مكية، وهي خمس وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ * وإن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ [١ - ٣].
انشقاق القمر من آيات رسول الله ﷺ ومعجزاته النيرة.
_________________
(١) سورة القمر مكية وهي خمس وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (انشقاق القمر من آيات رسول الله ﷺ) عن البخاري ومسلم والترمذي عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر. زاد الترمذي: فنزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾. وعن الترمذي عن جبير بن مطعم: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقالت قريش: سحر محمد أعيننا، فقال بعضهم: لئن كان سخرنا، لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
[ ١٥ / ١١٦ ]
عن أنس بن مالك ﵁: أن الكفار سألوا رسول الله ﷺ آية، فانشق القمر مرتين. وكذا عن ابن عباس وابن مسعود ﵃، قال ابن عباس: انفلق فلقتين؛ فلقة ذهبت، وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن بعض الناس: أن معناه: ينشق يوم القيامة.
_________________
(١) وقال رزين العبدري: فكانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذبونهم. وحديث انشقاق القمر قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وروى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن ابن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر. وأما أبو إسحاق الزجاج؛ فقد أسند عشرين حديثًا إلا واحدًا في تفسيره إلى رسول الله ﷺ في انشقاق القمر. قوله: (وعن بعض الناس: أن معناه: ينشق يوم القيامة) قال الواحدي: هو عثمان بن عطاء عن أبيه، وقال الزجاج: وزعم قوم عندوا عن القصد، وما عليه أهل العلم، أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين اللفظ بقوله: ﴿وإن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ فكيف يكون هذا يوم القيامة؟ ! وقال القاضي: دل قوله: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾، أي: مطرد على أنهم رأوا قبله آيات أخرى
[ ١٥ / ١١٧ ]
وقوله ﴿وإن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ يرده، وكفى به رادا، وفي قراءة حذيفة (وقد انشق القمر) أي: اقتربت الساعة، وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول: أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت؛ وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم.
﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾: دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله، قيل فيه: قد استمر. لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات قالوا: هذا سحر مستمر.
_________________
(١) مترادفة، ومعجزات سابقة. وفي "الكبير": قوله انشقاق القمر منتظر بعيد، لأن من منع ذلك، وهو الفلسفي المخذول، يمنعه في الماضي والمستقبل، ومن يجوز لا يحتاج إلى التأويل، وإنما ذهب الذاهب، لأن الانشقاق أمر هائل، ولو وقع لعم وجه الأرض، وبلغ مبلغ التواتر. والجواب: أن الموافق فقد نقله، وبلغ مبلغ التواتر، وأما المخالف فربما ذهل، أو حسب أنه نحو الخسوف، والقرآن أولى دليل وأقوى شاهد، وإمكانه لا شك فيه، وقد أخبر عنه الصادق، فيجب اعتقاد وقوعه، وأما امتناع الخرق والالتئام فحديث اللئام. قوله: (وفي قراءة حذيفة: "وقد انشق القمر") قال ابن جني: هذا يجري مجرى الموافقة على إسقاط العذر، ورفع التشكك، أي: قد كان انشقاق القمر، فتوقعوا قرب الساعة، أي: إذا كان انشقاقه من أشراطها وأحد أدلة قربها، فقد توكد الأمر في وقوعها، وذلك أن "قد" إنما هي جواب وقوع كان متوقعًا، يقول القائل: انظر أقام زيد؟ وهل قام زيد؟ وأرجو أن لا يتأخر زيد، فيقول المجيب: قد قام، أي: قد وقع ما كان متوقعًا.
[ ١٥ / ١١٨ ]
وقيل: مستمر: قوي محكم، من قولهم: استمر مريره. وقيل: هو من استمر الشيء. إذا اشتدت مرارته، أي: مستبشع عندنا، مر على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ المر الممقر. وقيل: مستمر: مارا، ذاهب يزول ولا يبقى، تمنية لأنفسهم وتعليلا. وقرئ: (وإن يروا).
﴿واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره.
﴿وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾. أي: كل أمر لابد أن يصير إلى غاية يستقر عليها، وإن أمر محمد سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق أو باطل، وسيظهر لهم عاقبته. أو وكل أمر من أمرهم وأمره مستقر، أي: سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة، وقرئ بفتح القاف، يعني: كل أمر ذو مستقر أي: ذو استقرار. أو ذو موضع استقرار أو زمان استقرار. وعن أبي جعفر: (مستقرا)، بكسر القاف والجر، عطفا على الساعة،
_________________
(١) قوله: (المر الممقر)، الجوهري: مقر الشيء بالكسر يمقر مقرًا أي: صار مرًا فهو مقر، والمقر أيضًا: الصبر، وأمقر الشيء أي: صار مرًا. قوله: (ولا يبقى، تمنية) الجوهري: والأمنية واحدة الأماني، تقول منه: تمنيت الشيء ومنيت غيري تمنية؛ نصبه تمييزًا من قول الكفار، أو مفعولًا له. قوله: (﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾) بكسر القاف: السبعة. قوله: (لا بد وأن يصير) ورد في بعض النسخ بالواو، وفي بعضها بغير واو، وقد وقع في كلام المتأخرين كثيرًا بالواو، وقد قيل: إنه لا يجوز وقوعها بين الاسم والخبر، وقيل: إنها زائدة، ويمكن أن يقال: إن الخبر محذوف، و"أن يصير" معطوف عليه، تقديره: "كل أمر لا بدله من الانتهاء وأن يصير إلى غاية".
[ ١٥ / ١١٩ ]
أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله.
[﴿ولَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ ٤ - ٨].
﴿مِّنَ الأَنبَاءِ﴾ من القرآن المودع أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار.
﴿مُزْدَجَرٌ﴾ ازدجار أو موضع ازدجار. والمعنى: هو في نفسه موضع الازدجار ومظنة له، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أي: هو
_________________
(١) قوله: (أي: اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر) عن بعضهم: هو عطف قوله: ﴿وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ بأسره على قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وهو عطف مفرد، وهو المضاف والمضاف إليه الموصوف على مفرد هو الساعة، فالعطف لتتميم المعنى، فيكون قوله: ﴿وانشَقَّ القَمَرُ﴾ بعضًا من هذه الأمور المستقرة ذكر لتخصيصه، وأنه من أعظم الأمور، فيجوز أن يكون من باب قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ … وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، إذا قدر: واقترب كل أمر مستقر قبله، أو من باب عطف ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، إذا قدر بعده، وأما توسيط قوله: ﴿وإن يَرَوْا آيَةً﴾ إلى آخره، فللاستطراد لذكر انشقاق القمر توبيخًا أو تقريعًا، ﴿وكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ على أن يكون جملة برأسها، كان تذييلًا للكلام السابق، ولذلك عم الحكم بقوله: "كل أمر لابد وأن يصير إلى غاية يستقر عليها". قوله: (هو في نفسه موضع الازدجار) و"في" فيه تجريدية، نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. الراغب: مزدجر، أي: طرد ومنع عن ارتكاب المأثم، واستعمال الزجر فيهم لصياحهم بالمطرود، نحو أن يقال: اغرب، وتنح، ووراءك.
[ ١٥ / ١٢٠ ]
أسوة. وقرئ: (مزجر) بقلب تاء الافتعال زايا، وإدغام الزاي فيها.
﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ بدل من ﴿مَا﴾ أو على: هو حكمة. وقرئ بالنصب حالا من (مَا).
فإن قلت: إن كانت ﴿مَا﴾ موصوفة ساغ لك أن تنصب حكمة حالا، فكيف تعمل إن كانت موصوفة وهو الظاهر؟
قلت: تخصصها الصفة؛ فيحسن نصب الحال عنها.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفي أو إنكار. و"ما" منصوبة، أي: فأي غناء تغني النذر ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يعني فيهم، نصب ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ بـ ﴿يَخْرُجُونَ﴾، أو بإضمار: اذكر. وقرئ بإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة عنها، والداعي إسرافيل أو جبريل، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ المُنَادِ﴾ [ق: ٤١﴾.
_________________
(١) قوله: (﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم) إشارة إلى ربط الآيات، وأن هذه الفاء نتيجة للكلام السابق، وفي مدخولها معنى المتاركة والمواعدة، وذلك أنه تعالى لما أخبر عن المعاندين أنه بلغ إعراضهم وتمردهم، بحيث إن يروا آية يقولوا: سحر مستمر وكرر المعنى بقوله: ﴿وكَذَّبُوا واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ لأن الإعراض وقولهم: سحر مستمر، تكذيب ومتابعة للهوى، ثم جاء بقوله: ﴿ولَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الأَنبَاءِ﴾ جملة قسمية حالًا مقررة لجهة الإشكال، أي: يكذبون، والحال أنه جاءتهم حكمة بالغة، ثم سجل عنادهم بقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾، قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، أي بعد أن استعلمت حالهم وأنهم لا يؤمنون البتة، فتول عنهم وأعرض عن الإنذار، لأن الإنذار إنما يفيد إذا انتفع به المنذر.
[ ١٥ / ١٢١ ]
﴿إلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾: منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة. وقرئ: (نكر) بالتخفيف؛ و(نكر) بالتخفيف؛ و(نكر) بمعنى: أنكر.
﴿خُاشَّعًا﴾ حال من الخارجين فعل للأبصار، وذكر كما نقول: يخشع أبصارهم.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "نكر" بالتخفيف) ابن كثير، والباقون: بضمها. قال أبو البقاء: ﴿نُكُرٍ﴾ بضم النون والكاف، وبإسكان الكاف، وهو صفة بمعنى: منكر. قوله: ("ونكر" بمعنى: أنكر) قال ابن جني: قرأ مجاهد والجحدري وأبو قلابة: "إلى شيء نكر"، جهل، يقال: قد أنكرت الشيء فهو منكر، ونكرته فهو منكور، مثله: مررت بصبي يضرب؛ وصف بالفعل. قوله: (خاشعًا) أبو عمرو وحمزة والكسائي: "خاشعًا" بفتح الخاء وألف بعدها، والباقون: بضم الخاء وفتح الشين مشددة. قوله: (حال من الخارجين) قال أبو البقاء: ﴿خُشَّعًا﴾ حال، وفي العامل وجهان: أحدهما: ﴿يَدْعُ﴾، أي: يدعوهم الداعي، وصاحب الحال الضمير المحذوف، و﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ مرفوع بـ ﴿خُشَّعًا﴾، وجاز أن يعمل الجمع لأنه مكسر، والثاني: العامل ﴿يَخْرُجُونَ﴾. وقرئ: "خاشعًا"، والتقدير: فريقًا خاشعًا، ولم يؤنث، لأن تأنيث الفاعل تأنيث الجمع، وليس بحقيقي، ويجوز أن ينتصب "خاشعًا" مفعولًا به لـ ﴿يَدْعُ﴾، و﴿يَخْرُجُونَ﴾ على هذا: حال من أصحاب الأبصار.
[ ١٥ / ١٢٢ ]
وقرئ ﴿خَاشِعَةً) على: تخشع أبصارهم. ﴿خُشَّعًا﴾، على: يخشعن أبصارهم، وهي لغة من يقول: أكلونى البراغيث وهم طيء. ويجوز أن يكون في ﴿خُشَّعًا﴾ ضميرهم، وتقع ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ بدلا عنه.
وقرئ: (خشع أبصارهم)، على الابتداء والخبر، ومحل النصب على الحال. كقوله:
وجدته حاضراه الجود والكرم
وخشوع الأبصار: كناية عن الذلة والانخزال، لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما. وقرئ: (يخرجون)، ﴿مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ من القبور. ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ الجراد: مثل في الكثرة والتموج. يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض:
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "خاشعة") قال الزجاج: قرأها ابن مسعود، ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، نحو خاشعًا أبصارهم، ولك التوحيد والتأنيث نحو: خاشعة أبصارهم، ولك الجمع نحو: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾. قوله: (وهي لغة من يقول: أكلوني البراغيث) وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأنه لا حاجة إلى البناء عليه، لجواز "جاء رجل قعود غلمانه"، يريد ما قاله أبو البقاء: جاز أن يعمل الجمع لأنه مكسر. قوله: (وجدته حاضراه الجود والكرم)، أوله: جئت الذي كنت أرجو فضل نائله
[ ١٥ / ١٢٣ ]
جاؤوا كالجراد، وكالدبا منتشر في كل مكان لكثرته.
﴿مُهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِ﴾ مسرعين مادي أعناقهم إليه. وقيل: ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم. قال:
تعبدني نمر بن سعد وقد رأى ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع.
[﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وقَالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ ودُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * ولَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي ونُذُرِ * ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ٩ - ١٧].
﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبل أهل مكة، ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ يعني نوحًا.
_________________
(١) "حاضراه" مبتدأ، و"الجود والكرم" مبتدأ وخبر، ومحل الجملة نصب على الحال. قوله: (كالدبا) الدبا: الجراد الصغار، قبل أن يطير. قوله: (﴿مُهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِ﴾ مسرعين)، قال أبو البقاء: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ حال عند قوم من الضمير في ﴿مُّنتَشِرٌ﴾، وهو بعيد لأن الضمير في المنتشر للجراد، وإنما هو حال من ﴿يَخْرُجُونَ﴾. الراغب: هطع الرجل ببصره: إذا صوبه، وبعير مهطع: إذا صوب عنقه، قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. قوله: (تعبدني نمر بن سعد) البيت، يقول: نمر بن سعد عبدًا، وكان قبل هذا مطيعًا لي، وناظرًا إلي.
[ ١٥ / ١٢٤ ]
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا﴾ بعد قوله: ﴿كَذَّبَتْ﴾؟
قلت: معناه: كذبوا فكذبوا عبدنا أي: كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب. أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي: لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا: كذبوا نوحا؛ لأنه من جملة الرسل.
﴿مَجْنُونٌ﴾ هو مجنون. ﴿وازْدُجِرَ﴾ وانتهروه بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]، وقيل: هو من جملة قيلهم، أي:
_________________
(١) قوله: (أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا)، والفاعل الأول تعقيب، وعلى هذا للتسبيب. الانتصاف: ومضى سؤال في قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ [سبأ: ٤٥] وأجاب الزمخشري: "إنه كقول القائل: أقدم فلان على الكفر فكر"، وأقول: إن الأول مطلق والثاني مقيد، وليس بتكرار، وهو كقوله: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ فإن تعاطيه وهو نفس "عقر"، لكنه ذكره من جهة عمومه، ثم من ناحية خصوصها امتهانًا. وقلت: ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ولا شك أن ما سلكه المصنف أولًا فن بليغ يذهب إليه، نحو ما جاء في الحديث: "والأمثل فالأمثل".، وفي قولهم: وجاء القوم الأفضل فالأفضل، والأكرم فالأكرم، واستدعاه المقام لاستمرار تكذيبهم له، قومًا بعد قوم، مدة ألف سنة إلا خمسين عامًا، فوجب المصير إليه بخلاف تلك الأمثلة. قوله: (وقيل: هو من جملة قيلهم) فيكون تتميمًا للمعنى الأول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وعلى الأول تكميل، لأن و﴿وازْدُجِرَ﴾ حينئذ
[ ١٥ / ١٢٥ ]
قالوا: هو مجنون، وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه.
قرئ: ﴿أَنِّي﴾ بمعنى: فدعا بأني مغلوب، و(إني): على إرادة القول، فدعا فقال: إني مغلوب غلبني قومي، فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي.
﴿فَانتَصِرْ﴾: فانتقم منهم بعذاب تبعثه عليهم، وإنما دعا بذلك بعد ما طم عليه الأمر وبلغ السيل الزبى، فقد روي: أن الواحد من أمته كان يلقاه فيخنقنه حتى يخر مغشيا عليه، فيفيق وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وقرئ ﴿فَفَتَحْنَا﴾ مخففا ومشددا، وكذلك ﴿وفَجَّرْنَا﴾. ﴿مُّنْهَمِرٍ﴾ منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوما.
﴿وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تنفجر، وهو أبلغ من قولك: وفجرنا عيون الأرض، ونظيره في النظم: ﴿واشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤].
﴿فَالْتَقَى المَاءُ﴾ يعنى مياه السماء والأرض. وقرئ: (الماءان)، أي: النوعان من
_________________
(١) خارج عن حيز القول، عطف على "قالوا" ذلك القول، وما اكتفوا به، بل ضموا إليه هذا الفعل، ولهذا قال: "وانتهروه بالشتم والضرب". قوله: (وبلغ السيل الزبى) قال الميداني: وهي جمع زبيبة، وهي حفرة تحفر للأسد في الرابية إذا أرادوا صيده، لا يعلوها الماء، فإذا بلغ إليها السيل كان جارفًا مجحفًا يضرب لما جاوز الحد. قوله: (قرئ: ﴿فَفَتَحْنَا﴾ مخففًا ومشددًا) ابن عامر: بالتشديد، والباقون: بالتخفيف. قوله: (ونظيره في النظم: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤])، قال صاحب "المفتاح": إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس، إذ وزان اشتعل شيب رأسي،
[ ١٥ / ١٢٦ ]
الماء السماوي والأرضي. ونحوه قولك: عندي تمران، تريد: ضربان من التمر: برني ومعقلي. قال:
لنا إبلان فيهما ما علمتم
وقرأ الحسن (الماوان) بقلب الهمزة واوا، كقولهم: علباوان.
﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾: على حال قدرها الله كيف شاء. وقيل: على حال جاءت مقدرة مستوية: وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء. وقيل: على أمر قدر في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان.
﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ ودُسُرٍ﴾ أراد السفينة، وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات
_________________
(١) واشتعل رأسي شيبًا، وزان اشتعل النار في بيتي، واشتعل بيتي نارًا، وإليه الإشارة بقوله: "وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر". قوله: (لنا إبلان فيهما ما علمتم)، تمامه: فعن أيها ما شئتم فتنكبوا "ما علمتم" أي: من قرى الأضياف وصلة ذوي الفاقة إبلان، أي: طائفتان، أو قطعتان، فتنكبوا: اعتمدوا. الجوهري: نكب على قوله نكابة: إذا كان منكبًا لهم يعتمدون عليه، وهو رأس العرفاء. ويروى: فعلى أيهما فعلى عن تنكبوا مضمن معنى تفحصوا. قوله: (علباوان)، الجوهري: العلباء: عصب العنق، وهما علباوان بينهما منبت العرف، وإن شئت قلت: علباآن لأنها همزة ملحقة، وإن شئت شبهتها بهمزة التأنيث التي في حمراء، وبالأصيلة التي في كساء، والجمع: العلابي.
[ ١٥ / ١٢٧ ]
فتنوب منابها وتودي مؤداها. بحيث لا يفصل بينها وبينها. ونحوه:
ولكن قميصي مسرودة من حديد
أراد: ولكن قميصي درع، وكذلك:
ولو في عيون النازيات بأكرع
أراد: ولو في عيون الجراد. ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة، أو بين الدرع والجراد وهاتين الصفتين: لم يصح، وهذا من فصيح الكلام وبديعه.
والدسر: جمع دسار: وهو المسمار، فعال، من دسره؛ إذا دفعه؛ لأنه يدسر به منفذه.
_________________
(١) قوله: (ولو في عيون النازيات بأكرع) الجوهري: التنزي: التوثب والتسرع. الأكرع: أرجلهن، أي: الواثبات بسوق وأرجل دقيقة، وألحق الشارح قبله: وإني لأستوفي حقوقي جاهدًا قوله: (وهذا من فصيح الكلام وبديعه) وهو من الكنايات التي المطلوب بها نفس الموصوف، كما تقول في الكناية عن الإنسان: إنه حي مستوي القامة عريض الأظفار، وفيه حصول المطلوب مع التصوير، هاهنا صور إيحاءهم بشيء عمل من المسامير القوية، والأخشاب الرصينة. وأكثر ما يقع هذا في كلام الجبابرة تهاونًا بالمطلوب، كقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ [الرعد: ١٧]. وأنشد ابن جني بيت "الكتاب" في وصف سفينة: أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في جوف منحوت من الساج أي: السفينة. قوله: (فعال، من: دسره؛ إذا دفعه)، الراغب: الدسر: الدفع الشديد بعنف، يقال:
[ ١٥ / ١٢٨ ]
﴿جَزَاءً﴾ مفعول له، لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده، أي فعلنا ذلك جزاء، ﴿لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ وهو نوح ﵇، وجعله مكفورا لأن النبي ﷺ نعمة من الله ورحمة. قال الله تعالى: ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فكان نوح ﵇ نعمة مكفورة، ومن هذا المعنى ما يحكى أن رجلا قال للرشيد: الحمد لله عليك، فقال: ما معنى هذا الكلام؟ قال: أنت نعمة حمدت الله عليها.
ويجوز أن يكون على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل. وقرأ قتادة: (كفر)، أي: جزاء للكافرين. وقرأ الحسن (جزاء) بالكسر: أي مجازاة.
الضمير في ﴿تَّرَكْنَاهَا﴾ للسفينة. أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبر بها. وعن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة- وقيل: على "الجودي"- دهرا طويلا، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة. والمذكر: المعتبر. وقرئ: (مذتكر) على الأصل، و(مذكر)، بقلب التاء ذالا وإدغام الذال فيها، وهذا نحو: (مزجر). والنذر: جمع نذير وهو الإنذار ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي سهلناه للادكار والاتعاظ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية، وصرفنا فيه من الوعيد والوعيد ﴿فَهَلْ مِن﴾ متعظ؟
_________________
(١) دسره بالرمح، ورجل مدسر، كقولك: مطعن. وروي: ليس في العنبر زكاة، إنما هو شيء دسره البحر. قوله: (على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل) والكفر على هذا ضد الإيمان، والأصل: لمن كان كفر به، ثم حذف الجار فبقي المفعول، ولما بني الفعل للمفعول انقلب المجرور مرفوعًا والبارز مستكنًا. قوله: (بأن شحناه) أي: ملأناه، الجوهري: شحنت السفينة: ملأتها، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] عبر عن تكرير المواعظ والوعد والوعيد بالتيسير،
[ ١٥ / ١٢٩ ]
وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه؟ ويجوز أن يكون المعنى: ولقد هيأناه للذكر، من يسر ناقته للسفر: إذا رحلها ويسر فرسه للغزو: إذا أسرجه وألجمه. قال:
وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي كنت أصنع
ويروى: أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظرا ولا يحفظونها ظاهرا كما القرآن.
[﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي ونُذُرِ * إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي ونُذُرِ * ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا واحِدًا نَّتَّبِعُهُ إنَّا إذًا لَّفِي ضَلالٍ وسُعُرٍ * أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ ١٨ - ٢٥].
_________________
(١) لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، كلها داعية إلى الشهوات والركون إلى السفليات، واستئصال تلك العروق الضاربة من قعر الطبيعة لا يستتب ولا يتيسر إلا بتكرير المواعظ والقوارع، ألا ترى إلى سورة الرحمن وتكرير ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ قوله: (وقمت إليه باللجام)، البيت، يجزيني، أي: يكفيني، يقول: قمت إلى فرسي متهيئًا باللجام للدفاع أو القتال، ثم قال: هنالك أي: في ذلك الوقت، يكفيني ما أعانيه، وما أعامل به من إيثار اللين والتضمير والتعليف، قيل: كان البدوي يقف على فرسه ناقة أو ناقتين، يسقيه لبنها، فهو يقول: هنالك يجزيني هذا الفرس. قوله: (كما القرآن) "ما" كافة، أي: كما هو القرآن.
[ ١٥ / ١٣٠ ]
﴿ونُذُرِ﴾ وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذار أتى في تعذيبهم لمن بعدهم.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ في يوم شؤم. وقرئ: (في يوم نحس) كقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦].
﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾ قد استمر عليهم ودام حتى أهلكهم. أو استمر عليهم جميعا كبيرهم وصغيرهم، حتى لم يبق منهم نسمة، وكان في أربعاء في آخر الشهر لا تدور. ويجوز أن يريد بالمستمر: الشديد المرارة والبشاعة.
﴿تَنزِعُ النَّاسَ﴾ تقلعهم عن أماكنهم، وكانوا يصطفون آخذين أيديهم بأيدي بعض، ويتدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها، فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم.
﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ يعني: أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل، وهي: أصولها بلا فروع، ﴿مُّنقَعِرٍ﴾: منقلع عن مغارسه. وقيل: شبهوا بأعجاز النخل، لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقي
_________________
(١) قوله: (أو استمر عليهم جميعًا)، يعني الاستمرار، إما بحسب الزمان، يعني دام عليهم ذلك أزمنة ممتدة حتى أهلكهم، وإما بحسب الأشخاص كما قال: استمر عليهم جميعًا، والأول أظهر وأوفق لما في حم السجدة: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت: ١٦] ويؤيده قوله: ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ قال: قد استقر عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة، وكان أول تلك الأيام يوم الأربعاء، فذكر هاهنا بدايتها، ودل على البواقي بمستمر، وهناك ذكر البداية والنهاية. قوله: (في أربعاء في آخر الشهر لا تدور) أي: استمر عليهم الأربعاء لا يرجع لهم، أي: دام الشؤم عن الواحدي، قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم. قوله: (منقلع عن مغارسه). الراغب: قعر الشيء: نهاية أسفله، وقوله تعال: ﴿كَأَنَّهُمْ
[ ١٥ / ١٣١ ]
أجسادا بلا رؤوس. وذكر صفة ﴿نَخْلٍ﴾ على اللفظ، ولو حملها على المعنى لأنث، كما قال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
﴿أَبَشَرًا مِّنَّا واحِدًا﴾ نصب بفعل مضمر يفسره: ﴿نَّتَّبِعُهُ﴾ وقرئ: (أبشر منا واحد) على الابتداء. و﴿نَّتَّبِعُهُ﴾: خبره، والأول أوجه الاستفهام. كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق، و"سعر" ونيران، جمع سعير، فعكسوا عليه فقالوا: إن اتبعناك كنا إذن كما تقول. وقيل: الضلال: الخطأ والبعد عن الصواب. والسعر: الجنون. يقال: ناقة مسعورة. قال:
كأن بها سعرا إذا العيس هزها ذميل وإرخاء من السير متعب
_________________
(١) أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أي: ذاهب في قعر الأرض، قال بعضهم: انقعرت الشجرة: انقلعت من قعرها، وقيل: معنى انقعرت: ذهبت في قعر الأرض، وإنما أراد تعالى أن هؤلاء اجتثوا، كما اجتثت النخل الذاهب في قعر الأرض، فلم يبق لهم رسم ولا أثر، وقصعة قعيرة: لها قعر، وقعر فلان في كلامه: إذا أخرج الكلام من قعر حلقه، وهذا كما يقال: شدق في كلامه، إذا أخرج من شدقه. قوله: (فعكسوا) أي: عكسوا في جوابه، أي: المعنى الذي أورده في الخطاب، أوردوه في الجواب، وردوه به من غير اعتقاد منهم، لأن الضلال الذي هو مقابل للهدى، والسعر من السعير، إنما يستعملها الأنبياء في إنذاراتهم مع القوم، كما جاء في آخر هذه السورة: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ لا يعتقدونهما، ولذلك قال: كنا إذن كما تقول، وهو قريب من القول بالموجب. قوله: (كأن بها سعرًا)، الضمير في "هزها" راجع إلى العيس، وهي الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة، وفاعل هزها: ذميل، الذميل والإرخاء: ضربان
[ ١٥ / ١٣٢ ]
فإن قلت: كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟
قلت: قالوا: أبشرا؛ إنكارا لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس البشر وهم الملائكة، وهم الملائكة، وقالوا: ﴿مِّنَّا﴾ لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى، وقالوا: ﴿واحِدًا﴾ إنكارا لأن تتبع الأمة رجلا واحدا. أو أرادوا واحدا من أفنانهم ليس بأشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قولهم: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: أنزل عليه الوحي من بيننا، وفينا من هو أحق منه بالاختبار للنبوة؟
﴿أَشِرٌ﴾ بطر متكبر، حمله بطره وشطارته وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك.
[﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ * إنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ واصْطَبِرْ * ونَبِّئْهُمْ أَنَّ المَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ * فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي ونُذُرِ * إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ * ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ٢٦ - ٣٢﴾.
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ عند نزول العذاب بهم، أو يوم القيامة ﴿مَّنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ أصالح أم من كذبه؟ وقرئ: (ستعلمون) بالتاء، على حكاية ما قال لهم صالح مجيبا لهم. أو هو كلام الله تعالى على سبيل الالتفات.
_________________
(١) من السير، يقول: إذا هز العيس هذان النوعان من السير ترى فتى حينئذ في مثل الجنون. قوله: ("ستعلمون") أي: بالتاء الفوقانية: ابن عامر وحمزة. قوله: (أو هو كلام الله على سبيل الالتفات) أي: قال ﷾ لصالح ﵇: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ عند نزول العذاب بهم ﴿مَّنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ﴾، مسليًا لصالح فخاطبهم به صالح ـ_بالتاء الفوقانية_ وتحريره: أنه تعالى لما حكى المقالة التي جرت بين نوح وقومه، وهي قوله: ﴿أَبَشَرًا مِّنَّا﴾، إلى قوله: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ وجوابه ﵇:
[ ١٥ / ١٣٣ ]
وقرئ: (الأشر) بضم الشين، كقولهم: حدث وحدث، وحذر وحذر، وأخوات لها. وقرئ: (الأشر) وهو الأبلغ في الشرارة. والأخير والأشر: أصل قولهم: هو خير منه وشر منه، وهو أصل مرفوض، وقد حكى ابن الأنباري قول العرب: هو أخير وأشر، وما أخيره وما أشره.
﴿مُرْسِلُوا النَّاقَةِ﴾ باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، ﴿فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ امتحانا لهم وابتلاء ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون ﴿واصْطَبِرْ﴾ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري.
﴿قِسْمَةٌ بَينَهُمْ﴾ مقسوم بينهم: لها شرب يوم ولهم شرب يوم. وإنما قال: ﴿بَينَهُمْ﴾ تغليبًا للعقلاء.
_________________
(١) ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ كان من الظاهر أن يقال: أجابهم بما أوحينا إليه أن يجيب به، وهو ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾، بالياء التحتانية، فعدل إلى التاء نقلًا للمعنى لا اللفظ، ثم حكى الله تعالى لفظه، وفي جعله من الالتفات بعد. قوله: (﴿مُّحْتَضَرٌ﴾ محضور لهم أو للناقة). قال الواحدي: أي يحضر القوم يومًا، وتحضر الناقة يومًا، وحضر واحتضر واحد. الراغب: الحضر خلاف البدو، والحضارة _بفتح الحاء وكسرها_ الكون بالخضر، كالبداوة، ثم جعل ذلك اسمًا لشهادة مكان أو إنسان أو غير ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨] وذلك من باب الكناية: أي يحضرني الجن، وكني عن المجنون بالمحتضر، وكذلك كني عمن حضره الموت بالمحتضر، وذلك لما نبه عليه قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقوله: وشرب محتضر، أي: يحضره أصحابه
[ ١٥ / ١٣٤ ]
﴿مُّحْتَضَرٌ﴾ محضور لهم أو للناقة. وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها.
﴿صَاحِبَهُمْ﴾ قدار بن سالف أحيمر ثمود، ﴿فَتَعَاطَى﴾ فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له، فأحدث العقر بالناقة. وقيل: فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف.
﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾: صيحة جبريل، والهشيم: الشجر اليابس المتهشم المتكسر،
_________________
(١) وتجارة حاضرة، أي: نقدًا. قوله: (أحيمر ثمود) عطف بيان لـ"قدار". أنشد الزجاج لزهير يصف حربًا: فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم كأحمر عاد، ثم ترضع فتفطم قوله: (﴿فَتَعَاطَى﴾ فاجترأ على تعاطي الأمر) فأحدث العقر بالناقة، إنما حمله على هذا التفسير اتحاد معنى ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾، كما ذكره صاحب "الانتصاف" قبيل هذا.
[ ١٥ / ١٣٥ ]
﴿المُحْتَظِرِ﴾: الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان، وتتوطؤه البهائم فيتحطم ويتهشم. وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار، أي: الحظيرة.
[﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ * ولَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * ولَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي ونُذُرِ * ولَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي ونُذُرِ * ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ٣٣ - ٤٠].
﴿حَاصِبًا﴾ ريحا تحصبهم بالحجارة، أي ترميهم، ﴿بِسَحَرٍ﴾ بقطع من الليل، وهو السدس الأخير منه. وقيل: هما سحران، فالسحر الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه، وأنشد:
_________________
(١) قوله: (الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به) قال الواحدي: المحتظر: الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها من برد الريح، يقال: احتظر على نعمه الشجر، وضع بعضها فوق بعض. وقال الزجاج: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة. الراغب، الحظر: جمع الشيء في حظيرة، والمحظور: الممنوع، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة، وقد جاء فلان بالحظر الرطب، أي: الكذب المستبشع. قوله: (﴿بِسِحْرٍ﴾: بقطع من الليل) الراغب: السحر والسحرة: اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، وجعل اسمًا لذلك الوقت، يقال: لقيته بأعلى السحرين، والمسحر: الخارج سحرًا، والسحور: اسم الطعام المأكول سحرًا، والتسحر: أكله.
[ ١٥ / ١٣٦ ]
مرت بأعلى السحرين تذال
وصرف لأنه نكرة. ويقال: لقيته سحر، إذا لقيته في سحر يومه.
﴿نِعْمَةً﴾ إنعاما، مفعول له ﴿مَن شَكَرَ﴾ نعمة الله بإيمانه وطاعته.
﴿ولَقَدْ أَنذَرَهُم﴾ لوط ﵇ ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أخذتنا بالعذاب، ﴿فَتَمَارَوْا﴾ فكذبوا ﴿بِالنُّذُرِ﴾ متشاكين ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ فمسحناها وجعلناها كسائر الوجه، لا يرى لها شق.
روي أنهم لما عالجوا باب لوط ﵇ ليدخلوا، قالت الملائكة: خلهم يدخلوا، ﴿إنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] فصفقهم جبريل ﵇ بجناحه صفقة، فتركهم يترددون لا يهتدون إلى الباب، حتى أخرجهم لوط، ﴿فَذُوقُوا﴾ فقلت لهم: ذوقوا على ألسنة الملائكة ﴿بُكْرَةً﴾ أول النهار وباكره، كقوله: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]، و﴿مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣]. وقرأ زيد بن علي ﵄: (بكرة) غير منصرفة،
_________________
(١) قوله: (مرت بأعلى السحرين تذأل) أي: تسرع، يصف حمر الوحش، الذألان: مشي الذئب، والذؤالة: علم للذئب، كثعالة: الثعلب. الراغب: قيل: السحر سحران؛ الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه. قوله: (وصرف لأنه نكرة ويقال: لقيته في سحر يومه) أي: لا ينصرف، قال ابن الحاجب: سحر: يستعمل معرفة ونكرة، فالنكرة منصرف، والمعرفة غير منصرف، وليس فيه ما يمنعه الصرف، إلا أن تقدر العلمية مع العدل، ولو قيل: إنه مبني لتتضمنه معنى الألف واللام يبعد عن الصواب، كما أن أمس على لغة أهل الحجاز مبني لتضمنه معنى الألف واللام، ولا يكون علمًا على هذا، لأن العلم إنما يكون علمًا بالقصد لا بتقدير حرف التعريف.
[ ١٥ / ١٣٧ ]
تقول: أتيته بكرة وغدوة بالتنوين، إذا أردت التنكير، وبكرة وغدوة إذا عرفت وقصدت بكرة نهارك وغدوته.
﴿عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة.
فإن قلت: ما فائدة تكرير قوله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي ونُذُرِ * ولَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾؟
قلت: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا، إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقمقع لهم الشن تارات؛ لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولي عليهم
_________________
(١) قوله: (وبكرة وغدوة إذا عرفت)، قال ابن الحاجب: وضعوا لأوقات أعلامًا كما وضعوا للمعاني الموجودة، وإن لم تكن الأوقات شيئًا موجودًا، أجراها مجرى الأمور الموجودة، والدليل على أنه علم: سير على فرسه غدوة، فغدوة غير منصرف، وإن لم يكن علمًا لوجب صرفه إذ ليس فيه إلا التأنيث اللفظي، والتأنيث اللفظي بالتاء لا يمنع إلا مع العلمية، وقد يستعمل نكرة، فيعرف باللام كغيره. قوله: (وأن يقرع لهم العصا مرات) مضى تفسيره في أول البقرة. قوله: (ويقعقع الشن تارات) الشن: القربة الخلق، وقيل في المثل: لا يقعقع بالشنان قال النابغة: كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن أي: كأنك جمل من جمال هذه القبيلة، أي: إنك جبان في الحرب لا تقدر على الطعان، ولا تقرب إلى الحرب، بل عنها كما ينفر الجمل من صوت الشن وعن قعقعته.
[ ١٥ / ١٣٨ ]
الغفلة، وهكذا حكم التكرير، كقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ عند كل آية أوردها في سورة ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان.
[﴿ولَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ٤١ - ٤٢]
﴿النُّذُرِ﴾ موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون، أو جمع نذير ﴿بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ بالآيات التسع ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ لا يغالب ﴿مُّقْتَدِرٍ﴾ لا يعجزه شيء.
[﴿أكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ٤٣ - ٤٦].
﴿أكُفَّارُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ﴾ الكفار المعدودين: قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، أي أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا. أو أقل كفرا وعنادا يعني: أنا كفاركم مثل أولئك بل شر منهم ﴿أَمْ﴾ أنزلت عليكم يا أهل مكة ﴿بَرَاءَةٌ﴾
_________________
(١) قوله: (لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون) يعني إنما جمع النذر في قوله: ﴿ولَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ والمنذر موسى وهارون، لأنهما أتيا بما يأتي به المنذرون من الآيات والمعجزات، وجميع ما يفتقر إليه المرسلون بأبلغ وجه وأتمه، كأنهما المرسلون، أو أن يكون جمع نذير باعتبار الآيات التسع، فإن كل واحد منها نذير كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] أي: إنذار على حدة. قال الواحدي: يجوز أن يكون جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى، وذلك قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾. قوله: (أو أقل كفرًا وعنادًا يعني)، إن معنى الزيادة في قوله: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ﴾ إذا
[ ١٥ / ١٣٩ ]
في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة؟ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ جماعة أمرنا مجتمع ﴿مُّنتَصِرٌ﴾ ممتنع لا نرام ولا نضام.
وعن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر، فتقدم في الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه، فنزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ﴾ عرف تأويلها ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي الأدبار، كما قال:
كلوا في بعض بطونكم تعفوا
وقرئ: (الأدبار)، ﴿أَدْهَى﴾ أشد وأفظع.
والداهية: الأمر المنكر الذي لا يهتدي لدوائه ﴿وَأَمَرُّ﴾ من الهزيمة والقتل. والأسر. وقرئ: (سنهزم الجمع).
[﴿إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * ومَا أَمْرُنَا إلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ٤٧ - ٥٠].
_________________
(١) اعتبر من جانب أولئك الكفرة، كان التقدير: أهم خير قوة وآلة؟ وإذا اعتبر من جانب كفار مكة قيل: أقل كفرًا، بل شر منهم. قوله: (قال عمر: أي جمع يهزم) في هذه الرواية نظر لأن همزة الإنكار في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ دل على أن المنهزمين من هم.
[ ١٥ / ١٤٠ ]
﴿فِي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ في هلاك ونيران، أو في ضلال عن الحق في الدنيا، ونيران في الآخرة.
﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ كقولك: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب، لأن النار إذا أصابتهم بحرها ولفحتهم بإيلامها، فكأنها تمسهم مسا بذلك، كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذي ويؤلم. و﴿ذُوقُوا﴾: على إرادة القول. و﴿سَقَرَ﴾: علم لجهنم، من سقرته النار وصقرته: إذا لوحته. قال ذو الرمة:
إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها بأفنان مربوع الصريمة معبل
وعدم صرفها للتعريف والتأنيث. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالرفع. والقدر والقدر والقدر: التقدير، وقرئ بهما
_________________
(١) قوله: (فكأنها تمسهم مسًا بذلك، كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذي) يريد: إن ﴿مَسَّ سَقَرَ﴾ استعارة مكنية، ويجوز أن يكون استعارة للإصابة مصرحة، وأشار إليه بذلك الحر واللفح. قوله: (إذا ذابت الشمس) البيت، ذابت الشمس: اشتد حرها، ويقال: ذاب لعاب الشمس، فيكون إسناد الذوبان إلى الشمس مجازًا، والمربوع: الذي أتى عليه مطر الربيع، والصريمة: الرمل المنقطعة من الرمال، المعبل: جماعة الشجر ذي العبل، والعبل: ورق الأرطى، والأفنان: الغصون، الواحد فنن، والصقرات: شدة وقع الشمس، يصف الظبي، يقول: إذا اشتد الحر عليه أتقى منه بأفنان الشجر واستظل به. قوله: (والقدر والقدر) بسكون الدال: شاذة وبالتحريك: المشهورة، و"كل شيء" بالرفع: شاذة. قال البقاء: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالنصب العامل فيه محذوف، و﴿بِقَدَرٍ﴾ حال من الهاء أو
[ ١٥ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ من ﴿كُلَّ﴾، أي: مقدرًا، ويقرأ بالرفع على الابتداء، و﴿خَلَقْنَاهُ﴾ نعت لـ ﴿كُلَّ﴾ أو لـ ﴿شَيْءٍ﴾، و﴿بِقَدَرٍ﴾ خبره وإنما كان النصب أقوى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومه، بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر. وذهب ابن الحاجب إلى أن "كل شيء" مبتدأ، و﴿خَلَقْنَاهُ﴾ خبره، و﴿بِقَدَرٍ﴾ حال، والمجموع خبر "إن"، فيفيد المعنى المقصود من الآية، لكن لا يأمن من أن يغلط بعض فيجعل ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ صفة لـ"كل شيء"، و﴿بِقَدَرٍ﴾ خبرًا له، فيكون التقدير: كل شيء مخلوق لنا بقدر، فيفيد غير المقصود، لأنه يوهم وجود شيء ليس بقدر، لأنه غير مخلوق له، فكان النصب أولى لما فيه النصوصية على المقصود. الانتصاف: ما مهده النحاة اختيار رفع "كل"، ولم يقرأ بها أحد من السبعة، لأن الكلام مع الرفع جملة واحدة، ومع النصب جملتان، فالرفع أخصر، ولا مقتضى للنصب ها هنا من الأمور الستة؛ من الأمر والنهي إلى آخرها، وإنما وقع إجماع السبعة على النصب، لأنه لو رفع لكانت ﴿خَلَقْنَاهُ﴾: صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، و﴿بِقَدَرٍ﴾: خبرًا عن "كل شيء"، المقيد بالصفة، ومعناة: أن كل شيء مخلوق لنا بقدر، فيفهم ذلك أن مخلوقًا ما يضاف إلى غير الله ليس بقدر، وعلى النصب يصير الكلام: إنا خلقنا كل شيء ﴿بِقَدَرٍ﴾، فيفيد عموم نسبة كل مخلوق إلى الله تعالى، وهذه الفائدة لا توازيها الفائدة اللفظية مع ما فيها من نقص المعنى، لا جرم اجتمعت السبعة عليها. ولما كان الزمخشري يرى أن أفعال العباد مخلوقة لهم، استروح إلى قراءة الرفع وإن كانت شاذة، وإجماع المتواترة حجة عليه. وأما بيان النظم فهو ما عليه قول الزجاج: المعنى: ما خلقناه فمقدور مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، والآيات من قوله: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾، إنما نزلت في القدرية،
[ ١٥ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ونصب ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بفعل مضمر أي: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، ويدل عليه: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ هذا هو المعنى المقصود الذي نص عليه ابن الحاجب، ويؤيده ما روينا، عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: جاء مشرك قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وتحريره والله الموفق للصواب: أنه تعالى افتتح هذه السور الكريمة ببيان تكذيب المشركين رسول الله ﷺ وما جاء به من الآيات الباهرة المتوالية، مثل انشقاق القمر وغيره، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾، وأشار إلى أن تكذيبهم لم يكن إلا لمجرد متابعة الهوى، وتسويل الشيطان، ثم قص أحوال الأمم وتكذيبهم الأنبياء، ووخامة عاقبتهم وسوء خاتمة أمرهم، مهددًا أو مسليًا، ثم عاد إلى التقريع، والإجمال بعد التفصيل، قائلًا: أكفاركم خير من أولئكم الكفار المعدودين، يعني: أنتم أشد قوة ومكانة، أم هم؟ ثم أضرب عنه بقوله: ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ يعني: يا أهل مكة، أنزلت براءة لكم في الزبر المتقدمة أن من كفر منكم وكذب الرسل ليس له أسوة بالأمم السالفة في الدمار والهلاك؟ أم تزعمون أنكم يد واحدة على من يخالفكم؟ فتنتصرون ممن عاداكم؟ وليس كذلك، لأن سنة الله جارية بالانتصار من المكذبين، والانتقام للمرسلين، وعن قريب سنفرغ لكم ونجعل يدكم الواحدة أيادي ونهزم جمعكم، ونستأصل شأفتكم، والموعد الأكبر الساعة، والساعة أدهى وأمر. ولما تضمنت الآيات معنى ادعاء القدرة والقوى لأنفسهم، والوعيد بالإهلاك عاجلًا وآجلًا، والوعد للمؤمنين بالانتصار منهم، جيء بقوله: ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، توكيدًا للوعد والوعيد، يعني: أن هذا الوعد حق، وصدق الموعد والموعود مثبت في اللوح، مقدر
[ ١٥ / ١٤٣ ]
أي: خلقنا كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسبب ما اقتضته الحكمة. أو مقدرا مكتوبا في اللوح، معلوما قبل كونه، قد علمنا وزمانه.
﴿ومَا أَمْرُنَا إلاَّ واحِدَةٌ﴾ إلا كلمة واحدة سريعة التكوين ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أراد قوله: كن: يعني أنه إذا أراد تكوين شيء لم يلبث كونه.
[﴿ولَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ ٥١ - ٥٣].
﴿أَشْيَاعَكُمْ﴾ أشباهكم في الكفر من الأمم، ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ في دواوين الحفظة
_________________
(١) عند الله، لا يزيد ولا ينقص، وذلك على الله يسير، ﴿ومَا أَمْرُنَا إلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، ثم عم التهديد في جميع ما صدر عن المشركين من أعمالهم بقوله: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ كما قال: "كل ما هو كائن مسطور في اللوح"، وبهذا ظهر أن القدر كالأساس، والقضاء كالبناء عليه، وعليه كلام الراغب قال: القضاء من الله أخص من القدر، لأ، الفصل بين التقدير والقدر: هو التقدير، والقضاء: هو التفصيل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المد للكيل. ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر ﵄ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله، تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له، ويشهد بذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]. وقد استقصينا القول في آخر سورة يونس ﵇، وفي فاطر. وحديث عمر وأبي عبيدة مختصر من "صحيح البخاري" عن ابن عباس. قوله: (أو مقدرًا مكتوبًا) أي: القدر بمعنى التقدير، فهو إما أن يحمل على المقدر المسوى بأمثلة الحكمة، كما قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [عبس: ١٨] أي: صوره وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة، وإما على الحكم المبرم الذي هو مقارن للقضاء.
[ ١٥ / ١٤٤ ]
﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ﴾ من الأعمال، ومن كل ما هو كائن ﴿مُّسْتَطَرٌ﴾ مسطور في اللوح.
[﴿المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ٥٤ - ٥٥].
﴿ونَهَرٍ﴾ وأنهار، اكتفى باسم الجنس. وقيل: هو السعة والضياء من النهار. وقرئ: بسكون الهاء (نهر) جمع نهر، كأسد وأسد.
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مرضي. وقرئ (في مقاعد صدق)، ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ مقربين عند مليك مبهم أمره في الملك والاقتدار، فلا شيء إلا وهو تحت ملكه وقدرته، فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة وأجمع للغبطة كلها والسعادة بأسرها.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة القمر في كل غب بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر".
_________________
(١) قوله: (عند مليك: مبهم أمره في الملك والاقتدار) يعني جيء بهما منكرين للإطلاق، وقال جعفر الصادق: مدح المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق، هو المقعد الذي يصدق الله فيه مواعيد أوليائه بأن يتيح لهم النظر إلى وجهه الكريم. قوله: (في كل غب) أي: يقرؤه يومًا ويتركه يومًا. تمت السورة حامدًا الله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٥ / ١٤٥ ]