مدنية وهي ثنتان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ١]
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ قالت عائشة ﵂: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات! لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وقد سمع لها. وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها
_________________
(١) سورة المجادلة مدنية وهي ثنتان وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات)، عن البخاري وأحمد بن حنبل والنسائي وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد
[ ١٥ / ٢٦٤ ]
وقال: قد سمع الله لها. وقرئ: (تحاورك) أي: تراجعك الكلام. و(تحاولك)، أي: تسائلك، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة، رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت، فغضب وكان به خفة ولمم، فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسًا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني ونثرت بطني أي: كثر ولدي، جعلني عليه كأمه.
وروي أنها قالت له: إن لي صبيةً صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فقال: ما عندي في أمرك شيء. وروي أنه قال لها: "حرمت عليه"، فقالت: يا رسول الله، ما ذكر طلاقًا وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي،
_________________
(١) جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله ﷺ وكلمته من جانب البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ﴾. وفي رواية ابن ماجه: "قالت: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إلى الله". النهاية: وفي أسماء الله تعالى السميع، وهو: الذي لا يغيب عن إدراكه مسموع وإن خفي، فهو يسمع بغير جارحة. قلت: معنى وسع سمعه الأصوات، نحو قوله: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، وأنه أصل لقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. الراغب: السمع قوة في الأذن بها تدرك الأصوات، فإذا وصف الله تعالى بالسمع فالمراد به علمه بالمسموعات وتحريه للمجازاة به، نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾. قوله: (قد سمع [الله] لها)، أي: أجابها، كقولك: سمع الله لمن حمده.
[ ١٥ / ٢٦٥ ]
فقال: "حرمت عليه"، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، كلما قال رسول الله ﷺ: "حرمت عليه"، هتفت وشكت إلى الله، فنزلت. ﴿فِي زَوْجِهَا﴾ في شأنه ومعناه. ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر.
فإن قلت: ما معنى ﴿قَدْ﴾ في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ﴾؟ قلت: معناه التوقع؛ لأن رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرج عنها.
[﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢ - ٤]
في ﴿مِنكُمْ﴾ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصةً دون سائر الأمم.
_________________
(١) قوله: (هتفت وشكت)، النهاية: قد هتف يهتف هتفًا، وهتف به هتافًا، إذا صاح به ودعاه، وفي الحديث: "فجعل يهتف بربه" أي: يدعوه ويناشده. قوله: (في ﴿مِنكُمْ﴾ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم)، يعني: الظاهر أن يقال: الذين يظاهرون من نسائهم، أقحم ﴿مِنكُمْ﴾ ليدمج فيه تهجين عادة العرب. الانتصاف: استدل بعضهم على أنه لا يصح ظهار الذمي بقوله: ﴿مِنكُمْ﴾، وليس بالقوي، لأنه غير المقصود.
[ ١٥ / ٢٦٦ ]
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وقرئ بالرفع على اللغتين الحجازية والتميمية. وفي قراءة ابن مسعود: (بأمهاتهم) وزيادة الباء في لغة من ينصب.
والمعنى أن من يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ملحق في كلامه هذا للزوج بالأم، وجاعلها مثلها. وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين.
﴿إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي ولَدْنَهُمْ﴾ يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هن الوالدات، وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن، فالمرضعات أمهات؛ لأنهن لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات، وكذلك أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين؛ لأن الله حرم نكاحهن على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات.
وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة لأنهن لسن بأمهات على الحقيقة، ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول المظاهر منكرًا من القول، تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية، وزورًا وكذابًا باطلًا منحرفًا عن الحق.
_________________
(١) قوله: (على اللغتين)، قال صاحب "الكشف": ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ حجازية، وقرأ المفضل برفع التاء، وجعلها تميمية. قوله: (ملحق في كلامه)، خبر "أن"، وقوله: "وهذا تشبيه باطل"، معنى قوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، وفيه إشعار بأن خبر ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ محذوف، أي: مخطئون، وقوله: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ إلى آخره، بيان لخطئهم، كأنه قيل: الذين يشبهون نساءهم بأمهاتهم في قوله: أنت على كظهر أمي مخطئون، ما هن أمهاتهم، أي: هو تشبيه باطل لتباين الحالتين. وذهب صاحب "الكواشي" إلى أن الخبر: ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾.
[ ١٥ / ٢٦٧ ]
﴿وَإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ لما سلف منه إذا تيب عنه ولم يعد إليه.
ثم قال: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يعني: والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرر رقبةً ثم يماس المظاهر منها، لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة.
_________________
(١) قوله: (والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر)، إشارة إلى أن التعريف للعهد، والمعهود ما دل عليه "توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم"، وفي إتيان المضارع إرادة معنى الاستمرار فيما مضى وقتًا فوقتًا، وهذا معنى قوله: "عادتهم". الانتصاف: هذا الوجه يلزم الكفارة بمجرد لفظ الظهار حتى لو أردفه بالطلاق، أو ماتت المظاهر منها لزمته الكفارة، لأن العود حينئذ ليس إلا قول الظهار في الإسلام بخلافه في الوجوه، لأنه إنما تجب الكفارة حينئذ بالعود بعد الظهار، وهو قول علماء الأمصار. الراغب: العادة اسم لتكرير الفعل أو الانفعال حتى يصير ذلك سهلًا تعاطيه كالطبع، ولذلك قيل: العادة طبيعة ثانية، وإعادة الشيء كالحديث وغيره: تكريره، قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]، والعيد: كل حالة تعاود الإنسان، والعائدة: كل نفع يرجع إلى الإنسان من شيء ما، والعود: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، إما انصرافًا بالذات أو بالقول أو العزيمة. وأما قوله: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فعند أهل الظاهر هو أن يقول ذلك للمرأة ثانيًا، فحينئذ تلزمه الكفارة، وعند أبي حنيفة ﵁: العود في الظهار هو أن يجامعها بعد الظهار، وعند الشافعي ﵁: هو إمساكها بعد وقوع الظهار مدة
[ ١٥ / ٢٦٨ ]
ووجه آخر: ثم يعودون لما قالوا: ثم يتداركون ما قالوا؛ لأن المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل: عاد غيث على ما أفسد، أي: تداركه بالإصلاح.
والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار.
_________________
(١) يمكنه أن يطلق فيها فلم يفعل، وقال بعض المتأخرين: المظاهرة يمين، كقولك: امرأتي علي كظهر أمي إن فعلت كذا، فمتى فعل ذلك وحنث، يلزمه الكفارة ما بينه الله تعالى في هذا المكان. وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ يحمله على فعل ما حلف له أن لا يفعل، وذلك كقولك: فلان حلف ثم عاد إذا فعل ما حلف عليه. قال الأخفش: قوله: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ متعلق بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. قوله: (عاد غيث على ما أفسد)، قال الميداني: قيل: إفساده: إمساكه، وعوده: إحياؤه، وإنما فسر على هذا الوجه لأن إفساده يصوبه لا يصلحه عوده، وقد قيل غير هذا، وذلك أنهم قالوا: إن الغيث يحفر ويفسد الحياض ثم يعفى بما فيه من البركة، يضرب للرجل فيه فساد ولكن الصلاح أكثر. الجوهري: عفى على ما كان، إذا أصلح بعد الفساد. قال أبو علي الفارسي في "الحجة" في تفسير قوله تعالى في البقرة: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: فأما من ذهب من المتأخرين إلى أن الظهار لا يقع في أول مرة حتى يعيد المظاهرة
[ ١٥ / ٢٦٩ ]
ووجه ثالث: وهو أن يراد ب (ما قالوا) ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلًا للقول منزلة المقول فيه؛ نحو ما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] ويكون المعنى: ثم يريدون العود للتماس.
_________________
(١) مرة أخرى، فيقول: أنت علي كظهر أمي، فإن الظهار ليس في ذلك ظهارًا، وذلك لأن العود على ضربين؛ أحدهما: أن يصير إلى شيء قد كان عليه قبل فتركه ثم صار إليه، والآخر: أن يصير إلى شيء وإن لم يكن على ذلك قبل، وهذا عند من خوطب بالقرآن مثل الأول في الظهور، وأنهم يعرفونه كما يعرفون ذلك، فمن ذلك قوله: إذ السبعون أقصدني سراها وسارت في المفاصل والعظام وصرت كأنني أقتاد عيرًا وعاد الرأس مني كالثغام أي: صار لون رأسي كلون الثغام. وهو نبت أبيض إذا يبس يصير كالشعر الأبيض، يقال: أقصد السهم: أصاب فقتل على المكان. واعلم أن حاصل معنى العود _على المختار_ راجع إلى أن يمسكها زمانًا يمكنه أن يطلقها فلا يطلقها، هذا في المطلق، وأما في المؤقت فأن يطأ في المدة، وفي الرجعية الرجعة كما ذكروه، وفي "ثم" الدلالة على أن العود أشد تبعة وأقوى إثمًا من نفس الظهار، ألا ترى أن الكفارة تتعلق بالعود لا بالظهار مطلقًا؟ قوله: (أن يراد بـ"ما قالوا" ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار)، يعني من الكف عن الاستمتاع بالمرأة من جماع أو لمس بشهورة، لأنه هو المقول فيه بلفظ الظهار، كقوله تعالى:
[ ١٥ / ٢٧٠ ]
والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها بشهوة، ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحكم ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه.
فإن قلت: هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟
_________________
(١) ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أي: نزوي عنه ما زعم أنه يناله في الآخرة، أي: نسمي ما يقول وهو: المال والولد. الانتصاف: هذا يقوي أن العود هو الوطء، وهو من أقولا مالك، وجعل داود العود إعادة لفظ الظهار، ومن رأى العود العزم على الوطء قال: العود إلى القول عود بالتدارك لا بالتكرار، وتداركه نقضه بنقيضه الذي هو العزم على الوطء، ومن حمله على الوطء قال: هو المقصود بالمنع، ويحمل قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ أي: مرة ثانية، ورأى أكثر العلماء قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ منعًا من الوطء قبل التكفير، حتى كأنه قال: لا يماس حتى يكفر. وقال الواحدي: كثر الاختلاف في معنى العود هاهنا من المفسرين والفقهاء. وقلت: القول المحصل ما ضبطه المصنف في الوجوه الثلاثة، وهو أن ﴿يَعُودُونَ﴾ إما مجرى على حقيقته، أو محمول على التدارك مجازًا، إطلاقًا لاسم المسبب على السبب، لأن المتدارك للأمر عائد إليه، وأن ما قالوا عبارة عن القول السابق، أو عن مسماه وهو تحريم الاستمتاع، والوجه الأول في "الكشاف" اللفظان فيه مستعملان في موضوعهما، وعلى القول الثاني وارد على الظاهر والمجاز في العود، والثالث عكس الأول، لورودهما مجازين، وهاهنا وجه رابع عكس الثاني كما يقال: ثم يعودون لما حرموه على أنفسهم من التماس والجماع.
[ ١٥ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) والوجه الأول: قول مجاهد والثوري، قال محيي السنة: ذهبا إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار، والمراد بالعود العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار. وقال أهل الظاهر: العود هو إعادة لفظ الظهار، وإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه، وهو قول أبي العالية. والوجه الثالث: قول مالك وأصحاب الرأي، قال محيي السنة: قال قوم: هو العزم على الوطء وهو قول مالك وأصحاب الرأي. قال الواحدي: قالوا: لو عزم على الوطء كان عودًا فيلزمه الكفارة. وقال الإمام: العود عند أبي حنيفة عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بشهوة لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء فعند استباحتها كان مناقضًا لقوله: أنت علي كظهر أمي. والوجه الرابع: قول الحسن وقتادة وطاووس والزهري قالوا: لا كفارة عليه مال لم يطأها. وقال الإمام: هذا خطأ لأن تعقيب قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ بالفاء يوجب كون التكفير بعد العود، ويقتضي قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ أن يكون الجماع بعد التكفير. ولعل المصنف إنما أهمل هذا الوجه لهذا، وإن اعتذر له صاحب "الانتصاف" ذلك العذر البعيد، والوجه الثاني عليه قول ابن عباس قال: ﴿ثم يَعُودُونَ﴾: ثم يندمون فيرجعون إلى الألفة؛ لأن النادم والتائب متدارك لما صدر عنه بالتوبة والكفارة، وأقرب الأقوال إلى هذا
[ ١٥ / ٢٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ما ذهب إليه الشافعي. قال محيي السنة: ذهب الشافعي إلى أن العود هو الإمساك عقيب الظهار زمانًا يمكنه أن يفارقها فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في الوقت فلا كفارة عليه، لأن العود للقول هو المخالفة، وقال الفراء: يقال: عاد فلان لما قال، أي: فيما قال، وفي نقض ما قال، يعني: رجع عما قال، وذلك يبين ما قال الشافعي، وذلك أن قصده بالظهار التحريم، فإذا أمسكها على النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله وتلزمه الكفارة. وقلت: تمام تقريره: أن حقيقة العود أن يصير الرجل إلى ما قد كان عليه قبل مباشرة هذا الفعل الطارئ، ولا شك أن الظهار تغيير حال كان عليه الرجل من التحليل، فإذا دام عليه ما يقتضيه الظهار من التحريم بأن يعقبه الطلاق، فقد جرى على ما ابتدأ به فلا كفارة، وأما إذا سكت فقد أذن بالرجوع إلى ما كان عليه قبل الظهار من إبقاء النكاح، كأنه قيل: والذين يعزمون على المفارقة والتحريم، ويتكلمون بذلك القول الشنيع، ثم يمسكون عنه زمانًا أمارةً على العود إلى ما كانوا عليه قبل الظهار، فكفارة ذلك كذا. وقال الواحدي: قال أصحابنا: العود المذكور ها هنا صالح للجماع كما قال مالك، والعزم على الجماع كما قال أهل العراق، ولترك الطلاق كما قال الشافعي، وهو أول ما ينطلق عليه اسم العود، فوجب تعلق الحكم به لأنه الظاهر، وما زاد عليه يعرف بدليل آخر. وقلت: بناء على هذه القضية ينبغي أن يكون الوجه الأول أولى الوجوه، لاسيما قول أهل الظاهر، لكن القول القوي هو ما اقتضاه المقام وساعده النظم الفائق، وهو قول حبر الأمة
[ ١٥ / ٢٧٣ ]
قلت: نعم إذا وضع مكان (أنت) عضوًا منها يعبر به عن الجملة، كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضوًا آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. أو مكان الأم ذات رحم محرم منه؛ من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول: أنت علي كظهر أختي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني أو أبي، أو أم امرأتي أو بنتها، فهو مظاهر، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري وغيرهم رضوان الله عليهم نحوه.
وقال الشافعي: لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها، وهو قول قتادة والشعبي.
وعن الشعبي: لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات؛ إذ أخبر أن الظهار إنما يكون بالأمهات الوالدات دون المرضعات. وعن بعضهم: لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهارًا.
_________________
(١) ابن عباس ﵄، لأن ما قبله وهو قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم﴾ كما سبق وارد على الذم على ما كانوا عليه في الجاهلية، وعلى أن ذلك كان منكرًا من القول وزورًا، وكذلك ما بعده أي قوله: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ تخويف شديد لمن ارتكب تلك الجناية، وكما قال المصنف: "الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية"، كأنه قيل: الذين يرتكبون تلك الجناية، ويقولون ذلك القول المنكر والزور ثم يرجعون يندمون لأجل ذلك القول، فكفارته ما ذكر، ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، ثم قول الإمام الشافعي لقربه منه من حيث المعنى. قوله: (أو جماع)، يريد به قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: البنت المخلوقة من ماء الزاني يحرم وطؤها على الزاني خلافًا للشافعي ﵁، وأما قوله: "أو صهر" فيحمل على النكاح الصحيح والشبهة كما عند الشافعي. قوله: (لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها)، هذا خلاف ظاهر المذهب، وفي "الحاوي":
[ ١٥ / ٢٧٤ ]
فإن قلت: فإذا امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه؟
قلت: لها ذلك، وعلى القاضي أن يخبره على أن يكفر، وأن يحبسه؛ ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضر بها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها. فإن قلت: فإن مس قبل أن يكفر؟ قلت: عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روي أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله ﷺ: ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها، فقال ﵊: "استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر".
_________________
(١) تشبيه المكلف غير البائنة وجزئها كالشعر بجزء محرم أنثى لم تكن حلًا، أي: كالأم والجدات والأخوات والعمات وغيرهن ظهار. قوله: (لما روي أن سلمة بن صخر البياضي)، حديثه من رواية الترمذي وابن ماجه والدارمي عن سلمه قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيبب غيري، فلما دخل
[ ١٥ / ٢٧٥ ]
فإن قلت: أي رقبة تجزئ في كفارة الظهار؟
قلت: المسلمة والكافرة جميعًا، لأنها في الآية مطلقة. وعند الشافعي ﵁ لا تجزئ إلا المؤمنة لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]
ولا تجزئ أم الولد والمدبر والمكاتب الذي أدى شيئًا، فإن لم يؤد شيئًا جاز. وعند الشافعي: لا يجوز.
فإن قلت: فإن أعتق بعض الرقبة، أو صام بعض الصيام ثم مس؟
قلت: عليه أن يستأنف، نهارًا مس أو ليلًا، ناسيًا أو عامدًا عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: عتق بعض الرقبة عتق كلها فيجزئه، وإن كان المس يفسد الصوم استقبل، وإلا بنى.
فإن قلت: كم يعطى المسكين في الإطعام؟
قلت: نصف صاع من بر، أو صاعًا من غيره عند أبي حنيفة، وعند الشافعي مدًا من طعام بلده الذي يقتات فيه.
فإن قلت: ما بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام، كما ذكره عند الكفارتين؟
_________________
(١) شهر رمضان خفت فظاهرت حتى ينسلخ شهر رمضان، فينا هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء، فما لبثت أن نزوت عليها، فأخبرت النبي ﷺ قال: "حرر رقبة" قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال: "فصم شهرين متتابعين" قلت: وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ قال: "فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينًا"، قلت: والذي بعثك بالحق نبيًا لقد بتنا وحشين ما أملك لنا طعامًا، قال: "فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها" الحديث. بنو بياضة بطن من بني زريق. النهاية: يقال: رجل وحش _بالسكون_ من قوم أوحاش؛ إذا كان جائعًا لا طعام له، وقد أوحش؛ إذا جاع.
[ ١٥ / ٢٧٦ ]
قلت: اختلف في ذلك، فعند أبي حنيفة: أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس، وإنما ترك ذكره عند الإطعام، دلالةً على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله، وعند غيره: لم يذكر للدلالة على أن التكفير قبله وبعده سواء.
فإن قلت: الضمير في ﴿أَن يَتَمَاسَّا﴾ إلام يرجع؟
_________________
(١) قوله: (وإنما ترك ذكره عند الإطعام، دلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام يستأنف كما يستأنف الصوم)، الانتصاف: يقال له: إذا جعلت ذكر التماس في بعضها، وترك ذكره في بعضها موجبًا للفرق، فلم جعلته مؤثرًا في أحد الحكمين دون الآخر؟ وله أن يقول: اتفقنا على التسوية بين الثلاث في هذا الحكم، وقد نطقت الآية بالتفرقة، فلم يمكن صرفه إلى ما وقع الاتفاق على التسوية فيه، صرفه إلى الآخر. فإن قيل: فكان تقييده بالتماس في موضع واحد، ليحمل عليه المطلقان الباقيان كافيًا، فما فائدة ذكره بعد الصوم؟ والجواب: أن ذكره مع العتق يفيد تحريم الوطء قبله، ولا يتصور الوطء في أثناء العتق، إذ لا يتبعض ولا يتفرق، وإنما احتيج إلى الصيام الواقع على التوالي ليفيد تحريم الوطء قبل الشروع وبعد الشروع إلى التمام، ولو لم يذكر لذهب الوهم إلى تحريمه قبل الشروع خاصة، واستغني عن ذكره في الطعام بذكره في الصيام، لأنه مثله في التعدد والتوالي، وإمكان الوطء في خلاله، هذا على أن العتق لا يتجزأ، وعن ابن القاسم: من أعتق شقصًا من عبد يملك جميعه ثم إن أعتق بقيته عن الكفارة جاز، وهو خلاف القواعد. فإن قيل: ارتفاع التحريم بالكفارة بعد التماس إما يشترط فيه عدم التماس أولًا، فإن كان الأول فلا يرتفع التحريم بالكفارة، وإن كان الثاني لزم ارتفاع التحريم بالكفارة التي يتخللها التماس.
[ ١٥ / ٢٧٧ ]
قلت: إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها. ﴿ذَلِكَ﴾ البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا ﴿بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ التي لا يجوز تعديها ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
[﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٥ - ٦]
﴿يُحَادُّونَ﴾ يعادون ويشاقون ﴿كُبِتُوا﴾ أخزوا وأهلكوا ﴿كَمَا كُبِتَ﴾ من قبلهم من أعداء الرسل. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق، ﴿وقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به، ﴿ولِلْكَافِرِينَ﴾ بهذه الآيات ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهب بعزهم وكبرهم. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب بـ"لهم"، أو بـ ﴿مُّهِينٌ﴾، أو بإضمار "اذكر" تعظيمًا
_________________
(١) فجوابه أن التماس مناف لصحة الكفارة واعتبارها في رفع التحريم، فإن وقع قبل الشروع في الكفارة تعذر الحكم ببطلان الكفارة، لأن محل الحكم الذي هو الكفارة لم يوجد، أما إن وقع في أثنائها، فالمحل المحكوم فيه بعدم الصحة قائم، فوجب الحكم به، فهو كالحديث إذا كان قبل الطهارة لا يبطل شيئًا لم يوجد، وإن وقع في أثنائها أبطلها، تم كلامه. قوله: (أو بإضمار "اذكر" تعظيمًا)، اعلم أن قوله: ﴿ولِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ إما تتميم أو تذييل، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] قال المصنف: " ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي عليهم، وضعًا للمظهر موضع المضمر، للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، فيدخلوا فيه دخولًا
[ ١٥ / ٢٧٨ ]
لليوم، ﴿جَمِيعًا﴾ كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث. أو مجتمعين في حال واحدة، كما تقول: حي جميع ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا﴾ تخجيلًا لهم
_________________
(١) أوليًا"، كذلك ها هنا إذا جعل اللام في ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ للعهد، كان ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وضعًا للمظهر موضع المضمر، والمعنى ما قال: "للكافرين الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها"، أي: لا يكدحون منها، ويكون ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ متعلقًا بالجار والمجرور، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ﴾ منصوب بـ"لهم"، فوضع المضمر موضع "الكافرين"، فيكون تتميمًا، وإذا جعل اللام للجنس ليدخل فيه أولئك المحادون دخولًا أوليًا يكون تذييلًا، وينتصب الظرف بإضمار "اذكر لتمام الكلام هناك، فتستقل دلالة الجملة المبتدأة، فيعظم شأن اليوم، ويجتمع لهم ذل الدارين؛ لأن المراد بقوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: الذل والصغار في الدنيا، كما قال: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهب بعزهم وكبرهم"، والكبت: ما جرى عليهم يوم الخندق. الراغب: قال: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ لأن قبله ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فقد جعل الكبت جزاء من آثر حزبًا غير حزب الله ورسوله، وحدًا غير حدهما، والكبت: الإذلال قبل الغلب والقهر والتخييب، فلما أخبر الله تعالى بالكبت عمن حاد الله ورسوله وجانبهما وصار في حد غير حدهما، وصف العذاب الذي ينزل به بالإذلال والهوان، ويشهد لذلك ما جاء في خاتمة السورة: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾. قوله: (حي جميع)، الأساس: هو جميع الرأي، وجميع الأمر، وحي جميع ورجل مجتمع: استوت لحيته وبلغت غاية شبابه.
[ ١٥ / ٢٧٩ ]
وتوبيخًا وتشهيرًا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ أحاط به عددًا لم يفته منه شيء، ﴿ونَسُوهُ﴾ لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه، لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي، وإنما تحفظ معظمات الأمور.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ إلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٧]
﴿مَا يَكُونُ﴾ من (كان) التامة، وقرئ بالياء والتاء، والياء على أن النجوى تأنيثها غير حقيقي و﴿مِن﴾ فاصلة؛ أو على أن المعنى ما يكون شيء من النجوى، والنجوى: التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافةً إلى ثلاثة، أي: من نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفةً بها، أي: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل. أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغةً، كقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] وقرأ ابن أبي علبة: (ثلاثةً وخمسةً)، بالنصب على الحال بإضمار"يتناجون"؛ لأن ﴿نَجْوَى﴾ تدل عليه، أو على تأويل ﴿نَجْوَى﴾ ب"متناجين"، ونصبها من المستكن فيه.
_________________
(١) قوله: (وإنما تحفظ معظمات الأمور)، بيان لتعليل ﴿نَسَوْهُ﴾ بقوله: "لأنهم تهاونوا به". قوله: (﴿مَا يَكُونُ﴾، من "كان" التامة، وقرئ بالياء والتاء)، قال ابن جني: بالتاء: أبو جعفر وأبو حية، والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه، لما فيه من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية، وأما التأنيث فلاعتبار اللفظ، كما تقول: ما قامت امرأة ولا حضرت جارية، و﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ﴾. قوله: (ونصبها)، بالجر عطف على "تأويل"، أو بالرفع فهو مبتدأ، خبره "من المستكن"،
[ ١٥ / ٢٨٠ ]
فإن قلت: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن قومًا من المنافقين تحلقوا للتناجي مغايظةً للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثةً وخمسةً، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك ﴿ولا أَدْنَى﴾ عدديهم ﴿ولا أَكْثَرَ إلاَّ﴾ والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روي عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية: كانوا يومًا يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضًا ولا يعلم بعضًا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضًا فهو يعلم كله، وصدق؛ لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها؛ لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى، والمتخالين للشورى، والمندبون لذلك ليسوا بكل أحد، وإنما هم طائفة مجتباة من أولي النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم: الاثنان فصاعدًا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الاستصواب. ألا ترى إلى عمر الخطاب ﵁ كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها
_________________
(١) يعني يجوز أن يكون ﴿نَّجْوَى﴾ بمعنى متناجين، ويكون نصب "ثلاثة" على الحال من الضمير المستكن في النجوى. قوله: (بغير سبب)، أي: بغير سبب خارجي، يعني أن سبب العلم بذلك هو ذاته. قوله: (والمندبون لذلك)، أصله: المنتدبون، فقلبت التاء دالًا وأدغم، أي: مدعون للشورى، يقال: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له فأجاب. الأساس: ندب لكذا أو إلى كذا، وفلان مندوب لأمر عظيم ومندب له. قوله: (كيف ترك الأمر شورى بين ستة)، قال صاحب "الكامل في التاريخ": إن عمر ابن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ قال: لو كان أبو عبيدة حيًا
[ ١٥ / ٢٨١ ]
إلى سابع؟ فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال: ﴿ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ فدل على الاثنين والأربعة، وقال ﴿ولا أَكْثَرَ﴾ فدل على ما يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله: إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا. وقرئ: ﴿ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ﴾، بالنصب على أن "لا" لنفي الجنس. ويجوز أن يكون: (ولا أكثر)، بالرفع معطوفًا على محل "لا" مع ﴿أَدْنَى﴾،
_________________
(١) لاستخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته، وقيل له: عبد الله بن عمر؟ قال: كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته؟ ! ثم قال: إن استخلفت فقد استخلفت من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ثم قال: اجتمعت بعد مقالتي أن أولي رجلًا هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي ﵁، فرهقتني غشية فرأيت رجلًا دخل جنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، فما أردت أن أتحملها حيًا وميتًا، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله ﷺ: "إنهم من أهل الجنة"، وهم: علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وسعد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلًا، فلما أصبح عمر دعاهم رضوان الله عليهم وقال: أني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله ﷺ وهو عنكم راض، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها … القصة بتمامها. قوله: (فدل على الاثنين والأربعة)، فيكون التقدير: ولا اثنين إلا هو ثالثهما، ولا أربعة إلا هو خامسهم. قوله: (﴿وَلَا أَكْثَرُ﴾ بالنصب)، وهي المشهورة، وبالرفع شاذة. قوله: (معطوفًا على محل "لا" مع ﴿أَدْنَى﴾)، قال: لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
[ ١٥ / ٢٨٢ ]
كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة، ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل ﴿مِن نَّجْوَى﴾ كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين عطفًا على ﴿نَّجْوَى﴾، كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرئ: (ولا أكبر) بالباء.
ومعنى كونه معهم: أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرئ: (ثم ينبئهم) على التخفيف.
[﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ويَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وإذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٨]
كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله ﷺ فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتواص بمعصية الرسل ومخالفته.
وقرئ: (ينتجون بالإثم والعدوان) بكسر العين، و(معصيات الرسول).
﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد،
_________________
(١) و"لا" الثانية على هذا مؤكدة غير عاملة، كقولك: ليس زيد ولا أخوه منطلقين، أي: ليس زيد وأخوه منطلقين، فـ"لا" مزيدة للتأكيد. قوله: (وقرئ: "ينتجون")، حمزة: بنون ساكنة بعد الياء، وضم الجيم، والباقون: بتاء مفتوحة بين الياء والنون وألف بعد النون وفتح الجيم. قوله: (أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك)، عن البخاري ومسلم والترمذي عن
[ ١٥ / ٢٨٣ ]
والسام: الموت، والله تعالى يقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] و﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٦٧] و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: [الأنفال: ٦٤].
﴿لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: ما له إن كان نبيًا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ والتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ شَيْئًا إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ٩ - ١٠]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر ﴿وتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ والتَّقْوَى﴾.
وعن النبي ﷺ: "إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه"،
_________________
(١) عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ ناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: "وعليكم" الحديث. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود أتت النبي ﷺ فقالت: السام عليكم، وقالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فأنزل الله تعالى الآية. قوله: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر،
[ ١٥ / ٢٨٤ ]
وروي: "دون الثالث". وقرئ: (فلا تناجوا)، وعن ابن مسعود: إذا انتجيتم فلا تنتجوا. ﴿إنَّمَا النَّجْوَى﴾ اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان، بدليل قوله تعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمعنى: أن الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويجزنهم ﴿ولَيْسَ﴾ الشيطان أو الحزن ﴿بِضَارِّهُمْ شَيْئًا إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾.
فإن قلت: كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟
_________________
(١) حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه، ولا تباشر امرأة امرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها" لا تباشر، أي: لا تنظر إلى بشرتها، لقوله: فتصفها. قوله: (بدليل قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾)، أي: التعريف منه للعهد، والمعهود شيئان أحدهما: قوله: ﴿ويَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾، وثانيهما قوله: ﴿فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ فلا تتناجوا بالإثم والعدوان، والذي يدل على أن المراد الأول قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني إنما يحزن المؤمنون من تناجي اليهود والمنافقين، ويعضده جواب السؤال: "كانوا يوهمون المؤمنين". قوله: (كيف لا يضرهم الشيطان والحز إلا بإذن الله؟)، أي بخلقه وتقديره، كذا قدر الإمام، وقال الواحدي: أي ليس الشيطان بضارهم شيئًا إلا بما أراد الله ذلك، كان المؤمنون إذا رأوهم متناجين قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا من قتل أو موت أو هزيمة، قال الله تعالى: ﴿ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ شَيْئًا﴾ أي: بما أراد الله.
[ ١٥ / ٢٨٥ ]
قلت: كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا، فقال: ولا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله، أي: بمشيئته، وهو أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على ألغزاة. وقرئ: ﴿لِيَحْزُنَ﴾ و(ليحزن).
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وإذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١١]
﴿تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ﴾ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني، أي: تنح؛ ولا تتضاموا. وقرئ: (تفاسحوا)، والمراد: مجلس رسول الله، وكانوا يتضامون فيه على القرب منه، وحرصًا على كلامه، وقيل: هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ لِلقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقرئ: ﴿فِي المَجَالِسِ﴾ قيل: كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة. وقرئ: (في المجلس) بفتح اللام: وهو الجلوس،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: ﴿لِيَحْزُنَ﴾ و"ليحزن")، الثانية: لنافع، والأولى: للباقين. قوله: (وقرئ: "تفاسحوا")، قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وهذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل: تفسحوا لم يكن فيه صراح، بدليل: "ليفسح بعضكم عن بعض"، وإنما ظاهر معناه: ليكن هناك تفسح، وأما التفاسح فتفاعل، فهو لما فوق الواحد. قوله: (﴿فِي المَجَالِسِ﴾)، عاصم، والباقون: "في المجلس" بكسر اللام، والفتح شاذ.
[ ١٥ / ٢٨٦ ]
أي: توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك.
﴿انشُزُوا﴾ انهضوا للتوسعة على المقبلين، أو انهضوا عن مجلس رسول الله إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم، ولا تثبطوا ولا تفرطوا. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة ﴿دَرَجَاتٍ﴾،
_________________
(١) قوله: (والعالمين منهم خاصة ﴿دَرَجَاتٍ﴾)، الانتصاف: وقع في الجزاء رفع الدرجات مناسبة للعمل، لأن المأمور به تفسيح المجالس، لئلا يتنافسوا في القرب من المكان المرتفع بحلول الرسول فيه، فالمفسح حابس لنفسه عما يتنافس فيه من الرفعة تواضعًا فجوزي بالرفعة، كقوله: من تواضع لله رفعه الله، ثم لما علم أن أهل العلم يستوجبون رفع المجلس خصهم بالذكر ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعًا لله تعالى، يريد أنه من باب "ملائكته … وجبريل". وقلت: وفي إدخال الذين أوتوا العلم في حكم رفع المنزلة بسبب امتثال الأوامر مع الذين آمنوا، ثم في إخراجهم عنهم والعطف عليهم مستقلة، إيذان بأن العمل الواحد تتفاوت درجة فاعله بحسب التخلي عن العلم والتحلي به إلى غايات بعيدة، وأن العمل مع علو رتبته يكتسي من العلم المقرون به من الرفعة ما لا يكتسبه إذا انفرد عنه، وقدر القاضي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾: بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة، ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا بين العلم والعمل، ويعضده ما روى الدارمي عن ابن عباس قال: يرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات
[ ١٥ / ٢٨٧ ]
﴿واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء. وعن عند الله بن مسعود ﵁: أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم. وعن النبي ﷺ: "بين العالم والعابد مئة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنةً". وعنه ﵇: " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"،
_________________
(١) وروى محيي السنة عن ابن مسعود أنه قال: يا أيها الذين آمنوا افهموا معنى هذه الآية، ولترغبكم في العلم، فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم. وروعيت في هذا التركيب لطيفة وهي أن من يشهد مجلس رسول الله ﷺ من المؤمنين أحد رجلين؛ عامل يسمع للعمل، وعالم عامل يسمع للعمل والاستنباط والتعليم، فأراد الله ﷾ مدح الفريقين، وتفضيل أحدهما على الآخر من حيث لا يلزم منه نقصه، أتى بالعام وعطف عليه الخاص، وأبرزهما في معرض الجملتين، فيكون من باب عطف التقدير لا الانسحاب، فالدرجات ظرف للفعل المقدر، ويضمر للمذكور أحط منه مما ناسب المقام كما قدره القاضي، وهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قصد فيه إلى بينان فضل الذكر على الأنثى دون حط منزلة الأنثى، إذ لو قيل: للأنثى نصف حظ الذكر كان القصد إلى تنقيص الأنثى. قوله: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، قرئ بالتاء) وهي المشهورة، وبالياء التحتانية: شاذة. قوله: (حضر الجواد المضمر)، النهاية: الحضر بالضم: العدو، وأحضر يحضر، فهو محضر: إذا عدا، وتضمير الخيل: هو أن يظاهر بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا لتخف. قوله: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، الحديث بطوله أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن أبي الدرداء.
[ ١٥ / ٢٨٨ ]
وعنه ﵇: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء، ثم الشهداء" فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة، بشهادة رسول الله! وعن ابن عباس: خير سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. وقال ﵇: "وأوحى الله إلى إبراهيم: يا إبراهيم، إني عليم أحب كل عليم". وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم! وأي شيء فات من أدرك العلم! وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابًا،
_________________
(١) وعن الدارمي عن عمرو بن كثير عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فينه وبين النبيين درجة واحدة". قوله: (كاد العلماء يكونون أربابًا)، هذا من الغلو، ويمكن أن يذهب بهذا الحكم إلى معنى الإلحاق، كما تقول: كاد زيد يكون أسدًا، أي: قرب أن يلحق بالأسد لما فيه من الجرأة، وأن يراد التحويل نحو: كاد زيد أن يكون أميرًا. والإلحاق يستدعي المساواة من كل الوجوه، والعلماء إذا تخلقوا بأخلاق الله بقدر استعدادهم لكونهم دعاة للخلق إلى دين الله هداة قادة إلى صراطه المستقيم صح أن يتخصصوا به، وقد ورد عن رسول الله ﷺ: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها … " الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، هذا إذا اعتبر في الرب معنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، لأن الناس مفتقرون إليهم في أمور معاشهم ومعادهم، وهم خلفاء الله في أرضه، وأما إذا نظر إلى معنى المالكية فيحمل الحكم على التحويل، أي: كادوا يكونون ملوكًا وأمراء لما بأيديهم أزمة الحل والعقد، كما جاء في تفسير قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] عن ابن عباس:
[ ١٥ / ٢٨٩ ]
وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما يصير. وعن الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وأَطْهَرُ فَإن لَّمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١٢ - ١٣]
﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ استعارة ممن له يدان. والمعنى: قبل نجواكم كقول عمر: من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم
_________________
(١) أولو الأمر: الفقهاء والعلماء، الذين يعلمون الناس معالم دينهم، في "المعالم". وعن الدارمي عن عطاء: أولو الأمر: أولو العلم، ويعضد هذا الوجه قوله: "وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما يصير". قوله: (لم يوطد)، قال ابن الأثير: يقال: وطدت الأرض أطدها؛ إذا دستها لتتصلب. الجوهري: وطدت الشيء أطده وطدًا، أي: أثبته وثقلته، والتوطيد مثله. قوله: (العلم ذكر)، أي: العلم صفة كمال لا ينتجه إلا الكملة، لأنه مركوز في الجبلة كمال الذكر ونقصان الأنثى، ومن ثم يقولون: هو الرجل، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، عيب عليهن صفة النساء، من النشاء في الزينة والنعومة، وسلب عنهن صفة الرجال من البيان في المقال، ومجاراة الخصوم في القتال.
[ ١٥ / ٢٩٠ ]
ويستنزل به اللئيم، يريد: قبل حاجته، ﴿ذَلِكَ﴾ التقديم خير ﴿خِيْرٌ لَكُمْ﴾ في دينكم ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لأن الصدقة طهرة.
روي أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ بما يريدون حتى أملوه وأبرموه، فأريد أن يكفوا عن ذلك، فأمروا بأن من أراد أن يناجيه، قدم قبل مناجاته صدقةً.
قال علي ﵁: لما نزلت دعاني رسول الله ﷺ فقال: "ما تقول في دينار؟ "
قلت: لا يطيقونه. قال: "كم؟ " قلت: حبةً أو شعيرةً؛ قال: "إنك لزهيد"، فلما رأوا ذلك اشتد عليهم فارتدعوا وكفوا، أما الفقير فلعسرته، وأما الغني فلشحه.
وقيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعةً من نهار. وعن علي ﵁: إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله ﷺ. وعن ابن عمر: كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.
قال ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها، وقيل: هي منسوخة بالزكاة.
_________________
(١) قوله: (قال علي: لما نزلت)، الحديث، أخرجه الترمذي عن علي ﵁ إلى قوله: "إنك لزهيد"، قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية، قال: في خفف الله عن هذه الأمة. وروى رزين عنه: ما عمل بهذه الآية غيره. لزهيد، أي: إنك قليل الرغبة في الدنيا، فلا جرم قدرت على حسب رغبتك فيها.
[ ١٥ / ٢٩١ ]
﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه، وأن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به وشق عليكم، و﴿وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء.
[﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ ولا مِنْهُمْ ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ ولا أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ١٤ - ١٩]
كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله تعالى: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين،
_________________
(١) قوله: (فلا تفرطوا في الصلاة)، أشعر بأنه جعل: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ جوابًا لقوله: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ قال أبو البقاء: قيل: إذ بمعنى "إن" الشرطية، وقيل: هي على بابها ماضية، والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة. وقلت: إنما قال: لا تفرطوا في الصلاة، لأن معنى الإقامة توفية حدودها وإدامتها. الراغب: وفي تخصيص الإقامة تنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط، ولهذا لم يؤمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة، وكثير من الأفعال التي حث الله على توفية حقه، ذكره بلفظ الإقامة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: ٩].
[ ١٥ / ٢٩٢ ]
﴿مَّا هُم مِّنكُمْ﴾ يا مسلمون ﴿ولا مِنْهُمْ﴾ ولا من اليهود، كقوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، ﴿ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ﴾ أي يقولون: والله إنا لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام ﴿وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن المحلوف عليه كذب بحت.
فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؟
قلت: الكذب: أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه، سواء علم المخبر أو لم يعلم، فالمعنى: أنهم الذين يخبرون، وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه، وهم عالمون بذلك متعمدون له، كمن يحلف بالغموس. وقيل: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله ﷺ، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه: " يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان"، فدخل ابن نبتل وكان أزرق، فقال له النبي ﷺ: " علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " فحلف بالله ما فعل، فقال ﵇: " فعلت" فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت.
﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ نوعًا من العذاب متفاقمًا، ﴿إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول على سوء العمل مصرين عليه. أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. وقرئ: (إيمانهم) بالكسر، أي: اتخذوا أيمانهم التي حلفوا بها، أو إيمانهم الذي أظهروه ﴿جُنَّةً﴾ أي: سترة يتسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم ﴿فَصَدُّوا﴾ الناس في خلال أمنهم ولامتهم ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويضعفون أمر المسلمين عندهم.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "إيمانهم"، بالكسر)، قال ابن جني: قرأها الحسن، هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة، وفيه لف ونشر.
[ ١٥ / ٢٩٣ ]
وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]. ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء. وروي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسها وأموالنا وأولادنا. ﴿فَيَحْلِفُونَ﴾ لله تعالى على أنهم مسلمون في الآخرة ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدنيا على ذلك، ﴿ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من النفع، يعني: ليس العجب من حلفهم لكم، فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر، وأن لهم نفعًا في ذلك: دفعًا عن أرواحهم، واستجرار فوائد دنيوية، وأنهم يفعلونه في دار لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون، ولكن الغجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة مع عدم النفع والاضطرار إلى علم ما أنذرتهم الرسل، والمراد: وصفهم بالتوغل في نفاقهم ومرونهم عليه، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقد اختلف العلماء في كذبهم في الآخرة، والقرآن ناطق بثباته نطقًا مكشوفًا كما ترى هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤] ونحو حسبانهم أنهم على شيء من النفع إذا حلفوا استنظارهم المؤمنين ليقتبسوا من نورهم، لحسبان أن الإيمان الظاهر مما ينفعهم.
وقيل: عند ذلك يختم على أفواههم.
﴿أَلا إنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ يعني أنهم الغاية التي لا مطمح وراءها في قول الكذب،
_________________
(١) قوله: (لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون)، يعني: أنهم في الدنيا إذا أوعدوا بشيء من العذاب لا يقفون على حقيقته ضرورة، بخلافه في الآخرة. قوله: (ومرونهم عليه)، الجوهري: مرن على الشيء يمرن مرونًا ومرانةً: تعوده واستمر عليه. قوله: (لحسبان أن الإيمان)، علة لحسبانهم أنهم على شيء.
[ ١٥ / ٢٩٤ ]
حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ﴾ استولى عليهم، من: حاذ الحمار العانة: إذا جمعها وساقها غالبًا لها. ومنه: كان أحوذيًا نسيج وحده، وهو أحد ما جاء على الأصل، نحو: استصوب واستنوق، أي: ملكهم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ لطاعتهم له في كل ما يريده منهم، حتى جعلهم رعيته وحزبه ﴿فَأَنسَاهُمْ﴾ أن يذكروا الله أصلًا، ولا بقلوبهم ولا بألسنتهم. قال أبو عبيدة: حزب الشيطان: جنده.
_________________
(١) قوله: (من: حاذ الحمار العانة)، الراغب: الحوذ أن يتبع السائق حاذي البعير، أي: أدبار فخديه فيعنف في سوقه، وقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استاقهم مستوليًا عليهم، أو من قولهم: استحوذ العير على الأتان، أي: استولى على حاذيها أي: جانبي ظهرها، ويقال: استحاذ وهو القياس، واستعارة ذلك كقولهم: اقتعده الشيطان وارتكبه، والأحوذي: الخفيف الحاذق بالشيء من الحوذ أي: السوق. قوله: (ومنه: كان أحوذيًا)، الأساس: ومن المجاز: رجل أحوذي يسوق الأمور أحسن المساق لعلمه بها. قوله: (نسيج وحده)، النهاية: في حديث عمر ﵁: يدلني على نسيج وحده، يريد رجلًا لا عيب فيه، وأصله أن الثوب النفيس لا ينسج على منواله غيره، وهو فعيل بمعنى مفعول، ولا يقال إلا في المدح. قوله: (وهو أحد ما جاء على الأصل)، قال الزجاج: استحوذ: استولى، يقال: حذت الإبل وحزتها إذا استوليت عليها وجمعتها، وهذا مما خرج على أصله، ومثله: أحوذت وأطيبت، والأكثر: أحذت وأطبت، إلا أن استحوذ، جاء على الأصل لأنه لم يقل: على حاذ، لأنه إنما بنى استفعل في أول وهلة، كما بنى افتقر على افتعل من الفقر، ولم يقل: منه فقر، ولا استعمل بغير
[ ١٥ / ٢٩٥ ]
[﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ٢٠]
﴿فِي الأَذَلِّينَ﴾ في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحدًا أذل منهم.
[﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢١]
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ في اللوح ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي﴾ بالحجة والسيف، أو بأحدهما.
[﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ويُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٢٢]
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ من باب التخييل. خيل أن من الممتنع المحال: أن تجد قومًا مؤمنين يوالون المشركين. والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك،
_________________
(١) زيادة، ولم يقل: حاذ عليهم الشيطان، ولو جاء استحاذ لكان صوابًا، ولكن استحوذ هاهنا أجود، لأن الفعل في هذا المعنى لا يستعمل إلا بزيادة. قوله: (من باب التخييل)، أي: من تنزيل الموجود الكائن منزلة المعدوم الذي لا يمكن تصوره إلا في خزانة الخيال. قال الشاعر: وكأن محمر الشقيـ ـق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ن على رماح من زبرجد
[ ١٥ / ٢٩٦ ]
وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانية أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم، وزاد ذلك تأكيدًا وتشديدًا بقوله: ﴿ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ وبقوله: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ وبمقابلة قوله: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أوليا الله ومعاداة أعدائه، بل هو الإخلاص بعينه. ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ أثبته فيها بما وفقهم فيه
_________________
(١) وإليه أشار بقوله: "حقه أن يمنع ولا يوجد بحال مبالغة". ويجوز أن يكون من باب الكناية، فنفى الوجدان لانتفاء الموجودين، كما نفى العلم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] الانتفاء المعلوم، ولأن الخطاب عام، كأنه قيل: أيها المخاطب، إنك إذا تقصيت في الدنيا قومًا قومًا، لا تجد قومًا يجمع بين الإيمان بالله، وبين موادة أعدائه. قوله: (﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾، أثبته فيها بما وفقهم فيه)، جعل الكتب بمعنى الإثبات بسبب توفيق الطاعات وقيامهم عليها، قال القاضي: وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، لأن أعمال الجوارح لا تثبت فيها. قلت: وقد نقلنا عن "شرح السنة" أن مذهب السلف الصالح أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فمعنى الآية أن يقال: إن ذكر القلب وثبوت الإيمان ها هنا، كذكره وثبوت الإثم فيه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] لأنه رئيس الأعضاء، وحصول الإيمان فيه كحصوله في سائر الجسد، لأنه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ولا ارتياب أن رسوخ الإيمان في القلب إنما يكون بآداب الجوارح في الأعمال الصالحة ومواظبتها عليها، ألا ترى كيف أتى باسم الإشارة بعد أن وصف القوم
[ ١٥ / ٢٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بالتصلب في دين الله ومجانبة أعداء الله، ومباعدة الأقارب وإن كانوا آباءهم والاحتراس عن معاشرتهم! فكيف يستتب ذلك بمجرد التصديق؟ ! الراغب: الكتب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والأصل في الكتابة النظم بالخط وفي المقال النظم باللفظ، ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب، فالإرادة مبتدأ والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبتدأ إذا أريد به توكيده بالكتابة التي هي المنتهى، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فيه إشارة إلى أنهم بخلاف ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، لأن معنى ﴿أَغْفَلْنَا﴾ من أغفلت الكتاب: إذا جعلته خاليًا من الكتابة ومن الإعجام. وقوله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] إشارة إلى أن ذلك مثبت له ومجازى به. انتهى كلامه. فإن قلت: أي الكتبتين _أعني: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ﴾ و﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ - أبلغ؟ قلت: كل منهما مدل بنوع من التوكيد، وبضرب من التقرير، فالأولى: مؤكدة بلام القسم والنون وبالضمير تمهيدًا لذكر المرسلين على منوال قوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] أي: يؤذون رسوله، وإلا فالله الغالب أبدًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
[ ١٥ / ٢٩٨ ]
وشرح له صدورهم ﴿وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ بلطف من عنده حييت به قلوبهم.
ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.
وعن عبد العزيز بن أبي رواد: انه لقيه المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها.
وعن النبي ﷺ: أنه كان يقول: " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إلى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ ". وروي أنها نزلت في أبي بكر ﵁،
_________________
(١) وأما الثانية: فبذكر القلوب وإثبات الإيمان فيه، ثم التوفيق بتأييدهم بروح من الله، وإدخالهم دار النعيم والخلد المقيم، ثم حلول الرضوان، ورضوان من الله أكبر، وتسميتهم بحزب الله ووسمهم بسمة حقيقة الفلاح والفوز بالمباغي. اللهم اجعلنا من الفائزين وأدخلنا في عبادك الصالحين. قوله: (بلطف من عنده)، قال القاضي: وهو نور القلب أو القرآن أو النصر على أعداء الله. قال سهل ﵀: حياة الروح بالذكر، وحياة الذكر بالذاكر، وحياة الذاكر بالمذكور. قوله: (وعن عبد العزيز بن أبي رواد)، ويروى "وراد" ويروى "رواح"، ولعل الصحيح الأول، قال صاحب "الكاشف" في كتاب "أسماء الرجال في معرفة من له ذكر في الكتب الستة": عبد العزيز بن أبي رواد _بفتح الراء وتشديد الواو_ مولى المهلب بن أبي صفرة، روى عن عكرمة وسالم، وكان ثقة عابدًا معمرًا مات سنة ثلاثين ومئة.
[ ١٥ / ٢٩٩ ]
وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله ﷺ، فصكه سقط منها، فقال له رسول الله: " أو فعلته؟ " قال: نعم، قال: " لا تعد" قال: والله لو كان السيف قريبًا مني لقتلته. وقيل في أبي عبيدة بن الجراح: قتل أباه عبد الله الجراح يوم أحد. وفي أبي بكر: دعا ابنه يوم بدر إلى البراز،
_________________
(١) قوله: (أن أبا قحافة سب رسول الله ﷺ)، هذا لم أجده في الكتب التي يعتمد عليها، وفي "الاستيعاب" أن أبا قحافة عثمان بن عامر، والد أبي بكر ﵄، أسلم يوم فتح مكة، وفي "الجامع" وعاش إلى خلافة عمر ﵁، وأما قتل أبي عبيدة أباه فروينا عن البخاري ومسلم عن أنس قال: كان قتل أباه وهو من جملة أسارى بدر ببدر بيده لما سمع منه في رسول الله ﷺ ما يكره، ونهاه فلم ينته.
[ ١٥ / ٣٠٠ ]
وقال لرسول الله: دعني أكر في الرعلة الأولى: الأولى: قال: " متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري! " وفي مصعب بن عمير: قتل أخاه عبيدًا بن عمير يوم أحد. وفي عم بن الخطاب: قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر. وفي علي وحمزة وعبيدة بن الحارث: قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر.
عن رسول الله ﷺ: " من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة".
_________________
(١) قوله: (في الرعلة الأولى)، النهاية: يقال للقطيعة من الفرسان: رعلة، ولجماعة الخيل: رعيل. قوله: (وفي علي وحمزة وعبيدة بن الحارث)، روى أبو داود عن علي ﵁: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة ومعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز؟ إلى قوله: فقال رسول الله ﷺ: "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة واختلفت بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة. وفي رواية رزين: قال علي: فأما أنا وحمزة فأنجزنا صاحبينا، وأما عبيدة والوليد فأثخن كل واحد منهما صاحبه. الحديث. قوله: (كتب من حزب الله)، روى السلمي عن أبي عثمان: "حزب الله: من يغصب لله ولا تأخذه في الله لومة لائم". تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسوله ﷺ.
[ ١٥ / ٣٠١ ]