مكية، سبعون وسبع آيات
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ١ - ٢].
البركة: كثرة الخير وزيادته. ومنها: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وفيه معنيان:
_________________
(١) ـ سورة الفرقان مكيةٌ، وهي سبعون وسبع آياتٍ بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (البركة: كثرة الخير وزيادته)، الجوهري: البركة: النماء والزيادة، وتبارك الله، أي: بارك، مثل قاتل، وتقاتل، إلا أن "فاعل" يتعدى، و"تفاعل" لا يتعدى. الراغب: أصل البركة: صدر البعير، وبرك البعير: ألقى بركة، واعتبر منه معنى اللزوم، وبراكاء الحرب وبروكاؤهما: للمكان الذي يلزمه الأبطال، وابتركت الدابة: وقفت وقوفًا كالبروك، وسمي محبس الماء بركةً. والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، سمي بذلك
[ ١١ / ١٦٦ ]
تزايد خيره، وتكاثر. أو: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله. والفرقان: مصدر فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما وسمي به القرآن، لفصله بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملةً واحدة، ولكن مفروقًا، مفصولًا بين بعضه وبعضٍ في الإنزال. ألا ترى إلى قومه: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]؟ وقد جاء الفرق بمعناه، قال:
ومشركيٍّ كافرٍ بالفرق
_________________
(١) ـ لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك: ما فيه ذلك الخير، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠] تنبيهًا على ما يفيض منه في الخيرات الإلهية. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجهٍ لا يحصى ولا ينحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسةٍ: هو مبارك، وفيه بركة. ولنسبة هذه الصفة إلى جنابة الأقداس، وهل كانت من الصفات الإضافية والذاتية، قال: "تزايد خيره وتكاثر، أو: تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله". وعلى المعنى الأول يقال: تبارك الذي نزل هذا القرآن الكريم. الفرقان: الفارق بين الحلال والحرام، الذي عمت منافعه، وعمت عوائده، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠] وعلى الثاني يقال: تعاظم في ذاته، وتبارك في صفاته الذي نزل هذا القرآن العظيم الفرقان بين الحق والباطل، الذي بذت فصاحته نطق كل ناطق، وشقت بلاغته غبار كل سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. وقال القاضي: البركة تتضمن معنى الزيادة، وترتيبه على إنزال القرآن لما فيه من كثرة الخير، أو لدلالته على تعاليه. قوله: (ومشركي كافرٍ بالفرق)، الفرق بضم الفاء: بمعنى الفرقان، كالخُسْرِ بمعنى
[ ١١ / ١٦٧ ]
وعن ابن الزبير: (على عباده)، وهم: رسول الله - ﷺ - وأمته، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]. والضمير في ﴿لِيَكُونَ﴾ لـ ﴿عَبْدِهِ﴾ أو لـ ﴿الْفُرْقَانَ﴾. وتعضد رجوعه إلى "الفرقان" قراءة ابن الزبير. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: للجن والإنس ﴿نَذِيرًا﴾: منذرًا، أي: مخوفًا. أو: إنذارًا،
_________________
(١) ـ الخسران، والياء في "مشركي": للنسبة، زيدت للمبالغة، كأحمري في أحمر، وقال: في ياء النسب زيادة قوةٍ في الفعل، كالخصوصية في الخصوص. قوله: (وعن ابن الزبير: على عباده)، قال ابن جني: وجهه أن الإنزال وإن كان على رسول الله - ﷺ -، ولكن لما كان موصلًا له إلى العباد ومخاطبًا به لهم، صار كأنه منزلٌ عليهم، ولذلك كثر فيه خطاب العباد بالأمر والنهي لهم، والترغيب والترهيب المصروف إليهم. قوله: (وتعضد رجوعه إلى "الفرقان" قراءة ابن الزبير)، يعني: "نزل الفرقان على عباده"، لأن الضمير المفرد لا يصح عوده إلى الجمع، ولابد له من الرجوع إليه، فتعين أن يكون فرقانًا، ويعضد رجوعه إلى العبد قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٥ - ٦]. وقلت: وفي اختصاص النذير دون البشير سلوك طريق براعة الاستهلال، والإيذان بأن هذه السورة مشتملةٌ على ذكر المعاندين المتخذين لله ولدًا وشريكًا، الطاعنين في كتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا المعنى يؤيد تأويل ﴿تَبَارَكَ﴾ بقوله: "تزايد عن كل شيءٍ وتعالى عنه"- لإفادته صفة الجلال والهيبة- وإيذانه بتعاليه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ولذلك جعل قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ توطئة وتمهيدًا لقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ وأردفه بقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لما مر مرارًا أن كونه بديع السموات والأرض، ومفطرهما، ومالكهما، منافٍ لاتخاذ الولد والشريك، قال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية [الأنعام ١٠١].
[ ١١ / ١٦٨ ]
كالنكير بمعنى الإنكار، ومنه قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]. ﴿الَّذِي لَهُ﴾ رفعٌ على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾، أو رفع على المدح، أو نصبٌ عليه. فإن قلت: كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل منه؟ قلت: ما فصل بينهما بشيء، لأن المبدل منه صلته ﴿نَزَّلَ﴾، و﴿لِيَكُونَ﴾ تعليلٌ له، فكأن المبدل منه لم يتم إلا به. فإن قلت: في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾؟ كأنه: وقدر كل
_________________
(١) ـ قوله: (﴿الَّذِي لَهُ﴾ رفعٌ على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾)، وهذا أوجه من أن يكون نصبًا أو رفعًا على المدح، لأن من حق صلة الموصول أن تكون معلومةً عند المخاطب، وكونه تعالى نزل الفرقان على عبده للإنذار لم يكن معلومًا عند المعاندين، فأبدل بقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بيانًا وتفسيرًا، وليس كذلك المدح. وقال القاضي: الجملة وإن لم تكن معلومةً، لكنها- لقوة دليلها- أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلةً. قوله: (في الخلق معنى التقدير)، الراغب: الخلق أصله: التقدير المستقيم، ويستعمل في: إبداع الشيء من غير أصلٍ واحتذاء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ويستعمل في: إيجاد الشيء من الشيء، نحو: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]، وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا لله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وأما الذي يكون بالاستحالة فقد جعله الله لغيره في بعض الأحوال، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، وأما قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فيوهم أنه يصح أنه يوصف غيره بالخلق، ومعناه: أحسن المقدرين. الأساس: خلق الخراز الأديم، والخياط الثوب: قدره قبل القطع، وقدر الشيء بالشيء: قاسه وجعله على مقداره. ومن المجاز: خلق الله الخلق: أوجده على تقديرٍ أوجبته الحكمة.
[ ١١ / ١٦٩ ]
شيء فقدره! قلت: المعنى: أنه أحدث كل شيء إحداثًا مراعًى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله: أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوانٍ وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدابير، فقدره لأمر ما ومصلحةٍ لما قدر له غير متجافٍ عنه. أو: سمي إحداث الله خلقًا، لأنه لا يحدث شيئًا لحكمته إلا على وجه التقدير من غير تفاوت، فإذا قيل: خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظرٍ إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاد لم يوجده متفاوتًا. وقيل: فجعل له غايةً ومنتهًى. ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمدٍ معلوم.
_________________
(١) ـ والجواب الأول مبنيٌ على أن الخلق على الحقيقة، فالواجب أن يفسر قوله: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ بما يخالفه، وهو: ما قاله وهيأه لما يصلح له، وهو قول الزجاج: خلق الله الحيوان وقدر له ما يصلحه ويقيمه. والثاني مفرعٌ على المجاز، وذلك أن إحداث الله تعالى الشيء لما لم يكن إلا على وجه التقدير، لأنه حكيمٌ، سمي مطلق إحداثه بالخلق لما فيه معنى التقدير. والفرق بين الوجهين: أن التقدير والتسوية على الأول مقصودٌ بذكر الخلق، وعلى الثاني غير مقصود، لكن لازمٌ له، ولذلك قال أولًا: مراعًى فيه التقدير، فالفاء على الأول: للتعقيب مع الترتيب، وعلى الثاني: للتعقيب مطلقًا، نحو قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، فإن الفاء: للتعقيب. المعنى: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم من قبل أن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم فيكون المعنى: فتوبوا فأتبعوا التوبة القتل تتمةً لتوبتكم.
[ ١١ / ١٧٠ ]
[﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ ٣].
الخلق بمعنى الافتعال، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، والمعنى: أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة آلهة لا عجز أبين من عجزهم، لا يقدرون على شيءٍ من أفعال الله ولا من أفعال العباد، حيث لا يفتعلون، لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحت والتصوير، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ أي: لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضررٍ عنها أو جلب
_________________
(١) ـ قوله: (كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، قال فيه: "واختلاقهم الإفك: تسميتهم الأوثان آلهةً وشركاء لله ﷿، أو سمى الأصنام: إفكًا، وعملهم لها، ونحتهم: خلقًا للإفك"، يعني: مقام إنكار اتخاذ الأنداد من دون الله يقتضي تحقير شأن الأصنام، وهذا المعنى أدخل من الظاهر فيما قصد منه كما قصده الخليل ﵇ في الآية المستشهد بها، ولما فسرت القرينة الثانية بذلك فسرت الأولى بما يشاكلها، وفيه إثبات الخالقية للعبد، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ولو أجراهما على الظاهر كان أبعد من التعسف، واتفقت القرائن إلى آخر الآية في النفي عنها ما هو ثابتٌ للمعبود بالحق لأن المعبود ينبغي أن يكون خالقًا ومدبرًا ومثيبًا ومعاقبًا، ويدل على أن النفع والضر ليس إلا إلى الله قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، ولا يقتضي هذا المقام من المبالغة ما يقتضيه ذلك، وإن شئت فجرب التأكيدات فيه من: "إنما" و"إن" والتكرير وغيرها، فهذا مقام الشكاية، وذلك مقام التوبيخ والتقريع.
[ ١١ / ١٧١ ]
نفع إليها وهم يستطيعون، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع الضرر وجلب النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلا الله أعجز.
[﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٤].
﴿قَوْمٌ آَخَرُونَ﴾ قيل: هم اليهود. وقيل: عداسٌ مولى حويطب بن عبد العزى، ويسارٌ مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي. قال ذلك النضرب بن الحارث بن عبد الدار. "جاء" و"أتى" يستعملان في معنى فعل، فيعديان تعديته، وقد يكون على معنى: وردوا ظلمًا، كما تقول: جئت المكان. ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل. وظلمهم: أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلامًا عربيًا بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور: أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه.
[﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم وأسفندياذ، جمع: إسطارٍ أو أسطورة، كأحدوثة، ﴿اكْتَتَبَهَا﴾: كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: استكب الماء واصطبه: إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه. وقرئ: (اكتتبها) على البناء للمفعول، والمعنى: اكتتبها كاتبٌ له، لأنه كان أميًا لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه، ثم حذفت اللام، فأفضى الفعل إلى الضمير، فصار اكتتبها إياه كاتبٌ، كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]،
_________________
(١) ـ قوله: (وقد يكون على معنى: وردوا)، أي: استعمل "جاء" بمعنى "ورد" قليلًا، ومنه: جئت المكان، أي: وردته. واختير ذلك لبلاغته ووجازته، إذ لو قيل: فقد ظلموا في ذلك وقالا قولًا زورًا، لأطال وفاتت الاستعارة، وقوله: "ويجوز أن يحذف الجار"، مشعرٌ بأن الوجه الأول مبنيٌ على التضمين، والثاني على المجاز.
[ ١١ / ١٧٢ ]
ثم بني الفعل للضمير الذي هو "إياه"، فانقلب مرفوعًا مستترًا بعد أن كان بارزًا منصوبًا، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار (اكتتبها) كما ترى. فإن قلت: كيف قيل: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ وإنما يقال: أمليت عليه فهو يكتتبها؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أراد اكتتابها، أو طلبه فهي تملى عليه. أو كتبت له وهو أميٌ فهي
_________________
(١) ـ قوله: (ثم بني الفعل للضمير الذي هو "إياه"، فانقلب مرفوعًا مستترًا)، قال صاحب "الفرائد": لقائلٍ أن يقول: إن كان قوله: "له" مفعولًا بحرف، وجب أن لا يجوز بناء الفعل له مع المفعول به المتعدى إليه بغير حرف، وإن كان مفعولًا له، وهو الوجه، لأن المعنى اكتتبها كاتبٌ له، أي: لأجله، وجب أن لا يبني له. أما الأول فلأنه قال في "المفصل": "للمفعول به المتعدى إليه بغير حرفٍ من الفضل على سائر ما لا يبنى له"، إلى آخر الفصل. وأما الثاني فلأنه قال فيه: "المفاعيل سواءٌ في صحة البناء له إلا المفعول الثاني من باب "علمت"، والثالث من باب "أعلمت"، والمفعول معه والمفعول له". وقلت: يمكن أن يقال: إنه مفعولٌ بحرف، ولما حذف الجار أوصل الفعل، وأقيم مقام الفاعل على القلب للمبالغة، ونحوه سبق في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور: ٣٦] في إقامة ﴿لَهُ﴾ مقام الفاعل. قال ابن جني: "اكتتبها": قراءة طلحة بن مصرف، وإنما هو: استكتبها، وهو على القلب، أي: استكتب له، ومثله قراءة من قرأ ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] أي: قدرت لهم، والقلب بابٌ وشواهد كثيرةٌ. وأما قراءة العامة ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ فمعناه: استكتبها، ولا يكون معناه: كتبها بيده، لأنه - ﷺ - كان أميًا لا يكتب، وليس ممتنعًا أن يكون ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ بمعنى: كتبها، لأنه على رأيه وأمره، كقولنا: ضرب الأمير اللص.
[ ١١ / ١٧٣ ]
تملى عليه، أي: تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب. وعن الحسن: أنه قول الله سبحانه يكذبهم. وإنما يستقيم أن لو
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن أنه قول اله)، أي: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ قول الله ﷿ يكذبهم في نسبتهم الاكتتاب إلى رسول الله - ﷺ - بإملاء أهل الكتاب، لا قول المشركين، وأورد المصنف: "وإنما يستقيم ذلك أن لو فتحت الهمزة" في ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ لكنها مكسورةٌ دالةٌ على أنها همزة "افتعل" ولو كانت الاستفهام لكانت مفتوحةً، وهمزة الاستفهام إنما تحذف إذا دل عليها الدليل، نحو قوله: بسبع رمين الجمر أم بثمان ووجه تصحيح قول الحسن أن تجعل الآية على أسلوب قول جرير: أفرح أن أرزأ الكرام لأنه إخبارٌ في معنى التوبيخ والتقرير، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، قال المصنف: إنه على الإخبار، أي: فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخًا لهم وتقريعًا. وقرئ "ءآمنتم"، بحرف الاستفهام، ومعناه الإنكار والاستبعاد. أما إفادة الخبر معنى التوبيخ والتقريع، فلأن الأصل في الإخبار الساذج خلو ذهن المخاطب عن فائدة الخبر، وإذا ألقي إليه الجملة وهو عالمٌ بفائدتها تولد بحسب قرائن الأحوال ما ناسب المقام، فالله ﷾ ما حكى كلامهم لإعلام المخاطبين فائدته، بل للتوبيخ والتقريع، فإنهم لما قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الله تعالى حاكيًا معنى
[ ١١ / ١٧٤ ]
فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار. ووجهه أن يكون نحو قوله:
أفرح أن أرزأ الكرام
وحق الحسن أن يقف على ﴿الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: دائمًا، أو
_________________
(١) ـ كلامهم على سبيل المبالغة توبيخًا وتقريعًا: نعم صدقتم، هو أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه دائمًا، كلما إذا سمعت بمن وقع فيك. أنا ذلك الفاعل الصانع، ولست تريد إعلامه بذلك، بل نقلت كلامه للتقريع والتوبيخ. أما قول جريرٍ: أفرح أن أرزأ الكرام وأن … أورث ذودًا شصائصًا نبلا فلفظه إخبارٌ، ومعناه الإنكار، لانطوائه تحت حكم قول من قال له: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله؟ والذي لأجله طرح همزة الإنكار إرادة أن يصور قبح ما رزئ به، فكأنه قال: نعم مثلي يفرح برزيئة الكرام، وبأن يستبدل منهم ذودًا يقل طائله. وهو من التسليم الذي تحته كل الإنكار. الشصوص: الناقة القليلة اللبن. والنبل: الصغار، والنبل الكبار، وهو من الأضداد. ويقال: النبل: جمع نبيل، ككريم وكرم. والنبلة: العطية، وبعضهم ينشد بالضم على هذا المعنى. والذوذ من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثةٌ لا واحد لها من لفظها. قوله: (وحق الحسن أن يقف على ﴿الْأَوَّلِينَ﴾، لاختلاف القائلين، أو لأن لتقدير الاستفهام فيه مجالًا، كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، و﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال صاحب "الكواشي": على المشهور لا وقف، لأن ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ حالٌ، أي: أساطير مكتتبةً.
[ ١١ / ١٧٥ ]
في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم.
[﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٦].
أي: يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله - ﷺ -، وبراءته مما تبهتونه به، وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه. فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هذا المعنى؟ قلت: لما كان ما تقدمه في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر على العقوبة،
_________________
(١) ـ قوله: (بما يدل على القدرة عليه، لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادرة على العقوبة)، يعني: لا يقال: رحم فلانٌ، أو غفر فلانٌ، إلا لمن له القدرة على العقوبة والانتقام، لا للعاجز الضعيف، وأ نشد لابن هانئ: فعفوت عني عفو مقتدرٍ … حلت له نقمٌ فألغاها فدل قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ على القدرة التامة الكاملة بالكناية، وأنت تعلم أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة ولا تستدعيها أيضًا. وهاهنا قامت القرينة على إرادة مجرد الاقتدار العظيم. نعم، في إيثارهما تعييرٌ لهم، ونعيٌ على فعلهم، يعني: إنكم فيما أنتم فيه بحيث يتصدى لعذابكم من صفته الغفران والرحمة. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ذكر المغفرة والرحمة بعد ذلك المعنى لأجل أن يعرفوا أن هذه الذنوب العظيمة المتجاوزة عن الحد مفقودةٌ إن تابوا، وأن رحمته واصلةٌ إليهم بعدها، وأن لا ييأسوا من رحمته بما فرط منهم مع إصرارهم عليه من المعاداة والمخاصمة الشديدة.
[ ١١ / ١٧٦ ]
أو هو تنبيهٌ على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفورٌ رحيم يمهل ولا يعاجل.
[﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ٧ - ٨].
_________________
(١) ـ قوله: (أو هو تنبيهٌ على أنهم استوجبوا)، هذا الوجه أوفق لتأليف النظم، وذلك أن قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ جوابٌ عن قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾، وقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ على الأسلوب الحكيم، أي: قل يا محمد: ليس هذا من افترائي ولا هو مملى علي، بل منزلٌ من عند من يعلم السر في السموات والأرض، وما في دخلكم من الدغل والدهاء والمكر، لأنكم تعلمون علمًا يقينًا أن هذا ليس من قبيل الافتراء، ولا هو من الأساطير، لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته، وأنه تضمن أخبارًا عن المغيبات، وأسرارًا مكتوبةً لا يعلمها إلا الله ﷿، لكن غرضكم الصد عن سبيل الله، ومجرد العناد، ويؤيد يذلك قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ وإقحامه بين كلامهم، فسبحانه ما أرحمه وما أجله، حيث أمهلكم ولم يعاجلكم بالاستئصال لهذه العظيمة! فإذنه في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ معنى التعجب كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. وقال القاضي: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يصب عليكم صبًا. وقلت: انظر أيها المتأمل في هذا الجواب الصادع، والنور الساطع، والنظم الفائق، فسبح الله تعالى عنده.
[ ١١ / ١٧٧ ]
وقعت اللام في المصحف مفصولةً عن ﴿هَذَا﴾ خارجةً عن أوضاع الخط العربي، وخط المصحف سنة لا تغير، وفي هذا استهانةٌ وتصغير لشأنه، وتسميته بالرسول سخريةٌ منهم وطنزٌ، كأنهم قالوا: ما لهذا الزاعم أنه رسولٌ! ونحوه قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، أي: إن صح أنه رسول الله فما بله حاله مثل حالنا ﴿يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل، ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد؟ ! يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكًا مستغنيًا عن الأكل والتعيش. ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكًا إلى اقتراح أن يكون إنسانًا معه ملك، حتى
_________________
(١) ـ قوله: (وقعت اللام في المصحف مفصولةً عن ﴿هَذَا﴾ خارجةً عن أوضاع الخط العربي)، قال شارح "الرائية": كتب ﴿مَالِ هَذَا﴾ في موضعين: في الكهف: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي الفرقان: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾. أما ﴿مَالِ الَّذِينَ﴾ فهون في المعارج لا غير في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المعارج: ٣٦]، وكذلك: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ٧٨] حرفٌ واحدٌ في النساء، جميع ذلك كتب مفصولًا من اللام، وهي لام الجر تنبيهًا على الأصل، وعلى أنه زائدٌ ليس من الكلمة، وجعل متصلًا بما ومنفصلًا مما دخل عليه، لأن ما قد اتصل بها غيرها. وقال غيره: والأصل في ذلك أن تكتب موصولةً بما بعدها، لأنها لام الإضافة، ولا يظهر معناها إلا بما بعدها، وإنما كتبت في هذه الأحرف مقطوعةً لكثرة استعمال اللام مع "ما" التي للاستفهام، كقولهم: ما له وما لك؟ بمعنى: ما حالك وما شأنك؟ فتوهموا أن اللام من "ما" فوصولها بها، وقطعوها عما بعدها، كما قطعوا الشأن والحال عما بعدها.
[ ١١ / ١٧٨ ]
يتساندا في الإنذار والتخويف. ثم نزلوا- أيضًا- فقالوا: وإن لم يكن مرفودًا بملكٍ فليكن مرفودًا بملكٍ فليكن مرفودًا بكنزٍ يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلًا له بستانٌ يأكل منه ويرتزق كما الدهاقين والمياسير. أو: يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ومعاشهم. وأراد بالظالمين: إياهم بأعيانهم، وضع الظاهر موضع المضمر، ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا. وقرئ: (فيكون) بالرفع، (أو يكون له جنة) بالياء، و(نأكل)، بالنون. فإن قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (مرفودًا)، الجوهري: الرفد: العطاء والصلة، والرفد بالفتح: المصدر، تقول: رفدته أرفده رافدًا: أعطيته، وكذلك: إذا أعنته. قوله: (كما الدهاقين)، "ما" هذه كافةُ ومهيئةٌ لدخول الكاف على الجملة، أي: كما الدهاقين كذلك. قوله: (أو: يأكلون عم من ذلك)، عطفٌ على قوله: "يأكل منه"، أي: تكون له جنةٌ ينتفع هو بها بأن يأكل بعض أثمارها، ويبيع بعضها ويرتزق منها، كما تفعل الدهاقين ببساتينهم التي أرزاقهم منحصرةٌ فيها، أو: هم ينتفعون من الجنة بالأكل وبسائر معايشهم. والحاصل أنه استعمل الأكل في المنافع لأنه الغرض الأعظم منها، والوجهان مبنيان على القراءتين بالياء والنون في يأكل. قوله: (وقرئ: "فيكون" بالرفع، "أو يكون له جنةٌ" بالياء)، وهما شاذتان، و"نأكل" بالنون: قراءة حمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قال صاحب "الكشف": والقراءة في ﴿أَوْ تَكُونَ﴾ بالتاء الفوقاني، وقرئ بالياء خارج السبعة اعتدادًا بالفصل، كما جاء في
[ ١١ / ١٧٩ ]
ما وجها الرفع والنصب في (فيكون)؟ قلت: النصب، لأنه جواب ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى "هلا"، وحكمه حكم الاستفهام، والرفع على أنه معطوفٌ على ﴿أُنْزِلَ﴾، ومحله الرفع،
_________________
(١) ـ سورة الأنعام والقصص في قراءة الزيات وعلي، فقرآ "من يكون" بالياء، والتحتاني، وغيرهما لم يعتد بالفصل فأنثوا لتأنيث "الجنة"، وكأنهم أرادوا التوفيق والطاعة والمطابقة. قوله: (ومحله الرفع)، أي: محل ﴿أُنْزِلَ﴾، لأنه لو وقع موقعه المضارع لكان مرفوعًا، لأنك إنك تقول ابتداءً: لولا يقول، بالرفع، وقد عطف عليه ﴿يُلْقَى﴾ و﴿تَكُونُ﴾ والحال أنهما مرفوعان، والعطف يمنع أن يكونا منصوبين، لكونهما في حكم المعطوف عليه، وهو مرفوعٌ لا غير. قال أبو البقاء: ﴿أَوْ يُلْقَى﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ﴾: معطوفٌ على ﴿أُنْزِلَ﴾، لأن ﴿أُنْزِلَ﴾ بمعنى: ينزل، أو: ﴿يُلْقَى﴾ بمعنى: ألقي. وقال صاحب "الكشف": ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ كلاهما بالرفع لا غير، داخلٌ في التخصيص وليس بجوابٍ له. وقلت: الوجه في قراءة "فيكون" بالرفع أن يجعل من تتمة ﴿أُنْزِلَ﴾ مرتبًا عليه غير مستقل استقلال "ألقي" و"ويكون"، ليكون مطابقًا لقراءة النصب، وعليه المعنى، ألا ترى كيف قدر: "ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكًا إلى اقتراح أن يكون إنسانًا معه ملكٌ حتى يتساندا في الإنذار" إلى آخره؟
[ ١١ / ١٨٠ ]
ألا تراك تقول: لولا ينزل، بالرفع؟ وقد عطف عليه ﴿يُلْقَى﴾، و﴿تَكُونُ﴾ مرفوعين، ولا يجوز النصب فيهما، لأنهما في حكم الواقع بعد ﴿لَوْلَا﴾، ولا يكون إلا مرفوعًا. والقائلون: هم كفار قريش: النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد، ومن ضامهم. ﴿مَسْحُورًا﴾: سحر فغلب على عقله. أو: ذا سحر، وهو الرئة، عنوا أنه بشرٌ لا ملك.
[﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ٩].
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من: نبوةٍ مشتركةٍ بين إنسان وملك، وإلقاء كنزٍ عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالًا، لا يجدون قولًا يستقرون عليه. أو: فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقًا إليه.
_________________
(١) ـ قوله: (وهي الرئة)، الجوهري: الرئة: السحر، مهموزٌ، ويجمع على: رئين، والهاء عوضٌ من الياء، تقول منه: رأيته، أي: أصبت رئته. الأساس: كل ذي سحرٍ يتنفس وهو الرئة. ومن المجاز: سحره، وهو مسحورٌ، وإنما سمي السحر استعارةً، لأنه وقت إدبار الليل وإقبال النهار فهو متنفس. قوله: (أو: فضلوا عن الحق)، عطفٌ على قوله: "فبقوا متحيرين"، وعلى الأول متعلقٌ ﴿ضَلُّوا﴾ غير منوي، و﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ هو نفس الضلال، لأن كل من كان متحيرًا لا يثبت على شيء، على الثاني: متعلق ﴿ضَلُّوا﴾ مقدرٌ، وهو: عن الحق، والفاء في الوجه الأول كالفاء في ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على وجه. ومن ثم لم يأت المصنف في التقدير بالفاء. وفي الثاني: للتثبيت، ولهذا صرح بها.
[ ١١ / ١٨١ ]
[(تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا)].
تكاثر خير (الَّذِي إِنْ شَاءَ) وهب لك في الدنيا (خَيْرًا) مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. وقرئ: (ويجعلُ) بالرفع عطفا على (جَعَلَ)؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيا، جاز في جزائه الجزم والرفع، كقوله:
_________________
(١) ـ قوله: (وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة)، قال السجاوندي: ولو عجل لارتفع الاختيار ولم يتبين فضل من تابع مع الفقر بحسن الاختيار. نزل مع الآية رضوان بمفاتيح الخزائن، فنظر صلوات الله وسلامه عليه إلى جبريل ﵇ كالمسترشد، أي: انظر ماذا يعرض علي، فظن جبريل أنها استشارةٌ، فأومى إلى الأرض، أي: تواضع، فقال - ﷺ -: "أجوع يومين وأشبع يومًا". وقلت: روينا في "المصابيح": قال رسول الله - ﷺ -: "عرض علي ربي ليجعل بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". أخرجه الترمذي عن أبي أمامة، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "ويجعل" بالرفع)، ابن كثيرٍ وابن عامرٍ وأبو بكر، والباقون: بالجزم.
[ ١١ / ١٨٢ ]
وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول: لا غائب مالي ولا حرم
ويجوز في (ويَجْعَل لَّكَ) إذا أدغمت: أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع جميعا. وقرئ بالنصب، على أنه جواب الشرط بالواو.
[(بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا* إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا* لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ)، خليلٌ: مشتقٌ من الخلة، وهي الحاجة والفقر. والحرم: الحرمان. قال أبو عبيدٍ: يقال: مالٌ حرمٌ: إذا كان لا يعطى منه. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ارتفاع ﴿يَجْعَل﴾ على أنه جملةٌ معطوفةٌ على الجملة الشرطية، أي: يزيد على ما قالوا. وهذا قول الزجاج، قال: ومن رفع فعلى الاستئناف، والمعنى: سيجعل لك قصورًا، أي: سيعطيك الله أكثر مما قالوا. قوله: (وقرئ بالنصب على أنه جواب الشرط بالواو)، قال ابن جني: قرأ عبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان: "ويجعل لك" بالنصب على أنه جواب الجزاء بالواو، كقولنا: إن تأتني آتك وأحسن إليك، وجازت إجابته بالنصب لما لم يكن واجبًا إلا بوقوع الشرط من قبله، وليس قويًا مع ذلك، ألا تراه أنه بمعنى قولك: أفعل كذا إن شاء الله؟ تم كلامه. وقيل: هذا ضعيفٌ عند سيبويه، والذي جوزه شبه الجزاء بأحد الأشياء الستة في أنه معلقٌ بالشرط، وكأنه غير موجبٍ فيكون الشرط من الأشياء الستة التي تجاب بالفاء. وقيل: إنما نصب في جواب الشرط والجزاء لأنهما ليسا بواقعين حال المشارطة، فكانا كالتمني.
[ ١١ / ١٨٣ ]
(بَلْ كَذَّبُوا) عطف على ما حكى عنهم، يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة. ويجوز أن يتصل بما يليه، كأنه قال: بل كذبوا بالساعة، فكيف
_________________
(١) ـ قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾: عطفٌ على ما حكى عنهم)، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، يدل عليه قوله: ﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قالوا فيك تلك الأقوال، إلى آخره، يعني: كذبوك، وأنكروا نبوتك فيما قالوا: مال هذا الرسول، وكذا وكذا، بل أتوا بما هو أبلغ من ذلك، وهو تكذيبهم إياي بإنكار مجيء الساعة. روينا عن البخاري، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، قال: "قال اله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك"، إلى قوله: "فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان". وعلى هذا: قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدٌ لمعنى مضمون الكلام، ومسلاةٌ لقلبه صلوات الله عليه، يعني: لا تحتفل بما قالوه: لأن كل ذلك اقتراحاتٌ وعنادٌ وضلالٌ وحيرة، ألا ترى كيف تمادى تكذيبهم إلى أن كذبوا ما يلزم منه تكذيبي، لأن المقصود من إتيان الآيات النبوة وقد حصل، وأن الله تعالى قادرٌ على أن يعطيك خيرًا مما اقترحوه، لكن لا ينفع ذلك فيهم شيئًا، لأنهم معاندون. قوله: (ويجوز أن يتصل بما يليه)، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الآية، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ الآيتين، كالجواب عن قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ إلى آخره، على سبيل التعريض التوبيخي، ويكون قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضرابًا عن قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، يدل عليه قوله: "فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب". قال الإمام: أجاب الله تعالى عن شبههم بوجوه، أحدها: قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾، وبيانه: أن الذي يميز الرسول عن غيره هو المعجزة، وهذه الأشياء
[ ١١ / ١٨٤ ]
يلتفتون إلى هذا الجواب؟ وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة؟ ! السعير: النار الشديدة الاستعار. وعن الحسن: أنه اسم من أسماء جهنم (رَأَتْهُمْ) من قولهم: دورهم تتراءى وتتناظر. ومن قوله ﷺ:
_________________
(١) ـ المذكورة لا يقدح شيءٌ منها في المعجزة، كأنه قيل: انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي فائدة فيها، لأنهم ضلوا، وأرادوا القدح في نبوتك، فلم يجدوا إلى القدح فيه سبيلًا. وثانيها: قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾، أي: من الذي ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة، وفسر الخير بقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ فنبه بذلك على أنه تعالى قادرًا على أن يعطي الرسول - ﷺ - كل ما ذكروه، لكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح، أو على وفق المشيئة، ولا اعتراض لأحدٍ عليه. وثالثها: قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ لأنه قيل: ليس ما تعلقوا به شبهةً علمية، بل الذي حملهم على تكذيبك بالساعة، ويحتمل أن يكون المعنى: أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثوابًا ولا عقابًا ولا يتحملون كلفة النظر والفكر، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل. وأما قولهم المصنف: "وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة؟ " فمبنى على أن ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ مختصةٌ بالآخرة، وما يكون في الدنيا لا يكون إلا مشابهةً بها حتى يستتب له أن يقول: ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضرابًا عن قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وفيه تعسف القول. قوله: (﴿رَأَتْهُمْ﴾، من قولهم: دورهم تتراءى)، أي: منه في كونه استعمالًا مجازيًا مثله،
[ ١١ / ١٨٥ ]
"لا تراءى ناراهما"، كأن بعضها يرى بعضها على سبيل المجاز. والمعنى: إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها. وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر. ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا على الكفار
_________________
(١) ـ لأن جهنم لا ترى كما أن النار لا ترى، فهو عبارةُ عن مسافةٍ يتمكن فيها الرائي من النظر إلى المرئي. قوله: (لا تراءى ناراهما)، النهاية: معناه: يجب على المسلم أن يباعد منزله عن منزل المشرك، ولا ينزل بالمنزل الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله، وأصل تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا، والترائي: تفاعلٌ من الرؤية، وإسناده إلى النارين مجازٌ. وقلت: إذا جعل قوله: ﴿رَأَتْهُمْ﴾ مجازًا كان قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ ترشيحًا. قوله: (وشبه ذلك)، أي: صوت غليانها. قوله: (ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانينها)، فالضمير في ﴿رَأَتْهُمْ﴾ للزبانية، لأن السعير يدل عليها كما أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] للميت، لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت، قال الإمام: هذا قول الجبائي، والرؤية والتغيظ عندنا يجب إجراؤهما على الظاهر، فإنه لا امتناع في أن تكون النار حيةً مغتاظة على الكفار. والمعتزلة لما جعلوا البنية شرطًا في الحياة احتاجوا إلى التأويل. الانتصاف: لا حاجة إلى المجاز، لأن رؤية جهنم جائزةٌ، وقد تظاهرت الظواهر بوقوع هذا الجائز، نحو قوله: ﴿تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، ومحاجتها مع الجنة، وقولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
[ ١١ / ١٨٦ ]
وشهوة للانتقام منهم. الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السماوات والأرض، وجاء في الأحاديث: أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا، ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا، كما روي عن ابن عباس في تفسيره: أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل: قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع. وقيل: يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد. والثبور: الهلاك. ودعاؤه أن يقال: وا ثبوراه، أي:
_________________
(١) ـ [ق: ٣٠]، و"اشتكت النار إلى ربها"، ولو فتح باب التأويل في أحوال المعاد لجر إلى مذهب الفلاسفة خذلهم الله، ونحن متعبدون بالظاهر ما لم يمنع مانع. قوله: (وشهوةً للانتقام منهم)، يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: "وزفروا"، على اللف والنشر، تقديره: تغيظوا غضبًا على الكفار، وزفروا شهوةً للانتقام منهم. الجوهري: الزفير: اغتراق النفس للشدة. كأن الزافر عند الانتقام يلتد ويتخلص من تلك الشهوة. قوله: (والإرهاق)، يقال: أرهقه عسرًا: كلفه إياه. يقال: لا ترهقني ولا أرهقك، أي: لا تعسرني ولا أعسرك. قوله: (يتراصون فيه)، الجوهري: رصصت الشيء أرصه رصًا: ألصقت بعضه ببعض، وتراص القوم، أي: تلاصقوا. قوله: (في الجوامع)، الجوهري: الجامعة: الغل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق. قوله: (واثبوراه)، الراغب: قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ هو أن يقول: يا لهفتاه. ويا حسرتاه! ونحو ذلك من ألفاظ التأسف، والمعنى: يحصل لهم غمومٌ كثيرةٌ.
[ ١١ / ١٨٧ ]
تعال يا ثبور فهذا حينك وزمانك (لَّا تَدْعُوا) أي: يقال لهم ذلك: أو هم أحقاء بأن يقال لهم، وإن لم يكن ثمة قول ومعنى (وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور؛ لشدته وفظاعته. أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم.
[(قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا* لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا)].
الراجع إلى الموصولين محذوف، يعنى: وعدها المتقون وما يشاءونه. وإنما قيل: (كَانَتْ)؛ لأن ما وعده الله وحده فهو في تحققه كأنه قد كان. أو: كان مكتوبا في اللوح قبل أن برأهم بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم. فإن قلت: ما معنى قوله: (كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا)؟ قلت: هو كقوله: (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا)
_________________
(١) ـ قوله: (أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها)، فالكثرة على هذا ليست للتحديد، ولهذا قال: "لا غاية لهلاكهم". قوله: (يعني: وعدها المتقون)، بيانٌ لتقرير الراجع إلى الموصول الأول، وهي: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، وقوله: "وما يشاؤونه بيانٌ لتقدير الراجع إلى الموصول الثاني وهو: ﴿مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾. قوله: (ما معنى قوله تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾، يعني: قد علم من قوله: ﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ كون الجنة جزاءهم ومصيرهم، فما هذا التكرير؟ فأجاب: إنها كالتذييل لها إرادةً لمزيد مدح لتبجح ساكنيه، كما أن قوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] تذييلٌ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ﴾ [الكهف: ٣١]، وأن قوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] تذييلٌ لقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ودلالته على المدح
[ ١١ / ١٨٨ ]
[الكهف: ٣١]، فمدح الثواب ومكانه، كما قال: (بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: ٢٩] فذم العقاب ومكانه؛ لأنّ النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة، وإلا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب
_________________
(١) ـ من جهة تنكيره، أي: جزاءً موفرًا لا يدخل تحت الوصف، وإردافه بقوله: ﴿وَمَصِيرًا﴾ أي: مصيرًا لا يقادر قدره، فالجزاء هنا كالثواب في تلك الآية، والمصير كالمرتفق، واجتماعهما كالتتميم لما يتم به ما يطلب من المكان من الترفه والتنعم. قال القاضي: إضافة الجنة إلى الخلد للمدح، أو للدلالة على خلودها، أو التمييز عن جنات الدنيا. قوله: (فذم العقاب ومكانه)، يعني: قدم قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا﴾ الآية على قوله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ الآية: ليؤذن بأن النعم لا يتم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد، فلذلك ذكر المصير مع الجزاء، وأن العقاب يتضاعف بضيق الموضع وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء، ولذلك ذكر ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ وذكر ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾، ولعل قوله: "فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء" واردٌ على الإبهام شمل الجزاءين والمصيرين، فظهر أن هذه الآية مقابلةٌ لتلك الآيات، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾، فإن المشار إليه العقاب والمكان الضيق، وتسميته بالخير للتهكم والسخرية، ليزيد في غيظهم، أو أن ثواب العدو وتنعمه سببٌ لتغيظ العدو وتحسره. قوله: (بغثاثة الموضع)، الأساس: حديثكم غث، وسلاحكم رثٌ، وأغث فلانٌ في كلامه: إذا تكلم بما لا خير فيه، وسمعت صبيًا من هذيلٍ يقول: غثت علينا مكة، فلا XXXX من الخروج.
[ ١١ / ١٨٩ ]
الاجتواء والكراهة، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء. والضمير في (كَانَ) لـ (مَا يَشَاءُونَ). والوعد: الموعود، أي: كان ذلك موعودا واجبا على ربك إنجازه، حقيقا أن يسئل ويطلب؛ لأنه جزاء وأجر مستحق وقيل: قد سأله الناس والملائكة في دعواتهم: (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) [آل عمران: ١٩٤]، (آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) [البقرة: ٢٠١]، (رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ) [غافر: ٨].
[(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ* قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (الاجتواء)، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمةٍ. قوله: (أي: كان ذلك موعودًا واجبًا على ربك إنجازه)، قال القاضي: وما في "على" من معنى الوجوب، لامتناع الخلف في وعده، ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز، فإن تعلق الإرادة بالموعود مقدمٌ على الوعد الموجب للإنجاز. وقال الإمام: قالوا: الواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه الذم، أو أنه: الذي يكون عدمه ممتنعًا، فعلى التقديرين يلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل، والملجأ إلى الفعل لا يكون قادرًا، ولا يكون مستحقًا للثناء والمدح؟ وأجاب: أن فعل الشيء متقدمٌ على الإخبار عن فعله، وعن العلم بفعله، فيكون ذلك الفعل فعلًا لا على سبيل الإلجاء، فكان قادرًا مستحقًا للثناء والمدح. ومعنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾: من حقه أن يكون مسؤولًا، لأنه حقٌ واجب. بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.
[ ١١ / ١٩٠ ]
(يَحْشُرُهُمْ)، (فَيَقُولُ) كلاهما بالنون والياء، وقرئ: (نَحشِرهم) بكسر الشين (وَما يَعْبُدُونَ) يريد: المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير. وعن الكلبي: الأصنام ينطقها الله. ويجوز أن يكون عاما لهم جميعا. فإن قلت: كيف صحّ استعمال ما في العقلاء؟ قلت: هو موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، بدليل قولك - إذا رأيت شبحا من بعيد-: ما هو؟ فإذا قيل لك: إنسان، قلت حينئذ: من هو؟ ويدلك قولهم «من» لما يعقل. أو أريد به الوصف، كأنه قيل: ومعبوديهم. ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد: ما زيد؟ تعنى: أطويل أم قصير؟ أفقيه أم طبيب؟
_________________
(١) ـ قوله: (﴿يَحْشُرُهُمْ﴾، ﴿فَيَقُولُ﴾ كلاهما بالنون)، ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء: حفصٌ. والباقون: بالنون. و"نقول" بالنون: ابن عامر، وبالياء: غيره. قوله: (وقرئ: "نحشرهم" بكسر الشين)، قال ابن جني: قرأها الأعرج، وهذا وإن كان قليلًا في الاستعمال، فإنه قويٌ في القياس، وذلك أن "يفعل" في المتعدي أقيس من "يفعل"، فضرب يضرب أقيس من: قتل يقتل، وذلك أن "يفعل" إنما بابها الأقيس أن يأتي في مضارع "فعل"، كظرف يظرف. قوله: (ويجوز أن يكون عامًا لهم جميعًا)، يأباه جواب المعبودين، وهو قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾، لأنهم ملائكةٌ معصومون وأنبياء معصومون، كما قاله في موضعه، فلا يدخل فيه الأصنام، لكن عدل إلى "ما" إجراءً للمعبودين مجرى غير ذوي العقول تحقيرًا لشأنهم لغاية قصورهم عن معنى الربوبية، وتنبيهًا على المجانسة المنافية للألوهية. قوله: (ويدلك قولهم: "من" لما يعقل)، يعني: يفسر "من" بـ "ما"، ولا يفسر "ما" بـ "من"، فدل أن "ما" أعم من "من".
[ ١١ / ١٩١ ]
فإن قلت: ما فائدة "أنتم" و"هم"؟ وهلا قيل: أأضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل؟ قلت. ليس السؤال عن الفعل ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه، فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام، حتى يعلم أنه المسئول عنه. فإن قلت: فالله سبحانه قد سبق علمه بالمسؤول عنه، فما فائدة هذا السؤال؟ قلت: فائدته أن يجيبوا بما أجابوا به، حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، فيبهتوا وينخذلوا وتزيد حسرتهم، ويكون ذلك نوعا مما يلحقهم من غضب الله وعذابه، ويغتبط المؤمنون ويفرحوا بحالهم ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون حكاية ذلك في القرآن لطفا للمكلفين. وفيه كسر بين لقول من يزعم أن الله يضل عباده على الحقيقة،
_________________
(١) ـ قوله: (لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب)، يعني: السؤال سؤال عتاب، وهو يستدعي حصول الفعل من الضالين، ليصح توجه العتاب إلى المعبودين، والغرض تقريع الضالين وتوبيخهم، فوجب أن يسأل عن فاعل الفعل، لا عن الفعل نفسه. قوله: (وينخزلوا)، أي: ينقطعوا. الأساس: انخزل في مشيته: استرخى، وأقدم على الأمر ثم انخذل عنه، أي: ارتد وضعف، وانخزل عن جواب ما قلته له. قوله: (وفي كسرٌ بينٌ لقول من يزعم أن الله يضل عباده على الحقيقة)، إلى آخره. قال صاحب "التقريب": والمعنى: أنتم أضللتموهم أم هم ضلوا؟ وهذا أعم من أنهم ضلوا بأنفسهم أو أضلهم غيرهم، فلا يدل على الخاص كما تبجح به صاحب "الكشاف". وقال صاحب "الفرائد": أما الجواب عن قوله: "فيتبرؤون من إضلالهم، ويستعيذون به أن يكونوا مضلين" إنما تبرؤوا واستعاذوا به منه، لأنهم يستحقون العذاب بإضلالهم، ولم لكن منهم إضلالٌ، فيجب عليهم أن يقولوا ذلك ليندفع عنهم ما يستحقون به من العذاب، وذلك أنهم مسؤولون عما يفعلون، والله تعالى لا يسأل عما يفعل، فيلحق بهم النقصان إن ثبت عليهم، ولا يمكن لحوقه به، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل. وعن قوله: "ولقد نزهوه حين أضافوا" إلى آخره، هو أن قولهم: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ﴾ إلى
[ ١١ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ آخره، لا ينافي نسبة الإضلال إليه على الحقيقة. وأيضًا، ما يؤدي إلى الإضلال إذا كان منه وكان معلومًا له أنهم يضلون به، كان فيه ما في الإضلال بالحقيقة، فوجب- على مذهبه- أن لا يجوز عليه أيضًا. وعن قوله: "ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقول: بل أنت أضللتهم"، هذا غير مستقيم، لأنه تعالى ما سألهم إلا عن أحد الأمرين: إضلالهم إياهم، أو إضلالهم بأنفسهم، فكيف يكون بل أنت أضللتهم جوابًا عتيدًا؟ بل هو جوابٌ لمن قال: من أضلهم، والله الهادي. وقال الإمام: قالت المعتزلة: لو كان قوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ﴾ دل على ما ذكرتموه للزم أن يصير الله تعالى محجوجًا. ومعلومٌ أنه ليس الغرض ذلك، بل الغرض أن يصير الكافر محجوجًا مفحمًا ملومًا؟ وأجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله، وإن صلحت لم تترجح مصدريتها للضلال على مصدريتها للاهتداء إلا بمرجح من الله تعالى، وعند ذلك يعود السؤال. ثم قال الإمام: إن الاستفهام في ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ واردٌ على سبيل التقريع للمشركين، لأنه تعالى كان عالمًا في الأزل بحال المسؤول عنه، كما قيل لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وفائدته أن المعبودين لما برؤوا أنفسهم، أحالوا ذلك الضلال إليهم، صار تبرؤهم عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم، فوافق جوابهم هذا: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ جواب عيسى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]. وقال القاضي: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ﴾ بأنواع النعم، فاستغرقوا في الشهوات، حتى غفلوا عن ذكرك، أو التذكر لآلائك، والتدبر في آياتك، وهو نسبةٌ للضلال إليهم من
[ ١١ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ حيث إنه بكسبهم، وإسنادٌ له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه، وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجةً علينا للمعتزلة، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي: في قضائك هالكين. وقلت: ولما كان السؤال على التعريض التوبيخي، والمقصود تبكيتهم، وإلزام الحجة عليهم، وتفضيحهم على رؤوس الأشهاد، أجابوا أولًا بما يدل على تبرؤهم من نسبة الإضلال إلى أنفسهم بأقصى ما يمكن من المبالغة خذلانًا لهم، وكان من حق الظاهر: أنا من أضللناهم، فأطنبوا بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ إلى آخره. تعجبًا، أي: كيف يصح منا أن نصفك بما لا يليق بجلالك، ونحن عالمون بالتقديس، وكيف يستقيم لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك، ونحن العابدون. وثانيًا: بما يدل على أن الكفرة هم ضلوا السبيل، لكن بتقدير الله وإضلاله، فأطنبوا في تعبيرهم بقوله: "لكن متعتهم" إلى آخره، يعني: متعتهم بطول العمر وسعة الرزق حتى تجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر من قبول الذكر الذي عرض عليهم وهو القرآن، والتمسك بمقتضاه من تصديق من جاء لكونه معجزةً، والإيمان بما فيه من إثبات التوحيد والحشر والنشر، فعكسوا ذلك وجعلوه سببًا للثبات على اتخاذ الشركاء، حتى جرهم ذلك إلى ترك الذكر وعدم المبالاة به، كقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. وينصر القول بأن المراد بالذكر القرآن قوله: "والذكر: ذكر الله والإيمان به، أو القرآن"، وما نقله محيي السنة في "تفسيره": ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. ويساعد هذا التأويل قضية النظم، فإن قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ متصلٌ بأول السورة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢]، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً﴾ أي: اتخذوا من دون الله آلهةً زعموا أنها أولادٌ لله وشركاء له
[ ١١ / ١٩٤ ]
حيث يقول للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتموهم، أم هم ضلوا بأنفسهم؟ فيتبرءون من إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين، ويقولون: بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر، سبب الكفر ونسيان الذكر، وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه، فهم لربهم الغنىّ العدل أشدّ تبرئة وتنزيها منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه
_________________
(١) ـ في الإلهية، وأدى ذلك إلى تكذيبهم الذكر- أي: القرآن- أولًا بقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾، و﴿أَسَاطِيرُ﴾، وتكذيبهم الرسول - ﷺ - ثانيًا بقولهم: "مال هذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق"، فرضوا بالإله أن يكون حجرًا، وأبو الرسول أن يكون بشرًا، وتكذيبهم الله آخرًا، حيث أنكروا البعث والحشر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ كما مر أنه مستلزمٌ لتكذيب الله. وتحرير المعنى: ويوم نحشرهم وما اتخذوا من دون الله أولياء، حينئذٍ يعلمون أنهم أول من يخاصمهم ويخذلهم إذا سئلوا: أنتم أضللتم عبادي أن كنتم أولياءهم وشركاء الله، وأنتم حملتموهم على ذلك التقول والتكذيب للنعمة هم الذين عكسوا الأمر وضلوا، وحقت عليهم كلمة العذاب والبوار، يدل عليه قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، فظهر من بيان النظم أنهم لو أجابوا بقوله: بل أنت أضللتهم، أبعدوا المرمى. قوله: (ويستعيذون به أن يكونوا) أي: يستعيذون بالله من أن يكونوا مضلين، و"يقولون": عطفٌ على "فيبرؤون"، والفاء نتيجة مجموعة قوله: "حيث يقول للمعبودين من مدونه: أأنتم أضللتموهم أم هم ضلوا بأنفسهم؟ ".
[ ١١ / ١٩٥ ]
التفضل بالنعمة والتمتيع بها، وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة. فشرحوا الإضلال المجازى الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ) [الرعد: ٢٧]، ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب العتيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. والمعنى: أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق؟ أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ وضل: مطاوع أضله، وكان القياس: ضل عن السبيل، إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق. والأصل: إلى الطريق، وللطريق. وقولهم: أضلّ البعير، في معنى: جعله ضالا، أى: ضائعا، لما كان أكثر ذلك بتفريط من صاحبه وقلة احتياط في حفظه، قيل: أضله، سواء كان منه فعل أو لم يكن (سُبْحانَكَ) تعجب منهم، قد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون، فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه. أو نطقوا بـ (سُبْحَانَكَ)؛ ليدلوا على أنهم المسبحون المتقدّسون الموسومون بذلك، فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده. أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، وأن يكون له نبىّ أو ملك أو غيرهما ندّا.
_________________
(١) ـ قوله: (فشرحوا الإضلال المجازي)، يعني: قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] مجملٌ لما علم، بدليل الحسن والقبح العقليين أنه لا يجوز إسناد الإضلال الله، وإسناده إليه تعالى على المجازي، ولابد من بيان العلاقة، وبيانها ما يعلم من قول المعبودين هاهنا: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ فبينوا أن العلاقة هي تمتعهم بالنعم المؤدي إلى البطر والطغيان. قوله: (وقولهم: أضل البعير)، متصلٌ بقوله: "الإضلال المجازي: الذي أسنده الله إلى ذاته"، يعني: أن العرب أيضًا تقول: أضل البعير، في معنى: جعله ضالًا، فإن أحدًا لا يتحرى في إضلال بعيره، لكن إذا أهمل في حفظه كأنه تسبب في إضلاله، فأسندوا الإضلال إليه على المجاز، وإذا جاز إسناد الفعل إلى غير الفاعل بهذه الملابسة الضعيفة، فلأن يجوز الإسناد إليه بالتمتيع أولى، وإليه أومى بقوله: "سواءٌ كان معه فعلٌ أو لم يكن"، والجواب ما نقلناه عن صاحب "الفرائد".
[ ١١ / ١٩٦ ]
ثم قالوا: ما كان يصحّ لنا ولا يستقيم ونحن معصومون أن نتولى أحدا دونك. فكيف يصحّ لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك؟ ! أو ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار. قال الله تعالى: (فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ) [النساء: ٧٦] يريد الكفرة، وقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) [البقرة: ٢٥٧]. وقرأ أبو جعفر المدني: (نُتَّخَذَ) على البناء للمفعول.
_________________
(١) ـ قوله: (ثم قالوا: ما كان يصح لنا)، "ثم" هاهنا: للتراخي في الإخبار، يعني: جعلوا ﴿سُبْحَانَكَ﴾ توطئةً وتمهيدًا لقولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ إما على إرادة مطلق التعجب مما قيل لهم من قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾، أو نطقوا بكلمة التسبيح كنايةً عن البراءة عن أنفسهم ذلك القول، أو أرادوا موضوعها اللغوي من التنزيه والتقديس، قدسوا ساحة جلال الله عما لا يليق بحضرته من الند والضد، أما قوله: "ما كان يصح لنا ولا يستقيم ونحن معصومون أن نتولى أحدًا دونك"، إلى آخره، فمبنيٌ على التقديس. قوله: (أو: ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين)، مبنيٌ على الإضلال الذي بنى عليه الوجهين الأولين، والظاهر أن "أو" في قوله: "أو ما كان ينبغي لنا": للإباحة، فيصح جعل كل من الوجهين لكل من الوجوه الثلاثة، ويصح الجمع بينهما كقولك: جالسٌ الحسن أو ابن سيرين. قوله: (وقرأ أبو جعفر المدني: "نتخذ" على البناء للمفعول)، قال ابن جني: وهي قراءة زيد بن ثابتٍ وأبي الدرداء وأبي جعفرٍ ومجاهدٍ والحسن وغيرهم. فعلى هذا ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ في موضع المفعول به، أي: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، ودخلت "من" زائدةً لمكان النفي، كقولك: اتخذت زيدًا وكيلًا، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيدًا من وكيل، وهذا في المفعول به، وأما قراءة الجماعة فقوله: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ في موضع المفعول به، كقولك: ضربت رجلًا فإن نفيت قلت: ما ضربت من رجل.
[ ١١ / ١٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال الزجاج: هذه القراءة خطأٌ، لأنك تقول: ما اتخذت من أحدٍ وليًا، ولا يجوز: ما اتخذت أحدًا من ولي، لأن "من" إنما دخلت لأنها تنفي واحدًا في معنى جميع، تقول: ما من أحدٍ قائمًا، وما من رجلٍ محبًا لما يضره، ولا يجوز ما رجلٌ من محبٍّ لما يضره، ولا وجه عندنا لهذا البتة، ولو جاز هذا لجاز في قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] إلا أن يسقط "من" الثانية فيقال: أن نتخذ من دونك أولياء، فيصح الكلام، ويصح المعنى. وقال الزجاج: وأجاز الفراء هذه القراءة على ضعف، وزعم أنه يجعل ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ هو الاسم، ويجعل الخبر ما في "نتخذ"، كأنه يجعله على القلب. ونقل صاحب "المطلع" عن صاحب النظم أنه قال: الذي يوجب سقوط هذه القراءة أن "من" لا تدخل إلا على مفعولٍ لا مفعول دونه، فإذا كان قبل المفعول مفعولٌ سواه لم يحسن دخول "من"، مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] فقوله: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ لا مفعول سواه، ولو قال: ما كان الله أن يتخذ أحدًا من ولدٍ، يحسن فيه دخول "من"، لأن الاتخاذ مشغولٌ بـ "أحد". كذلك قوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ﴾ قد قامت النون المضمومة فيه مقام المفعول، وشغل الاتخاذ به، فلم يقتض "من" في المفعول الذي بعده. وقلت: فعلم من هذا أن ابن جني أجاز أن يزاد "من" في المفعول الثاني، وأبي الزجاج إلا أن تزاد في المفعول الأول. وذهب صحاب النظم إلى أن يزاد في مفعولٍ واحد، وبنى المصنف كلامه على كلام الزجاج، حيث قال: "والثانية من المتعدي إلى مفعولين"، أي: قراءة أبي جعفر، أحدهما: ما أقيم مقام الفاعل، والثاني: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ على أن تكون "من" تبعيضةً لا زائدةً. ولناصر قول ابن جني على قول الزجاج أن يقول: إن المثال الذي أتى به الزجاج غير مناسبٍ للآية، لأن المفعول الأول في الآية خاصٌ، وكذا في المثل الذي أتى به ابن جني، فيصح التعميم في الثاني، كما قال: ما اتخذت زيدًا من وكيل، أي: أي وكيلٍ كان من أصناف
[ ١١ / ١٩٨ ]
وهذا الفعل أعني «اتخذ» يتعدى إلى مفعول واحد، كقولك: اتخذ وليا، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلانا وليا. قال الله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ) [الأنبياء: ١]، وقال (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: ١٢٥] فالقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد؛ وهو (مِنْ أَوْلِياءَ)، والأصل: أن نتخذ أولياء، فزيدت (مِنْ) لتأكيد معنى النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين؛ فالأول ما بني له الفعل، والثاني: (مِنْ أَوْلِياءَ)، و(مِنْ) للتبعيض، أى: لا نتخذ بعض أولياء. وتنكير (أَوْلِياءَ) من حيث أنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام والذكر: ذكر الله والإيمان به. أو القرآن والشرائع. والبور: الهلاك، يوصف به الواحد والجمع. ويجوز
_________________
(١) ـ الوكلاء، كذا في الآية: ما نتخذ نحن من دونك ما يقع عليه اسم الولاية، فإن الولي قد كان معبودًا وناصرًا ومالكًا مخدومًا، بخلاف قول الزجاج: ما اتخذت أحدًا من ولي، فإن فيه العموم في المفعول الأول والثاني، فإذن لا حاجة إلى جعل "من" تبعيضًا. بقي على المصنف سؤال آخر، وهو أن "من" إذا كان للتبعيض، فلم نكن أولياء، لأن المعنى: ما صح للكفار أن يتخذونا من دونك بعض أوليائهم؟ وأجاب: أن القائلين الملائكة والأنبياء، فتعين أن يكون الباقي الجن والأصنام، لأن المعبودين منحصرون في هؤلاء، يدل عليه قوله فيما سبق. ويجوز أن يكون المعبودون عامًا، قال السجاوندي: تقول: اتخذته من أوليائي، وحسبته من أصفيائي، والمعنى: ما ينبغي لنا أن نحسب من بعض ما يقع عليه اسم الولاية، فضلًا من الكل، فإن الولي قد يكون معبودًا ومالكًا ومخدومًا. أو التقدير: نتخذ معبودين من أولياء، أي: من جهة أولياء، فحذف مفعول الاتخاذ معهودٌ، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١]. قوله: (والبور: الهلاك)، أي: هو مصدرٌ يستوي في الوصف به الواحد والجمع، والتثنية والتذكير والتأنيث، وأنشد صاحب "المطلع" للزبعري يمدح النبي - ﷺ -:
[ ١١ / ١٩٩ ]
أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ.
(فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا) [الفرقان: ١٩].
هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات
_________________
(١) ـ يا رسول المليك إن لساني … راتقٌ ما فتقت إذ أنا بور أي: مصلحٌ ما أفسدت، ورافئٌ ما ما مزقت، يعتذر إليه مما ذكر في أشعاره في حال شركه، والله أعلم بصحته. قوله: (كعائذٍ وعود)، الجوهري: العوذ: الحديثات النتاج من الظباء والإبل والخيل، واحدتها عائذٌ. قوله: (هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنةٌ رائعة)، قال صاحب "المطلع": حق الكلام ان يقال: إن قلتم: إنهم معبودنا وآلهتنا، فقد كذبوكم، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، أي: لا تعتذروا بأن لم يأتكم رسولٌ، فالآن قد جاءكم ما أعذركم. وقول القائل: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: فإن قالوا: تلك مقصدنا فقد جئناه، فأين القفول؟ تم كلامه. وقيل: التقدير: قالوا: تلك مقصدنا ثم القفول إلى مأمن كل أحد، أي: قال: إن صدقتم فقد جئناه، فأين القفول؟ أما حذف القول من الآية، فلأن التقدير: قال الله تعالى، أو الملائكة: إنهم معبودونا وشفعاؤنا عند الله، فقد كذبوكم بما تقولون. والدليل على المقدر
[ ١١ / ٢٠٠ ]
وحذف القول ونحوها قوله عز وعلا: (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) [المائدة: ١٩]، وقول القائل:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثمّ القفول، فقد جئنا خراسانا
وقرئ: (تَقُولُونَ) بالتاء والياء. فمعنى من قرأ بالتاء: فقد كذبوكم بقولكم: إنهم آلهة. ومعنى من قرأ بالياء: فقد كذبوكم بقولهم: (سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ) [الفرقان: ١٨]. فإن قلت: هل يختلف حكم الباء مع التاء والياء؟ قلت إي والله! هي مع التاء كقوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ) [ق: ٥] والجار
_________________
(١) ـ الآخر قوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. وأما المفاجأة فمن تعقب القصة بالفاء التي تستدعي ما يترتب عليه، كأن السامع لم ينتظر ما بعد الفاء بتقديم ما يترتب عليه ففوجئ به. وهذا أسلوبٌ رائعٌ حسن. وأما الالتفات فمن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾، كأنه قيل: أنتم المخصوصون أيها المكذبون بأن يفعل بكم ما تستحقونه من الفضيحة والنكال ولا يمهلكم فيه. قوله: (وقرئ: ﴿تَقُولُونَ﴾، بالياء والتاء)، المشهورة: بالتاء الفوقانية، وبالياء التحتانية: شاذة. قوله: (قلت: إي والله)، إلى آخره، أي: حكم الباء في ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ مع قراءة التاء الفوقانية حكم ﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٥] في كون الباء صلةً، وما تقولون: مفعولٌ به، والبدل بدل الاشتمال، كأنه قيل: فقد كذبوا قولكم، أو: الذي تقولونه. وحكم الباء مع الياء التحتاني حكم: كتبت بالقلم، فالباء للآلة، أي: كذبوكم، باستعانة قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ الآية.
[ ١١ / ٢٠١ ]
والمجرور بدل من الضمير، كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون: وهي مع الياء كقولك: كتبت بالقلم. وقرئ: (تَسْتَطِيعُونَ) بالتاء والياء أيضا. يعني: فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف: التوبة وقيل: الحيلة، من قولهم: إنه ليتصرف، أى. يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب. أو أن يحتالوا لكم. الخطاب على العموم للمكلفين. والعذاب الكبير لا حق بكل من ظلم، والكافر ظالم، لقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، والفاسق ظالم.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿تَسْتَطِيعُونَ﴾، بالتاء والياء)، حفصٌ: بالتاء الفوقاني، والباقون بالياء. قوله: (الخطاب على العموم للمكلفين)، يعني: في قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ لدلالة (من) الشرطية، لأنها موضوعةٌ للعموم، فكل من يصدق عليه أن يظلم، فإنه داخلٌ فيه، والفاسق الذي لم يتب ظالمٌ، لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وفيه لمحةٌ من مذهبه. وذهب عنه أن الخطاب مع الكفرة المعاندين الذين نحن بصددهم من أول السورة، فكيف وقد سبق ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ وهذه الآية كالخاتمة لما يجري عليهم من الأحوال والنكال من لدن قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؟ يعني ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ أي: يدم منكم، أي: على ما هو عليه، بعد تلك البينات الشافية التي ما تركت من الروادع. والزواجر بقيةً، نذقه عذابًا كبيرًا. ثم لما فرغ من تهديدهم ووعيدهم شرع في تسلية رسول الله - ﷺ - بما ناله من قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧] من الحزن وضيق الصدر، أي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية: فأين يدخل في معنى الآية حديث الفساق؟ قال صاحب "الفرائد": يجب أن يحمل الظلم على الشرك، لأن الكلام في الشرك بدليل ما تقدم، ولأن الحمل على ما ذكره صاحب "الكشاف" يؤدي إلى أن الظلم مع الإيمان
[ ١١ / ٢٠٢ ]
لقوله: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: ١١]. وقرئ: (يُذِقْه) بالياء. وفيه ضمير الله. أو ضمير مصدر (يظلم).
(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) [الفرقان: ٢٠].
الجملة بعد (إلاَّ) صفة لموصوف محذوف. والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين. وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور، أعني
_________________
(١) ـ يستلزم العذاب الكبير ولا يجوز العفو والتجاوز، وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. قوله: (وقرئ: "يذقه" بالياء) التحتانية: شاذة. قوله: (وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلا آكلين)، فوضع "آكلين" موضع: ﴿إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ﴾، فيأكلون: صفةٌ لقوله: "أحدًا" المحذوف، وقوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أيضًا صفةٌ مبينةٌ له، ولهذا قال: "وإنما حذف اكتفاءً بالجار والمجرور، أعني ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ " فلو جعله حالًا كان له وجهٌ، لأن ذا الحال موصوفٌ. قال أبو البقاء: كسرت "إن" لأجل اللام في الخبر، وقيل: ولو لم تكن اللام لكسرت أيضًا، لأن الجملة حاليةٌ، إذ المعنى: إلا وهم يأكلون، وقال الزجاج: وأما دخول "إنهم" بعد "إلا" فعلى تأويل: ما أرسلنا رسلًا إلا وهم يأكلون، أو: وإنهم ليأكلون، وحذفت "رسلًا" لأن "من" في قولك: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ دليلٌ على ما حذف. وإما مثل اللام بعد إلا فقول الشاعر:
[ ١١ / ٢٠٣ ]
(مِنَ المُرْسَلِينَ)، ونحوه قوله عز من قائل: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات: ١٦٤] على معنى: وما منا أحد. وقرئ: (ويُمَشَّوْن) على البناء للمفعول، أى: تمشيهم حوائجهم أو الناس. ولو قرئ: (يُمَشُّون)، لكان أوجه لولا الرواية. وقيل: هو احتجاج على من قال: (مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ).
_________________
(١) ـ ما أنطياني ولا سألتهما … إلا وإني لحاجزٌ كرمي يريد: أعطياني. وقال صاحب "المطلع": وكسره "إن" لمكان الابتداء، كما لو قيل: إلا وهم يأكلون، لا لمكان اللام، ودخلوها وخرجوها سواءٌ، كما يقال: ما قدم علينا أميرٌ إلا إنه مكرمٌ لي. قوله: (وقرئ: "ويمشون)، قال ابن جني: "يمشون" بضم الياء، وفتح الشين المعجمة: قراءة علي ﵁ وعبد الرحمن بن عبد الله، كقولك: يدعون إلى المشي، وكل حاملٍ على المشي وجاء على "فعل" لتكثير فعلهم، إذ هم ﵈ جماعةٌ. ولو كانت "يمشون" بضم الشين لكانت أوفق، لقوله تعالى: ﴿لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، إلا أن معناه: يكثرون المشي. يعني: يوافقه من حيث إسناد الفعل إليهم، وإن أريد به التكثير، ولم يرد في يأكلون، وفيه الإشعار بأن المشي في الأسواق أشد قبحًا من الأكل للتشبيه بالسوقي. قوله: (وقيل: هو احتجاجٌ)، عطفٌ من حيث المعنى على قوله: "والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين"، على أنه وجهٌ آخر، والظاهر أن الأول واردٌ على التسلية، يؤيده عطف قوله: "وقيل: هو تسليةٌ له" على قوله: "وهذا تصبيرٌ" تفسيرًا للافتنان، فيكون التصبير متفرعًا على الوجه الثاني، والتسلية على الأول، والثاني قول الزجاج، قال: هذا
[ ١١ / ٢٠٤ ]
[الفرقان: ٧]. (فِتْنَةً) أي: محنة وابتلاء. وهذا تصبير لرسول الله ﷺ على ما قالوه واستبدعوه، من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعدما احتج عليهم بسائر الرسل، يقول: وجرت عادتى وموجب حكمتى على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض.
_________________
(١) ـ احتجاجٌ عليهم في قوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] فقيل: كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فكيف يكون محمدٌ بدعًا من الرسل؟ وقلت: قول الزجاج لا يساعد عليه النظم، لأنه قد أجيب عن تعنتهم بقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ على ما سبق بيانه، لكن الله تعالى لما حكى عنهم تكذيبهم القرآن والرسول والإعادة، وعقب ذلك بالوعيد الشديد والتهديد العظيم، وبما يفضحهم على رؤوس الأشهاد مسلاةً للرسول، وشرحًا لصدره صلوات الله عليه، وجعل خاتمة كل ذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ الآية، أعاد بذكر ما هو من جنس قصته صلوات الله عليه مزيدًا للانشراح، يؤيده الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ تسليةٌ من قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ ليتأسى بهم، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ تسليةٌ من تعبيرهم له بالفقر حين قالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨]، ألا ترى كيف عقبهما بقوله: ﴿َكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي: عالمًا بالصواب فيما يبتلى به وغيره. فلا يضيقن صدرك ولا يستخفنك أقاويلهم. قوله: (وجرت عادتي)، قالوا: ولو قال: وجرت سنتي، كان أقرب إلى الأدب، لأنها صفةٌ نفسانيةٌ. الراغب: العادة: اسمٌ لتكرير الفعل أو الانفعال حتى يصير ذلك سهلًا تعاطيه كالطبع، ولذلك قيل: العادة طبيعةٌ ثانية.
[ ١١ / ٢٠٥ ]
والمعنى: أنه ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم، وبمناصبتهم لهم العداوة، وأقاويلهم الخارجة عن حدّ الإنصاف، وأنواع أذاهم، وطلب منهم الصبر الجميل، ونحوه (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [آل عمران: ١٨٦]. وموقع (أَتَصْبِرُونَ) بعد ذكر الفتنة موقع (أَيُّكُمْ) بعد الابتلاء في قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧ الملك: ٢] (بَصِيرًا): عالما بالصواب فيما يبتلي به وغيره فلا يضيقنّ صدرك، ولا يستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين. وقيل: هو تسلية له عما عيروه به من الفقر، حين قالوا: (أَوْ يُلْقَى إلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ) [الفرقان: ٨]، وأنه جعل الأغنياء فتنه للفقراء؛ لينظر هل يصبرون؟ وأنها حكمته ومشيئته: يغنى من يشاء ويفقر من يشاء. وقيل: جعلناك فتنة لهم، لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنان لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا،
_________________
(١) ـ قوله: (وموقع ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع ﴿أَيُّكُمْ﴾ بعد الابتلاء)، وقال بعضهم: ﴿أَيُّكُمْ﴾ ليس بتعليقٍ لسبق المفعول الأول، ولكن جملةٌ واقعةٌ موقع المفعول الثاني، وكذلك ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾، لأن قوله: ﴿لِبَعْضٍ﴾ دالٌ على أن التقدير: وجعلنا بعضكم فتنة بعضٍ أتصبرون، لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه بل هو دالٌ على معموله. وقال صاحب "التقريب": يريد أنه ليس بتعليق، لذكر المفعول الأول فيها، وفيه نظرٌ سيأتي في "الملك". وقلت: نعم، إنه ليس بتعليقٍ لقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾، لأنه أحد مفعوليه، ولكنه تعليقٌ لفعلٍ مضمر يدل عليه المذكور كما وجد بخط المصنف: إن تعلق قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ بقوله: ﴿فِتْنَةً﴾ تعلق ﴿أَيُّكُمْ﴾ بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعضٍ فتنةً لنعلم أيكم أحسن صبرًا، وكما ابتليناكم لنعلم أيكم أحسن عملًا. وقد صرح بعيد هذا بما ينبئ عن هذا المعنى، وهو قوله: "وأنه جعل الأغنياء فتنةً للفقراء لينظر هل يصبرون". قوله: (وقيل: جعلناك فتنةً لهم)، أي: للمشركين، هو عطفٌ على قوله: "أنه ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم، وبمناصبتهم لهم".
[ ١١ / ٢٠٦ ]
أو ممزوجة بالدنيا، فإنما بعثناك فقيرًا؛ ليكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوى. وقيل: كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ومن في طبقتهم يقولون إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار وصهيب وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالا بالسابقة، فهو افتتان بعضهم ببعض.
[(وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا)].
أي: لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة. أو لا يخافون لقاءنا بالشر. والرجاء في لغة تهامة:
الخوف، وبه فسر قوله تعالى: (لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا) [نوح: ١٣]، جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقيا. اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بأن محمدا صادق حتى يصدقوه. أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه. ولا يخلو: إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل الملائكة إلى غير
_________________
(١) ـ وقوله: (وقيل: كان أبو جهل) عطفٌ على "لو كنت غنيًا صاحب كنوز"، لأنه فتنةٌ للمشركين ونوعٌ آخر من الفتنة بسبب غناهم بسبب غناهم وفقر عمارٍ وصهيبٍ وبلالٍ ومن في طبقتهم من أصحاب الصفة. قوله: (لا يأملون لقاءنا بالخير)، الراغب: الرجاء: ظنٌ يقتضي حصول ما فيه مسرة. وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] قيل: ما لكم لا تخافون، ووجه ذلك الرجاء والخوف يتلازمان، قال تعالى: ﴿وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]. قوله: (بمنزلة لقائه لو كان ملقيًا)، إشارةٌ إلى مذهبه.
[ ١١ / ٢٠٧ ]
الأنبياء، وأن الله لا يصح أن يرى. وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون. وإما أن لا يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم، كما فعل قوم موسى حين قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥]. فإن قلت: ما معنى (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ قلت: معناه أنهم أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه. كما قال: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) [غافر: ٥٦]. (وَعَتَوْا): وتجاوزوا الحدّ في الظلم. يقال: عتا علينا فلان. وقد وصف العتوّ بالكبير، فبالغ في إفراطه يعنى أنهم لم يخسروا على هذا القول العظيم، إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العنوّ، واللام جواب قسم محذوف. وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية. وفي أسلوبها قول القائل:
وجارة جسّاس أبأنا بنابها … كليبا غلت ناب كليب بواؤها
_________________
(١) ـ قوله: (وإنما علقوا إيمانهم بما لا يكون)، أي: بالمحال، أي: لا يؤمن أبدًا، هذا إنما يصح أن لو كان القوم معتزلةً غير مستقيم، والقوم هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، وهم المعاندون السابقون. وقد أقيم المظهر مقام المضمر، وذلك أنه تعالى لما سلى رسوله صلوات الله عليه بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ عاد إلى تقبيح نوعٍ آخر من أفعالهم وهو إنكارهم لقاء الله، وأن لله تعالى دار جزاء. قوله: (وهذه الجملة في حسن استئنافها غايةٌ)، أي: قوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ جملةٌ قسميةٌ يستدعي أن يتلقى بها من يبالغ في الإنكار، كأنه لما قالوا: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، حمل السامع على أن يقول: ما أشد استكبارهم! وما أكبر عتوهم! لأنها اشتملت على أمر يقتضي التعجب منهم، فلا يتمالك أن يترك ذلك القول، فوضع موضعه: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾، لأنه أثبت وأبلغ من ذلك. قوله: (وجارة جساسٍ)، البيت، جساسٌ: قاتل كليب، وجارته بسوس امرأة.
[ ١١ / ٢٠٨ ]
وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب، ألا ترى أن المعنى: ما أشدّ استكبارهم؟ وما أكبر عتوّهم، وما أغلى نابا بواؤها كليب.
[(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا)].
_________________
(١) ـ والناب: ناقة بسوس، رماها كليبٌ فقتلها، فشكت إلى جساس، فقال: لأقتلن غدًا فحلا هو أعظم من ناقتك، فبلغ ذلك كليبًا، فظن أنه فحله المسمى بغليان، فقال: دون غليان خرط القتاد، وكان جساسٌ يعني بالفحل نفس كليب. ذكره الميداني. أبأنا: أي: قابلنا من البوء، وهو التساوي في القصاص، وأباته بفلانٍ: إذا قتلته به. والبوء في القود: مهموزٌ، أي: ما أغلى نابًا بواؤها كليب، فلما قتل مهلهلٌ بجيرًا قال: بؤ بشسع نعل كليب. قوله: (وفي فحوى هذا الفعل)، الجوهري: الفحوى: معنى الكلام ولحنه. الأساس: عرفت ذلك في فحوى كلامه: أي: فيما تنسمت من مراده بما تكلم، وأفحيته: خاطبت ففهمت مراده، ونحو اللحن. وهذا الذي ذكره قريبٌ من الاصطلاح، لأن إفادة هذا التركيب معنى التعجب مفهومٌ موافقٌ للخطاب، فإن ناقةً يكون مثل كليبٍ بواؤها مما يتعجب منها، ونحوه قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ [الصف: ٣] أي: ما أكبر المقت!
[ ١١ / ٢٠٩ ]
(يَوْمَ يَرَوْنَ) منصوب بأحد شيئين: إما بما دل عليه (لَا بُشْرى)، أي: يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها. و(يَوْمَئِذٍ) للتكرير. وإما بإضمار "اذكُرْ"، أى: اذكر يوم يرون الملائكة ثم قال (لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ).
وقوله (للْمُجْرِمِينَ) إما ظاهر في موضع ضمير، وإما لأنه عام، فقد تناولهم بعمومه (حِجْرًا مَحْجُورًا) ذكره سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال
_________________
(١) ـ قوله: (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾: منصوبٌ بأحد شيئين)، الوجهان ذكرهما الزجاج، ثم قال: لا يجوز أن ينتصب ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ بقوله: ﴿لَا بُشْرَى﴾، لأن ما اتصل بـ "لا" لا يعمل فيما قبله. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يكون منصوبًا بـ "ينزل" المضمر لقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾، كأنه قيل: ينزل الملائكة يوم يرونهم، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾: منصوبٌ بقوله: ﴿لَا بُشْرَى﴾، لا يقال: كيف يكون وقت الرؤية وقتًا للإنزال، لأنا نقول: الظرف يحتمل ذلك لسعته. ولما كان قوله: ﴿لَا بُشْرَى﴾ صح أن يكون عاملًا فلا وجه لجعل مدلوله عاملًا. وقلت: قول صاحب "الفرائد" لا مزيد عليه، لأنه إذا انتصب بـ "ينزل" التأم الكلامان، لأن قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا﴾ نشرٌ لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾، وقوله: ﴿أَوْ نَرَى﴾ كما سيجيء إن شاء الله. قوله: (﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ إما طاهرٌ في موضع ضمير، وإما لأنه عامٌ)، قال القاضي: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ إما عامٌ يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان، ولا يلزم من نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذٍ نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقتٍ آخر. وإما خاضٌ ووضع موضع ضميرهم تسجيلًا على جرمهم وإشعارًا بما هو المانع للبشرى، والموجب لما يقابلها. قوله: (في باب المصادر غير المتصرفة)، أي: التي لا تستعمل إلا منصوبةً على المصدر،
[ ١١ / ٢١٠ ]
متروك إظهارها نحو: معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوّ موتور أو هجوم نازلة، أو نحو ذلك: يضعونها موضع الاستعاذة. قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرا، وهي من حجره إذا منعه، لأنّ المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه فكان المعنى: أسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا. ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن، تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، كما كان قعدك وعمرك كذلك،
_________________
(١) ـ وعمرك: مصدرٌ عند سيبويه، قيل: معنى عمرك الله: عمرتك الله، أي: سألت الله عمرك، وإذا صح أن عمرك الله بمعنى عمرتك الله وجب أن يكون مصدرًا منصوبًا لعمرتك الملتزم حذفه، واسم الله: المفعول الثاني، ومعنى قعدك، أسأل أن يقعدك، أي: يثبتك. هذا التقدير مخالفٌ لما في "الصحاح" و"الأساس"، كما سيجيء. قوله: (عدوٍّ موتور)، النهاية: أنا الموتور الثائر، أي: صاحب الوتر، الطالب بالثأر، والموتور: المفعول. قوله: (على فعلٍ أو فعل)، "فعلٌ" بالكسر: قراءة العامة، وبالضم: قراءة الحسن. قال صاحب "المطلع": قرأه الحسن: "حرجًا" بضم الحاء، وفي معناه: حرامًا محرمًا. قال الجوهري: الحجر: الحرام، يكسر ويضم ويفتح، والكسر أفصح. قوله: (تصرفٌ فيه)، أي: أن أصل ﴿حِجْرًا﴾ الفتح من: حجره حجرًا: منعه، كما قال،
[ ١١ / ٢١١ ]
وأنشدت لبعض الرّجاز:
قالت وفيها حيدة وذعر … عوذ بربي منكم وحجر
فإن قلت: فإذ قد ثبت أنه من باب المصادر، فما معنى وصفه بمحجور؟ قلت:
_________________
(١) ـ فلما اختص بموضع تصرفوا فيه بالكسر والضم، وذلك أن ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ إنما يقال عند لقاء عدو، وهجوم نازلةٍ، فإنه- هكذا- عبارةٌ عن الاستعاذة، فلذلك تصرفوا فيه، كما أن قعدك الله لما كان عبارةً عن اليمين، لأن معناه بحق صاحبك الذي هو صاحب كل نجوى، وكذا عمرك الله، معناه: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالبقاء تصرفوا فيهما، كذا في "الصحاح". الأساس: قعدك الله وقعيدك الله لا أفعل، قال جريرٌ: قعيدكما الله الذي أنتما له … ألم تسمعا بالبيضتين المناديا وهي قعيدته: لامرأته. وقال الراغب: الحجر: الممنوع منه بتحريمه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، كان الرجل إذا لقي من يخاف يقول ذلك، فذكر تعالى أن الكفار إذا رأوا الملائكة قالوا ذلك ظنًا أن ذلك ينفعهم، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: منعًا لا سبيل إلى رفعه ودفعه. قوله: (قالت وفيها حيدةٌ) البيت، الحيدة: الميل. والذعر: الخوف.
[ ١١ / ٢١٢ ]
جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر، كما قالوا: ذيل ذائل، والذيل: الهوان؛ وموت مائت. والمعنى في الآية: أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، وهم إذا رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم، لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون، وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدوّ الموتور والشدة النازلة. وقيل: هو من قول الملائكة ومعناه: حراما محرما عليكم الغفران والجنة، أو البشرى، أي: جعل الله ذلك حراما عليكم.
[(وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا)].
ليس هاهنا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي
_________________
(١) ـ قوله: (ذيل ذائل)، قال في "الأساس": يقال: أذاله: أهانه، وذال بنفسه، وهو في ذيلٍ ذائل، أي: في هوانٍ شديد، وهو في موتٍ مائت أي: شديد. قوله: (وقيل: هو من قول الملائكة)، فعلى هذا: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ حالٌ من "الملائكة" على تقدير: وهم يقولون، وعلى الأول: عطفٌ على ﴿يَرَوْنَ﴾. قوله: (وقيل: هو من قول الملائكة)، فعلى هذا: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ حالٌ من "الملائكة" على تقدير: وهم يقولون، وعلى الأول: عطفٌ على ﴿يَرَوْنَ﴾. قوله: (ليس هاهنا قدومٌ ولا ما يشبه القدوم)، فإن قلت: في قوله: "ولا ما يشبه القدوم"، بعد قوله: "ليس هاهنا قدوم" إيماءٌ إلى أن ﴿وَقَدِمْنَا﴾ في الآية ليس على حقيقته، ولا استعارةً، لأن نفي التشبيه يستدعي ذلك، فإن الاستعارة مجازٌ مسبوقٌ بالتشبيه، ثم أخذ في بيان طريق الاستعارة التي هي التشبيه قائلًا: "مثلت حال هؤلاء" إلى قوله: "بحال قوم خالفوا سلطانهم"، فما معنى هذا الكلام؟ قلت: معنى قوله: "لا يشبه القدوم"، أنك إذا جعلت هذا القدوم استعارةً لم يجز أيضًا أن تجريه على حقيقته في الممثل به أيضًا مجازًا، لأن المراد مجرد القصد إلى إفساد ما يملكونه، ألا ترى كيف فسر قوله: "فقدم إلى أشيائهم" بقوله: "وقصد إلى ما تحت أيديهم". قال في "الأساس": قدم من سفره، وقدم البلد، وقدم على قومه، وهؤلاء القادمون، ومن المجاز: وإنك لقادمٌ على عملك.
[ ١١ / ٢١٣ ]
عملوها في كفرهم من صلة رحم، وإغاثة ملهوف، وقرى ضيف، ومنّ على أسير، وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه، فقدم إلى أشيائهم، وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها ومزقها كل ممزق، ولم يترك لها أثرا ولا عثيرا. والهباء: ما يخرج من الكوّة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار. وفي أمثالهم: "أقل من الهباء". (مَنْثُورًا) صفة للهباء، شبهه بالهباء في قلته وحقارته عنده، وأنه لا ينتفع به، ثم بالمنثور منه، لأنك تراه منتظما مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب. ونحوه قوله: (كَعَصْفٍ مَاكُولٍ) [الفيل: ٥]، لم يكف أن
_________________
(١) ـ واستعمال "قدم" في الممثل به مستعارٌ لقصدٍ قوي، وعزم صميم، كأنه وصل بتلك العزمة إلى مقصده، كما يقدم المسافر إلى أعزة أهله، وينصره في الآية قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أي: أردت ذلك، فجعلته كذلك، قيل: أجرى الكلام على ذلك بناءً على معتقده، لأنه منكرٌ للصفات. قال ابن عباسٍ: ﴿وَقَدِمْنَا﴾ أي: عمدنا، قال أهل الطريقة: أطلعناهم على أعمالهم فنظروا إليها بعين الرضا فسقطوا عن أعيننا. قوله: (ولا عثيرًا)، الجوهري: العثير: الغبار، بتسكين الثاء، ولا يقال: عثير، لأنه ليس في الكلام "فعيلٌ" بفتح الفاء إلا فهيد، وهو مصنوعٌ. وفي نسخة: "عثير" بفتح العين وسكون الياء التحتاني مثال العيهب، الأثر. يقال: ما رأيت لهم أثرًا ولا عثرًا، وهو تأكيدٌ للأثر وإتباعٌ له. قوله: (لم يكف)، شبه عملهم بالهباء، ولم يكتف به، حتى جعله متناثرًا، ومثل هذا الإرداف يسمى في البديع: بالتتميم والإيغال. قالت الخنساء:
[ ١١ / ٢١٤ ]
شبههم بالعصف حتى جعله مؤوفا بالأكال، ولا أن شبه عملهم بالهباء حتى جعله متناثرا.
أو مفعول ثالث لجعلناه، أى فجعلناه جامعا لحقارة الهباء والتناثر، كقوله: (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) [البقرة: ٦٥]، أي: جامعين للمسخ والخسء. ولام الهباء واو، بدليل الهبوة.
[(أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا)].
المستقرّ: المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرّين يتجالسون ويتحادثون.
والمقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهنّ وملامستهنّ، كما أنّ المترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب. وروي: أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في
_________________
(١) ـ أغر أبلج تأتم الهداة به … كأنه علمٌ في رأسه نار ما كفاها أن جعلته علمًا في الهداية، حتى جعلته في رأسه نارٌ. قوله: (مؤوفًا بالأكال)، أي: مصابًا بآفة الأكال، يقال: أصابه أكالٌ في رأسه وأسنانه، أي: تآكل. قوله: (فجعلناه جامعًا لحقارة الهباء والتناثر)، وذلك أن المفعول الثالث بمنزلة الخبر، كقولك: هذا حلوٌ حامضٌ، أي: جامعٌ لهذين الطعمين. قوله: (في أكثر أوقاتهم مستقرين يتجالسون ويتحادثون)، وإنما حمل ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ على هذا المعنى، والجنة أبدًا مستقرهم ومقامهم، ليصح حمل ﴿مَقِيلًا﴾ على معنى الخلوة، ليجمع بين حالتي التعظيم والتترف، فيكون من باب التكميل. قوله: (وروي: أنه يفرغ من الحساب في نصف اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة)، فعلى
[ ١١ / ٢١٥ ]
النار. وفي معناه قوله عز وعلا: (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ) [يس: ٥٥ - ٥٦]، قيل في تفسير الشغل: افتضاض الأبكار، ولا نوم في الجنة. وإنما سمي مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلا
_________________
(١) ـ هذا المستقر: هو المقيل، ومن ثم لما سأل- أي: عن نفسه- الإمام: وقال: الآية تدل على أن مستقرهم غير مقيلهم؟ أجاب بأجوبة، منها: أنه بعد الفراغ من المحاسبة، والذهاب إلى الجنة، يكون وقت القيلولة. قال ابن مسعودٍ ﵁: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وفي "شرح السنة": لا ينتصف النهار من يوم الجمعة، حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء. وقال الإمام: يحتمل أن يراد بأحدهما المصدر والزمان، إشارةً إلى أن زمانهم ومكانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة. قوله: (وفي معناه)، أي: وفي معنى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ إذا حمل على أنهم يأوون إلى المقيل للاسترواح إلى أزواجهم، والتمتع بمغازلتهن، يدل عليه قوله: "افتضاض الأبكار". قوله: (ولا نوم في الجنة، وإنما سمي)، إلى آخره، شروعٌ في تأويل قوله: ﴿مَقِيلًا﴾، بالاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن، يعني: أنه تعالى أثبت لأهل الجنة مقام القيلولة، ومعلومٌ أن لا نوم في الجنة فلا قائلة، فإذن المقيل عبارةٌ عما تستلزمه من الاستراحة والدعة، لأن المقيل: مقام النوم في القائلة، والخلوة مع الأزواج، والتفكه معهن، شبه مكان استرواحهم في الجنة مع الحور العين بما تعورف في الدنيا من مكان الاسترواح عند القيلولة، فاستعير اسم المقيل له، ووصف بالحسن إرادةً لحسن ساكنيه على طريق الكناية، كقوله: يبيت بمنجاةٍ من اللوم بيتها
[ ١١ / ٢١٦ ]
على طريق التشبيه. وفي لفظ الأحسن: رمز إلى ما يتزين به مقيلهم. من حسن الوجوه، وملاحة الصور، إلى غير ذلك من التحاسين والزين.
[(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا)].
وقرئ: (تَشَقَّقُ) والأصل: تتشقق، فحذف بعضهم التاء، وغيره أدغمها. ولما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها، جعل الغمام كأنه الذي تشق به السماء،
_________________
(١) ـ فعلى هذا ليس "أحسن" لأفعل التفضيل. وقال الإمام: إنه تعالى لما بين حال الكفار في الخسار الكلي، والخيبة التامة، شرع في وصف أهل الجنة، وأن مستقرهم خيرٌ من مستقر أهل النار على نحو: العسل أحلى من الخل. هذا أوفق لتأليف النظم، ولقول ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. قوله: (من التحاسين)، قيل: هو جمع التحسين، وهو مصدرٌ في الأصل ثم أوقع اسمًا لما يحسن به من الزخارف، ونظيره التصاريف والتضاعيف لصروف الزمان وإثناء الشيء. قوله: (وقرئ: ﴿تَشَقَّقُ﴾، الكوفيون وأبو عمروٍ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ هنا وفي "ق"، بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها. قوله: (جعل الغمام كأنه الذي تشق به السماء)، قال أبو علي: قيل: معناه: تشقق السماء بسبب الغمام، ولما كان طلوعه سببًا لتشققها جعل الغمام كأنه يشقها، أو معناه: تشقق به السماء وعليها غمامٌ، كما يقال: ركب الأمير بسلاحه، وخرج بثيابه، أي: وعليه ثيابه وسلاحه.
[ ١١ / ٢١٧ ]
كما تقول: شق السنام بالشفرة وانشق بها. ونظيره قوله: (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) [المزمل: ١٨]. فإن قلت: أي فرق بين قولك: انشقت الأرض بالنبات، وانشقت عن النبات؟ قلت: معنى انشقت به: أنّ الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى انشقت عنه: أنّ التربة ارتفعت عنه عند طلوعه. والمعنى: أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد. وروى تنشق سماء سماء، وتنزل الملائكة إلى الأرض. وقيل: هو غمام أبيض رقيق، مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبنى إسرائيل في تيههم. وفي معناه قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ) [البقرة: ٢١٠]. وقرئ: (وننزل الملائكة)، (وننزل)، ونزل الملائكة، ونزلت الملائكة، وأنزل الملائكة، ونزل الملائكة، ونزل الملائكة
_________________
(١) ـ قوله: (وانشق بها)، لكون الشفرة سببًا فيه، وآلةً له. الجوهري: الشفرة بالفتح: السكين العظيم. وشفرة السيف: حده. قوله: (ونظيره قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، قال: "الباء في ﴿بِهِ﴾ مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني: أنها تنفطر بشدة ذلك اليوم، فالضمير يعود إلى اليوم، والمراد وصف اليوم بالشدة. وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ قوله: (مثل الضبابة)، الضبابة، بفتح الضاد: سحابةٌ تغشى الأرض كالدخان، والجمع: الضباب، قاله الجوهري. قوله: (وقرئ: "وننزل")، ابن كثيرٍ: "وننزل" بنونين الثانية ساكنةٌ، وتخفيف الزاي ورفع اللام، و"الملائكة": بالنصب، والباقون: بنونٍ واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام، ورفع "الملائكة". قوله: (ونزل الملائكة)، على حذف النون وضم النون الباقية وتشديد الزاي وكسرها،
[ ١١ / ٢١٨ ]
على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل: قراءة أهل مكة.
[(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا)]
الحق: الثابت؛
_________________
(١) ـ ونصب "الملائكة". قال ابن جني: روي عن ابن كثيرٍ وأهل مكة، أصله، "ننزل"، حذف النون التي هي فاء الفعل لالتقاء النونين استخفافً، وشبهها بما حذف من أحد المثلين الزائدين في نحو: تفكرون، وتطهرون، من: تتفكرون وتتطهرون. وروى عبد الوهاب عن أبي عمرو: "ونزل الملائكة"، بضم النون وكسر الزاي خفيفةً. وهذا غير معروف، لأن "نزل" لا يتعدى إلى مفعول به فبني هنا للملائكة. فإن قلت: قد جاء "فعل" مما لا يتعدى نحو: جن، ولا يقال: جنة الله، بل: أجنه الله؟ قلت: هو شاذٌ، والقياس عليه مردودٌ. فهذه إما أن تكون لغةً طارقةً لم تقع إلينا، وإما أن يكون من حذف المضاف، أي: نزل نزول الملائكة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، قال العجاج: حتى إذا اصطفوا له حذارا فـ "حذارًا": منصوبٌ مصدرًا لا مفعولًا به، يريد: اصطفوا اصطفاف حذار، فإن قلت: فما معنى نزل نزول الملائكة، قلت: إنه على قولك: هذا نزولٌ منزول، وصعودٌ مصعودٌ، وضربٌ مضروب، وقريبٌ منه: وقد قيل قولٌ، وقد خيف منه خوفٌ، فاعرف ذلك فإنه أمثل ما يحتج به لهذه القراءة. وفي "اللوامح": ومعنى "نزل به نزول الملائكة": نزل نازل الملائكة، أي: نازلٌ من الملائكة.
[ ١١ / ٢١٩ ]
لأنّ كل ملك يزول يومئذ ويبطل، ولا يبقى إلا ملكه.
[(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي
_________________
(١) ـ قوله: (لأن كل ملكٍ يزول يومئذٍ)، هذا التعليل مبنيٌ على تعليق الحكم بالوصف، أي: إنما قلنا: إن الحق بمعنى الثابت، لأنه تعالى وصف الملك به بعد تقييده بيومئذٍ، وأوقع ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ خبرًا، فإن قيل: إن الملك الثابت للرحمن يوم القيامة فهم بدليل الخطاب أن ملك الغير زال وبطل يومئذٍ، نحوه: في الغنم السائمة زكاة. قال الزجاج: ﴿الْحَقِّ﴾ صفةٌ لـ ﴿الْمَلِكُ﴾، ومعناه: أن الملك الذي هو الملك حقًا ملك الرحمن يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، لأن الملك الزائل كأنه ليس بملك. عن بعضهم: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: فصلٌ بين الصفة والموصوف، والفصل بينهما بالظرف فصيح، وبين المضاف [والمضاف] إليه يجوز في ضرورة الشعر، كقوله: هما أخوا في الحرب من لا أخا له وقال أبو البقاء: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ معمولُ الملك، أو معمول ما يتعلق به اللام، ولا يعمل فيه الحق، لأنه مصدرٌ متأخرٌ عنه.
[ ١١ / ٢٢٠ ]
لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا)].
عض اليدين والأنامل، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الأسنان والأرم، وقرعها: كنايات عن الغيظ والحسرة، لأنها من روادفها، فيذكر الرادفة ويدل بها على المردوف، فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند لفظ المكنى عنه. وقيل: نزلت في عقبة بن أبى معيط بن أمية بن عبد شمس، وكان يكثر مجالسة رسول الله ﷺ. وقيل اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله ﷺ، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين، ففعل وكان أبى بن خلف صديقه فعاتبه وقال: صبأت يا عقبة؟ قال: لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي، فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي، فقال: وجهى من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك. فقال النبي ﷺ: "لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف"، فقتل يوم بدر: أمر عليا ﵁ بقتله. وقيل: قتله عاصم بن ثابت بن أقلح الأنصاري
_________________
(١) ـ قوله: (والأرم)، الجوهري: الأرم: الأضراس، كأنه جمع آرمٍ، يقال: فلانٌ يحرق عليك الأرم، إذا تغيظ فحك أضراسه ببعض. قوله: (عاصم بن ثابت بن أقلح)، أقلح: صح بالقاف في "المغرب"، وفي "الاستيعاب": عاصم بن ثابت بن أبي أقلح، أقلح: بالقاف، الذي بأسنانه خضرةٌ أو خفرة، وبه كني جد عاصم.
[ ١١ / ٢٢١ ]
وقال: يا محمد، إلى من الصبية قال: "إلى النار". وطعن رسول الله ﷺ أبيا بأحد، فرجع إلى مكة فمات. واللام في (الظَّالِمُ) يجوز أن تكون للعهد، يراد به عقبة خاصة. ويجوز أن تكون للجنس فيتناول عقبة وغيره. تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم يتشعب به طرق الضلالة والهوى. أو أراد أنى كنت ضالا لم يكن لي سبيل قط، فليتني حصلت بنفسي في صحبة الرسول سبيلا. وقرئ: يا ويلتى بالياء، وهو الأصل، لأن الرجل ينادى ويلته وهي هلكته، يقول لها: تعالى فهذا أوانك. وإنما قلبت الياء ألفا كما في: صحارى، ومدارى. فلان: كناية عن الأعلام، كما أن الهن كناية عن الأجناس فإن أريد بالظالم عقبة، فالمعنى: ليتني لم أتخذ أبيا خليلا، فكنى عن اسمه.
وإن أريد به الجنس، فكل من اتخذ من المضلين خليلا كان لخليله اسم علم لا محالة، فجعله كناية عنه (عَنِ الذِّكْرِ): عن
_________________
(١) ـ قوله: (إلى من الصبية؟)، النهاية. الصبية: جمع صبي، والصبوة القياس، والأول أكثر استعمالًا. قوله: (فاللام في ﴿الظَّالِمُ﴾، الفاء نتيجةٌ، يعني: اللام في ﴿الظَّالِمُ﴾ على أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط: للعهد، وعلى أن تكون الآية عامةً تكون للجنس، فعلى هذا دل قوله: "وقيل نزلت في عقبة بن أبي معيطٍ" على قولٍ آخر مقدر. قوله: (أو أراد أني كنت ضالًا)، عطفٌ على جملة قوله: "تمنى أن لو صحب"، وهو تفسيرٌ لقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾، فالتنكير في ﴿سَبِيلًا﴾ إما للإفراد شخصًا، وهو سبيل الحق فيقدر الضلال عامًا ليتناول جميع طرق الضلال، ولهذا قال: طرق الضلالة بعد قوله: "طريقًا واحدًا"، وإما للشيوع، فالضلال- على هذا- مطلقٌ أيضًا، وإليه الإشارة بقوله: "لم يكن لي سبيلٌ قطٌ"، وقال: "سبيلًا"، أي: أي سبيلٍ كان. قوله: (ومداري)، الجوهري: المدري: القرن، وربما تصلح بها الماشطة قرون النساء، وهي شيءٌ كالمسلة.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
ذكر الله، أو القرآن، أو موعظة الرسول. ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق، وعزمه على الإسلام. والشيطان: إشارة إلى خليله، سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة. أو أراد إبليس، وأنه هو الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول، ثم خذله. أو أراد الجنس، وكل من تشيطن من الجنّ والإنس. ويحتمل أن يكون وَ(كانَ الشَّيْطانُ) حكاية كلام الظالم، وأن يكون كلام الله. (اتَّخَذْتُ): يقرأ على الإدغام والإظهار، والإدغام أكثر.
[(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا* وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا مِّنَ المُجْرِمِينَ وكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا ونَصِيرًا)].
(الرَّسُولُ): محمد ﷺ وقومه قريش، حكى الله عنه شكواه قومه إليه. وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية، وتخويف لقومه لأن الأنبياء كانوا إذا التجئوا إليه وشكوا إليه قومهم: حلّ بهم العذاب ولم ينظروا.
ثم أقبل عليه مسليا ومواسيا وواعدا النصرة عليهم، فقال: (وَكَذلِكَ) كان كل نبىّ قبلك مبتلى بعداوة قومه، وكفاك بى هاديا إلى طريق قهرهم والانتصار منهم، وناصرا لك عليهم. (مَهْجُورًا): تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان به. وعن
_________________
(١) ـ قوله: (نطقه بشهادة الحق)، أي: نطق عقبة بالشهادتين كما مر. قوله: (أو أراد الجنس)، فعلى هذا الجملة معترضةٌ مذيلةٌ، وعلى التعيين يجوز أن يكون حالًا. قوله: ﴿اتَّخَذْتُ﴾ يقرأ على الإدغام والإظهار)، ابن كثيرٍ وحفصٌ: بالإظهار، والباقون: بالإدغام. قوله: (مواسيًا)، الجوهري: أسيته تأسيةً: أي عزيته.
[ ١١ / ٢٢٣ ]
النبي ﷺ: "من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورا، اقض بيني وبينه". وقيل: هو من هجر، إذا هذى، أي: جعلوه مهجورا فيه، فحذف الجار وهو على وجهين، أحدهما: زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأوّلين. والثاني: أنهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله تعالى: (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) [فصلت: ٢٦]. ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر، كالمجلود والمعقول. والمعنى: اتخذوه هجرا.
والعدوّ: يجوز أن يكون واحدا وجمعا. كقوله: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) [الشعراء: ٧٧] وقيل: المعنى: وقال الرسول يوم القيامة.
[(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا* وَلا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا* الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا﴾) أي: بإنشاد الأناشيد وإنشاء الأراجيز، وبالمكاء والتصدية. قوله: (ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر)، عطفٌ على قوله: ﴿مَهْجُورًا﴾ تركوه"، كالمجلود بمعنى الجلادة، والمعقول بمعنى العقل، والمعنى: اتخذوه هجرًا، أي: نفس الهجر مبالغةً، هذا على قول الكوفيين، لأن صاحب "الكتاب" لم يثبت الوارد على وزن المفعول. الراغب: الهجر والهجران: مفارقة الإنسان غيره إما بالبدن، أو باللسان، أو بالقلب، وقوله تعالى: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ فهذا هجرٌ بالقلب، أو بالقلب واللسان. قوله: (وقيل: المعنى: وقال الرسول يوم القيامة)، عطفٌ على قوله: "حكى الله عنه شكواه قومه إليه".
[ ١١ / ٢٢٤ ]
(نُزِّلَ) هاهنا بمعنى أنزل لا غير، كخبر بمعنى أخبر، وإلا كان متدافعا. وهذا أيضا من اعتراضاتهم واقتراحاتهم الدالة على شرادهم عن الحق وتجافيهم عن اتباعه. قالوا: هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل على التفاريق. والقائلون: قريش. وقيل: اليهود. وهذا فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأنّ أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرّقا. وقوله: (كَذلِكَ) جواب لهم، أى: كذلك أنزل مفرّقا. والحكمة فيه: أن نقوّى بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه، لأنّ المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء، وجزأ عقيب جزء. ولو ألقى عليه جملة واحدة لبعل به وتعيا بحفظه، والرسول ﷺ فارقت حاله حال موسى وداود وعيسى، حيث كان أميًا لا
_________________
(١) ـ قوله: (وإلا كان متدافعًا)، أي: مدفوعًا بجملةٍ واحدة، يعني: أنهم اعترضوا أن القرآن لم فرق نزوله، ولم ينزل جملةً واحدةً؟ فلو ذهبت إلى قولك: هلا فرق نزلوه جملةً واحدةً؟ لوقعت في التناقض. عن بعضهم: ﴿نُزِّلَ﴾: على التفريق، بخلاف "أنزل"، وهاهنا بمعنى واحد، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، وهذا من التقاص والتعريض، كما في "عسى" و"كاد" في إثبات "أن" وحذفها. قوله: (فضولٌ من القول)، فضولٌ: جمع فضل، غلب على ما لا خير فيه، يخالف الجمع الواحد في قولهم: له فضلٌ، وفي فضول. قوله: (لبعل به)، بكسر العين. الأساس: بعل بالأمر: إذا عي به. الراغب: قيل لفحل النخل: بعل، تشبيهًا بالبعل من الرجال، واستبعل النخل: عظم وتصور من البعل الذي هو النخل قيامه في مكانه، فقيل: بعل فلانٌ بأمره، إذا أدهش وثبت في مكانه ثبات النخل في مكانه، كقولهم: ما هو إلا شجرٌ، فيمن لا يبرح.
[ ١١ / ٢٢٥ ]
يقرأ ولا يكتب وهم كانوا قارئين كاتبين، فلم يكن له بدّ من التلقن والتحفظ، فأنزل عليه منجما في عشرين سنة. وقيل: في ثلاث وعشرين. وأيضا: فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين، ولأنّ بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرّقا. فإن قلت: "ذلك" في (كَذَلِكَ) يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدّمه، والذي تقدّم هو إنزاله جملة، فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرّقا؟
_________________
(١) ـ قوله: (في عشرين سنةً، وقيل: في ثلاثٍ وعشرين)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن ابن عباسٍ ﵄: أن النبي - ﷺ - أقام بمكة خمس عشرة سنةً يسمع الصوت ويرى الضوء ولا يرى شيئًا سبع سنين وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا. وفي رواية: أنزل على النبي - ﷺ - وهو ابن أربعين سنةً، فمكث ثلاث عشرة سنةً، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي صلوات الله عليه وآله وصحبه أجمعين. قوله: (وأيضًا: فكان ينزل)، عطفُ على قوله: "أن يقوي بتفريقه فؤادك"، وهذا الوجه يتضمن فوائد، منها أن الحوادث السانحة تقتضي أحكامًا متجددة موافقةً لها. ومنها: أن أسئلة السائلين تستجد أجوبةً مطابقة لها. ومنها: أن المصالح تختلف بحسب الأزمان والأوقات، فزمان قلة العدد والعدد يستدعي أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وزمان كثرة الشوكة يوجب أن يخاطبوا بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. قوله: (فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرقًا؟)، يؤيد به تفسيره قبل هذا وقوله: " ﴿كَذَلِكَ﴾: جوابٌ لهم، أي: كذلك أنزل مفرقًا" يعني: إذا كان هذا جوابًا عن قولهم كان المشار إليه المقدم ذكره: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً﴾، فكيف تفسر بقولك: "كذلك أنزل مفرقًا"؟ وتلخيص الجواب: أن مفهوم قوله: هلا أنزل عليه جملةً؟ ذلك، لأنهم إذا طلبوا أن ينزل عليه جملةً فهم منه أنهم أنكروا الحالة الموجودة، وهو النزول مفرقًا. وهذا الجواب من
[ ١١ / ٢٢٦ ]
قلت: لأنّ قولهم: لولا أنزل عليه جملة: معناه: لم أنزل مفرّقا؟ والدليل على فساد هذا الاعتراض: أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدّوا بسورة واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا
_________________
(١) ـ القول بالموجب، أي: نعم، هو كما يقولون أنزل مفرقًا على خلاف ما أنزلت الكتب الثلاثة، أي: التوراة والإنجيل والزبور، والحكمة فيه أن يقوي بتفريقه فؤاد الرسول - ﷺ -، حتى يعيه ويحفظه ويبين لأمته ما يسنح له من الحوادث المتجددة، ويجيب أسئلة السائلين، ويظهر ما يقتضيه الوقت من الأحكام، وينسخه بحسب المصالح، وفي الكلام التفاتٌ، والله تعالى أعلم. قوله: (فأبرزوا صفحة عجزهم)، الأساس: نظر إليه بصفح وجهه، أي: بجانبه، وكتب صفحتي الورقة. شبه عجزهم المكنون فيهم بكتابٍ فيه أسرارٌ لا يكشف، تشبيهًا بليغًا، ثم خيل أنه كتابٌ بعينه، فأخذ الوهم في تصويره بصورته، وإثبات ما يلازم الكتاب عند العرض من الصفحة، ثم شبه هذا المتوهم بمثله من المحق، ثم أطلق المحقق وأريد المتوهم، وأضيف إلى المشبه الأول، ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة الحقيقة، فهي من الاستعارة المكنية المستلزمة للتخييلية، كأنهم أقروا بالعجز، وكتبوا على أنفسهم كتابًا، وشهروا عن صفحاته بين الناس، فعلى هذا: "وسجلوا على أنفسهم" ترشيحٌ للاستعارة، والدليل على التسجيل بالعجز اختيارهم أمرين دل كل واحدٍ على أن السيل قد بلغ الزبي، أحدهما اختيارهم الحرب على الإتيان بأقصر سورة، كما قال في الخطبة: فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر فطم على الكواكب. وثانيهما: الطعن بقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، فهذا دل على أن إفحامهم بلغ غايته، لأن ديدان المحجوج عليه أن يتشبث بما هو عليه، وإليه الإشارة بقوله: "كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته". قوله: (لاذوا)، الأساس: لاذ به لياذًا، ولاوذته لواذًا، واعتصم بلوذ الجبل بجانبه.
[ ١١ / ٢٢٧ ]
بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة، ثم قالوا: هلا نزل جملة واحدة! كأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته (وَرَتَّلْناهُ) معطوف على الفعل الذي تعلق به (كَذَلِكَ)، كأنه قال: كذلك فرقناه ورتلناه. ومعنى ترتيله: أن قدره آية بعد آية، ووقفة عقيب وقفة. ويجوز أن يكون المعنى: وأمرنا بترتيل قراءته، وذلك قوله: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: ٤]، أي: اقرأه بترسل وتثبت. ومنه حديث عائشة في صفة قراءته ﷺ: لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعدّ حروفه لعدّها. وأصله: الترتيل في الأسنان: وهو تفليجها. يقال: ثغر رتل ومرتل، ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه. وقيل: هو أن نزله مع كونه متفرقا على تمكث وتمهل في مدة متباعدة وهي عشرون سنة، ولم يفرقه في مدة متقاربة. (وَلا يَاتُونَكَ) بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة - كأنه مثل في البطلان - إلا أتيناك نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ومؤدّى من سؤالهم. ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام، وضع موضع معناه،
_________________
(١) ـ قوله: (بالمناصبة)، الأساس: نصبناهم حربًا، وناصبناهم مناصبةً، ونصبت لفلانٍ: عاديته نصبًا. قوله: (ومعنى ترتيله: أن قدرة آية بعد آية)، الراغب: الرتل: اتساق الشيء وانتظامه على استقامةٍ، يقال: رجلٌ رتل الأسنان، والترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولةٍ واستقامة. قال ﷿: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. قوله: (لا كسردكم)، النهاية: وفي صفة كلام رسول الله - ﷺ -: لم يكن يسرد الحديث سردًا، أي: يتابعه، ويستعجل فيه. قوله: (ولما كان التفسير هو: التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه)،
[ ١١ / ٢٢٨ ]
فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا.
_________________
(١) ـ يعني: قوله: ﴿تَفْسِيرًا﴾ في قوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وضع موضع "معنى ومؤدى"، أي: أحسن معنى ومؤدى من سؤالهم، فهو من وضع السبب موضع المسبب، لأن التكشيف سبب ظهور المعنى وكشفه، ففيه المبالغة مع الإيجاز. قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: وأحسن معنًى في غاية الحسن وكماله، ولا يقدر: من سؤالهم، ومثله قوله: الله أكبر له الكبرياء كلها. قلت: فإذًا يفوت معنى التسلية، لأن المعنى: لأنهم بك ما اقترحوه من قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً﴾ فإن تنزيله مفرقًا أحسن مما اقترحوه لفوائد شتى، وعلى هذا جميع ما اقترحوه. وهو المراد من قوله: "أو لا يأتونك بحالٍ وصفةٍ عجيبة، يقولون: هلا كانت هذه صفتك، إلا أعطيناك من الأحوال ما هو أحسن كشفًا من ذلك". قوله: (فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا)، قال الحريري في "درة الغواص في أوهام الخواص": يقال: قال فلانٌ: كيت وكيت، فيوهمون فيه، لأن العرب تقول: كان من الأمر كيت وكيت، وقال فلانٌ: ذيت وذيت، فيجعلون "كيت وكيت كنايةً عن المقال، كما أنهم يكنون عن مقدار الشيء وعدته بلفظة: كذا وكذا، فيقولون: قال فلانٌ من الشعر كذا وكذا بيتًا، واشترى الأمير كذا وكذا عبدًا، والأصل في هذه اللفظة "ذا" فأدخل عليها كاف التشبيه، إلا أنه قد انخلع من "ذا" معنى الإشارة، ومن الكاف معنى التشبيه، لأنك لست تشير إلى شيء، ولا تشبه شيئًا بشيء، وإنما تكني بها عن عددٍ ما، والكاف لما امتزجت بـ "ذا"، وصارت معه كالجزء الواحد ناسبت لفظتها لفظة "حبذا" التي لا يجوز أن يلحقها علامة التأنيث، فتقول: عنده كذا وكذا جاريةً، وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفةٌ بكلام العرب: لفلانٍ علي كذا كذا درهمًا، لزم له أحد عشر درهمًا، لأنه أقل الأعداد المركبة، وإن قال: له علي كذا وكذا درهمًا، لزم أحدٌ وعشرون درهمًا، لكونه أول الأعداد المعطوفة. وعن بعضهم: يقال: كان من الأمر كيت وكيت.
[ ١١ / ٢٢٩ ]
أو: لا يأتونك بحال وصفة عجيبة، يقولون: هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو: أن يقرن بك ملك ينذر معك، أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة، إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه، وما هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، يعنى: أن تنزيله مفرقا وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما تزل شيء منها: أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، كأنه قيل لهم: إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته. ولو نظرتم بعين الإنصاف
_________________
(١) ـ بكسر التاء وفتحها، وأصل التاء فيهما هاءٌ، وإنما صارت تاءً في الوصل. وحكى أبو عبيدة: كان من الأمر كيه وكيه بالهاء، ويقال: كيهه، كما يقال: لمه، في الوقف. قوله: (أو لا يأتونك بحالٍ وصفةٍ)، عطفٌ على قوله: "ولا يأتونك بسؤالٍ عجيب". قوله: (كأنه قيل لهم: إن حاملكم على هذه السؤالات)، إشارةٌ إلى أن المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ القوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فوضع المظهر موضع المضمر إشعارًا بتوهينهم، وتحقيرًا لشأنهم، قال القاضي: وهو ذمٌ منصوب، أو مرفوعٌ، أو مبتدأٌ خبره ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، والمفضل عليه هو الرسول - ﷺ -. قوله: (ولو نظرتم بعين الإنصاف)، أي: هو من باب الكلام المنصف وإرخاء العنان، فصل قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ عما قبله استئنافًا، لأنه تعالى لما قال لرسوله صلوات الله عليه مسليًا: ﴿وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ حرك منه صلوات الله عليه بأن يسأل: فإذن بماذا أجيبهم وما يكون قولي لهم؟ قيل: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾
[ ١١ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ يعني: مقصودكم عن هذا التعنت تحقير مكاني، وتضليل سبيلي، وما أقول لكم: أنتم كذلك، بل أقول: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ الآية. فانظروا بعين الإنصاف، وتفكروا: من الذي هو أولى بهذا الوصف منا ومنكم، ليعلموا أن مكانكم شرٌ من مكاننا، وسبيلكم أضل من سبيلنا. وعليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] يبعثهم على الفكر في حال أنفسهم وما هم عليه من العنت والفساد، وحال نفسه والمؤمنين وما هم عليه من الإصلاح، ليعلموا أن المؤمنين على هدى، وهم على ضلال. فالمكان على هذا التفسير: المنزلة، و﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾: مبتدأ، و﴿أُولَئِكَ﴾: خبره، والجملة مستأنفةٌ، و﴿شَرٌّ﴾ و﴿أَضَلُّ﴾ محمولان على التفضيل، ولذلك قال: "وفي طريقته: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] لمجيء متعلق "شر" و﴿قُلْ﴾ منصوصًا فيه، وأن المثوبة مفسرةٌ، بالعقوبة على زعمهم ودعواهم. وأما معنى الأفضلية فهو كما قال: كان اليهود- لعنوا- يزعمون أن المسلمين ضالون، مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه الله شرٌ عقوبةً في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم، وإلى هذا المعنى أشار هاهنا بقوله: "إنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه"، فقوله: "ويجوز أنه يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، إلى آخره، ليس بوجهٍ آخر، ولكنه مبنيٌ على قوله: "وتحتقرون مكانه ومنزلته"، يعني: هذا المكان يجوز أن يحمل على الشرف والمنزلة كما سبق، وعلى الدار والسكن أيضًا، والتأويل التأويل. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ليس المراد أن مكانهم شرٌ من مكانه، وسبيلهم أضل من سبيله، والمراد أن مكانهم، وهو جهنم، فيه كل الشر، وسبيلهم في الضلالة في غاية الكمال، كأنه قيل: لا مكان شرٌ من مكانهم، وهو جهنم، ولا سبيل أضل من سبيلهم، وهو
[ ١١ / ٢٣١ ]
وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله. وفي طريقته قوله: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) الآية [المائدة: ٦٠]. ويجوز أن يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، وأن يراد الدار والمسكن، كقوله: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) [مريم: ٧٣]. ووصف السبيل بالضلال من المجازى الحكمي.
_________________
(١) ـ الإشراك بالله، وما هم عليه من الأفعال والأحوال، فعلى هذا التقدير: هم الذين يحشرون على وجوههم، و"هم" يرجع إلى الضمير في ﴿يَاتُونَكَ﴾، ويمكن أن يكون ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ بدلًا من الضمير في ﴿يَاتُونَكَ﴾، و﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾: كلامٌ مستأنفٌ، والمراد من قوله: ﴿شَرٌّ﴾ و﴿وَأَضَلُّ﴾ الكمال والكل كما مر، والله الهادي. قلت: هذا التأويل إنما يحسن إذا حمل المكان على الشرف والمنزلة، ويحمل ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ منصوبًا أو مرفوعًا على الذم كما قال القاضي، و﴿أُولَئِكَ﴾: جملةٌ مستأنفةٌ تسليًا لرسول الله - ﷺ -. المعنى: ولا يأتونك بحالٍ أو صفةٍ عجيبةٍ يريدون بذلك حط منزلتك عند الناس إلا أعطيناك نحن من الأحوال والرفعة ما هو أحسن تكشيفًا، كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، فلا تبال بهم ولا بكيدهم، أعني الذين يحشرون على وجوههم منكوبين مخذولين امتهانًا بهم أولئك شرٌ منزلةً، وأضل سبيلًا. قوله: (كقوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾، وجه التشبيه: يجوز أن يكون من حيث الدار والمسكن، وأن يكون من حيث الشرف والمنزلة، والمعنى: إن نظرتم بعين الإنصاف وحالكم أنكم تسحبون على وجوهكم إلى جهنم ذليلين مهانين، وحال المؤمنين بخلاف ذلك، لعلمتم الآن أن مكانكم أبلغ في الشر من مكان المؤمنين، كما تزعمون أن مقامكم خيرٌ من مقامهم ونديكم أحسن من نديهم. قوله: (من المجاز الحكمي)، من المجاز الذي يتعلق بحكم الكلام لا باللفظ"، يعني: أن الحكم معدى من مكانه الأصلي إلى غيره، كما تقول: أنبت الربيع البقل، فإن حكم
[ ١١ / ٢٣٢ ]
وعن النبي ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا".
[(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا* فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا)].
_________________
(١) ـ الأصل: أنبت الله البقل وقت الربيع، فعدي منه وأسند إلى الربيع مبالغةً. كذلك هاهنا، الأصل: أولئك أضل منه في السبيل، فأسند الضلال إلى السبيل مبالغةً، حيث جعل تمييزًا ليؤذن أن سبيلهم ضالٌ لقوة الضلال فيهم، نحو: مكانٌ سائرٌ. قوله: (يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاثٍ)، الحديث، من راوية الترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم"، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدبٍ وشوك". قال القاضي: صنف المشاة: المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها، ولعلهم أصحاب اليمين، والركبان هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويجتنبون عن السيئات، يسرعون إلى ما أعد لهم في الجنان إسراع الركبان، ولعلهم السابقون. وقلت: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: الكفار والمشركون، ولعلهم أصحاب الشمال، لقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧]. قوله: (ينسلون نسلًا)، الجوهري: نسل في العدو، ينسل، نسلًا ونسلانًا، أي: أسرع
[ ١١ / ٢٣٣ ]
الوزارة لا تنافي النبوّة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا. والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، كقوله: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) [الشعراء: ٦٣] أي: فضرب فانفلق. أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أوّلها وآخرها، لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني: إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. وعن علي ﵁: (ودمَّرتُهم)، وعنه: (فدَمِّراهُم). وقرئ (فدمّرانّهم) على التأكيد بالنون الثقيلة.
_________________
(١) ـ قوله: (يؤازر بعضهم بعضًا)، الجوهري: الوزر: الملجأ. وأصل الوزر: الجبل. والوزر: الإثم، والثقل والمكاره، والسلاح. الوزير: المؤازر، كالأكيل والمؤاكل، لأنه يحمل عنه وزره، أي: ثقله. قوله: (وقرئ: "فدمرانهم" على التأكيد بالنون)، قال ابن جني: هي قراءة علي ومسلمة، كأنه أمر موسى وهارون ﵉ أن يدمرانهم، وألحق نون التوكيد ألف التثنية، كما تقول: أضربان زيدًا ولا تقتلان جعفرًا. وقال صاحب "المطلع": فإن قيل: لم يكونوا كذبوا بالآيات حين أمر بالذهاب إليهم، فكيف وصفوا؟ قلنا: المعنى اذهبا بآياتنا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا المتقدمة مع الرسل الماضية. وقال الإمام: إنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات المنكرين، شرع في ذكر القصص على السنن المعلوم، فبدأ بقصة موسى ﵇، أي: لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب وآتيناه الآيات فرد، فقد آتينا موسى التوراة وقوينا عضده بأخيه هارون، مع ذلك فقد رد وكد، وكذلك الرسل قاطبة. وقلت: إن الله تعالى لما حكم بقوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ وسلاه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ جاء بتفصيل ذلك،
[ ١١ / ٢٣٤ ]
[(وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا)].
كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا. أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيب للجميع أو لم يروا بعثة الرسل أصلا كالبراهمة (وَجَعَلْناهُمْ)، وجعلنا
_________________
(١) ـ وبدأ بقصة موسى وفرعون مجملًا، وثنى بقصة نوح، وثلث بعادٍ، ثم أجمل بقوله: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾. قوله: (أو لم يروا بعثة الرسل أصلًا)، التعريف في قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ إما للعهد، والمراد: رسلٌ مخصوصون، فهو المراد من قوله: "كذبوا نوحًا من قبله"، وإما لاستغراق الجنس، فهو المراد من قوله: "تكذيبهم لواحد منهم تكذيبٌ للجمع"، وذلك أن لكل فردٍ من أفراد تلك الحقيقة حكم الجميع، فمن كذب واحدًا لزم منع تكذيب الجميع، لأن وجه دلالة المعجز على الصدق مشتركٌ فيهم، وعليه قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وإما للجنس، وهو المراد من قوله: "أو لم يروا بعثة الرسل أصلًا"، أي: كذبوا هذا الجنس المسمى بالرسل، كقولهم: فلانٌ يركب الخيل، وما له إلا فرسٌ واحد. والوجه الثاني والثالث: كنايتان متقابلتان لما يلزم في الثاني من تكذيب نوح تكذيب الرسل قاطبةً، ومن الثالث عكسه، والفرق بين الوجه الثاني والثالث: هو أن التكذيب في الثاني تابعٌ للوصفية حيثما وجدت ترتب عليها التكذيب وفي الثالث تابع للماهية، والله أعلم. قوله: (كالبراهمة)، قيل: هم قومٌ لا يجوزون على الله بعثة الرسل، والبرهمة: إدامة النظر، وسكون الطرف، وبرهم: إذا فتح عينيه وأحد النظر. قال الشهر ستاني صاحب "الملل والنحل": الهند أمةٌ كبيرة، وآراؤهم مختلفةٌ، والبراهمة انتسبوا إلى رجلٍ منهم يقال له برهام، قد مهد لهم نفي النبوات أصلًا، وقرر استحالة ذلك في العقول.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
إغراقهم أو قصتهم (لِلظَّالِمِينَ) إمّا أن يعنى بهم قوم نوح، وأصله: وأعتدنا لهم، إلا أنه قصد تظليمهم فأظهر. وإمّا أن يتناولهم بعمومه.
[(وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا)].
عطف عادا على "هُمْ" في (وجَعَلْنَاهُمْ) [الفرقان: ٣٧] أو على الظالمين، لأنّ المعنى: ووعدنا الظالمين. وقرئ:
(وثَمُودَا) على تأويله القبيلة، وأما المنصرف فعلى تأويل الحي، أو لأنه اسم الأب الأكبر. قيل في أصحاب الرس: كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، فبعث الله إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام. فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه. فبيناهم حول الرس وهو
_________________
(١) ـ قوله: (قصد تظليمهم فأظهر)، أي: وضع الظاهر موضع المضمر تظليمًا لهم، من: ظلمه، أي: قال له: إنك ظالمٌ، أو نسبهم إلى الظلم ليؤذن أن تعذيبهم وإغراقهم بسبب تكذيبهم الرسل، وأن لا ظلم أظهر منه، وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ على وضع المضمر موضع المظهر عطفه على ﴿أَغْرَقْنَا﴾ ليجمع لهم نكال الدارين، وعلى العموم من باب التذييل فيدخلوا في العام دخولًا أوليًا. قوله: (لأن المعنى: ووعدنا الظالمين)، يعني: قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في معنى الوعيد، أي: ووعدنا الظالمين، ثم عطف عادًا وثمود عطف الخاص على العام مبالغةً، لأنهم رؤوس الظلمة والأوحديون فيه. قوله: (وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾، حفصٌ وحمزة: بغير تنوين، والباقون: بالتنوين. قوله: (أصحاب أبآر)، الجوهري: البئر: جمعها في القلة: أبؤرٌ وأبارٌ، بهمزةٍ بعد الباء.
[ ١١ / ٢٣٦ ]
البئر غير المطوية. عن أبي عبيدة- انهارت بهم، فخسف بهم وبديارهم. وقيل: الرس: قرية بفلج اليمامة، قتلوا نبيهم فهلكوا، وهم بقية ثمود قوم صالح. وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان، كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير، سميت لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح، وهي تنقض على صبيانهم فتختطفهم إن أعوزها الصيد. فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا: وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس: هو الأخدود.
وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار. وقيل: كذبوا نبيهم ورسوه في بئر، أى: دسوه فيها (بَيْنَ ذلِكَ) أي: بين ذلك المذكور، وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بـ "ذلك"، ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول: فذلك كيت وكيت على معنى: فذلك المحسوب أو المعدود. (ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ): بينا له
_________________
(١) ـ قوله: (البئر غير المطوية)، أي: غير المبنية. الأساس: طوى البناء باللبن، والبئر: بالحجارة، وهي الطوي والأطواء. قوله: (قريةٌ بفلج اليمامة)، النهاية: فلج بفتحتين: قريةٌ عظيمةٌ من ناحية اليمامة، وموضعٌ باليمن من مساكن عاد، وبسكون اللام: وادٍ قريبٌ من البصرة. قوله: (حنطلة بن صفوان)، روى محيي السنة عن سعيد بن جيبر: كان لهم نبيٌ يقال له: حنظلة بن صفوان، فقتلوه فأهلكهم الله. وأما حديث العنقاء فما وجدته إلا في "مجمع الأمثال" للميداني. قوله: (يقال له: فتخ)، قيل: صح بالتاء المثناة من فوق والخاء المعجمة، وبالحاء غير المعجمة: رواية، وبالجيم والياء التحتاني أيضًا، ذكره صاحب "الإيضاح" في "شرح المقامات".
[ ١١ / ٢٣٧ ]
القصص العجيبة من قصص الأوّلين، ووصفنا لهم ما أجروا إليه من تكذيب الأنبياء وجرى عليهم من عذاب الله وتدميره. والتتبير: التفتيت والتكسير. ومنه: التبر، وهو كسار الذهب والفضة والزجاج. و(كُلًّا) الأوّل منصوب بما دل عليه (ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ)؛ وهو: أنذرنا. أو: حذرنا. والثاني بـ (تَبَّرْنَا)، لأنه فارغ له.
[(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا)].
أراد بالقرية "سدوم" من قرى قوم لوط، وكانت خمسا: أهلك الله تعالى أربعا بأهلها وبقيت واحدة. ومطر السوء: الحجارة، يعني: أن قريشا مرّوا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء (أَفَلَمْ يَكُونُوا) في مرار مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله ونكاله ويذكرون؟ (بَلْ كانُوا) قوما كفرة بالبعث لا يتوقعون (نُشُورًا) وعاقبة، فوضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن، فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا، ومرّوا بها كما
_________________
(١) ـ قوله: (أراد بالقرية: سدوم، من قرى قوم لوطٍ ﵇)، وعن بعضهم: سدوم عظامها وعاموراء وأذوما وصبوائيم وصغر، نجت صغر، وهلكت البواقي، وفي حاشيةٍ موثوقٍ بها: سذوم بالذال المعجمة، ذكره الأزهري. والجوهري بالدال غير المعجمة. قوله: (لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن)، يريد أن حقيقة الرجاء انتظار الخير.
[ ١١ / ٢٣٨ ]
مرّت ركابهم. أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون؛ لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم. أو: لا يخافون، على اللغة التهامية.
[(وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا* إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا)].
"إِنْ" الأولى نافية، والثانية: مخففة من الثقيلة. واللام هي الفارقة بينهما. واتخذه هزوا:
في معنى استهزأ به، والأصل: اتخذه موضع هزء، أو مهزوءا به (أَهذَا) محكي بعد القول المضمر. وهذا استصغار، و(بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) وإخراجه في معرض
_________________
(١) ـ الراغب: الرجاء: ظن حصول ما فيه مسرةٌ. الأساس: أرجو من الله المغفرة، ورجوت في ولدي الرشد، وأتيت فلانًا رجاء أن يحسن إلي، والكافر لا يرجو بل يتوقع، لأن التوقع: الترقب. الأساس: توقعته: ترقبت وقوعه. قوله: (أو: لا يأملون)، فعلى هذا الرجاء على حقيقته. قوله: (أو: لا يخافون)، الأساس: ومن المجاز استعمال الرجاء في معنى الخوف والاكتراث، يقال: لقيت هولًا ما رجيته وما ارتجيته. قوله: (وهذا استصغار)، مبتدأٌ وخبر. قوله: (و﴿بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾)، في موضع الابتداء على حكاية القرآن، والخبر: "سخريةٌ"، أي: بعثه، وحذف الضمير. ويروى: "بعث الله" على المصدر. قال الإمام: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ فاستحقروه بقوله: ﴿أَهَذَا﴾ واستهزؤوا به بقولهم: ﴿رَسُولًا﴾، وهم منكرون، ذلك جهلٌ عظيم، لأن الاستهزاء والاحتقار إما أن يقع بصورته أو صفته، أما الأول
[ ١١ / ٢٣٩ ]
التسليم والإقرار، وهم على غاية الجحود والإنكار: سخرية واستهزاء، ولو لم يستهزئوا لقالوا: أهذا الذي زعم أو ادّعى أنه مبعوث من عند الله رسولا؟ وقولهم: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) دليل على فرط مجاهدة رسول الله ﷺ في دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات والمعجزات عليهم حتى شارفوا- بزعمهم- أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم
_________________
(١) ـ فباطلٌ، لأنه صلوات الله عليه كان أحسن منهم خلقةً على أن لم يكن يدعي ذلك. وأما الثاني فكذلك، لأنه صلوات الله عليه ادعى التميز عنهم بإظهار المعجزة، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين استحقوا أن يهزأ بهم، ويحقر شأنهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في أكثر الأوقات إلا السفاهة. قوله: (ولو لم يستهزئوا لقالوا: أهذا الذي زعم أنه مبعوثٌ من عند الله رسولًا؟)، لأن من مقتضى الظاهر أن يترجموا عن معتقدهم بقولهم: أهذا الذي زعم أنه مبعوثٌ من عند الله؟ فلما أتوا بالفعل الماضي وأوقعوا رسولًا حالًا من المفعول، وجعلوا الجملة صلة الموصول، أعلموا بأنه مقررٌ عندهم أنه رسولٌ ثابت الرسالة، فلو لم يحمل على الاستهزاء، لأن القوم كفرةٌ معاندةٌ، لا يكون له معنى. قوله: (ذليلٌ على فرط مجاهدة الرسول - ﷺ - في دعوتهم)، قال الإمام: وتدل الآية على اعتراف القوم بأنهم ما اعترضوا على الدلائل كلها إلا بمحض الجمود والتقليد، لأن قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ إشارةٌ إلى الجمود والإصرار، كدأب الجهال، وإلى أنهم مقهورون تحت حجته صلوات الله عليه، وما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة. وإلى أنهم سلموا في آخر الأمر قوة الحجة ورزانة العقل، فالقوم لما جمعوا بين الاستهزاء والاستحقار، وبين رزانة العقل وقوة الحجة، دل على أنهم كانوا متحيرين في أمره.
[ ١١ / ٢٤٠ ]
و"لَوْلا" في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى - لا من حيث الصنعة - مجرى التقييد للحكم المطلق (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدّة الإمهال، ولا بدّ للوعيد أن يلحقهم فلا يغرّنهم التأخير. وقوله: (مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) كالجواب عن قولهم: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا)؛ لأنه نسبة لرسول الله إلى الضلال من حيث لا يضلّ غيره إلا من هو ضال في نفسه. ويروى: أنه من قول أبي جهل لعنه الله.
[(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)].
من كان في طاعة الهوى في دينه يتبعه في كل ما يأتى ويذر، لا يتبصر دليلا ولا يصغي إلى برهان. فهو عابد هواه وجاعله إلهه، فيقول لرسوله هذا الذي لا يرى
_________________
(١) ـ قوله: (و"لولا" في مثل هذا الكلام جارٍ- من حيث المعنى لا من حيث الصنعة- مجرى التقييد للحكم المطلق)، ويروى: لا من حيث الصنعة، بالنون والعين المهملة، أي: صنعة أهل النحو، يعني: أن صنعة النحو تقتضي أن يأتي بعد كلمات الشرط جملتان: شرطٌ وجزاء، وقد يؤتى في بعض المواضع الذي يراد تقييد الجملة المتقدمة بشرطٍ محذوفٍ جوابه، كقولك: آتيك غدًا إن تركني فلانٌ، فقولك: إن تركني: تقييدٌ لا من حيث الصنعة، لأن "إن" ليست بموضوعية للقيد، قال: " ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾ [الممتحنة: ١]، متعلقٌ بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين في مثله: هو شرطٌ جوابه محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه"، وحكم "لولا" حكم كلمات الشرط في اقتضاء الجملتين، وتقدير الربط بينهما. قوله: (من كان في طاعة الهوى)، "من": شرطيةٌ، أو موصولةٌ، والخبر أو الجزاء قوله: "فهو عابدٌ هواه"، وقوله: "فيقول"، مرتبٌ عليهما، والهمزة فلي ﴿أَرَأَيْتَ﴾ للتقرير والإنكار، يعني: إذا كان الشأن كذلك فيقول الله لرسوله: أرأيت من اتخذ إلهه هواه أنت تتوكل عليه وتحبره على الإسلام؟ وإليه الإشارة بقوله: "هذا الذي لا يرى معبودًا إلا هواه" إلى آخره، ويجوز أن يكون قوله: "فهو عابدٌ هواه" معطوفًا على "يتبعه في كل ما يأتي ويذر"، "فيقول" جزاء الشرط، أي: كونهم على هذه الحالة الشنيعة، سببٌ لأن ينكر الله تعالى على رسوله
[ ١١ / ٢٤١ ]
معبودا إلا هواه: كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى؟ أفتتوكل عليه وتجبره على الإسلام وتقول: لا بدّ أن تسلم شئت أو أبيت، ولا إكراه في الدين؟ وهذا كقوله: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق: ٤٥]، (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية: ٢٢]. ويروى: أنّ الرجل منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ آخر. ومنهم الحرث بن قيس السهمي.
[(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)].
(أَمْ) هذه منقطعة، معناه: بل أتحسب كأن هذه المذمة أشدّ من التي تقدّمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنا ولا إلى تدبره عقلا، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلال، ثم أرجح ضلالة منها. فإن قلت لم أخر هواه والأصل قولك: اتخذ الهوى إلها؟ قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأوّل للعناية،
_________________
(١) ـ ويقول: هذا الذي لا يرى معبودًا إلا هواه. هذا التقدير أوفق لتفسير الآية، لأن قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ واقعٌ جزاءً للشرط، وهو معنى قوله: "فيقول لرسوله هذا الذي" ليؤذن بأن الجزاء لا يستقيم إلا بتقدير الإخبار والقول. وقد أكد الله ﷾ الإنكار حيث أخرج الشرط والجزاء الإنكار، وأقحم حرف الإنكار بين الشرط والجزاء على ضمير الفاعل المعنوي ليدل على أن الوكيل هو الله تعالى، ليس غيره أحدٌ. قوله: (أفتتوكل عليه؟)، قيل: هو مطاوع وكله: جعله وكيلًا، يقال: توكل لي على فلانٍ حتى تأخذ حقي منه. قوله: (ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية)، الانتصاف: وفيه نكتة إفادة الحصر، فإن الجملة قبل دخول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ و﴿اتَّخَذَ﴾ مبتدأٌ، وخبر المبتدأ: ﴿إِلَهَهُ﴾،
[ ١١ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والخبر: ﴿هَوَاهُ﴾. وتقديم الخبر كما علمت يفيد الحصر، فكأنه قال: أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه؟ وذلك أبلغ في ذمه وتوبيخه. وقال صاحب "الفرائد": تقديم المفعول الثاني يمكن، حيث يمكن تقديم الخبر على المبتدأ، والمعرفتان إذا وقعتا مبتدأ وخبرًا فالمتقدم هو المبتدأ، فقوله: كما تقول: علمت منطلقًا زيدًا، ليس بسديد، ويمكن أن يقال: المتقدم هاهنا يشعر بالثبات، بخلاف المتأخر، فتقديم ﴿إِلَهَهُ﴾، على ﴿هَوَاهُ﴾. وقلت: لا يشك في أن مرتبة المبتدأ التقديم، وأن المعرفين أيهما قدم فهو المبتدأ، لكن صاحب المعاني لا يقطع نظره من أصل المعنى، فإذا قيل: زيدٌ الأسد، فالأسد هو المشبه به أصالةً، ومرتبته التأخير عن المشبه بلا نزاع، فإذا جعلته مبتدأ في قولك: الأسد زيدٌ، أزلته عن مقره الأصلي للمبالغة، وما يعني بالمقدم إلا المزال عن مكانه، لا القار فيه، فالمشبه به هاهنا: الإله، والمشبه: الهوى، لأنهم نزلوا أهواءهم في المتابعة منزلة الإله، وإليه الإشارة بقوله: "اتخذ الهوى إلهًا"، فقدم المشبه به الأصلي، وأوقعه مشبهًا، ليؤذن بأن الهوى في باب استحقاق العبادة لها أقوى من الإله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولمح صاحب "المفتاح" إلى هذا المعنى في كتابه. وإنما قال المؤلف: "ما هو إلا تقديم المفعول" على الحصر، لئلا يتوهم متوهمٌ خلافه، وأما المثال الذي أورده صاحب "الفرائد" فمعنى قوله: اتخذ ابنه غلامه، جعل ابنه كالغلام يخدمه في مهنة أهله، وقوله: اتخذ غلامه، ابنه جعل غلامه ابنه مكرمًا مدللًا.
[ ١١ / ٢٤٣ ]
كما تقول: علمت منطلقا زيدا: لفضل عنايتك بالمنطلق. فإن قلت: ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت: كان فيهم من لم يصدّه عن الإسلام إلا داء واحد: وهو حب الرياسة، وكفى به داء عضالا. فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الإنعام؟ قلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وتهتدى لمراعيها ومشاربها. وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوّهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشدّ المضارّ والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهنىّ والعذب الروي.
[(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا)].
(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ): ألم ننظر إلى صنع ربك وقدرته؟ ومعنى مدّ الظل: أن
_________________
(١) ـ قوله: (والعذب الروي)، أي: المروي: وهو من الإسناد المجازي، لأن الروي في الحقيقة: الريان، وهو الرجل، وهو فعيلٌ بمعنى مفعل، كالحكيم بمعنى المحكم في أحد الأقوال. الأساس: وماءٌ رواءٌ ورويٌ: وللوارد فيه: ريٌ. ورويت على أهلي، ورويت لهم ورويتهم: استقيت لهم، ومن المجاز: سحاب روي: عظيم القطر، وكأس روية. قوله: (ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته؟)، قال القاضي: أصله: ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، فغير النظم إشعارًا بأن المعقول لوضوح برهانه، وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة، وأن ذلك فعل الصانع الحكيم، كالمحسوس المشاهد المرئي، أو لم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل، وذلك فيما بين طلوع الفجر، وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر، وشعاع الشمس يسخن الجو، ويبهر المبصر ولذل وصف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
[ ١١ / ٢٤٤ ]
جعله يمتدّ وينبسط فينتفع به الناس. (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا) أي: لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة، غير منبسط فلم ينتفع به أحد: سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا. ومعنى كون الشمس دليلا: أنّ الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل، من كونه ثابتا في مكان وزائلا ومتسعا ومتقلصا، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك. وقبضه إليه: أنه ينسخه
_________________
(١) ـ وقلت: ولو قيل: ألم تر إلى الظل كيف مده؟ كان الانتقال من الأثر إلى المؤثر، والذي عليه التلاوة عكسه، والمقام يقتضيه، لأن الكلام في تقريع القوم، وتجهيلهم في اتخاذهم الهوى إلهًا مع وضوح هذه الدلائل، ولذلك جعل ما يدل على ذاته مقدمًا على أفعاله في سائر آياته ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا﴾. روى السلمي في "الحقائق"، عن بعضهم: مخاطبة العام: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ومخاطبة الخاص: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾. قوله: (سمى انبساط الظل وامتداده تحركًا منه، وعدم ذلك سكونًا)، يعني: قوبل ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ بقوله: ﴿سَاكِنًا﴾، ومقابل السكون الحركة، فيكون إطلاق مد ظل وبسطه على الحركة من باب تسمية الشيء باسم ملابسه أو سببه. فإن قلت: لم عدل عن "متحركًا" إلى "مد" وهو أظهر من "مد" في تناوله الانبساط والامتداد؟ قلت: ليدمج فيه معنى الانتفاع المقصود بالذات، وهو معرفة أوقات الصلوات، فإن اعتبار الظل فيها بالامتداد دون الانبساط، وتمم معنى الإدماج بقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: بالتدريج والمهل لمعرفة الساعات والأوقات، وفيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٨].
[ ١١ / ٢٤٥ ]
بضح الشمس (يَسِيرًا) أي: على مهل. وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لا يعدّ ولا يحصر، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا. فإن قلت: (ثُمَّ) في هذين الموضعين كيف موقعها؟ قلت: موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة: كأن الثاني أعظم من الأوّل، والثالث أعظم منهما، تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. ووجه آخر: وهو أنه
_________________
(١) ـ قوله: (بضح الشمس)، النهاية: الضح: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض، وهو كالقمراء للقمر. قوله: (كأن الثاني أعظم من الأول) لأن في إزالة الظل بالشمس دليلًا على جوده، فلولا الشمس ما عرف الظل، وأما الانتفاع بهما فالانتشار في النهار، والهدوء في الليل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [الإسراء: ٦٦]، وما يحصل من وجود الليل من الرطوبة التي ينمو بها النامي، وتصبغ الفواكه، ومن وجود النهار الإنضاج، وأكثر الاستمتاع. وكون الثالث، أي: قبض الظل قبضًا يسيرًا، أعظم من الثاني، لأن فيه الحصول والإزالة مع التدرج والمهل، فتحصل تلك الفائدة مع معرفة الساعات والأوقات المنوطة عليها أكثر أحكام الشرع، ولأن في التدرج الاستئناس، وفي الفجاءة التوحش. قوله: (تشبيهًا لتباعد ما بينهما)، يعني: "ثم" هاهنا استعارةٌ تبعيةٌ، حيث شبه بعد المرتبة بالبعد الزماني، ثم استعير لجانب المشبه لفظة "ثم"، وليس المعنى أنه تعالى بعد ذلك المد بزمانٍ متراخٍ جعل الشمس عليه دليلًا، فيجب الحمل على المجاز، وكذلك ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾. قوله: (ووجهٌ آخر)، وهذا الوجه مبنيٌ على أن "ثم" مجرى على حقيقتها، وهي التراخي في الزمان، ولا شك أن الظلمة سابقةٌ على النور، قال الله تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، وقال - ﷺ -: "إن الله خلق الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره"، أخرجه الإمام أحمد بن حنبلٍ في "مسنده" عن عبد الله بن عمروٍ.
[ ١١ / ٢٤٦ ]
مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فينانا ما في أديمه جوب لعدم النير، ولو شاء لجعله ساكنا مستقرّا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل، أى: سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد بها وينقص، ويمتدّ ويتقلص، ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير. ويحتمل أن يريد: قبضه عند قيام
_________________
(١) ـ قوله: (فينانًا)، الأساس: وغصنٌ فينانٌ: كثير الأفنان، وهو في ظل عيشٍ وفينان شجرة، وعن بعضهم: ظلٌ فينانٌ، أي: ظليلٌ، وصرفه حيث فيعالًا من الفنن، وأصله في الشجر، يقال: شجرةٌ فينانةٌ. وفي "الصحاح": رجلٌ فينان: طويل الشعر وحسنه، وهو فعلان، جعله من الفينة. قيل: وأطبق الإمامان على أنه منصرفٌ، والحسن بن هانئ منعه الصرف في قوله: فينان ما في أديمه جوب وهو وهمٌ منه، كما وهم الطائي في قوله: والنبع عريان ما في عوده ثمر قوله: (ما في أديمه جوبٌ)، هو جمع جوبةٍ. الجوهري: الجوبة: الفرجة في السحاب وفي الجبال. وانجابت السحابة: انكشفت، والجوبة: موضعٌ ينجاب في الحرة، والجمع جوبٌ.
[ ١١ / ٢٤٧ ]
الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تلقي الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه، وقوله: (قَبَضْنَاهُ إلَيْنَا): يدل عليه، وكذلك قوله (يَسِيرًا)، كما قال ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ [ق: ٤٤].
[(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا)].
شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. والسبات: الموت. والمسبوت: الميت، لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: ٦٠]. فإن قلت: هلا فسرته بالراحة؟
قلت: النشور في مقابلته يأباه
_________________
(١) ـ قوله: (﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ يدل عليه)، أي: يدل على أن المراد قبض الظل وإعدامه. وصف القبض باليسير، لأن إتيان الساعة وأماراتها عليه يسيرٌ، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. وفائدة إلينا في ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ وصيغة الجمع: القبض التام كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. قوله: (هلا فسرته بالراحة؟)، يعني: السبات لفظٌ مشتركٌ. الجوهري: السبات: النوم، وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩]، وقال: المسبوت: الميت، والمغشي عليه، وكذلك العليل إذا كان ملقًى كالنائم. الأساس: جعل الله النوم سباتًا: موتًا، وأصبح فلانٌ مسبوتًا: ميتًا، فلم خصصته بالموت؟ وأجاب: أن النظم والتقابل هو القرينة المخصصة. فإن قلت: ﴿النَّهَارَ نُشُورًا﴾ في مقابل ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ و﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ لا قرينة لها؟ قلت: تكرير ﴿جَعَلَ﴾ يدل على أن النوم داخلٌ في حكم ﴿جَعَلَ﴾ الأول، وأن النشر في النهار يقابلها لاشتمال النشور على الظهور والبعث. فإن قلت: وقد فسر القاضي بهما حيث قال: جعل النوم سباتًا: راحةً للأبدان، بقطع
[ ١١ / ٢٤٨ ]
إباء العيوف الورد وهو مرنق. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأنّ الاحتجاب بستر الليل،
_________________
(١) ـ المشاغل، وأصل السبت: القطع، أو موتًا، لأنه قطع الحياة ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ذا نشور، أي: انتشارٍ ينتشر فيه الناس للمعاش، أو بعث من النوم بعث الأموات. والمصنف أباه كل الإباء، وضرب له المثل. قلت: قد تقرر أن السبات لفظةٌ مشتركةٌ وهي مفتقرةٌ إلى قرينةٍ مبينة، والقرينة ﴿نُشُوزًا﴾ لتقابلها، فجعلها حقيقةً شرعيةً أولى من اللغوية التي بمنزلة المجاز على أن المقام لا يساعد اللغوية، لأنه إذا اتفق تفسير الآية مع الآيات السابقة واللاحقة في المعنى وتضمن نكتةً زائدةً، كان أحسن من الاختلاف، والخلو عن تلك اللطيفة، وفي السابقة حديثٌ من معنى الإيجاد والإعدام، حيث فسر القبض بالإعدام، والمد بالإيجاد. واللاحقة فيها ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾، فالآيات مع دلالتها على القدرة الباهرة، ومع إظهار النعمة في الدلالة على الحشر والنشر، وبه رمز المصنف بقوله: "والنوم واليقظة" أي: عبرةٌ فيهما لمن اعتبر. قوله: (إباء العيوف الورد وهو مرنقٌ)، الأساس: وهو يعاف الطعام والشراب، والمياه. [قال: وإني لشراب المياه إذا صفت … وإني إذا كدرتها لعيوف وناقةٌ عيوفٌ: تشم الماء ثم تدعه. وفيه: له رونقٌ، أي: حسنٌ وبهاء، وذهب رونقه. ورنقه: كدره، كأن معناه: ذهب برونقه الذي هو صفاؤه والمعنى: قوله: ﴿نُشُورًا﴾ يمنع تفسير السبات بالنوم الذي هو الراحة، لعدم التقابل، امتناع ناقةٍ تكره الماء الصافي، والحال أنها عرضت على الماء الكدر.
[ ١١ / ٢٤٩ ]
كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة وشبههما بالموت والحياة، أي: عبرة فيهما لمن اعتبر. وعن لقمان: أنه قال لابنه: يا بني، كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر.
[(وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا)].
قرئ: (الريح)،
_________________
(١) ـ قوله: (كم فيه لكثيرٍ من الناس من فوائد)، كم هنا: خبريةٌ، وهي خبر أن، وفي معناه أنشد أبو الطيب: وكم لظلام الليل عندك من يدٍ … تخبر أن المانوية تكذب وقاك ردي الأعداء تسري عليهم … وزارك فيه ذو الدلال المحجب قوله: (والنوم واليقظة)، "النوم": مبتدأٌ، والخبر: "أي: عبرة"، على تأويل: مقولٌ عند ذكرهما، أي عبرةٍ فيهما، "وشبههما بالموت والحياة" جملةٌ معترضةٌ لتأكيد معنى العبرة فيهما. وقيل: هي حالٌ، وليس بشيء، وفي نسخة: "وشبههما" بالرفع: عطفٌ تفسيري. قوله: (قرئ: "الريح")، قرأها ابن كثيرٍ وحده، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ بالباء مضمومةً وإسكان الشين، وابن عامرٍ: بالنون مضمومةً، وإسكان الشين، وحمزة والكسائي: بالنون مفتوحةً وإسكان الشين، والباقون: بالنون مضمومةً وضم الشين، وابن السميفع:
[ ١١ / ٢٥٠ ]
و(الرياح نشرا) إحياء. و(نشرا) جمع نشور، وهي المحيية. و(نشرا) تخفيف: نشر، و(بشرا) تخفيف بشر؛ جمع بشور وبشرى. و(بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) استعارة مليحة، أي: قدام المطر.
(طَهُورًا): بليغا في طهارته. وعن أحمد بن يحيى: هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره. فإن كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة؛ كان سديدا. ويعضده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: ١١]، وإلا فليس "فعول"
_________________
(١) ـ "الرياح بشرى"، بالياء مثل: حبلى. قال ابن جني: "بشرى" مصدرٌ وقع موقع الحال، أي: مبشرةً، نحو قولهم: جاء زيدٌ ركضًا، أي: راكضًا، وهلم جرًا، أي: جارًا أو منجرًا. قوله: ("نشرًا"): إحياءً)، على أن "نشرًا": حالٌ من ضمير الفاعل، وقوله: "ونشرًا": جمع: نشورًا، وهي المحيية" على أنه حالٌ من المفعول. قوله: (استعارةٌ مليحةٌ)، إما ترشيحيةٌ، إذا قرئ: ﴿بُشْرًا﴾ بالباء، شبه المطر بالرحمة، ثم استعير له الرحمة ورشحها بقوله: ﴿بُشْرًا﴾، قال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١]، ثم جعلها بين يديه تتميمًا لها، لأن البشير يتقدم المبشر به، ويجوز أن تكون تمثيليةً، و﴿بُشْرًا﴾ من تتمة الاستعارة، وداخلٌ في جملتها، ومن قرأ "نشرًا" بالنون كان تجريدًا لها، لأن النشر يناسب السحاب. قوله: (وعن أحمد بن يحيي)، وهو أبو العباس ثعلبٌ. قال ابن الأنباري: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه، وكان ثقةً دينًا مشهورًا بصدق اللهجة والمعرفة بالغريب. وقال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلبٌ، فذكر الفراء فقال: لا يعشره. قوله: (فإن كان ما قاله شرحًا لبلاغته في الطهارة، كان سديدًا وإلا فليس "فعولٌ"
[ ١١ / ٢٥١ ]
من التفعيل في شيء
_________________
(١) ـ من التفعيل في شيء)، قال القاضي: "فعولٌ" غلب في معنيين، أحدهما: اسمٌ كالوضوء والوقود: لما يتوضأ ويوقد به. وثانيهما: للمبالغة، كالشكور والغفور. وقد جاء للمفعول كالضبوث، وللمصدر كالقبول، وللاسم كالذنوب. وقال صاحب "المغرب": وما حكي عن ثعلبٍ إن كان زيادة بيانٍ لنهايته في الطهارة، فصواب حسنٌ، وإلا فليس فعولٌ من التفعيل في شيء، وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية، كقطوع ومنوع، غير سديد. ونقل صاحب "المطلع" عن "بسيط" الواحدي، أنه قال: أجاد أبو القاسم الزجاجي في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى فقال: الطهور: اسمٌ للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه، مطهرًا لغيره، لأن عدول العرب عن صيغة "فاعل" إلى "فعيل" أو "فعولٍ" لزيادة المعنى، لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما لا يجوز التسوية بين صابرٍ وصبور، وشاكرٍ، كذلك في: طاهرٍ وطهور، والشيء إذا كان طاهرًا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه حتى تصفه بطهورٍ لزيادة طهارته، ولا كذلك قادرٌ وقدير، وغافرٌ وغفور، لأن هذه نعوتٌ تحتمل الزيادة، والطهارة ليست كذلك، فإذا نقلنا الطاهر إلى طهورٍ لم يكن إلا لزيادة المعنى، وذلك المعنى ليس إلا التطهير. فإن قيل: بناء الطهور من: طهر يطهر طهارةً، وهو لازمٌ، فكيف يجوز تعديته بتطهير غيره؟ قلنا: النظر في هذه اللفظة أدى إلى أن فيه معنى التطهير، لأنه لا يجوز إطلاقه على الماء
[ ١١ / ٢٥٢ ]
والطهور على وجهين في العربية: صفة، واسم غير صفة، فالصفة قولك: ماء طهور، كقولك: طاهر، والاسم قولك لما يتطهر به: طهور، كالوضوء، والوقود، لما يتوضأ به وتوقد به النار. وقولهم: تطهرت طهورا حسنا، كقولك: وضوءا حسنا، ذكره سيبويه. ومنه قوله ﷺ: "لا صلاة إلا بطهور" أي: طهارة. فإن قلت: ما الذي يزيل عن الماء اسم الطهور؟ قلت: تيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظنّ، تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير.
_________________
(١) ـ الذي ليس بمطهر، لأن العرب لا تسمى الشيء الذي لا يقع به التطهير طهورًا، فمن هذا الوجه يجب أن يعلم، لا من التعدي واللزوم. فإن قيل: هذا يشكل بقوله ﷿ في صفة شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وبقول جريرٍ: عذاب الثنايا ريقهن طهور قلنا: لما وصف الله تعالى الماء في الدنيا بالطهارة، فجعله طهورًا، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصف ذلك الشراب أيضًا بهذا الوصف ليعتقد فيه من الطهارة ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء، وإن كان ذلك أرفع وأشرف، وكذلك جريرٌ لما علم أن غاية وصف الماء أن يقال: طهورٌ، شبه الريق بالماء، وأحب أن يزيل عن الريق سمة النجاسة فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوصف به الماء، ألا ترى أنه قال: عذاب الثنايا، فوصفها بالعذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقةٌ في الماء مجازٌ في غيره، كذلك الطهور حقيقةٌ في الماء مستعارٌ في الريق، وهذا واضحٌ جدًا. انتهى كلام الزجاجي. الزجاجي: بالجيم الخفيفة.
[ ١١ / ٢٥٣ ]
أو استعماله في البدن لأداء عبادة عند أبي حنيفة، وعند مالك بن أنس: ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور. فإن قلت: فما تقول في قوله ﷺ حين سئل عن بئر بضاعة فقال:
_________________
(١) ـ قوله: (أو استعماله في البدن)، عطفٌ على "تيقن مخالطة النجاسة"، وفيه إشعارٌ بأن الماء المستعمل مسلوبٌ عنه الطهورية فيبقى طاهرًا. قوله: (وعند مالك بن أنس)، قال صاحب "الجامع": هو صاحب المذهب أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر من بني حمير ابن سبأ الأكبر. وأنس بن مالك من الأنصار من بني النجار، صاحب رسول الله - ﷺ -. قوله: (فما تقول في قوله - ﷺ - حين سئل عن بئر بضاعة؟)، يعني: هذا الحديث يقوي مذهب مالكٍ ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور، ومذهب الشافعي: الماء الكثير كذلك. وخلاصة الجواب: أن ما ذكره أبو حنيفة هو حكم الماء الراكد، وبئر بضاعة ماؤها جارٍ. قلت: أما حديث بئر بضاعة فعن أبي داود والترمذي والنسائي، عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قيل: يا رسول الله، إنه يستقى لك من بئر بضاعة، ويلقى فيه لحوم الكلاب وخرق المحائض وعذر الناس؟ فقال - ﷺ -: "إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء".
[ ١١ / ٢٥٤ ]
"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه؟ قلت: قال الواقدي: كان بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين.
[(لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا)].
وإنما قال: (مَيْتًا)؛ لأنّ "البلدة" في معنى "البلد" في قوله: (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) [فاطر: ٩]، وأنه غير جار على الفعل كفعول ومفعال ومفعيل. وقرئ: (نسقيه)
_________________
(١) ـ قال أبو داود: سئل قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: إذا كثر كان إلى العانة، وإذا نقص كان دون العورة، قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة، فإذا عرضها ستة أذرع. وقلت: الظاهر من هذه الرواية أنها كانت راكدةً، والله أعلم. قال صاحب "النهاية": هي بئرٌ معروفةٌ بالمدينة، والمحفوظ ضم الباء، وأجاز بعضهم كسرها، وحكى بعضهم بالصاد المهملة، وعن بعضهم: بضاعة: اسم امرأةٍ نسبت إليها البئر. قوله: (لأن " البلدة" في معنى "البلد")، أي: لم يقل: "ميتة"، لأن معنى "البلد" و"البلدة" واحدٌ. الراغب: البلد: المكان المحيط المحدود. وسمي المفازة بلدًا لكونها موطنًا للوحوش، والمقبرة بلدًا لكونها موطنًا للأموات. قوله: (وأنه غير جارٍ على الفعل)، أي: "الميت" ليس على وزان الفعل، فيكون ملحقًا بالأسماء، كالذبيحة والنطيحة. قيل: إن نحو "فاعل" جارٍ على "يفعل" من حيث الحركات والسكنات، ونحو "مفعولٍ" جارٍ على "يفعل" لأن أصله "مفعلٌ"، وأما نحو "فعولٍ" و"مفتعالٍ" و"مفعيلٍ" و"فعيلٍ" بمعنى "مفعولٍ" فليس جاريًا على الفعل، فيستوي فيه المذكر والمؤنث.
[ ١١ / ٢٥٥ ]
بالفتح. وسقى، وأسقى: لغتان. وقيل: أسقاه: جعل له سقيا. الأناسي: جمع إنسي، أو إنسان. ونحوه ظرابي في ظربان، على قلب النون ياء، والأصل: أناسين وظرابين. وقرئ بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل، كقولك: أناعم، في: أناعيم. فإن قلت: إنزال الماء موصوفا بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك، كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقى الأناسى من جملة ما أنزل له الماء، وصفه بالطهور إكراما لهم، وتتميما للمنة عليهم، وبيانا أن من حقهم حين أراد الله لهم الطهارة وأرادهم عليها أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم،
_________________
(١) ـ قوله: (ونحوه: ظرابي)، الجوهري: هي دويبةٌ كالهرة منتنة الريح، يقال: ظربى على فعلي هو جمعٌ، مثل: حجلى جمع، حجل، وربما مد وجمع على ظرابي، مثل: حرباء وحرابي، كأنه جمع ظرباء. وقال الزجاج: "أناسي": جمع إنسي، ككرسي وكراسي، أو جمع أناسين، كسراحين وسرحان. قوله: (إنزال الماء موصوفًا بالطهارة)، يعني: لا شك أن في إنزال الماء من السماء لأجل إحياء الأرض، وسقي الأنعام مناسبةً، وأي مناسبةٍ لطهورية الماء في هذا المعنى؟ وأجاب: أن أجل تلك العلل سقي الأناسي، وأنه هو المقصود الأولى، فيجب امتيازه عن سائرها بما يختص بهم، وأشرف الغرض في الإنعام عليهم تعرضهم لما يفوزون به على السعادة العظمى، والحياة الأبدية من العبادة، وهي لا تحل إلا بطهارة الظاهر والباطن، فعلى المكلف أن يتعرف شكر هذه النعمة بقلبه، ويظهر أثره على جوارحه، وإليه الإشارة بقوله: "أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم". قوله: (وأرادهم عليها)، الأساس: وأراده على الأمر: حمله عليه.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
وأن يربؤوا بأنفسهم عن مخالطة القاذورات كلها كما ربأ بهم ربهم. فإن قلت: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب؟ قلت: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الأناسي، وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقى أنعامهم كالإنعام بسقيهم. فإن قلت: فما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة؟ قلت: معنى ذلك أن عليه الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء، ففيهم غنية عن سقي السماء، وأعقابهم - وهم كثير منهم - لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه، وكذلك قوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) يريد بعض بلاد هؤلاء المبتعدين عن مظان الماء. فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناسي؟ قلت: لأنّ حياة الأناسىّ بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم، لم يعدموا سقياهم.
_________________
(١) ـ قوله: (وأن يربؤوا بأنفسهم)، الجوهري: المربأة: المرقبة، وقولهم: إني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه. قوله: (أن علية الناس)، الأساس: العلية: جمع علي، أي: شريفٌ رفيعٌ، مثل: صبيٍّ وصبيةٍ، وفي استعمالهم: علية الناس: أكثرهم، يقولون: علية متاعك رديٌ وفي قول المصنف: "علية الناس وجلهم" ثم في "وأعقابهم، وهم كثيرٌ منهم": لطيفةٌ، وأن المراد من ﴿وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾: كثيرًا في أنفسهم، وإن كانوا بقايا أكثر الناس. قوله: (ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم)، جوابٌ آخر، والجواب الأول مبنيٌ على تقدم الأسباب على المسببات، والثاني على تقديم ما يشتد فيه الاحتياج إلى الماء ويكثر به الانتفاع، فإن انتفاع الإنسان بحياة الأرض أكثر، واهتمامه بسقياها أشد من سقيا الأنعام، ثم اهتمامه بسقيا الأنعام أقدم من سقيا نفسه، لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم.
[ ١١ / ٢٥٧ ]
[(وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)].
يريد: ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر؛ ليفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، (فَأَبى) أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها. وقيل: صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من: وابل وطل، وجود ورذاذ، وديمة ورهام فأبوا إلا الكفور وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يذكروا صنع الله ورحمته.
_________________
(١) ـ ومواشيهم لم يعدموا سقياهم. وهذا الجواب أحسن، ولمعنى الإيغال والتتميم أجمع، إذ ليس اهتمام من يقرب الأودية والأنهار ومنابع الماء، كاهتمام من هو بعيدٌ منها، فعلى هذا المراد بالأناسي: أصاب البوادي والمتبعدون من مظان الماء قال صاحب " الفرائد": على هذا لم يلزم أن يكون المراد من الطهور المطر، لأن إحياء الأرض وسقي الأنعام، لا يقتضيان كون الماء مطهرًا. قلت: قد مر أن دلالة الطهور على تلك اللطيفة بحسب الرمز والتلويح، على أن سلوك طريق الإدماج، وإشارة النص دأب البلغاء، وطريقة الفقهاء. قوله: (وقلة الاكتراث)، الأساس: كرثه الأمر: أي: حركه، وأراك لا تكترث لذلك، ولا تعبأ به. قوله: (من وابلٍ، وطل)، الوابل: المطر الشديد، والطل: أضعف المطر، والجود: المطر البالغ، والرذاذ: المطر الضعيف، والرهمة: المطر الضعيف الدائم، والديمة: المطر الذي يدوم أيامًا ثلاثةً أو أكثر. قوله: (مطرنا بنوء كذا)، الأنواء ثمان وعشرون منزلةً من منازل القمر، كل منزلةٍ نوءٌ. قوله: "مطرنا بنوء كذا"، أي: في وقت سقوط هذه المنزلة، وقد مضى شرحها، وسيجيء في سورة يس مستقصًى.
[ ١١ / ٢٥٨ ]
وعن ابن عباس: ما من عام أقل مطرا من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء، وتلا هذه الآية. وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام، لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد. وينتزع من هاهنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي، كأنه قال: لنحيي به بعض البلاد الميتة، ونسقيه بعض الأنعام والأناسي، وذلك البعض كثير. فإن قلت: هل يكفر من ينسب الأمطار إلى الأنواء؟ قلت: إن كان لا يراها إلا من الأنواء ويجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله: فهو كافر، وإن كان يرى أن الله خالقها وقد نصب الأنواء دلائل وأمارات عليها: لم يكفر.
_________________
(١) ـ قوله: (وعن ابن عباسٍ: ما من عام أقل مطرًا)، إلى قوله: "وتلا هذه الآية" دلالة الآية عليه أن معنى التصريف: التحويل الكثير، يعني: صرفنا ما قسمنا من المطر بينهم في البلدان المختلفة بحسب اختلاف احتياجهم، أو لمجرد المشيئة. قوله: (وينتزع من هاهنا)، أي: من هذا التأويل جوابٌ عن السؤال الماضي، أي: قوله: "فما معنى تنكير الأنعام والأناسي"؟ وذلك أن إنزال المطر إذا كان بقدر احتياج الناس إليه واستغنائهم عنه، فلابد من التصريف، فإن من أناخ بقرب الأودية والأنهار ومنابع الماء لم يبلغ احتياجه إلى سقي الماء احتياج من هو بعيدٌ من ذلك. وأما بيان النظم فإنه تعالى لما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وعلله بحياة البلدة الميتة، وسقي بعض الأنعام وبعض الأناسي، عرف أن ذلك كان بقدر الاحتياج ولابد من قادرٍ مختارٍ بجزئيات أحوال المخلوقين، حتى يحول إلى كل من ذلك ما يحتاج إليه، فقيل: ولقد صرفنا، وجيء بالجملة القسمية، لإبطال زعم من يزعم أن ذلك بسبب الأنواء. قوله: (وقد نصب الأنواء دلائل وأماراتٍ عليها: لم يكفر)، النهاية: وإنما غلظ النبي - ﷺ - في أمر الأنواء، لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى،
[ ١١ / ٢٥٩ ]
[(وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا* فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا)].
يقول لرسوله ﷺ: (وَلَوْ شِئْنا) لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى. و(لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) نبيا ينذرها. وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به، وأجللناك، وفضلناك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالتشدد والتصبر فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يريدونك عليه، وإنما أراد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم. والضمير للقرآن أو لترك الطاعة الذي يدل عليه: (فَلا تُطِعِ)،
_________________
(١) ـ وأراد بقوله: "مطرنا بنوء كذا" أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائزٌ، أي: أن الله تعالى قد أجرى العادة أن يأتي بالمطر في هذه الأوقات. وأحسن منهما قول الإمام: "من جعل الأفلاك والكواكب مستقلةً باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره، وأما من قال: إنه تعالى جبلها على خواص وصفاتٍ تقتضي هذه الحوادث فلعل لا يبلغ خطأه إلى حد الكفر". قوله: (أو لترك الطاعة)، يعني: أن الضمير المجرور في ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ للقرآن، والمعنى ما سبق، وإنا أخر "ولا تطع" عن معنى قوله: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ وفي التنزيل مقدم، لأن قوله: ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ مرتبٌ بالفاء على ما سبق، ولما لم يصح أن يكون مرتبًا عليه ظاهرًا انتزع من مفهوم السابق واللاحق، وهو: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ معنيين، وجعلهما مرتبين وعطف "ولا تطع" بالواو عليهما، أو لترك الطاعة الدال عليه "ولا تطع"، يعني: أنهم يجدون ويجتهدون في أن تميل إليهم وتتبع أهواءهم الباطلة لتوهين أمرك فلا تتبع أهواءهم، وجاهدهم بترك طاعتهم جهادًا كبيرًا. وفي قوله: "ولا تطع الكافرين فيما يريدونك عليه" إشارةٌ إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ متصلٌ بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾، لأنه إنكارٌ على حرصه على إسلامهم وتهالكه فيه، حيث كان يبذل فيه
[ ١١ / ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وسعه ومجهوده، وبلغ ذلك إلى أن خوطب بقوله: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وبقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، ولذلك قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: أتحسب أنك إن أطعتهم فيما يريدونك عليه يسمعون قولك، أو يعقلون الآيات، ويشكرون نعم الله عليهم، فإنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلًا. ألا ترى كيف غفلوا عن أظهر الأشياء دلالةً وهو مد الظل وقبضه، وغمطوا النعم كفرانًا، وهو جعل الليل لباسًا لهم، والنهار نشورًا، وإرسال الرياح وإنزال الماء لإحياء أراضيهم واستقاء مواشيهم، وإذا كان كذلك كيف تطيعهم فيما يريدونك، كأنك لم تستقل بأعباء النذارة، ولو شئنا لخففنا عنك وإنما قصرنا الأمر عليك تفضيلًا لك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالصبر والجهاد الكبير، ولا تطعهم فيما يريدونك عليه، وجاهدهم بالقرآن جهادًا كبيرًا. ولابد من هذا التأويل، لا ما قيل: إنها تدل على التأديب وعلى أنه ﷾ قادرٌ على أن يبعث في كل قريةٍ مثل محمدٍ صلوات الله عليه، لأن الفاء للسببية، والأمر بالجهاد المؤكد بقوله: ﴿جِهَادًا﴾، ووصفه بالكبير بعد النهي عن طاعة الكفرة موجبٌ لذلك، فإن عظم السبب يدل على عظم المسبب وعكسه، وإليه ينظر قوله صلوات الله عليه: "أعطيت خمسًا لم يطعن أحدٌ قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصةً، وبعثت إلى كل أحمر وأسود". الحديث، أخرجه البخاري ومسلمٌ عن جابر. ويعضده ما ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ واردٌ على نهج براعة الاستهلال، وهو مشتملٌ على هذا المعنى: فإن إنزال القرآن وتخصيصه بما يدل على كونه فارقًا بين الحق والباطل، وكون منزله معظمًا في ذاته مباركًا في صفاته موجبٌ لأن لا يختص إنذار رسوله بقوم دون قوم، بل يكون للعالمين من الثقلين نذيرًا، فإذن المعنى الذي سيقت هذه السورة الكريمة له: الحديث في الرسول وإنذاره، وبقية المعاني دائرةٌ عليه، ومن ثم ذكر إلى ذكر الآيات الدالة على الوحدانية من دلائل الآفاق
[ ١١ / ٢٦١ ]
والمراد: أن الكفار يجدون ويجتهدون في توهين أمرك، فقابلهم من جدك واجتهادك وعضك على نواجذك بما تغلبهم به وتعلوهم، وجعله جهادا كبيرا لما يحتمل فيه من المشاق العظام. ويجوز أن يرجع الضمير في (بِهِ) إلى ما دل عليه: (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا) من كونه نذير كافة القرى؛ لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لو جبت على كل نذير مجاهدة قريته، فاجتمعت على رسول الله ﷺ تلك المجاهدات كلها، فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم، فقال له: (وَجاهِدْهُمْ) بسبب كونك نذير كافة القرى (جِهادًا كَبِيرًا): جامعا لكل مجاهدة.
[(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا)].
سمى الماءين الكثيرين الواسعين: بحرين. والفرات: البليغ العذوبة حتى يضرب
_________________
(١) ـ والأنفس قائلًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾، ثم أعاد قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وههنا نكتةٌ شريفة، وهي أنه تعالى لما خص ذكر النذير في الفاتحة أمسك عن ذكر المؤمنين، وحين قرنه بالبشير في هذه الآية أتى بذكر الفريقين، أعني: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾، لتكون الخاتمة مشتملةً على ذكر الأولياء فلا تخلو السورة من ذكرهم، والله أعلم. قوله: (وعضك على نواجذك)، الأساس: ومن المجاز: عض على ناجذه: إذا بلغ أشده واستحكم، وعض في العلم وغيره بناجذه: إذا أتقنه. وعن بعضهم: عض ناجذه على كذا: جد فيه مستنفدًا وسعه. النواجذ: أضراس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ. قوله: (فقال له: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ بسبب كونك نذير كافة القرى)، فيه دلالةٌ على عظم منزلته، وجلالة قدره، قال: فإن الهموم بقدر الهمم قوله: (والفرات: البليغ العذوبة)، سمي بالفرات، لأنه يفرت العطش، أي: يكسر
[ ١١ / ٢٦٢ ]
إلى الحلاوة. والأجاج: نقيضه، ومرجهما: خلاهما متجاورين
_________________
(١) ـ به على القلب، كما سمي نفاخًا لأنه ينفخ العطش، والأجاج: كأنه من أجيج النار، وهو اضطرابه، أي: مقولًا فيهما عذبٌ فراتٌ، وهذا ملحٌ أجاجٌ، وفي هذه الآية حذفٌ كما ذكرنا آنفًا في قول أبي الدرداء: وجدت الناس أخبر تقله، أي: مقولٌ فيهم هذا القول. قوله: (ومرجهما: خلاهما متجاورين)، قال الزجاج: يقال: مرجت الدابة وأمرجتها: إذا خليتها ترعى، والمرج من هذا سمي، ويقال: مرجت عهودهم وأماناتهم: إذا اختلطت وفسدت. وقال ابن عباس: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، أي: أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج، وفي معناه: قول البحتري يصف بركة. تنصب فيها وفود الماء معجلةً … كالخيل خارجةً من حبل مجريها الراغب: أصل المرج: الخلط، والمرج: الاختلاط، يقال: مرج أمرهم، أي: اختلط، ومرج الخاتم في أصبعي فهو مارجٌ، وأمرٌ مريجٌ، أي: مختلطٌ، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]، من قولهم: مرج. ويقال للأرض التي كثر فيها النبات وتمرج فيها الدواب: مرجٌ، وقوله: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: لهيبٍ مختلط، وأمرجت الدابة في المرعى: أرسلتها فيه.
[ ١١ / ٢٦٣ ]
متلاصقين، وهو بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج. وهذا من عظيم اقتداره. وفي كلام بعضهم: وبحران: أحدهما مع الآخر ممروج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج. (بَرْزَخًا) حائلا من قدرته، كقوله عز وعلا: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) [الرعد: ٢]، يريد بغير عمد مرئية، وهو قدرته. وقرئ: (مَلِحٌ) على فعل. وقيل: كأنه حذف من مالح تخفيفا، كما قال:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ملحٌ"، قال ابن جني: وهي قراءة طلحة بن مصرف، وأنكره أبو حاتم. ويجوز أن يراد به: مالح، فحذف الألف تخفيفًا كما ذكرنا قبل من قوله: أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا إلا عرادًا عردا وصليانًا بردا وعنكثًا ملتبدا يريد: عاردًا باردًا. وقد أجاز ابن الأعرابي: "مالح"، وأنشدوا: بصريةٌ تزوجت بصريا … يطعمها المالح والطريا وفي ما قرئ على أحمد بن يحيي، فاعترف بصحته: سمكٌ مالح وماءٌ مالح، وإنما يقال: مملوحٌ ومليح، هذا أفصح، والأول يقال. "صردًا"، صرد الرجل- بالكسر- يصرد صردًا ومصرادًا: يجد البرد سريعًا. والعراد:
[ ١١ / ٢٦٤ ]
وصليانا بردا
يريد: باردا: فإن قلت: (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي يقولها المتعوذ، وقد فسرناها، وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له: حجرا محجورا، كما قال: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة، فانتفاء البغي ثمة كالتعوذ هاهنا،
_________________
(١) ـ نبتٌ. والصليان: بقلةٌ، وهي فعليان، الواحدة صليانةٌ. والعنكث أيضًا: نبتٌ. والتبدت الشجرة: كثر أوراقها. وقال الشارخ: زعمت الأعراب في ضرب أمثالها على لسان البهائم. أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضب سلب ذنبه، وذلك أنهما خاطرا في الظمأ أيهما أصبر، وكان الضب ممسوح الذنب، فخرجا في الكلأ فصبر الضب يومًا، فناداه الضفدع: يا ضب وردًا وردًا، فقال الضب: أصبح قلبي صردًا، إلى أخره، فناداه في اليوم الثاني فأجابه كما أجابه في اليوم الأول، فلما كان الثالث ناداه فلم يجبه، وبادر الضفدع إلى الماء، فتبعه الضب وأخذ ذنبه. قوله: (وقد فسرناها)، أي: قلنا في أول السورة، إن معناه سؤال الرجل من الله تعالى أن يمنع منه ما يخاف منه فيتعوذ منه قائلًا: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، كقول السامري: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧]، ومعلومٌ أن هذا الجعل يعني قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ لا يكون حقيقةً، فقوله: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، كما أن ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ هناك بمعنى: لا يبغي أحدهما على صاحبه مجازًا، لأن إثبات البغي ونفيه لا يتصور إلا فيما يصح وصفه بالبغي، كذلك قول: حجرًا محجورًا، لا يكون إلا فيما يصح منه القول.
[ ١١ / ٢٦٥ ]
جُعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوّذ منه. وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة.
[(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)].
أراد: فقسم البشر قسمين ذوي نسب، أي: ذكورا ينسب إليهم، فيقال: فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وذوات صهر: أى إناثا يصاهر بهنّ، ونحوه قوله تعالى: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) [القيامة: ٣٩]. (وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا) حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا نوعين: ذكرا وأنثى.
_________________
(١) ـ قوله: (جعل كل واحدٍ)، شروعٌ في بيان المجاز، ولما كان هذا المجاز استعارةً، والاستعارة مسبوقة بالتشبيه، قال: "في صورة الباغي"، شبه البحرين بطائفتين متقابلتين تريد كل واحدةٍ منهما بغي صاحبتها ومضادتها، ثم إنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي ودافع مجبر، فكما يقال ثمة لامتناع الاختلاط: إنهما لا يبغيان، كذلك قيل هاهنا: لا يبغيان، فهو استعارةٌ مصرحةٌ تمثيلية، ثم بولغ فيها هاهنا، حيث جعل هذا المعنى المستعار كالملفوظ والمقول، كما قال: "كأن كل واحدٍ من البحرين يعوذ من صاحبه"، فانقلبت المصرحة مكنيةً. ولا ارتياب أن الاستعارة كلما كانت أبعد من التشبيه وأوغل في التخيل، كانت أحسن، والمكنية ابعد من المصرحة، فكما أن التشبيه مقدمةٌ للمصرحة، كذلك المصرحة مقدمةٌ للمكنية، فإنك تقول أولًا: المنية سبعٌ، ثم تدخل المشبه في جنس المشبه به في المصرحة، وإذا أردت المبالغة جعلت المشبه عين المشبه به في التخييل، ثم يتخيل له لازمه قائلًا: أنياب المنية نشبت بفلان، كذلك هاهنا، جعل كل واحدٍ من البحرين بعد تشبيههما بطائفتين متقابلتين وإدخال المشبه في جنس المشبه به إدخالًا بليغًا في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوذ منه، ولهذا قال: "وهي من أحسن الاستعارات". قوله: (خلق من النطفة الواحدة بشرًا نوعين)، "نوعين" بدلٌ من "بشرًا"، لأنه جنسٌ،
[ ١١ / ٢٦٦ ]
[(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا)].
الظهير والمظاهر، كالعوين والمعاون. وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز. والمعنى: أنّ الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك. روي: أنها نزلت في أبي جهل. ويجوز أن يريد بالظهير: الجماعة، كقوله: (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: ٤]، كما جاء: الصديق والخليط. ويريد بالكافر: الجنس، وأنّ بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله. وقيل: معناه: وكان الذي يفعل هذا الفعل - وهو عبادة ما لا
_________________
(١) ـ ولذلك أفرد الضمير في "جعله". قال القاضي: ﴿بَشَرًا﴾: ذا أعضاءٍ مختلفة، وطباع متباينة، وجعله قسمين متقابلين. وقلت: الماء في قوله: ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ مطلقٌ دل على شائع في جنس الماء، فتقييده بقوله: ﴿بَشَرًا﴾ دل على أن المراد منه النطفة الواحدة، ثم تقسيمه بقوله: ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ دل على نوعين: ذكرٍ وأنثى، وإنما عدل عن الذكر والأنثى، ليؤذن بالانشعاب نصًا فالنطفة الواحدة نطفة آدم ﵇، فإذن الآية على وزان قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] قوله: (ويجوز أن يريد بالظهير: الجماعة)، قال في سورة يوسف: "يجوز أن يقال: هم نجيٌّ، كما قيل: هم صديقٌ، لأنه بزنة المصادر"، ومنه قولهم، وجيفٌ ووجيب. قوله: (وقيل: معناه: وكان الذي يفعل هذا الفعل)، عطفٌ على قوله: "إن الكافر يظاهر الشيطان"، والجملة على التقديرين تذييلٌ لما يتضمن الكلام السابق من المعنى، فعلى الأول: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إخبارٌ عن استعظام ما ارتكبوه من عبادة غير الله، ثم أكد ذلك بأن عادة الكافر أن يظاهر الشيطان، وعلى الثاني، الكلام نعى عليهم سواء أفعالهم، وأنهم
[ ١١ / ٢٦٧ ]
ينفع ولا يضر - على ربه هينا مهينا، من قولهم: ظهرت به، إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه، وهذا نحو قوله: (أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) [آل عمران: ٧٧].
[(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا)].
مثال (إِلَّا مَنْ شاءَ)، - والمراد: إلا فعل من شاء- واستثنائه عن الأجر: قول
_________________
(١) ـ ممن لا يلتفت إليهم، وإلى صنيعهم، لأنهم يعبدون من دون الله ما لا ينفع ولا يضر، وفيه شائبةٌ من معنى الإنكار، ثم أكد ذلك بأن الكافر على ربه "هينًا مهينًا". قوله: (وهذا نحو قوله: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ إلى قوله: (﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، يعني: نحو في إرادة المجاز عن عدم الالتفات دون الكناية. وهو على مذهبه، لأن نفي الرؤية عمن يجوز عليه الرؤية كنايةٌ عن عدم المبالاة عمن لا يجوز عليه مجاز. كذلك قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ إذا كان من قولهم: ظهرت به، إذا خلفته ظهرك هنا: مجازٌ عن عدم الالتفات لا كنايةٌ كما مر. قوله: (- والمراد: إلا فعل من شاء- واستثنائه من الأجر)، "استثنائه": مجرورٌ، عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "إلا من شاء" والاستثناء من باب قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: التقدير: إلا مال من شاء أن يتخذ: لأن الأجر هنا: المال، والمعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي مالًا، إلا مال من يتخذ بإنفاقه إلى ربه سبيلًا، أي: يتقرب إليه، ويطلب الدرجة عنده، وذلك المال المسؤول له، لا لي. وقلت: هذا المعنى لا يستقيم في قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فوجب حمله على ذلك المعنى، وما ذكره أشار إليه المصنف بقوله: "وقيل: المراد التقرب بالصدقة".
[ ١١ / ٢٦٨ ]
ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه. فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوّره هو بصورة الثواب وسماه باسمه، فأفاد فائدتين، إحداهما: قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله، كأنه يقول لك: إن كان حفظك لمالك ثوابا فإني أطلب الثواب. والثانية: إظهار الشفقة البالغة وأنك إن حفظت مالك: اعتدّ بحفظك ثوابا ورضى به كما يرضى المثاب بالثواب. ولعمري إنّ رسول الله ﷺ كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد وفوقه. ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلا: تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة. وقيل: المراد التقرّب بالصدقة والنفقة في سبيل الله.
[(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا)].
أمره بأن يثق به ويسند أمره إليه في استكفاء شرورهم، مع التمسك بقاعدة التوكل وأساس الالتجاء؛ وهو طاعته وعبادته وتنزيهه وتحميده، وعرّفه أن الحي الذي لا يموت، حقيق بأن يتوكل عليه وحده ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين
_________________
(١) ـ قوله: (اعتد بحفظك ثوابًا)، من الاعتداد، وظن "اعتد" مخففًا، قيل: هو من العتيد: الحاضر المهيأ، وقد عتده تعتيدًا وأعتده إعتادًا، وفاعل "اعتد" ضمير المال، أي: إن حفظت مالك هي لك بسبب حفظك ثوابًا، ومنفعته يومًا احتاج إليه، ويروى: "اعتد" و"رضي" معروفًا. والضمير للقائل المشفق. قوله: (وعرفه أن الحي الذي لا يموت حقيقٌ بأن يتوكل عليه وحده)، لأن أصل الكلام: توكل علي، ثم: توكل على الله، فخص الحي الذي لا يموت بالذكر، ليكون تعريضًا بأن غيره لا يصح أن يتوكل عليه، أما الأصنام فإنها أمواتٌ لا يكفى أمر من يتوكل عليها.
[ ١١ / ٢٦٩ ]
يموتون. وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق. ثم أراه أن ليس إليه من أمر عباده شيء، آمنوا أم كفروا، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم.
[(الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا)].
(فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ): يعني: في مدة مقدارها هذه المدّة، لأنه لم يكن حينئذ نهار ولا ليل. وقيل: ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة. والظاهر أنها من أيام الدنيا. وعن مجاهد: أوّلها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة. ووجهه أن يسمى الله تعالى لملائكته
_________________
(١) ـ وأما الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع المتوكل، ولهذا قال: "لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق"، أو نقول: إن التركيب من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، وهو أن المتوكل إذا علم أن المتوكل عليه دائمٌ باقٍ يعتمد عليه بشرا شره، ولا يتوزع خاطره إلى الغير بخلافه إذا لم يكن كذلك، فإذًا لا يصح التوكل إلا على الحي الذي لا يموت، وهو الله تعالى، فصح الحصر. قوله: (ثم أره أن ليس إليه من أمر عباده شيءٌ)، يعني أمر رسوله - ﷺ - أولًا أن يفوض أموره إلى الحي الذي لا يموت، ويستكفي به من شرور الأعداء، ثم أعلمه ثانيًا بأنه كافٍ في دفع أعدائه يكافيهم فيما يحاولونه من العداوة، يعني: أن الله تعالى كافي أمورك، وأمور أعدائك. قوله: (ووجهه)، أي: وجه قول مجاهد، وذلك أن الأيام عبارةٌ عن حركات الشمس في السموات، وقبل السموات لا أيام، فلا يسمى بالأحد ولا بالجمعة، لكن الله تعالى قدر المدة قبل السموات، ثم خلق السموات والشمس وأدارها عليها، ورتب أمر العالم على ما هو عليه في مقدار مدةٍ هي مدة ستة أيام من أيام الدنيا، وسمى لملائكته الحاضرين تلك الأيام المقدرة بالأحد والاثنين والجمعة.
[ ١١ / ٢٧٠ ]
تلك الأيام المقدرة بهذه الأسماء، فلما خلق الشمس وأدارها وترتب أمر العالم على ما هو عليه، جرت التسمية على هذه الأيام. وأما الداعي إلى هذا العدد - أعني الستة دون سائر الأعداد - فلا نشك أنه داعى حكمة، لعلمنا أنه لا يقدّر تقديرا إلا بداعي حكمة، وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدي إلى معرفته.
ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر، وحملة العرش ثمانية، والشهور اثني عشر، والسماوات سبعا والأرض كذلك، والصلوات خمسا، وأعداد النصب والحدود والكفارات،
_________________
(١) ـ قوله: (وحملة العرش ثمانية)، وعن بعضهم: حملة العرش أربعةٌ. وروي أنه صلوات الله عليه وسلامه لما سمع بيت أمية بن أبي الصلت يصف العرش: رجلٌ وثورٌ عند رجل يمينه … والنسر أخرى ثم ليثٌ مرصد قال: "صدق". هم اليوم أربعةٌ، ويضم إليهم أربعةٌ أخرى يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] يسترزق كلٌ لما يشبهه، والله أعلم بحقيقته. والذي ورد في المعتمد عن الترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن العباس، عن رسول الله - ﷺ - في حديث طويل: "أن حملة العرش ثمانية أو عالٍ". وأشار إليه المصنف في سورة الحاقة. قوله: (وأعداد النصب)، وهو جمع نصاب، أي: القدر الذي تجب فيه الزكاة.
[ ١١ / ٢٧١ ]
وغير ذلك. والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله، وبأن ما قدّره حق وصواب هو الإيمان.
وقد نص عليه في قوله: (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا) [المدثر: ٣١]، ثم قال: (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر: ٣١]، وهو الجواب أيضا في أن لم يخلقها في لحظة، وهو قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين. (الَّذِي خَلَقَ) مبتدأ. و(الرَّحْمنُ) خبره؛ أو صفة لـ (الْحَىِّ) [الفرقان: ٥٨]، و(الرَّحْمنُ): خبر مبتدإ محذوف. أو بدل عن المستتر في (اسْتَوَى). وقرئ: (الرحمنِ) بالجرّ صفة لـ (الْحَىِّ). وقرئ (فَسْئَلْ)، والباء في (بِهِ) صلة "سَلْ"، كقوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) [المعارج: ١] كما تكون "عن" صلته في نحو قوله: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: ٨]. (فَسْئَلَ بِهِ)؛ كقولك: اهتمّ به، واعتنى به، واشتغل به. وسأل عنه كقولك: بحث عنه، وفتش عنه، ونقر عنه. أو صلة (خَبِيرًا)، وتجعل (خَبِيرًا) مفعول "سَلْ"،
_________________
(١) ـ قوله: (اجتمع خلقها يوم الجمعة)، أي: تكامل خلقها. الأساس: رجلٌ مجتمعٌ: استوت لحيته وبلغت غاية شبابه. قوله: (وقرئ: ﴿فَاسْأَلْ﴾، كلهم إلا ابن كثيرٍ والكسائي. قوله: (كما تكون "عن" صلته)، قيل: الكاف في محل النصب على مصدر ما دل عليه قوله: "والباء في ﴿بِهِ﴾ صلة (سل) "، كأنه قيل: يجوز كون الباء صلة "سل" جوازًا مثل جواز كون "عن" صلته، و"ما" في "كما تكون" مصدريةٌ، والكاف بمعنى مثل، والمضاف محذوف، وإنما لم يقدر كونًا مثل كون "عن" صلته، لأن كان الناقصة لا تنصب المصدر.
[ ١١ / ٢٧٢ ]
تريد: فسل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته. أو فسل رجلا خبيرا به وبرحمته. أو: فسل بسؤاله خبيرا، كقولك: رأيت به أسدا، أي برؤيته. والمعنى: إن سألته وجدته خبيرا. أو تجعله حالا عن الهاء، تريد: فسل عنه عالما بكل شيء. وقيل: الرحمن اسم من أسماء الله
_________________
(١) ـ قوله: (أو: فسل بسؤاله خبيرًا)، عطفٌ على قوله: "فسل عنه"، وفي الكلام لفٌ ونشرٌ من غير ترتيب: فالمثالان الأولان نشرٌ لقوله: "أو صلة ﴿خَبِيرًا﴾ "، وبقية الأمثلة نشرٌ لقوله: "صلة (سل) "، ولا يستقيم على هذا أن يتعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، لأنه على منوال رأيت به أسدًا، وهو من باب التجريد، إذ التقدير: فسل بسؤال الله خبيرًا، وهو الخبير نفسه ﷿. قال السجاوندي: "فسل به خبيرًا" نحو قولك في الشجاع إذا لقيته: لقيت به ليثًا هضومًا، وفي الجواد: إذا سألته: سألت به الغيث، فلا حاجة إلى تقدير بسؤالك إياه لفظًا وإن فهم ذلك معنى، ولا إلى جعل الباء قائمًا مقام "عن" وإن ورد في قول الشاعر: فإن تسألوني بالنساء فإنني … خبيرٌ بأدواء النساء طبيب أي: عن النساء، وعلى تقدير "عن" يجوز أن يراد بالخبير: ابن سلام، أي: عارفًا بصفته يخبرك عن جلالة قدره. قوله: (وقيل: الرحمن: اسمٌ من أسماء الله تعالى)، عطفٌ على قوله: فسل بسؤاله"، لأنه مثله في تعلق الجار بالفعل، و﴿خَبِيرًا﴾: مفعول "سل"، وخبيرًا على الوجهين الأولين: يجوز أن يراد به كل من هو متصفٌ بصفة الخبرة، لما قال تارةً: رجلًا عارفًا، وأخرى: رجلًا عارفًا، وأخرى: رجلًا خبيرًا، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للرحمن على تقدير مضاف، وعلى الثالث والرابع:
[ ١١ / ٢٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الضمير لله تعالى، والخبير هو الله تعالى، وعلى الوجه الأخير المراد بالخبير: عبد الله بن سلام، والضمير راجعٌ إلى لفظ ﴿الرَّحْمَنُ﴾، والوجه أن يحمل قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ على معنى التجريد، وأن يكون الضمير لله، ليكون كالتتميم لمعنى العلم الذي يعطيه قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾، كما أن قوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ تتميمٌ لمعنى قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. بيان الأول ما روى الإمام عن الكلبي: أنه قال: فسل الخبير بذلك، يعني: بما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء فلا يعلمها إلا الله. وقال محيي السنة: أيها الإنسان، لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري. وبيان الثاني هو: أن قوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ وعيدٌ لأعدائه، ووعدٌ بانتصاره منهم، فيكون مؤكدًا للأمر بالتوكل، ونحو قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قولهم: "على الخبير سقطت"، في توكيد أمرٍ يخبر به، وتصديق المخبر. روى الميداني: أن المثل لمالك بن جبيرٍ العامري، وتمثل به الفرزدق للحسين ﵁ حين أقبل يريد العراق فلقيه وهو يريد الحجاز، فقال له الحسين: ما وراءك؟ قال: "على الخبير سقطت"، قلوب الناس معك، وسيوفيهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال الحسين: صدقتني. المعنى: توكل على الحي الذي لا يموت في جميع أمورك لاسيما في أذى قومك، وما نالك من تكذيبهم وعنادهم، فإن الله تعالى خبيرٌ بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم، وتوكل على المدبر الذي خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش، وهو الرحمن الذي منه
[ ١١ / ٢٧٤ ]
مذكور في الكتب المتقدمة، ولم يكونوا يعرفونه، فقيل: فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب، حتى تعرف من ينكره. ومن ثم كانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة، يعنون مسيلمة. وكان يقال له: رحمن اليمامة.
[(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَامُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا)].
(وَمَا الرَّحْمنُ) يجوز أن يكون سؤالا عن المسمى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم،
_________________
(١) ـ جلائل النعم، وبيده أزمة أمورك، وملكوت كل شيء، فاعلم ذلك علمًا يقينًا ونصًا من الله لا ريب فيه، فإن من حرم ذلك إذا قيل له: اخضع للرحمن وتوكل عليه، قال: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ هذا التفسير مبنيٌ على قول المصنف: "الذي خلق صفةٌ للحي، والرحمن: خبر مبتدأٍ محذوف". قال الإمام: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ لأنه تعالى لما كان خالق السموات والأرض وما بينهما كان قادرًا على جميع وجوه المنافع ودفع سائر المضار، وأن النعم كلها من جهته، فحينئذٍ لا يجوز التوكل إلا عليه. قوله: "اسمٌ من أسماء الله تعالى"، قال الزجاج: اسم "الرحمن" مذكورٌ في كتب الأولين ولم يكونوا يعرفون أنه من أسمائه تعالى، ومعناه: ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة، لأن فعلان بناء المبالغة، تقول: رجلٌ ريان وعطشان، إذا كان في النهاية من الري، وكذلك فرحان وجذلان. وقال ثعلبٌ: إنه عبرانيٌ، وهو في الأصل "رخمن"، بالخاء المعجمة، إذ لو كان عربيًا لما أنكرت العرب وقد أنكروه، ويدل عليه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولأنه لو كان مشتقًا من الرحمة لما حسن تقديمه على الرحيم، لأنه أشد مبالغةً منه حينئذٍ.
[ ١١ / ٢٧٥ ]
والسؤال عن المجهول بـ "ما". ويجوز أن يكون سؤالا عن معناه، لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم كما استعمل الرحيم والرحوم والراحم. أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله تعالى. (لِما تَامُرُنا) أي: للذي تأمرناه، بمعنى: تأمرنا سجوده: على قوله:
أمرتك الخير
أو: لأمرك لنا. وقرئ بالياء، كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد ﷺ. أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو. وفي (وَزَادَهُمْ) ضمير (اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ)؛ لأنه هو المقول.
[(تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا)].
البروج: منازل الكواكب السبعة السيارة: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت،
_________________
(١) ـ قوله: (والسؤال عن المجهول بـ "ما")، كما تقول لشبح رفع لك عن بعيدٍ لا تشعر به: ما هو؟ فإذا شعرت أنه إنسانٌ، قلت: من هو؟ قوله:) ﴿لِمَا تَامُرُنَا﴾، أي: للذي تأمرنا)، قال أبو البقاء: "ما" موصولةٌ، أو نكرةٌ موصوفةٌ، أي: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده ثم تأمرنا، هذا قول أبي الحسن، وعلى قول سيبويه حذفت ذلك كله من غير تدريج. قوله: (وقرئ بالياء)، المعالم: حمزة والكسائي: بالياء، والآخرون: بالتاء الفوقانية. قوله: (لأنه هو المقول) معلله مقدر، يعني: وضع ﴿اسْجُدُوا﴾ موضع قول: ﴿اسْجُدُوا﴾، وجاز، لأنه هو المقول، وضعًا للمقول موضع القول، فالمعلل قولنا: جاز.
[ ١١ / ٢٧٦ ]
وسميت بالبروج التي هي القصور العالية، لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها. واشتقاق البرج من التبرج، لظهوره. والسراج: الشمس كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا) [نوح: ١٦]. وقرئ: (سُرُجًا)؛ وهي: الشمس والكواكب الكبار معها. وقرأ الحسن والأعمش: (وقُمْرا منيرا)؛ وهي جمع ليلة قمراء، كأنه: وذا قمر منيرا؛ لأنّ الليالي تكون قمرا بالقمر، فأضافه إليها. ونظيره - في بقاء حكم المضاف بعد سقوطه وقيام المضاف إليه مقامه - قول حسان:
بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
يريد: ماء بردي، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر، كالرشد والرشد، والعرب والعرب.
[(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "سرجًا")، بضمتين: حمزة والكسائي، والباقون: بكسر السين وفتح الراء وألفٍ بعدها. قوله: (وذا قمرٍ)، وهو عبارةٌ عن القمر، لأن القمر صاحب الليالي اللاتي يكن قمراء بالقمر، فيرجع حاصل هذه القراءة إلى المشهورة. قوله: (بردى يصفق بالرحيق السلسل)، أوله لحسان: يسقون من ورد البريص عليهم يريد: ماء بردى، وهو نهر دمشق. ومن ثم ذكر "يصفق بالرحيق"، مضى شرحه في أول البقرة.
[ ١١ / ٢٧٧ ]
الخلفة من خلف، كالركبة من ركب: وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كلّ واحد منهما الآخر. والمعنى: جعلهما ذوي خلفة، أي: ذوي عقبة، أي: يعقب هذا ذاك وذاك هذا. ويقال: الليل والنهار يختلفان، كما يقال: يعتقبان. ومنه قوله: (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [البقرة: ١٦٤]، ويقال: بفلان خلفة واختلاف، إذا اختلف كثيرا إلى متبرّزه.
_________________
(١) ـ قوله: (وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحدٍ منهما الآخر)، يريد أن ﴿خِلْفَةً﴾ مفردٌ لفظًا، ومتعددٌ معنى. قال أبو البقاء: ﴿خِلْفَةً﴾: مفعول ثانٍ أو حالٌ، وأفرد لأن المعنى: يخلف أحدهما الآخر، فلا يتحقق هذا إلا منهما. قوله: (ذوي عقبةٍ)، روي بضم العين وكسرها. العقبة بالضم: النوبة. تقول: تمت عقبتك، ويقال: ما يفعل ذلك إلا عقبة القمر، إذا كان يفعله في كل شهرٍ مرة. قوله: (يعقب هذا ذاك، وذاك هذا)، قال الزجاج: هذا قول أهل اللغة، وأنشدوا لزهير: بها العين والآرام يمشين خلفةً … وأطلاؤها ينهض من كل مجثم وجاء في التفسير أيضًا: ﴿خِلْفَةً﴾: مختلفان، قال الله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وروي محيي السنة، عن مجاهد: يعني: جعل كل واحدٍ منهما مخالفًا لصاحبه، فجعل هذا أبيض وهذا أسود. وقلت: وفي كلام الزجاج إشعارٌ بأن قول مجاهدٍ على خلاف اللغة، ولهذا اعتذر له المصنف بقوله: "ويقال: الليل والنهار يختلفان، كما يقال: يعتقبان"، إلى آخره.
[ ١١ / ٢٧٨ ]
وقرئ: (يَذَّكَّرَ)، و(يَذْكُر)، وعن أبي بن كعب: (يَتَذكَّر). والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر، فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال، وتغيرهما من ناقل ومغير. ويستدل بذلك على عظم قدرته، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿يَذَّكَّرَ﴾ و"يذكر")، حمزة: "أن يذكر" بإسكان الذال وضم الكاف مخففًا، والباقون: بفتحهما مشددين. قوله: (ويشكر الشاكر على النعمة فيهما)، عطفٌ على قوله: "لينظر في اختلافهما الناظر"، وفيه إشارةٌ إلى أن قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ نشرٌ لمعنى اللف في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، فإن مجرد الانتقال والتغيير يدل على ناقل ومغيرٍ عظيم القدرة، وكون ذلك الانتقال مؤديًا إلى النفع العظيم يدل على منعم واسع النعمة، وهما يوجبان المعرفة والعبادة، و"أو" في قوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: للتخيير والإباحة، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] على ما مر، أو للجمع، كما في قوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦]، ومن ثم أتى المصنف بالواو في الموضعين، أي: في لينظر، ويشكر، وفي "وقتين للمتذكرين والشاكرين". ثم قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ تعريضٌ بأن الذين قالوا: وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا؟ أبوا التفكر في آيات الله جحودًا وعنادًا، وامتنعوا عن الشكر لآلائه عتوًا واستكبارًا، وتصريحٌ بأن الذين توسموا بعباد الرحمن على خلاف ذلك، ولذلك قال: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ليقابل قولهم: ﴿أَنَسْجُدُ﴾ وقوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. وقال الإمام: إنه تعالى لما حكى عن الكفار مزيد النفرة ذكر بعده ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: أن الذين قالوا: وما الرحمن؟ ما تفكروا في هذه القدرة، وما شكروا هذه النعمة.
[ ١١ / ٢٧٩ ]
والتصرف بالنهار، كما قال عز وعلا: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [القصص: ٧٣]؛ أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين، من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر. وعن الحسن ﵀: من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب. ومن فاته بالليل: كان له في النهار مستعتب.
[(وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا)].
_________________
(١) ـ قوله: (أو ليكونا وقتين)، عطفٌ من حيث المعنى على جملة قوله: "لينظروا في اختلافهما". قوله: (من فاته في أحدهما ورده … قام به في الآخر)، روينا عن الشيخين وغيرهما، عن أنس: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ". قوله: (كان له في الليل مستعتبٌ)، الجوهري: عتب عليه، أي: وجد عليه، قال الخليل: الإعتاب: مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، وقيل: الإعتاب: إزالة العتب، وهمزته للسلب، والإعتاب بمعنى الرضا، والاستعتاب: طلب الإعتاب. النهاية: استعتب: طلب أن يرضى عنه، كما تقول: استرضيت، ومنه الحديث: "لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستغيث" أي: يرجع عن الإساءة، ويطلب الرضا، ومنه الحديث: "ولا بعد الموت من مستعتب"، أي: ليس بعده استرضاءٌ.
[ ١١ / ٢٨٠ ]
(وَعِبادُ الرَّحْمنِ) مبتدأ خبره في آخر السورة، كأنه قيل: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ) هذه صفاتهم (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ) [الفرقان: ٧٥]. ويجوز أن يكون خبره (الَّذِينَ يَمْشُونَ). وأضافهم إلى الرحمن تخصيصا وتفضيلا. وقرئ: (وَعِبادُ الرَّحْمنِ). وقرئ: "يُمشَّونَ". (هَوْنًا) حال، أو صفة للمشي، بمعنى: هينين. أو: مشيا هينا، إلا أنّ في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة. والهون: الرفق واللين. ومنه الحديث: "أحبب حبيبك هونا مّا"
_________________
(١) ـ قوله: (وأضافهم إلى الرحمن تخصيصًا)، فيكون تعريضًا بالذين قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا﴾، فعلى هذا المختار أن يكون "عباد الرحمن": مبتدأ، و﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ وما عطف عليه: خبرًا ليقابل الاستكبار، والامتناع عن السجود. قوله: (وقرئ: "وعباد الرحمن")، العباد: من العبادة، وهو أن يفعل ما يرضاه الرب، والعباد: من العبودة، وهو أن يرضى ما يفعله الرب. قوله: (إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغةً)، فيه إيماءٌ إلى أن جعله حالًا أوقع من جعله وصفًا، لأن المبالغة على الحال راجعٌ إلى ذواتهم، وفي الوصف إلى حالهم، لأن الأصل في الحال أن يقال: يمشون على الأرض هينين، فوضع موضع هونًا. قوله: (ومنه الحديث: "أحبب حبيبك هونًا ما")، تمامه: "عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما"، أي: لا تفرط في حبه
[ ١١ / ٢٨١ ]
وقوله: "المؤمنون هينون لينون"، والمثل: "إذا عزّ أخوك فهن"، ومعناه: إذا عاسر فياسر. والمعنى: أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: (وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) [الفرقان: ٢٠].
_________________
(١) ـ وبغضه، وارفق في كل ذلك. مذكورٌ في "أخبار الشهاب"، والشيخ أبو الفضائل الصغاني جعله من الموضوعات في "كشف الحجاب"، وفي "الدر الملتقط". قوله: (المؤمنون هينون لينون)، روى الإمام أحمد بن حنبلٍ في "مسنده"، عن ابن مسعود: حرم على النار كل هينٍ لين، سهلٍ قريبٍ من الناس. قوله: (إذا عز أخوك فهن)، قال الميداني: قال أبو عبيد: معناه: مياسرتك صديقك ليست بضيم ركبك منه فيدخلك الحمية به، إنما هو حسن خلقٍ وتفضل، فإذا عاسرك فياسره. قال المفضل: المثل لهذيل بن هبيرة الثعلبي، وكان أغار عل بني ضبة، فغنم فأقبل بالغنائم فقال له أصحابه: اقسمها بيننا، فقال: إني أخاف أن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب، فأبوا، فقال: إذا عز أخوك فهن. قوله: (ولقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، يعني: لأجل ما وصف الله تعالى العباد بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، ووصف الرسل بقوله: بقوله: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، أوقع المعلل بين العلتين.
[ ١١ / ٢٨٢ ]
(سَلَامًا): تسلما منكم لا نجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا شر، أي: نتسلم منكم تسلما، فأقيم السلام مقام التسلم. وقيل: قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم. والمراد بالجهل: السفه وقلة الأدب وسوء الرعة، من قوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وعن أبي العالية: نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى ذلك؛ لأنّ الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع.
[(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا)].
البيتوتة: خلاف الظلول، وهو أن يدركك الليل، نمت أو لم تنم، وقالوا: من
_________________
(١) ـ قوله: (تسلمًا منكم لا نجاهلكم)، روى صاحب "المطلع" عن الزجاج وأبي علي: نتسلم منكم تسلمًا، أي: لا نجاهلكم ولا نلتبس بشيءٍ من أمركم، وهو الجهل. وقلت: هو معنى قوله: "ومتاركةً لا خير بيننا ولا شر". قوله: (سدادًا من القول)، وهو قول مقاتل بن حيان، أي: قالوا قولًا يسلمون فيه من الإثم. قالوا: هذا ليس بسديد، لأن المراد: أنهم يقولون هذه اللفظة لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]. قال الحريري في "درة الغواص": السداد، بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكثير: البلغة، وكل ما سددت به شيئًا. قوله: (وسوء الرعة)، الجوهري: قد ورع يرع بالكسر فيهما ورعًا ورعةً. يقال: فلانٌ سيئ الرعة، أي: قليل الورع.
[ ١١ / ٢٨٣ ]
قرأ شيئا من القرآن في صلاته وإن قلّ فقد بات ساجدا وقائما. وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء. والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو بأكثره. يقال: فلان يظل صائما ويبيت قائما.
[(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا* إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا)].
(غَرامًا): هلاكا وخسرانا ملحا لازما. قال:
ويوم النّسار ويوم الجفا … ر كانا عذابا وكانا غراما
وقال:
إن يعاقب يكن غراما وإن يعـ … ـط جزيلا فإنّه لا يبالي
_________________
(١) ـ قوله: (﴿غَرَامًا﴾ هلاكًا وخسرانًا ملحًا)، الراغب: الغرم: ما ينوب الإنسان في ما له من ضررٍ بغير جنايةٍ منه. يقال: غرم كذا غرمًا ومغرمًا، وأغرم فلانٌ غرامةً، والغريم يقال لمن له الدين ولمن عليه الدين. والغرام: ما ينوب الإنسان من شدةٍ ومصيبة. وقال ابن الأعرابي: الغرام: الشر الدائم، والعذاب. قوله: (يوم النسار ويوم الجفار)، الجوهري: النسار، بكسر النون: ماءٌ لبني عامر، ويوم نسارٍ لبني أسدٍ وذبيان على بني جشم بن معاوية. وقال: الجفار أيضًا: ماءٌ لبني تميم بنجد، ومنه: يوم الجفار، وأنشد البيت. قوله: (إن يعاقب) البيت، لا يبالي: أي: لا يكترث بقولٍ إن يعاقب الأعداء يكن غرامًا، وإن يعط الأولياء فإنه لا يبالي بإعطاء الكثير.
[ ١١ / ٢٨٤ ]
ومنه: الغريم؛ لإلحاحه ولزامه. وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه، إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) [المؤمنون: ٦٠]. (سَاءَتْ) في حكم "بِئستْ" وفيها ضمير مبهم يفسره (مُسْتَقَرّا)، والمخصوص بالذم محذوف، معناه: ساءت مستقرّا ومقاما هي. وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم "إنّ" وجعلها خبرا لها. ويجوز أن يكون (سَاءَتْ) بمعنى: أحزنت. وفيها ضمير اسم "إنّ". و(مُسْتَقَرًّا) حال أو تمييز، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين، وأن يكونا من كلام الله وحكاية لقولهم.
_________________
(١) ـ قوله: (ساءت مستقرًا ومقامًا هي)، قال صاحب "المطلع": فإن قيل: كيف ذكر المفسر والمفسر مؤنث؟ قلت: لما أنث المفسر بمعنى الدار والمنزلة، وجب تأويل المفسر به، كأنه قيل: ساءت الدار أو المنزلة دارًا أو منزلةً، وإنما وجب تأنيثه نظرًا إلى المخصوص بالذم كما نظر ذو الرمة في الزورق إلى تأويل السفينة، حيث كان المخصوص بالمدح مؤنثًا في قوله: أو حرةٌ عيطلٌ ثبجاء مجفرةٌ … دعائم الزور نعمت زروق البلد الحرة: الناقة الكريمة، والعيطل: الطويلة العنق. الثبج: شديد الثبج، وهو الظهر، وقيل: ما بين الكاهل إلى الظهر، والمجفرة: الشديدة الجفرة وهي الوسط، والزور: أعلى الصدر. قوله: (وفيها ضمير اسم "إن")، وقال صاحب "المطلع": والتأنيث لاسم "إن"، وهي جهنم، لأنه ضميرها. قوله: (يصح أن يكونا متداخلين)، أي: يكون قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا﴾ تعليلًا لقوله: ﴿اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ﴾ تعليلًا لقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ
[ ١١ / ٢٨٥ ]
[(وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا)].
قرئ: (يَقْتُرُوا) بكسر التاء وضمها، و: (يُقتِروا) بتخفيف التاء وتشديدها. والقتر والإقتار والتقتير: التضييق الذي هو نقيض الإسراف. والإسراف: مجاوزة الحدّ في النفقة. ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، وبمثله أمر رسول الله ﷺ: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: ٢٩]. وقيل: الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف. وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الإسراف. فقال: لا إسراف في الخير. وعن عمر بن عبد العزيز: أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوّجه ابنته وأحسن إليه، فقال: وصلت الرحم وفعلت وصنعت، وجاء بكلام حسن، فقال ابن لعبد الملك: إنما هو كلام أعدّه لهذا المقام، فسكت عبد الملك، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر، فسأله عن
_________________
(١) ـ غَرَامًا﴾، وكونهما مترادفين أن يكونا تعليلين لقوله: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، قال الإمام: كلاهما يمكن أن يكون ابتداء كلام الله، ويمكن أن يكون حكايةً لقولهم، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ إشارةً إلى كونها مضرةً خالصةً عن شوائب النفع. وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ إشارةٌ إلى كونها دائمةً، والفرق بين المستقر والمقام فإن المستقر للعصاة من أهل الإيمان، فإنهم يستقرون فيها ولا يقيمون، والإقامة للكفار. قوله: (قرئ: ﴿يَقْتُرُوا﴾، بكسر التاء وضمها)، نافعٌ وابن عامر: "ولم يقتروا" بضم الياء وكسر التاء، من الإقتار، وابن كثيرٍ وأبو عمرو: بفتح الياء وكسر التاء، والباقون: بفتح الياء وضم التاء.
[ ١١ / ٢٨٦ ]
نفقته وأحواله فقال: الحسنة بين السيئتين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه: يا بنىّ، أهذا أيضا مما أعدّه؟ وقيل: أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسدّ جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحرّ والقرّ. وقال عمر ﵁: كفى سرفا أن لا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله. والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما. ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء.
_________________
(١) ـ قوله: (الحسنة بين السيئتين)، أي: الاقتصاد، وهو حسنةٌ بين الإسراف والتقتير، وهما سيئتان، ومن كلام بعضهم: كلا طرفي [قصد] الأمور ذميم وخير الأمور أوساطها. قوله: (وقيل: أولئك أصحاب محمدٍ صلوات اله عليه)، عطفٌ على قوله: "وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير"، وعلى الأول كان عامًا فيهم وفي غيرهم. والمراد بالإنفاق الوسط: السخاوة التي هي بين التبذير والبخل. وعلى الثاني، الوسط: عبارةٌ عن الإنفاق على أنفسهم بما لا يبلغ إلى حد التلذذ والتنعم، بل يكون سد الجوعة، وستر العورة. قوله: (ونظير القوام من الاستقامة: السواء من الاستواء)، يعني: نظيره في علة التسمية به، لا أنه مشتقٌ منه، لأن الثلاثي لا يشتق من المزيد، أي: إنما قلنا: قوامًا للشيء الذي هو عدلٌ بين الشيئين لاستقامة الطرفين، وكذلك السواء من الاستواء.
[ ١١ / ٢٨٧ ]
وقرئ: (قِوامًا) بالكسر، وهو ما يقام به الشيء. يقال: أنت قوامنا، بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، والمنصوبان أعني (بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا) - جائز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل (بَيْنَ ذَلِكَ) لغوا، و(قَوَاما) مستقرا. وأن يكون الظرف خبرا، و(قَوَامًا) حالا مؤكدة. وأجاز الفراء أن يكون (بَيْنَ ذلِكَ) اسم "كان"، على أنه مبني؛ لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "قوامًا"، بالكسر)، قال ابن جني: قرأها حسان بن عبد الرحمن صاحب عائشة ﵂ ويروي عنه قتادة. القوام بالفتح: الاعتدال في الأمر، وبالكسر: ملاك الأمر وعصامه، فلو اقتصر على قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كان كافيًا، فـ ﴿قَوَامًا﴾ تأكيدٌ، وجارٍ مجرى الصفة، أي: توسطًا مقيمًا للحال وناظمًا، كالصفات المؤكدة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] فالأخرى توكيدٌ. قوله: (وأن يجعل ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لغوًا، و﴿قَوَامًا﴾ مستقرًا)، قيل: إطلاق المستقر على ﴿قَوَامًا﴾ مع أنه ظرف، لمزاوجة الكلام، وهو كونه مذكورًا مع الظرف، وهو بين ذلك. قال ابن الحاجب: المستقر: ما كان خبرًا محتاجًا إليه، وسمي مستقرًا، لأنه يتعلق بالاستقرار، فالاستقرار فيه هو مستقرٌ فيه، أي: موضعٌ للتقرير، ثم حذف لفظة "فيه" اختصارًا، واللغو: هو ما لو حذف لكان الكلام مستغنى عنه. قوله: (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت)، تمامه: حمامةٌ في غصونٍ ذات أو قال
[ ١١ / ٢٨٨ ]
وهو من جهة الإعراب لا بأس به، ولكن المعنى ليس بقوي؛ لأنّ ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة؛ فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
_________________
(١) ـ منها: ضمير الراحلة. الأوقال: جمع وقل، وهو الحجارة. أي: في غضونٍ نابتةٍ بأرض ذات أو قال، وقيل: الوقل: شجر المقل، يقول: لم يمنع الراحلة الشرب إلا صوت حمامة، أي: إنها حديدة الحس، فيها فزعٌ وذعرٌ لحدة نفسها. والاستشهاد في قوله: "غير أن نطقت"، وهو فاعل "يمنع"، وإنما بني، لإضافته إلى المبنى. قوله: (فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدةٌ)، وفائدته: بيان اتصاف المخبر عنه بالخبر، فيجب أن يكون وصف الشيء بغيره، ليفيد لا بنفسه لئلا يؤدي إلى أن يقال: وكان القوام قوامًا. وأجاب عنه صاحب "المطلع": أن ما بين الإسراف والإقتار لا يلزم أن يكون قوامًا، أي: عدلًا، لأنه يجوز أن يكون دون الإسراف بقليل، أو فوق الإقتار بقليل فما بينهما وسطٌ، بسكون السين، يتناول العدل وغيره، فالتقدير: وكان الوسط ن ذلك قوامًا. والجواب عنه: أنه يلزم من هذا الحرج المنفي في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فإن في إيقاع قوامًا على ما قرره الدلالة على مراعاة حاق الوسط، بمعنى أن قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كان يحتمل معنى الوسط بالسكون الذي هو اسمٌ مبهم لداخل الدائرة، فأخبر بقوله: ﴿قَوَامًا﴾ أن المراد منه الوسط بالتحريك، الذي هو اسمٌ لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، ولا ارتياب أن مراعاة ذلك متعذرٌ ولا يتيسر إلا بالندرة. وقال صحاب "الفرائد": ما أورده صاحب "الكشاف" على الفراء واردٌ عليه في قوله: "المنصوبان- أعني ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ - جائزٌ أن يكونا خبرين معًا، ويمكن أن يقال: المراد من القوام: العدل، فصح أن يكون خبرًا لـ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ولا يخلو عن فائدة". والجواب عنه ما ذكره ابن جني، أن الثاني جارٍ مجرى الصفة المؤكدة، كأنه قيل: كان إنفاقهم وسطًا بسكون السين البتة، لا أن الإنفاق في عين الوسط لا يتجاوزه أصلًا، كما يلزم من الاسم والخبر إذا اتحدا معنى. والجواب عن قوله: المراد من القوام العدل: هو ما أجيب عن صاحب "المطلع".
[ ١١ / ٢٨٩ ]
[(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا* إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)].
(حَرَّمَ اللَّهُ) أي: حرّمها. والمعنى: حرّم قتلها. و(إِلَّا بِالْحَقِّ) متعلق بهذا القتل المحذوف. أو بـ (ولا يَقْتُلُونَ). ونفى هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين؛ للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم، كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه. والقتل بغير حق يدخل فيه الوأد وغيره. وعن ابن مسعود ﵁: قلت: يا رسول الله، أىّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قلت: ثم أىّ؟ قال «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك» قلت: ثم أى؟ قال «أن تزاني حليلة جارك»، فأنزل الله تصديقه. وقرئ: (يلق فيه أثاما). وقرئ: (يلقى) بإثبات الألف، وقد مر مثله. والأثام: جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال ومعناهما، قال:
_________________
(١) ـ قوله: (ونفي هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش)، يعضد ما ذهبنا إليه من أن قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مقابلٌ للقائلين: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا﴾، فمدحهم الله بتلك الخلال الحميدة التي تختص بأوليائه ثم نفى عنهم هذه الخصال الرذيلة التي عليها أعداؤه. قوله: (عن ابن مسعودٍ ﵁، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟)، الحديث بتمامه، أخرجه البخاري ومسلمٌ وغيرهما. قوله: (وقرئ: "يلقى"، بإثبات الألف)، قال في "المطلع": جعل أثر الجازم حذف الحركة من المعتل لا حذف الألف كقوله:
[ ١١ / ٢٩٠ ]
جزى الله ابن عروة حيث أمسى … عقوقا والعقوق له أثام
وقيل هو الإثم. ومعناه: يلق جزاء أثام. وقرأ ابن مسعود: (أيَّامًا)، أي: شدائد. يقال: يوم ذو أيام؛
_________________
(١) ـ ألم يأتيك -والأنباء تنمي- … بما لاقت لبنون بني زياد "والأنباء تنمي": جملةٌ معترضةٌ، و"بما لاقت": متعلقٌ بـ "يأتيك". قوله: (جزى الله ابن عروة) البيت، العقوق: العاق، والعقوق، بالضم: مصدرٌ، وهو ترك بر الوالدين وقطعه، وكذا في الرحم، وعقوقًا: نصبٌ على الحال، ومعناه: جزى الله ابن عروة شر جزاءٍ عاقًا والعقوق له جزاءٌ سيئ. قوله: (وقيل: هو الإثم، ومعناه: يلق جزاء أثام) يريد أن "الأثام" إما أن يراد به جزاء الإثم كالثوب لجزاء الطاعة، وإما أن يراد به مطلق الإثم، فحينئذٍ يحتاج إلى تقدير مضاف، وهو المراد بقوله: "ومعناه: يلق جزاء أثام". الأساس: كانوا يفزعون من الأنام أشد ما يفزعون من الأثام، وهو وبال الإثم، قال: لقد فعلت هذي النوى بي فعلة … أصاب النوى قبل الممات أثامها قوله: (يومٌ ذو أيام)، الأساس: ويومٌ ذو أيام: كأيام. قال النابغة:
[ ١١ / ٢٩١ ]
لليوم العصيب. (يُضاعَفْ) بدل من (يَلْقَ)؛ لأنهما في معنى واحد، كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا … تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا
وقرئ: (يُضَعَّف)، و(نُضَعِّف له العذابَ)، بالنون ونصب العذاب. وقرئ
_________________
(١) ـ إني لأخشى عليكم أن يكون لكم … من أجل بغضائهم يومٌ كأيام وذكر في أيام العرب، أي: في وقائعها. ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] أي: بدمادمه على الكفرة. قوله: (لليوم العصيب) الأساس: عصب القوم بفلانٍ: أحاطوا به، ووجدتهم عاصبين به، ومنه: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] وعصبصب، وقيل: اعصوصب واعصبصب، والقوم: إذا اجتمعوا، واليوم: إذا اجتمعت فيه الشدائد. قوله: (متى تأتنا تلمم) البيت، "تلمم"، أي: تنزل، وهو بدلٌ من "تأتنا"، والألف في "تأججا" للتثنية، وذكر لتغليب الحطب على النار. وقيل: تأججن بالنون الخفيفة، كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعَا﴾ [العلق: ١٥]، وكقول الشاعر: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا أي: فاعبدن، وقد مضى في "آل عمران" تحقيق هذا البدل عن ابن جني. قوله: (وقرئ: "يضعف" و"نضعف")، ابن عامرٍ وأبو بكر: "يضاعف له" "ويخلد" برفع الفاء والدال، والباقون: بجزمهما، وابن كثيرٍ وابن عامرٍ على أصلهما: يحذفان الألف ويشددان العين.
[ ١١ / ٢٩٢ ]
بالرفع على الاستئناف أو على الحال، وكذلك (يَخْلُدْ) وقرئ: (ويخلد) على البناء للمفعول مخففا ومثقلا، من الإخلاد والتخليد. وقرئ: (وتخلد) بالتاء على الالتفات (يُبَدِّلُ) مخفف ومثقل، وكذلك (سَيِّئَاتِهِمْ). فإن قلت: ما معنى مضاعفة العذاب وإبدال الحسنات سيئات؟ قلت: إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. وإبدال السيئات حسنات: أنه يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها الحسنات:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "تخلد" بالتاء على الالتفات)، قال ابن جني: قرأ طلحة بن سليمان: "نضعف" بالنون، و"العذاب" بالنصب، "وتخلد فيه": جزم، أي: تخلد فيه أيها المضعف على ترك الغيبة إلى الخطاب. في "علل القرآن" للأزهري: اتفق القراء كلهم على "يخلد" بفتح الياء وضم اللام. قوله: (﴿يُبَدِّلُ﴾، مخففٌ ومثقل)، أي: قرئ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ بتثقيل الدال. سبعةٌ، وبالتخفيف: شاذ. قوله: (وإبدال الحسنات سيئات)، خلاف ما في التلاوة. قوله: (وإبدال السيئات حسنات: أنه يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات)، قال محيي السنة: ذهب جماعةٌ إلى أن هذا التبديل في الدنيا، قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهدٌ، والسدي، والضحاك: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفةً وإحصانًا.
[ ١١ / ٢٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقال سعيد بن المسيب ومكحولٌ: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسناتٍ يوم القيامة، يدل عليه حديث أبي ذر، قال النبي - ﷺ -: "إني لأعلم آخر رجلٍ يخرج من النار، يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: علمت يوم كذا وكذا وهو مقرٌ لا ينكر، وهو مشفقٌ من كبارها، فيقال: أعطوه مكان كل سيئةٍ حسنة، فيقول: إن لي ذنوبًا ما أراها هاهنا". قال أبو ذر: فلقد رأيت النبي - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه. رواه الترمذي. ورواه مسلمٌ أيضًا عن أبي ذر مع تغييرٍ فيه. فهذه المعاملة مع من هو آخر الناس خروجًا من النار، فكيف بالمؤمن التائب الآتي بالأعمال الصالحة؟ وروى الإمام عن سعيد بن المسيب ومحكولٍ: تمحى السيئة ويثبت له بدلها الحسنة، لما ورد: "ليتمنين أقوامٌ أنهم أكثروا من السيئات"، قيل من هم؟ قال: "الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"، ولا يبعد ذلك من حيث الدليل، فإن التائب النادم كلما تحسر على ذنبٍ صدر منه واستغفر الله تعالى لأجله أو خضع واستكان، نال من الزلفى من الله من الدرجات ما لا يناله بالطاعة. ثم النظم يساعد هذا التأويل، فإن الإشارة بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ما سبق من الشرك بالله، وقتل النفس المحرمة، والزنا، وقد ترتب عليه مضاعفة العذاب، والتخليد والإهانة، واستثنى من الوعيد المؤمن التائب الآتي بالأعمال الصالحة، فحينئذٍ لم يفد إذا عقب بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، وفسر بمحو الذنوب وإثبات
[ ١١ / ٢٩٤ ]
الإيمان، والطاعة، والتقوى. وقيل: يبدّلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المسلمين: قتل المشركين، وبالزنى عفة وإحصانا.
[(وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا)].
يريد: ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى الله (مَتَابًا) مرضيا عنده مكفرا للخطايا محصلا للثواب. أو فإنه تائب متابا إلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يستوجبون، والذي يحب التوابين
_________________
(١) ـ الإيمان والطاعة والتقوى إفادة ما إذا قيل: بفضل الله عليهم بالثواب والكرامات، وأن يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ يوم القيامة، لاسيما إيراد إبدال السيئات بالحسنات بعد اسم الإشارة المؤذن بأن ما يرد عقيبه جديرٌ بمن قبله، لأجل اكتسابه الخلال الحميدة، والمذكور قبله: التائب، والخصال الحميدة: الإيمان والأعمال الصالحة، فلابد إذًا من أمرٍ آخر زائدٍ وليس ذلك إلا الثواب في الآخرة. ويؤيده قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: غفورًا حيث حط عنهم بالتوبة والإيمان مضاعفة العذاب، والخلود في النار والإهانة، رحيمًا حيث بدل سيئاتهم بالثواب الدائم، والكرامة في الجنة، وكذا تذييل الكلام بقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ المفسر بقوله: "متابا مرضيًا عنده مكفرًا للخطايا، محصلًا للثواب وإلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما هو أهله، ويحب التوابين"، وأنت قد علمت أن التذييل كالتأكيد للمذيل، فلابد من مراعاة معنى الثواب فيه ليصح. قوله: (﴿متابًا﴾ مرضيًا عنده مكفرًا)، وذلك أن الشرط والجزاء إذا اتحدا معنى حمل الجزاء على نهاية ما يحتمله من المعنى، ونحوه قولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك. قوله: (أو: فإنه تائبٌ متابًا إلى الله)، يعني: أعيد المعنى ليناط به صريح اسمه الجامع،
[ ١١ / ٢٩٥ ]
ويحب المتطهرين. وفي كلام بعض العرب: لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد،
_________________
(١) ـ ليؤذن به أن من تكون توبته إلى من اسمه الله فأعظم بتوبته، وقد سبق أن اسمه الأعظم جامعٌ لسائر صفاته الحسنى وأسمائه العظمى، وله في كل مقامٍ تجل بحسب اقتضاء ذلك المقام، والمقابل له. وهذا المقام مقام التوبة، فالتجلي بوصف التوابية، وإليه الإشارة بقوله: "إلى الله الذي يعرف حق التائبين، ويفعل بهم ما يستوجبون، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين"، والذي يفرح بتوبة التائبين فرحًا لا فرح فوقه. قوله: (لله أفرح بتوبة العبد)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن الحارث بن سويد، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ نزل بأرض دويةٍ مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومةً فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، وعليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته". الدوية: الفلاة والمفازة. والراحلة: البعير الذي يركبه الإنسان، ويحمل عليه متاعه، والفرح من الله ﷾: غاية الرضا. يقول العبد العاصي الغريق في بحر المعاصي: أنا أتوسل بما صدر عن صدر حبيبك لقبول توبتي ومحو حوبتي: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" أخرجه البخاري والترمذي والنسائي، عن شداد بن أوس، عن رسول الله - ﷺ - وهو سيد الاستغفار. باء بإثمه يبوء بوءًا، أي: رجع به، وصار عليه. وتقول: باء بحقه، أي: أقر، وذا يكون أبدًا بما عليه، لا له.
[ ١١ / ٢٩٦ ]
والظمآن الوارد، والعقيم الوالد. أو: فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعا حسنا وأىّ مرجع! .
[(وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا)].
يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يحضرونها ولا يقربونها، تنزها عن مخالطة الشر وأهله، وصيانة لدينهم عما يثلمه؛ لأنّ مشاهد الباطل شركة فيه، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوّغه الشريعة: هم شركاء فاعليه في
_________________
(١) ـ قوله: (أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعًا حسنًا)، وعلى هذا معنى "يتوب": يرجع لغةً. فإن قلت: لم وضع في الوجهين السابقين "تائب" في موضع "يتوب"، وصرح في الأخير بالمضارع حيث قال: يرجع؟ قلت: ليؤذن في الوجهين أن المضارع للاستمرار والدوام، وفي الأخير بأن الثواب منتظرٌ. فإن قلت: ما الفرق بين الوجه الأول والثاني حين جعل الموصوف في الأول ﴿مَتَابًا﴾ وفي الثاني الله تعالى، والشرط والجزاء متحدان فيهما؟ قلت: ما ذكرنا أن القصد الأولى في التكرير على الأول إلى جعل الجزاء عين الشرط من غير نظرٍ إلى ذكر الله، فوصف مصدر الفعل، وعلى الثاني إلى مجرد إناطة اسم الله ﷿ به، من غير نظرٍ إلى المنوط به، فوصف ما جلب له المكرر، لأنه المقصود. قوله: (ينفرون عن محاضر الكذابين)، فالشهادة بمعنى الحضور، والزور بمعنى الباطل، النهاية: الزور: الكذب، والباطل، والتهمة. الأساس: وفي صدره زورٌ: اعوجاجٌ، وهو شاهد زور. قوله: (ما لم تسوغه الشريعة) فيدخل فيه أبنية الظلمة وما يلحق بمسجد الضرار، هذا بطريق العموم، ويمكن سلوك طريق الخصوص ويحمل اللغو مجازًا على ما نسقطه من الأبنية، وقد استعار جريرٌ في الأعيان في قوله:
[ ١١ / ٢٩٧ ]
الإثم، لأنّ حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب وجوده، والزيادة فيه، لأنّ الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه. وفي مواعظ عيسى بن مريم صوات الله عليه: إياكم ومجالسة الخطائين. ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وعن قتادة: مجالس الباطل. وعن ابن الحنفية: اللهو والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. اللغو: كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به. مرّوا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم، كقوله: (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) [القصص: ٥٥]،
_________________
(١) ـ ويذهب بينها المرئي لغوًا … كما ألغيت بالدية الحوارا وهي استعارة مصرحة تحقيقية، فالقرينة استعمال المرور فيه، فالمناسب أن يحمل الشهود على الحضور، ويجعل الزور استعارةً عنها، لأنها باطلة كما استعير ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] للقاعدة الباطلة لمسجد الضرار، فيكون اللغو مظهرًا وضع موضع المضمر، كأنه قيل: لا يحضرون تلك المشاهد، وإذا مروا بها مروا غير ملتفتين إليها ولا يجيلون النظر إليها استحسانًا، لأن قصدهم في البناء سلب نظر الخلق إليها. قال أبو حامد في "الإحياء": إن السلاطين في زماننا هذا ظلمة قلما يأخذون شيئًا على وجهه بحقه، فلا يحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم، حتى القاضي، ولا التجارة في الأسواق التي بنوها بغير حق، والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطير التي بنوها بالأموال المغصوبة التي لا يعلم مالكها. قوله: (هو استحسان النظارة)، واستحسان ما قضى الإسلام بقبحه، يضرب إلى الكفر، ولهذا قيل: الابتهار بالذنب أعظم من ركوبه، والابتهار: أن يقول: فعلت، وقد فعل
[ ١١ / ٢٩٨ ]
وعن الحسن: لم تسفههم المعاصي. وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا
_________________
(١) ـ قوله: (عن الحسن: لم تسفههم المعاصي)، روى محيي السنة عن الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها، يعني: إذا مروا بمجالس يعصى اله فيها مروا مسرعين معرضين إذ لو وقف أو لم يعرض، بل نظر، عد سفيهًا، يقال: تكرم فلانٌ عما يشينه: إذا تنزه وأكرم نفسه عنه. ثم هذه الخاتمة، أعنى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ إذا فسر قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ بأنهم ينفرون عن محاضر الكذابين والخطائين، على أن ﴿يَشْهَدُونَ﴾ بمعنى يحضرون، كانت كالتميم له، وإذا فسر بأنهم لا يشهدون شهادة الزور كانت كالتكميل له، ويجوز أن يكون تتميمًا على تفسير الحسن، لأن من وقف مواقف السفهاء سفه، ويكون قدحًا في عدالته. قوله: (إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا)، عبر أولًا عن سماع اللغو بالمرور به، لأن المرور به دل على أصحابه، ودل ذلك على سماعه منهم. وثانيًا: عن الإعراض عنه بالمرور به. على تلك الحالة، فإن الكريم إذا مر باللغو أعرض عنه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال: وأعرض عن شتم اللئيم تكرما وتخصيص المرور بالذكر، للإيذان بأن ذلك دأبهم وعادتهم، قال تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩]، أي: استمرت بذلك الحمل ولم يثقلها قط. قال الزجاج: فمرت به، معناه: استمرت به، قعدت وقامت ولم يثقلها. ونحوه في المعنى قول الشاعر: وقد أمر على اللئيم يسبني … فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
[ ١١ / ٢٩٩ ]
وصفحوا. وقيل: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه.
[(وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا)].
(لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها) ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، كما تقول:
لا يلقاني زيد مسلما، هو نفي للسلام لا للقاء. والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها
_________________
(١) ـ أي: هذا الإعراض والصفح شيمتى وخلقي، ولذلك قرنه بحرف التقليل المفيد للتكثير تمليحًا، كقوله: قد أترك القرن مصفرًا أنامله قوله: (كنوا عنه)، أي: بالغشيان والمسيس والمباشرة والإتيان دائمين مستمرين. قوله: (ليس بنفي للخرور، بل إثباتٌ له ونفيٌ للصمم والعمى)، يعني: أدخل حرف النفي على المثبت، وأريد نفي ما يتبعه، كقولك: ما هو بمؤمنٍ مخادع. والنكتة فيه التعريض بمن هو ليس على صفتهم، ولذلك قال: "لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها، إلى قوله: "وهو كالصم والعميان"، وما أحسن اقتران هذا الوصف مع قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ لا يختلط جدهم بهزل، وحقهم بباطل، فإذا اعتراهم الهزل تنزهوا عنه كل تنزه، وإذا اشتغلوا بالحق لا يحوم بالباطل حوله، ومنه قول المنصور لابن عمران: بلغني أنك بخيلٌ. قال: ما أجمد في حق، ولا أذوب في باطل، أو يقال: إذا مروا بالهزل مروا مكرمين متغافلين متغابين، كأنهم ما سمعوه ولا نظروا إليه، وإذا حاولوا الجد أقبلوا إليه بشر اشرهم واجتنبوا عن أن يكونوا كالغافلين عنه لا يسمعونه بآذانٍ واعية، ولا يبصرونه بأعينٍ راعية. اللهم اجعلنا من زمرتهم برحمتك الواسعة يا رب العالمين.
[ ١١ / ٣٠٠ ]
سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها، مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم العميان حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها كالمنافقين وأشباههم.
[(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا)].
قرئ: (ذريتنا)، و(وذرياتنا)، و(قرة أعين) و(قرّات أعين). سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأعقابا عمالا لله، يسرون بمكانهم وتقرّبهم عيونهم. وعن محمد
_________________
(١) ـ قوله: (سامعون بآذانٍ واعية، مبصرون بأعينٍ راعية)، خبرٌ بعد خبر، لقوله: "وهم". قوله: (وقرئ: "ذريتنا" و﴿ذُرِّيَّاتِنَا﴾، الحرميان وابن عامرٍ وحفص: "ذرياتنا" بالألف على الجمع، والباقون: بغير الألف على التوحيد. قوله: (سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجًا وأعقابًا عمالًا لله)، فإذن، التقدير: هب لنا أزواجًا وذرياتٍ مطيعين لك، ولما كانت طاعتهم سببًا لسرورهم وضع المسبب موضع السبب للمبالغة، وأن المطلوب الأولى بالأولاد طاعة اله، وجعل هذا الدعاء من جملة صفات الكملة من المؤمنين للدلالة على عظم منزلة من يطلب النكاح لذلك، وهذا بالنسبة إلى الداعي، فكيف بمن يتصف بذلك؟ وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، كالتكميل للدعاء، أي: اجعلنا كاملين في أنفسنا، ومكملين لغيرنا، وفي جعل المقتدين متقين إشارةٌ إلى علو درجة الإمام. قوله: (يسرون بمكانهم وتقربهم عيونهم)، "وتقر بهم": عطفٌ تفسيريٌ لـ "يسرون"،
[ ١١ / ٣٠١ ]
بن كعب: ليس شيء أقرّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه. وقيل: سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم سرورهم. أراد. أئمة، فاكتفى بالواحد؛ لدلالته على الجنس ولعدم اللبس، كقوله: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) [غافر: ٦٧]. أو أرادوا: اجعل كل واحد منا إماما. أو أراد جمع آمّ، كصائم وصيام. أو أرادوا: اجعلنا إماما واحدا لا تحادنا واتفاق كلمتنا. وعن بعضهم: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها. وقيل: نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة. فإن قلت: (مِنْ) في قوله: (مِنْ أَزْواجِنا) ما هي؟ قلت: يحتمل أن تكون بيانية، كأنه قيل: هب لنا قرّة أعين، ثم بينت القرّة وفسرت بقوله: (مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا)، ومعناه: أن يجعلهم الله لهم قرّة أعين، وهو من قولهم: رأيت منك أسدا، أي: أنت أسد، وأن تكون ابتدائية على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من طاعة وصلاح.
_________________
(١) ـ والظاهر العكس، لأنه بصدد أن يفسر "قرة أعين" بالسرور، كأنه ادعى الشهرة، وأنه الأصل في الاعتبار. النهاية: وفي حديث الاستسقاء: "لو رآك لقرت عيناه"، أي: لسر بذلك وفرح، وحقيقته: أبرد الله دمعة عينية، لأن دمعة الفرح والسرور باردةٌ، ونقل عن الأصمعي: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ولهذا قيل: أسخن الله عينيك، وقيل: أقر الله عينيه: أعطاه ما يسكن به عينه، ولا ينظر إلى غيره، من: قر يقر- من باب ضرب-: إذا ثبت. قوله: (وأن تكون ابتدائيةً على معنى: هب لنا من جهتهم)، في كلامه إشعارٌ بأن "من" البيانية تجريديةٌ، لقوله: "وهو من قولهم: رأيت منك أسدًا"، و"من" الابتدائية بمعنى: لأجل، كذا قدر في المائدة عند قوله: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣].
[ ١١ / ٣٠٢ ]
فإن قلت: لم قال: (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) فنكر وقلل؟ قلت: أما التنكير فلأجل تنكير القرّة، لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه، كأنه قيل: هب لنا منهم سرورا وفرحا. وإنما قيل (أَعْيُنٍ) دون عيون، لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال الله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، ويجوز أن يقال في تنكير (أَعْيُنٍ): إنها أعين خاصة، وهي أعين المتقين.
(أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا) [الفرقان: ٧٦].
المراد يجزون الغرفات؛ وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصارا على الواحد الدال
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يقال في تنكير ﴿أَعْيُنٍ﴾، عطفٌ على قوله: "أما التنكير فلأجل تنكير القرة"، وفي هذا العطف على الجواب بعد السؤال الثاني نوع بلاغة، فإنه لما أجاب عن سؤال التنكير بقوله: أما التنكير فلأجل تنكير القرة فهم أن المضاف تابعٌ للمضاف إليه، وكان المراد من التنكير في المضاف التفخيم والتعظيم، فنكر المضاف إليه لذلك، أي: سرورًا لا يكتنه كنهه. ولما أجاب عن سؤال البناء وأن "أعين" جمعٌ بنيت للقلة ليؤذن به إلى تقليل صاحبها وهم المتقون، قال: "إنها أعينٌ خاصة"، والتنكير تنكير التقليل، ليناسب البناء في التقليل، كأنه قرة أعين الشكور من عباد الله. الانتصاف: والظاهر أن المحكي كلام كل واحدٍ من المتقين، أي: يقول كل واحدٍ منهم: اجعل لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وهذا أحسن من تأويله، فإن المتقين، وإن كانوا قليلين، فهم كثيرون في أنفسهم، وقلتهم بالنسبة إلى غيرهم. والمعتبر في جمع القلة أن يكون الشيء قليلًا في نفسه لا بالنسبة. قوله: (وهي العلالي في الجنة)، الجوهري: العلية: الغرفة، والجمع: العلالي، وهو فعليةٌ مثل مريقة، وأصله: عليوةٌ، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت، وهي من: علوت.
[ ١١ / ٣٠٣ ]
على الجنس، والدليل على ذلك: قوله: (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ) [سبأ: ٣٧]، وقراءة من قرأ: (في الغرفة). (بِما صَبَرُوا): بصبرهم على الطاعات، وعن الشهوات، وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر وغير ذلك.
وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبور عليه
_________________
(١) ـ قوله: (والدليل على ذلك)، أي: على أن المراد بـ "الغرفة" الجنس: مجيئها في "سبأ" جمعًا وإفرادًا، فإن حمزة أفرد بها مفردًا، والجماعة أجمعوا على جمعها، فدل قراءة الجمع على أن المراد من الإفراد الجنس ليتوافق القراءتان، ويمكن أن يقال: القرينة هي إثبات الغرفة الواحدة للجماعة. وأما فائدة العدول في هذا المقام فلاتحاد ترتب الحكم على الأوصاف المشتركة بخلافه في "سبأ"، فإنه مرتبٌ على الإيمان والعمل الصالح مطلقًا. ولا ارتياب في التفاوت في الأعمال، فناسب الجمع ليتفاوت الجزاء بحسب العاملين. وأما إفراد حمزة فيها فمن باب حمل المطلق على المقيد. قوله: (وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبورٍ عليه)، يعني: لم يؤت بمتعلق صبور لئلا يقتصر عليه، فيتناول كل مصبورٍ عليه إلى أن يحاط به. فإن قلت: قد تقرر أن اسم الإشارة إذا عقب به من أجرى عليه الأوصاف دل على أن المذكور قبله جديرٌ بما بعده لأجل تلك الأوصاف الجارية عليه، فإذن السبب في أنهم يجزون الغرفة تلك الأوصاف التي أجريت على عباد الرحمن، فكان من حق الظاهر أن يجاء بدل ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بما فعلوا كناية عن تلك المذكورات بأسرها، فما فائدة العدول؟ قلت: الإيذان بأن ملاك العبادات الصبر، وأن حبس النفس على طاعة اله هي الطلبة، وقطعها عن مشتهياتها هي المرام. الراغب: الصبر: حبس النفس عما يقتضيه الهوى، وتختلف مواقعه وربما يخالف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعة. فإن كان في مصيبةٍ فيقال: صبرٌ لا غير، وضده الجزع،
[ ١١ / ٣٠٤ ]
وقرئ: (ويُلَقَّوْنَ)، كقوله تعالى: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) [الإنسان: ١١]، و(يَلْقَوْن)، كقوله: و(يَلْقَ أَثامًا) [الفرقان: ٦٨]. والتحية: دعاء بالتعمير. والسلام: دعاء بالسلامة، يعني: أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم. أو يحيى بعضهم بعضا ويسلم عليه أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة. اللهم وفقنا لطاعتك، واجعلنا مع أهل رحمتك، وارزقنا مما ترزقهم في دار رضوانك.
[(قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا)].
لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها،
_________________
(١) ـ وإن كان في محاربةٍ سمي شجاعةً، وضدها الجبن، وإن كان في نائبةٍ مضجرة سمي صاحبه رحيب الصدر، وضده ضيق الصدر، وإن كان في إمساك النفس عن الفضولات سمي قناعةً وعفة، وضدها الحرص والشره، وإن كان في إمساك الكلام في الضمير سمي كتمانًا، وضده الإفشاء وعلى هذا يقاس جميع الفضائل من الأخلاق ورذائلها. قوله: (وقرئ: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾)، بالتشديد، كلهم إلا أبا بكرٍ وحمزة والكسائي، فإنهم قرؤوا: "ويلقون" بالتخفيف. قوله: (أو يعطون التبقية)، عطفٌ على قوله: "إن الملائكة يحيونهم"، هذان الوجهان مبنيان على القراءتين على تشديد ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ وتخفيفه، فعلى التشديد المناسب أن يكون التحية بمعنى الدعاء بالتعمير، أي: تتلقاهم الملائكة ويحيونهم ويسلمون عليهم، وعلى التخفيف التحية بمعنى التبقية والتخليد، أي: يلقون البقاء والتخليد مع السلامة، لكن فسر المصنف يلقون بقوله: "يعطون، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، أي: أعطاهم، وفي بعض الحواشي: التحية مشتقةٌ من الحياة، وهي التبقية في الحقيقة، ومنه قولنا: التحيات لله، أي: التبقيات له تعالى.
[ ١١ / ٣٠٥ ]
ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة؛ أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم، لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرّح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة، ولم يعتدّ بهم، ولم يكونوا عنده شيء يبالى به. والدعاء: العبادة. و(مَا) متضمنة لمعنى الاستفهام، وهي في محل النصب، وهي عبارة عن المصدر، كأنه قيل: وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم. يعنى أنكم لا تستأهلون شيئا من العبء بكم لولا عبادتكم. وحقيقة قولهم ما عبأت به: ما اعتددت به من فوادح همومى ومما يكون عبئا علىّ، كما تقول: ما اكترثت له، أى: ما اعتددت به من كوارثي ومما يهمني. وقال الزجاج في تأويل (مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي): أي وزن يكون لكم عنده؟ ويجوز أن تكون (مَا) نافية، (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ): يقول: إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتدّ بعبادي إلا لعبادتهم، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار. ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ويتبع أمري، فقد عصيت فسوف ترى ما أحلّ بك بسبب عصيانك. وقيل: معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. وقيل: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة. فإن قلت: إلى من يتوجه هذا الخطاب؟ قلت: إلى الناس على الإطلاق، ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب
_________________
(١) ـ قوله: (من فوادح همومي) وكوارثي، الجوهري: فدحه الدين: أثقله، وأمرٌ فادحٌ، إذا عاله وبهظه، وكرثه الغم يكرثه، بالضم، أي: اشتد عليه، وبلغ منه المشقة. قوله: (فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب)، أي: الخطاب في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ متوجهٌ إلى جنس الناس من غير تقييدٍ
[ ١١ / ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بنوع من أنوع هذا الجنس، وإنما صح ذلك لما وجد في صنفٍ من الأصناف التكذيب، وفي صنفٍ العبادة، وهو قريبٌ من قوله: فسيف بني عبس وقد ضربوا به … نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله: نبا بيدي ورقاء. وقلت: ما أبعد هذا التأويل، فإن الآية منه على صريخ وعويل، أم كيف يتصور أن يدخل الأنبياء والصالحون من التابعين في خطاب ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾؟ والوجه أن يكون الخطاب متوجهًا إلى قريش، لاسيما واللزام مفسرٌ بيوم بدر. روينا عن البخاري ومسلم، عن عبد الله: خمسٌ قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام، وفي رواية الترمذي: اللزام: يوم بدر. وروى البرقاني عن الشيخين: اللزام: يوم بدر، وفي "معالم التنزيل": ما يفعل بعذابكم لولا شرككم؟ أي: دعاؤكم الآلهة، كما قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]. وقيل: فقد كذبتم أيها الكافرون، فخاطب أهل مكة، يعني: أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته، فكذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقال صاحب "الفرائد": أصل الكلام: لولا دعاؤكم- أي: عبادتكم- لم يعبأ بكم،
[ ١١ / ٣٠٧ ]
وقرئ: (فقد كذب الكافرون). وقيل: يكون العذاب لزاما. وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر، وأنه لوزم بين القتلى لزاما. وقرئ: (لَزامًا) بالفتح بمعنى اللزوم، كالثبات
_________________
(١) ـ لكن لم تكن عبادتكم، لأنه أرسل الرسول إليكم فقد كذبتموه فلم يعبأ بكم، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ واقعٌ موقع لم يعبأ بكم. والنظم يساعد هذا التأويل، لأن هذه السورة الكريمة على ما سبق مشتملةٌ على بيان عناد كفار قريش، وتكذيبهم آيات الله وتسميتهم القرآن بأساطير الأولين، وطعنهم في الرسول: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، كما شرحناه. وأما ذكر المؤمنين فتعريضٌ لهم وقد صرح به في قوله: "ونفي هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخصال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم"، ثم إن هذه الخاتمة ناظرةٌ إلى الفاتحة، أي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] المعنى: قد أنذر وبالغ فيه، وبين بالآيات الظاهرة، والبراهين الباهرة، تصريحًا وتعريضًا، أن الحكمة في الإيجاد معرفة الخالق، أما تصريحًا ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، وأما تعريضًا ففي عد فضائل المؤمنين، وإذا أعلمكم رسولي أن حكمي ذلك، وأني لا أعتد بعبادي إلا بعبادتهم، فقد خالفتم أنتم بتكذيبكم كتابي ورسولي حكمتي في الإيجاد، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهو الاستئصال يوم بدر، والعذاب السرمد في النار يوم القيامة، وبالله التوفيق. قوله: (وقرئ: "لزامًا" بالفتح)، في "المطلع": "لزاما" بالفتح، بمعنى: اللزوم، كالثبات والثبوت، وبالكسر: بمعنى الملازمة، وكلاهما وصفٌ بالمصدر بمعنى: ملازمًا أو لازمًا.
[ ١١ / ٣٠٨ ]
والثبوت. والوجه أن ترك اسم "كان" غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به، لأجل الإبهام وتناول ما لا يكتنهه الوصف، والله أعلم بالصواب.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الفرقان لقي الله يوم القيامة وهو مؤمن بأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب".
_________________
(١) ـ قوله: (والوجه أن ترك اسم "كان" غير منطوقٍ به)، يريد أنه غير ملفوظ، لكنه مضمرٌ بالبال، لقوله: "بعد ما علم أنه مما توعد به". والله تعالى أعلم * * *
[ ١١ / ٣٠٩ ]