مكية، وهي إحدى وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)] ١ - ٤ [.
المغشي: إما الشمس من قوله: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها)] الشمس: ٤ [وإما النهار من قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ)] الرعد: ٣ [وإما كل شيٍء يواريه بظلامه من قوله: (إِذا وَقَبَ)] الفلق: ٣ [. (تَجَلَّى) ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين وتكشف بطلوع الشمس، (وَما خَلَقَ) والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماٍء واحد، وقيل: هما آدم ﵇ وحواء. وفي قراءة النبي ﷺ: (والذكر والأنثى).
_________________
(١) سورة الليل مكية، وهي إحدى وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (من قوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾)، الجوهري: "وقب الظلام: دخل على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] ". قوله: (وفي قراءة النبي؟)، رواها البخاري ومسلم والترمذي، عن عبد الله بن مسعود وعن أبي الدرداء عن النبي؟ . قال ابن جني: " ﴿الذكر والأنثى﴾ بغير ﴿وَمَا
[ ١٦ / ٤٦٨ ]
وقرأ ابن مسعود: (والذي خلق الذكر والأنثى). وعن الكسائي: (وما خلق الذكر والأنثى) بالجر على أنه بدل من محل "ما خَلَقَ"، بمعنى: وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله؛ لأنه معلوم لانفراده بالخلق، إذ لا خالق سواه. وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقًا من ذوى الأرواح ليس بذكٍر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكٍل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة؛ فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرًا ولا أنثى، ولقد لقي خنثى مشكلًا: كان خانثًا؛ لأنه في الحقيقة إمّا ذكرًا أو أنثى، وإن كان مشكلًا عندنا. "شَتَّى" جمع شتيٍت، أي: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافهما فيما فصل على أثره.
[(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى)] ٥ - ٧ [
(أَعْطى) يعنى حقوق ماله، (وَاتَّقى) الله فلم يعصه. (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) فسنهيئه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله ﵇: «كل ميسر لما خلق له».
_________________
(١) خَلَقَ﴾: قراءة النبي ﷺ، وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء، وهي شاهدة لقراءة من قرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، بجر ﴿الذّكرِ﴾ لكونه بدلًا من ﴿مَا﴾ ". قوله: (فَسَنُهيِّئُه لها)، عن بعضهم: تيسر، كذا. واستيسر: أي: تسهل وتهيأ، وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠]، ويسرت كذا، أي: سهلته وهيأته، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. قوله: (كل ميسر لما خُلق له)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله؟: "ما منكم من أحد إلا وكُتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا،
[ ١٦ / ٤٦٩ ]
والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها، من قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ)] الأنعام: ١٢٥ [.
_________________
(١) ـ فكل ميسر لما خُلق له". أما من كان من أهل السعادة، فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسيصير لعمل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، الآيتين. وما أدري كيف أورد هذا الحديث هاهنا، وهو يهدم قاعدة مذهبه. الانتصاف: "هلا أطال لسانه في هذا المقام، لكن قصره الحق، فتراه يتأول الكلام بخلق اللُّطف والخذلان، ويحمله على ما لا يحتمله". روى محيي السنة عن الخطابي أنه قال: "قولهم: أفلا نتكل على كتابنا؟ مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية، وروم أن يتخذوا حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبي؟ بقوله: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، بأمرين لا يُبطل أحدهما بالآخر: باطن هو العلة الموجبة في حُكم الربوبية، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية، وهو أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم. ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب؛ فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة، والظاهر البادي سببًا مخيلًا، وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم، أن الظاهر منهما لا يترك بسبب الباطن". وقلت: تلخيصه: عليكم بشأن العبودية وما خُلقتم لأجله وأُمرتم به، وكِلوا أمور الربوبية المغيبة إلى صاحبها، فلا عليكم بشأنها، والله أعلم. قوله: (حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها)، روينا عن أبي داود، عن سالم قال: قال رجل من خزاعة: "ليتني صليت فاسترحت! فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت
[ ١٦ / ٤٧٠ ]
[(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى)] ٨ - ١١ [.
(وَاسْتَغْنى) وزهد فيما عند الله كأنه مستغٍن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة؛ لأنه في مقابلة (وَاتَّقى). (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيٍء عليه وأشدّه، من قوله: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ)] الأنعام: ١٢٥ [أو سمى طريقة الخير باليسرى،
_________________
(١) ـ رسول الله ﷺ، يقول: أقم الصلاة يا بلال، أرحنا". وفي "الجامع"؛ أنه؟، كان يستروح بأدائها من شغل القلب بها. وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له لأنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، فكأنه يستريح بالصلاة من مناجاة الله، ولهذا قال ﵊: "وقرة عيني في الصلاة"، وما أقرب الراحة من قُرة العين! . قوله: (كأنه مُستغن عنه فلم يتقه)، يعني: الذي يقتضيه التقابل أن يقال: وأما من بخل ولم يتق، لقوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، لكن وضع موضعه ﴿وَاسْتَغْنَى﴾، لما وقع مقابلًا لقوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، يقدر تارة: استغنى عن الله، وأخرى: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأن مقابل له، لأن المتقي ﴿مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، فإن له الجنة، وكان ذلك سببًا لأن يقال في حقه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. قوله: (أو سمى طريقة الخير)، عطف على قوله: "والمعنى: فسنلطف به"؛ فاليُسرى
[ ١٦ / ٤٧١ ]
لأنّ عاقبتها اليسر؛ وطريقة الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقي الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل: نزلتا في أبى بكٍر ﵁، وفي أبى سفيان بن حرٍب. (وَما يُغْنِي عَنْهُ) استفهام في معنى الإنكار،
_________________
(١) ـ والعُسرى على الأول محمولتان على الطاعة، سُميت بهما لأنه تعالى يسرها على المكلف بمنح الألطاف، أو عسرها عليه بالخذلان، قال القفال: "هو من قوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فلما سمى الألطاف الداعية إلى الطاعة بتيسير اليُسرى، سمى ترك هذه الألطاف بتيسير العُسرى". وقال الإمام: "المعنى بتيسير اليُسرى: تسهيلها على من أراده تعالى، حتى لا يعتريه من الكسل والتثاقل ما يعتري المرائي والمنافق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، و﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨] ". وعلى الثاني مفسرتان بالطاعة والمعصية، وهو أحسن طباقًا بالحديث المروي: "كل ميسر لما خُلق له" إلى آخره، وأقرب إلى وصول أهل السنة، كما أن الأول أقرب إلى أصولهم. وقال الإمام: "كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليُسرى، وهو وصف كل الطاعات. وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العُسرى، وهو وصف كل المعاصي. واستدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان. وأما وجه تأنيث اليُسرى والعُسرى، فإن كان المراد منهما جماعة الأعمال فذلك طاهر، وإن كان المراد عملًا واحدًا، يرجع التأنيث إلى الحالة أو الفعلة، ويجوز أن يراد الطريقة، أي: اليُسرى والعُسرى". قوله: (نزلتا في أبي بكر ﵁، وفي أبي سفيان)، وروى الواحدي ومحيي السنة،
[ ١٦ / ٤٧٢ ]
أو نفي، (تَرَدَّى) تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر، أو تردى في قعر جهنم.
[(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى)] ١٢ - ١٣ [.
(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع. (وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) أي: ثواب الدّارين للمهتدى، كقوله: (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] العنكبوت: ٢٧ [.
[(فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى)] ١٤ - ٢١ [.
_________________
(١) أنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، اشترى بلالًا من أمية بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله إلى قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، سعى أبي بكر وأمية. وروى الإمام عن القفال أن السورة نزلت في أبي بكر الصديق وإنفاقع على المسلمين، وفي أمية بن خلف وبُخله وكفره بالله تعالى، لكن معانيها عامة لقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. وقلت: دل على العموم الحديث الذي رويناه عن الأئمة. قوله: (إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا)، قال القاضي: "إن علينا الإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا، أو إن علينا بيان طريقة الهدى لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] ". وقال الزجاج: "علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال".
[ ١٦ / ٤٧٣ ]
وقرأ أبو الزبير: (تتلظى).
فإن قلت: كيف قال: (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) وقد علم أن كل شقيّ يصلاها، وكل تقيّ يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارًا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟
قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيٍم من المشركين وعظيٍم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصًا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر ﵁. (يَتَزَكَّى) من الزكاء، أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يريد به ريًاء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة.
_________________
(١) قوله: (الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين)، يعني أبا بكر ﵁، وأُمية بن خلف قبحه الله كما سبق. الانتصاف: "بُني على مفهوم الآية لورود صيغة التخصيص، وحاصل جوابه أن التخصيص له فائدة سوى النفي عما عدا المخصص وهي المقابلة، وهذا يلاحظ ما لحظه الشافعي في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية فإنه لم يقل بمفهوم حصرها، بل جعل فائدة المقابلة الرد لأحكام الجاهلية لا نفي ما عدا المحصور، والزمخشري
[ ١٦ / ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ خاصة ضاق ذرعه في هذه الآية حذرًا على قاعدته، ويأبى الله إلا نقضها، فنقول: الصَّلي في اللغة: أن يحفروا حفيرًا فيجمعوا فيه جمرًا كثيرًا، ثم يعمدوا إلى شاة فيسدوها وسطه؛ فأما ما يُشوى فوق الجمر، أو على المقلى، أو في التنور، فلا يسمى مصليًا. هذا بعينه ذكره الزمخشري في سورة الغاشية؛ فالتصلية أشد أنواع التعذيب. والناس عندنا ثلاثة أنواع: مؤمن فائز، ومؤمن عاص، وكافر. فالفائز يطفئ نوره لهب النار، والعاصي يُعذب في الطبقة الأولى، حتى إن منهم من تبلغ النار إلى كعبيه، وأشدهم من تصل إلى موضع سجوده، ولا يُعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها بالصَّلي؛ فلا يصلاها إلا الكافر، وسيُجنبها الأتقى بالكلية لا يسمع حسيسها، فالعاصي ليس بأتقى ولا أشقى؛ فلا يصلاها ولا يُجنبها، بل يعذب بغير الصَّلى". وقلت: ويؤيد هذا التأويل اللفظتان، أعني ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ و﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾، فإن إحداهما دلت على معنى البُحبوحة، والأخرى على المعنى البعيد، ولذلك قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. النهاية: "في حديث عمر ﵁، قال: "عليكم بالجنبة فإنها عفاف"، قال الهروي: يقول اجتنبوا النساء ولا تقربوا ناحيتهن، يقال: رجل ذو جَنبة، أي: ذو اعتزال عن الناس متجنب لهم".
[ ١٦ / ٤٧٥ ]
فإن قلت: ما محل يتزكى؟
قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلًا من (يُؤْتِي) فلا محل له؛ لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها. وإن جعلته حالًا من الضمير في (يُؤْتِي) فمحله النصب. (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) مستثنًى من غير جنسه وهو النعمة أي: ما لأحٍد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارًا. وقرأ يحيى بن وثاب: (إلا ابتغاء وجه ربه) بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار، وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها … إلا الجآذر والظّلمان تختلف
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس … إلّا اليعافير وإلّا العيس
ويجوز أن يكون (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) مفعولًا له على المعنى،
_________________
(١) قوله: (والصلات لا محل لها)، قيل: لأن الصلة بعض الاسم، وبعض الاسم لا محل له، ولأن الصلة ليست بقائمة مقام المفرد. قوله: (على لغة من يقول)، وهي لغة بني تميم، وسبق تقريره في النمل. قوله: (أضحت خلاء) البيت، بعده: وقفت فيها قلوصي كي تجاوبني أو يُخبر الرَّسم عنهم آية صرفوا القفار: جمع قفر، وهي الخالي من المفاوز. والجآذر: أولاد البقر. والظلمان: جمع الظليم، وهو ذكر النعام. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾)، مفعولًا له) وعلى هذا المستثنى داخل في المستثنى منه حقيقة، لأن المعنى: لا يؤتي ماله لأمر من الأمور، إلا ابتغاء وجه ربه.
[ ١٦ / ٤٧٦ ]
لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمةٍ. (وَلَسَوْفَ يَرْضى) موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه.
وعن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "والليل"، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر».
_________________
(١) وقوله: (لا لمكافأة نعمة)، توكيد للاستثناء. والتركيب مما رده صاحب "المفتاح". تمت السورة حامدًا لله ومُصليًا * … * … *
[ ١٦ / ٤٧٧ ]