مكية، وهي مائة وتسع عشرة آية.
وثمان عشرة عند الكوفيين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ)]
_________________
(١) ـ سورة المؤمنين مكيةٌ، وهي مئةٌ وتسع عشرة آية وثماني عشرة عند الكوفيين بسم الله الرحمن الرحيم رُوي عن المصنف: أنه قال: يجوز أن يكون (قَدْ أَفْلَحَ) جواب قسم محذوف، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩] في وقوعه جواب قسم. وفي بعض النسخ مكتوبٌ في المتن، وكذا عن صاحب "التقريب". وقيل: فيه نظرٌ؛ لأنه قال هناك: جوابُ القسم محذوفٌ تقديره: ليُدمْدِ مَنّ الله عليهم. وأما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩] فكلامٌ تابعٌ لقوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: ٨] على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في
[ ١٠ / ٥٤٠ ]
"قَدْ" نقيضة «لما» هي تثبت المتوقع و«لما» تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والفلاح: الظفر بالمراد. وقيل: البقاء في الخير. و(أَفْلَحَ) دخل في الفلاح،
_________________
(١) ـ شيء، وقلتُ: قد ذكرنا هناك أن الزجاج ذهب إلى أنه جواب القسم على تقدير اللام، والنظم يساعد عليه، وهو أبعدُ تعسفًا. قوله: (وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم)، قال في قوله: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [آل عمران: ١٠١]، من يعتصم بالله فقد حصل له الهدى لا محالة، كما تقول: إذا جئت فلانًا، فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصلن فهو يخبر عنه حاصلًا، وإليه أشار بقوله: "فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه". فإن قلت: إن قد لتوقع مدخوله، فيفيد أن حصول الفلاح كان متوقعًا، وأما البشارة كانت متوقعة فلا. المفلحُ: هو الفائز بالبغية، والمؤمنون وإن فازوا بالهدى عاجلًا بالأعمال الصالحة الظفر على أعداء الدين لكن الفوز الحقيقي الذي هو الفلاح لا يثبت إلا في الآخرة، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: ٥]، فكانوا متوقعين البشارة من جانب الله بذلك. فقيل لهم: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). قوله: (والفلاح: الظفرُ)، الراغب: قولهم في الأذان: حي على الفلاح، أي: على الظفر الذي جعله الله تعالى لنا بالصلاة. قوله: (وقيل: البقاءُ في الخير)، قال الفراء قد هنا يجوز أن تكون تأكيدًا لفلاح المؤمنين،
[ ١٠ / ٥٤١ ]
كأبشر: دخل في البشارة. ويقال: أفلحه: أصاره إلى الفلاح. وعليه قراءة طلحة بن مصرف: (أفلح)، على البناء للمفعول. وعنه: (أفلحوا)، على: أكلونى البراغيث. أو على الإبهام والتفسير. وعنه: (أفلح)، بضمة بغير واو، اجتزاء بها عنها، كقوله:
فلو أنّ الاطبّا كان حولي
فإن قلت: ما المؤمن؟ قلت: هو في اللغة المصدق. وأما في الشريعة فقد اختلف
_________________
(١) ـ ويجوزُ أن تكون تقريبًا للماضي من الحال، ويكونُ المعنى في الآية: أن الفلاح قد حصل، وأنهم عليه في الحال. قوله: (وعليه قراءةُ طلحة بن مُصرف: "أفُلِحَ" على البناء للمفعول)، قال الزجاجُ: معناه: قد أصيروا إلى الفلاح. قوله: ٠ فلو أن الأطبا كانُ حولي)، تمامُه في "المطلع": وكان مع الأطباء الأساةُ الأطِبا: على القصر للضرورة. أراد: كانوا حولي، فاكتفى بالضمة عن الواو. والآسي: الطبيبُ، والجمعُ أساةٌ، مثل: رام ورُماة. قوله: (ما المؤمن؟)، قيل: إنما لم يقُل: من المؤمنُ؟ لأن السؤال وقع عن الصفة. فإذا قلت: ما زيدٌ؟ فجوابه: فقيهٌ أو متكلم. والظاهر أن "ما": عامةٌ، والسؤال عن مفهوم المؤمن وموقع استعماله يدُلُّ عليه، قوله: إنهُ "في اللغة كذا، وفي الشريعة كذا، وإنهُ صفةُ مدح يستحقها البرُّ، ولا يستحقها الفاسق. الانتصاف: الأولُ مذهبُ الأشعرية، الثاني للمعتزلة، ولو لم يبنوا عليه أن الفاسق يُخلدُ في النار لكان البحث لفظيًا، ونُقلَ عن عمرو بن
[ ١٠ / ٥٤٢ ]
فيه على قولين، أحدهما: أنّ كل من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه فهو مؤمن. والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البرّ التقىّ دون الفاسق الشقىّ!
الخشوع في الصلاة: خشية القلب وإلباد البصر - عن قتادة: وهو إلزامه موضع السجود. وعن النبي ﷺ: أنه كان يصلى رافعا بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يحدّث نفسه بشأن من شأن الدنيا. وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها. ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب، فيتوقى كفّ الثوب، والعبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض،
_________________
(١) ـ عُبيدٍ وطبقتِه: أن الإيمان التصديقُ بالقلب وجميع فرائض الدين فعلًا وتركًا، وعن أبي الهذيل: أنه جميعُ فرائض الدين ونوافله. وحجتنا: أن الإيمان في اللغة: مجردُ التصديق. والأصل عدمُ النقل لقوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) [الأحقاف: ١٢]. وقلتُ: قد روينا عن محيي السُّنةِ في "شرح السنة": أن العمال داخلةٌ في مسمى الإيمان، وأنه مذهبُ السلف الصالح ﵏، عليه التعويل. قوله: (وإلباد البصر)، يقال: ألبد بالمكان: إذا أقام به، النهاية: إلبادُ البصر: إلزامُه موضع السجود من الأرض. قوله: (فيتوقى كف الثوب)، النهاية: في الحديث: "أُمرتُ أن لا أكف شعرًا ولا ثوبًا". يعني: في الصلاة، هو يحتملُ أن يكون بمعنى المنع، أي: لا أمنعها من الاسترسال حال السجود ليقعا على الأرض، وأن يكون بمعنى الجمع، أي: لا أجمعهما ولا أضمهما. قوله: (والتمطي)، النهاية: في الحديث: "إذا مشت أمتي المطيطاء"، هي بالمد والقصر:
[ ١٠ / ٥٤٣ ]
وتغطية الفم، والسدل، والفرقعة، والتشبيك، والاختصار، وتقليب الحصى. روى عن النبي ﷺ أنه أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال «لو خشع قلبه خشعت جوارحه «٢»» ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهمّ زوجني الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت! تخطب وأنت تعبث. فإن قلت: لم أضيفت الصلاة إليهم؟ قلت: لأنّ الصلاة دائرة بين المصلى والمصلى له، فالمصلى هو المنتفع بها
_________________
(١) ـ مشيةٌ فيها تبخترٌ ومدُّ اليدين، يقالُ: مطوتُ ومططتُ بمعنى: مددتُ، وهنا المراد مد اليدين مع الظهر. والسدلُ: أن يلتحف ثوبه، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد، وهو كذلك. وكانت اليهودُ تفعله، وهذا مطردٌ في القميص وغيره من الثياب. وقيل: أن يضع وسط الإزار على رأسه ويُرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعله على كتفيه. وفرقعةُ الأصابع: غمزها حتى يُسمع لمفاصلها صوتٌ. وفي حديث مجاهد: كره أن يُفرقع الرجل أصابعه في الصلاة. الاختصار: قيل: هو من المخصرة، وهو: أن يأخذ بيده عصا يتكئ عليها، وقيل: أن يقرأ من آخر السورة آية أو آيتين، ولا يقرأ السورة بتمامها. كلها في "النهاية". الفائق: الاختصارُ: وضعُ اليد على الخاصرة. وفي الحديث: "الاختصارُ في الصلاة راحةُ أهل النار"، لا أن لهل النار راحةً، لقوله تعالى: (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) [الزخرف: ٧٥].
[ ١٠ / ٥٤٤ ]
وحده وهي عدّته وذخيرته فهي صلاته: وأمّا المصلى له، فغنىّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها.
[(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)].
اللغو: ما لا يعنيك من قول أو فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه واطراحه، يعنى أنّ بهم من الجدّ ما شغلهم عن الهزل.
لما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف.
[(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) ٤].
الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين: القدر الذي يخرجه المزكي من
_________________
(١) ـ قوله: (ليجمع لهم الفعل والترك)، قال القاضي: أقام الإعراض مقام الترك؛ ليدُل على بُعدهم عنه رأسًا مباشرةً، وتسببًا وميلًا، فإن أًله أن يكون في عرض غير عرضه، هو أبلغ أيضًا من الذين لا يلهون لجعل الجملة اسميةً، وبناء الحكم على الضمير والتعبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة. قوله: (الزكاة اسم مشتركٌ بين عينٍ ومعنى)، الراغب: أصلُ الزكاة: النموُّ الحاصلُ من بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية، يقال: زكا الزرع يزكو، إذا حصل منه نموٌّ وبركةٌ، ومنه الزكاة يخرجها الإنسان إلى الفقراء، لما فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعًا، فإن الخيرين موجودان فيها، وقرن الله تعالى الزكاة بالصلاة وقال: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة: ١١٠] وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره وذلك يُنسب تارةً إلى
[ ١٠ / ٥٤٥ ]
النصاب إلى الفقير والمعنى: فعل المزكى الذي هو التزكية، وهو الذي أراده الله، فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب:
فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل: وللمزكى: فاعل التزكية. وعلى هذا الكلام كله والتحقيق فيه أنك تقول في جميع الحوادث: من فاعل هذا؟ فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق. ولم تمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها فاعلون، لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن
_________________
(١) ـ العبد؛ لاكتسابه، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إلى قوله تعالى: (لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، وقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، وتارةً إلى الله تعالى، لكونه فاعلًا لذلك في الحقيقة، نحو: (بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٩]، وتارةً إلى النبي ﷺ لكونه واسطةً نحو (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣] وتارةً إلى العباد التي هي آلة نحو (وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً) [مريم: ١٣]. قوله: (فيقالُ لك: فاعله الله أو بعض الخلق)، الانتصاف: يقولُ السني: الفاعل هو الله وحده، وإذا سُئل بصفةٍ مشتقةٍ من الفعل على طريقة اسم الفاعل من القائم أو القاعد، أجاب بأنه: الذي خلق الله الفعل على يده كزيدٍ وعمرو. قوله: (ولم تمتنع الزكاةُ الدالة على العين أن يتعلق بها فاعلون)، أي: اللفظُ غيرُ مانع تعليق الزكاة، الذي هوا لعين، بفاعلون؛ لأن الواضع إنما وضع صيغ الأفعال لنسبة صدورها عن الفاعل، وأما أن ذلك الفاعل موجدٌ بالحقيقة أو غير موجد، فليس بداخل في مفهوم الفعل، وإنما يعرفُ بدليل خارجي، وإليه الإشارة بقوله: "ولكن لأن الخلق ليسوا بفاعليها". فقوله: "لخروجها" تعليلٌ لقوله: "لم يمتنع"، أي: لم تمتنع الزكاة الدالة على العين عند أهل اللغة بأن يتعلق بها الفاعلون لأجل هذا الصارف، وهو خروجها من صحة أن الخلق غير قادرين على إيجاد العين، بل القادر هو الله تعالى، فإن ذلك من الدلائل العقلية،
[ ١٠ / ٥٤٦ ]
لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها. وقد أنشد لأمية ابن أبى الصلت:
المطعمون الطّعام في السّنة الـ … أزمة والفاعلون للزّكوات
ويجوز أن يراد بالزكاة: العين، ويقدّر مضاف محذوف وهو الأداء، وحمل البيت على هذا أصحّ، لأنها فيه مجموعة.
_________________
(١) ـ كما تقول: أنبت الربيع البقل، فإن الفاعل عند اللغوي هو الربيع، إذ هو مرتفعٌ به؛ لأنه لا يُنظرُ إلى أن الربيع لا يصح منه هذا الفعل حقيقةً؛ لأن ذلك من وظيفة الموحدِ المعتقد. قوله: (المطعمون الطعام)، البيت، الأزمة: السنةُ القحطُ، يقال: أزم علينا الدهر، أي: اشتد. قوله: (لأنها فيه مجموعةٌ)، أي: لفظ الزكاة في البيت مجموعةٌ، والمصدرُ لا يجمع في الأغلب، وقد جُمع في قوله تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ) [الأحزاب: ١٠]. وقلتُ: يُعلمُ من مفهوم قوله: "وحملُ البيت على هذا أصح" أن حمل الآية على الفعل أصح. قال السجاوندي: لما كانت الزكاة توجب زكاء المال، كان لفظ الفعل أليق به من لفظ الأداء، كأنه قيل: لأجل زكاء المال يفعلون ما يفعلون، فالمؤدى يصير زكاةً بفعل المزكي. وفي (فَاعِلُونَ) إشارةٌ إلى المداومة ما ليس في الأداء، تقول: هذا فعله، أي: شأنه ودأبه وعادته، وهذا يشعر بأن حمل الزكاة على المعنى أولى من غيره. الراغب: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) أي: يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم الله، أو ليزكوا أنفسهم، المعنيان واحد، وليس قوله: (لِلزَّكَاةِ) مفعولًا له لقوله: (فَاعِلُونَ) بل اللامُ للقصد والعلة. وقال صاحب "الكشف": معنى الآية: الذين هم لأجل الطهارة وتزكية النفس عاملون الخير، فليس المراد من هذا الكلام: أنهم يؤدون الزكاة؛ لأنه لا يقال: فعلتُ الزكاة
[ ١٠ / ٥٤٧ ]
_________________
(١) ـ وأنت تريدُ: أديتُ زكاة المال، وإنما الزكاة: الطهارة، كما قال تعالى في كتابه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: ١٤ - ١٥]، و(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، أي من طهرها، وأبدًا ينبغي لك أن تفسر القرآن بعضه ببعض ما أمكنك، فوجب أخذ التفسير من آية نظيرة تلك الآية التي تفسرها، ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد: ١١]، أن المعنى: للرسول ﷺ معقباتٌ، أي: الملائكة من أمر الله، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، كذا فسره النخعي، قالوا في هذا: إنه فصل بين الصفة والموصوف، وقدم ظرف الصفة على الصفة، فنظرنا في ذلك فإذا إبراهيم النخعي أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن: ٢٧]، والرصدُ: الملائكة، هو المعقبات يحفظون النبي ﵊. فإن قيل: فهب أنكم قلتم: فما وجه قوله ﷿: (وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: ٤٨]؟ وهل يقال في معنى لا تؤذه: دع أذاه؟ قلنا: ليس معنى (وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: ٤٨]: لا تؤذهم، وإنما المعنى: دع الخوف من أذاهم وتوكل على الله، أي: لا تخف منهم ولا من أذاهم، فحذف المفعول والحرف الجار الذي في صلة المصدر، كما حذف الجار من قوله: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) [آل عمران: ١٧٥] أي: يخوفكم بأوليائه، وقال تعالى: (لِيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا) [الكهف: ٢]، أي: لينذركم ببأس شديد. وقلتُ: قوله: ينبغي لك أن تفسر القرآن بعضه ببعض، كلامٌ حسنٌ، لكن مع مراعاة المقام، وترتيب النظام؛ فإنه تعالى لما ذكر الصلاة عقبها بذكر شقيقتها وقرينتها، وهي الزكاة، كما قال تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ونحوها، والوجه ما ذكره المصنف أولًا. وأما قوله: لا يقالُ: فعلتُ الزكاة وأنت تريدُ: أديتُ زكاة المال. فتحكم لم لا يجوز أن يراد المبالغةُ فيه؟ ألا ترى إلى قول الحماسي: وإن هي أعطتك الليان فإنها … لغيرك من خلانها ستلين
[ ١٠ / ٥٤٨ ]
[(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) ٥ - ٧].
(عَلى أَزْواجِهِمْ) في موضع الحال، أى الأوّالين على أزواجهم. أو قوّامين عليهنّ، من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلّف عليها فلان. ونظيره: كان زياد على البصرة، أى: واليا عليها. ومنه قولهم: فلانة تحت فلان. ومن ثم سميت المرأة فراشا. والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال، إلا في حال تزوّجهم أو تسريهم، أو تعلق (عَلى) بمحذوف يدل عليه (غَيْرُ مَلُومِينَ) كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أى: يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه. أو تجعله صلة لحافظين، من قولك: احفظ علىّ عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى ما طلبت منك إلا فعلك.
_________________
(١) ـ وقول المرزوقي فيه: وإن هي غرتك باللين ومنحتك المحبة منحًا بالغًا. مع أن تنظيره بالآيتين بعيدٌ؛ لأنهما ليسا من هذا القبيل في شيء، وقوله تعالى: (وَدَعْ أَذَاهُمْ) [الأحزاب: ٤٨] معناه غير ما ذكره، فانظر إلى مقامه لتعرفه. قوله: (على تضمينه معنى النفي)، رُوي أنه قول المبرد، أي: تضمين (حَافِظُونَ)، فإن معنى احفظ على عنان فرسي: ارقبني، ولا تغفل عني. وجاء في بعض التفاسير: الحفظ في الأصل، ضبطُ الشيء في النفس. وهو ضد النسيان، ولما كان في ضبط الشيء المنعُ من الذهاب قيل لمن لا يضيع الشيء ضبطًا: الحافظ، والحافظُ: المانع. "المُغرب": الحفظُ: خلافُ النسيان، وقد يُجعل عبارةً عن الصون وترك الابتذال، يقالُ: فلانٌ يحفظُ نفسه ولسانه، أي: لا يبتذله فيما لا يعنيه. والظاهر أن المجموع من العامل ومعموله في معنى المانعون، أو غير مبتذلين، ألا ترى كيف جعل "نشدتك الله" في معنى: ما طلبتُ، وكذلك معنى "احفظ علي عنان فرسي": لا تغفل عني، ومنه قولُ الراغب: الحافظون فروجهم إلا على أزواجهم كنايةً عن العقد، أي:
[ ١٠ / ٥٤٩ ]
فإن قلت هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجرى مجرى غير العقلاء وهم الإناث،
_________________
(١) ـ مع قوله: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)، وفيه تنبيه على خسة الشهوة، ولولا بقاء النسل لما أبيحت ونحوه في الاعتبار قوله تعالى: (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ) [البقرة: ٢٤٩] أي فلم يطيعوه إلا قليلٌ منهم. وقال أبو البقاء: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ) في موضع نصب بـ (حَافِظُونَ) على المعنى أي: صانوها عن كل فرج إلا عن فروج أزواجهم. وقال صاحب "الفرائد": الذي ألجأه إلى التطويل استعمال "على" في قوله: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ)، ويمكن أن يقال: تقديره: لفروجهم حافظون في كل حال إلا في حال وقوعهم على أزواجهم. الراغب: الحفظ تارةً يقال لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، ويقال: حفظت كذا حفظًا ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية، قال تعالى: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩]، (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ) [الأحزاب: ٣٥] كناية عن العفة: (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء: ٣٤]، أي: يحفظن عهد الأزواج عند غيبتهم بسبب أن الله يحفظهن أن يطلع عليهن، (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) [ق: ٤]، أي: حافظ لأعمالهم، ومعناه: محفوظٌ لا يضيع. قوله: (ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث)، المطلع: أجيرين مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن وعلمهن وامتهانهن في خساس الأمور وأنها تُباع وتشترى كسائر الحيوانات. وقال القاضي: وإفرادُ قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) بعد تعميم قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطرًا.
[ ١٠ / ٥٥٠ ]
جعل المستثنى حدا أوجب الوقوف عنده، ثم قال: فمن أحدث ابتغاء وراء هذا الحدّ مع فسحته واتساعه، وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شئت (فَأُولئِكَ هُمُ) الكاملون في العدوان المتناهون فيه. فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟
_________________
(١) ـ قوله: (جعل المستثنى حدًا أوجب الوقوف عنده)، أي: بالغ في الفسحة والاتساع حيث أضاف الأزواج إليهم، هي ما عهد من قوله: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: ٣] الآية، وإليه الإشارة بقوله: "وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شئت"، كأنه قيل: ومن طلب الفسحة أوسع من هذا الذي انتهى غايته فهو المتناهي في العدوان والكامل فيه. دل على الكمال: التعريف في (الْعَادُونَ) فإنه للجنس، وعلى التسجيل: دلالةُ (أُوْلَئِكَ) فإنه دل على أن ما قبله جديرٌ بما بعده لما بين من الفسحة والاتساع. قوله: (على تحريم المتعة)، النهاية: هو النكاح إلى أجل معين، وهو من التمتع بالشيء: الانتفاع به، يقال: تمتعتُ به أتمتعُ تمتعًا، والاسمُ: المتعةُ ينتفع بها إلى أمدٍ معلوم. وقد كان مباحًا في أول الإسلام ثم حُرم، وهو الآن جائزٌ عند الشيعة. وأما قول المصنف: "إذا صح النكاح"، فالمراد: إذا صح النكاحُ، المؤجل فلا يحرمُ، وحين لم يصح بالدلائل الدالة لم يصح بجزم. قال الإمام: رُوي عن القاسم بن محمدٍ أن الآية تدل على تحريم المتعة. وتقريرهُ أنها ليست زوجةً له، فوجب أن لا تحل له، إنما قلنا: إنها ليست زوجةً لأنهما لا يتوارثان بالإجماع، ولو كانت زوجةً له لحصل التوارث، لقوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) بالنساء: ١٢]، فوجب أن لا تحل له لقوله تعالى: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ). وقلتُ: ولا ارتياب أن هذه الصفات جاريةٌ في معرض المدح، وتعظيم أمر المؤمنين،
[ ١٠ / ٥٥١ ]
قلت: لا، لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صحّ النكاح.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨»
وقرئ: "لأمانتهم". سمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا. ومنه قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها)] النساء: ٥٨ [وقال (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ)] الأنفال: ٢٧ [. وإنما تؤدّى العيون لا المعاني، ويخان المؤتمن عليه، لا الأمانة في نفسها. والراعي: القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعى الغنم وراعى الرعية. ويقال: من راعى هذا الشيء؟ أى متوليه وصاحبه: ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الخلق، والخصوص فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم.
_________________
(١) ـ وعلو شأنهم عن أن يتعرضوا للغو المباح، فضلًا عما يزري بمروءتهم، فإن أحدًا من ذوي المروءات لا يرضى أن يُفعل ذلك بمحارمه، فيكف يرضى بمحارم غيره من المؤمنين؟ قوله: (وقرئ: "لأمانتهم")، ابن كثير، والباقون: على الجمع. قال القاضي: الإفراد غما لأنها في الأصل مصدرٌ أو لأمن الإلباس. قوله: (سمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة)، يعني: حكم الله تعالى بقوله: (لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ) بالرعاية، فينبغي أن يُراد بالأمانة العهد عينان لا مصدران؛ لأن الراعي هو: القائم على الشيء بحفظٍ وإصلاح، لا على المعنى، ومنه قوله- في (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨]-: "وإنما تُؤدي العيون لا المعاني"، وقوله: " (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) [الأنفال: ٢٧] وإنما يُخان المؤتمن عليه، لا المصدر". قوله: (ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا)، وهو عطفٌ على قوله:
[ ١٠ / ٥٥٢ ]
[(وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ)].
وقرئ (عَلى صَلَواتِهِمْ). فإن قلت: كيف كرّر ذكر الصلاة أوّلا وآخرا؟ قلت: هما ذكران مختلفان فليس بتكرير:
_________________
(١) ـ "سُمي الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة"، فإذًا المرادُ من الأمانة والعهد المصدر، وهو جنسٌ يتناول كل ما يطلق عليه الأمانة أو العهد. ولهذا قال: "من جهة الله ﷿، ومن جهة الخلق". ويؤيد هذا التفسير قراءة الأكثر: (لأَمَانَاتِهِمْ)، قال مكي بن أبي طالب: "أماناتهم": مصدرٌ، وحقه أن لا يُجمع؛ لدلالته على القليل والكثير من جنسه، لكن لما اختلفت أنواعُ الأمانة لوقوعها على الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من العبادات، وكذلك حق العباد جاز جمعها؛ لأنها لاختلاف أنواعها شابهت المفعول به، فجمعت كما يجمع المفعول به، وقد أجمعوا على الجمع في قوله تعالى: (أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) [النساء: ٥٨]، وقد قرأ ابن كثير بالتوحيد في (قَدْ أَفْلَحَ)، ودليله إجماعهم على التوحيد في (وَعَهْدِهِمْ)، وهو مصدرٌ مثلها. فعلى هذا يُجعل قوله: (رَاعُونَ) استعارة للاهتمام بشأنها، والمحافظة عليها من أن يخان وينكث، قال الشاعر: أخٌ طاهرُ الاخلاق حلوٌ كأنه … جنى النحل ممزوج بماء غمام يزيد على الأيام صفو مودةٍ … وشدة إخلاص ورعي ذمام قوله: (وقرئ: "على صلاتهم")، حمزة والكسائي، والباقون: بالجمع. قال القاضي: ولفظُ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرير، ولذلك جمعه أكثر القراء.
[ ١٠ / ٥٥٣ ]
وصفوا أوّلا بالخشوع في صلاتهم، وآخرا بالمحافظة عليها. وذلك أن لا يسهوا عنها، ويؤدّوها في أوقاتها، ويقيموا أركانها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتمّ به أوصافها. وأيضا فقد وحدت أوّلا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أىّ صلاة كانت، وجمعت آخرا لتفاد المحافظة على أعدادها: وهي الصلوات الخمس، والوتر، والسنن المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة، والعيدين والجنازة، والاستسقاء، والكسوف والخسوف، وصلاة الضحى، والتهجد وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة، وغيرها من النوافل.
[(أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ١٠ - ١١].
أى (أُولئِكَ) الجامعون لهذه الأوصاف (هُمُ الْوارِثُونَ) الأحقاء بأن يسموا ورّاثا دون من عداهم، ثم ترجم الوارثين بقوله (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) فجاء
_________________
(١) ـ قوله: (وصفوا أولًا بالخشوع في صلاتهم، وآخرًا بالمحافظة عليها)، يعني: آخرًا الأوصاف وتعدادها لمدح المؤمنين على الأصالة وذكر الصلاة تابعٌ لها، وُصفوا أولًا بالخشوع فيها، وآخرًا بالمحافظة عليها، ومن ثم أتى بالموصولة ليدل على الذات، وجُعلت الأوصافُ صلة ليدل على علية استئهال بشارة الفلاح عاجلًا، وإيراث الفردوس آجلًا، نعم، فيه تعظيم شأنها على سبيل الإدماج، وإشارة النص حيث ابتدئ بذكرها، وانتهى إليها، على أن التكرير غير لازم؛ لأن إرادة الجنس غير إرادة الاستغراق، وإليه الإشارة بقوله: "وأيضًا فقد وُحدت أولًا، وجُمعت آخرًا"، وخلاصته أن التكرير لإرادة تعليق كل مرة ما لم يعلق به أخرى، والفاء في "فقد وُحدت" كالفاء في قوله: "هما ذكران مختلفان فليس بتكرير". قوله: (أي: (أُوْلَئِكَ) الجامعون لهذه الأوصاف (هُمْ الْوَارِثُونَ) الأحقاء بأن يسموا وراثًا دون من عداهم)، أما معنى الجمع فمن توسيط العاطف بين الصفات المتوالية. وأما
[ ١٠ / ٥٥٤ ]
بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر. ومعنى الإرث: ما مرّ في سورة مريم. أنث الفردوس على تأويل الجنة، وهو: البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر. روى أنّ الله ﷿ بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك الأذفر. وفي رواية: ولبنة من مسكٍ
_________________
(١) ـ استحقاقُ تسميتهم بالوراثِ فلما سبق أن أولئك يوجب أن ما بعده جديرٌ بما قبله لاكتسابهم تلك الصفات الجارية عليهم. قال القاضي: الوراثة مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم وإن كان بمقتضى وعده مبالغةً فيه. وأما معنى الحصر فمن تعريف الخبر، وتوسيط ضمير الفصل، وفي تتميم ذلك بتعقيب التفصيل للإجمال بإبدال (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) من (الْوَارِثُونَ) شأنٌ لا يكتنه كنهه، كما في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: ٦ - ٧]. قوله: (ما مر في سورة مريم)، يعني في قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم: ٦]، بل في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) [مريم: ٤٠] أي: هم الذين ورثوا أرض الجنة، أي: ملكوها كما يملك الوراث حقوقهم. قال الزجاج: خوطب الناس بما يتعارفون؛ لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثًا ملكًا له. قوله: (وهو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر)، قال الزجاج: الفردوس: أصله رومي، وهو البستان، وكذلك جاء في التفسير، وقد قيل: إن الفردوس تعرفها العرب، وتسمى الموضع الذي فيه كرم: فردوسًا. قوله: ٠ لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة)، قال الزجاج: روينا عن أحمد بن حنبل في كتابه
[ ١٠ / ٥٥٥ ]
مذرّى وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان.
[(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَاناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)].
السلالة: الخلاصة، لأنها تسلّ من بين الكدر، و«فعالة» بناء للقلة كالقلامة والقمامة. وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين. فإن قلت: ما الفرق بين (مِن) و(مِنَ)؟ قلت: الأوّل للابتداء، والثاني للبيان، كقوله (مِنَ الْأَوْثانِ). فإن قلت:
_________________
(١) ـ "كتاب التفسير": أن الله تعالى بني جنة الفردوس لبنة من ذهب، ولبنةً من فضة، وجعل جبالها المسك الأذفر. قله: (مُذري)، الجوهري: ذررتُ الحب والملح والدواء أذره ذرًا: فرقته، ومنه الذريرة. قوله: (لأنها تُسلُّ من بين الكدر)، في "المطلع": السلالة: ما يسل من الشيء ويستخرج. قال صاحب "الديوان": فعالةٌ: اسم لما بقي بعد المصدر، فالسلالة: ما بقي بعد السل، كالنخالة والبراية لما بقي بعد النخل والبري، وفيها دلالةٌ على القلة، فإذا قبضت على الطين بكفك فخرج من بين أصابعك حره وخالصه فهو سلالة. وقال أبو البقاء: (مِنْ طِينٍ) صفة (سُلالَةٍ)، ويجوز أن يتعلق (مِنْ) بـ (سُلالَةٍ) بمعنى: مسلولة، ويمكن أن يُحمل قول الحسن: ماءٌ بين ظهراني الطين، على هذا.
[ ١٠ / ٥٥٦ ]
ما معنى: جَعَلْنا الإنسان نطفة؟ قلت: معناه أنه خلق جوهر الإنسان أوّلا طينا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة. القرار: المستقرّ، والمراد الرحم. وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقرّ فيها، كقولك. طريق سائر. أو بمكانتها في نفسها، لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت. قرئ: (عظما فكسونا العظم)، و(عظاما فكسونا العظام)،
_________________
(١) ـ قوله: (ما معنى: جعلنا الإنسان نطفةً)، يعني: كيف قال أولا: (خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ) ثم قال: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً)؟ وأجاب: أن التعريف في "الإنسان" للجنس، فكأنه قيل: خلقنا جوهر ما يقال له: الإنسان ابتداء من طين، ثم صيرنا بعد ذلك جوهره من نطفة، قال القاضي: يجو أن يكون على حذف المضاف، أي: ثم جعلنا نسله، أي: خلقنا أصل الإنسان من سلالة، وهو آدم، ثم جعلنا نسله، أي: أولاده، من نطفةٍ. قوله: (وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر)، يريد أن قوله: (مَكِينٍ) صفةٌ للنطفة في الأصل، وقد أجري على مكانها ومستقرها، وهو الرحم، إما على الإسناد المجازي نحو: طريقٌ سائرٌ، للمبالغة، أو وُصف الرحم بالمكين، ليؤذن بأن النطفة مكنت بحيث هي في رحم مكين غير منفصل مع ثقل الحمل، أو مُكنت في مكين غير ماجة لها، كأنها أحرزت في حرز حصين، وعلى هذا هو: نكايةٌ، أي: جعلناه نطفةً محروزة. قوله: (قرئ: "عظمًا")، أبو بكر وابن عامر، وكذا: "فكسونا العظم"، والباقون: (َعِظَامًا). قال ابن جني: قرأ "عظما" واحدًا، (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ) جماعةً: السلميُّ، وقتادة، والأعرج. وقرأ (َعِظَامًا) جماعةً، "فكسونا العظم" واحدًا: مجاهدٌ. أما من وحد فإنه ذهب إلى لفظ إفراد الإنسان والنطفة والعلقة، ومن جمع فنه أراد بأن هذا أمرٌ عام في جميع الناس، وقد شاع عنهم إيقاع المفرد في موضع الجماعة، قال: كلوا في بعض بطنكم تعفوا
[ ١٠ / ٥٥٧ ]
و(عظما فكسونا العظام)، و(عظاما فكسونا العظم). وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس، لأنّ الإنسان ذو عظام كثيرة (خَلْقًا آخَرَ) أى خلقا مباينا للخلق الأوّل مباينة ما أبعدها، حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره - بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه - عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح الشارح: وقد احتجّ به أبو حنيفة ﵀ فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده قال: يضمن البيضة ولا يرد الفرخ، لأنه خلق آخر سوى البيضة (فَتَبارَكَ
_________________
(١) ـ وقول الطفيل: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا ومن قدم الإفراد نظر إلى اللفظ الذي هو إنسانٌ، وسلالة، ونطفة، ثم عقب بالجماعة لأنها هي الغرض، ومن عكس بادر إليها؛ إذ كانت هي المقصودة، ثم عاد فعامل المفرد بمثله. والأول أجرى على قوانينهم، ألا ترى أنك تقول: من قام وقعدوا إخوانك، لانصرافه عن اللفظ إلى المعنى وضعف: من قاموا وقعد إخوتك؛ لأنك قد انتحيت بالجمع على المعنى، وانصرفت عن اللفظ، فمعاودة اللفظ بعد الانصراف عنه تراجعٌ وانتكاثٌ فاعرفه وابن عليه فإنه كثيرٌ جدًا. قوله: (وقد احتج به أبو نيفة فيمن غصب بيضةً فأفرخت عنده، قال: يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ لأنه خلقٌ آخر)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأن تضمينه الفرخ؛ لكونه جُزءًا من المغصوب، لا لكونه عينه أو مسمى باسمه. وقال الإمام: قالوا: في الآية
[ ١٠ / ٥٥٨ ]
اللَّهُ) فتعالى أمره في قدرته وعلمه (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) أى: أحسن المقدّرين تقديرا، فترك ذكر المميز لدلالة (الخالقين) عليه. ونحوه: طرح المأذون فيه في قوله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ)] الحج: ٣٩ [؛ لدلالة الصلة.
وروى عن عمر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ لما بلغ قوله (خلقا آخر)، قال:
(فتبارك الله أحسن الخالقين).
وروي أنّ عبد الله بن سعد بن أبى سرح كان يكتب لرسول الله ﷺ، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال له رسول الله ﷺ «اكتب هكذا نزلت» فقال عبد الله: إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبىّ يوحى إلىّ، فلحق بمكة كافرا، ثم أسلم يوم الفتح.
_________________
(١) ـ دلالةٌ على بطلان قول النظام: إن الإنسان هو الروح، لا البدن، فإنه تعالى بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات. وعلى بطلان قول الفلاسفة: إن الإنسان شيءٌ لا ينقسم، وإنه ليس بجسم. قوله: (أحسن المقدرين تقديرا)، يريد أن "الخَلْقَ" هاهنا بمعنى: التقدير، كقوله تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) [المائدة: ١١٠]، أي: تقدر لما سبق من الأطوار المتباينة، قيل: وقوله: "تقديرًا" تمييزٌ وليس بتأكيد؛ لأن أفعل التفضيل إنما ينصب النكرات على التمييز خاصة، كقولهم: هذا أكثر منه شيئًا. قوله: (فترك ذكرُ المميز)، كأنه قيل: أحسن الخالقين خالقًا، قال في الحاشية: نظيره: قوله: "إن الله جميلٌ يحب الجمال"، المعنى: جميلٌ فعله محذوف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعًا فاستكن. قوله: (إن كان محمدٌ نبيًا يُوحى إليه فأنا نبيٌّ يوحى إليَّ)، القياس فاسدٌ من وجهين،
[ ١٠ / ٥٥٩ ]
[(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ)].
قرأ ابن أبى عبلة وابن محيصن: (لمائتون). والفرق بين الميت والمائت: أنّ الميت كالحي صفة ثابتة. وأمّا المائت، فيدل على الحدوث. تقول: زيد مائت الآن، ومائت غدا، كقولك يموت. ونحوهما: ضيق وضائق، في قوله تعالى (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ)] هود: ١٢ [. جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة، والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه: دليلين أيضا على اقتدار عظيم
_________________
(١) ـ أحدهما: اتفاقُ ذلك المقدار سيما إذا تكلم بديهًا يكون من قبيل: رميةٌ من غير رام، فلا يلتفت إليه، وثانيهما: أن التحدي إنما وقع بأقصر سورة. قوله: (جعل الإماتة .. والبعث … دليلين أيضًا على اقتدار عظيم)، أما الإشارةُ إلى كون الإماتة دالة على اقتدار عظيم فما في (ثُمَّ) من معنى التراخي في الرتبة، وتأكيدها بقوله: (بَعْدِ ذَلِكَ)، يعني: من أنشأ إنشاءً لطيفًا، وأبدع تركيبًا عجيبًا، لا يتسهل عليه إعدامه، وتفكيكُ أجزائه، لكن الله ﷾ لعظم قدرته، وأن الموجودات لا يتوقف حصولها على شيء إذا تعلقت إرادته بها، كما قال: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]، يفكك ذلك التركيب العجيب الدائر بين تلك الأطوار المتباينة التي تخرق العقول، ويعدم ذلك الإنشاء الغريب الذي من شاهده اضطر إلى قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، ثم ينشئه النشأة الأخرى أبدع ما يكون للاتصال إلى أقصى نهايات المطالب وأما دلالة البعث على الاقتدار العظيم فظاهرة. فإن قلت: أمر الإعادة مما وقع عليه الإنكار من الجم الغفير، فكان قمينًا بالتوكيدات، بخلاف الموت، فإن وقوعه من الضروريات، فلم جيء بـ"إن" واللام وبالاسم، لا سيما بالصفة المشبهة فيما ليس فيه الإنكارُ من وجه، وأتى فيما فيه الخلافُ بـ"إنّ" وحدها؟ قلتُ: قد مر أن الكلام في بيان إبداع تلك الخلقة العجيبة الشأن وتقلبها في تلا لأطوار التي تخرق الأوهام والأفكار منها، وفي الإيذان بأن له طورًا آخر هو غايةُ كماله، ولذلك خُلقَ
[ ١٠ / ٥٦٠ ]
_________________
(١) ـ وكُلفَ تلك التكاليف التي ذُكرت في الآيات السابقة، ومن ثم عقبها بها وبينها برزخ الموت ولابد من قطعه للوصول إليه، وكان ذلك التوكيد راجعًا إلى هذا المعنى، ومن ثم كرر (إِنَّكُمْ) ونقل من الغيبة إلى الخطاب، يعني: أن ماهيتك وحقيقتك أيها المخلوق العجيبُ الشأن، تفنى وتُعدمُ، ثم إنها بعينها من الأجزاء المتفرقة، والعظام البالية، والجلود الممزقة المتلاشية في أقطار الشرق والغرب، تبعث وتنشر ليوم الجزاء؛ لإثابة المحسن وعقاب المسيء، فالقرينة الثانية لم تحتج إلى التوكيد افتقار الأولى؛ لأنها كالمقدمة لها وتوكيدها راجعٌ إليها، وقالوا: إنما بولغ في القرينة الأولى لتمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنهم نُزلوا منزلة المنكرين لذلك، وأخلى الثانية لوضوح أدلتها وسطوع براهينها. وقلتُ: هذا كلامٌ حسنٌ لو ساعد عليه النظم الفائق وتكرير حرف التراخي المؤذن بتفاوت المراتب والأطوار من لدن قوله: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ) إلى قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ). وأما دلالةُ معنى التوكيد الذي يعطيه "إن" في القرينتين، فكدلالته في قول المؤمن الموحد: (رَبَّنَا آمَنَّا) [آل عمران: ٦٣]، (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا) [آل عمران: ١٩٣]، وفي قول المنافق: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: ١٤]، وقد استقصينا القول فيه في أول البقرة، ومحالٌ تصور التمادي في الغفلة من قوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر: ٣٠]، والمخاطب حبيب الله صلوات الله وسلامه عليه، بل هو بشارة ووعدٌ له، وتهديدٌ ووعيدٌ لمخالفيه. وروينا عن مسلم، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسولالهل ﷺ: "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه"، والموت قبل لقائه. وفي رواية للبخاري من طريق همام عن قتادة، فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: "ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت، بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيءٌ أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموتُ بُشر بعذاب الله
[ ١٠ / ٥٦١ ]
_________________
(١) ـ تعالى وعقوبته، فليس شيءٌ أكره إليه مما أمامه"، الحديث. فإذا كانت محبةُ الله منوطةً به، ولقاء الله متوقفًا عليه، فهو إذن مطلوبٌ ضروري. وروى الإمام في "تفسيره": أن إبراهيم الخليل ﵇ قال لملك الموت وقد جاءه لقبض رُوحه: هل رأيت خليلًا يُميتُ خليله؟ فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلًا يكره لقاء خليله؟ فقال: يا ملك الموت، الآن فاقبض. الراغبُ: الموتُ: أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم الأبدي، والكمال السرمدي، وهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالًا، فهو في الحقيقة انتقالٌ من منزل أدنى إلى منزل أعلى، ولم يكرهه إلا أحد رجلين: رجلٌ لا يؤمن بالآخرة، وآخر يؤمنُ، ولكن يخاف ذنبه، وأما المؤمن الصالح فالموت ذريعةٌ له إلى السعادة الكبرى؛ لأنه بابٌ من أبواب الجنة منه يتوصلُ إليها، ولو لم يكن لم تكن الجنة، فإذن لا يكون شيءٌ أحب إليه من تمنيه، قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: ٩٤]، ولهذا مَنّ الله تعالى على عباده بقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ) [الملك: ١ - ٢]، وقدم الموت على الحياة. وإنما مَنّ به؛ لأنه نعمةٌ؛ لأن السبب الذي يُتوصلُ به إلى النعمة نعمةٌ، وعلى ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون: ١٤ - ١٦] فنبه تعالى وتقدس أن هذه التغييرات حُسنٌ، ثم نقض هذه البُنية لإعادتها على وجهٍ أشرف وأحسن، وعلى هذا رُوي: "الدنيا سجنُ المؤمن
[ ١٠ / ٥٦٢ ]
بعد الإنشاء والاختراع. فإن قلت: فإذا لا حياة إلا حياة الإنشاء وحياة البعث. قلت: ليس في ذكر الحياتين نفى الثالثة وهي حياة القبر، كما لو ذكرت ثلثي ما عندك وطويت ذكر ثلثه لم يكن دليلا على أن الثلث ليس عندك. وأيضا فالغرض ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء والإماتة والإعادة، والمطوى ذكرها من جنس الإعادة.
[(وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) ١٧].
الطرائق: السماوات، لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل، وكل شيء
_________________
(١) ـ وجنةُ الكافر"، ولما مات داودُ الطائي سُمع هاتفٌ يهتفُ: أُطلق داودُ من السجن. هذا خلاصةُ كلامه من "تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين"، والله تعالى أعلم. قوله: (والمطوي ذكرها من جنس الإعادة)، وقلت: قد مر أن الكلام واردٌ في الإنشاء والإعادة، وذكرُ الموت تابعٌ لذكرها، وليس في بيان إثبات حياة القبر. قوله: (لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل)، النهاية: طارق النعل: إذا صيرها طاقًا وق طاق، وركب بعضها فوق بعض. اولتشبيه هاهنا واقعٌ في مجرد تصييرها طاقًا فوق طاق، دون اللصوق. روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن أبي هريرة قال: بينما النبي ﷺ جالسٌ وأصحابه قال: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيعُ، سقفٌ محفوظٌ وموجٌ مكفوف"، قال: "هل تدرون مابينكم وبينها؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "سماءان بُعدُ ما بينهما خمسُ مئة سنة". ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات، وما بن كل سماءين ما بين السماء والأرض، ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "وإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بُعْدُ السماءين". الحديث.
[ ١٠ / ٥٦٣ ]
فوقه مثله فهو طريقة: أو لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم: وقيل: الأفلاك، لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها: أراد بالخلق السماوات، كأنه قال: خلقناها فوقهم (وَما كُنَّا) عنها (غافِلِينَ) وعن حفظها وإمساكها أن تقع فوقهم بقدرتنا: أو أراد به الناس وأنه إنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الأرزاق والبركات منها، وينفعهم بأنواع منافعها، وما كان غافلا عنهم وما يصلحهم.
[(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) ١٨].
(بِقَدَرٍ) بتقدير يسلمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة. أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم. (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) كقوله (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ)] الزمر: ٢١ [وقيل: جعلناه ثابتا في الأرض. وقيل: إنها خمسة أنهار: سيحون نهر الهند. وجيحون: نهر بلخ، ودجلة والفرات: نهرا العراق. والنيل: نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم. وكما قدر على إنزاله فهو قادر على رفعه وإزالته. وقوله (عَلى ذَهابٍ بِهِ) من أوقع النكرات وأحزها للمفصل. والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه. وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الأفلاك)، أي: وقيل: الطرائقُ: الأفلاك، والفرقُ أن المظلة إذا اعتُبرت فيها الأطباقُ، أو طرقُ الملائكة، سميت سماوات، وإذا نُظر إلى الكواكب ومسائرها، سُميت أفلاكًا، لقوله تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: ٣٣]. قوله: (أو أراد به الناس)، عطفٌ على قوله: "أراد بالخلق السماوات"، يعني: "الخَلْقُ": إما مُظهرٌ أقيم مقام الضمير؛ للإشعار بأنه تعالى خلق السماوات عن حكمة، وأنها محفوظةٌ بحفظه وإمساكه. وإما مصدرٌ بمعنى مخلوق؛ للإشعار بفضيلة الإنسان، وأن هذه المخلوقات العظام أُوجدت لمنافعه دينًا ودنيا امتنانًا عليهم، وعلى التقديرين يلزمُ تعظيمُ ما يُرادُ منه. قوله: (على وجه من وجوه الذهاب به)، وذلك أن التنكير فيه يدلُّ على تفخيم شأن
[ ١٠ / ٥٦٤ ]
لا يتعايا عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في الإيعاد، من قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَاتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)] الملك: ٣٠ [. فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر.
_________________
(١) ـ الذهاب، أي: ذهابٌ لا يكتنهُ كنهه ولا يقادر قدره، بحيثُ إن تُصورَ أن ينقلب الماءُ إلى ضده، لجاز ذلك، كقوله تعالى: (يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) [الدخان: ١٠]. قال المصنف: إن قريشًا لما استعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بالجدب، فأصابهمُ الجهدُ، وكان يرى الرجل بين السماء والأرض الدخان. ومنه قولُ المعري: القاتل المحل إذ تبدو السماء لنا … كأنها من نجيع الجدب في أزر وهو المراد من قوله: فهو قادرٌ على رفعه وإزالته"، وهذه المبالغة يقتضيها مقامُ الإيعاد العظيم؛ لأن الآية مسوقةٌ بعد تعداد نعمتي الأنفس والآفاق، واستجلاب الشكر لها، والتحذير من كُفرانها، ولذلك أكد الجملة بأنواع من المؤكدات، حيثُ جيء بها اسميةً مصدرةً بأن مؤكدةً باللام، وقدم المعمول على العامل، وأتى بصيغة الكبرياء والعظمة وهي ضمير الجماعة، وبالجارة الدالة على الاستصحاب، أي: يأخذ الله معه ويمسكه عنده، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، ولما تضمنت الآية هذه الاعتبارات قال: "هو أبلغ في الإيعاد من قوله تعالى: (إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) [الملك: ٣٠] "، لأن غور الماء بنفسه ليس كإذهاب الله تعالى إياه وأنها خليةٌ عن المؤكدات، وأنها مسندٌ فيها الغور إلى الماء المضاف إليهم، ومقيد بأصبح، وهو للانتقال هنا، وليس تنكيرُ غورًا كتنكير ذهاب؛ لأنه للجنس، وهو ما يعلمه كل أحدٍ أن الغور ما هو، وهذا للنوع كما مر. ولم أقل: إن الشرط فيها يدلُّ على الفرض والتقدير، لويس في هذه، لأن كلتا الجملتين واردةٌ للإيعاد، فلا وقوع إذن، نعم، دلالةُ هذه على تقدير وقوعها أبلغ. قوله: (لا يتعايا عليه شيء)، الجوهري: أعيا عليه الأمرُ، وتعيا وتعايا: بمعنى، وعييتُ بأمري: إذا لم تهتد لوجهه، وأعياني.
[ ١٠ / ٥٦٥ ]
[(فَأَنْشَانا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَاكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) ١٩ - ٢٠].
خصّ هذه الأنواع الثلاثة، لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع. ووصف النخل والعنب بأنّ ثمرهما جامع بين أمرين: بأنه فاكهة يتفكه بها، وطعام يؤكل رطبا ويابسا، رطبا وعنبا، وتمرا وزبيبا. والزيتون بأنّ دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا. ويجوز أن يكون قوله (وَمِنْها تَاكُلُونَ) من قولهم: يأكل فلان من حرفة يحترفها، ومن ضيعة يغتلها، ومن تجارة يتربح بها: يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم، منها ترتزقون وتتعيشون (وَشَجَرَةً) عطف على (جنات). وقرئت مرفوعة على الابتداء، أى: ومما أنشئ لكم شجرة طُورِ سَيْناءَ وطور سينين، لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإمّا أن يكون اسما للجبل مركبا من مُضافٍ ومضافٍ
_________________
(١) ـ قوله: (يأكل فلانٌ من حرفةٍ يحترفُها)، فـ"مِن" - على هذا-: ابتدائيةٌ، والمفعولُ محذوف، ولهذا قال: إنها جهتُه التي منها يحصل رزقه، وعلى الأول: تبعيضيةٌ، وهو المفعولُ به، وإليه الإشارةُ بقوله: "إنه فاكهةٌ يتفكه بها، وطعامٌ يؤكل، وذلك بحسب المتنعمين والمتقنعين بالقوت". في المطلع: من هذه: للتبعيض، لأن ما يسقطُ منها غير يانع يفسد غيرُ مأكول، ولأن بعض أجزاء الفواكه يصلح لبني آدم، وبعضها للداوب. قوله: (طعمتُه)، الجوهري: الطعمةُ بالضم: المأكلةُ، يقالُ: جعلت هذه الضيعة طُعمةً لفلان، والطعمةُ أيضًا: وجه المكسب، يقالُ: فلانٌ عفيفُ الطعمة وخبيثُ الطعمة، إذا كان رديء الكسب. أبو عبيدة: فلانٌ حسنُ الطعمة، بالكسر. المُغرب: الطعمةُ بالضم: الرزقُ، يقال: جعل السلطانُ ناحية كذا طُعمةً لفلان.
[ ١٠ / ٥٦٦ ]
إليه، كامرئ القيس، وكبعل بك، فيمن أضاف. فمن كسر سين "سيناء" فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث، لأنها بقعة، وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء. ومن فتح فلم يصرف، لأنّ الألف للتأنيث كصحراء. وقيل: هو جبل فلسطين. وقيل: بين مصر وأيلة. ومنه نودي موسى ﵇. وقرأ الأعمش: (سينا) على القصر (بِالدُّهْنِ) في موضع الحال، أى: تنبت وفيها الدهن. وقرئ: (تنبت). وفيه وجهان، أحدهما: أن أنبت بمعنى نبت. وأنشد لزهير:
رأيت ذوى الحاجات حول بيوتهم … قطينا لهم حتّي إذا أنبت البقل
_________________
(١) ـ قوله: (فمن كسر سين "سيناء")، ابن عامر وحمزةُ وعاصمٌ الكسائي. والباقون: فتحوها. قوله: (كعلباء)، الجوهري: هو عصبُ العنق. والحرباء: أكبر من العظاءة شيئًا، يستقبل الشمس ويدور معها كيف ما دارت ويتلونُ ألوانًا نحو الشمس، وهو ذكرُ أم حُبينٍ، والجمعُ الحرابيُّ، والأنثى حرباءُ. قوله: (وقر: "تُنبتُ")، ابن كثير وأبو عمرو. قوله: (رأيت ذوي الحاجات)، البيت، رأيت: على الخطاب، تصحيح الصغاني. ذوو الحاجات: الفقراء والمساكين. قطينًا، أي: مقيمًا، جمع قاطن، والقطينُ: الخدمُ والأتباع. يقولُ: رأيت ذوي الحاجات مقيمين حول بيوتهم؛ لقضاء حوائجهم، حتى إذا نبت البقلُ وظهر الخصبُ، فينتجعون وينفضون من حولها.
[ ١٠ / ٥٦٧ ]
والثاني: أنّ مفعوله محذوف، أى: تنبت زيتونها وفيه الزيت. وقرئ: (تنبت)، بضم التاء وفتح الباء، وحكمه حكم (تنبت). وقرأ ابن مسعود: (تخرج الدهن وصبغ الآكلين). وغيره: (تخرج بالدهن): وفي حرف أبىّ: (تثمر بالدهن). وعن بعضهم: (تنبت بالدهان). وقرأ الأعمش: (وصبغا) وقرئ و(صباغ). ونحوهما: دبغ ودباغ. والصبغ: الغمس للائتدام. وقيل: هي أوّل شجرة نبتت بعد الطوفان، ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) [النور: ٣٥].
[(وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَاكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) ٢١ - ٢٢].
قرئ: (تسقيكم)، بتاء مفتوحة، أى: تسقيكم الأنعام (وَمِنْها تَاكُلُونَ) أى تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك، كما تتعلق بما لا يؤكل لحمه من البغال والحمير والخيل
_________________
(١) ـ وقال الحريري: قيلَ في جواز الجمع بين حرفي التعدية في قراءة ضم التاء عدةُ أقوال، والأحسنُ إنما زيدت الباءُ لأن إنباتها الدُّهن بعد إنبات الثمر الذي يخرجُ الدُّهنُ منه، فلما كان الفعلُ في المعنى قد تعلق بمفعولينَ يكونان في حالٍ بعد حال وهُما الثمرةُ والدُّهنُ احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء. قوله: ("تُنبتُ" بضم التاءِ وفتح الباء)، قال ابنُ جِنِّي: وهي قراءةُ الزُّهريِّ والحسنِ والأعرج. أي: يُنبتُ الماءُ شجرة، ونحن نعلمُ أن الدُّهنَ لا ينبتُ الشجرة وإنما ينبتها الماءُ، وكذلك أيضًا قراءةُ عبد الله: "تخرجُ الدُّهنَ"، أي: تخرجُ من الأرضِ ودهنُها فيها. قوله: (تنبتُ بالدهان)، الجوهري: الدهانُ: جمعُ دُهن، يقال: دهنته بالدهان.
[ ١٠ / ٥٦٨ ]
وفيها منفعة زائدة، وهي الأكل الذي هو انتفاع بذواتها، والقصد بالأنعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة، وقرنها بالفلك - التي هي السفائن - لأنها سفائن البرّ. قال ذو الرمة:
سفينة برّ تحت خدّى زمامها
يريد صيدحه.
_________________
(١) ـ قوله: (وفيها منفعةٌ زائدةٌ، وهي الكلُ الذي هو انتفاعٌ بذواتها)، يعني: عطفَ قوله: (وَمِنْهَا تَاكُلُونَ) على قوله: (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ) وقدم الظرف على عامله، ليُشعرِ بالأولِ الاشتراك بسائر الحيوانات التي تُناسبها في المنافع، وبالثاني اختصاصها بمنفعةٍ زائدة، وكذا عطف قوله: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)؛ ليؤذن بأن المراد من قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) الإبلُ لا غير، فحينئذٍ نظمُ الآيات قريبٌ من نظم قوله تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية: ١٧] الآية. فإن قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) إلى قوله تعالى: (وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) تفصيلٌ لقوله تعالى: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [الغاشية: ١٩ - ٢٩]، وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) إلى قوله تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) تفصيلٌ لقوله تعالى: (إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية: ١٧]، وإنما دخل الجبالُ، وإن لم يُنص عليها في التنزيل، لأن قوله تعالى: (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ) يدل عليها، وإليه الإشارة بقوله: "فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض". قوله: (سفينةُ برٍّ)، في المطلع: ألا خيلت ميٌّ وقد نام صحبتي … فما نفر التهويم إلا سلامُها طروقًا وجلبُ الرحلِ مشدودةٌ به … سفينةُ بر تحت خدي زمامها صيدح: علمُ ناقةِ ذي الرُّمة. خيلت: أي: أرت خيالها، وصحبتي: فاعلُ نام. نفره
[ ١٠ / ٥٦٩ ]
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ* فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ* إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)].
(غَيْرُهُ) بالرفع على المحل، وبالجرّ على اللفظ، والجملة استئناف تجرى مجرى التعليل للأمر بالعبادة (أَفَلا تَتَّقُونَ) أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم، وشكر نعمته التي لا تحصونها واجب عليكم، ثم تذهبوا فتعبدوا غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء (أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) أن
_________________
(١) ـ وأنفره: بمعنى. والتهويمُ: أولُ النوم. طروقًا: يقال: ناقةٌ طروقة الفحل التي قد بلغت أن يضربها الفحلُ، وهو مفعولُ "خيلت". جِلبُ الرحل بالجيم المكسورة: عيدانُه. قوله: (وبالجر على اللفظ)، أي: قرئ: "غيرهِ" بالجر حملًا على اللفظ، قرأها الكسائي وحده. قوله: (والجملة استئناف)، أي: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وذلك أنه لما قال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) أي: خُصوهُ بالعبادة قالوا: لم تأمرُ بعبادته وحده؟ قال: لأنه (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) فدل اختصاص الجواب على اختصاص ما بُني له الكلامُ، وأن مقام الخطاب مع المشركين استدعى الاختصاص. قال القاضي: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا) إلى آخر القصص: مسوقٌ لبيانِ كفرانِ الناسِ ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة، وما حاقهم من زوالها. وقد يجيء الكلامُ في بيان النظم عند قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [المؤمنون: ٥٧] إن شاء الله تعالى.
[ ١٠ / ٥٧٠ ]
يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، كقوله تعالى (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ)] يونس: ٧٨ [. (بِهذا) إشارة إلى نوح ﵇، أو إلى ما كلهم به من الحث على عبادة الله، أى: ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل هذا الذي يدعى -وهو بشر- أنه رسول الله، وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوّة ببشر وقد رضوا للإلهية بحجر: وقولهم (ما سَمِعْنا بِهذا) يدل على أنهم وآباؤهم كانوا في فترة متطاولة. أو تكذبوا في ذلك لانهماكهم في الغى، وتشمرهم لأن يدفعوا الحق بما أمكنهم وبما عنّ لهم، من غير تمييز منهم بين صدق وكذب. ألا تراهم: كيف جننوه وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا وأوزنهم قولا؟ ! . والجنة: الجنون أو الجنّ، أى: به جنّ يخبلونه (حَتَّى حِينٍ) أى احتملوه واصبروا عليه إلى زمان، حتى ينجلي أمره عن عاقبة، فإن أفاق من جنونه وإلا قتلتموه.
[(قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) ٢٦ - ٣٠].
_________________
(١) ـ قوله: (ألا تراهم كيف جننوه)، بيانٌ لقوله: "أو تُكذبوا في ذلك" يعني: قوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) تكذيبٌ وعنادٌ؛ لانهماكهم في الغي، ألا ترى كيف عقبوهُ بقولهم: (إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) والحالُ أنهم قد علموا أنه أعقلُ الناس؟ قوله: (يُخبلونه)، الجوهري: الخبلُ بالتسكين: الفسادُ، الخبلُ بالتحريك: الجِنّ، يقال: به خبلٌ، أي شيءٌ من أهل الأرض.
[ ١٠ / ٥٧١ ]
في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال: أهلكهم بسبب تكذيبهم إياى، أو انصرني بدل ما كذبوني، كما تقول: هذا بذاك، أى بدل ذاك ومكانه. والمعنى: أبدلنى من غمّ تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم. أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)] الأعراف: ٥٩ [. (بِأَعْيُنِنا) بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظا يكلئونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا
_________________
(١) ـ قوله: (في نُصرته إهلاكهم)، يعني: "انصُرني": مجازٌ عن إهلاكهم؛ لأن في نُصرته إهلاكهم، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. قوله: (أبدلني من غم تكذيبهم، سلوة النُّصرة)، أي: "انصُرني" متضمنٌ لمعنى: أبدلني، باستعانة الباء، ولهذا أوقع النصرة مفعولًا به مع حذف المضاف. قوله: (أو انصُرني بإنجاز ما وعدتهم)، فعلى هذا متعلقُ "انصُرني" محذوفٌ، والباءُ سببيةٌ، كما في الوجه الأول. قال صاحب "الفرائد": يكفي أن يقال: انصرني بنزول العذاب عليهم بسبب تكذيبهم إياي. قوله: (وهو ما كذبوه فيه)، يعني: دل إضافة (كَذَّبُوهُ) على تكذيب معهود كذبوه، وهو ما عُلم في سورة الأعراف من قوله: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) [الأعراف: ٦٤] عندما قال ﵇: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف: ٥٩] إلى آخرها، وعُلمَ من هذا البيان أن الفاء في قوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ) فاءٌ فصيحةٌ، أي: فكذبوه فقال: (رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) فأوحينا إليه: (أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) إلى قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) فامتثل مقتضى ما أوحيناه فأنجيناه والذين معه. قوله: «بِأَعْيُنِنَا) بحفظنا وكلاءتنا)، يعني: استعير لهذه الكلمة تلك الكلمة؛ ليؤذن بأنه ﵇ كان بحفظ من الله وكلاءةٍ، بحيث يقدرُ منه أنه تعالى جرد من نفسه المقدسة المبرأة: عن كل ما لا يليق بجلالته جماعةً حفاظًا يكلؤونه بعيونهم، كما تقول: كان معك من زيدٍ أسدٌ.
[ ١٠ / ٥٧٢ ]
يفسد عليه مفسد عمله. ومنه قولهم عليه من الله عين كالئة (وَوَحْيِنا) أى نأمرك كيف تصنع ونعلمك. روى أنه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ الطائر. روى أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب. وقيل: كان تنور آدم ﵇، وكان من حجارة، فصار إلى نوح. واختلف في مكانه، فعن الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد. وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة. وقيل بالهند. وعن ابن عباس ﵁: التنور وجه الأرض. وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض، أى أعلاه. وعن على ﵁: فار التنور: طلع الفجر. وقيل: معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر. وقيل: هو مثل، كقولهم: حمى الوطيس. والقول هو الأوّل. يقال: سلك فيه: دخله. وسلك غيره، وأسلكه. قال:
_________________
(١) ـ قوله: (جؤجؤ الطائر)، الجوهري: جؤجؤ الطائر والسفينة: صدورهما، الجميع: الجآجئ. قوله: (فار التنور: طلع الفجر)، كأنه قيل: فار التنور من الأرض، وطلع الفجرُ من السماء، فيكون قوله: "وقيل: معناه" تفسيرًا لقول عليٍّ ﵁. المُغرب: التنورُ: مصدرُ نور بالفجر: إذا صلاها في التنوير. وقيل: أصله: ونورٌ، قُلبت الواو تاء كما في تراثٍ وتخمة. الأساس: أنار السراج ونوره، وتنور النار: تبصرها وقصدها. قوله: (هو مثلٌ، كقولهم: حمي الوطيس)، النهاية: الوطيس: التنورُ. هو كنايةٌ عن شدة الأمر، واضطرام الحرب. ويقالُ: أول من قالها النبي ﷺ لما اشتد البأس يوم حُنين.
[ ١٠ / ٥٧٣ ]
حتّى إذا أسلكوهم في قتائده
(مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ) من كل أمّتى زوجين، وهما أمة الذكر وأمّة الأنثى، كالجمال والنوق، والحصن والرماك (اثْنَيْنِ) واحدين مزدوجين، كالجمل والناقة، والحصان والرمكة: روى أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض. وقرئ: (من كل)، بالتنوين، أى: من كل أمّة زوجين. و(اثنين): تأكيد وزيادة بيان.
جيء ب"على" مع سبق الضارّ، كما جيء باللام مع سبق النافع. قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)] الأنبياء: ١٠١ [، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ)] الصافات: ١٧١ [ونحوه قوله تعالى (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)] البقرة: ٢٨٦ [وقول عمر ﵁: ليتها كانت كفافا، لا علىّ ولا لي. فإن
_________________
(١) ـ قوله: (حتى إذا أسلكوهم في قتائدةٍ)، تمامه: شلًا كما تطردُ الجمالةُ السُّردا قيل: البيتُ لعبد منافٍ الهذلي، قتائدة - بضم القاف، والتاء المثناة من فوق-: ثنيةٌ معروفة. والشلُّ: الطردُ، أي: يشلون شلًا، والجمالُ: صاحبُ الجمل والجمالةُ. وناقةٌ شرودةٌ: سائرةٌ في البلاد. يصفُ جيشًا هزموهم وطردوهم حتى أسلوهم في هذه الثنية، كما تطرد الجمالة النوق الشُّرد النافرة. قيل: هذا البيت آخر القصيدة، فلا جواب لقوله: إذا أسلكوهم. وقيل: قوله: شلا، جوابٌ. أي: حتى إذا أسلكوهم شلوهم شلًا، فاكتفى بالمصدر عن الفعل. قوله: (والرماك)، الجوهري: الرمكة: الأنثى من البراذين، والجمعُ رِماك. قوله: (ليتها كانت كفافًا، لا عليّ ولا ليا)، النهاية: وفي حديث عمر ﵁:
[ ١٠ / ٥٧٤ ]
قلت: لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة؟ قلت: لما تضمنته الآية من كونهم ظالمين، وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة، لما عرف من المصلحة في إغراقهم، والمفسدة في استبقائهم، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم يزيدوا إلا ضلالا، ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوه عبرة للمعتبرين. ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهى عنه، الأمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، كقوله ﷿ (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)] الأنعام: ٤٥ [، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها، منزلا يبارك له فيه ويعطيه الزيادة في خير الدارين، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله (وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ). فإن قلت: هلا قيل: فقولوا، لقوله (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ) لأنه في معنى: فإذا استويتم؟ قلت: لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبىّ. وقرئ: (منزلا)، بمعنى إنزالا، أو موضع إنزال، كقوله: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه)] الحج: ٥٩ [. "إِنَّ" هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى، وإن الشأن والقصة كُنَّا َمُبْتَلِينَ،
_________________
(١) ـ "وددت أني سلمتُ من الخلافة كفافًا، لا علي ولا لي". الكفافُ: هو الذي يفضلُ عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة. والنصبُ على أنه حالٌ، وقيل: أراد به مكفوفًا عني شرُها. قوله: (وأن رُتبة تلك المخاطبة)، عطفٌ على سبيل البيان على قوله: "بفضل النبوة". قوله: (وقرئ: (مُنْزَلًا»، أبو بكرٍ: "منزلًا" بفتح الميم وكسر الزاي، والباقون: بضم الميم وفتح الزاي.
[ ١٠ / ٥٧٥ ]
أى مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد. أي: مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر: ١٥].
[(ثُمَّ أَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) ٣١ - ٣٢].
(قَرْنًا آخَرِينَ) هم عاد قوم هود: عن ابن عباس ﵄. وتشهد له حكاية الله تعالى قول هود: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)] الأعراف: ٦٩ [، ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء. فإن قلت: حق "أرسل" أن يعدى ب"إلى"، كأخواته التي هي: وجه، وأنفذ، وبعث. فما باله عدّى في القرآن ب"إلى" تارة، وب"في" أخرى، كقوله: (كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ)] الرعد: ٣٠ [، (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ)] سبأ: ٣٤ [. (فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا) أى في عاد. وفي موضع آخر (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا)] الأعراف: ٦٥ [؟ قلت: لم يعدّ ب"في" كما عدّى ب"إلى"، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمّة أو القرية جعلت موضعا للإرسال، كما قال رؤبة:
_________________
(١) ـ قوله: (ببلاءٍ عظيم وعقابٍ شديد)، دل على ذلك صيغةُ التعظيم في قوله: (وَإِنْ كُنَّا)، ودل "إنْ" المخففة واللامُ على إيجاب إيقاع البلاء. قوله: (كقوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»، قال: "الضمير في (تَرَكْنَاهَا) للسفينة، أو للفعلة، أي: جعلناها آية يعتبرُ بها". قوله: (هم عادٌ قومُ هود)، أي: ضميرُ "هم" في قوله: (مِنْ بَعْدِهِمْ) لعادٍ قوم هُود. قال القاضي: هم عادٌ، أو ثمودُ، والرسول هو هودٌ أو صالحٌ ﵉. قوله: (ولم يُجعل صلةً مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعًا للإرسال، يعني: ليست "في" للتعدية مثل "إلى"، لكن: رفٌ له، اقتطع "أرسلنا" من صلته، وجُعل مطلقًا،
[ ١٠ / ٥٧٦ ]
أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام
وقد جاء «بعث» على ذلك في قوله (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا)] الفرقان: ٥١ [. (أَنِ) مفسرة بـ"أرسلنا"، أى: قلنا لهم على لسان الرسول (اعْبُدُوا اللَّهَ).
[(وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ) ٣٣ - ٣٤].
فإن قلت: ذكر مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير
_________________
(١) ـ ثم عُدي بـ "في" مبالغةً، كقوله: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: ١٥] اقتُطع (ذُرِّيَّتِي) من كونه مفعولًا به، وذُهب به إلى كونه ظرفًا لـ"أصلح"، أي: اجعل ذُريتي موضعًا للصلاح. قوله: (أرسلت فيها مصعبًا ذا إقحام)، تمامه من "المطلع": طبًا فقيهًا بذوات الإبلام أصعب الجملُ: إذا لم يُكرب ولم يُذلل، فهو مصعبٌ، وهو الفحل، وبه سُمي الرجلُ مصعبًا لسؤدده. ذو إقحام، أي: يقحمُ في الأمور، ويدخلُ فيها بغير تلبثٍ ولا روية، والطبُّ: الحاذقُ، يقالُ: اعمل فيها عمل من طب لمن حب. والإبلامُ: مصدرُ أبلمتِ الناقةُ: إذا ورم حياؤها من شدة شهوة الفحل.
[ ١٠ / ٥٧٧ ]
واو: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) [الأعراف: ٦٦]،
_________________
(١) ـ قوله: «قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ»، هو في سورة الأعراف [٦٦]. وقوله: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) في سورة هود [٥٣]، وفي نسخةٍ قالوا: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا) [هود: ٢٧]. وخلاصةُ الجواب: أن المقصود بيانُ الفرق بين القولين، ولا يتفاوتُ ذلك أية آيةٍ سلكت، وذلك بأن القطع لبعث السامع على موضع السؤال، فإذا أُجيب بما أجابوه يحصلُ عنده الفرق بين الكلامين من الحق والباطل، وعليه العطفُ، ولهذا قال: "وشتان ما هما"، وذلك أن السامع البليغ إذا سمع الكلامين المتصلين بالواو، لابد أن يتحرى للجهة الجامعة، فهاهنا يعلمُ أن الجهة هي التضاد، قالوا: جواب المصنف لا طائل تحته؛ لأن بين كلام هود ﵇ وأجوبة القوم في هذه المواضع اختلافًا كثيرًا، وكان الجواب أن يسأل عن كل ذلك فما بال الواو؟ وأيضًا، عليه أن يجيب عن سؤاله بموقع الواو هنا وإخلائه هناك، لا عن الخاصية، فإنها معلومةٌ عند علماء البيان. قلتُ: يمكن أن يقال: إن هودًا مكث بين القوم أزمنةً متطاولة، وله معهم مقالات، ومجادلات في مقامات شتى، وذلك يوجب اختلاف العبارات، فإن لكل قوم مقالًا، فكان كلامه في سورة هود أبسط من هذين الموضعين؛ لأنه قد أهر فيه النصيحة التامة، وضم مع الأمر بالعبادة الأمر بالاستغفار والتوبة، وعدهم بذلك البركات والخيرات، وكان ذلك مظنة لبعث السامع وتحركه على السؤال، فما كان جواب القوم عنه بعد تلك النصيحة البالغة. أما في الأعراف وإن لم يبسط ذلك البسط، لكن ذكر فيه اسم هود بعد التوطئة بقوله: (أَخَاهُمْ)، فدل على إضمار النصح، بل أهم وأبلغث من ذلك؛ فإن الأخوة مئنةق لكل حدب ومرحمة، ألا ترى كيف من الله تعالى على قريش بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ١٢٨]، بخلافه هاهنا، بل طوى اسمه أيضًا، والقوم ما التفتوا إليه، وإلى كلامه، وما أجابوا، بل كانت تلك المقالة دمدمةً فيما بينهم. والله تعالى أعلمُ بأسرار كلامه. وقال القاضي: لعله ذكره بالواو؛ لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول، بخلاف قول قوم نوح، وحيث استؤنف به فعلى تقدير سؤال.
[ ١٠ / ٥٧٨ ]
(قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) [هود: ٥٣]، وهاهنا مع الواو، فأي فرق بينهما؟ قلت: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟ فقيل له: قالوا كيت وكيت. وأما الذي مع الواو، فعطف لما قالوه على ما قاله. ومعناه: أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل، وشتان ما هما (بِلِقاءِ الْآخِرَةِ) بلقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، كقولك: يا حبذا جوار مكة: أى جوار الله في مكة.
حذف الضمير، والمعنى: من مشروبكم،
_________________
(١) ـ قوله: (وشتان ما هما)، الجوهري: شتان ما عمرو وأخوه، أي: بعُدَ ما بينهما. الأصمعي: لا يقال: شتان ما بينهما. وشتان مصروفٌ عن شتُتَ، والفتحة التي في النون هي الفتحة التي كانت في التاء، لتدل على أنه مصروفٌ عن الفعل الماضي، وكذلك سرعان ووشكان: مصروفٌ عن سرُع ووشك. وقال ابن جني: شتان: اسمُ "افترق"، كما أن هيهات: اسمُ "بعُدَ"، وأفٍّ: اسمُ "اتضجرُ". قوله: (جوار مكة، أي: جوار الله في مكة)، وهذا أيضًا مجاز؛ لأن الجوار يستدعي من يكون في جواره، لكنه تعالى لما أضاف البيت إلى نفسه، فمن أقام فيه فكأنه في جوار الله فقيل: جار الله. النهاية: وفي الحديث: "أنه كان يُجاورُ في العشر الأواخر من رمضان"، أي: يعتكفُ. وهي مفاعلةٌ من الجوار. فأما المجاور بمكة المدينة: فيرادُ بها المقامُ مطلقًا غير ملتزم بشرائط الاعتكاف الشرعي.
[ ١٠ / ٥٧٩ ]
أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه (إِذًا) واقع في جزاء الشرط، وجواب للذين قاولوهم من قومهم، أى: تخسرون عقولكم وتغبنون في آرائكم.
[(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) ٣٥ - ٣٨].
ثني (أَنَّكُمْ) للتوكيد، وحسن ذلك لفصل ما بين الأوّل والثاني بالظرف. و(مخرجون):
خبر عن الأول. أو جعل (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) مبتدأ، و(إِذا مِتُّمْ) خبرا، على معنى: إخراجكم إذا متم، ثم أخبر بالجملة عن (إنكم)، أو رفع (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) بفعل هو جزاء للشرط، كأنه قيل:
إذا متم وقع إخراجكم، ثم أوقعت
_________________
(١) ـ قوله: (أو حُذف منه، لدلالة ما قبله عليه)، يريد أن "ما" في (مِمَّا تَشْرَبُونَ) موصولةٌ، ولابد من الراجع، فحُذف؛ لأن المراد: مما يشربونه، أو يشربون منه؛ لدلالة قوله: (مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ). قوله: (ثُنيَ (أَنَّكُمْ) للتوكيد)، قال الزجاج: أما (أَنَّكُمْ) الأولى لموضعها نصبٌ على معنى: أبعدكم بأنكم إذا متم، والثانية كالأولى ذُكرت توكيدًا، والمعنى: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، فلما بعُدَ ما بين "أنّ" الأولى والثانية بالظرف أعيد (أَنَّكُمْ)، كقوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [التوبة: ٦٣]، المعنى: فله نارُ جهنم، هذا مذهبُ سيبويه. قوله: (ثم أخبر بالجملة عن (أَنَّكُمْ»، يعني: (أَنَّكُمْ) الثانية تُجعلُ مبتدأ، وخبره: (إِذَا مِتُّمْ)، والجملةُ خبرُ المبتدأ الأول.
[ ١٠ / ٥٨٠ ]
الجملة الشرطية خبرا عن (إنكم). وفي قراءة ابن مسعود: (أيعدكم إذا متم).
قرئ (هَيْهاتَ) بالفتح والكسر والضم، كلها بتنوين وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف فإن قلت: "ما توعدون" هو المستبعد، ومن حقه أن يرتفع ب"هيهات"، كما ارتفع في قوله:
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: (هَيْهَاتَ) بالفتح والكسر والضم)، قال ابن جني: بكسر التاء غير منونةٍ: قراءةُ أبي جعفر والثقفي. وبالتنوين: عيسى بن عمر. وبالضم منونةً: أبو حيوة؛ وغير منون: عيسى الهمدانيُّ ورويت عن أبي عمرو. أما الفتحُ، وهو قراءةُ العامة، فعلى أنه واحدٌ، وهو اسمٌ سُمي به الفعل في الخبر، وهو اسم "بَعُدَ"، كما أن "شتان" سُمي به "افترق"، ومن كسر التاء منونًا وغير منونٍ فهُو جمعُ "هيهات". وقال الزجاجُ: هو جمعُ هيهة وإن لم يُنطق به، مثل عرفة، جمعُه: عرفات، وإنما كُسَرِ في الجمع؛ لأن بناء الفتح في الجمع كسر، نحو: رأيتُ الهنداتِ. وقال ابن جني: ومن نونَ ذهب إلى التنكير، أي: بُعدًا بُعْدًا. ومن لم يُنون ذهب إلى التعريف، أي: البعد البُعدَ. ومن فتح وقف بالهاء؛ كهاء أرطاة، ومن قال: "هيهاة" يكتبها بالهاء؛ لأن أكثر القُراء قالوا: هيهات بالفتح، والفتحُ يدلُّ على الإفراد، والإفرادُ بالهاء كعلقاة. ومن رفع وقال: هيهاةُ فقد أخلصها اسمًا للفعل. وقال الزجاج: أما التنوين والفتح فلا أعلمُ أحدًا قرأ بها.
[ ١٠ / ٥٨١ ]
فهيهات هيهات العقيق وأهله
فما هذه اللام؟ قلت قال الزجاج في "تفسيره": البعد لما توعدون، أو بعد لما توعدون فيمن نوّن، فنزله منزلة المصدر. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللام في (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣] لبيان المهيت به.
_________________
(١) ـ قوله: (فهيهات هيهات العقيقُ وأهلهُ)، تمامه في "المطلع": وهيهات خلٌّ بالعقيق نواصله قوله: (قال الزجاج في "تفسيره")، قال فيه: من فتحها وموضعها الرفعُ، وتأويلها: البعد لما تُوعدون، فلأنها بمنزلة الأصوات وليت مشتقة من فعل فبُنيت. فأما من نون جعلها نكرةً، ويكونُ المعنى: بعُد لما تُوعدون، وهو مثلُ: سلامٌ عليكم. قال صاحب "التقريب": وفي بناء "هيهات" ولم يقع موقع "بَعُدَ" نظرٌ. وقال أبو البقاء: قولُ من قال: "هيهات" بمعنى البُعْدِ، يكون موضعه مبتدأ، و(لِمَا تُوعَدُونَ) الخبرُ، وهو ضعيف. قوله: (اللام لبيان المستبعد ما هو)، قال القاضي: كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما له هذا الاستبعاد؟ قالوا: لما تُوعدون. قال صاحب "التقريب": فعلى هذا في فاعل "هيهات" نظرٌ. وقال ابن جني: ولا يجوز أن يكون (لِمَا تُوعَدُونَ) فاعل "هيهاتَ"؛ لأن حرف الجر لا يكون فاعلًا، ولم يجز اعتقادُ زيادة اللام أيضًا، وإنما يُزادُ الغرضُ بزيادتها فيه تمكين الإضافة، قال: يا بؤس للحرب،
[ ١٠ / ٥٨٢ ]
هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه. وأصله إن الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ثم وضع (هِيَ) موضع "الحياة"، لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها. ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت. والمعنى: لا حياة إلا هذه
_________________
(١) ـ ويا بؤس للجهل. وإذا لم يكن بُدٌّ من فاعل، ولم يكن الظاهر فاعلًا، ففيها ضمير فاعل لا محالة هذا جوابٌ عن النظر. قوله: (هي النفس ماحملتها تتحملُ)، تمامه: وللدهر أيامٌ تجورُ وتعدلُ قال صاحبُ "الفرائد": ما ذكر ليس لما نحنُ له؛ لأنه يصح أن يُقال: الحياةُ حياتنا الدنيا، ولا يصح: النفسُ النفسُ ما حملتها تتحملُ، والنفس الثانية: خبرٌ للنفس الأولى، وكذا القول في: هي العرب، فلا يصح أن تكون الثانية مبينة للأولى فيهما، فلابد من اعتبار شيء يرجع إليه الضمير، والذي تقدم لفظ الحياة في قوله: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وقلت: استشهاده لمجرد البيان؛ لأن الضمير في قوله: هي النفسُ ما حملتها تتحملُ، وكذلك في قوله: وهي العرب تقول: ضمير القصة، الجملة مفسرةٌ، نحو: (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١]، أي: القصة هذه، وهي أن النفس ما حملتها تتحملُ، وأن العرب تقولُ ما شاءت، على أن من الفصيح أن يُقال: النفسُ النفسُ ماحملتها تتحملُ، والعرب العرب تقول ماشاءت، على طريقة: أنا أبو النجم وشعري شعري وتكونُ الجملة الثانية مبينةً للأولى، كما سبق في قوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: ١٠٩] إذا انتصب (عَلاَّمُ) على المدح، وأما قوله: "الضمير راجعٌ إلى لفظ الحياة
[ ١٠ / ٥٨٣ ]
الحياة لأن «إن» النافية دخلت على «هي» التي في معنى "الحياة" الدالة على الجنس فنفتها، فوازنت «لا» التي نفت ما بعدها نفى الجنس (نَمُوتُ وَنَحْيا) أى يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن ويأتى قرن آخر، ثم قالوا: ما هود إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما يعدنا من البعث، وما نحن بمصدّقين.
[(قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ٣٩ - ٤١].
(قَلِيلٍ) صفة للزمان، كقديم وحديث، في قولك: ما رأيته قديما ولا حديثا. وفي معناه:
عن قريب. و«ما» توكيد قلة المدّة وقصرها (الصَّيْحَةُ) صيحة جبريل ﵇: صاح عليهم فدمّرهم (بِالْحَقِّ) بالوجوب، لأنهم قد استوجبوا الهلاك. أو بالعدل من الله، من قولك: فلان يقضى بالحق إذا كان عادلا في قضاياه: شبههم في دمارهم بالغثاء: وهو حميل السيل مما يلي واسودّ من الورق والعيدان،
_________________
(١) ـ في قوله تعالى: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) " فبعيدٌ جدًا؛ لأن تلك الحياة واقعةٌ في كلام الله تعالى، وهذه في أثناء كلام القوم؛ لأنه تعالى يحكي كلامهم من قوله: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ). قوله: «قَلِيل) صفةٌ للزمان)، أي: عن زمان قليل. المطلع: أي: عن قريب من الزمان، يعني عند الموت أو عند نزول العذاب. وقال أبو البقاء: "و"عن" يتعلق بـ (لَيُصْبِحُنَّ)، ولم يمنع اللام ذلك، كما منعتها لامُ الابتداء. وأجازوا: زيدًا لأضربن، لأن اللام للتوكيد، ومثله قوله تعالى: (بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) [الروم: ٨]، وقيل: اللامُ تمنعُ من التقديم، إلا في الظروف؛ فإنه يُتسعُ فيها.
[ ١٠ / ٥٨٤ ]
ومنه قوله تعالى (فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى)] الأعلى: ٥ [وقد جاء مشدّدا في قول امرئ القيس:
من السّيل والغثّاء فلكة مغزل
بعدا، وسحقا، ودفرًا ونحوها، مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه: نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها. ومعنى "فَبُعْدًا": بعدوا، أى: هلكوا يقال: بعد بعدا وبعدا، نحو رشد رشدا ورشدا. و(لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بيان لمن دعى عليه بالبعد، نحو: (هَيْتَ لَكَ)] يوسف: ٢٣ [. و(لِما تُوعَدُونَ)] المؤمنون: ٣٦ [.
[(ثُمَّ أَنْشَانا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَاخِرُونَ) ٤٢ - ٤٣].
(قُرُونًا) قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. وعن ابن عباس ﵄: بنى إسرائيل (أَجَلَها) الوقت الذي حدّ لهلاكها وكتب.
_________________
(١) ـ قوله: «فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى»، قال: "درينًا أسودَ"، والدرينُ: ما اسود من المرعى. قوله: (من السيل والغُثاء فلكةُ مغزل)، أوله: كأن ذُرى رأس المجيمر غُدوةً المجيمرُ: جبل في بلاد بني تميم بكسر الميم الثاني شبه استدارةَ هذه الأكمة بما أحاط بها من غُثاءِ السيل باستدارة فلكةِ مغزلٍ، وإحاطتها بالمغزل. ورُوي "فُلكةُ": بضم الفاءِ، وكسرها وفتحها. قوله: (ودفرا)، الجوهري: الدفرُ: النتن خاصةً. يقال دفرًا له، أي: نتنًا، ومنهُ قيل للدُّنيا: أمُّ دفرٍ.
[ ١٠ / ٥٨٥ ]
[(ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) ٤].
(تَتْرا) فعلى: الألف للتأنيث، لأنّ الرسل جماعة. وقرئ: (تترى)، بالتنوين، والتاء بدل من الواو، كما في: تولج، وتيقور، أى: متواترين واحدا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد: أضاف الرسل إليه وإلى أممهم (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ)] المائدة: ٣٢ [(وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ)] الأعراف: ١٠١ [لأنّ الإضافة تكون بالملابسة، والرسول يلابس المرسل والمرسل إليه جميعا (فَأَتْبَعْنا) الأمم أو القرون (بَعْضَهُمْ بَعْضًا) في الإهلاك (وَجَعَلْناهُمْ) أخبارا يسمر بها ويتعجب منها. الأحاديث: تكون اسم جمع للحديث. ومنه: أحاديث رسول الله ﷺ. وتكون جمعا للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة. وهي: ما يتحدّث به الناس تلهيا وتعجبا، وهو المراد هاهنا.
(ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ) ٤٥ - ٤٦ [.
فإن قلت: ما المراد بالسلطان المبين؟ قلت: يجوز أن تراد العصا، لأنها كانت أمّ
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "تترى" بالتنوين)، ابن كثير وأبو عمرو. قوله: (في: تولج وتيقور)، الجوهري: التولج: كناسُ الوحش الذي يلجُ فيه. قال سيبويه: التاءُ مبدلةٌ من الواو، وهو فوعلٌ؛ لأنك لا تكادُ تجدُ في الكلام تفعلٌ اسمًا، وفوعلٌ كثير، والتيفور: الوقارُ، وأصله: ويقُور، قُلبت الواو تاءً.
[ ١٠ / ٥٨٦ ]
آيات موسى وأولاها، وقد تعلقت بها معجزات شتى: من انقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارسا، وشمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلوا ورشاء. جعلت كأنها ليست بعضها لما استبدت به من الفضل، فلذلك عطفت عليها كقوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ)] البقرة: ٩٨ [ويجوز أن تراد الآيات أنفسها، أى: هي آيات وحجة بينة (عالِينَ) متكبرين (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ)] القصص: ٤ [، (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ)] القصص: ٨٣ [؛ أو متطاولين على الناس قاهرين بالبغي والظلم.
(فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨» ٤٧ - ٤٨ [
البشر يكون واحدا وجمعا: (بَشَرًا سَوِيًّا)] مريم: ١٧ [، (لِبَشَرَيْنِ)، (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ)] مريم: ٢٦ [و«مثل» و«غير» يوصف بهما: الاثنان، والجمع، والمذكر والمؤنث؛
_________________
(١) ـ قوله: (أفكتهُ السحرةُ)، الأساس: أفكه عن رأيه: صرفه. النهاية: وفي الحديث: "لقد أُفِكَ قومٌ كذبوك"، أي: صرفوا عن الحق ومنعوا منه، يقال: أفكهُ يأفكه: إذا صرفه عن الشيء فقلبه. قوله: (ويجوزُ أن تُراد الآياتُ أنفسها)، أي: يرادُ بالسلطان نفسُ الآيات، فالعطفُ من باب قولك: "مررتُ بالرجل الكريم والنسمة المباركة، جرد من نفس الآيات سلطانٌ مبين، وعُطِفَ عليها مبالغةً وهو هي". قوله: (و"مثلٌ" و"غيرٌ" يوصف بهما الاثنان والجمع)، قال أبو البقاء: إنما لم يُثَنّ (مِثْلَنَا)، وإن كنا موصوفه مثنى؛ لأنه في حُكم المصدر، وقد جاءت تثنيته، وجمعه، في
[ ١٠ / ٥٨٧ ]
(إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ)] النساء: ١٤٠ [، (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)] الطلاق: ١٢ [ويقال أيضا: هما مثلاه، وهم أمثاله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ)] الأعراف: ١٩٤ [. (وَقَوْمُهُما) يعنى بنى إسرائيل، كأنهم يعبدوننا خضوعا وتذللا. أو لأنه كان يدعى الإلهية فادعى للناس العبادة، وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة.
] (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩» ٤٩ [
(مُوسَى الْكِتابَ) أى قوم موسى التوراة (لَعَلَّهُمْ) يعملون بشرائعها ومواعظها،
_________________
(١) ـ قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ) [آل عمران: ١٣]. وقوله: (ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: ٣٨]، وقيل: إنما وحد؛ لأن المراد المماثلة في البشرية، وليس المرادُ الكمية. قال القاضي: هذه القصصُ كما ترى تشهدُ بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة، قياسُ حال الأنبياء على أحوالهم؛ لما بينهم من المماثلة في الحقيقة، وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمل؛ فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإدراكات، لكنها متباينة الأقدام فيهما، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم التفكر برادةٍ، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التعلم والتفكر في أكثر الأشياء، وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم، ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم، وإليه أشار بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) [الكهف: ١١] قوله: «مُوسَى الْكِتَابَ)، أي: قوم موسى)، فلذا جمع الضمير في (لَعَلَّهُمْ)، وأعيد ذكرُ موسى ﵇؛ ليناط به ذكرُ الكتاب، وكونه مبعوثًا إلى بني إسرائيل كما ذكر في الآية السابقة، وقرن به الآيات والسلطان وكونه مبعوثًا إلى فرعون وملئه.
[ ١٠ / ٥٨٨ ]
كما قال: (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ)] يونس: ٨٣ [يريد آل فرعون، وكما يقولون: هاشم، وثقيف، وتميم، ويراد قومهم. ولا يجوز أن يرجع الضمير في (لَعَلَّهُمْ) إلى فرعون وملئه، لأنّ التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى)] القصص: ٤٣ [.
] (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠» [
فإن قلت: لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه؟ قلت: نعم، لأنّ مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها، وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر، فكان آية من غير وجه، واللفظ محتمل للتثنية على تقدير وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ آية وَأُمَّهُ آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. الربوة والرباوة في رائهما الحركات. وقرئ: (ربوة) و(رباوة)، بالضم. و(رباوة) بالكسر وهي الأرض المرتفعة. قيل: هي إيليا أرض بيت المقدس،
_________________
(١) ـ قوله: (يريد آل فرعون)، بدليل جمع الضمير في (وَمَلَئِهِمْ) [يونس: ٨٣]، وإلا فالظاهر: وملئه، وكذلك هاهنا: قال: موسى، وأريد قومُ موسى. قوله: (لو قيل: آيتين، هل كان يكون له وجهٌ)، "يكون": يجوز أن تكون مزيدة، وأن تكون خبر "كان" والاسمُ: ما دل عليه "قيل". هذا السؤال مؤذنٌ بأن الوجه ما ذكر في الأنبياء. فإن قُلت: هلا قيل: آيتين، كما قال: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) [الإسراء: ١٢]؟ قلتُ: لأن حالهما بمجموعهما آيةٌ واحدةٌ، وهي ولادتها إياه من غير فحل. قوله: (الربوة والرباوة: في رائهما الحركات)، بفتح الراء، وسكون الباء، وفتح الواو: ابن عامرٍ وعاصمٌ، والباقون: هكذا إلا بضم الراء. والرباوةُ بالضم والكسر: شاذة.
[ ١٠ / ٥٨٩ ]
وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا: عن كعب. وقيل: دمشق وغوطتها.
وعن الحسن: فلسطين والرملة، وعن أبى هريرة: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين، فإنها الربوة التي ذكرها الله. وقيل: مصر. والقرار: المستقرّ من أرض مستوية منبسطة. وعن قتادة: ذات ثمار وماء. يعنى أنه لأجل الثمار: يستقرّ فيها ساكنوها. والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض. وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله مفعولا أنه مدرك بالعين لظهوره، من عانه: إذا أدركه بعينه، نحو: ركبه، إذا ضربه بركبته. ووجه من جعله فعيلا: أنه نفاع بظهوره وجريه، من الماعون: وهو المنفعة.
[(يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ٥١].
_________________
(١) ـ قوله: (وإنها كبدُ الأرض)، الأساس: ومن المجاز: وداره كبدُ نجد: وسطه، وكذلك وسط كل شيء، وبلغ كبد السماء، وتكبدت الشمسُ: توسطت السماء. قوله: (دمشقُ وغوطتها)، الجوهري: الغوطة بالضم: موضعٌ بالشام كثيرُ الماء والشجر. قوله: (ووجه من جعله فعيلًا: أنه نفاعٌ)، قال الزجاج: يجوز أنيكون فعيلًا من المعن، مشتقًا من الماعون، وهذا بعيدٌ؛ لأن المعن في اللغة: الشيء القليل، والماعونُ هو الزكاة، وهو فاعولٌ من المعن، وإنما سُميت الزكاةُ بالشيء القليل؛ لأنه يؤخذُ من المال ربعُ عُشره، فهو قليلٌ من كثير. والمصنفُ جعلهُ من الماعون الذي يتعاوره الناس في العادة من الفأس والقدر ونحوهما. الجوهري: الماعون: اسمٌ جامعٌ لمنافع البيت، ويُسمى الماء أيضًا ماعونًا، وعن أبي عبيدة: الماعون في الجاهلية: كل منفعةٍ وعطية، وفي الإسلام: الطاعةُ والزكاة.
[ ١٠ / ٥٩٠ ]
هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرّقين في أزمنة مختلفة. وإنما المعنى: الإعلام بأنّ كلّ رسول في زمانه نودي لذلك «١» ووصى به، ليعتقد السامع أنّ أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به، حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه. والمراد بالطيبات: ما حل وطاب. وقيل: طيبات الرزق حلال وصاف وقوام، فالحلال: الذي لا يعصى الله فيه، والصافي: الذي لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك
_________________
(١) ـ قوله: (هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة؟)، الانتصاف: هذه نفحةٌ اعتزالية، فمذهبنا أن الله تعالى في الزل متكلمٌ آمرٌ ناه، ولا يشترط في الأمر وجود المأمورين، بل الخطاب أزلًا على تقدير وجود المخاطبين. والمعتزلة أنكروا قدم الكلام، فحملوا الآية على خلاف ظاهرها، وما ذكروه جار في جميع الأوامر العامة للأمة. وقال القاضي: الخطابُ لجميع الأنبياء ﵈ على معنى أن كلا منهم خوطب في زمانه، فيدخل تحته عيسى ﵇ دخولًا أوليًا، أو يكون ابتداء كلام ذكر تنبيهًا على أن تهيئة أسباب التنعيم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء ﵈ شرعٌ قديم، واحتجاجًا على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذُكر لعيسى ﵇ ومريم وإيوائهما إلى الربوة، ليقتديا بالرسل في تناول ما رُزقا. وقيل النداء له، ولفظ الجمع للتعظيم. قوله: (ويُعمل عليه)، ضمن "يُعمل" معنى المواظبة، أي: يواظب عليه في العمل. قوله: (والمراد بالطيبات: ما حل وطاب)، قال القاضي: والطيباتُ: ما يُستلذُّ من المباحات.
[ ١٠ / ٥٩١ ]
النفس ويحفظ العقل. أو أريد ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه. ويشهد له مجيئه على عقب قوله (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ)] المؤمنون: ٥٠ [ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أى: آويناهما وقلنا لهما هذا، أى: أعلمناهما أنّ الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكلا مما رزقنا كما واعملا صالحا اقتداء بالرسل.
[(وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ٥٢].
قرئ: (وإنّ)، بالكسر على الاستئناف،
_________________
(١) ـ قوله: (ويشهد له مجيئه على عقب قوله تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا»، أي: آويناهما إلى ربوة ذات قرار ٍومعين، أي: ذات ثمارٍ ومآكل، وقلنا لهما: فكلا مما رزقناكما، واعملا صالحًا، ففيه أيضًا أن هذا الإعلام لعيسى ومريم ﵉ فذُكر على سبيل الحكاية، وهو أولى من أن يكون إعلامًا ابتداءً، وفيه أن قول قتادة ﵁: إن المراد بذات قرارٍ ومعين: ذاتُ ثمارٍ وماء، أرجحُ. وكذا قول من قال: إن المراد بالربوة: هي دمشقُ، أظهرُ، لاجتماعهما فيها. قوله: (ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم ﵉ إلى الربوة)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ إذ لي المقول لهما: يا أيها الرسل؛ لأنه لإنشاء النداء، فلعله أراد: أعلمناهما معناه الخبري، وهو خطاب الرسل ﵈ لدلالة الإنشاء عليه. قلتُ: بل أراد أن هذا الكلام كما أنه في الظاهر خطابٌ لجميع الرسل قاطبةً على معنى أنك لا منهم خوطب به في زمانه، ويدخل فيه عيسى دخولًا أوليًا، وفي المعنى إعلامٌ لرسول الله ﷺ وأمته، فكذلك يجوز أن يكون بعينه إعلامًا لعيسى ﵇ ليقتدي بالرسل في تناول ما رزق، فذكر على سبيل الحكاية. قوله: (قرئ: (وإِنَّ)، بالكسر)، الكوفيون: "إن هذه" بكسر الهمزة، والباقون:
[ ١٠ / ٥٩٢ ]
و(أنّ) بمعنى و(أنّ)، وأن مخففة من الثقيلة، و(أُمَّتُكُمْ) مرفوعة معها.
] (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ٣٥ [
وقرئ (زُبُرًا) جمع زبور، أى: كتبا مختلفة، يعنى: جعلوا دينهم أديانا، و(زبرا) قطعا:
استعيرت من زبر الفضة والحديد، و(زبرا): مخففة الباء، كرسل في رسل، أى: كلّ فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئنّ النفس، معتقد أنه على الحق.
(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) ٥٤ [
الغمرة. الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم. أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل. قال:
_________________
(١) ـ بفتحها. وخفف ابن عامرٍ النون، وشددها الباقون. قوله: (و"أنّ" بمعنى: ولأنّ)، قال الزجاجُ: المعنى: ولأن هذه أمتكم أمةً واحدةً، وأنا ربكم فاتقون، أي: فاتقون لهذا. قوله: (و(أُمَّتُكُمْ) مرفوعةٌ معها)، المطلع: أي: مع القراءات على خير"إنّ"، وقيل: "مرفوعةٌ معها"، أي: مع المخففة، وهذا أولى. قال أبو البقاء: (أُمَّتُكُمْ) الرفع على أنه خبرُ "إنّ"، والنصبُ على أنه بدلٌ أو عطفُ بيان، و(أُمَّةً) بالنصب: حالٌ، وبالرفع: بدلٌ من (أُمَّتُكُمْ) أو: خبر مبتدأ. فعلى هذا في المخففة: (أُمَّتُكُمْ): إما خبر، وإما بدلٌ، وعلى التقديرين: لا يجوز سوى الرفع، بخلافه في المثقلة. قوله: (أو شبهوا باللاعبين)، يريد أن قوله: (فِي غَمْرَتِهِمْ) استعارةٌ، شبه جهلهم
[ ١٠ / ٥٩٣ ]
كأنّني ضارب في غمرة لعب
وعن علي ﵁: في غمراتهم (حَتَّى حِينٍ) إلى أن يقتلوا أو يموتوا.
] (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦» [
سلي رسول الله ﷺ بذلك، ونهى عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره. وقرئ: (يمدّهم). و(يسارع)، و(يسرع)، بالياء، والفاعل الله ﷾. ويجوز في:
_________________
(١) ـ بغمرةِ الماء إذا وقع فيها الشخص، فلا يدري كيف يتخلص منها، والجامع الوقوع في ورطة الهلاك، ثم كثر استعمالها في هذا المعنى حتى صار كالمثل السائر في الشهرة. أو قوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ) تمثيلٌ، شبه حال هؤلاء مع ما هم عليه من محاولة الباطل والانغماس فيه بحال من يدخل في الماء الغامر للعب، والجامعُ: تضييع السعي بعد الكدح في العمل، ها الوجه موافقٌ لما قبله، هو قوله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). قوله: (كأنني ضاربٌ في غمرةٍ لعبُ)، أوله في "المطلع": ليالي اللهو يطبيني فأتبعه يطبيني: دعاني، وطباه يطبوه ويطبيه: دعاه. الضاربُ: السابحُ في الماء، وأصلُ الضرب: الإسراعُ في الأرض. والغمرةُ من الماء: ما غطاك إذا وقفت فيه. يقول: تدعوني ليالي اللهو فأتبعه، كأنني سابحٌ في غمرةٍ من الماء لعبٌ فيه. وروايةُ "المطلع": لغبُ، بالغين المعجمة، وهو من اللغوب. ويُروى "اللهو": بالرفع، فالجملة مضافٌ إليها لقوله: ليالي. قوله: (وقرئ: "يمدهم"، و"يُسارعُ"، و"يُسرعُ" بالياء)، قال ابن جني: قرأ الحُرُّ
[ ١٠ / ٥٩٤ ]
(يسارع)، و(يسرع): أن يتضمن ضمير الممدّ به. و(يسارع)، مبنيا للمفعول. والمعنى: أنّ هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم إلى المعاصي، واستجرارا إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته. ويجوز أن يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين. (وبَلْ) استدراك لقوله (أَيَحْسَبُونَ) يعنى: بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ولا شعور، حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك: أهو استدراج، أم مسارعة في الخير؟ فإن قلت: أين الراجع من خبر أنّ إلى اسمها إذا لم يستكنّ فيه ضميره؟
قلت: هو محذوف تقديره: نسارع به، ويسارع به، ويسارع الله به، كقوله (إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)] لقمان: ١٧ [
_________________
(١) ـ النحوي: "نُسرع"، وعبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع لهم"، و"يُسارعُ": بضم الياء وكسر الراء وفتحها. وقراءة الجماعة: (نُسَارِعُ) بالنون والألف. وقال: على هذه القراءات إلا على قراءة عبد الرحمن: "يسارع"، بكسر الراء، فيه ضميرٌ محذوفٌ، أي: نُسارع لهم به، أو يسارع لهم به، أو: نُسرع لهم به، فحذف للعلم بهن كما في قولهم: السمن منوان بدرهم. وأما قراءة "يُسارع" بكسر الراء، فلا حاجة به إلى تقدير حذف الضمير؛ لأن في الفعل ضميرًا يعود على (ما) في قوله: (أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ)، ولم يذكُر ابن جني في قراءة "يُسرع" تضمين الضمير. وقال القاضي: (مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ): بيانٌ لـ"ما"، وليس خبرًا له، فإنه غير مُعابٍ عليه، وإنما المُعابُ عليه اعتقادهم أن ذلك خيرٌ لهم، فخبره: (نُسَارِعُ لَهُمْ).
[ ١٠ / ٥٩٥ ]
أي إن ذلك منه، وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس.
] (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) ٥٧ - ٦١ [
(يُؤْتُونَ ما آتَوْا) يعطون ما أعطوا، وفي قراءة رسول الله ﷺ وعائشة:
(يأتون ما أتوا)، أى يفعلون ما فعلوا. وعنها أنها قالت: قلت يا رسول الله، هو الذي
_________________
(١) ـ قوله: (وفي قراءة رسول الله ﷺ وعائشة رضي الله تعالى عنها: "يأتون ما أتوا")، روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن عائشة: أن عبيد بن عمير سألها عن قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا) أن رسول الله ﷺ كيف كان يقرؤها: أيؤتون أو يأتون؟ فقالت: أيهما أحب إليك؟ قال: "الذين يأتون ما أتوا" أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها، قالت: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت. قال الزجاج: ومن قرأ (يُؤْتُونَ مَا آتَوا) فإن معناه يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم. ومن قرأ "يأتون ما أتوا" أي: يعملون من الخيرات ما عملوا وقلوبهم خائفة. وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "هو الذي يزني ويسرق؟ " إلى آخره، فرواه الترمذي وابن ماجه مع تغيير يسير في اللفظ. وهو محمول على التشديد لئلا يتكل الظالم لنفسه، وهو وجه التوافق بين الحديثين.
[ ١٠ / ٥٩٦ ]
يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: "لا يا ابنة الصدّيق، ولكن هو الذي يصلى ويصوم ويتصدّق، وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه" «١» (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها. والثاني: أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام، كما قال (فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ)] آل عمران: ١٤٨ [، (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] العنكبوت: ٢٧ [لأنهم إذا سورع بها لهم، فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة، لأن فيه إثبات
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا الوجه أحسن طباقًا للآية المتقدمة)، وهي: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: ليس فيما أوتي الكافرون من أموال وبنين مُسارعةٌ في الخيرات، فإن ذلك استدراجٌ، بل ما أوتي المؤمنون هو مسارعةٌ في الخيرات، وهم المختصون بأن ينالوا الخيرات قبل الآخرة، حيث عجلت لهم في الدنيا. ولأن (أُوْلَئِكَ) يستدعي أن من قبله جديرٌ بما بعده، لاكتسابه تلك الفضائل، وهذا لا يستقيم إلا على هذا الوجه. وأما قضية النظم - والله تعالى أعلم-: فإن هذه السورة قُطبُ معناها دائرٌ على وصف أمةِ الدعوة أجمع، السابقين منهم، والمقتصدين والظالمين لأنفسهم، ثم الغافلين من الكافرين المعاندين منهم. فهذه خمسة أصناف، فلما صدر السورة بالصنف الأول واستوفى مدحهم، وأراد أن يشرع في وصف سائرهم أتى بدليلي الأنفس والآفاق تنبيهًا وإيقاظًا للساهين، وبقصص الأنبياء السالفة والأمم الخالية تخويفًا واعتبارًا للغافلين، ثم قال: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) إلى قوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)، ألا ترى كيف نعى عليهم غفلتهم بقوله تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) وجعله تخلصًا إلى ذكر ما للمؤمنين أجمعين من السبق والمسارعة في الخيرات، فذكر فريقي المؤمنين: المقتصد منهم وهو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) والظالم منهم، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، ويجوز الحمل على هذا؛ لأن الظالم من أمة محمد ﷺ هو: من لا يشرك بالله ﷿، ويخافُ الرجوع، وهو مع ذلك يرتكب المناهي، ولأن الأصل أن تكون الخشية لقوم، والوجل لآخرين، ولأن التقسيم حاصلٌ كما سبق فلابد من اعتبار
[ ١٠ / ٥٩٧ ]
ما نفي عن الكفار للمؤمنين. وقرئ: (يسرعون في الخيرات) (لَها سابِقُونَ) أى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها. أو إياها سابقون، أي: ينالونها
_________________
(١) ـ هذا القسم، وعليه قول عبيد بن عمير لعائشة ﵂: الذي يأتون ما أتوا أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها، وإنما يكون كذلك إذا دلت على الرجاء التام، وأن المراد منهم العاصون، ويكون مجيء قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) كالفذلكة لما للفرق الثلاث من الفضل والكرامة والخير على وزان قوله تعالى في فاطر: (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) [فاطر: ٣٢ - ٣٣] بعد ذكر الفرق الثلاث. وقوله: (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ)، كالتذييل لاستيعاب الأعمال كلها، واستيفاء جزائها، على منوال قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه) [الزلزلة: ٧ - ٨]، ولهذا نفى الظلم بقوله: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) هذا على تقدير قراءة الرسول ﷺ. وأما على قراءة العامة فالآيات تنزيلٌ على قسم المقتصد، ويُفهم الظالم لنفسه من مفهوم قوله تعالى: (لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ) كما نزلها المصنفُ على السابق: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ) على المقتصد في قوله: "ولدينا كتابٌ فيه عملُ السابق والمقتصد، ولا نظلمُ أحدًا من عمله، ولا نحطه دون درجته". وأقول: عملُ الظالم لنفسه أيضًا؛ لأن الكتاب جامعٌ للأعمال كلها وثوابها وإن كان مثقال ذرة، وإخراجُ البعض تحكم. وهو أيضًا للتخلص من ذكر الفرق الثلاث إلى ذكر المعاندة من هذه الأمة؛ ولهذا قال: (بَلْ قُلُوبُهُمْ) أي: قلوبُ المعاندة، ثم أخذ في وصفهم إلى أن ختم السورة، فبدأ بالعالي، وختم بالعالي، وافتتح بقد أفلح المؤمنون، واختتم بلا يُفلحُ الكافرون. والله يقولُ الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (أو: إياها سابقون)، فعلى هذا اللام لضعف عمل اسم الفاعل، نحو: ضاربٌ لزيد. وعلى الأول: اللامُ بمعنى: لأجل، و"السابقون": إما مُجرى مجرى اللازم، فلا يُقدرُ
[ ١٠ / ٥٩٨ ]
قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. ويجوز أن يكون (لَها سابِقُونَ) خبرا بعد خبر. ومعنى (وَهُمْ لَها) كمعنى قوله:
أنت لها أحمد من بين البشر
_________________
(١) ـ مفعوله، وإليه الإشارة بقوله: "أي: فاعلون السبق لأجلها"، أو يُقدرُ له مفعولٌ، وهو المراد من قوله: "أو سابقون الناس لأجلها". قوله: (أنت لها أحمدُ من بين البشر)، أوله: داهية الدهر، وصماءُ الغبر ويُروى: أنت لها منذرُ من بين البشر الشعرُ للأعشى الحرمازي يخاطبُ المنذر بن عمرو الكندي أبا النعمان، هكذا رواه الجوهري. ومن روى: أحمدُ، كما في المتن، أراد النبي ﷺ، والضمير في (لهَا) للنبوة، والحرمازيُّ أدرك النبوة وله صحبة، أي: أنت للنبوة يا أحمد، هكذا وجدته في "شرح الأبيات"، وهذا الأعشى ليس له ذكرٌ في "الجامع"، ولا في "الاستيعاب". الصماءُ: الداهية، وفتنةٌ صماءُ: شديدةٌ. يقال صمي صمام، أي: اشتدي يا فتنةُ، من الصمم: وهو انسدادُ الثلم، يقال: هذا حين أبي الفريقان إلا القتال، وداهيةُ الغبر، بالتحريك: هي العظيمة. الراغب: داهية الغبر: إما من: غبر الشيء، أي: وقع في الغبار، كأنها تُغبرُ الإنسان،
[ ١٠ / ٥٩٩ ]
[(وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣» [
يعنى أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من حدّ الوسع والطاقة، وكذلك كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده، بل هو مثبت لديه في كتاب، يريد اللوح، أو صحيفة الأعمال ناطق بالحق لا يقرءون منه يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد. أو أراد: إن الله لا يكلف إلا الوسع، فإن لم يبلغ المكلف أن يكون على صفة هؤلاء السابقين بعد أن يستفرغ وسعه ويبذل طاقته فلا عليه، ولدينا كتاب فيه عمل السابق والمقتصد،
_________________
(١) ـ أو من الغبر: البقيةُ، أي: داهيةٌ باقية، أو من غبره اللونُ، كقولهم: داهيةٌ زباء، أو من غبرة اللبن فكأنها هي الداهية التي وإن انقضت بقي لها أثر، أو من قولهم: عرق غبرٌ، أي: ينبض مرة بعد أخرى، وقد غبر العرق. قوله: (يعني أن هذا الذي وصف به الصالحين)، إلى قوله: "وكذل كل ما كلفه عباده" إشارةٌ إلى أن قوله تعالى: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) الآية كالتذييل للآيات السابقة، والتأكيد لمضمونها، وإنما خصه بالصالحين؛ لأن مذهبه أن العاصين خارجون من المذكور. لكن قوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ) مؤذن بأنهم داخلون فيه؛ فإن المذكور من قبل الخشية، والإيمان، ونفي الشرك والوجلُ مع العصيان كما مر، ولا ارتياب أن أعمال المعاندين على عكس ذلك. ودل قوله تعالى: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أنهم غيرُ عاملين لغيرها. قوله: (أو أراد أن الله تعالى لا يكلف)، عطفٌ على قوله: "يعني: أن هذا الذي"، فعلى هذا لا يكون تأكيدًا، بل استطردًا وبيانًا لحكم غير المذكورين من المقتصدين، ولهذا قال: "ولدينا كتابٌ فيه عملُ السابق والمقتصد".
[ ١٠ / ٦٠٠ ]
ولا نظلم أحدا من حقه ولا نحطه دون درجته. بل قلوب الكفرة في غفلة غامرة لها (مِنْ هذا) أى مما عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين (وَلَهُمْ أَعْمالٌ) متجاوزة متخطية لذلك، أى: لما وصف به المؤمنون (هُمْ لَها) معتادون وبها ضارون، لا يفطمون عنها حتى يأخذهم الله بالعذاب.
] (حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ* لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ* قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ* مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ) [.
و(حتى) هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام: الجملة الشرطية، والعذاب: قتلهم يوم بدر. أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله ﷺ فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف «١»» فابتلاهم الله بالقحط
_________________
(١) ـ قوله: «وَلَهُمْ أَعْمَالٌ) متجاوزة متخطيةٌ لذلك)، يشير إلى أن معنى (دُونِ) في الآية: التجاوزُ والتخطي عن حد أعمال المؤمنين. قوله: (لا يُفطمُون)، يقال: فلانٌ غير مفطوم من كذا، أي: هو مجبولٌ عليه، وهو معنى قوله تعالى: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، وفيه التأكيد من جهة بناء (عَامِلُونَ) على (هُمْ)، وأن اللام بمعنى لأجل على معنى قوله ﷺ: "اعملوا، كل ميسرٌ لما خُلق له"، وقوله ﷺ: "الله أعلمُ بما كانوا عاملين". قوله: (والكلامُ: الجملة الشرطية)، قال القاضي: جواب الشرط: (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة، ويجوز أن يكون الجواب: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)، فإنه مقدرٌ بالقول، أي: قيل لهم: لا تجأروا.
[ ١٠ / ٦٠١ ]
حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقدّ «٢» والأولاد. الجؤار: الصراخ باستغاثة قال:
جئّار ساعات النّيام لربّه
أى يقال لهم حينئذ (لا تَجْأَرُوا) فإن الجؤار غير نافع لكم (مِنَّا لا تُنْصَرُونَ) لا تغاثون ولا تمنعون منا أو من جهتنا، لا يلحقكم نصر ومغوثة. قالوا: الضمير في (بِهِ) للبيت العتيق أو للحرم، كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم. والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به. ويجوز أن يرجع إلى (آياتي)، إلا أنه ذكر لأنها في معنى كتابي. ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكبارا. ضمن (مستكبرين) معنى مكذبين، فعدّى تعديته. أو يحدث لكم استماعه استكبارا وعتوّا، فأنتم مستكبرون بسببه. أو تتعلق الباء ب (سامرا)، أى: تستمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكانت عامّة سمرهم ذكر القرآن وتسميته
_________________
(١) ـ قوله: (جئارُ ساعات التيام لربه)، أي: يصرخُ يدعو ربه بالليل والناس نيامٌ. الأساس: جأر الداعي إلى الله: ضج ورفع صوته، وبات له جؤارٌ، وهو جئار بالليل. قوله: (ولا تمنعون منا أو من جهتنا)، يعني: "مِنْ" إما صلةٌ، و(تُنْصَرُونَ) من: نصر الذي مطاوعه: انتصر. قال المصنف: سمعت قول بعضهم: اللهم انصرهم منه، أي: اجعلهم منتصرين منه. وهو المراد من قوله: "ولا يمنعون منا"، أو ابتدائي، و(يُنْصَرُونَ) مِن: نُصر، ولهذا قال: "أو من جهتنا". قال القاضي: (إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ) تعليلٌ للنهي، أي: لا تجأروا، فإنه لا ينفعكم، إذ لا تُمنعون منا، أو لا يلحقكم نصرٌ ومعونةٌ من جهتنا.
[ ١٠ / ٦٠٢ ]
سحرا وشعرا وسبّ رسول الله ﷺ. أو ب (تهجرون). والسامر: نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع. وقرئ: (سمرا) و(سمارا). و(تهجرون) و(تهجرون)، من أهجر في منطقه إذا أفحش. والهجر - بالضم -: الفحش، ومن هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذى. والهجر -: بالفتح الهذيان.
_________________
(١) ـ قوله: (أو بـ (تَهْجُرُونَ»، أي: يتعلق الباء بـ (تَهْجُرُونَ). المطلع: يهجرون القرآن ويرفضونه، فلا يلتفتون إليه ولا ينقادون له، وصفوا بهجرانه كما وصفوا بالنكوص عنه. قوله: (والسامر نحو الحاضر)، قال الزجاج والسامر: الجماعةُ الذين يتحدثون ليلًا، وإنما سُما سمارا من السمر، والسمرُ: ظل القمر، وكذلك السمرة مشتقة من هذا. وفي "المطلع": سُمي ظلُّ القمر السمر لأنه يُسمرُ به. قوله: (وقرئ: "سُمرًا"، و"سُمارا"، و"تُهجرون"، و"تُهْجرون")، نافعٌ: "تُهْجرون": بضم التاء وكسر الجيم، والباقون: بفتح التاء وضم الجيم. وقال ابن جني: قرأ ابن مسعودٍ وابن عباس وعكرمة: "سُمرا يهجرون". قوله: (والهجر بالضم: الفحش)، الراغب: الهجرُ: الكلامُ المهجور، لقبحه، هجر فلانٌ: إذا أتى بهجرٍ من الكلام عن قصد. وأهجر المريض: إذا أتى بذل من غير قصد، ورماه بهاجرات فمه أي: بفضائح كلامه. وقولهم: فلانٌ هجيراه كذا: إذا أولع بذكره، وهدى به هذيان المريض، ولا يكاد يستعمل الهجير إلا في العادة الذميمة والهجير والهاجر: الساعة التي يثمتنع فيها من السير للحر، كأنها هجرت الناس وهُجرت لذلك.
[ ١٠ / ٦٠٣ ]
[(أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَاتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠» [
(الْقَوْلَ) القرآن، يقول: أفلم يتدبروه ليعلموا أنه الحق المبين فيصدّقوا به وبمن جاء به، بل أجاءَهُمْ (ما لَمْ يَاتِ آباءَهُمُ) فلذلك أنكروه واستبدعوه، كقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ)] يس: ٦ [أو ليخافوا
_________________
(١) ـ قوله: (بل أجاءهم)، يعني: "أم" منقطعة، والهمزة فيه: للتقرير. قوله: (أو ليخافوا)، عطفٌ على قوله: "ليعلموا"، فالتقدير: أغفلوا فلم يتدبروا القرآن ليخافوا الإنذار فيه بل أجاءهم الأمن ما لم يأت آبائهم، يعني: أن آباءهم إنما خافوا وآمنوا به وبكتبه من جهة الوحي أو الإلهام الصادق، فأمنوا من العذاب، فحالُ هؤلاء بخلاف حال آبائهم الأقدمين. والمراد بالآباء حينئذ من ذكر أساميهم إلى آخره. فإن قلت: من أين جاء الخلاف بين التفسيرين لقوله: (مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ)؟ قلتُ: من حيث التعليلُ، فإنه لما علل التدبير بالعلم أضرب عنه بإثبات الجهل الموروث من الآباء الجهلة، ولما علله بالخوف أضرب عنه بإثبات المن الذي على خلاف المعهود من أهل الحق مثل آبائهم المهتدين؛ لأن الأمن من العذاب لا يحصل إلا للمهتدي، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: ٨٢]، وفيه ضربٌ من التهكم. والوجه الأول أوفق لتأليف النظم؛ لأن قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) إضرابٌ على سبيل الترقي، وكذلك قوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) فإنه لما أثبت لهم الجهل الموروث أضرب عن ذلك بإثبات الجهل المكتسب، وهو عدم جريهم بموجب العلم فإن الهمزة في أم للسؤال مُجرى للمعلوم مساق غيره تجهيلًا، أو للتوبيخ. قال محيي السنة رحمة الله تعالى عليه:
[ ١٠ / ٦٠٤ ]
عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟ وآباؤهم: إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وعن النبي ﷺ «لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين، ولا تسبوا قسا فإنه كان مسلما، ولا تسبوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم ابن مرّ. فإنهم كانوا على الإسلام، وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما» وروي في أنّ ضبة كان مسلما، وكان على شرطة سليمان بن
_________________
(١) ـ (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) واردٌ على سبيل التوبيخ على الإعراض. ثم أضرب عنه بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) أي: هاهنا ما هو أعظمُ من ذلك كله، وهو إثباتُ الجنون، مع العلم بأنه أرجحهم عقلًا وأثقبهم ذهنًا. فإن قلت: ما وجهُ ما رواه الواحدي عن ابن عباس قوله تعالى: (مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ) أليس قد أرسلنا نوحًا وإبراهيم والنبيين إلى قومهم؟ فكذل بعثنا محمدًا ﷺ إلى قومه؟ قلتُ: على هذا يقدر مدخول الهمزة في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا) ما دل عليه قوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ)، على أن يكون الضمير للقرآن، أي: استكبروا، أفلم يتدبروا القرآن أم جاءهم ببدع، وبما لم يأت به أنبياؤهم الأقدمون؟ ثم قيل: بل ألم يعرفوا رسولهم فلذلك أنكروه وانكروا ما أُنزل إليه، كقوله تعالى: (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف: ٣١]، والظاهر أن "أمْ" حينئذٍ متصلةٌ؛ لأن التقدير: استكبرا فلم يتدبروا، أم استبدعوا فلم يتفكروا، وقال في (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا) إضرابٌ عن الجملة، لا عن مدخولِ "أم" وحده، هذا هو التحقيق فليتدبر. قوله: (وكان على شرطة سليمان)، قيل: هي: اسم جمع، وجمعها: شُرط. الجوهري:
[ ١٠ / ٦٠٥ ]
داود (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا) محمدا وصحة نسبه، وحلوله في سطة هاشم، وأمانته، وصدقه، وشهامته، وعقله، واتسامه بأنه خير فتيان قريش، والخطبة التي خطبها أبو طالب في نكاح خديجة بنت خويلد، كفى برغائها مناديا.
الجنة: الجنون وكانوا يعلمون أنه بريء منها وأنه أرجحهم عقلا وأثقبهم ذهنا، ولكنه جاءهم بما خالف شهواتهم وأهواءهم، ولم يوافق ما نشأوا عليه، وسيط بلحومهم «١» ودمائهم من اتباع الباطل، ولم يجدوا له مردّا ولا مدفعا لأنه الحق الأبلج والصراط المستقيم، فأخلدوا إلى البهت وعوّلوا على الكذب من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر. فإن قلت: قوله (وَأَكْثَرُهُمْ) فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق.
قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ قومه وأن يقولوا:
_________________
(١) ـ الشرط بالتحريك: العلامةُ، الأصمعي: ومنه سُمي الشرط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامةً يعرفون بها، الواحد شرطة، وشُرطي. قوله: (في سطة هاشم)، الأساس: ومن المجاز هو وسط قومه ووسط فيهم وسطةٌ وقومٌ وسطٌ وأوساطٌ: خيارٌ. قوله: (كفى برغائها مناديًا)، الجوهري: الرغاءُ: صوت ذوات الخف، ويقالُ في المثل: كفى برعائها مناديًا، أي: إن رغاء بعيره يقوم مقام ندائه في التعرض للضيافة والقرى. وقال الميداني: يُضربُ لمن يقف بباب الرجل، فيقال: أرسل من يستأذن لك، فيقول: كفى بعلمه توقفي ببابه مستأذنًا لي، أي: قد علم بمكاني، فلو أراد أذن لي. قوله: (وسيط بلحومهم)، السوط: خلط الشيء بعضه ببعض. قوله: (كان فيهم من يترك الإيمان به أنفةً واستنكافًا من توبيخ قومه)، الانتصاف: قولُ
[ ١٠ / ٦٠٦ ]
صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، كما يحكى عن أبي طالب. فإن قلت: يزعم بعض الناس أنّ أبا طالب صحّ إسلامه. قلت: يا سبحان الله، كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله ﵌، حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس ﵄، ويخفى إسلام أبى طالب!
] (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١» [
دل بهذا على عظم شأن الحق، وأنّ السماوات والأرض ما قامت ولا من فيهن إلا به، فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم فلا يبقى له بعده
_________________
(١) ـ الزمخشري: من يتركُ الإيمان لأجل آبائه لم يكن كارهًا غير صحيح، فمن أحب شيئًا كره ضده، فلما أبو االبقاء على كفرهم، كرهوا الانتقال عنه، واستجره الكلام إلى تحقيق موت أبي طالب، أي: في حال كونه غير كاره للإيمان. وقلتُ: من امتنع عن الإسلام بمجرد التقليد لا يكون إلا مُحبًا له في نفسه، غير كاره إياه، ومبغضًا لضده، وهو الكفرُ. وقال صاحب "الانتصاف": والأحسن أن يعود الضمير في (وَأَكْثَرُهُمْ) على الجنس بجملته، كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٨]، (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣]، لقوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقد جاء به للناس كافةً، ويحتمل أن يُراد بالأكثر: الكلُّ، كما حمل القليل على النفي. وقلتُ: هذا أقرب، والأول مردودٌ؛ لما يلزم منه الاختلاف في الضمائر، وأيضًا، الأسلوب الذي ذهب إليه تذييلٌ، فلابد من إقامة المظهر فيه مقام المضمر، وهو أن يُراد بالأكثر الكل. قوله: (يا سبحان الله)، "سبحان الله": كلمةُ تنزيه، ثم استعمل في التعجب، كأنه قيل: يا عجبًا.
[ ١٠ / ٦٠٧ ]
قوام. أو أراد أنّ الحق الذي جاء به محمد ﷺ وهو الإسلام، لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا، لجاء الله بالقيامة ولأهلك العالم ولم يؤخر. وعن قتادة: أنّ الحق هو الله. ومعناه: ولو كان الله إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها ولكان شيطانا، ولما قدر أن يمسك السماوات والأرض (بِذِكْرِهِمْ) أى بالكتاب الذي هو ذكرهم، أى: وعظهم أو وصيتهم وفخرهم: أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: (لو أنّ عندنا ذكرا من الأوّلين لكنا عباد الله المخلصين)] الصافات: ١٦٨ - ١٦٩ [. وقرئ: بذكراهم.
(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ٧٢ [
قرئ: (خراجا فخراج). و(خرجا فخرج). و(خرجا فخراج): وهو ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك، وإلى كل عامل من أجرته وجعله. وقيل: الخرج: ما تبرعت به. والخراج: ما لزمك أداؤه.
والوجه أنّ الخرج أخص من الخراج، كقولك: خراج القرية، وخرج الكردة، زيادة اللفظ لزيادة المعنى، ولذلك حسنت قراءة من قرأ: (خرجا فخراج ربك)، يعنى: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير.
_________________
(١) ـ قوله: (ولو كان الله إلها)، إلى آخره، من الإلحاد الذي يحترزُ أن ينطق به المسلم. قوله: (قرئ: "خراجًا فخراج")، حمزةُ والسائي: "خراجًا"، والباقون: بغير ألف. ابن عامر: "فخرج ربك"، بإسكان الراء من غير ألف، والباقون: بفتحها وبألف. قوله: (وخرج الكردةُ)، روي عن المصنف: الكردة: جمعها: الكرد، وهو من وضع الكرد، والعرب لا تعرفها، وهي قطعةٌ من الأرض المزروعة، ولا تُعرفُ هذه اللغة في الأصول. قوله: (ولذلك حسنت قراءة من قرأ (خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ»، قال صاحب "الفرائد":
[ ١٠ / ٦٠٨ ]
(وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤»
قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سرّه وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين
_________________
(١) ـ المفهوم من قوله أن الخرج يدل على القليل من إعطاء الخلق، وأن الخراج على الكثير من إعطاء الخالق، فكيف يكون الخرج أخص من الخراج؟ والمعنى: أينون أنك طامعٌ في أموالهم فيما تدعوهم إليه، فخراج ربك، أي: ما يعطيك ربك على طاعتك له في الدعاء إليه، خيرٌ لك من عرض الدنيا. وقلتُ: مرادُ المصنف من لفظ"أخص": الأقل تناولًا مطلقًا، لا الخاص الذي يقابل العام؛ لقوله: "زيادة اللف لزيادة المعنى". قال القاضي: الخرجُ: بإزاء الدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراجُ غالبٌ في الضريبة على الأرض، ففيه إشعارٌ بالكثرة واللزوم، فيكون أبلغ، ولذلك عبر به عن إعطاء الله تعالى إياه، كأنه قال: أم تسألهم أجرًا على أداء الرسالة (فَخَرَاجُ رَبِّكَ)، أي: رزقه في الدنيا، أو ثوابه في الآخرة (خَيْرٌ) لسعته ودوامه. قوله: (قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجلٌ معروفٌ أمره)، إلى آخره، اعلم أن هذه الآيات مطابقةٌ للحديث المشهور المخرج في "الصحيحين" للإمام محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج رحمهما الله، عن أبي سفيان قبل إسلامه حين أرسل إليه هرقل وسأله عن أمر رسول الله ﷺ في أنهما اشتملا على أمهات المسائل المعتبرة في أمر النبوة: أولها: الواجب أن يكون الرسول ذا نسب، فدل عليه بقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
[ ١٠ / ٦٠٩ ]
ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام
_________________
(١) ـ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، أي: لم يعرفوا محمدًا ﷺ وصحة نسبه وحلوله في سطة هاشم، يوافقه قول هرقل لترجمانه: قل له: إني سألتك عن نسبه فيمك، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها. وثانيها: أن يكون صاحب شهامة ورجاحة عقل، بريئًا من الجنون وما ينافي الحق والصدق، وهو الزورُ، والكذب، فدل عليه بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقال هرقل: سألتك: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: أعرفُ أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس فيكذب على الله ﷿. وثالثها: أن لا يسأل فيما يرومه عاجلًا للأمر، فدل عليه بقوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)، وقال هرقل: سألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلتُ: لو كان من آبائه من ملكٍ قلتُ: رجلٌ يطلبُ ملك أبيه. ورابعها: أن يكون ما يدعو إليه في نفسه حقًا هاديًا إلى الطريق المستقيم، فدل عليه بقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وقال هرقل: سألتك: بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم بأن تعبدوا الله تعالى، ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. ثم قال هرقل بعد ذلك: فإن كان ما تقول حقًا فسيملكُ موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنني أعلمُ أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ألا ترى كيف أذعن للحق بما سمع من الأمارات؟ قوله: (وأنه لم يُعرض له)، تقول العربُ: عرض لفلان: إذا جُن، بمعنى عرضت له الجن. النهاية: في حديث خديجة ﵂: "أخاف أن يكون عُرض له"، أي: عرض له الجن، أو أصابه منهم. قوله: (ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام)، عطفٌ على قوله: "وأنه لم يُعرض له"، المراد منه قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)، وقوله: "ولم يجعل ذلك سُلمًا"، المقصود
[ ١٠ / ٦١٠ ]
_________________
(١) ـ من قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)، وترك ما يدل على قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)، والحاصل أنه تعالى أورد هذه الحجج على منوالٍ أبرز معها الداء المكنون في ضمائرهم، أي: أن تلك الدعوة كانت على اللين والرفق، وإرخاء العنان مع الخصم، وعدم المواجهة، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) حيث جيء بـ"لوْ" على الفرض في موضع القطع على منوال (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: ٢٢] ليبعثهم على الفكر في حال أنفسهم وما هم عليه من ركوب باطلهم وأهوائهم، وتلك الأهواء والأدواء على وجوه. أولها: التقليد وعدم التدبر والفكرة، فدل عليه بقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ)، وإليه الإشارة بقوله: "وهو إخلالهم بالتدبر واستهتارهم بدين الآباء الضُّلال". وثانيها: تعللهم بأنه مجنونٌ بعد ظهور الحق، وإليه يشير بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ). وثالثها: كراهتهم للحق، هو المراد من قوله تعالى: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). قال القاضي رحمة الله تعالى عليه: لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه. ورابعها: إعراضهم عما فيه حظهم، وهو المعني بقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ). واعلم أنه ظهر من هذا البيان أن قوله: (وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) جملةٌ معترضةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو (أَمْ تَسْأَلُهُمْ) و(أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، وأن الوجه الثاني في تفسير الحق، وهو أن يُراد به الحق الذي جاء به محمدٌ ﷺ وهو الإسلام، هو الوجهُ. والوجه الثالث، وهو أن يُراد به الله منها بعيدٌ ناب عن اقتضاء المقام، وأن قوله: "لما كان إلها ولكان شيطانًا" هفوةٌ فاحشةٌ، وإلحادٌ في أسمائه ﷿ والعياذ بالله تعالى منها. وأما
[ ١٠ / ٦١١ ]
الذي هو الصراط المستقيم، مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر، يحتمل أنّ هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة (لَناكِبُونَ) أى عادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو قوله (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) وأن كل من لا يؤمن بالآخرة فهو عن القصد ناكب.
لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال
_________________
(١) ـ الوجه الأول، وهو أن يُراد جنسُ الحق ليدخل الحق الذي السياق عليه، فهو أيضًا وجهٌ، وكان هذا أوجه، وبالاعتراض أليق. وحملُ الوجه الثاني على الاستطراد لقوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ) أنسبُ. قوله: (واستهتارهم)، الجوهري: فلانٌ مستهترٌ بالشراب، أي: مولعٌ به لا يبالي ما قيل فيه. قوله: (يحتملُ أن هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة)، يريدُ أن الآية مقابلةٌ لقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وأن الأصل: وإنهم عن الصراط لناكبون، فأقيم المظهر مقام المضمر؛ ليؤذن بأن منكر الحشر ناكبٌ عن الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام، وأن مبنى دين الإسلام على الإيمان باليوم الآخر. قوله: (وأن كل من لا يؤمن بالآخرة): عطفٌ على قوله: "أن هؤلاء"ن فعلى هذا لا يكون من إقامة المظهر مقام المضمر، بل الجملة تذييلٌ، فيدخل هؤلاء دخولًا أوليًا في هذا المقام. قوله: (أكلوا العلهز)، النهاية: هو شيءٌ يتخذونه في المجاعة، يخلطون الدم بأوبار
[ ١٠ / ٦١٢ ]
له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال: بلى. فقال قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع.
] (وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧» [
والمعنى: لو كشف الله عنهم هذا الضرّ وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب، لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار وعداوة رسول الله ﷺ والمؤمنين وإفراطهم فيها، ولذهب عنهم هذا الإبلاس وهذا التملق بين يديه ويسترحمونه، واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم أوّلا بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشدّ من الأسر والقتل وهو أطم العذاب، فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم، وجاء أعتاهم وأشدّهم شكيمة في العناد يستعطفك. أو محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم
_________________
(١) ـ الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه. وقيل: هو شيء ينبت ببلاد بني سُليم، له أصلٌ كأصل البردي. قوله: (هذا الإبلاسُ)، نحوه قوله تعالى: (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام: ٤٤] أي: متحيرون آيسون واجمون. والتملقُ: قول أبي سفيان: أنشدتك الله والرحم إلى آخره. قوله: (يسترحمونه)، جملةٌ مستأنقةٌ؛ بيان، أو حالٌ مؤكدة، والعامل: اسم الإشارة. قوله: (أو محناهم بكل محنة)، عطفٌ على قوله: "أخذناهم أولًا بالسيوف"، يعني:
[ ١٠ / ٦١٣ ]
لين مقادة وهم كذلك، حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، كقوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)] الروم: ١٢ [، (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ)] الزخرف: ٧٥ [. والإبلاس: اليأس من كل خير. وقيل: السكوت مع التحير. فإن قلت: ما وزن استكان؟ قلت: استفعل من الكون، أى: انتقل من كون إلى كون، كما قيل: استحال، إذا انتقل من حال إلى حال. ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه،
_________________
(١) ـ هؤلاء القوم قد اعتادوا اللجاج، وليس هذا الجوع بأول عذاب، حتى إذا كشفناه عنهم تضرعوا استكانوا، ألا ترى كيف أخذناهم بالسيوف يوم بدر، أو محناهم بكل محنةٍ فما استكانوا؟ وإليه الإشارة بقوله: "واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم". قوله: (لين مقادةٍ)، مستعارٌ لسهولة تأتي الحق، من قولهم: هو يقود الخيل ويقتادها. الأساس: قاد الفرس بمقاودها، وهو حبلٌ يُشد في العنق للقياد. ومن المجاز: فلانٌ سلسُ القياد؛ يتابعك على هواك. قوله: (ويجوز أن يكون افتعل من السكون)، الانتصاف: كونه استفعل من الكون أحسنُ من هذا، فإنه غير فصيح، و"بمُنتزاحِ" للضرورة. وأما تنظيره بقوله: "كما قيل: استحال: إذا انتقل" وهمٌ؛ فإن "استكان" عنده أحد أقسام استفعل الذي معناه التحول، كاستجمر استنوق، وأما "استحال" فثلاثيه من: حال يحول، أفاد معنى الحول من غير نقلٍ إلى استفعل، فاستفعل فيه بمعنى فعل. ومعنى الآية: فما انتقلوا من كون التحير إلى كون الخضوع؛ لدلالة المقام عليه. وكان جدي امتُحن ببغداد عند الناصر، فسُئل عنها فقال هو مشتقٌّ من قول العرب: كنتُ لك إذا خضعت، هي لغةٌ هذلية، وقد نقلها أبو عبيد في "الغريب"، وهو أحسنُ محاملِ الآية، ويكون استفعل بمعنى فعل مثل: قرّ
[ ١٠ / ٦١٤ ]
كما جاء: "بمنتزاح".
فإن قلت: هلا قيل: وما تضرعوا. أو: فما يستكينون؟ قلت: لأنّ المعنى: محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة. وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. وقرئ: (فتحنا).
] (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠»]
_________________
(١) ـ واستقر، وعلا واستعلى، وحال واستحال. وسُئلت: لم لا تجعله - على هذا- من استفعل للمبالغة، استحسر واستعصم. فقلتُ: المعنى: يأباه؛ لأن المقصود وصفهم بغاية القسوة، فلو جعلتها للمبالغة لم يُفد ذلك؛ لأن نفي الأدنى أبلغ من نفي الأعلى، فيكون ذمًا بأنهم ما بلغوا في الضراعة نهايتها، وهم لم يتلمظوا بشيء منها، فكيف ينفي عنهم نهايتها؟ وقال صاحب "الإنصاف": له محملٌ صحيحٌ، وهو التنبيه على أن ذلك العذاب مقتض لغاية الاستكانة، وقد ورد هذا السؤال في قوله: (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) [الأنبياء: ١٩]، وهي للمبالغة، وأجاب الزمخشري رحمه الله تعالى بما ذكرته. قوله: (كما جاء: "بمُنْتَزَاح")، الجوهري: أنت بمنتزحٍ من كذا، أي: ببعدٍ منه. قال ابن هرمة يرثي ابنه: فأنت من الغوائل حين تُرمى … ومن ذم الرجال بمنتزاح إلا أنه أشبع فتحة الزاي، فتولدت الألفُ. قوله: (هلا قيل: وما تضرعوا، أو: فما يستكينون؟)، أي: لمَ لمْ تُراع الموافقةُ بين
[ ١٠ / ٦١٥ ]
إنما خصّ السمع والأبصار والأفئدة، لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم. ومن لم يعملها فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله تعالى (فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذ كانوا يجحدون بآيات الله)] الأحقاف: ٢٦ [، ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك، أى: تشكرون شكرا قليلا، و(ما) مزيدة للتأكيد بمعنى حقا (ذَرَأَكُمْ) خلقكم وبثكم بالتناسل (وَإِلَيْهِ) تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم (وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) أى هو مختص به وهو متوليه، ولا يقدر على تصريفهما غيره. وقرئ: يعقلون، بالياء عن أبى عمرو.
] (بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣» [
أى: قال أهل مكة كما قال الكفار قبلهم. الأساطير: جمع أسطار: جمع سطر. قال رؤبة:
إنّى وأسطار سطرن سطرا
_________________
(١) ـ المعطوف والمعطوف عليه في كونهما ماضيين أو مضارعين؟ وأجاب: أن (اسْتَكَانُوا) على ظاهره؛ لأنه مرتبٌ على قولهم: (أَخَذْنَاهُمْ). وأما يتضرعون فعدولٌ عن الظاهر، لتوخي الاستمرار على عدم التضرع والدوام عليه، وإليه الإشارة بقوله: "وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا"، أي: يتضرعوا. قوله: (جمع أسطارٍ؛ جمع سطر)، كسبٍ وأسباب. قاله الجوهري. قوله: (وإني وأسطارٍ سُطرنَ سطرا)، تمامه في "المطلع": لقائل: يا نصرُ نصرًا نصرا
[ ١٠ / ٦١٦ ]
وهي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له. وجمع (أسطورة) أوفق.
_________________
(١) ـ الواو في "وأسطارٍ": واو القسم، أي: وحق كتبٍ مسطورة، كقوله: (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) [الطيور: ٢] ن والتركيب مثل: يا زيدُ زيد زيدًا، فالرفع على اللفظ، والنصب على المحلن ويجز أن يكون النصر الأخير منصوبًا على المصدر، كأنه قال: انصرني نصرًا. قال الشارح: "نصر" الأول ظاهرٌ. والثالث: مصدرٌ، وأما الوسط ففيه ثلاثة أوجه، أدها: الضم غير منن بدلٌ من الأول. وثانيها: مضمومٌ منون، عطفُ بيانٍ جار مجرى الصفة حملًا على اللفظ، نحو: يازيدُ الظريف: وثالثها: النصب على محل المنادي، كرر للتوكيد، وقيل: على الإغراء، وقيل: الثاني على العطف، والثالث على الإغراء. قوله: (وجمع "أسطورةٍ" أوفق)، رُوي عن المصنف: أن هذا البناء لما يُتلهى به، كالأضحوكة، والأحدوثة، والأعجوبة، فيكون أنسب بهذا المقام، وأن الأصل عدم جمع الجمع. الراغب: السطر والسطر: الصف من الكتابة، ومن الشجر المغروس، ومنا لقوم الوقوف، وسطر فلانٌ كذا: كتب سطرًا سطرًا. وجمعُ السطر: أسطرٌ، وسطور. وجمعُ أسطر: أسطارٌ، كقول الشاعر: وأسطارٍ سطرن سطرًا. وأما قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) فقد قال المبرد: هي جمع أسطورة، نحو أرجوحة وأراجيح، وأثفيةٌ وأثافي، وأحدوثة وأحاديث. وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) [النحل: ٢٤]؛ أي: شيءٌ اكتتبوه كذبًا ومينًا فيما زعموا، نحو قوله تعالى: (اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الفرقان: ٥]، وقوله تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) [الغاشية: ٢٢]، فإنه يقال: سيطر على كذا وتسيطر: إذا قام عليه قيام سطر، يقول: لست عليهم بحافظ وقائم، واستعمال مسيطر هنا كاستعمال القائم في قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: ٣٣]، وقيل: معناه: لست عليهم بحفيظ، فيكون المسيطر كالكاتب في قوله تعالى: (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: ٨٠].
[ ١٠ / ٦١٧ ]
[(قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩» [
أى أجيبونى عما استعلمتكم منه «١» إن كان عندكم فيه علم، وفيه استهانة بهم وتجويز لفرط جهالتهم بالديانات: أن يجهلوا مثل هذا الظاهر البين. وقرئ: (تذكرون)، بحذف التاء الثانية «٢» ومعناه: أفلا تتذكرون فتعلموا أنّ من فطر الأرض ومن فيها اختراعا، كان قادرا على إعادة الخلق، وكان حقيقا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية!
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: (تَذَكَّرُونَ) بحذف التاء الثانية)، حفصٌ وحمزةُ والكسائي. قوله: (أفلا تذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها اختراعًا، كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية)، مؤذنٌ باتصال قله: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا) بقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) بواسطة قوله تعالى: (قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا)، والكلام يستدعي مزيد بسط. واعلم أن كلا من المقالات الثلاث المذيلة بقوله: (أَفَلا تَذَكَّرُونَ)، (أَفَلا تَتَّقُونَ)، (فَأَنَّا تُسْحَرُونَ) جاء لإثبات ما أنكروه من أن لا حشر ولا بعث، ولتصديق ما كذبوه من وعد الرسل بمجيء الساعة في قوله تعالى حكاية عنهم: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) ولتقدمه دلائل التنزيه، ونفي الشرك، وإثبات العلم الشامل في قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) وقوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، وكان قوله:
[ ١٠ / ٦١٨ ]
_________________
(١) ـ (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) تخلصًا إلى الدلائل؛ لأن معناه: بل أتيناهم بالحق من التوحيد، والوعد بالنشور، وإنهم لكاذبون حيث أنكروا ذلك، وفي التذييلات الثلاث من الأدنى إلى الأغلظ في التعريض، وأنها من الأمور المسلمة، لقوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ). أما قوله: (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) فمعناه: إنكم تعلمون علم يقينٍ أن الأرض وما فيها ملكه، وهو فطرها اختراعًا، أفلا تذكرون أن من كان قادرًا على ذلك كان قادرًا على إعادة الخلق، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم: ٢٧]؟ أي: عندكم وفي تقديركم، وكان حقيقًا بأن لا ينسبوا إليه الولد، وأن لا يشركوا به بعض خلقه، ويتنبهوا على أنه عالمٌ بالأشياء كلها. وقوله: (أَفَلا تَتَّقُونَ) أبلغُ من الأول وأزجر، يعني: أنكم بعد ما تيقنتم بالدلائل الدالة، ثم ذكرتم بالوحي أن الأمر كذلك، لم لا تمتنعون عما أنتم عليه، ولا تمسكون عن الإنكار، أفلا تتقون، فتخافون عقابه؛ لأن من غفل ربما عُذر. وقوله تعالى: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أبلغ منها في التعيير والتقريع، يعني: أنكم مع ذلك كله معاندون مكابرون، كأنكم ما عرفتم ذلك ولا نبهتهم عليه، فلا شك أنكم مسحورون مسلوبو العقول، متبعو الهوى والشيطان. الراغب: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي: من أين يأتيكم ما يغلب على عقولكم فيخيل الباطل إليها حقا، والقبيح عندها حسنًا، أمن علمكم بأن الله تعالى مالك الأرض ومن فيها، أم من علمكم بأنه رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، أم من علمكم بأن له الملك الأغلب، والعز الأبلغ، وأنه يمنعُ منه، ويحمي عن عقابه ولا يحمى منه، وليس في شيء من ذلك ما يرى الفاسد والمعوج قويمًا، فبهذا الذي خُتمت به الثالثة ما يتمم معناه بخواتم ما قبله وكل في مكانه اللائق به.
[ ١٠ / ٦١٩ ]
قرئ: الأوّل، باللام لا غير. والأخيران باللام، وهو هكذا في مصاحف أهل الحرمين
_________________
(١) ـ وقلت: وفي الآيات الدلالة على أن إنكار الحشر والبعث أمرٌ عظيم وخطبٌ جليل، وأن منكره معطل مبطلٌ للذات والصفات؛ لتوقف الملك، أعني: الأرض والسماوات والعرش وملكوت كل شيء، على ذلك، واستتباعه العلم بالتنزيه والتوحيد والعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (قرئ الأول باللام لا غير، والآخران باللام)، أبو عمرو: "سيقولون الله" في الحرفين الأخيرين: بالألف وضم الهاء، والباقون: بغير ألف، وكسر اللام وجر الهاء، ولا خلاف في الحرف الأول. قال الزجاج: لو قيل: من صاحب هذه الدار؟ فأجبت: زيدٌ، لكان جوابًا على لفظ السؤال. ولو قلت: لزيد، لجاز أيضًا؛ لأن معنى "من صاحب هذا الدار": لمن هذه الدار؟ وأنشد صاحب "المطلع": إذا قيل من رب القيان بموقفٍ … وربُّ الجياد الجرد؟ قيل: لخالد وقال الزجاج: لو قرئ الأول بغير اللام على المعنى لكان جيدًا، ولكن لم يُقرأ به، وأنشد: فقال السائلون لمن حفرتم … فقال المخبرون لهم: وزير وكان من الظاهر أن يقال: لوزيرهم. وأنشد الفراء قبله: وأعلمُ أنني سأكون رمسًا … إذا سار النواجع لا أسيرُ
[ ١٠ / ٦٢٠ ]
والكوفة والشام، وبغير اللام وهو هكذا في مصاحف أهل البصرة، فباللام على المعنى، لأن قولك من ربه، ولمن هو في معنى واحد، وبغير اللام على اللفظ. ويجوز قراءة الأوّل بغير لام، ولكنها لم تثبت في الرواية (أَفَلا تَتَّقُونَ) أفلا تخافونه فلا تشركوا به وتعصوا رسله. أجرت فلانا على فلان: إذا أغثته منه ومنعته، يعنى: وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا (تُسْحَرُونَ) تخدعون عن توحيده وطاعته. والخادع: هو الشيطان والهوى.
] (بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ٩٠ - ٩٢ [
وقرئ: (أتيتهم) و(أتيتهم)، بالفتح والضم (بِالْحَقِّ) بأن نسبة الولد إليه محال والشرك باطل (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) حيث يدعون له ولدا ومعه شريكا (لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) لا نفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبدّ به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزا من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضا كما ترون
_________________
(١) ـ والنواجعُ: الذين يخرجون إلى البادية لطلب الكلأ، يقال: رجلٌ ناجعٌ، وقومٌ ناجعةٌ ثم نواجع. قوله: «تُسْحَرُونَ): تُخدعون)، جعل خداع الشيطان والهواء كالسحر في سلب العقول. قوله: «بِالْحَقِّ) بأن نسبة الولد إليه محال)، قال القاضي: بل أتيناهم بالحق من التوحيد والوعد والنشور، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) حيثُ أنكروا ذلك.
[ ١٠ / ٦٢١ ]
حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لم تروا أثرا لتمايز الممالك وللتغالب، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء. فإن قلت: إذا لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله (لذهب) جزاء وجوابا ولم يتقدّمه شرط ولا سؤال سائل؟ قلت: الشرط محذوف تقديره: ولو كان معه آلهة. وإنما حذف لدلالة قوله: (وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ) عليه. وهو جواب لمن معه المحاجة من المشركين (عَمَّا يَصِفُونَ) من الأنداد والأولاد (عالِمِ الْغَيْبِ) بالجرّ صفة لله. وبالرفع: خبر مبتدإ محذوف.
] (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ* رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ) [
"ما" والنون: مؤكدتان، أى: إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة (فَلا تَجْعَلْنِي) قرينا لهم ولا تعذبني بعذابهم. عن الحسن: أخبره الله أن له في أمته نقمة ولم يخبره أفى حياته أم بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء. فإن قلت: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين، حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلت: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله، إظهارا للعبودية وتواضعا لربه، وإخباتا له. واستغفاره ﷺ إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك، وما أحسن قول الحسن في قول أبى بكر الصديق ﵄ «وليتكم ولست بخيركم: كان يعلم أنه خيرهم، ولكن المؤمن يهضم
_________________
(١) ـ قوله: (أخبره الله تعالى أن له في أمته نقمةً، ولم يخبره: أفي حياته أم بعد موته؟ فأمره أن يدعو بهذا الدعاء)، وفي الحديث: "إذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غير مفتون"، أخرجه أحمد بن حنبلٍ في "مسنده"، والترمذي في "سُننه"، عن ابن عباس.
[ ١٠ / ٦٢٢ ]
نفسه. وقرئ: (إما ترئنهم)، بالهمز مكان تريني، كما قرئ: (فإما ترئن)] مريم: ٢٦ [، و(لترؤن الجحيم)] التكاثر: ٦ [. وهي ضعيفة. وقوله (رَبِّ) مرتين قبل الشرط وقبل الجزاء، حث على فضل تضرع وجؤار. كانوا ينكرون الموعد بالعذاب ويضحكون منه واستعجالهم له لذلك، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد إن تأملتم، فما وجه هذا الإنكار؟
] (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ) [
هو أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة، لما فيه من التفضيل، كأنه قال: ادفع بالحسنى السيئة.
والمعنى: الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه: كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة. وهذه قضية قوله (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وعن ابن عباس:
_________________
(١) ـ قوله: (وهي ضعيفة)، قال المصنف: ربما حملتهم فصاحتهم على أن يهمزوا ما ليس بمهموز، فقالوا لبأت بالحج. وتحقيقه أن الهمز يواخي حروف اللين في أن بعضها ينقلبُ إلى بعض. قوله: (وهذه قضية قوله: (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، يعني: كل هذه التقادير من الصفح عن الإساءة، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، وبذل الاستطاعة فيه، يعطيه خاصية هذا التركيب ما ذكر الزمخشري يقتضي المفاضلة بين الحسنة والسيئة، ولا اشتراك بينهما، والمراد أن الحسنة في باب الحسنات أزيدُ من السيئة في باب السيئات، فتجيء الحسنة فيما هو أعم، كقولك: العسل أحلى من الخل، أي: هو في أصناف الحلاوة أجودُ من الخل في أصناف الحامضة، لا لاشتراك بينهما، ويحكي أن أشعب قال: نشأت أنا والأعمش في حجر فلان،
[ ١٠ / ٦٢٣ ]
هي شهادة أن لا إله إلا الله. والسيئة: الشرك. وعن مجاهد: السلام: يسلم عليه إذا لقيه. وعن الحسن: الإغضاء والصفح. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة لأنّ المداراة محثوث عليها ما لم تؤدّ إلى ثلم دين وإزراء بمروءة (بِما يَصِفُونَ) بما يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها. أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم، والله أعلم بذلك منك وأقدر على جزائهم.
] (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)]
_________________
(١) ـ فما زال يعلو وأستفِلُ حتى استوينا، أي: بلغ كل واحدٍ منا الغاية. وقال: وتحتمل الآية وجهًا آخر من التفضيل، وهو المفاضلةبين الحسنات؛ فإنها قد تدفع بصفح وإغضاء، وقد تدفع بإحسان، وقد يبلغ فيه غاية الاستطاعة، فهذه أنواعٌ كلها دفع، وبعضها أحسن، فأمر بأخذ الأحسن منها في دفع السيئة. وقلت: المصنف لم يرد إلا هذا؛ لأنه قال في قوله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [فصلت: ٣٤]، يعني: أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسناتٌ فادفع بها السيئة التي تردُ عليك من بعض أعدائك، وقال: أو وضع التي هي أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة؛ لأن من دفع بالحسنى هان الدفع بما دونها. قوله: (هي شهادة أن لا إله إلا الله، والسيئةُ: الشركُ)، أي: اقلع باطلهم بحقك، استأصل شركهم بتوحيدك، قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) [الأنبياء: ١٨]، فعلى هذا الآية ثابتةٌ غير منسوخةٍ أصلًا. قوله: (لأن المداراة)، المداراةُ: غير مهموز، من الدري: وهو الختلُ، والمهموزُ من الدرء: وهو الدفعُ.
[ ١٠ / ٦٢٤ ]
الهمز: النخس. والهمزات: جمع المرّة منه. ومنه: مهماز الرائض. والمعنى أنّ الشياطين يحثون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها، كما تهمز الراضة الدواب حثا لها على المشي. ونحو الهمز الأزّ في قوله تعالى (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)] مريم: ٨٣ [أمر بالتعوّذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، المكرّر لندائه، وبالتعوذ من أن يحضروه أصلا ويحوموا حوله. وعن ابن عباس ﵄: عند تلاوة القرآن. وعن عكرمة: عند النزع.
] (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [.
(حَتَّى) يتعلق (بيصفون)، أى: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقف. والآية فاصلة بينهما
_________________
(١) ـ قوله: (مهمازُ الرائض)، الجوهري: المهمازُ: حديدةٌ تكون في مؤخر خُف الرائض. قوله: (من أن يحضروه أصلًا)، أي: أعوذ بك رب أن يحضرون، أي: يحوموا حولي فضلًا عن نسخاتهم، ووساوسهم؛ لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم إلا للشر، فيجب أن يحترز من حضوره بالتعوذ، وهذا ما ذكره صاحب "المطلع"، وفيه إيذانٌ بأن "يحضرون" مقطوعٌ عن متعلقه بمنزلة اللازم، فاستعاذ من حضوره مطلقًا، يدل عليه قوله: "عند تلاوة القرآن أو عند النزاع"، فإن هذين الوجهين مقيدان. الراغب: الحضر: خلاف البدو، والحضارة بكسر الحاء وفتحها: الكون بالحضر، ثم جُعل ذلك اسمًا لشهادة مكان أو إنسان أو غيره، قال تعالى: (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)، وذلك من باب الكناية، أي: تحضرني الجن، وكُني عن المجنون وعمن حضره الموت بالمحتضر.
[ ١٠ / ٦٢٥ ]
على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعينا بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم. أو على قوله: (وإنهم لكاذبون)] المؤمنون: ٩٠ [. خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم، كقوله: فإن شئت حرّمت النّساء سواكم
وقوله:
ألا فارحمونى يا إله محمّد
إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر، أدركته الحسرة على ما فرّط فيه من الإيمان
_________________
(١) ـ قوله: (على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم)، يعني: (حَتَّى) مع ما يتصلُ بها غاية قوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) على قوله: (يَصِفُونَ)، ومضمونه: دارهم ما داموا في قيد الحياة، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ويستزلك من المداراة واللم. فاستعذ بالله، واستعن به. هذا ينصر قول من قال: إن قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) محكمةٌ، كما قال: "لأن المداراة محثوث عليها". قوله: (أو على قوله: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»، يريد (حَتَّى) يتعلق بـ (يَصِفُونَ) أو مردودٌ على قوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، وفي نسخة: "أو بقوله": أي: لا يزالون على تكذيبهم (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)، والوجه هو الأول كما شرحناه. قوله: (خطاب الله بلفظ الجمع)، أي: (ارْجِعُونِ)، وفي نسخة: "خاطب الله"، كقوله: فإن شئت حرمتُ النساء سواكم … وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا النقاخ: الماء البارد، والبرد: النوم. قوله: (ألا فارحموني يا إله محمدٍ)، تمامه:
[ ١٠ / ٦٢٦ ]
والعمل الصالح فيه، فسأل ربه الرجعة وقال (لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا) في الإيمان الذي تركته، والمعنى:
لعلى آتى بما تركته من الإيمان، وأعمل فيه صالحا، كما تقول: لعلى أبنى على أس، تريد:
أسس أسا وأبنى عليه. وقيل: (فيما تركت) من المال. وعن النبي ﷺ: «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان! بل قدوما إلى الله. وأمّا الكافر فيقول: (رب ارجعون)» (كَلَّا) ردع عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد. والمراد بالكلمة: الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض، وهي قوله: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ). (هُوَ قائِلُها) لا محالة، لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه وتسلط الندم. أو هو قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ) والضمير للجماعة، أى: أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وليس المعنى: أنهم يرجعون يوم البعث،
_________________
(١) ـ فإن لم أكن أهلًا فأنت له أهل قوله: (لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل صالحًا فيه)، هو كقوله تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) وقولك للمحدث: صل. قوله: (أو هو قائلها وحده) عطفٌ على قوله: "هو قائلها لا محالة لا يخليها"، وذلك أن التركيب من باب أنا عارفٌ، فإذا اعتبر أن (هُوَ) مبتدأ ابتداءً، و(قَائِلُهَا) الخبرُ، فهو من باب: تقوي الحكم، وإليه الإشارة بقله: "هو قائلها لا محالة لا يخليها"، وإذا اعتبر أنه من باب تقديم الفاعل المعنوي، ويفيد التخصيص، قيل: هو قالها وحده لا يجاب إليها، ولا تُسمعُ منه، ونحوه: إذا كلمك صاحبك بما لا جدوى تحته، فتجيبه وتقول: اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع، يعني: إنها مما لا يُسمع منك ولا يستحق الجواب. قوله: (وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث)، يريد أن "إلى" لانتهاء الغاية، فإذا قيل:
[ ١٠ / ٦٢٧ ]
وإنما هو إقناط كلى لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
] (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١» [
(الصور) بفتح الواو، عن الحسن. و(الصور) - بالكسر والفتح - عن أبى رزين. وهذا دليل لمن فسر "الصور" بجمع الصورة، ونفى الأنساب: يحتمل أنّ التقاطع يقع بينهم حيث يتفرّقون معاقبين ومثابين، ولا يكون التواصل بينهم والتألف إلا بالأعمال، فتلغوا الأنساب وتبطل، وأنه لا يعتدّ بالأنساب لزوال التعاطف والتراحم بين الأقارب، إذ يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه. وعن ابن مسعود: (ولا
_________________
(١) ـ من ورائهم حائلٌ بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، يفهم الغاية فيلزم الرجوعُ بعده. وتحرير المعنى: أن (كلًا) للردع، فيقف عليها ويبتدئ من قوله: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، أي: ارتدع من هذا الكلام؛ إنها كلمةٌ هو قائلها لا يجاب إليها، ولا يُسمع منه، فلا رجوع؛ لأن ذلك أمرٌ قد حيل بينه وبينه؛ لأن أمامه حائلًا بينه وبين الرجعة إلى يوم القيامة وإذا كان أمامه هذا الحائل فأين الرجوع؟ وهو المراد من قوله: "وإنما هو إقناطٌ كليِّ"، ونحوه في التقييد بالمحال للمبالغة: قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]، يعني: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها، فإنهم يذوقونها، يعني: أنهم لا يموتون البتة. قوله: (وهذا دليلٌ لمن فسر "الصور" بجمع الصورة)، أي: قراءة الحسن وأبي رزين. قال الزجاج: قال كثيرٌ من أهل اللغة: الصور: جمع صورة، والذي جاء في التفسير: جمع صورة: صورٌ، وكذا في قوله: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: ٧٤]، ولم يقرأ أحدٌ: "صوركم". وأيضًا، لو كان جمع "صورة" لقال: ثم نُفخ فيها أخرى؛ لأنك تقول: هذه صورٌ، ولا تقول: هذا صورٌ، إلا على ضعف.
[ ١٠ / ٦٢٨ ]
يساءلون)، بإدغام التاء في السين. فإن قلت: قد ناقض هذا ونحو قوله (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)] المعارج: ١٠ [قوله: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ)] الصافات: ٢٧ [] الطور: ٢٥ [وقوله (يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ)] يونس: ٤٥ [فكيف التوفيق بينهما؟ قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنّ يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أزمنة وأحوال مختلفة يتساءلون ويتعارفون في بعضها، وفي بعضها لا يفطنون لذلك لشدّة الهول والفزع. والثاني: أنّ التناكر يكون عند النفخة الأولى، فإذا كانت الثانية قاموا فتعارفوا وتساءلوا.
[(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ* تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ)].
عن ابن عباس: الموازين: جمع موزون؟ وهي الموزونات من الأعمال: أى الصالحات، التي لها وزن وقدر عند الله، من قوله تعالى (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا). (فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ) بدل من (خسروا أنفسهم)، ولا محلّ للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محلّ لها. أو خبر بعد خبر لأولئك.
أو خبر مبتدإ محذوف (تَلْفَحُ) تسفع. وقال الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلا أنّ اللفح أشدّ تأثيرا. والكلوح: أن
_________________
(١) ـ قوله: (قد ناقض هذا)، الانتصاف: يجب الأدب في إيراد الأسئلة على الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولو أورد هذا السؤال رجلٌ على عمر ﵁ كذا لأوجع ظهره بالدرة. قوله: (وهي الموزونات من الأعمال)، هذا أحد وجهي ما ذكره في الأعراف عند قوله: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) [الأعراف: ٨]، والوجه الآخر: الموازين: ما يوزن به حسناتهم. هذا هو الحق الذي لا محيد عنه لأهل الحق عنه، وقد حققناه هناك بالأحاديث الصحية. قوله: «تَلْفَحُ) تسفعُ)، يقالُ: سفعته النارُ، أي: أحرقته. الراغب: يقال لفحته
[ ١٠ / ٦٢٩ ]
تتقلص الشفتان وتتشمرا عن الأسنان، كما ترى الرءوس المشوية. وعن مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مرّ في السوق برأس أخرج من التنور فغشى عليه ثلاثة أيام ولياليهنّ. وروى عن النبي ﷺ أنه قال «تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته وقرئ: (كلحون).
] (أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨» [
(غَلَبَتْ عَلَيْنا) ملكتنا، من قولك: غلبني فلان على كذا، إذا أخذه منك وامتلكه. والشقاوة سوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها بسوء أعمالهم. قرئ (شِقْوَتُنا) و(شقاوتنا) بفتح الشين وكسرها فيهما (اخْسَؤُا فِيها) ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت. يقال: خسأ الكلب وخسأ بنفسه. (وَلا تُكَلِّمُونِ) في رفع
_________________
(١) ـ الشمس والسموم، قال تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ) [المؤمنون: ١٠٤]، وعنه استعير لفحته بالسيف. قوله: (قال: تشويه النار فتقلص)، الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده"، والترمذي، عن أبي سعيد. قوله: «شِقْوَتُنَا) و"شقاوتنا")، حمزة والكسائي: "شقاوتنا" بالألف مع فتح الشين والقاف، والباقون: بكسر الشين وإسكان القاف. قال الزجاج: والمعنى واحدٌ.
[ ١٠ / ٦٣٠ ]
العذاب، فإنه لا يرفع ولا يخفف. قيل: هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن عباس: إنّ لهم ست دعوات: إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة: (رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا)] السجدة: ١٢ [فيجابون: (حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي)] السجدة: ١٢ [، فينادون ألفا (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ)] غافر: ١١ [، فيجابون: (ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ)] غافر: ١٢ [، فينادون ألفا: (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ)] الزخرف: ٧٧ [،، فيجابون: (إِنَّكُمْ ماكِثُونَ)] الزخرف: ٧٧ [: فينادون ألفا: (رَبَّنا أَخِّرْنا)] إبراهيم: ٤٤ [، فيجابون: (أَوَ لَمْ تَكُونُوا)] إبراهيم: ٤٤ [، فينادون ألفا: (أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا)] فاطر: ٣٧ [، فيجابون: (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ)] فاطر: ٣٧ [، فينادون ألفا: (رَبِّ ارْجِعُونِ)] المؤمنون: ٩٩ [، فيجابون: (اخْسَؤُا فِيها)] المؤمنون: ١٠٨ [.
[(إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ)].
في حرف أبىّ: (أنه كان فريق)، بالفتح، بمعنى: لأنه. السخري - بالضم والكسر -: مصدر سخر كالسخر، إلا أن في ياء النسب زيادة قوّة في الفعل، كما قيل الخصوصية في الخصوص. وعن الكسائي والفراء: أنّ المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية، أى: تسخروهم واستعبدوهم، والأوّل مذهب الخليل وسيبويه. قيل:
_________________
(١) ـ قوله: ("السخري" بالضم والكسر)، نافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ: بالضمن والباقون: بالكسر. قوله: (والأول مذهبُ الخليل وسيبويه)، قال الزجاج: بالضم والكسر جيد، وقيل: ما كان من الاستهزاء فهو بالكسر، وما كان من جهة التسخير فهو بالضم، وكلاهما عند
[ ١٠ / ٦٣١ ]
هم الصحابة وقيل أهل الصفة خاصة. ومعناه: اتخذتموهم هزؤا وتشاغلتم بهم ساخرين (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ) بتشاغلكم بهم على تلك الصفة (ذِكْرِي) فتركتموه، أي:
_________________
(١) ـ سيبويه والخليل واحدٌ، واكسر لاتباع الكسر أحسنُ. وقال الواحدي: يقال: سخر منه وبه سخرية وسخريًا: إذا هزيء به، ومن السخرة التي بمعنى العبودية: "سُخريا" بالضم لا غير، ومن ثم اتفقوا على الضم في الزخرف؛ لأنه منا لسخرة، وعلى القراءتين جميعًا: هو مصدرٌ وُصف به، ولذلك أُفرد. قوله: «حَتَّى أَنسَوْكُمْ) بتشاغلكم بهم على تلك الصفة (ذكري»، يعني: (حتى) مع ما يتصل بها: غايةٌ لقوله: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا)، فلابد من تأويله بما يستقيم أن يكون هذا غايةً له، فيقال: تشاغلتم بهم ساخرين حتى جعلتموهم بسبب تشاغلكم بهم بصفة السخرية سببًا لنسيانكم ذكر الله، فظهر أن إسناد النسيان إلى الأولياء مجازي، والفاء في قوله: "فتركتموه" مؤذنة بأن الترك مسببٌ عما قبله، وقوله: (وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) تذييل. وقوله: "فتخافوني في أوليائي"، مسببٌ عن قوله: "أن تذكروني"، والمراد بالأولياء (عِبَادِي) في قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ)، وإنما دعاه إلى تفسير "فتركتموه" بقوله: "تركتم أن تذكروني فتخافوني" أن قوله: (حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي) متضمنٌ للتخويف، لوروده توبيخًا للقوم، وأنه إنما جرهم إلى السخرية بأولياء الله ترك الذكر المؤدي إلى عدم الخوف من الله تعالى، وما يكشف عن هذا المعنى إلا النظم، وبيانه أن قوله: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) مرتبٌ على قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا)،
[ ١٠ / ٦٣٢ ]
تركتم أن تذكروني فتخافونى في أوليائى. وقرئ (أَنَّهُمْ) بالفتح، فالكسر استئناف، أى: قد فازوا حيث صبروا، فجزوا بصبرهم أحسن الجزاء. وبالفتح على أنه مفعول (جزيتهم)، كقولك: جزيتهم فوزهم.
] (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤» [
(قالَ) في مصاحف أهل الكوفة. و(قل): في مصاحف أهل الحرمين والبصرة
_________________
(١) ـ وهو تعليلٌ لقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ)، يعني: إنما خسأناكم كالكلب؛ لأن فريقًا من أوليائي وخُلص عبادي لما ذكروا الله تعالى واستغفروه ودعوا الله بالرحمة، اتخذتموهم سخريًا، وامتدت تلك السخرية، وما انقطع خيط أسبابها حتى نسيتم ذكر الله بالكلية، وذكر خوفه وعقابه، وما تركتم ذلك إلا استهزاء بأولئك السادة، فهذا جزاؤكم، ثم ذكر لهم ما يريد في خسأهم وحسرتهم من جزاء أعدائهم بقوله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ). قوله: (وقرئ: (أَنَّهُمْ)، بالفتح والكسر)، حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بفتحها. قوله: «قَالَ) في مصاحف أهل الكوفة، و"قل": في مصاحف أهل الحرمين)، ابن كثير وحمزة والكسائي: "قل" بغير ألف، والباقون: (قال) بالألف. وإنما كان في "قُلْ" ضمير الملك أو بعض الرؤساء؛ لأنه أمر بإنشاء القول، فلا يصح أن يكون الآمر هو القائل. وأما (قال) فهو إخبارٌ، فيصح أن يكون القائل الله ﷿، أو الملائكة ﵈
[ ١٠ / ٦٣٣ ]
والشام، ففي (قالَ) ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وفي «قل» ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار.
استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في سرور، وأيام السرور قصار، أو لأنّ المنقضى في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله في مقالهم لسنى لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. وقرئ فَسْئَلِ الْعادِّينَ والمعنى: لا نعرف من عدد تلك السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوما أو بعض يوم، لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدّها، فسل من فيه أن يعدّ، ومن يقدر أن يلقى إليه فكره. وقيل: فسل الملائكة الذين يعدّون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. وقرئ: (العادين)، بالتخفيف، أى: الظلمة، فإنهم يقولون كما نقول. وقرئ: (العاديين)، أى: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟ وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.
[(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)].
_________________
(١) ـ بأن يكونوا مأمورين بأن يسألوا عن الكفرة، ويقولوا: كم لبثتم؟ فالباء في "بسؤالهم" متعلقٌ بالمأمور، و"مِنْ" في "من الملائكة": بيان المأمور بالسؤال. قوله: (وقرئ: "فسل العادين")، ابن كثير والكسائي. قوله: (وما فينا أن نعدها)، أي: ما نطيق عدها، كقول المريض: ما في أن أقوم، أو: ما في وسعنا أن نعده، فسل من في وسعه عده.
[ ١٠ / ٦٣٤ ]
(عَبَثًا) حال، أي: عابثين، كقوله (لاعِبِينَ) [الأنبياء: ١٦] أو مفعول له، أى: ما خلقناكم للعبث، ولم يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي: أن نتعبدكم ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي، ثم نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء (وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) معطوف على (أَنَّما خَلَقْناكُمْ) ويجوز أن يكون معطوفا على (عَبَثًا) أى: للعبث، ولترككم غير مرجوعين. وقرئ (تُرْجَعُونَ) بفتح التاء (الْحَقُّ) الذي يحق له الملك، لأن كل شيء منه وإليه. أو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه. وصف
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ترجعون" بفتح التاء) وكسر الجيم: حمزة والكسائي، والباقون: بضم التاء. قوله: «الحَقُّ) الذي يحق له المُلك)، (الحَقُّ) صفةٌ لـ (المَلِكُ)، واللام للجنس، والصفة مميزة؛ ولهذا علله بقوله: "لأن كل شيء منه وإليه"، يعني: أن مالكًا غيره ما يملكه من الله تعالى بدأ، وإليه يعود في العاقبة، فيكون هو الملك الواجب ملكه. قال القاضي: (المَلِكُ): الذي يحق له الملك مطلقًا؛ فإن من عداه مملوكٌ بالذات، مالكٌ بالعرض من وجه دون وجه، وفي حال دون حال. تم كلامه. ويرجع معنى هذا التفسير إلى أن (الحق) بمعنى الواجب؛ ولذلك قال في التفسير الثاني: "أو الثابت الذي لا يزول"، التفسير الأول أبلغ وأوفق لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض؛ وذلك أن الفاء في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ) مستدعية لما يربط به ما بعده بما قبله، وذلك أنه تعالى لما أنكر حُسبان منكري الحشر، وزعمهم أن لا حساب ولا عقاب، ولا رجوع ولا ثواب، وأنه تعالى خلقهم سُدى، نزه ذاته الأقدس عما يؤدي إلى ذلك الحسبان من العبث في الخلق، وعظم سلطانه، يعني: كيف يليق بمن هو الملك على الإطلاق وأنه
[ ١٠ / ٦٣٥ ]
العرش بالكرم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كراما. وقرئ. (الكريم)، بالرفع. ونحوه: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)] البروج: ١٥ [. (لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) كقوله (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا)] آل عمران: ١٥١ [وهي صفة لازمة، نحو قوله (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨] جيء
_________________
(١) ـ منفردٌ في الإلهية، وأنه رب العرش الكريم، أن يكون في فعله عبث؟ ثم بين أن هذا القول لايقوله إلا من يدعو مع الله إلها آخر لا برهان له، فالآيات قريبة من الآيات السابقة، هي قوله: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا) [المؤمنون: ٨٢] إلى آخرها. وانظر إلى هذا الخطاب العظيم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، ثم اقطع على المتسمين بالإسلام من الذين في قلوبهم زيغٌ بالكفر الصريح، حيث يشتغلون بالفضول من العلوم مما يؤديهم إلى تكذيب الله. روينا عن البخاري النسائي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علىّ من إعادته". قوله: (أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين)، يعني أنه كناية، كقول الشنفري: يبيت بمنجاةٍ من اللوم بيتها … إذا ما بيوتٌ بالملامة حلت والوجه الأول: من الاستعارة المكنية، كان العشر في نفسه كريم، وأن الرحمة والخير والبركة تصدر عنه. ويجوز أن يكون إسنادًا مجازيًا. قال القاضي: العرش الكريم: الذي يحيط بالأجرام، وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام. قوله: (صفة لازمة)، أي: مؤكدةٌ، نحوه قولك: أمس الدابر لا يعود. ومن ثم استشهد
[ ١٠ / ٦٣٦ ]
بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان «٢». ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء، كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه. وقرئ: أنه لا يفلح بفتح الهمزة. ومعناه: حسابه عدم الفلاح، والأصل: حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع (الكافرون) موضع الضمير، لأنّ (مَنْ يَدْعُ) في معنى الجمع، وكذلك (حِسابُهُ … إِنَّهُ لا يُفْلِحُ) في معنى «حسابهم أنه لا
_________________
(١) ـ بقوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، وليس بصفةٍ مخصصةٍ ليمتاز بها عن الآلهة التي يجوز أن يقوم عليها برهانٌ. قوله: (اعتراضًا بين الشرط والجزاء)، وذلك أن معنى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ومن يشرك بالله فالله يتولى عقابه، فإذا لا أحد أقل حيلةً منه، فحينئذٍ يحسن أن يكون قوله: (لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) توكيدًا لمضمون الشرط والجزاء، وعكسه من أحسن إلى زيد فالله مثيبه، فإذًا لا أحد أحق بالإحسان منه. قوله: (وكذلك (حسابه … إنه لا يفلح»، يعني: كما أن (وَمَنْ يَدْعُ) مفردُ اللفظ مجموع المعنى، فكذلك (حِسَابُهُ) مفرد اللفظ مجموع المعنى، والمشبه والمشبه به تعليلٌ لوضع (الْكَافِرُونَ) موضع الضمير المفرد، وإنما وجب الجمع؛ لأن الآية تذييلٌ للآيات الواردة في حق المعاندين المصرين. وأما الضمير في (إنهُ): فللشأن. وتلخيصه: أن من أشرك بالله وأصر عليه فإن عاقبته وخيمةٌ، ولا نجاح له البتة. هو تسليةٌ للرسول صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثم قال ابن جني: معناه: أن حسابه يؤخر إلى أن يقلى ربه، فيُحاسب حينئذ. وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة، ولا التذكير في الدنيا، فيؤخر حسابه إلى أن يحاسب عند ربه، لعدم انتفاعه. وقلت: إنما وضع (الْكَافِرُونَ) موضع الضمير المفرد بعد الإفراد في حسابه؛ للإشعار بأن عدم الفرح معللٌ بالكفر، أو لرعاية التوافق في الفواصل، وليتطابق أول السورة
[ ١٠ / ٦٣٧ ]
يفلحون». جعل فاتحة السورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وأورد في خاتمتها (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالروح والريحان وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت.
وروى: أنّ أوّل سورة (قد أفلح) وآخرها من كنوز العرش، من عمل بثلاث آيات من أوّلها، واتعظ بأربع آيات من آخرها: فقد نجا وأفلح وعن عمر بن الخطاب ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحى يسمع عنده دوىّ كدوىّ النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يده وقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا،
_________________
(١) ـ وآخرها، كما قال: وافتتح بـ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)، وأورد في خاتمتها: (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). وكل هذه الرموز يعضده النظم الذي أشرنا إليه في أثناء السورة، ألا ترى كيف أمر حبيبه صلوات الله وسلامه عليه بعد أن سلاه عن إسلام من لا ينجع دعاؤه فيه، بأن يطلب الغفران والرحمة في دعائه لنفسه ولمتبعيه، ورمز فيه إلى متاركة مخالفيه بقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)؟ قوله: (كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي)، الحديث، رواه أحمد بن حنبل في "مسنده"، والترمذي في "سننه"، عن عمر ﵁. قوله: (وآثرنا ولا تؤثر علينا)، النهاية: آثر يؤثر إيثارًا: إذا أعطى، يقال: يستأثر عليكم،
[ ١٠ / ٦٣٨ ]
وارض عنا وأرضنا» ثم قال «لقد أنزلت علىّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة» ثم قرأ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) حتى ختم العشر.
_________________
(١) ـ أي: يُفضل عليكم غيركم في نصيبه. في حديث عمر رضي الله تعالى عنه: والله ما استأثر بها عليكم، ولا آخذها دونكم. تمت، والحمد لله رب العالمين
[ ١٠ / ٦٣٩ ]