أو" هي العاطفة، ثم هذه الجملة المعطوفة: إما أن تكون بظاهرها فعلية أو اسمية، وعلى الاسمية تقديره: أو هم يسلمون. فإن سألت: أليس من شأن العطف المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه؟ أجبت: إذا قلت: الجملة الفعلية اسمية كانت المناسبة أكثر، لأن هذه الجملة حينئذ تخرج إلى باب الكناية، والمعنى: تقاتلونهم أو لا تقاتلونهم لأنهم يسلمون. وقلت: يعني: وضع "هم يسلمون" موضع "لا تقلونلونهم"؛ لأنهم إذا أسلموا سقط عنهم قتالهم ضرورة، "أو" إذن للتريد، لكن على سبيل الاستعارة، والجملتان إخباريتان، وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ﴾ وارد على سنن الإخبار التوبيخي في حق من تخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ وجاؤوا معتذرين، يعني: أن الله ﷾ سيعاملكم بعد هذه الغزوة بغزوة أخرى معاملة من يختبر أحوال من هو تحت قهره وملكته، فيأمره بأمر وينظر: هل يمتثل أمره أم لا، فإن أطاع يثيبه، وإلا يعاقبه، يدل عليه ترتب قوله: ﴿فَإن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وإن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ورفع الجناح عن المضرورين في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلَى المَرِيضِ﴾، والتذييل بقوله: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآية.
[ ١٤ / ٣٩٨ ]
نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو. وقرئ: "ندخله" و"نعذبه"، بالنون.
[﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١٨ - ١٩]
هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها: أنّ النبي ﷺ حين نزل الحديبية بعث جوّاس بن أمّية الخزاعي رسولًا إلى أهل مكة، فهموا به،
_________________
(١) ـ وتحرير المعنى: ستدعون إلى قوم ذوي شوكة عظيمة وأصحاب عدد لنبلوكم؛ أهل تقاتلونهم أم لا وتتخلفون عن داعيكم كما تخلفتم الآن، والاستدعاء ليس إلا لاختباركم وامتثالكم الأمر، وإلا فالقوم يدخلون في الإسلام: إما باستبصار من عند أنفسم وتفكر، أو أن يقدر الله غيركم من يقاتلهم ليسلموا. ولهذا الدقيقة كنى بالجملة الاسمية عن الفعلية _وهي الخبر عن المبتدأ المقدر_ على تقوي الحكم. فظهر أن الكلام وارد على التمثيل، و"أو" الترديدية مستعارة هاهنا، كما استعير كلمة الترجي في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "ندخله" و"نعذبه" بالنون): نافع وابن عامر. قوله: (هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية): أي: أنزل الله تعالى في هذه البيعة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فسميت بها، الراغب: "الرضوان: الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله خص لفظ" الرضوان" في القرآن بما كان من الله تعالى".
[ ١٤ / ٣٩٩ ]
فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ﵁ ليبعثه، فقال: إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم، وما بمكة عدوىّ يمنعني، ولكنى أدلك على رجل هو أعز بها مني، وأحب إليهم؛ عثمان بن عفان، فبعثه، فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فوقروه، وقالوا: إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسول الله ﷺ، واحتبس عندهم، فأرجف بأنهم قتلوه، فقال رسول الله ﷺ: "لا نبرح حتى نناجز القوم"، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة، وكانت سمرة، قال جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها.
وقيل: كان رسول الله ﷺ جالسًا في أصل الشجرة، وعلى ظهره غصن من أغصانها، قال عبد الله بن المغفل: وكنت قائمًا على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه، فرفعت الغصن عن ظهره، فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أنتم اليوم خير أهل الأرض».
وكان عدد المبايعين ألفًا وخمس مئة وخمسة وعشرين، وقيل: ألفًا وأربع مئة،
_________________
(١) ـ قوله: (الأحابيش): عن بعضهم: واحدها: أحبوش، وهو الفرج من قبائل شتى، يقال: تحبشوا من كل قبيلة، أي: تجمعوا، فصار لهم سواد لكثرتهم، فشبهوا بالحبش. قوله: (عثمان بن عفان): يروى مرفوعًا ومفتوحًا؛ فالرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والفتح على أن يكون بدلًا من "رجل". قوله: (حتى نناجز): الجوهري: المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة". قوله: (وقيل: ألفًا وأربع مئة): هذا هو الصحيح، كما رويناه في حديث مسلم في البيعة، قال: "كنا أربع عشرة مئة"، وعن البخاري في حديث نزح بئر الحديبية.
[ ١٤ / ٤٠٠ ]
وقيل: ألفًا وثلاث مئة.
﴿فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم، ﴿وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وقرئ: "وآتاهم"، وهو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة، وعن الحسن: فتح هجر، وهو أجلّ فتح، اتسعوا بثمرها زمانًا، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَاخُذُونَها﴾ هي مغانم خيبر، وكانت أرضًا ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله ﷺ عليهم.
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن: فتح هجر): وفيه نظر؛ لأن "هجرًا" على ما ذكره صاحب "النهاية": "إما قرية قريبة من المدينة التي منها القلال، أو هجر البحرين"، ولم يذكر أحد من الأءمة أنه ﷺ غزاها، وذكر محيي السنة: "أنه ﷺ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة، ورجع بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر". قوله: (هي مغانم خيبر): "الغنم: معروف، والنغم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدا وغيرهم، والمغنم: ما يغنم، وجمعه مغانم".
[ ١٤ / ٤٠١ ]
ثم أتاه عثمان ﵁ بالصلح، فصالحهم، وانصرف بعد أن نحر بالحديبية، وحلق.
[﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَاخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٢٠]
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً﴾ وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ﴾ المغانم، يعني: مغانم خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ يعني: أيدي أهل خيبر وحلفاؤهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنكصوا. وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه ضامن نصرهم والفتح عليهم. وقيل: رأى رسول الله ﷺ فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، فتأخر ذلك إلى السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة وعنوانًا لفتح مكة،
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ويزيدكم بصيرة ويقينًا، وثقة بفضل الله.
[﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ٢١]
﴿وَأُخْرى﴾ معطوفة على ﴿هَذِهِ﴾، أي: فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ وهي مغانم هوازن في غزوة حنين، وقال: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ لما كان فيها.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم أتاه عثمان ﵁ بالصلح): عطف على قوله: "فبايعوه تحت الشجرة"، إلى قوله: "فقال لهم رسول الله ﷺ: أنتم اليوم خير أهل الأرض"، لا على قوله: "فقسمها عليهم"، لأن فتح خيبر كان بعد مرجعه ﵁ من مشركي أهل مكة بمدة مديدة.
[ ١٤ / ٤٠٢ ]
من الجولة، ﴿قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها﴾ أي: قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها، وغنمكموها.
ويجوز في "أُخْرى": النصب بفعل مضمر، يفسره ﴿قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها﴾، تقديره: وقضى الله أخرى قد أحاط بها، وأما ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ فصفة لـ"أخرى"، والرفع على الابتداء؛ لكونها موصوفة بـ ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾، و﴿قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا﴾: خبر المبتدأ، والجرّ بإضمار "رب".
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠]، كيف موقعه؟ قلت: هو كلام معترض، ومعناه: ولتكون الكفة آية للمؤمنين فعل ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم المغانم، فعجل هذه الغنيمة وكف الأعداء لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها صادقًا، لأنّ صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية، ويزيدكم بذلك هداية وإيقانًا.
_________________
(١) ـ قوله: (الجولة): النهاية: "في حديث الصديق: "أن للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة"، أي: غلبة؛ من: جال في الحرب على قرنه يجول"، وعن بعضهم: وهي عبارة عن هزيمة المسلمين، فأحسن في العبارة عنها على عادة المترسلين، وقيل: الجولة: هي الهزيمة مع الرجوع إلى القتال، ثم الهزيمة، ثم الرجوع. قوله: (والجر بإضمار): أي في "أخرى"، وعلى هذا ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ صفة، و﴿قَدْ أَحَاطَ﴾ جواب "رب". قوله: (ولتكون الكفة آية للمؤمنين): عن بعضهم: فإن قيل: ما وجه المنة في كف أيدي المؤمنين عن الكافرين؟ قلت: وجهه ما بعده من قوله: ﴿ولَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] الآية. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم): فعلى هذا: ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف على علة أخرى محذوفة، وعلى أن تكون معترضة: المعلل محذوف.
[ ١٤ / ٤٠٣ ]
[﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٢٢ - ٢٣]
﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ولم يصالحوا، وقيل: من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ في موضع المصدر المؤكد، أي: سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١].
[﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢٤]
﴿أَيْدِيَهُمْ﴾ أيدي أهل مكة، أي: قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح، وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أنّ مكة فتحت عنوة لا صلحًا، وقيل: كان ذلك في غزوة الحديبية؛ لما روي: أنّ عكرمة بن أبي جهل خرج في خمس مئة، فبعث رسول الله ﷺ من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس: أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت.
وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾، بالتاء والياء.
_________________
(١) ـ قوله: (وبه استشهد أبو حنيفة ﵁ [على] أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا): هذا يخالف تفسير المصنف لقوله: ﴿إنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١]: "الفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا، بحرب أو بغير حرب". قوله: (وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء): أبو عمرو: بالياء التحتانية.
[ ١٤ / ٤٠٤ ]
[﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا﴾ ٢٥]
وقرئ: ﴿وَالْهَدْيَ﴾ و"الهدي" بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة، بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب في ﴿صَدُّوكُمْ﴾، أي: صدّوكم وصدّوا الهدي، وبالجر عطفًا على ﴿الْمَسْجِدِ الحَرَامِ﴾، بمعنى: وصدّوكم عن نحر الهدي، ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ محبوسًا عن ﴿أَن يَبْلُغَ﴾، وبالرفع على: وصدّ الهدي.
و﴿مَحِلَّهُ﴾: مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب، وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت: فكيف حل رسول الله ﷺ ومن معه، وإنما نحر هديهم بالحديبية؟ قلت: بعض الحديبية من الحرم، وروي: أن مضارب رسول الله ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم. فإن قلت: فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل: ﴿مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾؟ قلت: المراد: المحل المعهود، وهو منى.
_________________
(١) ـ قوله: (يحل فيه نحره، أي: يجب): "يجب": من الوقوع، لا من الوجوب، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، روي عن المصنف: "محل الهدي: مكان حلوله، أي: وجوبه ووقوعه، ومحل الدين: وقت حلوله، أي: وجوبه ووقوعه". قوله: (فكيف حل رسول الله ﷺ): هذا السؤال وراد على مذهب أبي حنيفة ﵁، وعند الشافعي ﵁: محل الهدي حيث أحصر، وقد مر تحقيقه في سورة البقرة. قوله: (مضارب رسول الله ﷺ): المغرب: "ضرب الخيمة، وهو المضرب للقبة، بفتح الميم وكسر الراء، ومنه: كانت مضارب رسول الله ﷺ في الحل، ومصلاه في الحرم".
[ ١٤ / ٤٠٥ ]
﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صفة الرجال والنساء جميعًا، و﴿أَنْ تَطَؤُهُمْ﴾ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ﴿تَعْلَمُوهُمْ﴾، والمعرة: مفعلة؛ من عره: بمعنى: عراه، إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه. و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْ تَطَؤُوهُمْ﴾،
_________________
(١) ـ قوله: (من: عره، بمعنى: عراه؛ إذا دهاه ما يكرهه): الراغب: "المعتر: المعترض للسؤال، يقال: عره واعتره، وعررت بك حاجتي، والعر والعز: الجرب الذي يعر البدن، ومنه قيل للمضرة: معرة؛ تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب". قوله: (﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾): فيكون حالًا من الضمير المرفوع في ﴿تَطَئُوهُمْ﴾، أو المنصوب، وتقديره: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، قال أبو البقاء: "هو حال من الضمير المجرور_ أي: في ﴿مِّنْهُم﴾ _، أو صفة لـ ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ ". والمعنى على قول المصنف: لولا رجال مؤمنون صفتهم أنكم غير عالمين بوطئهم غير عالمين بهم، قال الإمام: "يلزم على قوله التكرير، فالأولى أن يقال: أن قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يكون في موضعه، المعنى: ﴿فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أي: أن وطئتموهم غير عالمين لزمتكم سبة الكفار بغير علم، أي: بجهل، لا يعلمون أنكم معذورون فيه، أو فتصيبكم منهم معرة غير معلومة، وهي ما يحصل من القتل الخطأ، ومن حصول الأذى على البريء". وقلت: يمكن أن يقال: لا يلزم التكرار؛ لأن المراد أنه متعلق بما دل عليه ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾، والمعنى: لولا رجال مؤمنون، ومن صفتكم أنكم غير عالمين بوطئهم، فتطؤوهم وأنتم غير عالمين بهم، فيكون ذلك سببًا لأن تصيبكم منهم المعرة، وهي ما قال: "يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين".
[ ١٤ / ٤٠٦ ]
يعني: أن تطؤوهم غير عالمين بهم، والوطء والدوس: عبارة عن الإيقاع والإبادة، قال:
ووطئتنا وطأ على حنق وطأ المقيّد نابت الهرم
وقال رسول الله ﷺ: «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج»، والمعنى: أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم،
_________________
(١) ـ قوله: (ووطئتنا وطأ على حنق): "الحنق": الحقد الشديد، و"المقيد": البعير الذي عليه القيد، وخصه لأن وطأنه أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل، وخص "نابت الهرم" لأن هشمه أسهل. الأساس: "يقال: أذل من الهرمة؛ واحدة الهرم، وهو يبيس الشبرق أذل الحمض"، وأنشد البيت، يقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت. قوله: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج): النهاية: "المعنى: أن آخر أخذة أو وقعة أوقعها الله تعالى بالكفار كانت بوج، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله ﷺ، فإنه لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال". الراغب: "وطؤ الشيء فهو وطيء بين الوطاءة والطئة والطأة، ووطئته برجلي أطؤه وطأ ووطاءة، وفي الحديث: "اللهم اشدد وطأتك على مضر"، أي: ذللهم، ووطئ
[ ١٤ / ٤٠٧ ]
ولا معروفي الأماكن، فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناسًا مؤمنين بين ظهراني المشركين، وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة، لما كف أيديكم عنهم. وحذف جواب «لولا» لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لـ"لولا رجال مؤمنون"؛ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ هو الجواب.
_________________
(١) ـ امرأته: كناية عن الجماع، وصار كالتصريح للعرف فيه، والمواطأة: وأصله: أن يطأ الرجل برجله موطئ صاحبه". قوله: (ويجوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ كالتكرير لـ"لولا رجال مؤمنون): يعني: تخيص المعنى الأول: أن هناك قومًا مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم، وهو ضد "تزيلوا"، لأن معناه: حصل التميز وتفرق المانع، و"لولا": لا متناع الشيء لوجود غيره، و"لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، فيكون مقتضى جوابهما واحدًا، فكان تكريرًا. الانتصاف: "إنما كان مرجعهما هاهنا واحدًا، وإن كانت "لولا" تدل على الامتناع لوجود غيره، و"لو" تدل على الامتناع للامتناع؛ لأن "لولا" دخلت هاهنا على وجود معناه العدم، إذ التزيل معناه المفارقة، فصار ثبوتًا، وكان جدي يختار الوجه الثاني، ويجعله تطرئة لطول الكلام". وقلت: ولعل المختار الأول؛ لأنه حينئذ يقرب من باب الطرد والعكس، لأن التقدير: لولا وجود رجال مؤمنين مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم لوقع ما كان جزاء لكفرهم وصدرهم، ولو حصل التميز وارتفع الاختلاط لحصل التعذيب.
[ ١٤ / ٤٠٨ ]
فإن قلت: أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون؟ قلت: يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير.
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ تعليل لماذا؟ قلت: لما دلت عليه الآية وسيقت له؛ من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم، صونًا لمن بين أظهرهم من المؤمنين، كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته، أي: في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو: ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم، ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض؛ من: زاله يزيله. وقرئ: "لو تزايلوا".
_________________
(١) ـ وقال الإمام: "يحتمل أن يقال: جوابه ما دل عليه قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾، يعني: استحقوا لأن لا يهملوا، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه، كما يقول القائل: هو سارق، ولولا فلان لقطعن يده". قوله: (لما دلت عليه الآية وسيقت له): يعني: هو تعليل للمجموع، قال الإمام: "والمعنى: فعل ما فعل ليدخل، لأن هناك أفعالًا من الألطاف والهداية وغيرهما، لا يقال إنك ذكرت أن المانع للوطء وجود رجال مؤمنين، كأنه قيل: كف أيديكم لئلا تطؤوا، فكيف يكون لشيء آخر؟ لأنا نقول: المعنى: كف أيديكم لئلا تطؤوا ليدخلوا، كما يقال: أطمعته ليشبع ليغفر الله لي". قوله: (أو: ليدخل في الإسلام): يعني: إذا قيد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ بالمؤمنين، فالمناسب أن
[ ١٤ / ٤٠٩ ]
[﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ٢٦]
﴿إِذْ﴾ يجوز أن يعمل فيه ما قبله، أي: لعذبناهم، أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت، وأن ينتصب بإضمار: اذكر.
والمراد بـ"حمية الذين كفروا" و"سكينة المؤمنين" -والحمية: الأنفة، والسكينة: الوقار-: ما روي: أنّ رسول الله ﷺ لما نزل بالحديبية، بعثت قريش سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتابًا، فقال ﵊ لعلي ﵁: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم"،
_________________
(١) ـ تفسر "الرحمة" بالتوفيق، فتكون مراعاة جانب طائفة من المؤمنين والمؤمنات سببًا لمزيد التوفيق والخير والطاعة، وإذا قيد بالمشركين، فالوجه أن تفسير "الرحمة" بالإسلام، لأن المشركين إذا شاهدوا مراعاة المسلمين ورحمة الله في شأن طائفة من المؤمنين بأن منع من تعذيب أعداء الدين بعد الظفر بهم، لأجل اختلاطهم بهم، رغبوا في مثل هذا الدين والانخراط في زمرة المرحومين. قوله: (أو صدوهم): عن بعضهم: الصواب: أو صدوكم، بل الأولى ذلك؛ لأن له وجهًا، أي: صد المشركون المسلمين إذ جعل. قوله: (لما نزل بالحديبية، بعثت قريش) الحديث إلى آخره: قد ذكره الأئمة في أحاديث شتى بروايات مختلفة، ومضى شيء منه في هذا الكتاب.
[ ١٤ / ٤١٠ ]
فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، ثم قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه رسول الله ﷺ أهل مكة"، فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال ﵊: "اكتب ما يريدون، فأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله"، فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك، ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله السكينة، فتوقروا وحلموا.
و﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾: "بسم الله الرحمن الرحيم" و"محمد رسول الله"، قد اختارها الله لنبيه وللذين معه؛ أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية من غيرهم، وقيل: هي كلمة الشهادة، وعن الحسن: كلمة التقوى: هي الوفاء بالعهد، ومعنى إضافتها إلى التقوى: أنها سبب التقوى وأساسها، وقيل: كلمة أهل التقوى. وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله: "وكانوا أهلها وأحق بها"، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج.
_________________
(١) ـ قوله: (فأنا أشهد): قيل: معناه: المعجزة على يدي بعد الدعوى، كما أن شهادة الله إظهار المعجزة على يد النبي، أو نقول: فإذا ثبتت نبوته بالمعجزة إذا قال: أنا نبي، كان كالتوكيد والتقرير لذلك. وقلت: المعنى: أنا نبي ثابت النبوة بالمعجزة، وثابت الرسالة بإنزال الكتاب علي، سواء شهدوا أو لم يشهدوا. قوله: (و﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: "بسم الله الرحمن الرحيم"): روى الترمذي عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ: " ﴿وأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله". قوله: (الحارث بن سويد): قال صاحب "جامع الأصول": "هو من كبار تابعي الكوفة وثقاتهم، وقد سئل أحمد بن حنبل عنه، قال: مثل هذا يسأل عنه؟ ! يعني: لجلالة قدره وعلو منزلته، وروى عن ابن مسعود، مات في آخر أيام عبد الله بن الزبير".
[ ١٤ / ٤١١ ]
[﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٢٧]
رأى رسول الله ﷺ قبل خروجه إلى الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله ﷺ حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت.
ومعنى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾: صدقه في رؤياه ولم يكذبه، تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوًّا كبيرًا، فحذف الجارّ وأوصل الفعل، كقوله تعالى: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الحزاب: ٢٣].
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾: صدقة في رؤياه ولم يكذبه): الراغب: "الصدق ولا كذب: أصلهما في القول، ماضيًا كان أو مستقبلًا، وعدًا أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، وقد يكونان بالعرض في غير الخبر، كالاستفهام والأمر والدعاء، نحو قولك: "أزيد في الدار؟ " فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلًا بحال زيد، وقولك: "لا تؤذني" مضمن لمعنى أنه يؤذيك، وقولك: "واسني" مضمن لمعنى: أنك محتاج إلى المواساة. والصدق: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معًا، وإلا لم يكن صدقًا تامًا، بل إما
[ ١٤ / ٤١٢ ]
_________________
(١) أن لا يوصف بالصدق، أو يوصف تارة بالصدق وتارة الكذب، على نظرين مختلفين، كقوله كافر غير معتقد: "محمد رسول الله"، فصدقه لكون المخبر عنه كذلك، وكذبه لمخالفة الضمير. وقد يستعملان في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو: صدق ظني وكذب، ويستعملان في فعل الجوارح، نحو: صدق في القتال_ إذا وفي حقه وفعل ما يجب_ وكذب في القتال، قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، أي: حققوا العهد. وقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]: أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله؛ تنبيها أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾: هذا صدق بالفعل، وهو التحقيق، أي: حقق رؤيته، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]: أي: حقق ما أورده قولًا بما تحراه فعلًا. ويعتبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا باظنًا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل، كقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وعلى هذا: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقوله: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، فإن ذلك سؤال أن يجعله الله صالحًا، بحيث إذا أثنى عليه من بعده، لم يكن ذلك الثناء كذبًا، كما قال: إذا نحن أثنينا عليك بصالح فانت كما نثني وفوق الذي نثني".
[ ١٤ / ٤١٣ ]
فإن قلت: بم تعلق ﴿بِالْحَقِّ﴾؟ قلت: إمّا بـ ﴿صَدَقَ﴾، أي: صدقه فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقًا ملتبسًا بالحق، أي: بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص، وبين من في قلبه مرض. ويجوز أن يتعلق بـ ﴿الرُّؤْيَا﴾ حالًا منها، أي: صدقه الرؤيا ملتبسًا بالحق، على معنى: أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. ويجوز أن يكون ﴿بِالْحَقِّ﴾ قسمًا؛ إمّا بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه، و﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾: جوابه، وعلى الأوّل: هو جواب قسم محذوف.
فإن قلت: ما وجه دخول ﴿إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ في أخبار الله ﷿؟ قلت: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليمًا لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك، متأدّبين بأدب الله، ومقتدين بسنته، وأن يريد: لتدخلنّ جميعًا إن شاء الله ولم يمت منكم أحدًا، أو كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك: إن شاء الله، أو هي حكاية ما قال رسول الله ﷺ لأصحابه، وقصّ عليهم. وقيل: هو متعلق بـ ﴿آمِنِينَ﴾.
_________________
(١) ـ قوله: (فيه وجوه): تلخيصها: أن قوله: ﴿إن شَاءَ اللَّهُ﴾: إما من كلام الله ﷿، أو من كلام الملك ﵇، أو الرسول ﷺ. وعلى أن يكون من كلام الله تعالى فهو: إما متعلق بـ ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أو بـ ﴿آمِنِينَ﴾، وإذا كان الأول فإيراده: إما للتعليم أو للتبرك، وإما أن المراد: لتدخلن جميعًا، وإذا تعلق بـ ﴿آمِنِينَ﴾ كان المعنى ما ذكره في قوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]: "أسلموا وآمنوا في دخولكم أن شاء الله، والتقدير: ادخلوا مصر آمنين أن شاء الله دخلتم". وعلى أن يكون من كلام الملك: فإنه لما ألقى كلام الله على النبي ﷺ ألقى هذه الكلمةمن تلقاء نفسه تبركًا. وعلى أن يكون من كلام الرسول ﷺ لأصحابه: فإنه صلوات الله عليه لما قص الرؤيا على أصحابه أتى بتأويلها مؤكدًا بالقسمية، لأن رؤيا الأنبياء وحي، ثم إنه تعالى لما ذكر ﴿لَقَدْ
[ ١٤ / ٤١٤ ]
_________________
(١) صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ استأنف بقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، ليكون جوابًا لمن قال عند ذلك: فبم صدقه الله؟ فقيل: في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وقد طعن صاحب "التقريب" في بعض الوجوه على الإجمال. وقلت: إذا كان من كلام الله، ولم يكن تعليمًا للعباد، ويراد: لتدخلن جميعًا أن شاء الله، ولم يمت منكم أحد، كان المراد: لتدخلن جميعًا أن شاء الله ولم يمت أحد، لكن الله تعالى أمات بعضهم. وفيه بعد. وإذا كان من كلام الملك: فظاهر الرد؛ لأن الزايدة من كلام الغير كيف تدخل في كلام الله تعالى؟ ! وأولى الوجوده: أن يكون تعليمًا للعباد، وتكون كلمة تاديب تذكر في أثناء الكلام تيمنًا وتبركًا. روى الواحدي عن أبي العباس أحمد بن حيي: "استثنى الله تعالى فيما يعلم؛ ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، وأمر بذلك في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] "، وكذا عن الإمام، وقال أيضًا: "عن ذلك لتحقيق الدخول؛ لأن المؤمنين أرادوا الدخول، وأبوا الصلح، فقيل: تدخلون، لكن لأا بجلادتكم ولا بإرادتكم، وإنما تدخلون بمشيئة الله وإرادته". وقلت: ويعضده قوله تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾، وتفسير المصنف: "فعلم ما لم تعلموا من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل".
[ ١٤ / ٤١٥ ]
﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ﴾ أي: من دون فتح مكة، ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود.
[﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٢٨]
﴿بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ بدين الإسلام، ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على جنس الدين كله، يريد: الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب، ولقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى دينًا قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل: هو عند نزول عيسى حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات.
وفي هذه الآية تأكيد لما وعد من الفتح، وتوطين لنفوس المؤمنين على أنّ الله تعالى سيفتح لهم من البلاد، ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم، ما يستقلون إليه فتح مكة.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على أنّ ما وعده كائن، وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينك.
[﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢٩]
_________________
(١) ـ قوله: (لتستروح إليه قلوب المؤمنين): الأساس: "قد روحت بهم ترويحًا، وأرحته من التعب، فاستراح، واستروحت إلى حديثه". قوله: (ويقيض لهم): المغرب: "قيض له كذا: قدره، ومنه: ملكًا مقيضًا".
[ ١٤ / ٤١٦ ]
﴿مُحَمَّدٌ﴾ إما خبر مبتدأ، أي: هو محمد؛ لتقدّم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، وإما مبتدأ، و﴿رَسُولُ اللهِ﴾ عطف بيان، وعن ابن عامر أنه قرأ: "رسولَ الله"؛ بالنصب على المدح.
_________________
(١) ـ قوله: (أي: هو محمد؛ لتقدم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ﴾): يعني: لما ذكر الله تعالى أنه بذاته اختص بإرسال ذلك الرسول ﷺ الموصوف بصفات الكمال، وهو الذي بجلالته خصه بذلك الخطب الجليل والأمر الخطير، استأنف بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾؛ ليكون موردًا للسؤال؛ وأن ذلك الموصوف من هو ثم ابتدأ: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾؛ تشريفًا لهم وكرامة، نحو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ولا كذلك على الوجه الثاني، قال صاحب "المرشد": "الوقف على ﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾: حسن". قوله: (و﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾ عطف بيان): فيه إشارة إلى ما ينبغي، وأن على المسلمين أن لا يسموه باسمه، ويكون" رسول الله" عندهم في كثرة الدوران بمنزلة البيان لا سمه تعظيمًا وتبجيلًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، أي: لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم يسمي بعضكم بعضًا، بل يا نبي الله، ويا رسول الله. وقال القاضي: " ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾: جملة مبينة للمشهود به_ أي: هو متعلق بقوله: ﴿وكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ _، ويجوز أن يكون ﴿رَّسُولُ اللَّهِ﴾ صفة، و﴿مُحَمَّدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ معطوف عليه، وخبرهما: ﴿أَشِدَّاءُ﴾ ".
[ ١٤ / ٤١٧ ]
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أصحابه، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ جمع شديد ورحيم، ونحوه:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وعن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه وعانقه.
والمصافحة: لم تختلف فيها الفقهاء، وأما المعانقة: فقد كرهها أبو حنيفة ﵀،
_________________
(١) ـ قوله: (ونحوه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾): أي: هو من أسلوب التكميل، فإنه لو اكتفى بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأوهم أن ذلك للعجز، فكمل بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، فاقترن بما ينبئ عن التواضع، ولا يؤدي إلى التكبر، كذا قوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ﴾: لو اكتفى به لأوهم الفظاظة والغلظة، فكمل بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، يعني: أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء فيما بينهم أرباب وقار وترحم. قوله: (والمصافحة: لم يختلف فيها الفقهاء): عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما" أخرجه أبو داود، وفي رواية الترمذي: "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا". وقال الشيخ محيي الدين النواوي في "الأذكار": "المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس بعد صلاة الصبح والعصر فلا أصل له، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم محافظين عليها في بعض الأوحوال، ومفرطين في كثير منها: لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها. وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد ابن عبد السلام في كتابه "القواعد": أن البدع على خمسة أقسام: واجبة ومحرمة ومكروهة
[ ١٤ / ٤١٨ ]
وكذلك التقبيل، قال: لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئًا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة.
_________________
(١) ـ ومستحبة ومباحة، ومن البدع المباحة: المصافحة عقيب الصبح والعصر". انتهى ما في " الأذكار". قوله: (وكذلك التقبيل): عن الترمذي عن أنس قال: سمعت رجلًا يقول لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: أيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم". فزاد رزين بعد قوله: "ويقبله؟ قال: لا": "إلا أن يأتي من سفر". وفي "الأذكار": عن الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب، فقام رسول الله ﷺ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله"، قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال الشيخ محيي الدين النواوي: "التقبيل والمعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، مكروه كراهة تنزيه في غيره، وأما الامرد الحسن فيحرم بكل حال، والمذهب الصحيح عندنا: يحرم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان بغير شهودة، وقد أمن الفتنه فهو حرام، كالمرة، لكونه في معناها". قوله: (وقد رخص أبو يوسف في المعانقة): روى أبو داود: "سئل أبو ذر: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلى ذات يوم ولم أكن في أهلي، فجئت، فأخبرت أنه ﷺ أرسل إلي، فأتيته وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود أجود".
[ ١٤ / ٤١٩ ]
ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف، فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة، وكف الأذى، والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة.
ووجه من قرأ: "أشداء" و"رحماء" بالنصب: أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في ﴿مَعَهُ﴾، ويجعل ﴿تَراهُمْ﴾ الخبر.
﴿سِيماهُمْ﴾ علامتهم، وقرئ: "سيماؤهم"، وفيها ثلاث لغات؛ هاتان والسيماء، والمراد بها: السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود،
_________________
(١) ـ قوله: (والأخلاق السجيحة): الجوهري: الإسجاح: حسن العفو، والسجيحة: الطبيعية". قوله: (ووجه قراءة من قرأ: "أشداء" و"رحماء"): قال ابن جني: "وهي قراءة الحسن، وهو نصب على الحال، أي: "محمد رسول الله والذين معه"، فـ"معه" خبر "الذين"، و"أشداء": حال، أي: هم معه على هذه الحال، فجعله حالًا من الضمير في ﴿مَعَهُ﴾ لأمرين: أحدهما: قربه منه، وبعده عن" الذين"، وثانيهما: ليكون العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، ولو جعلته حالًا من "الذين" كان العامل في الحال غير العامل في صاحبه، وإن كان ذلك جائزًا، أو شئت نصبتهما على المدح". قوله: (أو على الحال بالمقدر في ﴿مَعَهُ﴾): تقديره: صاحبوه أشداء رحماء. قوله: (﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم): النهاية: "الأصل فيها الواو تمد وتقصر". معنى قوله: " ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يفسرها": أن "السيما" العلامة مطلقًا، ويراد هنا المعنى الخاص، فسر وبين ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، وكان من حق الظاهر أن يقال: "الأثر الذي يؤثره السجود"، فوضع المصنف موضعه: "التأثير"؛ ليطابق قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم﴾ مبالغة. الجوهري: "التأثير: بقاء الأثر على الشيء".
[ ١٤ / ٤٢٠ ]
وقوله: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يفسرها، أي: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين -عليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك- يقال له: ذو الثفنات، لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير.
وقرئ: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ و"من آثار السجود"، وكذا عن سعيد بن جبير: هي السمة في الوجه.
_________________
(١) ـ قوله: (أبي الأملاك): أي: أبي الخلفاء، تعريض بأنهم كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء. قوله: (ذو الثفنات): الجوهري: "ثفنات البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ".
[ ١٤ / ٤٢١ ]
فإن قلت: فقد جاء عن النبي ﷺ: «لا تعلبوا صوركم»، وعن ابن عمر ﵁: أنه رأى رجلًا قد أثر في وجهه السجود، فقال: إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورت؟ . قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة، وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصًا لوجه الله، وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة العنز، فما ندري: أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق.
وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك: ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة. وعن سعيد بن المسيب: ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار».
_________________
(١) ـ قوله: (فلا تعلب وجهك): العلب_ بفتح العين المهملة وسكون اللام_: الأثر. النهاية: "في حديث ابن عمر: "أنه رأى رجلًا بأنفه أثر السجود، فقال: لا تعلب صورتك"، يقال: علبه: إذا وسمه وأثر فيه، والعلب والعلب: الأثر، أي: لا تؤثر فيها بشدة اتكائك على أنفك في السجود". قوله: (ليس بالندب في الوجوه): النهاية: "الندب_ بالتحريك_: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد". قوله: (استنارت وجوههم من طول ما صلوا): قال الإمام: "هو ما يظهره الله في وجوه الساجدين نهارًا إذا قاموا بالليل متهجدين، هذا محقق لما يشاهد الفرق بين الساهر في اللهو واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر، أي: نورهم في وجوههم لتوجههم نحو الحق، ومن يحاذي الشمس يتنور وجهه، على أن نورها عارضي، والله نور السماوات
[ ١٤ / ٤٢٢ ]
﴿ذلِكَ﴾ الوصف ﴿مَثَلُهُمْ﴾، أي: وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعًا، ثم ابتدأ فقال: ﴿كَزَرْعٍ﴾ يريد: هم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾، ثم ابتدئ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة مبهمة أوضحت بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. وقرئ: "الأنجيل" بفتح الهمزة.
_________________
(١) ـ والأرض، فمن يتوجه إليه بكليته_ كما قال: وجهت وجهي لله_ لا بد أن يظهر في وجهه نور تبهر منه الأنوار". وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس هو النحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باظنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاه سيدهم، قال ابن عطاء: ترى عليهم خلع الأنوار لائحة، وقال عامر بن عبد القيس: كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله، وكذلك وجه الكافر. قوله: (وقيل: تم الكلام عند قوله) إلى آخره: وفي "المرشد": قال أبو حاتم: والتمام ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني: صفتهم ونعتهم، قال: ثم يبتدئ: ﴿ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ جعل صفتهم في التوراة أنهم أشداء على الكفار، وصفتهم في الإنجيل أنهم كزرع أخرج شطأه فازره، وقد أجاز غيره أن يقول: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ كأنهم جعلوا مثلهم وصفتهم في التوراة والإنجيل شيئًا واحدًا.
[ ١٤ / ٤٢٣ ]
﴿شَطْأَهُ﴾ فراخه، يقال: أشطأ الزرع: إذا فرخ. وقرئ: "شطأه" بفتح الطاء، و"شطاه"، بتخفيف الهمزة، و"شطاءه" بالمدّ، و"شطه"، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها، و"شطوه" بقلبها واوًا.
﴿فَآزَرَهُ﴾ من المؤازرة، وهي المعاونة، وعن الأخفش: أنه أفعل. وقرئ: "فأزره" بالتخفيف والتشديد، أي: فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل "آزر": أفعل، فهو في معنى القراءتين.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "شطأه" بفتح الطاء): ابن كثير وابن ذكوان: "شطأه" بتحريك الطاء، والباقون: بإسكانها. قوله: ("شطاه" بتخفيف الهمزة): قال ابن جني: "قراءة عيسى الهمداني_ بخلاف_: "شطاءه" بتحريك الطاء ممدودًا مهموزًا، وقرأ عيسى: "شطاه"، وقرأ الجحدري: "شطوه". والشطء: فراخ الزرع، وجمعه: شطوء، ويقال أيضًا: هو الورق، والشطء: السنبل أيضًا، شطأ الزرع شطأ، ومنه قولهم_ عندي_: شاطئ النهر والوادي، لأنه ما برز منه وظهر، ولهذا سموه بالسيف، لأنه من لفظ "السيف" ومعناه، ألا تراهم يصفون السيف بالصقال، وأما "شطوه" بالواو: فلا يخلو أن يكون لغة أو بدلًا من الهمزة. ولا يكون "الشطء" إلا في البر والشعير". قوله: (" فأزره"): قرأ ابن ذكوان: "فأزره" بالقصر، والباقون: بالمد. قوله: (فهو في معنى القراءتين): يعني: "آزر" إما "فاعل" من المؤازرة: المعاونة، أو "أفعل" من الأزر؛ القوة، كما قال الأخفش، وقوله: "في معنى القراءتين"، أي: "آزر" إذا جعل "أفعل" يجمع معنى التخفيف والتشديد.
[ ١٤ / ٤٢٤ ]
﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فصار من الدقة إلى الغلظ، ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاستقام على قصبه، جمع ساق. وقيل: مكتوب في الإنجيل: "سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر". وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي.
وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم، لأنّ النبي ﷺ قام وحده، ثم قوّاه الله بمن آمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزرّاع.
_________________
(١) ـ الراغب: "أصل الأزر: الإزار الذي هو اللباس، يقال: إزار وإزارة ومئزر، ويكنى بالإزار عن المرأة، وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]، أي: أتقوى به، والأزر: القوة الشديدة، وآزره: أعانه وقواه، وأصله من شد الإزار، يقال: آزرته فتأزر، أي: شددت أزره، وهو حسن الإزرة، وأزرت البناء وآزرته: قويت أسافله، وتأزر النبات: طال وقوي، وآزرته ووازرته: صرت وزيره، وأصله الواو". قوله: (أخرج شطأه بأبي بكر): روى محيي السنة في "العالم" قريبًا منه، وروى قي "شرح السنة" عن مالك، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ﴾، ثم قال: "من أصبح من الناس في قلبه على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، فقد أصابته الآية".
[ ١٤ / ٤٢٥ ]
فإن قلت: قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ تعليل لماذا؟ قلت: لما دل عليه تشبيههم بالزرع؛ من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك.
ومعنى ﴿مِنْهُمْ﴾: البيان، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠].
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة».
_________________
(١) ـ تمت السورة حامدًا لله، ومصليًا على رسول الله ﷺ * * *
[ ١٤ / ٤٢٦ ]