مكية، وهي ست آيات
ويقال لها ولسورة الإخلاص: المقشقشتان، أي: المبرئتان من النفاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)] ١ - ٦ [
المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. روى أنّ رهطا من قريش قالوا: يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة،
_________________
(١) سورة الكافرون مكية، وهي ست آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قولُه: (ونَتَّبعُ)، عن بعضِهم: هو عطفٌ على محلِّ "فاتَّتبعْ"، لأنه لو كان مضارعًا لكان مجزومًا، أنه جوابُ "هَلُمَّ". وقولُه: "نعبدُ" إلى آخره، تفسير.
[ ١٦ / ٦٠٦ ]
فقال: (معاذ الله أن أشرك بالله غيره) فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت؛ فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرأها عليهم؛ فأيسوا. (لا أَعْبُدُ) أريدت به العبادة فيما يستقبل، لأن (لا) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن (ما) لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال، ألا ترى أن (لن) تأكيد فيما تنفيه (لا). وقال الخليل في (لن): إنّ أصله (لا أن) والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه منى من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي. (وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ) أي: وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه، يعنى: لم تعهد منى عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى منى في الإسلام. (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.
فإن قلت: فهلا قيل: ما عبدت، كما قيل: ما عبدتم؟
قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت.
_________________
(١) قولُه: (فاستلمْ)، أَيْ: قَبِّلْ؛ يقال: استلمِ الحجرَ، أي: صافحْه، ثُمّ عَمَّ في كلِّ مُماسّة. قولُه: (فَهلّا قيل)، يعني: قولُه: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، قرينةٌ لقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، فلِمَ خولِفَ في الثانية إلى ﴿مَا أَعْبُدُ﴾، وكان الظاهر ﴿مَا عَبَدْتُ﴾، كما قيل في الأولى ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾؟ قولُه: (وهو لم يكنْ يعبدُ اللهَ تعالى في ١ لك الوقت)، الانتصاف: «هذا القولُ خطأٌ أصلًا وفرعًا، أما أصلُه فإنّ القدريّ يعتقدُ أنَّ النبي -ﷺ-، لم يكنْ قبلَ البعثِ على دينِ نبيٍّ قبلَه، لأن ذلك غَميزةٌ في حقّه ومنفّرٌ عن اتّباعه، ويعتقدون أن الناسَ كلَّهم متعبّدون بمقتضى العقلِ بوجوبِ النظرِ في آياتِ الله وأدلّةِ توحيدِه ومعرفتِه، وأنّ وجوبَ النظرِ بالعقلِ لا بالسمع؛
[ ١٦ / ٦٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فتلك عبادةُ قبل المبعث، يجبُ أن لا يظنوا به ﵇ الإخلالَ بها فأصلُهم حينئذٍ يقتضي أنه -ﷺ- كانَ قبلَ المبعثِ يعبدُ اللهَ ﷿، فحافظَ الزمخشريُّ [على] هذا الأصلِ في عدمِ اتْباعِه لنبيٍّ سابق، فأخلَّ بالتفريعِ على أصلِه الآخرِ في وجوبِ العبادةِ بالعقل. والحقُّ أنه -ﷺ- كانَ متعبدًا قبلَ الوحي ويَتَحنّثُ في غارِ حراء؛ فإنْ كانَ مجئُ قولِه ﴿أَعْبُدُ﴾، لأن الماضي لم تحصلْ فيه العبادةُ المرادةُ في الآية، فيحملُ الأمرُ فيما عَبَدْتُ، على مدموعِ العبادةِ الحاصلةِ التي لم تُعلمْ إلّا بالشرع، لا على مجرّدِ توحيدِ الله ومعرفتِه؛ فإنّ ذلك لم يَزلْ ثابتًا له ﵇ قبل البعثة. وأما مجيئُه مضارعًا، فلتصوير عبادتِه في نفسِ السامعِ وتَمكُّنِها، كقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، والأصلُ: أصبحتْ؛ عُدلَ عنه للمعنى المذكور». وقلتُ: يجوزُ أن يُحملَ على الاستمرارِ في الماضي والآتي بقرينةِ التقابل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر: ٢٩]، بعطفِ الماضي على المستقبل. والصحيحُ أنه صلواتُ الله عليه كانَ المبعثِ متعبدًا بشرعٍ. روى ابنُ الجوزي في كتابِ "الوفا"، عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رحمه اللهُ تعالى: «مَن قالَ: إن رسولَ الله -ﷺ- كانَ على دينِ قومِه، فهو قولُ سوء، أليسَ انَ لا يأكلُ ما ذُبحَ على النُّصب؟ وقالَ أبو الوفاءِ عليٌّ بنُ عقيل: كان رسولُ الله -ﷺ- متدينًا قبلَ بعثتِه، بما يَصحُّ عنده أنه مِن شريعةِ إبراهيم ﵇، وأما بعدَ بعثتِه، فهل كانَ يتعبّدُ بشريعةِ مَن قبلَه؟ فيه روايتان: إحداهما: أنه كانَ متعبدًا بما صَحَّ مِن شرائعِ مَن قبلَه بطريقِ الوحيِ إليه،
[ ١٦ / ٦٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لا من جهتِهم ولا نَقلِهم ولا كتبهم المنزلة، واختارها أبو الحسن التميميُّ، وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ ﵏. والروايةُ الثانية: أنه لم ينْ متعبدًا بشئٍ من الشرائعِ، إلّا ما أُوحيَ إليه من شريعتِه، وهو قولُ المعتزلةِ والأشعرية. ولأصحابِ الشافعيّ وجهانِ كالروايتين. واختلفَ القائلون بأنه متعبدٌ بشرعِ مَن قبلَه: بأيِّ شريعةٍ كان متعبدًا؟ قالَ بعضُهم: بشريعةِ موسى ﵇ إلّا ما نُسخَ في شرعنا. وظاهرُ كلامِ أحمدَ رحمه الله تعالى، أنه كانَ متعبدًا بكلِّ ما صَحَّ أنه شريعةٌ لنبيٍّ قبلَه، ما لم يثبتْ نسخْه، لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقالَ ابنُ قتيبة: لم تَزلِ العربُ على بقايا من دينِ إسماعيلَ ﵇، من ذلك: حجُّ البيت، والخِتان، وإيقاعُ الطلاقِ إذا كان ثلاثًا، وأن للزوجِ الرّجعةَ في الواحدةِ والاثنين، ودِيّةُ النفسِ مئٌ من الإبل، والغُسلُ من الجنابة، وتحريمُ ذواتِ المحارمِ بالقرابةِ والصِّهر، فكانَ رسولُ الله -ﷺ- على ما كانوا عليه من الإيمانِ بالله والعملِ بشرائعهم. وأما قولِه تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، يُعنى به: شرائعُ الإيمان، ولم يُردْ به الإيمانُ الذي هو الإقرارُ بالله». تَمَّ كلامُ ابن الجوزي. وقلتُ: غرضُ المصنفِ من ارتكابِ هذا المحظور، دَفعُ التكرارِ من الكلام باختلافِ الزمانينِ المستقبلِ والماضي؛ فإنه جَعلَ القرينتينِ الأوليينِ للاستقبال والأخُريين للماضي، ولذلك توجّهَ عليه السؤال. والأوجَهُ أن يقال: إن الكلامَ ما وقع في عبادةِ رسولِ الله -ﷺ-، وأنه أيُّ شئٍ عبد فيما مضى من الزمان، بل وقع فيما يُستقبل، كما يشهدُ له سَببُ النزولِ بقوله: ﴿مَا أَعْبُدُ﴾، على ظاهره. وأما قولُه: ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ على الماضي، فللمبالغةِ مِن التبرّي عنهم وعن عبادتهم، فهو على خلافِ الظاهر.
[ ١٦ / ٦٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قالَ الإمام: «في الآيةِ قولان: الأولُ: أنه لا تكرارَ فيها، وفيه وجوه: أحدهُا أنّ الأولَ للاستقبال، لأن "لا" لا تدخلُ إلّا على مضارعٍ في معنى الاستقبال، أي: لا أفعلُ في المستقبلِ ما تطلبونه مني من عبادةِ آلهتِكم، ولا أنتم فاعلون في المستقبلِ ما أطلبُ منكم من عبادةِ إلهي، ثمّ قالَ: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، أي: لستُ في الحالِ بعابدٍ معبوديكم، ولا أنتم في الحالِ بعابدين معبودي. وثانيها: أن يُقلب، فيجعلَ الأولُ للحالِ والثاني للاستقبال، وعليه كلامُ الزجاجِ والواحدي ومحيي السُّنة؛ قال الواحدي: «وإنما جئَ بـ"ما" بدلَ "من" ليقابلَ قولَه ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ حملًا للثاني على الأول». وقال الزجاجُ ومحيي السُّنة: «هذا خطابٌ لمن سبقَ في علمِ الله أن لا يؤمن». وثالثُها: قولُ أبي مسلم: المقصودُ من الأُولَيينِ المعبود، و"ما" بمعنى "الذي"، أي: لا أعبدُ الأصنامَ ولا تعبدونَ الله، وفي الأُخريَيْنِ "ما" مصدرية، أي: ولا أنا عابدٌ مثلَ عبادتكم المبنيّةِ على الشك، ولا أنتم عابدون مثلَ عبادتي المبنيّةِ على اليقين. ورابعُها: أن تُحملَ الأولى على نفي الاعتبارِ الذي ذكروه، والثانيةُ على العامِ بجميعِ الجهات، أي: لا أعبدُ ما تعبدون رجاءَ أن تعبدوا الله، ولا أنتم عابدون رجاءَ أن أعبدَ صنمَكم، ثم قال: ولا أنا عابدٌ صنمَكم لغرضٍ من الأغراض، بوجهٍ من الوجوه، وكذا أنتم لا تعبدون اللهَ لغرضٍ من الأغراض؛ مثالُه: مَن يدعو غيرَه إلى الظلمِ لغرضِ التنعّم، فيقول: لا أظلمُ لغرضِ التنعّم، بل لا أظلمُ أصلًا، سواءٌ كان للتنعّمِ أو غيرِه.
[ ١٦ / ٦١٠ ]
فإن قلت: فلم جاء على (ما) دون (من)؟
قلت: لأن المراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق. وقيل: إن (ما) مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي. (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) لكم شرككم، ولى توحيدي. والمعنى: أنى نبيّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا منى ولم تتبعوني، فدعوني كفافًا ولا تدعوني إلى الشرك.
_________________
(١) ـ والقولُ الثاني: هو أن يُسلَّمَ حصولُ التكرار، وهو لوجهين: أحدُهما أن التكرارَ يفيدُ التوكيد، وكلّما كانتِ الحاجةُ إلى التوكيدِ أشدَّ كانَ التكريرُ أحسن، ولا موضعَ أحوجُ إلى التأكيدِ من هذا المقام؛ لأنهم رجعوا إليه في هذا المعنى مرارًا، وطمعوا فيه لما رأوا فيه من الحرصِ على إبمانهم. وقالَ محيي السُّنة: «قالَ أكثرُ أهلِ العلم: إن القرآنَ نزلَ بلسانِ العربِ وعلى مجاري خطابِهم، ومن مذاهبِهم التكرارُ وإرادةَ التأكيدِ والإفهام، كما أن من مذاهبِهم الاختصارَ للتخفيفِ والإيجاز». وقلتُ: هذا الوجهُ هو الذي اخترناه لطباقِه المقام، ثُمّ المختارُ الوجهُ الرابعُ من القولِ الأول. وثانيهما: أنهم ذكروا تلك الكلمةَ مرتين، يعني: تعبدُ آلهتَنا شهرًا ونعبدُ إلهك شهرًا، وتعبد آهتَنا سنةً ونعبدُ إلهك سنة، فأتى الجوابُ على التكرار على وفِق قولِهم، وفيه ضَربُ من التهكُّم؛ فإنّ مَن كرّرَ الكلمةَ الواحدةَ لغرضٍ فاسد، فإنه يُجازى لدفعِ تلك الكلمةِ على سبيلِ التكرارِ استخفافًا». نقل هذا الوجهَ محيي السُّنةِ عن القُتَيْبي، أخصر منه. قولُه: (فَدَعوني كَفافًا)، النهاية: «الكَفافُ هو الذي لا يفضُلُ عن الشئ، ويكونُ بقَدرِ
[ ١٦ / ٦١١ ]
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "الكافرون"، فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت منه مردة الشياطين، وبريء من الشرك ويعافى من الفزع الأكبر».
_________________
(١) ـ الحاجةِ إليه، وهو نصبٌ على الحال. وقيل: أرادَ به مكفوفًا عنِّي شَرُّهم. وقيل: أن لا تنالوا منّي ولا أنا أنالُ منكم، أي: تكفّونَ عني وأكفُّ عنكم». فإذن، في قولِه ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ معنى المُتاركةِ وتقريرُ كلِّ من الفريقين الآخرَ على دينه، فيكون منسوخًا بآيةِ القتال. وقال القاضي: «ولي ديني الذي أنا عليه لا أرفضُه، فليس فيه إذنٌ في الكفرِ ولا مَنعٌ عن الجهاد، فلا يكونُ منسوخًا». وقد فُسِّرَ "الدِّينُ" بالحسابِ والجزاءِ والدعاءِ والعبادة. قولُه: (فكأنما قرأ ربع القرآن)، روينا عن الترمذي، عن ابنِ عباسٍ وأنس، قالا: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «مَن قرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، عَدلتْ له رُبعَ القرآن». تَمّتِ السُّورَة *************
[ ١٦ / ٦١٢ ]