مكية، وهي ثلاث آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)] ١ - ٣ [
في قراءة رسول الله ﷺ: "إنا أنطيناك" بالنون، وفي حديثه ﷺ: «وأنطوا الثبجة». والكوثر: فوعل من الكثرة، وهو المفرط الكثرة
_________________
(١) ـ سورة الكوثر ثلاث آيات، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وأَنطوا الثَّبَجَة)، النهاية: "وهي لغة اليمن. كتب صلوات الله عليه لوائل: أنطوا الثبجة، أي: أعطوا الوسط من الصدقة، لا من خيار المال ولا من رُذالته، وألحقها تاء التأنيث لانتقالها من الاسمية إلى الوصفية".
[ ١٦ / ٦٠٠ ]
وقيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر. وقال:
وأنت كثير يا ابن مروان طيّب … وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
وقيل: الْكَوْثَرَ نهر في الجنة. وعن النبي ﷺ: أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال: «أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر في الجنة وعدنيه ربى، فيه خير كثير»، وروى في صفته: "أحلى من العسل، وأشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد؛ حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء".
_________________
(١) ـ قولُه: (ابنَ العَقائِل)، أي: المختارُ من النساء، وعقيلةُ كلِّ شئٍ أكرمُه. والكوثَرُ من الرجالِ: الكثيرُ الخيرِ والعطاء. والبيتُ للكُميت. قولُه: (إنه نهرٌ في الجنّة)، روينا في صحيحِ البخاري، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباس، قالَ في الكوثر: «هو الكثيرُ الخير». قيلَ لابنِ جبير: فإنّ الناسِ يزعمونَ أنه نهرٌ في الجنة؟ فقالَ سعيد: «النهرُ الذي في الجنّةِ، من الخيرِ الذي أعطاه اللهُ تعالى إياه». وعن أحمدَ بنِ حنبلٍ والترمذي وابنِ ماجه والدرامي، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: «الكوثرُ نهرٌ في الجنّة، حافَتَاه من ذهب، ومَجْراه على الدُّرِّ والياقوت، تُرْبتُه أطيبُ من المِسْك، ومَاؤُه أحلى من العسل، وأبيضُ من الثلج». وفي حديثِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: «شاطئاه دُرٌّ مُجَوَّف، وآنيتُه كعددِ نجومِ السماء»، أخرجه البخاري.
[ ١٦ / ٦٠١ ]
وروي: "لا يظمأ من شرب منه أبدًا: أول وارديه: فقراء المهاجرين: الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد"، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبرّه.
_________________
(١) قولُه: (لا تُفتحُ لهم أبوابُ السُّدَد)، الحديثُ من روايةِ الترمذيّ عن ثوبان، أن رسولَ اللهِ -ﷺ- قال: «حوضي مثلُ ما بينَ عَدَنٍ إلى عَمّان البلقاء، ماؤُه أشدُّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، وأكوابُه عددُ نجومِ السماء، مَنْ شربَ منه لم يَظمأ بعدَها أبدًا، أولُ الناسِ ورودًا علىَّ فقراءُ المهاجرين، والشُّعثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا يَنْكحون المتنعّمات، ولا تُفتح لهم أبوابُ السُّدَد». وقال الترمذي: قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز: قد نَكَحتُ المتنعّماتِ فاطمةَ بنَ عبد الملك، وفُتحتْ لي أبوابُ السُّدَد. لا جرمَ لا أغسلُ رأسي حتى يَشْعث، ولا ثوبي الذي يَلي جسدي حتى يَتّسخ. وفي "الجامع": «السُّدَدُ جمعُ سُدّة، وهي البابُ ها هنا». وفي "النهاية": «السُّدَةُ كالظُلّةِ على البابِ لتقيَ البابَ من المطر، وقيل: هي السّاحةُ بين يدي الباب، وقيل: هي البابُ نفسُه، أي: لا تفتحُ لهم الأبواب. وفي حديثِ أبي الدّرداء، أنه أتى بابَ معاويةَ فلم يُؤذنْ له، فقالَ: من يَغْشَ سُدَدَ السلطانِ يَقُمْ ويَقْعد». وقلتُ: الأشبهُ أن تُحملَ الإضافةُ في أبوابِ السُّددِ على البيان، فيكنّى بها عن أبوابِ الملوكِ والعظماء، على أنْيرادَ بالسُّدةِ الظُلّةُ أو الساحة. قولُه: (لو أقسمَ على الله لأبرّه)، قالَه صلواتُ اللهِ عليه في حديثِ الرُّبَيِّعَ، روينا عن البخاري ومسلمٍ وأبي داودَ والنسائي، عن أنسِ بنِ مالك، أنّ الرُّبَيِّعَ عَمّتَه كسرتْ ثَنِيّةَ جارية، فَطَلبوا إليها العفوَ فأبَوا، فَعرضوا الأَرْشَ فأبَوا، فأتوا رسولَ الله -ﷺ-، وأَبوا إلّا
[ ١٦ / ٦٠٢ ]
وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: إن ناسا يقولون: هو نهر في الجنة! فقال: هو من الخير الكثير. والنحر: نحر البدن؛ وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى. وقيل: صلاة العيد والتضحية. وقيل: هي جنس الصلاة. والنحر: وضع اليمين على الشمال، والمعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطى ذلك كله أنا إله العالمين،
_________________
(١) القِصاص، فأَمرَ رسولُ اللهِ -ﷺ- بالقِصاص، فقالَ أنسُ بنُ النَّضر: يا رسولَ الله، أتُكسرُ ثَنيةُ الرُّبَيِّع؟ لا، فرضيَ القومُ فعَفَوا، فقالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: إنّ من عباِ الله مَن لو أقسمَ على اللهِ لأبَّره. معناه: لو سألَ اللهَ لأجابَه. والإقسامُ ها هنا بمعنى الاستعطاف. قولُه: (ومُعْطي ذلك كلِّه أنا إلهُ العالمين)، إيذانٌ باختيارِ قولِ ابنِ عباس: إنّ الكوثرَ الخيرُ الكثير، وبإفادةِ ضميرِ الجمعِ الدالِّ على العظمةِ والكبرياء، فإن قائلَه ليسَ إلّا إلهَ العالمين، وأنّ المُعطي لم يكن عظيمًا، إلّا أنّ المُعطي عظيم. ولأجلِ تَيْنِك المناسبتين، رُتّبَ عليه قولُه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، وَوُضعَ المظهرُ موضعَ المضمر، يعني: كما أنّ المعطي والمعطي عظيمان، فأتِ أنتَ بأعظمِ ما يمكنُ من العباداتِ البدنيةِ والمالية. وإنما أُوثرَ النحرُ ليُدمجَ معنى معطي قطعِ النفسِ عن اللذاتِ العاجلة، ضُمّ مع ذلك ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ تكميلًا لِما بشَّره، قالَ الإمام: «لمّا بَشّره بالنِّعم العظيمة، وقد علمَ أن كمال ذلك إنما يكونُ بقهرِ الأعداء، قيل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾». نَقلَ السُّلميُّ عن جعفرِ الصادق: «إنّا أعطيناك نورًا في قلبك دَلَّكَ عَلَيّ، وقَطَعَك عمّا سواي. وعن القاسمِ: إنّ شانئَك المنقطعُ عن خيراتِ الدّارين»، واللهُ أعلم.
[ ١٦ / ٦٠٣ ]
فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان: إصابة أشرف عطاء، وأوفره، من أكرم معط وأعظم منعم؛ فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه، وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله. (وانحر) لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفا لهم في النحر للأوثان. (إِنَّ) من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم، (هُوَ الْأَبْتَرُ) لا أنت؛ لأنّ كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثنى بذكرك، ولك في الآخرة مالا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له: أبتر، وإنما الأبتر هو شانئك المنسى في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن. وكانوا يقولون: إنّ محمدا صنبور، إذا مات مات ذكره. وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقد سماه الأبتر، والأبتر: الذي لا عقب له، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.
_________________
(١) قولُه: (والمَنَار)، النهاية: «المنَارُ جمع مَنارَة، وهي العلامةُ بين الحدَّيْن. ومنه حديثُ أبي هريرة: "إنّ للإسلامِ صُويّ ومَنارًا"، أي: علاماتٍ وشرائعَ يعرفُ بها». وقيل: المنائرُ: جمعُ المنارةِ التي يُؤذّنُ عليها، والأصلُ: مَناوِر؛ لأنه من النور، بُدّلَ الهمزةُ من الواو، وقد يُشَبَّهُ الأصليُّ بالزائد، كما قالوا: مَصائب، وأصلُه: مَصاوب. قولُه: (فمثلُك لا يقالُ له: الأبتر)، وهو نحوُ قولك: "مثلُك لا يَبْخل" في الكناية، أي: مَن هو في صفتِك، مِن أن كلِّ مَن يولدُ من المؤمنين إلى آخرِ الدَّهر أولادٌ له، لا يقالُ له: الأبتر. قولُه: (صُنْبور)، النهاية: «الأبترُ الذي لا عَقِب له. وأصلُ الصُّنْبورِ سَعَفةٌ تَنْبتُ في جِذْعِ النخلةِ لا في الأرض. وقيل: هي النخلةُ المنفردةُ التي يَدِقُّ أسفلُها. أرادوا أنه إذا قُلعَ انقطعَ ذِكرُه، كما يَذْهبُ أثرُ الصُّنبورِ، لأنه لا عقبَ له».
[ ١٦ / ٦٠٤ ]
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الكوثر، سقاه الله من كل نهر في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه».
_________________
(١) قولُه: (أَوْ يُقَرِّبونَه)، عن بعضهم: "أو" للتنويع. تَمَّتِ السُّورة *****
[ ١٦ / ٦٠٥ ]