مكية، وهي ست وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ • قُمْ فَأَنذِرْ • ورَبَّكَ فَكَبِّرْ • وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ • والرُّجْزَ فَاهْجُرْ) ١ - ٥]
(المُدَّثِّرُ) لابس الدثار، وهو ما فوق الشعار: وهو الثوب الذي يلي الجسد. ومنه قوله ﵊: «الأنصار شعار والناس دثار».
_________________
(١) سورة المدثّر ست وخمسون آية، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (الأنصار شعار والناس دثار)، النهاية: "يعني: أنتم الخاصة والناس العامة". الراغب: "يقال: دَثَرتُه فتدثر، والدِّثار: ما يتدثر به، وتَدَثّر الفحل الناقة: تَسنّمها، والرجل الفرس: وَثَبَ عليه فركبه، ورجل دثور: خامل مُستتر، وسيف داثر: بعيد العهد بالصقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر، لزوال أعلامه، وفلان دِثر المال: حسن القيام به".
[ ١٦ / ١٠٨ ]
وقيل: هي أول سورة نزلت؛ وروى جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ: «كنت على جبل حراء، فنوديت: يا محمد، إنك رسول الله، فنظرت عن يمينى ويساري فلم أر شيًا، فنظرت فوقي فرأيت شيئًا»، وفي رواية عائشة: «فنظرت فوقى فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض، يعني الملك الذي ناداه، فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت: «دثروني دثروني»، فنزل جبريل وقال: (يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ).
_________________
(١) قوله: (روى جابر بن عبد الله) الحديث، روى البخاري ومسلم وأحمد والترمذي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن. قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابرًا عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت لي، فقال لي جابر: لا أُحدثك إلا ما حدثنا رسول الله؟، قال: جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دَثِّروني، فدثَّروني وصبوا عليّ ماء باردًا، فنزلتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (قُمْ فَأَنذِرْ (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾. وفي رواية: "فإذا هو قاعدٌ على العرش بين السماء والأرض". قوله: (فإذا به قاعد)، قيل: هو مبتدأ وخبر، والضمير في "به" لِ "فوق"، ويمكن أن يُجرى على التجريد، أي: حَصَلَ بسببه أو ملتبس به ملك جليل القدر قاعد على العرش. وهو هو. ويجوز أن يكون الباء بمعنى "في"، أي: استقرَّ فيه ملك قاعد كما قال: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا وفي الله إن لم يَعدلوا حكم عدل
[ ١٦ / ١٠٩ ]
وعن الزهري: أول ما نزل سورة (اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ) إلى قوله (مَا لَمْ يَعْلَمْ)، فحزن رسول الله ﷺ وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل فقال: إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة وقال: دثروني وصبوا علي ماء باردًا، فنزل: (يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ).
وقيل: سمع من قريش ما كرهه فاغتم، فتغطى بثوبه مفكرًا كما يفعل المغموم، فأمر أن لا يدع إنذارهم وإن أسمعوه وآذوه. وعن عكرمة أنه قرأ على لفظ اسم المفعول، من دثره
_________________
(١) أي: الله حكم عدل؛ فالمعنى مطابق لما روينا عن الأئمة: فإذا هو قاعد على العرش. قوله: (شَواهِقَ الجبال)، الجوهري: "شَهِقَ يَشْهَقُ، أي: ارتفع. والشاهق: الجبل المرتفع". والصحيح أن هذه الحالة إنما ظهرت عند فترة الوحي، على ما روينا عن البخاري، عن عائشة في حديث طويل، قال: "وفَتَرَ الوحي فترة، حتى حزن النبي؟، فيما بلغنا حزنًا شديدًا، غدا منه مرارًا حتى يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يُلقي نسفه منه، تبدّى له جبريل: فقال: يا محمد، إنّك لرسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرُّ نفسه فيرجع" الحديث. حِرا: ممدود، مُنصرف على التذكير، غير مُنصرف على التأنيث. قوله: (على لفظ اسم المفعول)، أي: "المدثر"، بفتح الثاء. قال في "المزمل": "قُرئ: "المزمل"، بتخفيف الزاي وفتح الميم، من: زُمِّلَه، وهو الذي زَمَّله غيرزه". وإليه الإشارة بقوله: كما قال في "المزَّمِّل".
[ ١٦ / ١١٠ ]
وقال: دثرت هذا الأمر وعصب بك، كما قال في المزمل: قم من مضجعك، أو قم قيام عزم وتصميم (فَأَنذِرْ) فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. والصحيح أنّ المعنى: فافعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد (ورَبَّكَ فَكَبِّرْ) واختص ربك بالتكبير، وهو الوصف بالكبرياء؛ وأن يقال: الله أكبر.
ويروى أنه لما نزل، قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر» فكبرت خديجة وفرحت، وأيقنت أنه الوحي؛ وقد يحمل على تكبير الصلاة، ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره. (وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات؛ لأن طهارة الثياب شرط في الصلاة لا تصح إلا بها، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة، وقبيح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثًا. وقيل: هو أمر بتقصيرها، ومخالفة العرب في تطويلهم الثياب وجرهم الذيول، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسات. وقيل: هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ويستهجن من العادات. يقال: فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل والأردان، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ومدانس الأخلاق
_________________
(١) قوله: (أو قُم قيام عزم وتصميم)، نحوه قال في "المزَّمِّل": "تَزمّل في قطيفته، واستعداده للاستثقال في النوم، كما يفعل من لا يُهِمه أمر ولا يَعنيه شأن". قوله: (فافعل الإنذار)، أي: أَنذِر، حُذف مفعوله، وأُجري مجرى اللازم. قوله: (وما كان فلا تدع تكبيره)، أي: أيُّ شيء حدث ووقع فلا تترك تكبيره، ونحوه قولك: زيدًا فاضربه. قوله: (وقيل: هو أمر بتطهير النفس)، وأنشد الراغب:
[ ١٦ / ١١١ ]
وفلان دنس الثياب للغادر؛ وذلك لأن الثوب يلابس الإنسان ويشتمل عليه، فكني به عنه، ألا ترى إلى قولهم: أعجبني زيد ثوبه،
_________________
(١) ـ ثياب بني عَوف طهارى نَقيّةٌ وقال: "أصل الثوب الرجوع إلى الحالة الأولى التي كان عليها، أو إلى الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة، وهي الحالة المشار إليها بقوله: أول الفكرة آخر العمل، فمن الرجوع إلى الحالة الأولى: ثاب فلان إلى داره، ومن الرجوع إلى الحالة المقدرة المقصودة بالفكرة الثَّوب، سمّي بذلك لرجوع الغزل إلى الحالة التي قُدِّر لها، وكذا ثوب العمل. والثواب: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله؛ فسمّي الجزاء ثوابًا تصورًا أنه هو هو، ألا ترى كيف جعل الجزاء نفس الفعل في قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، ولم يقل: جزاءه. والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف عليه في الخير، وكذلك المثوبة؛ وعلى طريق الاستعارة، يقال في الشر كاستعارة البشارة فيه". قوله: (فكُنّيَ به عنه)، أي: فكنّى بالثوب عما يلابس مما يستقذر من الأفعال.
[ ١٦ / ١١٢ ]
كما يقولون: أعجبني زيد عقله وخلقه، ويقولون: المجد في ثوبه، والكرم تحت حلته؛ ولأن الغالب أن من طهر باطنه ونقاه، عني بتطهير الظاهر وتنقيته، وأبى إلا اجتناب الخبث وإيثار الطهر في كل شيء. (والرُّجْزَ) قرئ بالكسر والضم، وهو العذاب، ومعناه: اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها من المآثم. والمعنى: الثبات على هجره؛ لأنه كان بريئًا منه.
[(ولا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ • ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) ٦ - ٧]
قرأ الحسن: «ولا تمنّ»، (تَسْتَكْثِرُ) مرفوع منصوب المحل على الحال، أي: ولا تعط مستكثرًا رائيًا لما تعطيه كثيرا، أو طالبًا للكثير؛ نهى عن الاستغزار: وهو أن يهب شيئًا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب، وهذا جائز. ومنه الحديث: «المستغزر يثاب من هبته»، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون نهيًا خاصًا برسول الله ﷺ؛
_________________
(١) قوله: (المجد في ثوبه، والكرم تحت حُلته)، قال صاحب "المفتاح": "قولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين بُرديه: من الكناية المطلوب بها تخصيص الصفة بالموصوف". أراد القائل أن لا يُصرح بتخصيص المجد والكرم بالممدوح، فجعلهما بين ثوبيه وبُرديه، تنبيهًا بذلك على أن محلهما الثوبان والبُردان، وهما مُشتملان على الممدوح، فتم غرضه بذلك. قوله: (﴿وَالرُّجْزَ﴾ قُرئ بالضم والكسر)، بالضم: حفص وحده. قوله: (المستغرز يُثاب من هبته)، النهاية: "روي عن بعض التابعين: المستغزر: الذي يطلب أكثر مما يُعطي، أي: إذا أهدى لك الغريب شيئًا، يطلب أكثر منه، فأعطه في مُقابلة
[ ١٦ / ١١٣ ]
لأن الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق، والثاني: أن يكون نهي تنزيه لا تحريم له ولأمته. وقرأ الحسن: «تستكثر» بالسكون، وفيه ثلاثة أوجه، الإبدال من تمنن، كأنه قيل: ولا تمنن لا تستكثر؛ على أنه من المن في قوله ﷿: (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا ولا أَذًى) [البقرة: ٢٦٢]؛ لأن من شأن المنان بما يعطي أن يستكثره، أي: يراه كثيرا ويعتد به، وأن يشبه «ثرو» بـ «عضد»،
_________________
(١) ـ هديته". فـ "مِن" في "من هِبته"، كـ "من" في "ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجِدُّ"، أي: بذلك. قوله: (وقرأ الحسن: "تَسْتكثِرْ")، قال ابن جني: "يحتمل أن يكون بدلًا، كأنه قال: لا تسكثر. فإن قيل: عبرة البدل أن يصلح إقامة الثاني مقام الأول، نحو: ضربت أخاك زيدًا، أي: ضربت زيدًا. ولو قلت: لا تستكثر، لم يدل إلا على النهي عن الاستكثار مُرسلًا. وإنما المعنى: ولا تمنن منَّ مُستكثر، أي: امنن من من لا يريد عوضًا، ولا يطلب الكثير عن القليل. فيقال: قد يكون البدل على حذف الأول، وقد يكون على نية إثباته، كقولك: زيد مررت به أبي محمد، فتبدل أبا محمد من الهاء. ولو قلت: زيد مررت بأبي محمد، كان قبيحًا. فقوله: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾، من هذا القبيل. ووجه آخر، وهو أن المراد: تَسْتَكْثِرُ، فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات، كما حكى أبو زيد: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، بإسكان اللام". قوله: (وأن يُشبه "ثرو" بـ "عَضُد")، أي: الخروج من كسر الثاء إلى ضمة الراء وإلى فتحة الواو في ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ ثقيل؛ فخفف الراء. كما أنّ "عَضُد" ثقيل، فخفف الضاد.
[ ١٦ / ١١٤ ]
فيسكن تخفيفًا، وأن يعتبر حال الوقف. وقرأ الأعمش بالنصب بإضمار «أن» كقوله:
ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى
وتؤيده قراءة ابن مسعود: «ولا تمنن أن تستكثر»، ويجوز في الرفع أن تحذف «أن» ويبطل عملها، كما روي: «أحضر الوغى» بالرفع. (ولِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) ولوجه الله فاستعمل الصبر، وقيل: على أذى المشركين، وقيل: على أداء الفرائض، وعن النخعي: على عطيتك، كأنه وصله بما قبله، وجعله صبرًا على العطاء من غير استكثار، والوجه أن يكون أمرًا بنفس الفعل،
_________________
(١) قوله: (وقرأ الأعمش بالنصب بإضمار "أن")، قال ابن جني: "هو بدل من قوله: ﴿وَلَا تَمْنُن﴾ في المعنى، لأن معناه: لا يكن منك مَنٌّ واستكثار، أي: لا يكن منك مَنٌّ أن تستكثر، فتضمر ﴿أَنْ﴾ لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلًا من المنِّ في المعنى الذي دلَّ عليه الفعل، ونظيره قولهم: لا تشتمه فيشتمك، أي: لا يكن منك شَتم له، ولا منه أن يشتمك، وأنشد أبو زيد: فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: أَلْهو إلى الإصباحِ، آثِرَ ذي أَثير فوضع "أَلْهو" موضع (اللهو) ". قوله: (ولِوجه الله، فاستعمل الصبر)، فيه تخصيص ومبالغة؛ فالتخصيص مستفاد من التقديم، والمبالغة من حذف مُتعلق ﴿فَاصْبِرْ﴾ - غير مراد - ولذلك قال بعده: "قيل: على أذى المشركين". قوله: (والوجه أن يكون أمرًا بنفس الفعل)، قيل: هذا هو الوجه الأول، وليس بصواب؛ لأن الوجه الأول مُطلق على إطلاقه، وأطلق هذا الوجه ليتناول كل صبور عليه ومصبور عنه، ثم كنى به عن الصبر على أذى الكفار، على أن الصبر على أذاهم، هو الصبر على كل
[ ١٦ / ١١٥ ]
وأن يتناول على العموم كل مصبور عليه ومصبور عنه، ويراد الصبر على أذى الكفار؛ لأنه أحد ما يتناوله العام.
[(فَإذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ • فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ • عَلَى الكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) ٨ - ١٠]
والفاء في قوله: (فَإذَا نُقِرَ) للتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في (فَذَلِكَ) للجزاء.
فإن قلت: بم انتصب «إذا»، وكيف صح أن يقع (يَوْمَئِذٍ) ظرفا ل- «يوم عسير»؟ قلت: انتصب «إذا» بما دل عليه الجزاء، لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين، والذي أجاز وقوع (يَوْمَئِذٍ) ظرفا ل- (يَوْمٌ عَسِيرٌ)، أن المعنى: فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير، لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور، واختلف في أنها النفخة الأولى أم الثانية
_________________
(١) مصبور عليه، على ما سبق في قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، أي: أنعمت عليهم بالإسلام، فاُطلق ليتناول كل مُنعَم عليه، ثم كني به عن الإسلام، لأن من أنعم الله تعالى عليه بالإسلام، لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه، ولهذه الدقيقة قال: "والوجه" إلى آخره. قوله: (والذي أجاز وقوع ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفًا لـ ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، أن المعنى). هذا جواب عن السؤال الثاني، يريد: أن المعنى هو الذي يجيز التقدير، لأن النقر في الصور من أمارات يوم القيامو، والقيامة إنما تأتي وتقع حين يُنقر في الصور.
[ ١٦ / ١١٦ ]
_________________
(١) قال صاحب "الفرائد": "لما كان العسير الذي جعل صفة لليوم، صفة للأمر الواقع فيه على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم، جعل وقت النَّقر ظرفًا، باعتبار ان المراد منه العُسر على الكفار. وقيل: لا يمكن جعل قوله: "وقوع ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [ظرفًا لـ] ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ "، خبرًا لقوله ﴿فَذَلِكَ﴾، ولا بد من تقدير مضاف، إذ المعنى: زمان النقر يومئذٍ زمان وقوع ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، لأنه لا يمكن جعل ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفًا لما بعده، لأنه يلزم إعمال المصدر، الذي هو المضاف إليه فيما قبل المضاف وفيه نظر، لأن لفظة ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى نقر الناقور لا إلى زمان النقر، فيصح حينئذ وقوع ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفًا له، وإليه الإشارة بقوله: "لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور". فإن قيل: نقر الناقور سبب لوقوع يوم القيامة، لا نفس وقوعه؟ قلت: سببيته لاتنافي ظرفيته كما قال المصنف في آخر سورة "الأحقاف": "لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذا أساء". قال صاحب "الكشف": " ﴿ذَلِكَ﴾: ابتداء، وهو إشارة إلى المصدر، أي: فذلك النقر، وهو العامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والمضاف مُقدر، أي: فذلك النقر في ذلك الوقت نقر يوم عسير. و﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ مُتعلق بـ ﴿عَسِيرٌ﴾ لا بـ ﴿يَسِيرٍ﴾، لأن ما يعمل فيه المضاف إليه، لا يتقدم على المضاف، على أنهم قالوا: إن "غيرًا" في حكم حرف النفي، فيجوز أن يعمل ما بعده فيما قبله. وأجازوا: أنت زيدًا غير ضارب، حملًا على: أنت زيدًا لا ضارب".
[ ١٦ / ١١٧ ]
ويجوز أن يكون (يَوْمَئِذٍ) مبنيًا مرفوع المحل بدلا من (ذَلِكَ)، و(يَوْمٌ عَسِيرٌ) خبر، كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير.
فإن قلت: فما فائدة قوله: (غَيْرُ يَسِيرٍ)، و(عَسِيرٌ) مغن عنه؟
قلت: لما قال: (عَلَى الكَافِرِينَ) فقصر العسر عليهم، قال: (غَيْرُ يَسِيرٍ) ليؤذن بأن لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرًا هينًا، ليجمع بين وعيد الكافرين
_________________
(١) وقال أبو البقاء: "إذا: ظرف، والعامل ما دل عليه ﴿فَذَلِكَ﴾، لأنه إشارة إلى النقر. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا﴾، و﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. العامل فيه ما دل عليه ﴿عَسِيرٌ﴾، أي: تعسير، ولا يعمل فيه نفس ﴿عَسِيرٌ﴾، لأن الصفة لا تعمل فيما قبلها. يخرج على قول الأخفش، وهو أن يكون ﴿إِذَا﴾ مبتدأ، والخبر ﴿فَذَلِكَ﴾، والفاء زائدة. وأما ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فظرف لـ ﴿ذَلِكَ﴾ ". وقلت: قد سبق غير مرة أن الشرط والجزاء إذا اتحدا معنى، دل على فخامة الجزاء، وكان الجزاء متضمنًا للإخبار أو التوبيخ، وها هنا المشار إليه بقوله: فذلك الذي هو الجزاء، نفس الشرط الذي هو وقت النقر، وانضم معه تكرير ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، فدل على التنبيه على الخطب الجليل والأمر العظيم. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مبنيًا مرفوع المحل)، قال الزجاج: "إنما بُنِيَ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على الفتح، لإضافته إلى إذْ، لأنها غير مُتمكنة". قوله: (فقصر العُسر عليهم)، لم يُرَد به القصر الاصطلاحي، بل يراد به تخصيص إيقاع ذكر العُسر عليهم. وعن بعضهم: نظيره قوله تعالى: ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤]، من
[ ١٦ / ١١٨ ]
وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما يرجى تيسر العسير من أمور الدنيا.
[(ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وحِيدًا • وجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدودًا • وبَنِينَ شُهُودًا • ومَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا • ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ • كَلاَّ إنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا • سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا • إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ • فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ • ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ • ثُمَّ نَظَرَ • ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ • ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكْبَرَ • فَقَالَ إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ • إنْ هَذَا إلاَّ قَوْلُ البَشَرِ) ١١ - ٢٥]
(وحِيدًا) حال من «الله» ﷿ على معنيين، أحدهما: ذرني وحدي معه، فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم، والثاني: خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد. أو حال من المخلوق على معنى: خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد، كقوله: (ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ٩٤].
وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان يلقب في قومه بالوحيد، ولعله لقب بذلك بعد نزول الآية؛ فإن كان ملقبًا به قبل،
_________________
(١) حيث إنه تعريض بظل الجنة، وهذا غيظ لهم. والفرق أن القرينة الثانية على الأول استُجلبت بإثبات حكم مغني مغاير للمذكور، وعلى الثاني بإرادة استمرار الحكم الثابت تفريعًا. قوله: (أنه عسير لا يُرجى)، قال أبو البقاء: " ﴿عَلَى﴾ مُتعلق بـ ﴿عَسِيرٌ﴾، أو هي نعت له، أو حال من الضمير الذي فيه، أو متعلق بـ ﴿يَسِيرٍ﴾، أو بما دل عليه". قوله: (فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم)، إشارة إلى المعنى الذي سبق في قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١].
[ ١٦ / ١١٩ ]
فهو تهكم به وبلقبه، وتغيير له عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه، والثناء عليه بأنه وحيد قومه لرياسته ويساره وتقدّمه في الدنيا إلى وجه الذم والعيب، وهو أنه خلق وحيدًا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر بنعمة الله وأشرك به واستهزأ بدينه.
(مَّمْدودًا) مبسوطًا كثيرًا، أو ممدًا بالنماء، من: مد الهر ومده نهر آخر، قيل: كان له الزرع والضرع والتجارة. وعن ابن عباس: هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال، وقيل: كان له بستان بالطائف لا ينقطع ثماره صيفًا وشتاء وقيل: كان له ألف مثقال، وقيل: أربعة آلاف، وقيل تسعة آلاف، وقيل: ألف ألف، وعن ابن جريج: غلة شهر بشهر.
(وبَنِينَ شُهُودًا) حضورًا معه بمكة لا يفارقونه للتصرف في عمل أو تجارة، لأنهم مكفيون لوفور نعمة أبيهم واستغنائهم عن التكسب وطلب المعاش بأنفسهم، فهو مستأنس بهم لا يشتغل قلبه بغيبتهم، وخوف معاطب السفر عليهم ولا يحزن لفراقهم والاشتياق إليهم. ويجوز أن يكون معناه: أنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل، أو تسمع شهاداتهم فيما يتحاكم فيه. وعن مجاهد: كان له عشرة بنين، وقيل: ثلاثة عشر. وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاص، وقيس، وعبد شمس؛ أسلم منهم ثلاثة: خالد، وهشام، وعمارة.
_________________
(١) قوله: (غَلّة شهر بشهر)، أي: بحلول شهر. يعني: كان يأخذ غلة عقاره في كل شهر، وقيل: التقدير مستقر مع شهر أو شهر بعد شهر. قوله: (الوليد بن الوليد، وخالد، وعُمارة، وهشام، والعاص، وقيس، وعبد شمس: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة)، يُفهم منه أن الوليد بن الوليد لم يُسلم، والرواية بخلافه، قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "إن هشامًا من المُؤَلَّفة"، ولم يَذكر عمارة في
[ ١٦ / ١٢٠ ]
(ومَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا) وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه، فأتممت عليه نعمتي المال والجاه؛ واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا. ومنه قول الناس: أدام الله تأييدك وتمهيدك، يريدون: زيادة الجاه والحشمة
_________________
(١) كتابه أصلًا، وذكر أن الوليد بن الوليد "أسلم وشهد مع رسول الله؟، وخالد كان فارًا من مكة، لئلا يرى رسول الله؟ . وسمع الوليد رسول الله؟ يقول: لو أتانا خالد لأكرمناه، ومثله سقط عليه الإسلام في عقله، فكتب إليه الوليد فوقع الإسلام في قلب خالد، وكان سبب هجرته". وذكر البلاذري في "أنساب الأشراف"، أن أولاد الوليد بن المغيرة أربعة: خالدًا، وهشامًا، وعمارة، ووليدًا. وقال: وأما الوليد بن الوليد، فكام من المستضعفين المؤمنين، وهاجر إلى النبي؟ ماشيًا. وأما هشام فأسلم وحسن إسلامه، وهو الذي بعثه عمر ﵁ إلى الكوفة. وأما عمارة، فكان فتى قريش جمالًا، وشخص مع عمرو بن العاص إلى الحبشة، فعشقته امرأة النجاشي، فدعته فجعل يختلف إليها، وحدث عمرًا بذلك وكان بينهما ضغن وحقد، فقال: إن صدقتني فأتني بدهن من دُهن النجاشي، فجاء به، فأتى عمرو النجاشي، وحدثه الحديث، فأخذه النجاشي وقطعه إربًا إربًا، فعلم من ذلك أنه قُتل مشركًا، والله أعلم" .. قوله: (فأتممت عليه نعمتي المال والجاه)، يريد أن قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، تكميل، فعلم من الأول أنه أوتي المال والولد، وقد لا يحصل بهما الجاه، فتمَّم وكمّل بقوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، وإليه الإشارة بقوله: "واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا"، وقوله: "عند أهلِ
[ ١٦ / ١٢١ ]
وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم؛ ولذلك لقب «الوحيد» و«ريحانة قريش». (ثُمَّ يَطْمَعُ) استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه، يعني أنه لا مزيد على ما أوتي سعة وكثرة، وقيل: إنه كان يقول: إن كان محمد صادقًا فما خلقت الجنة إلا لي.
(كَلاَّ) ردع له وقطع لرجائه وطمعه (إنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا) تعليل للردع على وجه الاستئناف، كأن قائلًا قال: لم لا يزاد؟ فقيل: إنه عاند آيات المنعم وكفر بذلك نعمته، والكافر لا يستحق المزيد. ويروى أنه ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله حتى هلك. (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذي لا يطاق، وعن النبي ﷺ: «يكلف أن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، فإذا رفعها عادت»، وعنه ﵇: «الصعود جبل من نار
_________________
(١) الدنيا" تتميم للصيانة، لأن عند أهل الآخرة نقصان الفاء مثلها في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. التمهيد مأخوذ من: مهد الفراش. الأساس: "مَهَّدَ المَهْد والمَهُد والمِهاد، ومضجع ممهود وممهد، ومَهَّد الفراش فامْتَهَد وتَمهَّد. ومن المجاز: مَهَّد الأمر: وطّأَه وسواه، ومَهّت العُذر تمهيدًا". قوله: (وريحانة قريش)، النهاية: "الرَّيحان يطلق على الرحمة والرزق والراحة، فبالرزق سُمِّي الولد ريحانًا".
[ ١٦ / ١٢٢ ]
يصعد فيه سبعين خريفًا ثم يهوي فيه كذلك أبدًا». (إنَّهُ فَكَّرَ) تعليل الوعيد، كأن الله تعالى عاجله بالفقر بعد الغنى، والذل بعد العز في الدنيا بعناده، ويعاقب في الآخرة بأشد العذاب وأفظعه لبلوغه بالعناد غايته وأقصاه في تفكيره، وتسميته القرآن سحرًا. ويجوز أن تكون كلمة الردع متبوعة بقوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) ردا لزعمه أن الجنة لم تخلق إلا له؛ وإخبارًا بأنه من أشدّ أهل النار عذابًا، ويعلل ذلك بعناده، ويكون قوله: (إنَّهُ فَكَّرَ) بدلا من قوله: (إنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا) بيانا لكنه عناده، ومعناه: فكر ماذا يقول في القرآن (وقَدَّرَ) في نفسه ما يقول وهيأه (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحز، ورميه الغرض الذي كان تنتحيه قريش
_________________
(١) قوله: (سبعين خريفًا)، عن بعضهم: سبعين عامًا، لأن الخريف آخر السنة، لأن فيه تُدرك جميع الثمار، وكذلك الإنسان إذا بلغ آخر عمره قد يخرف. قوله: (﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ تعليل للوعيد)، يريد أن قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِأيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، تعليل لقطع المزيد المعنى بقوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (كَلَّا﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾، تعليل للوعيد المعني بقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ لأنه ﴿كَانَ لِأيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، وذلك بأنه فكر وقدر. وفي الكواشي: "يقف عند قوله: ﴿أَنْ أَزِيدَ﴾، إن جعلت ﴿كَلَّا﴾ بمعنى "ألا" استفتاحًا. ويتم هنا إن جعلتها ردعًا، وهو أولى، ويبتدئ ﴿إِنَّهُ كَانَ لِأيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ ".
[ ١٦ / ١٢٣ ]
_________________
(١) وقال الزجاج: "كلا: ردع وتنبيه، فيقول: كلا، لمن قال لك شيئًا تنكره، أي: ارتدع عن هذا وتنبه على الخطأ فيه". وقال ابن الحاجب" وقد تكون بمعنى: حقًا، وعليه حُمل مواضع من القرآن". وفي كتاب "المُرشد": "قال الخليل وسيبويه والأخفش: كلا: ردع وزجر. روى الخليل عن مقاتل ابن سليمان: كل شيء في القرآن من ﴿كَلَّا﴾، فهو ردٌّ على الكلام الأول إلا بعضه. روى ابن الأنباري عن المفسرين، معناها: حقًّا، وحكي عن الكسائي أيضًا. وعن الفراء: هي حرف رد بمنزلة "نعم" و"لا" في الاكتفاء، وإن جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقولك: كلا ورب الكعبة، لأنها بمنزلة قولك: إي ورب الكعبة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢]، قال أبو حاتم: وهي على وجهين: أحدهما بمعنى "لا" ردًا للأول. والثاني بمعنى ألا، التي هي للتنبيه يُستفتح بها الكلام، قال الأعشى: كلا زعمتم بأنا لا نقاتلكم إنا لأمثالكم - يا قومنا - قُتُلُ كأنه قال: ألا زعمتم. فقيل: يُحتمل أن الشاعر قد رد بها زعم القوم". وأجاب صاحب "المرشد": "إذا صح لأبي حاتم أن يقول: ﴿كَلَّا﴾ في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] بمعنى: ألا، لم يمتنع أن يُحمل البيت عليه. وقيل: ذهب ابن الأنباري أن ﴿كَلَّا﴾ في الآية بمعنى: حقًا. وأجيب: إن هذا أيضًا جائز، على أن كثيرًا من أهل العلم يأباه، لأن ﴿كَلَّا﴾ حرف، و"حقًا" مصدر.
[ ١٦ / ١٢٤ ]
أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به، أو هي حكاية لما كرروه من قولهم: قتل كيف قدر، تهكمًا بهم وبإعجابهم بتقديره، واستعظامهم لقوله. ومعنى قول القائل: قتله الله ما أشجعه، وأخزاه الله ما أشعره: الإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك
_________________
(١) وأما الوقف عليها، فهي مختلفة الأحوال؛ فمنها ما يوقف عليه، ومنها ما يُبتدأ به، ومنها ما يصلح فيه الأمران، ومنها ما لا يحسن الوقف عليه ولا الابتداء به"، تم كلامه. وقلت: ضعف قول من زعم أن ﴿كَلَّا﴾ لا يكون بمعنى "حقًا" لكونه حرفًا وذلك اسم، لأن من قال به، ذهب إلى أنها مُعبرة عن متعلق معناه، كما تقول: "من" معناها ابتداء الغاية، و"إلى" معناها انتهاء الغاية، إلى غير ذلك. وقد سبق في أول "البقرة" عند قوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]. قوله: (حكاية لما كرّروه)، أي: لما كرره قريش من قولهم: قُتل كيف قدر، في حق الوليد تعجيبًا، حكاه الله تعالى عنهم. ويجوز أن يكون من كلام الله، دعا عليه، ولا يكون تعجيبًا ولا تكريرًا مُجردًا، كما قال الراغب في "غرّة التنزيل": "كان الوليد بن المغيرة لما سئل عن النبي؟: قدر ما أتى به من القرآن. فقال: إن قلنا: شاعر، كذبتنا العرب إذا قَدَّرت ما أتى به على الشعر، وكان يقصد بها التقدير تكذيب الرسول؟ بضرب من الاحتيال، فلذلك كان كل تقدير مستحقًا لعقوبة من الله تعالى، هي كالقتل إهلاكًا له، أي: هلك هلاك المقتول كيف قَدَّر. وقوله: ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، أي أنه قال: إنه ليس ما أتى به من كلام الكهنة، فإن ادَّعينا ذلك عليه، كذبتنا العرب إذ رأوا هذا الكلام مخالفًا لكلام الكهان، فهو في تقديره له على كلام الكهنة، مُستحق من العقوبة لما هو كالقتل إهلاكًا له؛ فهو في نفيه عن القرآن الأقسام
[ ١٦ / ١٢٥ ]
روي أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى؛
_________________
(١) ـ الفاسدة، قاصد إلى إبطاله، وإلى إثبات قسم [لا] يصح إثباته، وهو قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤ - ٢٥]؛ وإذا كان كذلك، لم يكن في إعادة ﴿قَدَّرَ﴾ تكرار، بل عُلق به في الثاني مُقدر غير الأول، لفائدة جديدة". قوله: (لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا)، قال محيي السنة: "إن الله تعالى لما أنزل على النبي؟: ﴿حم (تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣]، قام النبي؟ في المسجد، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي؟ لاستماعه أعاد القراءة، فانطلق الوليد إلى مجلس قومه بني مخزوم، وقال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا"، إلى آخر القصة. قوله: (وإن عليه لطلاوة)، النهاية: "رونقًا وحُسنًا، وقد تُفتح الطاء". و"الغَدق، بالغين المعجمة وفتح الدال: المطر الكبار القطر، والمُغْدِق: مُفْعِل منه". الجوهري: "الماء الغَدَق: الكثير، وقد غدِقت عين الماء بالكسر، أي: غَزُرت". وقلت: لعل هذا التشبيه يُنظر [فيه] إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً
[ ١٦ / ١٢٦ ]
فقالت قريش: صبأ - والله - الوليد، والله لتصبأن قريش كلهم؛ فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه، فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون إنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟
_________________
(١) كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤]؛ استعار الوليد الشجرة للقرآن على التمثيلية أو المكنية، فجعل له الأعلى الذي هو الفرع، ورشحه بقوله: لمثمر، وأنبت له الأسفل الذي هو الأصل، ورشحه بقوله: لمغدق، وكنّى بقوله: "لمُغدق" عن كونها ثابتًا أصلها ريان فرعها. وتمم معنى ترشيح المثمر بقوله: لحلاوة، وتمم ترشيح المُغدق بقوله: لطلاوة؛ فقوله: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة" كالتمهيد للاستعارة وترشيحها، وقوله: "وإنه يعلو وما يعلى" كالخاتمة للمجموع، والزُّبدة والغاية: ما أفصح هذا الكلام! ولم يكن كذلك إلا لأنه مدح لأحسن الكلام. قوله: (صبأ والله الوليد)، النهاية: "يقال: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره، وكانوا يُسموت من يدخل في الإسلام" مَصْبوَّا، لأنهم كانوا لا يهمزون، فأبدلوا من الهمزة واوًا، ويُسمون المسلمين الصُّباة بغير همز، كأنه جمع الصابي غير مهموز، كقاضٍ وقضاة، وغازٍ وغُزاة". قوله: (فهل رأيتموه يُخنق)، كانوا يعتقدون أن الجن تخنق المجنون وتتخبطه. في "المُغرب": "الخنق بكسر النون: مصدر "خَنَقه"؛ إذا عصر حلقه. يُقال: خنقته العبرة، يعني: غصَّ بالبكاء حتى كأن الدموع أخذت بمخنقه".
[ ١٦ / ١٢٧ ]
فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر؛ أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل، فارتج النادي فرحًا،
_________________
(١) قوله: (اللهم لا)، قال المطرزي: "اللهم: كلمة تستعمل في الدعاء، بمعنى: يا الله، والميم فيها عوض من حرف النداء، ولذلك لا يُجمع بينهما. وقد يجيء في جواب الاستفهام قبل "لا" و"نعم" كثيرًا، من ذلك ما قرأت في حديث عمير بن سعد، وقد أتاه رسول عمر ﵁، وقال له: كيف تركت أمير المؤمنين. فقال: صالحًا، وهو يقرئك السلام. فقال له: ويحك لعله استأثر نفسه، قال: اللهم لا. فقال: لعله فعل كذا، قال: اللهم لا" في حديث طويل. وكان المتكلم قصد إثبات الجواب مشفوعًا بذكر الله، ليكون أبلغ وأوقع، وفي نفس السامع أنجع، وليعلم أنه على يقين من إيراده وبصيرة في إثباته، قد جعل نفسه في معرض من أقبل على الله تعالى ليجيب فيما سأله مثلًا. ولا شك أن من كانت هذه حاله لا يتكلم إلا بما هو صدق ويقين وحق مبين. وقد يؤتى بها قبل "إلا"، إذا كان المستثنى عزيزًا نادرًا، وكان قصدهم بذلك الاستظهار بمشئية الله في إثبات كونه ووجوده، إيذانًا بأنه بلغ في النُّدرة حد الشذوذ، وهذا كثير في كلام الفصحاء". قوله: (يأثره)، هو من قولك: "أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته من غيرك" ذكره الجوهري. قوله: (فارتج)، أي: اضطرب. المغرب: "ارتج الظلام إذا تراكب والتبس وقيل: ارتج: وقع في رجة، وهي الاختلاط". الجوهري: "ارتج البحر: اضطرب".
[ ١٦ / ١٢٨ ]
وتفرقوا معجبين بقوله متعجبين منه (ثُمَّ نَظَرَ) في وجوه الناس، ثم قطب وجهه، ثم زحف مدبرًا، وتشاوس مستكبرًا، لما خطرت بباله الكلمة الشنعاء، وهم بأن يرمي بها، وصف أشكاله التي تشكل بها حتى استنبط ما استنبط، استهزاءً به. وقيل: قدر ما يقوله، ثم نظر فيه، ثم عبس لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول. وقيل: قطب في وجه رسول الله ﷺ (ثُمَّ أَدْبَرَ) عن الحق (واسْتَكْبَرَ) عنه فقال ما قال. و(ثُمَّ نَظَرَ) عطف على (فَكَّرَ وقَدَّرَ) والدعاء اعتراض بينهما.
_________________
(١) قوله: (وتشاوس)، الجوهري: "الشَّوس، بالتحريك: النظر بمؤخر العين تكبرًا أو تغيظًا". قوله: (وصف أشكاله)، أي: وصف الله تعالى أشكال الوليد وهيأته، وهي: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾. قوله: (والدعاء: اعتراض)، أي: قوله: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. وليس هذا الاعتراض من قبيل الاعتراض المتعارف، الذي يتخلل تزيين الكلام. وتقريره: لأن الفاء مانعة من ذلك، بل هو من كلام الغير، ووقع الفاء في تضاعيف كلامه، فأدخل بين الكلامين المتصلين على سبيل الحكاية، وهو مُتعسف، وإنما سلكه لأنه جعل الدعاءين من كلام الغير. وأما إذا جُعلا من كلام الله تعالى استهزاءً كما ذكره، أو دعاء عليه كما ذهب إليه الراغب، وعليه تفسير الواحدي على ما قال ونقل عن صاحب النظم: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾: "أي: عذب ولعن كيف قدر، كما يقال: لأضربنه كيف صنع، أي: على أي حال كانت منه"، لتكون الأفعال كلها متناسقة مرتبة، على التفاوت في التعقيب والتراخي زمانًا ورتبة كما يقتضيه المقام كان أحسن.
[ ١٦ / ١٢٩ ]
فإن قلت: ما معنى (ثُمَّ) الداخلة في تكرير الدعاء؟
قلت: الدلالة على أن الكرّة الثانية أبلغ من الأولى، ونحوه قوله:
ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمّت اسلمي
_________________
(١) وجاء النظم على السنن المألوف من التنزيل، وذلك أنه تعالى لما حسم طمع الوليد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِأيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، وبين عناده بقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾، دعا عليه بالدعاءين بتقديره مرتين، كما ذكره الراغب: قدر أولًا أنه شاعر ثم نفاه حيلة، وقدر ثانيًا أنه كاهن كذلك، ثم بعد ذلك نظر في طلب ما يدفع به ويرده، ثم عبس وبسر كالمهتم المتفكر في شيء، ثم أدبر عن الحق واستكبر عن اتباعه، فقال: ما هذا الذي يقرؤه محمد، إلا سحر يُؤثر. والله أعلم. قوله: (ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثُمت اسلمي)، عجزه: ثلاث تحيات وإن لم تكلمي وفي بعض النسخ، العجز من المتن، أي: تبالغي في السلام، ثم تبالغي. وقيل: أي كوني سالمة، يخاطب الرَّبع والدار، والتقدير: أُحيي ثلاث تحيات. قبله: وما لي من ذنب إليهم علمته سوى أنني قد قلت: يا سَرحة، اسلمي أي: مالي من ذنب أهتدي إليهم، سوى قولي: يا سرحة، أدام الله سلامك. وسرحة: شجرة، عرض بها باسم امرأة فيهم؛ وإنما كرر ليغايظهم ويناكدهم.
[ ١٦ / ١٣٠ ]
فإن قلت: فما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت: الدلالة على أنه قد تأتى في التأمل وتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد.
فإن قلت: فلم قيل: (فَقَالَ إنْ هَذَا) بالفاء بعد عطف ما قبله ب- «ثم»؟ قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب، لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث.
فإن قلت: فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد.
[(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ • ومَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ • لا تُبْقِي ولا تَذَرُ • لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ • عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ • ومَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلائِكَةً ومَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانًا ولا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والْمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلاَّ هُوَ ومَا هِيَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) ٢٦ - ٣١]
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) بدل من (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)، (لا تُبْقِي) شيئًا يلقى فيها إلا أهلكته؛ وإذا هلك لم تذره هالكًا حتى يعاد،
_________________
(١) قوله: (بين الجملتين)، يعني قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، وذلك أن مراده أنه ليس من عند الله، وأنه من عند البشر؛ فكونه سحرًا لا يكون من عند الله، بل يكون من عند البشر، فكان قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، من هذا الوجه توكيدًا لمتبوعه، ولذلك قال: "أُجري مجرى التوكيد". قوله: (﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بدل من ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾)، هذا إنما يستقيم، إذا جعل مثلًا لما يلقى من العذاب الشاق، وإذا قيل: إنه يكلف أن يصعد عقبة في النار، فلا؛ لقوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨].
[ ١٦ / ١٣١ ]
أو لا تبقي على شيء ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة. (لَوَّاحَةٌ) من لوح الهجير، قال:
تقول: ما لاحك يا مسافر؟ … يا ابنة عمّى لاحنى الهواجر
قيل: تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادًا من الليل، والبشر: أعالي الجلود. وعن الحسن: تلوح للناس، كقوله: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ) [التكاثر: ٧]. وقرئ: «لواحة» نصبًا على الاختصاص للتهويل.
(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) أي يلي أمرها ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكًا، وقيل: صنفًا من الملائكة، وقيل: صفًا وقيل: نقيبًا. وقرئ: «تسعة عشر» بسكون العين لتوالي الحركات في ما هو في حكم اسم واحد، وقرئ: «تسعة أعشر» جمع عشير، مثل: يمين وأيمن، جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له،
_________________
(١) قوله: (من لوح الهجير)، أي: تغييره وتسويده. الأساس: "لاحته النار والسموم ولوحته: غيرته وسفعت وجهه". قوله: (تلوح للناس، كقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ [التكاثر: ٧])، الأساس: "لاح البرق والنجم وغيرهما وألاح. ومن المجاز: ألاح بسيفه وبثوبه، ولوَّح به: لمع به". قوله: (وقُرئ: "تسعة عشر" بسكون العين)، قال ابن جنى: "وهي قراءة أبي جعفر يزيد وطلحة. وقرأ أنس بن مالك: تسعة أعشر.
[ ١٦ / ١٣٢ ]
فتؤمن هوادتهم، ولأنهم أشد الخلق بأسًا وأقواهم بطشًا. عن عمرو بن دينار: واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر، وعن النبي ﷺ: «كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمي بهم في النار ويرمي بالجبل عليهم». وروي أنه لما نزلت (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)،
_________________
(١) أما القراءة بسكون العين، فلأجل كثرة الحركات؛ فإن الاسمين جعلا كالاسم الواحد، فلم يوقف على الأول فيحتاج إلى الابتداء بالثاني، فلما أُمن ذلك أُسكن تخفيفًا، وجُعل ذلك أمارة لقوة الاتصال، ولا يجوز ذلك مع اثنا عشر. وقال أبو جعفر: تسعة أعشر لا وجه له، إلا أن يعني تسعة أعشر، جمع العشير"، وهم الأصدقاء. ورُوي عن المصنف أنه قال: "أي: تسعة من الملائكة، كل واحد منهم عشير لتسعة، فهم مع أتباعهم تسعون، والعشير العُشر، أي: النُّقباء تسعة". قوله: (فتؤمن هوادتهم)، الأساس: "ما في فلان هوادة رفق ولين". قوله: (وكأن أفواههم الصياصي)، أي: أنيابهم، كذا في "المعالم" و"الوسيط". الأساس: "صئصئة الديك: مخلبه في ساقه. وأسنة كصياصي البقر وهي قرونها، والصياصي: الحصون".
[ ١٦ / ١٣٣ ]
قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله: (ومَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلائِكَةً)، أي: ما جعلناهم رجالًا من جنسكم يطاقون.
فإن قلت: قد جعل افتنان الكافرين بعدة الزبانية سببًا لاستيقان أهل الكتاب، وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين، فما وجه صحة ذلك؟
قلت: ما جعل افتتانهم بالعدة سببًا لذلك، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سببًا، وذلك أن المراد بقوله (ومَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا): وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، فوضع (فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) موضع (تِسْعَةَ عَشَرَ)،
_________________
(١) قوله: (ابن أبي كبشة)، النهاية: "هو رجل من خزاعة، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، وعبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبي؟ في عبادة الأوثان، شبهوه به". قوله: (فوضع ﴿فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾)، وكان أصل الكلام: عليها تسعةَ عشر، وما جعلنا عدة أصحاب النار، إلا هذا العد المخصوص الذي هو سبب فتنة الكفار، فوضع المسبب موضع السبب ليؤذن بأن هذا العدد المخصوص ليس إلا، للابتلاء. قال القاضي: "وما جعلنا عدتهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر عن المؤثر، تنبيهًا على أنه لا ينفك منه. وافتتانُهم به: استقلالهم له واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين. ولعل المراد بالجعل: القول؛ ليحسن تعليله بقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. أي: ما قلنا: إن عدتهم كذا، إلا ليكتسبوا اليقين بنبوة مُحمد وصدق القرآن، لما رأوا ذلك موافقًا لما في كتابهم".
[ ١٦ / ١٣٤ ]
لأن حال هذه العدة الناقصة واحدًا من عقد العشرين، أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته، ويعترض ويستهزئ، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفي عليه وجه الحكمة، كأنه قيل: ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها، لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله، وازدياد المؤمنين إيمانًا لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، ولما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك.
فإن قلت: لم قال: (ولا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ والْمُؤْمِنُونَ)، والاستيقان وازدياد الإيمان دالا على انتفاء الارتياب؟ قلت: لأنه إذا جمع لهم إثبات اليقين ونفي الشك،
_________________
(١) وقال صاحب "الانتصاف": "السؤال أن الفتنة التي هي في تقدير الصفة؛ إذ معنى الكلام ذات فتنة، جعلت سببًا لما بعدها. والمجيب جعل العدة التي عرضت لها هذه الصفة، سببًا لا باعتبار عُروض الصفة. ويجوز أن يرجع قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ إلى ما قبل الاستثناء، أي: جعلنا عدتهم سببًا لفتنة الكفار ويقين المؤمنين، وهو أقرب. وما ألجأ الزمخشري إلى خلافه، إلا اعتقاد أن الله ما فتنهم". وقلت: ما ألجأه إليه إلا أن استيقان أهل الكتاب، وازدياد إيمان المؤمنين، واستهزاء الكافرين والمنافقين، ليس مُسببًا عن جعل العدد فتنة؛ فلموافقته لما في الكتابين، صار سببًا لاستيقان أهل الكتاب، ولما كان من شأنه أن يُفتتن به، صار سببًا لحيرة الكافرين، بل الحق في هذا المقام ما قاله القاضي، لأن نفس جعل العدة الموصوفة ليس سببًا، بل القول به هو السبب. قوله: (لأنه إذا جمع لهم إثبات اليقين). أراد أن الأسلوب من باب الطرد والعكس، لقوله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ [التحريم: ٦].
[ ١٦ / ١٣٥ ]
كان آكد وأبلغ لوصفهم بسكون النفس وثلج الصدر، ولأن فيه تعريضًا بحال من عداهم، كأنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر.
فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، والسورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟ قلت: معناه وليقول المنافقون، الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة (والْكَافِرُونَ) بمكة: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)؟ وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب، وذلك لا يخالف كون السورة مكية. ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب.
فإن قلت: قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان وانتفاء الارتياب وقول المنافقين والكافرين ما قالوا، فهب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا غرضين، فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضًا؟
قلت: أفادت اللام معنى العلة والسبب، ولا يجب في العلة أن تكون غرضًا، ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد لمخافة الشر، فقد جعلت المخافة علة لخروجك وما هي بغرضك. (مَثَلًا) تمييز لهذا، أو حال منه، كقوله: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) [هود: ٦٤].
فإن قلت: لم سموه مثلًا؟
قلت: هو استعارة من المثل المضروب، لأنه مما غرب من الكلام وبدع،
_________________
(١) ـ قوله: (يصح أن يكونا غرضين)، الانتصاف: "لا يُطلق الغرض على الإرادة من الله وأصل السؤال على قاعدته، فأرح فكرك عن سؤاله، فالله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء".
[ ١٦ / ١٣٦ ]
استغرابًا منهم لهذا العدد واستبداعًا له. والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء، ومرادهم إنكاره من أصله، وأنه ليس من عند الله، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص.
الكاف في (كَذَلِكَ) نصب، وذلك: إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى، أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدى المؤمنين، يعني: يفعل فعلًا حسنًا مبنيًا على الحكمة والصواب، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانًا، وينكره الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفرًا وضلالًا. (ومَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ) وما عليه كل جند من العدد الخاص، من كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده من الحكمة (إلاَّ هُوَ) ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك،
_________________
(١) قوله: (استغرابًا)، قيل: هو متعلق بقوله: "استعارة"، فكأنه قال: استعاروه من المثل لاستغرابهم هذا العدد. قوله: (وما في اختصاص كل جُند)، عطف تفسيري على قوله: "وما عليه كل جند". وأما قوله: "وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو"، فعطف على "وما يعلم جنود ربك، وما عليه كل جند" إلى آخره لمغايرته له، وكذلك قوله: "وقيل: هو جواب لقول أبي جهل"، قال محيي السنة: "وهو قول مُقاتل". ويمكن أن يُقرر هذا القول بأن يقال: إنه تعالى لما ذكر العدد الذي اقتضى فتنة الكفار، وطعن أبو جهل فيه تارة بقوله: أما لرب مُحمد أعوان إلا تسعة عشر؟، وأخرى بقوله لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يُخبركم أن خَزَنة النار تسعة عشر وأنتم الدَّهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ كما سبق في "الكشاف"، فأجيب
[ ١٦ / ١٣٧ ]
كما لا يعرف الحكمة في أعداد السموات والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النصب والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة، أو: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها. وقيل: هو جواب لقول أبى جهل: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر؟ (ومَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ) إلى قوله: (إلاَّ هُوَ) اعتراض. وقوله: (ومَا هِيَ إلاَّ ذِكْرَى) متصل بوصف (سَقَرَ) و(إلاَّ هُوَ) ضميرها، أي: وما سقر وصفتها إلا تذكرة (لِلْبَشَرِ)، أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها.
[(كَلاَّ والْقَمَرِ • واللَّيْلِ إذْ أَدْبَرَ • والصُّبْحِ إذَا أَسْفَرَ • إنَّهَا لإحْدَى الكُبَرِ • نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ • لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) ٣٢ - ٣٧]
(كَلاَّ) إنكار بعد أن جعلها ذكرى، أن تكون لهم ذكرى، لأنهم لا يتذكرون، أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرًا. و«دبر» بمعنى أدبر، كقبل بمعنى أقبل، ومنه صاروا كأمس الدابر
_________________
(١) بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾، أي: ما جعلناهم من جنسكم يُطاقون، عقبة بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: ما يعلم بقوة بطش الملائكة إلا هو، لأنهم جنود الله يُسلطهم على أعدائه، وجبريل ﵇ منهم، قلع مدائن قوم لوط بريشة من جناحه. قوله: (﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض). يعني: قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾، معطوف على قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ وما يتصل بها. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾، إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾: استطراد، ردًا لطعن الكفار، اعترض بين الكلامين المتصلين اهتمامًا. قوله: (كأمس الدابر)، أمس: هو عند بعضهم مبني، وعند بعضهم غير مُنصرف.
[ ١٦ / ١٣٨ ]
وقيل: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه. وقرئ: (إذْ أَدْبَرَ).
(إنَّهَا لإحْدَى الكُبَرِ) جواب القسم أو تعليل ل- (كَلاَّ)، والقسم معترض للتوكيد. و«الكبر»: جمع الكبرى، جعلت ألف التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على فعل، جمعت فعلى عليها، ونظير ذلك: السوافي في جمع السافياء،
_________________
(١) قوله: (﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ جواب القسم)، هذا إذا جعل ﴿كَلَّا﴾ إنكارًا للكلام السابق، فعلى هذا يقف القارئ عند ﴿كَلَّا﴾ ويبتدئ بالقسم. قوله: (أو تعليل لـ ﴿كَلَّا﴾)، هذا إذا جُعل ردعًا لمن يُنكر أن يكون ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ نذيرًا. أي: حَقُّها إنّها لإحدى الكُبر، والقسم مُعترض وجوابه محذوف، فيقف القارئ عند قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال صاحب "المُرشد": هذا وقف تام، ويستأنف: كلا والقمر، بمعنى: ألا والقمر، والوقف ها هنا على ﴿كَلَّا﴾، ليس بحسن وإن كان قد جوزه بعضهم". وقلت: وفيه معنى الترقي، كأنه قيل: ما هي ذكرى للجاحد ارتدع وتنبه على الخطأ، بل هي إحدى البلايا والدواهي والعظائم على الجاحد من جهة الإنذار. قوله: (وقُرئ: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾)، نافع وحمزة وحفص: بالهمز وبإسكان الذال. والباقون: بلا همز وبفتح الذال. قوله: (السوافي)، الأساس: "الرِّيح تسفي التراب، وسفت عليه الرياح، ولعبت به السوافي".
[ ١٦ / ١٣٩ ]
والقواصع في جمع القاصعاء، كأنها جمع فاعلة، أي: لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر، ومعنى كونها إحداهن: أنها من بينهن واحدة في العظم لا نظيرة لها. كما تقول: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء. و(نَذِيرًا) تمييز من إحدى، على معنى: إنها لإحدى الدواهي إنذارًا، كما تقول: هي إحدى النساء عفافًا. وقيل: هي حال، وقيل: هو متصل بأول السورة، يعني: قم نذيرًا، وهو من بدع التفاسير. وفي قراءة أبي: «نذير» بالرفع خبر بعد خبر ل- «أن»، أو بحذف المبتدأ.
(أَن يَتَقَدَّمَ) في موضع الرفع بالابتداء، و«لمن شاء»: خبر مقدم عليه، كقولك: لمن توضأ أن يصلي؛ ومعناه مطلق: لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر، والمراد بالتقدم والتأخر: السبق إلى الخير والتخلف عنه، وهو كقوله: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: ٢٩]،
_________________
(١) قوله: (وقيل: هي حال)، قال القاضي: "هو حال مما دلت عليه الكُبرى، أي: كبرت مُنذرة". قوله: (يعني: قُم نذيرًا، وهو من بِدع التَّفاسير)، قال محيي السنة: "قيل: ﴿نَذِيرًا﴾ صفة محمد صلوات الله عليه، ومعناه: يا أيها المدثر، قُم نذيرًا للبشر فأنْذِر، هذا معنى قول ابن زيد"، ولما لزم منه خرم النظم، قال: وهو من بدع التفاسير. قوله: (مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر)، يريد أن مُتعلق "أن يتقدم ويتأخر" غير مَنوي، ومعناه: أن لا إلجاء ولا قسر، والمكلَّف مختار في كل ما يريد أن يأتي ويذر.
[ ١٦ / ١٤٠ ]
ويجوز أن يكون (لِمَن شَاءَ) بدلًا من (لِّلْبَشَرِ) على أنها منذرة للمكلفين الممكنين: الذين إن شاؤوا تقدموا ففازوا، وإن شاؤوا تأخروا فهلكوا.
[(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ • إلاَّ أَصْحَابَ اليَمِينِ • فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ • عَنِ المُجْرِمِينَ • مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ • قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ • ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ • وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ • وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ • حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ • فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) ٣٨ - ٤٨]
(رَهِينَةٌ) ليست بتأنيث «رهين» في قوله: (امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور: ٢١]، لتأنيث النفس؛ لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛
_________________
(١) ـ قال الإمام: "احتجت المعتزلة بالآية على كون العبد مُتمكنًا من الفعل غير مجبور عليه. وجوابه: أن الآية دلت على أنَّ فعل العبد مُعلق على مشيئته، ولكن مشيئة العبد مُعلقة على مشيئة الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ". قوله: (ويجوز أن يكون في ﴿لِمَن شَاءَ﴾ بدلًا من ﴿لِّلْبَشَرِ﴾)، وهو على تكرير العامل، كقوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]. فإن قلت: مفعول ﴿شَاءَ﴾ و﴿أَرَادَ﴾ يُحذف في الكلام الفصيح، اللهم إلا أن تكون فيه غرابة، فأي غرابة فيه حتى ذُكر في هذا الوجه دون الأول؟ قلت: غرابته أن التقدير: والله إنها لإحدى الكُبر، نذيرًا للمكلَّفين المختارين المتمكِّنين من فعل الطاعة والمعصية، فكنى عن ذلك بقوله: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أحسن انتظامًا بهذا الوجه لما في الوجه الأول شائبة تهديد ووعيد، ونظيره قوله: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] شاهد عليه.
[ ١٦ / ١٤١ ]
لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة:
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكب … رهينة رمس ذي تراب وجندل
كأنه قال: رهن رمس. والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك (إلاَّ أَصْحَابَ اليَمِينِ)، فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. وعن علي ﵁، أنه فسر أصحاب اليمين بالأطفال، لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها. وعن ابن عباس ﵁: هم الملائكة. (فِي جَنَّاتٍ) أي هم في جنات لا يكتنه وصفها (يَتَسَاءَلُونَ • عَنِ المُجْرِمِينَ) يسأل بعضهم بعضًا عنهم، أو يتساءلون غيرهم عنهم، كقولك: دعوته وتداعيناه.
_________________
(١) قوله: (أبعد الذي بالنَّعف) البيت، النَّعْف: اسم جبل، وقيل: مكان مرتفع. ورهينة بمعنى رهن، مجرور، بدل من "الذي"، والرَّمس: القبر، وألف الاستفهام للإنكار، وبعده: أذكر بالبُقيا على ما أصابني وبُقياي أني جاهد غير مُؤتل وهمزة الإنكار تتناول الفعل الذي في صدر البيت الثاني، والمعنى: أبعد الذي دُفن بنعف أذكَّر بالبُقيا؟ أي: أَأُسام الإبقاء على من وترني عليه؟ أي: أجتهد في قتله ولا أُقصر. والبُقيا من الإبقاء. قائله: عبد الرحمن بن زيد، قُتل أبوه، وعُرض عليه سبع ديات، فأبى أن يأخذها، وقال هذا. قوله: (دعوته وتداعيناه)، أي: دعوته أنا وتداعيناه نحن، كقولك: رأيته أنا وتراأيناه نحن، يعني: إذا كان المتكلم مُفردًا بقوله: دعوته، وإذا كان جماعة يقول: تداعيناه. ونظيره: رَميته
[ ١٦ / ١٤٢ ]
فإن قلت: كيف طابق قوله: (مَا سَلَكَكُمْ) - وهو سؤال للمجرمين - قوله: (يَتَسَاءَلُونَ • عَنِ المُجْرِمِينَ) وهو سؤال عنهم؟ وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟
قلت: (مَا سَلَكَكُمْ) ليس ببيان للتساؤل عنهم، وإنما هو حكاية قول المسئوولين عنهم؛ لأن المسئوولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين،
_________________
(١) وتراميناه، ورأيت الهلال وتراأيناه. وهذا التفاعل هنا لا يكون من الجانبين، فعلى هذا: يتساءلون بمعنى: يسألون. قوله: (كيف طابق قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾)، توجيهه: أن قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾، الظاهر أنه بيان لقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: يسأل بعضهم بعضًا عن أحوال أصحاب المجرمين، أو يتساءلون غيرهم عنهم، فحينذ لا يُطابق: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾، إذ لو قيل: ما سلكهم؟ أو قيل: يسألون المجرمين، أو يسألونهم عن أحوالهم، فقيل: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، لصح كونه بيانًا له. قوله: (وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم)، يعني: لما سألوا أصحابهم عن أحوال المجرمين، أجابوا بأنا سألناهم عن أحوالهم، وقلنا لهم: ما سَلَككم في سَقَر؟ قالوا: لم نَكُ من المصلين، وجيء بالكلام على الحذف. وقريب منه قوله تعالى حكاية عن جبريل أنه قال: ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾، وليس هو الواهب، وإنما الواهب هو الله ﷿، إلا أن جبريل ﵇: قال: لأهب لك، على أن الله تعالى أرسلني إليك، وقال لي: قل لها: إن الله تعالى قال: أهَبُ لكِ.
[ ١٦ / ١٤٣ ]
فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم (فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ) إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه. الخوض: الشروع في الباطل وما لا ينبغي.
فإن قلت: لم يسألونهم وهم عالمون بذلك؟ قلت: توبيخًا لهم وتحسيرًا، وليكون حكاية الله ذلك في كتابه تذكرة للسامعين. وقد عضد بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالأطفال، أنهم إنما سألوهم لأنهم ولدان لا يعرفون موجب دخول النار
_________________
(١) قوله: (الخوض: الشروع في الباطل)، عن بعضهم: الخوض اسم غالب في الشر، كالخلود في إقامة لا انقطاع لها، وكذلك قولهم: "يَذْكُرُك" غالب في الشر، وعليه قوله تعالى: ﴿فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وهذا من الأسماء الغالبة، كـ[الصفات الغالبة والمعاني] الغالبة. قوله: (وقد عَضَدَ بعضهم)، هذا وجه ثالث في الجواب عن السؤال، و"أنهم" مُتعلق بـ "عضد"، أي: بأنهم. يعني: بعض من قال: إن المراد بقوله: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩]: [الأطفال]، وهو قول عليٍّ ﵁، أن هذا السؤال إنما يحسن ممن لا يعرف موجب دخول النار.
[ ١٦ / ١٤٤ ]
فإن قلت: أيريدون أن كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار، أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟ قلت: يحتمل الأمرين جميعًا.
فإن قلت: لم أخر التكذيب وهو أعظمها؟ قلت: أرادوا أنهم بعد ذلك كله كانوا مكذبين بيوم الدين تعظيما للتكذيب، كقوله (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: ١٧]، و(اليَقِينِ) الموت ومقدماته، أي: لو شفع لهم الشافعون جميعًا من الملائكة والنبيين وغيرهم؛ لم تنفعهم شفاعتهم؛ لأن الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم، وفيه دليل على أن الشفاعة تنفع يومئذ؛ لأنها تزيد في درجات المرتضين.
[(فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ • كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ • فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ • بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً • كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخِرَةَ • كَلاَّ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ • فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ • ومَا يَذْكُرُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وأَهْلُ المَغْفِرَةِ) ٤٩ - ٥٦]
(عَنِ التَّذْكِرَةِ) عن التذكير وهو العظة، يريد: القرآن أو غيره من المواعظ، و(مُعْرِضِينَ) نصب على الحال،
_________________
(١) ـ قوله: (يحتمل الأمرين جميعًا)، أي: يدخل بعضهم النار بمجموع ذلك، وهو: ترك الصلاة، وترك الإطعام، والخوض في الباطل مع الخائضين فيه، والتكذيب بيوم القيامة. وبعضهم بمجرد ترك الصلاة، أو ترك الإطعام. الانتصاف: "هذا تخييل منه على أن تارك الصلاة يخلد في النار. والصحيح أن الآية في الكفار، أي: لم يكن من أهل الصلاة، وكذلك إلى آخرها، ولا تصح منهم هذه الطاعات، وإنما يتأسّفون على فوات ما ينفع". وقال القاضي: "وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع".
[ ١٦ / ١٤٥ ]
كقولك: مالك قائمًا؟ والمستنفرة الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له وحملها عليه. وقرئ بالفتح: وهي المنفرة المحمولة على النفار. والقسورة: جماعة الرماة الذين يتصيدونها، وقيل: الأسد، يقال: ليوث قساور، وهي فعولة من القسر، وهو القهر والغلبة، وفي وزنه (الحيدرة) من أسماء الأسد
_________________
(١) ـ قوله: (كقولك: مالك قائمًا)، قال صاحب "الكشف": " ﴿مَآ﴾ رفع بالابتداء، والخبر الجار والمجرور، ﴿مُعْرِضِينَ﴾: حال من المجرور، أي: أي شيء ثابت لهم مُعرضين عن التذكرة، و﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ حال بعد حال، أي: مُشابهين حُمُرًا". قوله: (في جمعها له وحملها عليه)، أي: جمع النفوس للنِّفار، وحملها على النِّفار. الأساس: "فلان جماع لبني فلان، يأوون إليه ويجتمعون عنده. ويقال: جمعوا لبني فلان إذا حشدوا لقتالهم". وفي كلام المصنف شائبة تجريد. قوله: (وقُرئ بالفتح)، أي: "مُستنفرة" بفتح الفاء: نافع وابن عامر، والباقون: بكسرها. قال صاحب "الكشف": "القراءتان مبنيتان على أن ﴿مُّسْتَنفِرَةٌ﴾، جاءت متعدية ولازمة". قوله: (وفي وزنه: الحيدرة)، بعضهم: إن ﴿قَسْوَرَةٍ﴾ فعولة، وحيدرة: فيعلة،
[ ١٦ / ١٤٦ ]
وعن ابن عباس: ركز الناس وأصواتهم، وعن عكرمة: ظلمة الليل، شبههم في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر والموعظة وشرادهم عنه، بحمر جدت في نفارها مما أفزعها. وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين، كما في قوله: (كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: ٥]، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل. ولا ترى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العدو إذا رابها رائب؛ ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدة سيرها بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص.
(صُحُفًا مُّنَشَّرَوؤةً) قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها، أو كتبا كتبت في السماء ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها غضة رطبة لم تطو بعد؛ وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ: لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها: من رب العالمين إلى فلان بن فلان، نؤمر فيها بإتباعك، ونحوه قوله: (ولَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ) [الإسراء: ٩٣]، وقال: (ولَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) الآية [الأنعام: ٧]. وقيل: قالوا إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبًا على رأسه ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك؛ وهذا من الصحف المنشرة بمعزل؛ إلا أن براد بالصحف المنشرة الكتابات الظاهرة المكشوفة. وقرأ سعيد بن جبير: «صحفًا منشرة» بتخفيفهما، على أن «أنشر» الصحف و«نشرها» واحد، كأنزله ونزله
_________________
(١) إلا أنهما مُلحقان بـ "فعللة"، فلهذا قال: وفي وزنه. قوله: (وهذا من الصُّحف المُنشرة بمعزل)، أي هذا التأويل الأخير.
[ ١٦ / ١٤٧ ]
ردعهم بقوله (كَلاَّ) عن تلك الإرادة، وزجرهم عن اقتراح الآيات، ثم قال: (بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخِرَةَ)، فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف، ثم ردعهم عن إعراضهم عن التذكرة وقال: (إنَّهُ تَذْكِرَةٌ) يعني: تذكرة بليغة كافية، مبهم أمرها في الكفاية (فَمَن شَاءَ) أن يذكره ولا ينساه ويجعله نصب عينه فعل، فإنّ نفع ذلك راجع إليه. والضمير في (إنَّهُ) و(ذَكَرَهُ) للتذكرة في قوله (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) [المدثر: ٤٩]؛ وإنما ذكر لأنها في معنى الذكر أو القرآن.
(ومَا يَذْكُرُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه، لأنهم مطبوع على قلوبهم، معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارًا (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وأَهْلُ المَغْفِرَةِ) هو حقيق بأن يتقيه عباده، ويخافوا عقابه، فيؤمنوا ويطيعوا، وحقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا
_________________
(١) قوله: (ردعهم بقوله ﴿كَلَّا﴾ عن تلك الإرادة. في الكواشي: " ﴿صُحُفًا مُّنَشَّرَةً﴾، عنده وقف تام إن جعلت ﴿كَلَّا﴾ بمعنى "ألا"، وعند ﴿كَلَّا﴾ إن جعلتها ردعًا، ثم تبتدئ: ﴿بَل لَّا يَخَافُونَ الْأخِرَةَ﴾، وتقف عند ﴿الْأخِرَةَ﴾، إن لم تجعل ﴿كَلَّا﴾ ردعًا، وعند ﴿كَلَّا﴾ إن جعلتها ردعًا، وتبتدئ: ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ". والمصنف جعلهما ردعين للكلامين السابقين، وابتدأ بما بعدها. قوله: (﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ يعني: إلا أن يقسرهم على الذكر)، قال الإمام: "إنه تعالى نفى الذكر مُطلقًا، واستثنى عنه حال المشيئة المُطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة يحصل الذِّكر، فحيث لم يحصل الذّكر، علمنا أنه لم تحصل المشيئة. وتخصيص المشيئة بالمشيئة القسرية، ترك للظاهر". وقال القاضي: "وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله".
[ ١٦ / ١٤٨ ]
وروى أنس عن رسول الله ﷺ: «هو أهل أن يتقى، وأهل أن يغفر لمن اتقاه». وقرئ: (يَذْكُرُونَ) بالياء والتاء مخففا ومشددا.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به بمكة».
_________________
(١) قوله: (هو أهل أن يُتقى)، روى الترمذي وابن ماجه والدارمي، عن أنس أن رسول الله؟، قال في هذه الآية: "قال الله تعالى: أنا أهل أن أتقى؛ فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهًا، فأنا أهل أن أغفر له". قوله: (وقُرئ: ﴿يَذْكُرُونَ﴾)، نافع: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء مخففًا، والتشديد: شاذ. تمت السورة بعون الله حامدًا له * … * … *
[ ١٦ / ١٤٩ ]