مكيهٌ، وهي خمسون آيةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا * فَالْفارِقاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) ١ - ٦]
أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة، أرسلهنّ بأوامره فعصفن في مضيهن
_________________
(١) سورة المُرسلات خمسون آية، مكية إجماعًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (أقسم ﷾ بطوائف)، قيل: إنما قال: بطوائف دون طائفة، ليؤذن بأن "المُرْسلات" جمع المُرسلة، نحو: الملائكة المرسلة. قوله: (فعصفن في مُضِيِّهن)، جعل الفاء عاطفة داخلة بين الصفتين، نحو قال الشاعر: يا لهف زيابة للحارث الصـ صابح فالغانم فالآيب
[ ١٦ / ٢١٨ ]
كما تعصف الرياح، تخففًا في امتثال أمره، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرّقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرًا إلى الأنبياء (عُذْرا) للمحقين (أَوْ نُذْرا) للمبطلين.
أو أقسم برياح عذابٍ أرسلهن فعصفن، وبرياح رحمةٍ نشرن السحاب في الجوّ ففرّقن بينه، كقوله: (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا) [الروم: ٤٨]،
_________________
(١) ـ أي: الذي صبح فغنم فآب، والفاء تدل على ترتيب معانيها في الوجود. قوله: (بما أوحين)، تنازع فيه الفعلان، وكان الترتيب: فألقين ذكرًا إلى الأنبياء، ففرقن بين الحق والباطل، لكنه على منوال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: أردن أن يفرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرًا. وفي قوله: بطوائف منهم، إشارة إلى أن هذه الطوائف، غير تلك الطوائف، والواو عطفت هذه الطوائف على تلك، قال أبو البقاء: "الواو الأولى للقسم وما بعدها للعطف، ولذلك جاءت الفاء". وقال القاضي: "أو أقسم بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه، فرأوا كل شيء هالكًا إلا وجهه، وألقين ذكرًا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله". قوله: (ففرَّقن بينه)، الضمير عائد إلى السحاب، أي: الرياح الفارقات نشرن السحاب الواحد في الجو، فجعلته قزعة قزعة، وإليه أشار بقوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨].
[ ١٦ / ٢١٩ ]
أو بسحائب نشرن الموات، ففرّقن بين هن يشكر لله تعالى وبين من يكفر، كقوله (لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) [الجن: ١٦]، فألقين ذكرا: ً إمّا عذرًا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، وإما إنذارًا الذين يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقياتٍ للذكر لكونهن سببًا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت.
_________________
(١) قوله: (نشرن الموات)، الموات: الأرض. الراغب: "الموتان بإزاء الحيوان، وهي الأرض التي لم تحي للزرع، وأرض موات". قوله: (إما عُذرًا للذين يعتذرون) إلى قوله: (وإما إنذارًا للذين يغفلون)، يشعر بأن "أو" للتنويع، ومن ثم قال الدينوري في "مشكل القرآن": "إنّ "أو" بمعنى الواو". قوله: (للذين يغفلون)، أي: يتركون، يقال: أغفلت الشيء، أي: تركته على ذُكر منك. قوله: (وجعلن مُلقيات للذكر)، أي: وجعلت السحائب ملقيات للذكر. والذِّكر: التذكير، أي: سببًا للتذكير، وقالت للمكلَّف: إن عرفت شُكر المنعم بي، فأنت معذور، وإن أنكرته فأنت مُعذب. وحاصل الوجوه أن الصفات الخمس، إما مُجراة على الملائكة، أو على الرِّياح أو السَّحاب.
[ ١٦ / ٢٢٠ ]
فإن قلت: ما معنى عرفًا؟
قلت: متتابعةً كشعر العرف، يقال: جاءوا عرفًا واحدًا؛ وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه، ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر؛ وانتصابه على أنه مفعولٌ له، أي: أرسلن للإحسان والمعروف؛ والأول على الحال. وقرئ: "عرفا" على التثقيل، نحو "نكرٌ" في "نكر".
فإن قلت: قد فسرت "المرسلات" بملائكة العذاب،
_________________
(١) ومعنى ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ على الأول: إما نشر الجناح، أو الشرائع، أو النفوس. ومعنى ﴿فَالْفَارِقَاتِ﴾، مزاولة التمييز بين الحق والباطل، ويكون إسناد إلقاء الذكر إسنادًا إلى الفاعل الحقيقي. وعلى الثاني، إما نشر الرياح السحاب، ومعنى الفارقات محاولة الافتراق بين أجزاء السحاب، أو نشر السحاب الأرض، والفارقات إظهار الفرق بين الشاكر وغير الشاكر. وأما إلقاء الذكر على التقديرين الأخيرين فعلى الإسناد المجازي، والله أعلم. قوله: (مُتتابعة كشعر العُرف)، قيل: أصله: متتابعة كتتابع شعر العُرف، فحذف "متتابعة"، فبقى "كتتابع"، ثم حُذف المثل، فبقى: تتابع شعر العُرف، ثم حُذف "التتابع"، ثم "الشعر"، فبقى "عُرفًا". قوله: (والأول على الحال)، قال القاضي: "عُرفًا: إما نقيض النُّكر، وانتصابه على العلة، أي: أُرسلن للإحسان والمعروف. أو بمعنى: المتتابعة، وانتصابه على الحال". قوله: (قد فُسِّرت "المرسلات" بملائكة العذاب)، ولو قال: برياح عذاب أرسلهن كان أصوب، لأنه ما سبق وجه يدل على هذا التفسير صريحًا.
[ ١٦ / ٢٢١ ]
فكيف يكون إرسالهم معروفًا؟ قلت: إن لم يكن معروفًا للكفار فإنه معروفٌ للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم.
فإن قلت: ما "العذر" و"النذر"، وبما انتصبا؟
قلت: هما مصدران: من: عذر؛ إذا محا الإساءة، ومن: أنذر؛ إذا خوّف على فعل، كالكفر والشكر، ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة؛ وجمع نذيرٍ بمعنى الإنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر. وأما انتصابهما فعلى البدل من "ذكرا"ً على الوجهين الأوّلين، أو على المفعول له. وأما على الوجه الثالث، فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرئا: مخففين ومثقلين.
[(إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ * فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٧ - ١٥]
_________________
(١) قوله: (وأما على الوجه الثالث فعلى الحال)، أي: على أن يكونا بمعنى العاذر والمُنذر، قال أبو البقاء: "على أن يكونا جمع عذير ونذير، حالان من الضمير في ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾؛ أي مُعذرين ومُنذرين". قوله: (وقُرئا مُخففين ومُثقلين)، ﴿عُذْرًا﴾، بالتخفيف: هي المشهورة، وبالتثقيل: شاذة. وأما ﴿نُذْرًا﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام وحفص، والباقون: بالتثقيل.
[ ١٦ / ٢٢٢ ]
إن الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة لكائنٌ نازلٌ لا ريب فيه، وهو جواب القسم، وعن بعضهم أن المعنى: ورب المرسلات (طُمِسَتْ) محيت ومحقت، وقيل: ذهب بنورها ومحق ذواتها، موافقٌ لقوله (انْتَثَرَتْ) و(انْكَدَرَتْ). ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور (فُرِجَتْ) فتحت فكانت أبوابًا، قال:
الفارجى باب الأمير المبهم
(نُسِفَتْ) كالحب إذا نسف بالمنسف؛
_________________
(١) قوله: (وهو جواب القسم)، أي: قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾. قال محيي السنة: "إلى هنا أقسام، وذكرها على قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾، أي: من أمر الساعة والبعث، ﴿لَوَاقِعٌ﴾: لكائن، ثم ذكر متى يقع، فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ". قوله: (ومُحق ذواتها)، الراغب: "المحق النقصان، ومنه المحاق في آخر الشهر إذا مُحق الهلال، يقال: محقه إذا نقصه وأذهب بركته، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] ". قوله: (الفارجي باب الأمير المبهم)، ذكر في "الأساس" أن سيبويه أنشده. فرج الباب: أي فتحه. هو كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج: ٣٥]، ووقعت النون للإضافة. يصف القوم بالخطر والجاه، وأنهم إذا أتوا باب الأمير يُفتح لهم، وأبهمت الباب: أغلقته، وأمر مبهم: لا مأتى له. قوله: (بالمنسف)، الجوهري: "هو ما نُسف به الطعام، وهو شيء طويل منصوب الصدر، أعلاه مرتفع".
[ ١٦ / ٢٢٣ ]
ونحوه (وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا) [الواقعه: ٥]، (وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) [المزمل: ١٤]. وقيل: أخذت بسرعةٍ من أماكنها، من: انتسفت الشيء إذا اختطفته، وقرئت: "طمست": و"فرجت" و"نسفت" مشدّدة.
قرئ: "أقتت" و"وقتت"، بالتشديد والتخفيف فيهما. والأصل: الواو، ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. والتأجيل: من الأجل، كالتوقيت: من الوقت. (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) تعظيم لليوم، وتعجيبٌ من هوله (لِيَوْمِ الْفَصْلِ) بيانٌ ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق. والوجه أن يكون معنى (وقتت): بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وهو يوم القيامة، وأجلت: أخرت.
_________________
(١) قوله: (قُرئ: ﴿أُقِّتَتْ﴾، و"وُقِّتتْ")، أبو عمرو: بالواو، والباقون: بالهمز. قال الزجاج: "فمن قرأ بالهمز، فإنه أبدلها من الواو لانضمامهما، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز إبدالها بالهمزة". قوله: (ومعنى توقيت الرُّسل: تبيين وقتها)، قال القاضي: "معناه: عُين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله، فإنه لا يتعين لهم قبله". قوله: (والوجه أن يكون معنى "وُقتت": بُلِّغتْ)، أي: بُلغت الرُّسل ميقاتها، قال في "الأساس": "شيء موقوت ومُوقت: محدود، وجاؤوا للميقات وبلغوا الميقات". وإنما كان هذا هو الوجه، لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ مجمل يشتمل على أمر القيامة وأماراتها؛ فقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ إلى قوله ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾، تفصيله، وينصره ما نقلناه عن محيي السنة: "ثم ذكر متى يقع؟ فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ ".
[ ١٦ / ٢٢٤ ]
فإن قلت: كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)؟ قلت: هو في أصله مصدرٌ منصوبٌ سادٌّ مسدّ فعله، ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه، ونحوه (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: ٥٤]، ويجوز: ويلا، بالنصب؛ ولكنه لم يقرأ به، يقال: ويلًا له ويلًا كيلًا.
[(أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ١٦ - ١٩]
قرأ قتادة: "نهلك"، بفتح النون، من هلكه بمعنى أهلكه، قال العجاج:
ومهمةٍ هالك من تعرّجا
_________________
(١) ولا ارتياب أنه ﷾ مُخبر عن وقوعها وبلوغ ميقاتها، وحضور الرُّسل والشهداء حينئذ فيها، وليس الكلام في تعيين وقتها للرُّسل، وإنما فُسِّر ﴿أُجِّلَتْ﴾ في هذا الوجه بأُخرت ليناسب بلوغ الميقات، وذكر في الأول أن التأجيل من الأجل كالتأقيت من الوقت، ليناسب ﴿أُقِّتَتْ﴾ في كونهما لبيان الوقت، قال الجوهري: "التوقيت تحديد الأوقات، يقال: وَقَّتُّه ليوم كذا، مثل أجَّلته"، واللام للتأريخ. قوله: (ويلًا كيلًا)، أي: يُكال له الهلاك كيلًا. قوله: (ومهمه هالك من تعرَّجا)، إن روي: "هالك" مرفوعًا، فهو خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة "مهمه"، وقيل: تعرج: مال. وفي "ديوان الأدب": "تعرج عليه: أي تحبس"، وقيل: "التعريج على الشيء: الإقامة عليه".
[ ١٦ / ٢٢٥ ]
(ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ) بالرفع على الاستئناف، وهو وعيدٌ لأهل مكة، يريد: ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين، ونسلك بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. ويقويها قراءة ابن مسعود: "ثم سنتبعهم"، وقرئ بالجزم عطفًا على (نهلك)
_________________
(١) قوله: (﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ﴾ بالرفع على الاستناف)، أي: هو معطوف من حيث الحملية كما مر في قوله تعالى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، أي هم يسلمون. قال أبو البقاء: "أي: ثم نحن نُتبعهم، وليس بمعطوف؛ لأن العطف يوجب أن يكون المعنى: أهلكنا المجرمين ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك؛ لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد"، ولهذا قال المصنف: "ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيب". قوله: (ويُقويها قراءة ابن مسعود)، أي: يُقوي هذه القراءة، لأن معناها التهديد والوعيد لأهل مكة، بخلاف القراءة بالجزم، لأنه إخبار عن أتباع قوم لوط وشعيب وموسى قوم نوح وعاد وثمود في الإهلاك، و﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ تذييل. قوله: (وقُرئ بالجزم للعطف على ﴿نُهْلِكِ﴾)، قال ابن جني: "وهي قراءة الأعرج وتحتمل أمرين: أحدهما: ان يُراد بها معنى قراءة الجماعة "نُتبعهم" بالرفع، فأسكن العين استثقالًا لتوالي الحركات. والآخر: أن يُجزم عطفًا على "نُهلك"، فيجري مجرى قولك: ألم تزرني ثم أعطك؟ كقولك: فأُعطك؛ يريد أن قومًا أهلكهم الله ﷿ بعد قوم قبلهم، على اختلاف أوقات المرسلين إليهم شيئًا بعد شيء، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾؛ المجرمون من يُهلكهم من بعد، ويجوز من مضى".
[ ١٦ / ٢٢٦ ]
ومعناه: أنه أهلك الأولين من قوم نوحٍ وعادٍ وثمود، ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيبٍ ولوطٍ وموسى (كَذلِكَ) مثل ذلك الفعل الشنيع (نَفْعَلُ) بكل من أجرم إنذارًا وتحذيرًا من عاقبة الجرم وسوء أثره.
[(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٢٠ - ٢٤]
(إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ) إلى مقدارٍ من الوقت معلومٍ قد علمه الله وحكم به، وهو تسعة الأشهر، أو ما دونها، أو ما فوقها (فَقَدَرْنا) فقدّرنا ذلك تقديرًا (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) فنعم المقدّرون له نحن، أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن؛ والأوّل أولى لقراءة من قرأ "فقدّرنا" بالتشديد، ولقوله (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) [عبس: ١٩].
_________________
(١) قوله: (والأول أولى)، أي: تفسير "قدَرنا" بـ "قدَّرنا" بمعنى التقدير، أولى من تفسيره بقدَرنا من القدرة، بدليل قراءة من قرأ بالتشديد، وبمجيئه في آية أخرى: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩]. وقلت: يمكن أن يقال: إن معنى القدرة لازم لمعنى التقدير، وإبرازه في معرض المدح ظاهر، أو لم يضطر إلى تأويل ﴿قَادِرُونَ﴾ بـ "المقدرون"، ولأن إثبات القدرة أولى، لأن الكلام مع المنكرين بخلاف ذلك. قال أبو البقاء: "قدرنا، بالتخفيف، أجود؛ لقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، ولم يقل: المقدرون. ومن شدد نبه على التكثير واستغنى عن التكثير بتشديد الاسم، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: فنعم القادرون نحن". قوله: (من قرأ: "فقدرنا" بالتشديد). نافع والكسائي، والباقون: بالتخفيف.
[ ١٦ / ٢٢٧ ]
[(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا * أَحْياءً وَأَمْواتًا * وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٢٥ - ٢٨]
الكفات: من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفت، كقولهم: الضمام والجماع لما يضم ويجمع، يقال: هذا الباب جماع الأبواب، وبه انتصب (أَحْياءً وَأَمْواتًا) كأنه قيل: كافتةً أحياءً وأمواتًا. أو بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه، وهو: تكفت. والمعنى: تكفتُ أحياءً على ظهرها، وأمواتًا في بطنها. وقد استدل بعض أصحاب الشافعي ﵀ على قطع النباش، بأنّ الله تعالى جعل الأرض كفاتًا للأموات، فكان بطنها حرزًا لهم؛ فالنباش سارقٌ من الحرز.
فإن قلت: لم قيل أحياءً وأمواتًا على التنكير، وهي كفات الأحياء والأموات جميعًا؟
قلت: هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل: تكفت أحياءً لا يعدون وأمواتًا لا يحصرون، على أنّ أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات. ويجوز أن يكون المعنى: تكفتكم أحياءً وأمواتًا، فينتصبا على الحال من الضمير؛ لأنه قد علم أنها كفات الإنس.
_________________
(١) قوله: (تكفت أحياء على ظهرها)، روى الواحدي عن الفراء أنه قال: "تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا: تحوزهم"، وهذا قول جماعة المفسرين. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: تكفتكم)، قيل: هو عطف على قوله: "وبه انتصب ﴿أَحْيَاءً﴾ "، والظاهر أنه عطف [على] قوله: "كافتة أحياءً وأمواتًا"، لأنه على الأول
[ ١٦ / ٢٢٨ ]
فإن قلت: فالتنكير في (رَواسِيَ شامِخاتٍ) و(ماءً فُراتًا)؟
قلت: يحتمل إفادة التبعيض؛ لأنّ في السماء جبالًا قال الله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) [النور: ٤٣]، وفيها ماءٌ فراتٌ أيضًا، بل هي معدنه ومصبه، وأن يكون للتفخيم.
[(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ • انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ • لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ • إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ • كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ • وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ • هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ • وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ • وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٢٩ - ٣٧]
أي يقال لهم: انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، و"انطلقوا" الثاني تكرير.
_________________
(١) منتصب به على المفعولية، وعلى الثاني على الحالية من "كُم" في "تكفتكم"؛ وإنما لم يذكر لأن ﴿كِفَاتًا﴾ دال عليه، وإليه الإشارة بقوله: "لأنه قد عُلم أنها، أي: الأرض، كفات الإنس". وعلى هذا، لا يراد السؤال وهو قوله: لم قيل أحياءً؟ لن المراد بالتنكير بعض الأحياء وهو الإنس، ومن ثم قربه بقوله: "على أن أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء". قال أبو البقاء: " ﴿أَحْيَاءً﴾: مفعول ﴿كِفَاتًا﴾، أو المفعول الثاني لـ "جعل"، أي: جعلنا بعض الأرض أحياءً بالنبات، و"كفاتًا" على هذا: حال"، قال القاضي: "المعنى بالأحياء: ما ينبت، وبالأموات: ما لا ينبت"، وقال صاحب "الكشف": "جاز أن يكون ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾، بدلين من ﴿كِفَاتًا﴾ ". قوله: (فالتنكير)، الفاء متفرع على الجواب عن السؤال الأول، أي: عُلم معنى التنكير فيهما بما ذكر، فما معنى التنكير في هذين؟
[ ١٦ / ٢٢٩ ]
وقرئ: "انطلقوا" على لفظ الماضي إخبارًا بعد الأمر عن عملهم بموجبه، لأنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعًا منه (إِلى ظِلٍ) يعنى دخان جهنم، كقوله: (وظل من يحموم) [الواقعة: ٤٣]. (ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ) بتشعب لعظمه ثلاث شعب، وهكذا الدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب. وقيل: يخرج لسانٌ من النار فيحيط بالكفار كالسرادق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم؛ والمؤمنون في ظل العرش (لا ظَلِيلٍ) تهكمٌ بهم وتعريضٌ بأن ظلهم غير ظل المؤمنين (وَلا يُغْنِي) في محل الجر، أي: وغير مغنٍ عنهم من حرّ اللهب شيئًا. (بِشَرَرٍ)، وقرئ: "بشرار" (كَالْقَصْر) أي: كل شررةٍ كالقصر من القصور في عظمها. وقيل: هو الغليظ من الشجر، الواحدة قصرة، نحو: جمرةٌ وجمر. وقرئ: "كالقصر" بفتحتين: وهي أعناق الإبل، أو أعناق النخل،
_________________
(١) قوله: (تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين)، يعني: أدمج في معنى ﴿لَّا ظَلِيلٍ﴾ معنيين: أحدهما: التهكم بهم، لأن مفهوم الظل للاسترواح وهاهنا عكسه، كما في قوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]. وثانيهما: تعريض بأن للمؤمنين ظلًا على خلافه، ليزيد في تحسرهم وتشويرهم، ومن ثم قال: "فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش". قوله: (أي: وغير مُغن عنهم)، قيل: هو من قولهم: أغن عني وجهك، أي: أبعده، ويقال: ما يُغني عنك هذا، أي: ما يُجزئ عنك ولا ينفعك، لأن الغني عن الشيء يباعده، كما أن المحتاج إليه يقاربه؛ وإنما عُدي بـ "عن" ليضمنه معنى "مُبعد". قوله: (وهي أعناق الإبل، أو أعناق النَّخل)، وإنما كرر الأعناق، ليؤذن بأن الأول غير الثاني. الأساس: "ومن المجاز: أتاتي عنق من الناس، وأقبلت أعناق الرجال، قال العجاج: حتى بدت أعناق صبح أبلجا
[ ١٦ / ٢٣٠ ]
نحو: شجرةٌ وشجر. وقرأ ابن مسعود: ك- "القصر" بمعنى القصور، كرهنٍ ورهن. وقرأ سعيد ابن جبيرٍ: "كالقصر" في جمع قصرة، كحاجةٍ وحوج (جِمالَتٌ) جمع جمال، أو جمالةٌ جمع جمل؛ شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه؛
_________________
(١) قوله: (كحاجة وحوج)، وفيه بحث، لأنه لا يجيء مثل هذا الجمع إلا وتقلب واوه ياء، قال في "المفصل" في إعلال العين: "قالوا: تير وديم لإعلال الواحد والكسرة". وجاء في "الصحاح": "الحاجة تجمع على حاج وحاجات وحوج وحوائج". وقيل: لا يبعد أن يقال: هذا الإعلال مشروط بأن يكون هذا الألف في الجمع وإن لك يُذكر في "المفصل"، يدل عليه قول الجوهري: "أصل تير: تيار". قوله: (ثم بالجمال لبيان التشبيه)، فالضمير في ﴿كَأَنَّهُ﴾ راجع إلى الشرر باعتبار اللفظ، وكذا عن محيي السنة. أي: شُبهت الشرر بالقصور، ثم شبهت بالجمال، ليبين أن المراد من التشبيه الأول هو العظم مع اللون؛ فالجمال والقصر سيان باعتبار العظم، ثم ضم معه ﴿صُفْرٌ﴾، فيكون التشبيه الثاني مع الأول، كبدل الاشتمال في نحو: أعجبني زيد كرمه. وعن بعضهم: المراد بقوله لبيان التشبيه تعيين التشبيه وتأكيده، وقال أيضًا: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ بيان للتشبيه الأول، ولو لم يكن بيانًا لكان بدلًا، وهو لا يجوز.
[ ١٦ / ٢٣١ ]
ألا تراهم يشبهون الإبل بالأفدان
_________________
(١) قوله: (ألا تراهم يشبهوم الإبل بالأفدان)، تعليل لادعاء المساواة بين الجمل والقصر؛ فإن الجمل مثل في العظم، قال: جِسم الجمال وأحلام العصافير ولما أن التشبيه الأول كالتوطئة والتمهيد للثاني، قال: "وقد عمى عن قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾؛ فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر"، يعني: كطراف. يعني: نظر أبو العلاء إلى التشبيه الأول الذي هو كالتوطئة، وتبجح أن تشبيهه أجمع، ولم ينظر إلى التشبيه الثاني الذي هو المقصود بالذكر. قال الإمام: "شبه الشرر في العظم بالقصر، وفي اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر"، ثم قال: "هذا أولى من قول أبي العلاء، لأن القصر في المقدار أعظم من "الطراف"، فيلزم منه أن النار التي شرارتها القصر، لا تكون إلا مما لا يوصف كنهها، والجمالات أكثر في العدد منه، وفيها تصوير الحركة أيضًا". وقلت: مرادهم أن ما في التنزيل من التشبيه، أكثر تفصيلًا مما في بيت أبي العلاء، فيكون أدخل في القبول كما نص عليه صاحب "المفتاح". ومن الممكن أن يقال: إن الضمير في
[ ١٦ / ٢٣٢ ]
والمجادل؟ وقرئ: "جمالاتٌ" بالضم: وهي قلوس الجسور، وقيل: قلوس سفن البحر، الواحدة جمالة، وقرئ: (جمالة) بالكسر، بمعنى: جمالٌ، و"جمالةٌ" بالضم: وهي القلس. وقيل: (صُفْرٌ) لإرادة الجنس. وقيل (صُفْرٌ): سود تضرب إلى الصفرة،
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ﴾ عائد إلى "القصر"، فيذهب به إلى تصوير عجيب وتخييل غريب؛ شُبهت الشرارة حين تنقص من النار في عظمها بالقصر. ثم شبه القصر المشبه به حين يأخذ في الارتفاع والانبساط، فإنه حينئذ ينشق عن أعداد لا نهاية لها، بالجمالات المتكاثرة، فيتصور منها حينئذ العظم أولًا، والاتساق مع الكثرة والصُّفرة والحركة المخصوصة ثانيًا، فيبلغ التشبيه إلى الذروة العليا. قوله: (بالأفدان والمجادل)، الفدن والمجدل: القصر، وليس منه مجدل بالفتح. قوله: (قُلوس)، هو جمع قلس، وهو حبل تشد به الجسور أو سفن البحار. قوله: (وقُرئ: ﴿جِمَالَتٌ﴾)، بالكسر والتوحيد: حفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالألف على الجمع. قوله: (وقيل: ﴿صُفْرٌ﴾)، يريد على القراءة بضم الجيم، فإنها لما كانت مُفردة كان المناسب: صفراء، لكن جُمع بالنظر إلى إرادة الجنس.
[ ١٦ / ٢٣٣ ]
وفي شعر عمران بن حطانٍ الخارجي:
دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم … بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى
قال أبو العلاء:
حمراء ساطعة الذّوائب في الدّجى … ترمى بكلّ شرارة كطراف
فشبهها بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن يزيد على تشبيه القرآن،
_________________
(١) قوله: (دعتهم بأعلى صوتها)، البيت، يصف جهنم ودعاءها الكفار إلى نفسها، مقتبس من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى (تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧]، قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح، وتقول: إلَّي إلَّي، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطَّير الحبَّ. الشوى: الأطراف، وهي القوائم والجلود. وقيل: الشَّوى: جمع شواة، وهي من جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلًا، يقال: رماه فأشواه إذا لم يُصب مقتلًا، أي: دعتهم نزاعة الشَّوى، وهي لظى، بأعلى صوتها، ورمتهم بشرر كالقصر، كأنه جمالات صُفر. قوله: (حمراء ساطعة) البيت، قبله: الموقدي نار القرى الآصال والـ أسحار بالأهضام والأشعاف الهضم، بالكسر: المطمئن من الأرض، والجمع أهضام وهضوم، والشعفة، بالتحريك: رأس الجبل، والجمع شعف وشعاف. وقوله "حمراء": بدل من "نار القرى"، والطِّراف فيها من الأدم. والمعنى: أنهم يوقدون للأضياف نيرانًا عظيمة شرارهاـ مقدار عظمها مقدار عظم "الطِّراف". قوله: (قصد بخُبثه أن يزيد على تشبيه القرآن)، زعم أنه طغى بتشبيهه على اللون والعظم،
[ ١٦ / ٢٣٤ ]
ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة، جاء في صدر بيته بقوله (حمراء) توطئةً لها ومناداةً عليها، وتنبيهًا للسامعين على مكانها، ولقد عمى، جمع الله له عمى الدارين، عن قوله عز وعلا: (كأنه جمالات صفر)؛ فإنه بمنزلة قوله: كبيتٍ أحمر؛ وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيهًا من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء، وفي التشبيه بالجمالات وهي القلوس، تشبيهٌ من ثلاث جهات: من جهة العظم والطول والصفرة، فأبعد الله إغرابه في طرافه، وما نفخ شدقيه من استطرافه.
قرئ بنصب "اليوم"، ونصبه الأعمش، أي: هذا الذي قص عليكم واقع يومئذٍ؛ ويوم القيامة طويلٌ ذو مواطن ومواقيت: ينطقون في وقتٍ ولا ينطقون في وقت؛ ولذلك ورد الأمران في القرآن. أو جعل نطقهم كلا نطقٍ؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع. (فَيَعْتَذِرُونَ) عطفٌ على (يُؤْذَنُ) منخرطٌ في سلك النفي، والمعنى: ولا يكون لهم إذنٌ واعتذارٌ متعقبٌ له، من غير أن يجعل الاعتذار مسببًا عن الإذن؛ ولو نصب لكان مسببًا عنه لا محالة.
_________________
(١) وزاد على ما في التنزيل وليس بذلك، لأنه لا يخفى على مثل المعري أن الكلام بآخره، لأن الله تعالى شبه الشرارة أولًا حين تنقض من النار بالقصر في العظم، وثانيًا حين تأخذ بالارتفاع والانبساط فتنشق عن أعداد لا نهاية لها، بالجمالات في التفرق واللون والعظم والثقل، ونظر في ذلك إلى الحيوان وأن تلك الحركات اختيارية، وكل ذلك مفقود في نيته، قال الإمام: "كان الأولى لصاحب "الكشاف" أن لا يذكر أنه ذكره معارضة للقرآن". قوله: (﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف على ﴿يُؤْذَنُ﴾ منخرط في سلك النفي)، قال في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]: "يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ولكنها لا تنفع لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ".
[ ١٦ / ٢٣٥ ]
[(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ * فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ٣٨ - ٤٥]
(جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) كلامٌ موضحٌ لقوله: (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ)، لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين الأنبياء وأممهم، فلا بدّ من جمع الأولين والآخرين، حتى يقع ذلك الفصل بينهم (فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) تقريعٌ لهم على كيدهم لدين الله وذويه، وتسجيلٌ عليهم بالعجز والاستكانة (كُلُوا وَاشْرَبُوا) في موضع الحال من ضمير "المتقين"، في الظرف الذي هو في ظلال، أي: هم مستقرّون في ظلالٍ، مقولًا لهم ذلك.
[(كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) ٤٦ - ٥٠]
(وكُلُوا وَتَمَتَّعُوا) حال من المكذبين؛ أي: الويل ثابتٌ لهم في حال ما يقال لهم: كلوا وتمتعوا.
فإن قلت: كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟
_________________
(١) قال صاحب "الكشف": "التقدير: هذا يوم لا ينطقون بنطق ينفعهم، ولا يعتذرون بعذر ينفعهم، فـ "يعتذرون" داخل في النفي، ولو حملته على الظاهر ناقض، لأنه يصير: هذا يوم لا ينطقون فيعتذرون، لأن الاعتذار نطق أيضًا". وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون مستأنفًا، أي: فهم يعتذرون، أي: أنهم لا ينطقون في بعض المواقف، وينطقون في بعضها، وليس بجواب النفي، إذ لو كان جوابًا لحذل النون". قوله: (كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟)، لأن قوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾، مما يقال في حق الكفار في الدنيا لا في الآخرة، لأنهم متمتعون فيها أيامًا قلائل.
[ ١٦ / ٢٣٦ ]
قلت: يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانًا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيرًا بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد. وفي طريقته قوله:
إخوتى لا تبعدوا أبدًا … وبلى والله قد بعدوا
_________________
(١) وتلخيص الجواب، أن هذا القول كالوسم عليهم، وأيما ساعة وأيما شخص وقع نطره إليهم قال ذلك في حقهم، لتهالكهم في مشتهيات العاجلة والذهول عن تبعاتها في الآجلة. وفائدة ذكره في الآخرة، تذكير سوء اختيارهم، وهو إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْأخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٥]. روي عن المصنف أنه قال: "اتصال قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ بقوله: ﴿لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾، كأنه قيل: ويل يومئذ للمكذبين الذين كذبوا، وإذا قيل لهم: اركعوا، لا يركعون. ويجوز أن يكون اتصاله بقوله: ﴿إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ على طريقة الالتفات، كأنه قيل: هو أحقاء بأن يقال لهم: كلوا وتمتعوا، ثم علل ذلك بكونهم مُجرمين، وبكونهم إذا قيل لهم: صلوا، لا يصلون". قوله: (إخوتي لا تبعدوا)، ليس فيه نهي ولا طلب، لأنهم هلكوا وبعدوا وأبادوا. ثم قوله: وبلى والله قد بعدوا تناهي تحسر وتوجع، يعني: أحقاء بأن يقال لكم في أيام حياتكم: لا تبعدوا أبدًا،
[ ١٦ / ٢٣٧ ]
يريد: كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك، وعلل ذلك بكونهم مجرمين دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أيامًا قلائل، ثم البقاء في الهلاك أبدًا. ويجوز أن يكون (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) [المرسلات: ٤٦] كلامًا مستأنفًا خطابًا للمكذبين في الدنيا (ارْكَعُوا) اخشعوا لله وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه، واطرحوا هذا الاستكبار والنخوة، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويصرون على استكبارهم. وقيل: ما كان على العرب أشدّ من الركوع والسجود: وقيل: نزلت في ثقيفٍ.
_________________
(١) وقد وقع خلاف ما كنتم تستحقونه. وكذا معنى الآية: كنتم في حياتكم وتمتعتم بملاذها، بحيث وجب لكل ناظر أن يقول في حقكم: كلوا وتمتعوا قليلًا، فإن الذي وقعتم فيه منقض، وتبعته لاحقة بكم، والآن وقع ما كنتم تستحقونه. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ كلامًا مُستأنفًا)، هذا يعد من التعسف وأوفق لتأليف النظم، لأنه مذكور بعد ذكر الترجيع، وبعده ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قوله: (وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود)، قال القاضي في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾: "واستدل به على أن الأمر للوجوب، وأن الكفار مُخاطبون بالفروع". قوله: (وقيل: نزلت في ثقيف) إلى آخره، مضى بيانه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. النهاية: "أصل التَّجبية أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على رُكبتيه وهو قائم".
[ ١٦ / ٢٣٨ ]
حين أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة، فقالوا: لا نجبي فإنها مسبةٌ علينا. فقال رسول الله ﷺ: "لا خير في دين ليس فيه ركوعٌ ولا سجودٌ" (بَعْدَهُ) بعد القرآن، يعنى أنّ القرآن من بين الكتب المنزلة آيةٌ مبصرةٌ ومعجزةٌ باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتابٍ بعده (يُؤْمِنُونَ)، وقرئ: " تؤمنون" بالتاء.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة (والمرسلات) كتب له أنه ليس من المشركين».
_________________
(١) قوله: (يعني أن القرآن من بين سائر الكتب المنزلة آية مبصرة)، وقد سبق في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، أن لفظة "بعد" مثل "ثم" في إعطاء معنى التراخي في الرُّتبة. ولما قرر الله ﷾ في هذه السورة الكريمة من الآيات، ولم يكن في سائر الكتب المنزلة مثل هذه البيانات الشافية، ختمها بهذه الخاتمة مُصدرة بالفاء، مفيدة ما قرره المصنف. وقال في أُختها في "الأعراف": "كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يُبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا"؛ لأن ما قبلها من حديث الأجل، وهاهنا الحديث بالوعد والوعيد الذي تُلِيَ عليهم في هذه الآيات. تمت السورة بعون الله تعالى * … * … *
[ ١٦ / ٢٣٩ ]