مكية، وهي عشر آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ)] ١ - ١١ [
الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة، أي: تقرع (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار؛ قال جرير:
إنّ الفرزدق ما علمت وقومه … مثل الفراش غشين نار المصطلي
_________________
(١) سورة القارعة مكية، وهي عشر آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (إن الفرزدق) البيت، ما علمت: أي الذي علمته، وهي معترضة. يهجوه وقومه،
[ ١٦ / ٥٥٤ ]
وفي أمثالهم: أضعف من فراشةٍ وأذل وأجهل، وسمى فراشًا لتفرّشه وانتشاره. وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوانًا؛ لأنها ألوان، وبالمنفوش منه؛ لتفرق أجزائها. وقرأ ابن مسعود: (كالصوف). الموازين: جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، أو جمع ميزان. وثقلها: رجحانها؛ ومنه حديث أبى بكر لعمر ﵄ في وصيته له: (وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا السيئات أن يخف) (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمّه؛ لأنه إذا هوى أي: سقط وهلك، فقد هوت أمّه ثكلًا وحزنًا قال:
هوت أمّه ما يبعث الصّبح غاديا … وماذا يردّ اللّيل حين يثوب
_________________
(١) أي: إنهم ضعفاء أذلاء جهلاء، أمثال الفراش غشين، أي: حضرن في غشوة الليل نار الذي يصطلي بها الشاعر وهو جرير. وقيل: غشين: اقتحمن. قيل: "ما" في "ما علمت": مصدرية، والمدة معه مقدرة، أي: أن الفرزدق وقومه دوام علمي بهم ضعفاء. قوله: (ومنه حديث أبي بكر ﵁)، الحديث رواه صاحب "جامع الأصول"، عن رزين العبدري، وذكرناه بتمامه في "الأعراف". قوله: (هوت أمه) البيت، قائله: كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه. ما يبعث، من المبعث: من النوم، والغادي: الذي يغدو، وهو حال. وهوت أمه: دعاء لا يراد به الوقوع، بل التعجب والمدح، أي: أي شيء يبعث الصُّبح منه حين يغدو، وأي شيء يرد الليل منه
[ ١٦ / ٥٥٥ ]
فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك. وقيل: (هاوِيَةٌ) من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدًا، كما روى: (يهوى فيها سبعين خريفا) أي: فمأواه النار. وقيل: للمأوى: أمّ، على التشبيه؛ لأنّ الأمّ مأوى الولد ومفزعه. وعن قتادة: فأمّه هاوية، أي: فأمّ رأسه هاوية في قعر جهنم، لأنه يطرح فيها منكوسًا. (هِيَهْ) ضمير الداهية التي دلّ عليها قوله: (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) في التفسير الأوّل، أو ضمير (هاوية)
_________________
(١) ـ حين يرجع، وحُذف لفظة "منه" في الموضعين لدلالة الكلام عليها، كما حُذف من قوله: السمن منوان بدرهم، وفيه معنى التجريد، أي: يبعث الصبح منه مغيرًا والليل غانمًا. قوله: (سبعين خريفًا)، عن بعضهم: عُبر بالخريف عن السنة، لأن الثمار والزروع تنمو في هذا الوقت، ويُعبر بآخر الوقت عن كله. قوله: (في التفسير الأول)، أي: إذا فُسر "أمه هاوية" بالدعاء، ومن قولهم: هوت أمه؛ وإنما جُعل الضمير للداهية، لأن الشخص إذا سقط وهلك وصارت أمه ثكلى وخزيا، فقد أصابته الداهية. وعلى التفسير الثاني: أمه بمعنى المأوى، و﴿هَاوِيَةٌ﴾ من أسماء النار. وأظهر التفسيرين الأول، لأن ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ مقابل لقوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، والهلاك أنسب إلى العيش لأنه الحياة المختصة بالحيوان، فكما بولغ في القرينة التالية بما أردف به، بولغ في السابقى بالإسناد المجازي. الراغب: "العيش: الحياة المختصة بالحيوان، وهو أخص من الحياة، لأن الحياة تقال في الحيوان، وفي الباري تعالى، وفي الملك، ويُشتق منه المعيشة لما يتعيش منه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقال في أهل الجنة: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾، وقال؟ في الحديث: "لا عيش إلا عيش الآخرة".
[ ١٦ / ٥٥٦ ]
والهاء للسكت، وإذا وصل القارئ حذفها. وقيل: حقه أن لا يدرج لئلا يسقطها الإدراج؛ لأنها ثابتة في المصحف، وقد أجيز إثباتها مع الوصل.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "القارعة"، ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة».
_________________
(١) قوله: (والهاء للسَّكت، وإذا وصل القارئ حذفها)، قال في "المرشد": ﴿مَا هِيَهْ﴾: وقف كاف. وقال أبو حاتم: وقف جيد، ثم فُسر بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. والله أعلم. [تمت السورة] * … * … *
[ ١٦ / ٥٥٧ ]