مكية، وهي تسع وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(وَالْفَجْرِ • ولَيَالٍ عَشْرٍ • والشَّفْعِ والْوَتْرِ • واللَّيْلِ إذَا يَسْرِ • هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) ١ - ٥].
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله: (والصُّبْحِ إذَا أَسْفَرَ) [المدثر: ٣٤]، (والصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ) [التكوير: ١٨]، وقيل: بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة.
فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟
قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها.
_________________
(١) سورة الفجر مكية، وهي تسع وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها)، يريد أن التنكير للتفخيم والتهويل، وعلى الأول للتقليل؛ فقوله: "بعض منها" بدل من "ليال" إلى آخره، فقسم الأزمان عشرًا عشرًا وجعله جنسًا، وأراد بها بعضًا منها.
[ ١٦ / ٤١٧ ]
فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟
قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك.
_________________
(١) قوله: (لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة)، يعني: لو عرفت الليالي احتجت لما يراد من اختصاصها بالفضيلة إلى مزيد انضمام قرينة خارجية بخلاف التنكير؛ فإن دلالته على الفضيلة بنفسه؛ لأنه موضوع له مستقل به؛ ولأنها لو عُرفت لم تتميز عن المذكورات فيما قصد منها وانخرطت في سلكها، ولو خصصت منها بشيء من غير تغيير، لدخل في حد اللغز، وهو المراد من قوله: "الأحسن أن تكون اللامات متجانسة ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية". قوله: (وبالشفع)، معطوف على قوله: (بالليالي العشر). قوله: (أنه فسرهما بذلك)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل، عن النبي؟، قال: "إن العشر هي عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر". وروى الإمام أحمد والترمذي، عن عمران بن حصين، أن رسول الله؟ سُئل عن الشفع والوتر، قال: "الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر". وقلت: هذا هو التفسير الذي لا محيد عنه، وجملة القول ما قاله القاضي: "فلعله تعالى أفردهما بالذكر من أنواع المدلول، لما رآهما أظهر مدخلًا في الدين، أو مناسبة لما قبلهما، أو أكثر منفعة موجبة للشكر، أو أبين دلالة على التوحيد".
[ ١٦ / ٤١٨ ]
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم. (إذَا يَسْرِ) إذا يمضي؛ كقوله: (واللَّيْلِ إذْ أَدْبَرَ) بالمدثر: ٣٣]، (واللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ) [التكوير: ١٧]. وقرئ: (والْوَتْرِ) بفتح الواو،
_________________
(١) الراغب: "الشفع ضم الشيء إلى مثله، ويقال للمشفوع شفع، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: قيل: الشفع المخلوقات من حيث إنها مركبات، كما قال ﷿: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]، والوتر: هو الله تعالى من حيث إن له الوحدة من كل وجه، والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرًا له وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى منه". قوله: (قليل الطائل)، الأساس: "وما حليت بطائل: بفائدة، وهذا أمر غير طائل، للدون من الأمر". قوله: (بالتلهي عنه)، الأساس: "لهيت عنه وتلهيت والتهيت: شُغلت وأعرضت". قوله: (إذا يمضي، كقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧])، قال القاضي: "التقييد بذلك لما في التفاوت من قوة الدلالة على كمال القدرة، ووفور النعمة. أو يسري فيه: من قولهم: صلى المقام". وقلت: وخلاصة التقييد أنه تتميم لمعنى القدرة أو النعمة. قوله: (﴿وَالْوَتْرِ﴾ بفتح الواو)، حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بفتحها. قال صاحب
[ ١٦ / ٤١٩ ]
وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده. وقرئ: (الوتر) بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: (والفجر)، و(الوتر)، و(يسر)؛ بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلًا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر بالإضافة، يريد: وليال أيام عشر. وياء (يَسْرِ) تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة، وقيل: معنى (يَسْرِ) يسرى فيه
_________________
(١) "المطلع": "هما لغتان في العدد، والفتح لغة أهل الحجاز. وأما الوتر بمعنى التِّرة، فبالكسر لا غير". النهاية: "التِّرة: النقص، وقيل: التبعة، والتاء فيه عوض من الواو المحذوفة، مثل: وعدته عِدة". قوله: (اكتفاء عنها بالكسرة)، قال الزجاج: "حذف الياء أحب إليِّ من إثباتها، لأن القراءة بذلك أكثر، والفواصل تحذف معها الياءات، ويدل عليها الكسرات". وقال محيي السنة: "من أثبت الياء فلأنها لام الفعل، والفعل لا تُحذف منه في الوقف، نحو: هو يقضي، وأنا أقضي". وقال أبو علي: "إن الفواصل والقوافي من مظنة الوقف، والوقف موضع تغيير تُغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان والإشمام والرَّوم، فغير هذه الحروف المشابهة بالزيادة، أولى بالحذف". قوله: (وقيل: معنى ﴿يَسْرِ﴾: يُسرى فيه)، روى محيي السنة أن الأخفش سئل عن العلة
[ ١٦ / ٤٢٠ ]
(هَلْ فِي ذَلِكَ) أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء (قَسَمٌ) أي مقسم به، (لذي حجر) يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل؛ لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلًا ونهية؛ لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهرًا لنفسه ضابطًا لها؛ والمقسم عليه محذوف وهو (ليعذبن) يدل عليه قوله: (أَلَمْ تَرَ) [الفجر: ٦]، إلى قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) [الفجر: ١٣].
[(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ • إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ • الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ • وثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ • وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ • الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ • فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ • فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ • إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ٦ - ١٤]
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد، كما يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدهم،
_________________
(١) في سقوط الياء، قال: الليل لا يَسري، ولكن يُسرى فيه، فهو مصروف؛ فلما صرفه بخسه حظه من الإعراب، كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يقل: بغية؛ لأنه صرف من: باغية". قوله: (أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه)، في ذكر مثله أيضًا تعظيم، لأنه نحو قولك: مثلك يجود، والمعنى: قسم عظيم مُكف ومقنع في القسم، قال الإمام: "دل الاستفهام على التأكيد كمن ذكر حجة بالغة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ والمعنى: من كان ذا لُب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء، فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه".
[ ١٦ / ٤٢١ ]
ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدًا بناه أوله … أدرك عادًا وقبلها إرما
فإرم في قوله: (إرَمَ) عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل: (إرَمَ) بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها، ويدل عليه قراءة ابن الزبير (بعاد إرم) على الإضافة وتقديره: بعاد أهل إرم، كقوله: (واسْأَلِ القَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضًا للتعريف والتأنيث. وقرأ الحسن: (بعاد إرم)، مفتوحتين. وقرئ: (بعاد إرم) بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ: (بورقكم). وقرئ: (بعاد إرم ذات العماد)، بإضافة إرم إلى ذات العماد. والإرم: العلم، يعني: بعاد أهل أعلام ذات العماد. و(ذَاتِ العِمَادِ) اسم المدينة،
_________________
(١) قوله: (مجدًا تليدًا) البيت، "أوله" مبتدأ، و"أدرك" الخبر؛ أي: حاز مجدًا قديمًا. والتالد والتلاد ما ورث الرجل من آبائه، بناه أوله، أي: أبوه أدرك عادًا، أي: أدرك المجد عادًا، أراد قدم مجده. قوله: ("أرم"، بسكون الراء)، الأَرْم: لغة في الأَرَم بمعنى العلم، فمن قرأ بسكون الراء، فهو تخفيف أَرم بكسر الراء، والإيرم أيضًا علم. قوله: (أهل أعلام ذات العماد)، قال الإمام: "قيل: ذات العماد، لأنهم كانوا أهل البناء الرفيع، وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها، ويبنون فوقها القصور، قال تعالى في وصفهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨]، أي: علامةً وبناءً رفيعًا". الراغب: "الإرَم: علم يبني من الحجارة، وجمعه آرام، وقيل للحجارة: أُرَّم، ومنه قيل للمتغيظ: يحرق الأُرَّم. وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إشارة إلى أعلامها المرفوعة المزخرفة،
[ ١٦ / ٤٢٢ ]
وقرئ: (بعاد إرم ذات العماد) أي جعل الله ذات العماد رميمًا بدلًا من فعل ربك؛ وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلًا. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد؛ فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاث مئة سنة، وكان عمره تسع مئة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة؛ ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته؛ فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له؛ ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا) مثل عاد، (فِي البِلادِ) عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربع مئة ذراع،
_________________
(١) وما بها أَرِم وأريم، أي: أحد. وأصله اللازم للازم، وخص به النفي كقولهم: ما بها ديار، وأصله للمقيم في الدار". قوله: (بعاد أرم ذات العماد)، المشهورة: بتنوين "عادٍ"، وفتح الميم في ﴿إِرَمَ﴾، والبواقي: شواذ.
[ ١٦ / ٤٢٣ ]
وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا)، أي: لم يخلق الله مثلها. (جَابُوا الصَّخْرَ) قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتًا، كقوله: (وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا) [الشعراء: ١٤٩] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفًا وسبع مئة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية. (الَّذِينَ طَغَوْا) أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعًا على: هم الذين طغوا، أو مجرورًا على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
_________________
(١) قوله: (ومضاربهم التي كانوا يضربونها)، المغرب: "وضرب الخيمة، وهو المضرب للقُبة؛ بفتح الميم وكسر الراء، ومنه: كانت مضارب رسول الله في الحل ومُصلاه في الحرم". قوله: (ضبَّ عليه السوط وغشاه وقنعه)، نقل الإمام عن القاضي: "شبه عذابه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه". وقال الواحدي: "وأجاد الزجاج في تفسير هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم العذاب". الأساس: "ومن المجاز: قنعت رأسه بالعصا وبالسوط".
[ ١٦ / ٤٢٤ ]
وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطًا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد، مفعال من: رصده، كالميقات من: وقته. وهذا مثل لإرصاده. العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد ﵀ أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إن ربك لبالمرصاد يا فلان، عرض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله دره أي أسد فراس كان بين ثوبيه،
_________________
(١) قوله: (المرصاد: المكان الذي ترقب فيه)، الراغب: "الرصد: الاستعداد للترقب، يقال: رصد له، وترصد وأرصدته له، قال تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] ". قوله: (وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه)، يعني أن قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ استعارة تمثيلية؛ شبه حالة كونه تعالى حفيظًا لأعمال العباد، ومترقبًا لها ومجازيًا عليها على النقير والقطمير، ولا محيد للعباد عن أن لا يكون مصيرهم إلا إليه، بحالة من قعد على طريق السائلة يترصد، ولا غناء لهم عن عبور البهائم، ثم استعمل هنا ما كان مستعملًا هناك. وروى الواحدي عن الكلبي أنه قال: "لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد شيءٌ". قوله: (أي أسد فراس كان بين ثوبيه)، فيه مبالغات ولها مراتب؛ ففي الدرجة الرابعة: هو أسد، على ما تقرر في مراتب التشبيه. ثم فيه أسد على التجريد، كقولك: رأيت فيك أسدًا. ثم أسد بين ثوبيه على الكناية، كما تقول: المجد بين ثوبيه. ثم أي أسد على التفخيم
[ ١٦ / ٤٢٥ ]
يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه.
[(فَأَمَّا الإنسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ • وأَمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) ١٥ - ١٦]
فإن قلت: بم اتصل قوله: (فَأَمَّا الإنسَانُ)؟
قلت: بقوله: (رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعي للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي؛ فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها.
_________________
(١) والتعظيم. ثم وصفه بفراس وفيه مبالغتان: البناء ومعنى التتميم، لأنه كالترشيح للتشبيه. ثم إقحام "كان" للدلالة على أن هذا الوصف لازم، كالخلقي لقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. وعمرو هذا كان معتزليًا، طعن فيه مسلم في "صحيحه"، وقد ذكرنا نبذًا من أخباره في سورة الكهف. قوله: (ويقصع)، "قصعت الرجل قصعًا: صغرته وحقرته، وقصعت هامته إذا ضربتها بُبسط كفك". قوله: (كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة)، الانتصاف: "هذا من فاسد الاعتقاد، ويُغير بأن يقال: لا يطلب ولا يأمر عباده إلا بالطاعة". وقلت: خلاصة الجواب أن الفاء في ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ﴾، رابطة بين الكلامين، ومؤذنة بالبون بين الأمرين المتنافين، وذلك أنه تعالى يطلب من العباد الطاعة والعبادة، وهو بالمرصاد كالمترقب الذي لا يفوته شيء من أعمال عباده، فيحاسبهم على النقير والقطمير ويجازيهم عليها، والإنسان غافل مولع بالتلهي، ومنغمس في أمور العاجلة، إن أصابه نصيب من الدنيا اطمأن إليه، وإن جاوزه حظ منها ضجر وقنط.
[ ١٦ / ٤٢٦ ]
فإن قلت: فكيف توازن قوله، (فَأَمَّا الإنسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ) وقوله: (وأَمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ)، وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما، تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور. أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك؛ وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟
قلت: هما متوازنان من حيث إنّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه؛ وذلك أن قوله: (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في (أما) من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء، فوجب أن يكون (فَيَقُولُ) الثاني خبرًا لمبتدأ واجب تقديره.
فإن قلت: كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟
_________________
(١) قوله: (فكيف توازن قوله ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ﴾)، تقرير السؤال أن "أما" كلمة تفصيل، ولا يجيء إلا متعددًا، ومن شرط مدخولها التوازن بين الفقرتين، والتقابل بينهما؛ فإن كان بعد الأولى اسمًا، فالواجب بعد الثانية الاسم نحو قولك: أما الكافر فكفور، وأما المؤمن فشكور. وإن كان شرطًا فشرطًا نحو قولك: أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك، وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك. وأما الاسم بعد الأولى والشرط بعد الثانية، فلا توازن بينهما كما في الآية. وأجاب أن الموازنة حاصلة، لأن "أما" التفصيلية تقتضي أن يكون مدخولها مبتدأ وخبره مقيد بالفاء. و"إذا" هاهنا ليست بشرط، بل هي ظرف، و﴿فَيَقُولُ﴾ خبر المبتدأ، ودخول الفاء لتضمن "أمّا" معنى الشرط، وعلى هذا قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾، فينبغي أن يقدر مبتدأ وهو ضمير "الإنسان"، وإليه الإشارة بقوله: "فوجب أن يكون ﴿فَيَقُولُ﴾ الثاني خبرًا لمبتدأ واجب تقديره".
[ ١٦ / ٤٢٧ ]
قلت: لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحد، ونحوه قوله تعالى: (ونَبْلُوكُم بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: ٣٥].
فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ونعمه؟
_________________
(١) قوله: (هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه)، يعني: وجه التوافق بين القرينتين أن يقال: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمني. وأما إذا ما ابتلاه ربه فأهانه وقدر عليه رزقه، فيقول: ربي أهانني. فلم ترك مردوف ﴿قُدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾، وهو "فأهانه"؟ وخلاصة الجواب: أن سعة الرزق، إن عُد إكرامًا، لكن تضييقه ليس بإهانة. وقلت: الأمر عند العارفين والمحققين بالعكس، قال الزجاج: "هذا يعني به الكافر، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة حظوظ الدنيا وقلته. وصفة المؤمن أن الإكرام عنده توفيق الله إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة". فإذن: التقدير ما ذكره محيي السنة: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه بالنعمة، فأكرمه بالمال ووسع عليه، فيقول: ربي أكرمني بما أعطاني. وأما إذا ما ابتلاه بالفقر، فقدر عليه رزقه، أي: أعطاه ما يكفيه أو ضيق عليه، فيقول: ربي أذلني بالفقر". ويعضده ما رويناه عن سيد الخلق أنه قال: "عَرض عليَّ ربي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". أخرجه الترمذي عن أبي أمامة. قال حجة الإسلام: "بلغنا أنهم كانوا إذا سُلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا، وقالوا: ما لنا والدنيا؟ وما يراد بنا؟ فكأنهم كانوا على جناح خوف. وإذا سُلك بهم سبيل
[ ١٦ / ٤٢٨ ]
قلت: لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة، وأما التقدير فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينًا له، وغير مكرم ولا مهين؛ وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول: أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد لك.
فإن قلت: فقد قال: (فَأَكْرَمَهُ) فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) وذمه عليه، كما أنكر قوله: (أَهَانَنِ) وذمّه عليه.
قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنه إنما أنكر قوله ربى أكرمن وذمّه عليه؛
_________________
(١) البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا: الآن يتعاهدنا ربنا". ويؤيد هذا التأويل كلمة الردع في قوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. قال محيي السنة: "رد الله على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة. المعنى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال والسعة، لأنه تعالى يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، وإنما يكرم المرء بطاعته، ويهينه بمعصيته" ثم أضرب إلى ذم ما أورثهم غناهم وسعتهم من محبة المال والتمتع بألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة ومنع الحقوق عن المستحقين بقوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، أي: دع ذلك القول وانظر إلى هذا الفعل. الانتصاف: "في تخصيصه البسط أنه إكرام من الله من غير سابقة، بناءً على أصله الفاسد؛ لأن كل نعمة من الله كذلك". قوله: (فيه جوابان)، أما الجواب الأول فتلخيصه: أن انصباب قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ غير انصباب ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ لأن المعنى بقوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾، أن الله أعطاه ما أعطاه على
[ ١٦ / ٤٢٩ ]
لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه ما أعطاه إكرامًا له مستحقًا مستوجبًا على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله: (إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) [القصص: ٧٨]،
_________________
(١) وجه التفضل ابتداءً، من غير أن يستوجبه بالتقوى بناءً على مذهبه. وبقوله "أكرمني"، أن الله أعطاني ما أعطاني لا على وجه التفضل باستحقاق نسبي وحسبي. والثاني أنهما متوافقان، وأن الثاني تقرير للأول، لكن المنكر قوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾. الانتصاف: "في الإضراب بقوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، إشعار بإبطال الجواب الثاني، لأنه ذهب إلى أن قوله "ربي أكرمني" غير مذموم، لأن معنى قوله ﴿لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ الآية، أن للغني المكرن ببسط الرزق حالتين: إحداهما اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق، والثانية، وهي أشد، وهو أن لا يعرف بها الإكرام أصلًا، فيكون جاحدًا لا يؤدي حق الله فيها". قوله: (مستحقًا ومستوجبًا)، بكسر الحاء والجيم، ويروى بفتحهما. قيل: هو إما حال من مفعول "أعطاه"، أو من الضمير في "له" لأنه مفعول "إكرامًا"، وقوله: "على عادة افتخارهم"، بدل من قوله: "على قصد خلاف ما صححه الله تعالى عليه"، أي: قاله على عادة افتخارهم. وقوله: "إنما أعطاه الله" حال من الضمير في "قاله". وقوله: "مما لا يعتد الله" بيان سابقة، أي: أعطاه الله على وجه التفضل من غير أن يسبق منه ما لا يدخل في الاعتداد من الكرامة إلا بذلك وهو التقوى. هذا المعنى مقتبس من قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ولذلك قال: "دون الأنساب والأحساب"، أي: لم يسبق منه تقوى يستحق به المعطى مما أعطاه الله. وأما الأنساب والأحساب فلا مدخل له في الاستحقاق. الانتصاف: "القدرية أيضًا يرون أن التعظيم الأعظم في الآخرة حق مستحق".
[ ١٦ / ٤٣٠ ]
وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة مما لا يعتدّ الله إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. والثاني: أن ينساق الإنكار والذّمّ إلى قوله: (رَبِّي أَهانَنِ)، يعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله (فَأَكْرَمَهُ). وقرئ: (فقدر) بالتخفيف والتشديد. وأكرمن، وأهانن: بسكون النون في الوقف، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة.
[(كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَاكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا) ١٧ - ٢٠]
(كَلَّا) ردع للإنسان عن قوله. ثم قال: بل هناك شرّ من القول «٣». وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ: يكرمون، وما بعده بالياء والتاء
_________________
(١) قوله: (ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾)، يعني: أن الله تعالى أثبت له الإكرام؛ فقوله ﴿أَكْرَمَنِ﴾ تقرير لذلك، فلا يكون منكرًا ولم تثبت له الإهانة، ولم يقل: فأهانه؛ فيكون قوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ منكرًا. قوله: (وقرئ: ﴿فَقَدَرَ﴾، بالتخفيف والتشديد)، ابن عامر: بالتشديد، والباقون: بالتخفيف. قوله: ("يُكرمون" وما بعده بالياء والتاء)، أبو عمرو: بالياء التحتانية فيها، والباقون: بالتاء.
[ ١٦ / ٤٣١ ]
وقرئ: (تحاضون) أي: يحض بعضكم بعضًا: وفي قراءة ابن مسعود: (ولا تحاضون) بضم التاء، من المحاضة. (أَكْلًا لَمًّا) ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة:
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه … فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا
يعنى: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلًا مهلًا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: ﴿تَحَاضُّونَ﴾)، بفتح التاء: الكوفيون، أي: تتحاضون، بحذف إحدى التاءين. والباقون: بغير ألف. قوله: (إذا كان لمًا) البيت، فلا قدس: فلا طهر، والطواحن من الأضراس التي تسمى الأرحاء، تقول إذا كان الأكل اللم، أي: كأكل الأنعام من غير تمييز بين الحلال والحرام: يتبع صاحبه ذم الناس، فلا طهر تلك الأسنان التي تطحن ذلك المأكول. قوله: (من الظلمة)، قيل: أراد بها الميت الظالم، أي: الذي من الظلمة، وفي نسخة: المظلمة. قوله: (مهلًا)، تابع لـ "سهلًا"، نصل حالًا، أي: حال الرفق والسهولة. قوله: (فيسرف)، عطف على قوله: "ظفر"، أي: الذي ظفر بالمال فهو يسرف، كقولك: الذي جاءني فيسرع.
[ ١٦ / ٤٣٢ ]
ويأكله أكلًا واسعًا جامعًا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون. (حُبًّا جَمًّا) كثيرًا شديدًا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
[(كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ)] ٢١ - ٢٦ [
(كَلَّا) ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة؛ ويومئذ بدل من (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ) وعامل النصب فيهما (يتذكر). (دَكًّا دَكًّا) دكًا بعد دك. كقوله: حسبته بابًا بابًا، أي: كرّر عليها الدك حتى عادت هبًاء منبثًا. فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة؟
قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة، ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم،
_________________
(١) ـ قوله: (دكًا بعد دك، كقوله: حسبته بابًا بابًا)، أي: التكرير للاستيعاب، قال ابن الحاجب: "يثبت له حسابه بابًا بابًا، أي مفصلًا. والعرب تكرر الشيء مرتين، فتستوعب تفصيل جميع جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ المكرر، فإذا قلت: بينت له الكتاب بابًا بابًا، فمعناه: بينت له مفصلًا باعتبار أبوابه"، وإليه الإشارة بقوله: "حتى عادت هباءً منبثًا". قوله: (عن بكرة أبيهم)، عن بعضهم: كان لزان عشرة بنين يُغيرون ويصيدون، فخرجوا يومًا فأناخوا في بعض المراعي، فهجم عليهم العدو فقتلهم وجعل رؤوسهم في
[ ١٦ / ٤٣٣ ]
(صَفًّا صَفًّا) ينزل ملائكة كل سماٍء فيصطفون صفًا بعد صف محدقين بالجن والإنس. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) كقوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ)] النازعات: ٣٦ [وروى: أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليًا ﵁، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه؛ ثم قال: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملٍك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردهً لو تركت لأحرقت أهل الجمع.
[(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ) أي: يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ، (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم (يتذكر)، وبين (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) تناٍف وتناقض.
_________________
(١) مخلاة، فحملتها ناقة لزبان تدعى الدُّهيم، فجاءت إلى بيت زبان، فلما رأى المخلاة قال: أصاب بني بيض النعام، فضرب بيده فيها فأخرج رأسًا منها، فقال: آخر البزِّ على القلوص، يعني: لا تُصيبون بزًا آخر، فذهب مثلًا. وقال الناس: جاؤوا على بكرة أبيهم، أي: ناقة أبيهم. الجوهري: "جاؤوا على بَكرة أبيهم: يضرب للجماعة إذا جاؤوا معًا، ولم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بَكرة في الحقيقة". قوله: (بأبي أنت وأمي)، النهاية: "الباء في "بأبي" متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعًا تقديره: أنت مُفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده منصوب، أي: فديتك بأبي وأمي، وحذف هذا المقدر لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به". قوله: (فبين [يوم] ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وبين ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ تنافٍ وتناقض)، لأنه تعالى
[ ١٦ / ٤٣٤ ]
(قَدَّمْتُ لِحَياتِي) هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر لياٍل خلون من رجب؛ وهذا أبين دليٍل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقًا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ بالفتح: (يعذب ويوثق)، وهي قراءة رسول الله ﷺ. وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل: هو أبىّ بن خلف أي: لا يعذب أحد مثل عذابه،
_________________
(١) أثبت له التذكير أولًا، ثم نفاه عنه آخرًا في آنٍ واحد، نحو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]. قال الزجاج ورواه محيي السنة: "يومئذ يظهر الإنسان التوبة، ومن أين له التوبة؟ ". قوله: (وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقًا بقصدهم)، قال الإمام: "هذا التحسرر على فعلهم الذي كان مسندًا إليهم ظاهرًا، وتحقيقه: ليت الله وفقني على فعل الطاعة". قوله: (قرئ بالفتح: "يعذَّب" و"يوثَق")، الكسائي، والباقون: بكسرهما. قوله: (والضمير للإنسان الموصوف)، قال أبو علي: "وضع العذاب موضع التعذيب في هذا القول، كما وضع العطاء موضع الإعطاء في قول القائل: وبعد عطائك المئة
[ ١٦ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فالمصدر الذي هو عذاب مضاف إلى المفعول به. والوثاق أيضًا في موضع الإيثاق". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "العامل في الظرف "يعذب"، وقد جاء ما بعد النفي عاملًا في الظرف في مواضع، والضمير في "عذابه" في قراءة الكسر للإنسان المتقدم ذكره، ولا يحسن أن يكون لله، لأن المعنى: لا يعذب يوم القيامة عذاب الله أحد، فلا يقوى المعنى لما سيق له، وهو تعظيم عذاب الله لهذا الإنسان أكثر من عذاب غيره". وقلت: ويوافقه أيضًا معنى القراءة بالفتح ويساعده النظم؛ فإن المعنى: كل واحد من الزبانية يعذب أهل النار أنواعًا من الأعذبة، لكن لا يعذب أحد منهم أحدًا عذابًا مثل عذاب هذا الإنسان، الذي طغى وتكبر وتجبر، وقابل إكرام الله إياه وإفضاله بالكفران، ومنع من إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين، بل أكل نصيبه ونصيب الأيتام من الميراث أكلًا لمًا كالأنعام، وأحب المال حبًا جمًا شديدًا مع الشره والحرص، فكما جمع بين هذه الرذائل، يُجمع له بين ما لا نهاية له من التنكيل. ويمكن أن يقال: إن المراد بالإنسان أُمية بن خلف وذووه لما قال، وقيل: هو أمية بن خلف، وكما قال: إن قوله ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ﴾، متصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وتحريره أنه تعالى لما بين ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون، حيث صب عليهم سوط عذاب، أتبعه قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ تخلصًا. أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو ترصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، وامتنعوا مما جاء به من المر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، والنهي عن سَفسافها ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذابًا فوق كل عذاب، وإليه لمح بقوله: "لتناهيه في كفره وعناده".
[ ١٦ / ٤٣٦ ]
ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه؛ لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)] الإسراء: ١٥ [. وقرئ: بالكسر، والضمير لله تعالى؛ أي: لا يتولى عذاب الله أحد؛ لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم، أو للإنسان؛ أي: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
[(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي)] ٢٧ - ٣٠ [.
(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) على إرادة القول، أي: يقول الله للمؤمن: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) إمّا أن يكلمه إكرامًا له كما كلم موسى صلوات الله عليه، أو على لسان ملك. و(الْمُطْمَئِنَّةُ) الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأوّل، قراءة أبىّ بن كعب: (يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة).
_________________
(١) قوله: (ثلج اليقين)، الأساس: "ومن المجاز: ثُلج فؤاده وثَلجت فؤاده بالخير، والحمد لله على بلج الحق وثلج اليقين". يريد: أن في قلق الشك واضطراب القلق سُخونة، وفي ضده برودة. قوله: (ويشهد للتفسير الأول قراءة أُبي بن كعب)، وقلت: النظم أيضًا يساعد عليه، لأن في قوله ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، إشعارًا بأن النفس الأمارة بالسوء، تصير حينئذ لوامة، لقوله: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، قال: وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل فحكمه أن لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، وحكم النفس المطمئنة حينئذ
[ ١٦ / ٤٣٧ ]
فإن قلت: متى يقال لها ذلك؟ قلت: إمّا عند الموت، وإمّا عند البعث، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى: ارجعي إلى موعد ربك (راضِيَةً) بما أوتيت، (مَرْضِيَّةً) عند الله، (فَادْخُلِي فِي عِبادِي) في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم، (وَادْخُلِي جَنَّتِي) معهم، وقيل: النفس الروح. ومعناه: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس: (فادخلي في عبدي). وقرأ ابن مسعود: (في جسد عبدي). وقرأ أبى: (ائتي ربك راضيةً مرضيةً، ادخلي في عبدي) وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب
_________________
(١) أن يقال لها: ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. والذي عليه ظاهر كلام الإمام إيثار المعنى الثاني لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، لأن النفس الزكية إذا أخذت في الترقي في سلسلة الأسباب والمسببات، لا تقف إلا عند مقطع الحاجات، ولا تطمئن إلا إليه. قال ابن عطاء: "النفس المطمئنة هي العارفة بالله الذي لا تصبر عن الله طرفة عين"، وقال القاسم: "يا أيها الروح المتصلة بالحق، اطمأننت ورضيت بما قُضي لك وعليك، ارجعي إلى الذي زينك بهذه الزينة العظيمة، حتى يُصلحك للرجوع منه إليه". قوله: (﴿فَادْخُلِي [فِي عِبَادِي]﴾ في جملة عبادي الصالحين)، قال الإمام: "هذه حالة شريفة، لأن الأرواح القدسية تكون كالمرايا المصقولة، فإذا انضم بعضها إلى بعض تنعكس الأشعة، فيظهر في كل منها ما لكلها، فتكون سببًا لتكامل السعادات وتعاظم الدرجات، وذلك هو السعادة الروحانية". وقلت: ومن ثم جيء على وجه التتميم بالسعادة الجسمانية، وقيل: وادخلي جنتي.
[ ١٦ / ٤٣٨ ]
وقيل: في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها، فلم يستطع أحد أن يحوّله، والظاهر العموم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "الفجر" في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام، كانت له نورًا يوم القيامة».
_________________
(١) ـ قوله: (في خُبيب بن عدي)، في "جامع الأصول": "هو أنصاري أوسي شهد بدرًا، وأُسر في غزوة الرجيع، فانطلقوا إلى مكة فاشتراه بنو الحارث بن نوفل، وكان قد قتل الحارث يوم بدر كافرًا، فأقام عندهم أسيرًا، ثم صلبوه في التنعيم". وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة حديثًا طويلًا فيه. تمت السورة بعون الله وبحمده * … * … *
[ ١٦ / ٤٣٩ ]