مختلف فيها، وهي خمس آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)] ١ - ٥ [.
عظم القرآن من ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصًا به دون غيره.
والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادةً له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه. والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه.
_________________
(١) سورة القدر مكية، وهي خمس آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وجعله مُختصاُ به)، يريد أن التركيب من باب تقديم الفاعل المعنوي، نحو: أنا كفيت مهمك، أنا قضيت حاجتك. وفي إيثار صيغة الجمع تعظيم دونه كل تعظيم. قوله: (الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه)، فيه لطيفة، حيث قال أولًا: "عُظم القرآن من ثلاثة أوجه"، ثم قال: "الرفع من مقدار الوقت". والظاهر الرفع من مقداره حيث أنزله في هذه الليلة، فعدل ليؤذن بأن الليلة شرفت بنزوله فيها، وصارت ذات خطر
[ ١٦ / ٥٢٢ ]
روي أنه أنزل جملةً واحدةً في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله على رسول الله ﷺ نجومًا في ثلاٍث وعشرين سنة. وعن الشعبي: المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. واختلفوا في وقتها؛ فأكثرهم على أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها، وأكثر القول أنها السابعة منها؛ ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من يريدها الليالي الكثيرة طلبًا لموافقتها، فتكثر عبادته ويتضاعف ثوابه، وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها
_________________
(١) وشرف، فيلزم شرفه وخطره بالطريق الأولى، ثم ترقى في الرفع من مقدارها بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ثم إلى أعلى بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ثم إلى أعلى بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾. قوله: (روي أنه أُنزل جملة واحدة)، فإن قلت: ذكرت في شرح الخطبة أن الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وهو مختص بالأجرام فلا يتحقق في الكلام، فوصف بصفة حامله لالتباسه به. وهذا المجاز إنما يستقيم في إنزاله جبريل ﵇ القرآن على النبي؟، فكيف يستقيم إنزاله من اللوح إلى السماء، لأن ذلك من غير واسطة؟ قلت: الإنزال حينئذ مستعار للمعاني من الأجرام؛ شُبِّه نقل القرآن من اللوح إلى السماء وثبوته فيها، بنزول جسم من عُلو إلى أسفل، وقيل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وعلى هذا، ظهوره في عالم الشهادة، أعني اللوح، من عالم الغيب الذي هو العالم الأعلى، يمكن أن يفسر بالنزول؛ فعلى الأول هو مجاز مرسل، وعلى الثاني مجاز مسبوق بالتشبيه. قوله: (على أنها في شهر رمضان)، روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن زر بن حُبيش، قال: سمعت أُبي بن كعب يقول، وقيل له: إن عبد الله بن مسعود يقول: "من قام السنة أصاب ليلة القدر". فقال أُبي: "والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، يحلف ولا
[ ١٦ / ٥٢٣ ]
ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله تعالى: (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)] الدخان: ٤ [وقيل: سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي، (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) يعنى: ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها، ثم بين ذلك بأنها (خير من ألف شهر)، وسبب ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها؛ من تنزل الملائكة والروح، وفصل كل أمٍر حكيم. وذكر في تخصيص هذه المدّة أنّ رسول الله ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك،
_________________
(١) يستثني، ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله؟ بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين". الحديث. قوله: (ليلة تقدير الأمور)، نقل الإمام عن الواحدي أن القدر في اللغة بمعنى التقدير، وهو جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان. وقال: "سُميت به لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام. عن ابن عباس، أن الله تعالى قدر فيها كل ما يكون في تلك السنة، من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، نحو قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. وليس المراد أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة؛ فإنه تعالى قدر المقادير في الأزل قبل خلق السموات والأرض، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة". قوله: (وقيل: سُميت بذلك لخطرها)، نقل الإمام عن الزهري أنه قال: "ليلة القدر ليلة العظمة والشرف؛ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أي: منزلة وشرف، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وهو يحتمل أن يراد منه، أن من أتى بفعل الطاعات صار ذا قدر وشرف، أو أن الطاعات لها في تلك الليلة قدر زائد وشرف. وعن أبي بكر الوراق: سُميت ليلة القدر، لأنه نُزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على أمة لها قدر".
[ ١٦ / ٥٢٤ ]
وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلةً إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد. (تَنَزَّلُ) إلى السماء الدنيا، وقيل: إلى الأرض، (وَالرُّوحُ) جبريل. وقيل: خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة، (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أي: تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل. وقرئ: (من كل امرئ) أي: من أجل كل إنسان. وقيل: لا يلقون مؤمنًا ولا مؤمنةً إلا سلموا عليه في تلك الليلة. (سَلامٌ هِيَ) ما هي إلا سلامة، أي: لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضى في غيرها بلًاء وسلامة. أو: ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين. وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وكسرها.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "القدر"، أعطى من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر».
_________________
(١) قوله: (ما هي إلا سلامة)، يريد أن ﴿هِيَ﴾ مبتدأ و﴿سَلَامٌ﴾ الخبر، فقدم وجعل نفس السلام لإعطاء معنى الاختصاص. قال صاحب "الكشف": ﴿هِيَ﴾ ابتداء و﴿سَلَامٌ﴾ خبر مقدم، وهو بمعنى الفاعل، أي: هي مُسلمة. ولا بد من هذا التقدير ليصح تعليق ﴿حَتَّى﴾ به؛ لأنه إذا حمل على المصدر لم يجز تعليق ﴿حَتَّى﴾ به؛ لأنه لا يفصل بين الصلة والموصول. ويجوز تعليقه بقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ولا يجوز أن تكون ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، و﴿حَتَّى﴾ في موضع الخبر، لأنه لا فائدة فيه؛ إذ كل ليلة بهذه الصفة. قوله: (وقرئ: ﴿مَطْلَعِ﴾)، الكسائي: "مَطلع"، بكسر اللام، والباقون: بفتحها. قال الزجاج: "فمن فتح فهو المصدر بمعنى الطلوع، يقال: طلع الفجر طلوعًا ومطلعًا. ومن كسر فهو اسم لوقت الطلوع". وعن بعضهم: ولا يجوز أن يراد هنا موضع الطلوع. والله أعلم. تمت السورة بحمد الله تعالى * … * … *
[ ١٦ / ٥٢٥ ]