مكية، وهي تسع عشرة أو عشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ • قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا • نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا • أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا) ١ - ٤]
(المُزَّمِّلُ) المتزمّل، وهو الذي تزمل في ثيابه: أي تلفف بها، بإدغام التاء في الزاي. ونحوه: المدثر في المتدثر، وقرئ: «المتزمل» على الأصل، والمزمل، بتخفيف الزاي وفتح الميم وكسرها. على أنه اسم فاعل أو مفعول، من زمله، وهو الذي زمله غيره أو زمل نفسه؛ وكان رسول الله ﷺ نائمًا بالليل متزملًا في قطيفه، فنبه ونودي بما يهجن إليه الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم، كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن، ألا ترى إلى قول ذي الرمة:
وكائن تخطت ناقتي من مفازة … ومن نائم عن ليلها متزمل
_________________
(١) سورة المُزَّمِّل عشرون آية، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (وكائن تَخَطّت ناقتي) البيت، "كائن"، معناها: معنى كم الخبرية، يقول: كم من
[ ١٦ / ٧٧ ]
يريد: الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب، ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب، ونحوه:
سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
وفي أمثالهم:
أوردها سعد وسعد مشتمل … ما هكذا تورد يا سعد الإبل
فذمه بالاشتمال بكسائه، وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس،
_________________
(١) مفازة تخطت ناقتي فيها، وكم من نائم، أي: غافل عن ليل تلك المفازة، مُتزمل في ثوبه غير مُهتم بشأنها. وقيل: الضمير في "ليلها" للناقة، وأراد ليل نفسه، وأضافه إلى ناقته. قوله: (سُهُدًا إذا نام ليل الهَوجل)، أوله: فَأَتَت به حُوش الفؤاد مُبَطّنًا حُوش الفؤاد، أي: ذكي الفؤاد حديده. مبطنًا، أي: خميص البطن. الهوجل: الثقيل الأحمق الكسلان. يقول: أتت الأم بهذا الولد مُتيقظًا حذرًا ذكيًا ساهرًا، إذا نام الكسلان. قوله: (وفي أمثالهم: أوردها سعد وسعد مشتمل)، قيل: هذا سعد بن زيد مناة، أخو مالك بن زيد مناة الذي يقول في حقه: آبل من مالك، قال الميداني: "هو سبط تميم بن مُرة وكان يتحمق، إلا أنه كان آبل أهل زمانه، ثم إته تزوج وبنى بامرته، فأورد الإبل أخوه سعد ولم يُحسن القيام عليها والرفق بها، فقال مالك: أوردها سَعد وسَعد مُشتمل ما هكذا تُورد يا سعد الإبل"
[ ١٦ / ٧٨ ]
وأمر بأن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمل التشمر والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله، لا جرم أن رسول الله ﷺ قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر، وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا له الرقاد والدعة، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم، وظهرت السيمى في وجوههم وترامى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم، فخفف عنهم.
وقيل: كان متزملا في مرط لعائشة يصلي،
_________________
(١) أي: أتى بها الورد، والحال أنه مشتمل ليس بمشمر، فذمه بالاشتمال، وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس. وقيل: ذمه بالاشتمال بكسائه، وادعى أن الخلل كان لميله إلى الدعة، وعلامته الاشتمال. الانتصاف: "هذا القول والاستشهاد سوء أدب. وجعلت العلماء نداءه بالمزمل وغير ذلك من صفاته تشريفًا له إذ لم يُناده باسمه، واستشهاده على ذلك بأبيات قيلت ذمًا في جفاة العرب، أبرأ إلى الله وأربأ برسول الله؟ منه". وقلت: ومنه ما رواه عن عكرمة: أنه يا أيها الذي زُمِّل أمرًا عظيمًا، أي: حمله. وروى السُّلمي عن ابن عطاء: "يا أيها المخفي ما يظهره عليك من آثار الخصوصية، آن أوان كشفه فأظهره، فقد أيدناك بمن يتبعك ويوافقك، ولا يخذلك ولا يخالفك، وهو أبو بكر وعلي ﵄". قوله: (مُتزملًا في مرط لعائشة ﵂)، الانتصاف: "هذه السورة مكية، والبناء
[ ١٦ / ٧٩ ]
فهو على هذا ليس بتهجين، بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها، وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه. وعن عائشة ﵂: أنها سئلت: ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعًا نصفه على وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي، فسئلت: ما كان؟ قالت: والله ما كان خزًا ولا قزًا ولا مرعزي ولا إبريسمًا ولا صوفًا؛ كان سداه شعرًا ولحمته وبرًا. وقيل: دخل على خديجة، وقد جئث فرقا أول ما أتاه جبريل وبوادره ترعد، فقال: «زملوني زملوني»، وحسب أنه عرض له؛
_________________
(١) على عائشة كان بالمدينة". وفي "جامع الأصول": "تَزوجها النبي؟ في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة بثلاث ولها ست سنين، وأعرس بها في المدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة، على رأس ثمانية عشر شهرًا، ولها تسع سنين". قوله: (مِرعِزى)، الجوهري: "المِرعِزى: الزَّغَبُ الذي تحت شعر العنز، وهو "مفعلى"، لأن "فعللى" لم يجئ؛ وإنما كسروا الميم إتباعًا لكسرة العين". قوله: (وقد جُئت فرقًا)، النهاية: "وفي حديث المبعث: فجئتت منه فرقًا، أي: ذُعرت وخفت؛ يقال: جُئت الرجل، وجُئف، وجُث، إذا فرع". قوله: (بوادره)، النهاية: "هي جمع بادرة، وهي لحمة بين المنكب والعُنُق". قوله: (وحسب أنه عُرض له)، الأساس: "عُرض لفلان إذا جُن". روينا عن البخاري ومُسلم، عن عائشة ﵂، قالت: "أول ما بُدئ به رسول الله؟ من الوحي الرؤيا
[ ١٦ / ٨٠ ]
فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل: (يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ)
_________________
(١) الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، كذا ثلاثًا، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فَرَجع بها رسول الله؟ ترجف بوادره، فدخل على خديجة بنت خُويلد، فقال: زَمِّلوني زَمِّلوني، فَزَمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خَشيت على نفسي. فقالت له خديجة: كلا، أَبشر؛ فوالله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرَّحِم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به على وَرَقَة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة، وكان امرءًا تَنَصّر في الجاهلية، فكتب الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا. فقال له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فأخبرَه رسول الله؟ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًا إذ يُخرجُك قومك" الحديث. قوله: (إذ ناداه جبريل: فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾)، روينا عن البخاري ومسلم، عن جابر، عن رسول الله؟، قال: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هَبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت من خلفي فلم أرَ شيئًا، فَرفعت رأسي فرأيت شيئًا، وفي رواية: "فَرفعت
[ ١٦ / ٨١ ]
وعن عكرمة: أن المعنى: يا أيها الذي زمل أمرا عظيما، أي: حمله، والزمل: الحمل، وازدمله: احتمله. وقرئ: «قم الليل»، بضم الميم وفتحها. قال عثمان ابن جني: الغرض بهذه الحركة التبلغ بها هربا من التقاء الساكنين،
_________________
(١) رأسي فإذا هو قاعد على عرش في الهواء، يعني جبريل، فَأخذتني رَجفة شديدة"، فَأتيت خديجة فقلت: دَثِّروني، فَدَثّروني، وصَبّوا عليّ ماء، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (قُمْ فَأَنذِرْ (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. فظهر من هذا هُجْنة ما قاله: (ونُودي بما يَهجن إليه الحالة التي كان عليها)، وحسن ما لَهَجَ به من قال: "يا أيها المخفيّ ما يظهر عليك من آثار الخصوصية". قوله: (وقُرئ: "قُمُ الليل")، قال ابن جني: "وهي قراءة أبي السّمّال وروح. وقال: عِلّة جواز ذلك، أن الغرض في هذه الحركة، إنما هو التبليغ بها، هربًا من اجتماع الساكنين، فبأي الحركات تُحرِّك فقد وقع الغرض، ولعمري إن الكسر أكثر، فأمّا أن لا يجوز غيره فلا. حكى قُطرب عنهم: قم الليل، وقل الحق؛ من كَسَرَه فعلى الأصل، ومن ضَمَّ أو كسر أيضًا أتبع، ومن فتح فجنوحًا إلى خِفّة الفتح". وفي الحاشية: ابن جني: بكسر فسكون الياء، وليست بياء النسب، ولكنه في الأصل: كنّي، فَعُرِّبَ وبُني على السكون. قوله: (التبليغ بها)، أي: الاكتفاء بها.
[ ١٦ / ٨٢ ]
فبأي الحركات تحرك فقد وقع الغرض. (نِّصْفَهُ): بدل من (اللَّيْلَ)، و(إلاَّ قَلِيلًا): استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل. والضمير في «منه» و«عليه» للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين؛ بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه. وإن شئت جعلت «نصفه» بدلًا من «قليلًا»، وكان تخييرًا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه؛ وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل، وإن شئت قلت: لما كان معنى (قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا • نِّصْفَهُ)، إذا أبدلت النصف من الليل: قم أقل من نصف الليل، رجع الضمير في «منه» و«عليه» إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو: قم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث.
_________________
(١) قوله: (﴿نِّصْفَهُ﴾ بدل من ﴿الَّيْلَ﴾)، اعلم أنه جعل ﴿نِّصْفَهُ﴾ تارة بدلًا من ﴿الَّيْلَ﴾، وأخرى من ﴿قَلِيلًا﴾، وجعل كل واحد من التقديرين على وجهين. واعترض صاحب "الفرائد" على كل الوجوه، قال على الوجه الأول: "لما كان الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ و﴿عَلَيْهِ﴾ راجعًا إلى النصف، كان المعنى: قُم أقل من نصف الليل، أو انقص من نصف الليل، أو زد على نصف الليل، كأنه قال: قُم أقلّ من نصف الليل، أو قُم زد على نصف الليل، وهذا ظاهر الفساد. وقوله: "على البَتِّ" لا دلالة في الآية عليه. وقال في الوجه الثاني، وهو قوله: "وإن شئت جعلت ﴿نِّصْفَهُ﴾ بدلًا من ﴿قَلِيلًا﴾ " إلى آخره: هذه هو الوجه. وتمامه أن يقال: ذكر ﴿قَلِيلًا﴾ ثم أبدل ﴿نِّصْفَهُ﴾ منه، إشارة إلى أن ما نام فيه من الليل، وإن كان نصفًا منه، فهو بالإضافة إلى النصف القائم قليل، لأن النصف القائم يُضاعف إلى العشرة، كقوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
[ ١٦ / ٨٣ ]
_________________
(١) والنصف النائم لاستراحة النفس، وإن كان لا يخلو من أن يدخل في العبادة، من حيث إنه استعداد لها، ويد عليه قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]. ويمكن أن يقال: القلة في الحقيقة صفة للحاصل في النصف، ثم اعتبرت صفة للنصف، كقولهم: نهاره صائم وليله قائم. فعلى هذا النصف النائم قليل بالإضافة إلى النصف القائم، بالنظر إلى ما في كل واحد منهما، أي من الثواب؛ فجعل القليل مبدلًا منه، والنصف بدلًا، تنبيهًا على هذا المعنى الدقيق. وأمّا التخيير، فليعلم أن هذا ليس مما لا يزيد ولا ينقص، بل مما يحتمل الزيادة والنقصان، أعنى ذكر النصف أولًا. فلو اقتصر عليه، ظن أن الزيادة والنقصان لا يتطرفان عليه، كركعات الصلاة المفروضة، وكأوقات الصلاة، وكالحدود، ولأن في ترك التخيير تعسيرًا، وفي وجوده تيسيرًا. ويجوز أن يكون ما يوجد من هذه الأقسام، أعني: النصف، أو الناقص منه، أو الزائد عليه، يكون فرضًا كالقراءة في الصلاة؛ فإن ما قرأ المصلي، وإن كان تمام القراءة كان فرضًا وإن اقتصر على آية أو ثلاث آيات كما عرف، كان مؤديًا للفرض، وكانت صلاته مؤداة بما فُرض عليه من القراءة. وقال على الوجه الثالث - وهو قوله: "وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿قُمِ الَّيْلَ﴾ إلى آخره -: الاعتراض عليه من وجهين: أحدهما: أن يقال: قوله: قُم أقل من نصف الليل، أو أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد من ذلك الأقل، بمنزلة أن يقال: قُم أقل من النصف، أو قُم أقل من النصف، أو قم أقل من النصف؛ لأنه يلزم أن يكون أزيد من أقل النصف بالغًا
[ ١٦ / ٨٤ ]
_________________
(١) النصف، بل يمكن أن يكون أقل من النصف أيضًا، فيكفي في هذا أن يقال: قم أقل من النصف؛ فأي مقادر قام، وهو أقل من النصف، كان مؤديًا ما أُمر به. وثانيهما: أن يقال: الناقص من أقل من النصف، لا يلزم أن يكون ثلثًا، حتى يصحَّ قوله: "فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث". وقال على الوجه الرابع - وهو قوله: "ويجوز إذا أبدلت ﴿نِّصْفَهُ﴾ من ﴿قَلِيلًا﴾، وفسرته به" إلى آخره - الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن "نصفه" غير مذكور في الثاني، ولو كان مذكورًا لصح أن يكون بدلًا كما في الأول؛ فعلى هذا لزم حذف البدل، وهو غير جائز بالإجماع، ولأنه هو المقصود في الكلام، فلا وجه لحذفه. وثانيها: قوله: "وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع، نصف الربع كأنه قيل: أو زد عليه قليلًا نصفه"، يلزم منه حذف البدل والمبدل منه، وهو أبعد من الأول. وثالثها: قوله: "ويجوز أن تجعل الزيادة، لكونها مطلقة، تتمة الثلث" منظور فيه؛ لأن من الإطلاق كما جاز أن يكون تتمة جاز أن يكون غيرها؛ فالحمل على كونها تتمة، يلزم منه الترجيح من غير مُرجح، وهو باطل، وبالله التوفيق. فنقول: نحن لا نشتغل بتفاصيل الجواب، لأنها تؤدي إلى التطويل المُمل، بل نفسر كلام المصنف ليظهر المقصود. أما الوجه الأول، فمن كلام الزجاج، قال: "إن ﴿نِّصْفَهُ﴾ بدلًا من ﴿الَّيْلَ﴾ "، كما تقول: ضربت زيدًا رأسه؛ فإنما ذكرت "زيدًا" لتوكيد الكلام، فهو أوكد من قولك: ضربت رأس زيد"، تم كلامه. فالمعنى: قُم نصف الليل إلا قليلًا،
[ ١٦ / ٨٥ ]
_________________
(١) أو انقص من النصف، أو زد على النصف كثيرًا، أو انقص منه قليلًا؛ كُرّرَ "أو انقص منه قليلًا"، ليؤذن بأن الأول عزيمة والثاني رخصة، كما تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أن مجالسة الحسن لا بد منها، فإن لزمتك ضرورة فأنت بالخيار بين مجالسته ومجالسة ابن سيرين. هذا معنى قوله: "على البَتّ". وقريب منه قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]، قال: "ليكونن أحد الأمور، يعني: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما"، وفُهم منه أن إتيان السلطان، لم يكن كأحد هذين العذابين. وأما بقية الوجوه الثلاثة، فمبنية على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، على اختلاف القراءتين، أعني: فتح "نصفه" و"ثلثه"، وكسرهما. أما بيان كيفية مُطابقة الوجه الثاني، وهو أن يكون ﴿نِّصْفَهُ﴾ بدلًا من ﴿قَلِيلًا﴾، ويقع التخيير بين الثلاث، فإنه مبني على معنى القراءة بالفتح، أي: تقوم أدنى من ثُلثي الليل وتقوم النصف وتقوم الثلث، كما صرح به في موضعه. وأما الوجه الثالث، وهو أن يكون ﴿نِّصْفَهُ﴾ من ﴿الَّيْلَ﴾، ويكون الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ و﴿عَلَيْهِ﴾ للأقل من النصف، فهو مُنزل على القراءة بالكسر، وهي: تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثُلثه. فقوله: "قم أقل من نصف الليل"، هو المراد من تقدير قوله: أدنى نم نصفه. وقوله: "أو قم أو انقص من ذلك الأقل"، هو المراد من تقدير: أدنى من ثلثه. وقوله: "أو أزيد منه قليلًا"، هو المراد من معنى: أدنى من
[ ١٦ / ٨٦ ]
ويجوز إذا أبدلت «نصفه» من «قليلا» وفسرته به، أن تجعل قليلا الثاني بمعنى نصف النصف: وهو الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلا نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع، نصف الربع كأنه قيل: أو زد عليه قليلا نصفه. ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييرًا بين النصف والثلث والربع.
فإن قلت: أكان القيام فرضا أم نفلا؟
قلت: عن عائشة ﵂ أنّ الله جعله تطوعًا بعد أن كان فريضة، وقيل: كان فرضًا قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ بهن إلا ما تطوّعوا به
_________________
(١) ثلثي الليل. فيكون التخيير بين الأقل من النصف وفيما وراء النصف، وهو أقل من الثلث وأزيد منه؛ فَعُلِمَ منه ان الضمير في قوله: "بينه وبين الثلث"، راجع إلى "ما وراء النصف". والظرف الثاني بدل من الأول، لا كما ظن أنه راجع إلى القليل كما فسر بالنصف. وأما الوجه الرابع، وهو أن يكون ﴿نِّصْفَهُ﴾ بدلًا من ﴿قَلِيلًا﴾، فهو منزل أيضًا على القراءة بالكسر. وتقريره أن القليل الأول كما فُسِّر بالنصف، يُفسر الثاني بنصف النصف لاحتماله. ولما كانت المطابقة بين الآيتين مطلوبة: يجعل نصف النصف الرُّبع، ويحمل المطلق، وهو قوله: ﴿زِدْ عَلَيْهِ﴾، لأنه لا يعلم كمية الزيادة، على المقيد وهو نصف النصف، فيحصل الثُّمن، فيضم مع الربع، فيصير الرُّبع والثمن، وهو الثلث تقريبًا، فكأنه قيل: قم الليل نصفه أو ربعه أو ثلثه: وإذا لم تحمل الزيادة المطلقة على المقيد، بل تجعل تتمة للثلث، أي: ما يتم به الربع ثلثًا تحقيقًا، فيقع التخيير أيضًا بين النصف والربع والثلث، كما صرح به أيضًا في موضعه، فلينظر هناك. وإياك أن تصحح هذه الوجوه الثلاثة بغير ما ذُكر، فتقع في المتعسف. قوله: (وقيل: كان فرضًا)، روى محيي السنة عن مقاتل وابن كيسان: "كان هذا بمكة
[ ١٦ / ٨٧ ]
وعن الحسن: كان قيام ثلث الليل فريضة، وكانوا على ذلك سنة. وقيل: كان واجبًا، وإنما وقع التخيير في المقدار، ثم نسخ بعد عشر سنين. وعن الكلبي: كان يقوم الرجل حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين؛ ومنهم من قال: كان نفلًا بدليل التخيير في المقدار، ولقوله تعالى: (ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ) [الإسراء: ٧٩].
ترتيل القرآن: قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات، حتى يجيء المتلو منه شبيهًا بالثغر المرتل، وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان،
_________________
(١) قبل أن تُفرض الصلاة، ثم نُسِخَ بالصلوات الخمس". ورويناه عن البخاري ومسلم في حديث جابر أيضًا. قوله: (ومنهم من قال: كان نَفلًا، بدليل التخيير في المقدار)، قال الإمام: "استدل على عدم الوجوب، بأنه تعالى قال: ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (زِدْ عَلَيْهِ﴾ ففوض ذلك إلى رأي المكلف. وما كان كذلك لا يكون واجبًا، وهو ضعيف؛ لأنه لا يبعد أن يقال: أوجبت عليك قيام الليل. فأما تقديره بالقلة والكثرة، فهو مفوض إليك"، وإليه الإشارة بقوله: "كان واجبًا، وإنما وقع التخيير في المقدار". قوله: (ولقوله: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩])، فيه نظر؛ لأنه فسرها في موضعه بقوله: "إن التَّهجد زيد لك على الصلوات المفروضة، فريضةً عليك خاصةً دون غيرك، لنه تَطوّع لهم". قوله: (وهو المُفلج)، الجوهري: "الفلج في الأسنان: تباعد ما بين الثنايا والرَّباعيات"،
[ ١٦ / ٨٨ ]
وألا يهذه هذا ولا يسرده سردًا، كما قال عمر ﵁: شر السير الحقحقة، وشر القراءة الهذرمة، حتى يشبه المتلو في تتابعه الثغر الألص. وسئلت عائشة ﵂ عن قراءة رسول الله ﷺ؟ فقالت: لا كسردكم هذا،
_________________
(١) و"ثَغر رَتَلٌ: إذا كان مستوى النبات". الراغب: "الرَّتل: اتساق الشيء وانتظامه على استقامة، يقال: رجل رَتَل الأسنان. والترتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة". قوله: (وألا يَهُذَّه هذا)، الجوهري: "الهذ: الإسراع في القطع وفي القراءة. يقال: هو يَهُذُّ القرآن هذًّا: يَسرده". قوله: (الحَقْحَقة)، النهاية: "في حديث سلمان: شر السير الحَقْحَقة، هو المتعب من السير. وقيل: هو أن تُحمل الدابة على ما لا تُطيقه". قوله: (الهَذْرَمة): "هي السرعة في المشي والكلام، ويقال للتخليط: هَذْرَمة". قوله: (الأَلَص)، الجوهري: "هو المتقارب الأضراس، وفيه لَصَص". قوله: (وسُئلت عائشة ﵂، عن قراءة رسول الله؟؟)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، قالت: "ما كان رسول الله؟ يسرد سردكم هذا، ولكنه يتكلم بكلام يُبينه، فصل، يحفظه من جلس إليه". النهاية: "يسرد سردًا، أي: يتابعه ويستعجل فيه".
[ ١٦ / ٨٩ ]
لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها. و(تَرْتِيلًا) تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه ما لا بد منه للقارئ.
[(إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ٥]
هذه الآية اعتراض، ويعني بالقول الثقيل: القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، خاصة على رسول الله ﷺ لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته؛ فهي أثقل عليه وأبهظ له. وأراد بهذا الاعتراض: أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأنّ الليل وقت السبات والراحة والهدوء، فلا بد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه. وعن ابن عباس ﵁: كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد له جلده.
وعن عائشة ﵂: رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد
_________________
(١) ـ قوله: (هذه الآية اعتراض)، يعني قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، قال القاضي: "والجملة اعتراض لتسهيل التكليف عليه بالتهجد، ودال على أنه مشقة مضادة للطبع مخالف للنفس، أو رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه، أو يثقل على المتأمل فيه، لافتقاره إلى مزيد تصفية السّرِّ وتجريد النَّظَر". وقيل: الاعتراض: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، لأنها اعترضت بين كلامين مُتصلين معنًى، وهو الكلام في قيام الليل، والأظهر الأول. قوله: (والهدوء)، الجوهري: "هدأ هدءًا وهدوءًا: سكن، وأتانا وقد هدأت العيون". قوله: (تربَّد)، النهاية: "في الحديث: كان إذا نزل عليه الوحي اربَدَّ وجهه صلوات الله عليه، أي: تَغيّر إلى الغُبرة". قوله: (وعن عائشة ﵂: رأيته ينزل عليه الوحي)، الحديث رواه البخاري
[ ١٦ / ٩٠ ]
فيفصم عنه، وإن جبينه ليرفض عرقًا. وعن الحسن: ثقيل في الميزان، وقيل: ثقيل على المنافقين، وقيل: كلام له وزن ورجحان، ليس بالسفساف.
[(إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطْئًا وأَقْوَمُ قِيلًا) ٦]
(نَاشِئَةَ اللَّيْلِ): النفس الناشئة بالليل، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض وترتفع؛ من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشز إذا نهض، قال:
نشأنا إلى خوص برى نيها السرى … وألصق منها مشرفات القماحد
_________________
(١) ومسلم ومالك والترمذي والنسائي، عنها أنها قالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فَيُفصِم عنه، وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا". النهاية: "فَيُفصِم: أي يُقلع. وأَفْصَمَ المطر إذا أقلع وانكشف". وارفضَّ عرقًا، أي: جرى عرقه. قوله: (ليس بالسَّفساف)، الجوهري: "السَّفساف: الرديء من كل شيء". قوله: (نشأنا إلى خُوص) البيت، أي: نهضنا وقمنا، من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونَشَزَ إذا نهض. والخُوص جمع خوصاء، وهي الناقة المرهفة الأعلى
[ ١٦ / ٩١ ]
أو قيام الليل، على أنّ الناشئة مصدر، من: نشأ؛ إذا قام ونهض، على «فاعلة» كالعاقبة، ويدل عليه ما روي عن عبيد بن عمير: قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل، أتقولين له قام ناشئة؟ قالت: لا؛ إنما الناشئة القيام بعد النوم؛ ففسرت الناشئة بالقيام عن المضجع، أو العبادة التي تنشأ بالليل، أي: تحدث وترتفع. وقيل: هي ساعات الليل كلها؛ لأنها تحدث واحدة بعد أخرى. وقيل: الساعات الأول منه
_________________
(١) الضخمة الأسفل، وقيل: الخوص عور العينين، والنَّيُّ: الشحم، ونوت الناقة نيًا: سمنت، وألصق: أي طأطأ ونكس. القماحد: جمع القمحدوة، بزيادة الميم: ما خلف الرأس. يقول: قصدنا إلى ناقة مهزولة من السُّرى، ورحلنا. قوله: (أو قيام الليل)، عطف على قوله: "النفس الناشئة"، ويروى: "قيام" بالنصب، عطفًا على "النفس الناشئة"، إذا روي بالنصب. قوله: (عن عبيد بن عمير)، في "الجامع": "هو أبو عاصم، عُبيد بن عُمير بن قتادة بن سعد الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة، وُلِدَ في زمن رسول الله؟؛ يقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر وأبا ذر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة ﵃". قوله: (رجل قام)، "رجل": مبتدأ، و"قام" صفته، و"أتقولين" خبره؛ أقحمت همزة الاستفهام بين المبتدأ والخبر للتأكيد، وإنما كان دليلًا على أن المراد بالناشئة: القيام والنهوض من النوم، لقولها: "لا، إن الناشئة القيام من الليل".
[ ١٦ / ٩٢ ]
وعن علي بن الحسين ﵄، أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: أما سمعتم قول الله تعالى: (إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ)؟ هذه ناشئة الليل. (هِيَ أَشَدُّ وطْئًا) هي خاصة دون ناشئة النهار، أشد مواطأة يواطئ قلبها لسانها؛ إن أردت النفس. أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه؛ إن أردت القيام أو العبادة أو الساعات. أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. وعن الحسن: أشد موافقة بين السر والعلانية، لانقطاع رؤية الخلائق. وقرئ: «أشدّ وطأ» بالفتح والكسر،
_________________
(١) قوله: (أو يُواطئ فيها قلب القائم لسانه، إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات)، الانتصاف: "إن جعلت الناشئة للنفس، فالمواطأة فيها حقيقة، وإن جعلتها للساعات أو المصدر فمجاز". قلت: ويجوز أن يكون من المجاز الحُكمي، بأن تسند الوطء إلى القيام أو العبادة أو الساعات على المجازي، وإنه لصاحبها حقيقة، وإليه الإشارة بقوله: "أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه"، وأن تجعل لكل واحد منها قلبًا ولسانًا، وتخيل له مواطأة به على الاستعارة المكنية. قوله: (أو "أشد موافقة")، عطف على "أشد مواطأة"؛ فعلى هذا: الإسناد في الكل حقيقة؛ فالحاصل: "الناشئة" لا يخلو: إمّا أن يراد بها النفس أو القيام مثلًا، والمواطأة إما أن يعني بها مواطأة القلب اللسان، أو موافقتها لما يراد من الخشوع. فإذا عنيت بها النفس، فإذًا المواطأة حقيقة على التقديرين. وإذا عنيت بها القيام ونحوه، فالمواطأة مجاز على التقدير الأول، حقيقة على الثاني. قوله: (وقُرئ: "أشد وطأً")، أبو عمرو وابن عامر: بكسر الواو والمد، والباقون: بالفتح وإسكان الطاء.
[ ١٦ / ٩٣ ]
والمعنى: أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل. أو أثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار، من قوله ﵇: «اللهم اشدد وطأتك على مضر».
(وأَقْوَمُ قِيلًا) وأسد مقالًا وأثبت قراءة لهدوء الأصوات. وعن أنس ﵁ أنه قرأ: «وأصوب قيلًا»، فقيل له: يا أبا حمزة، إنما هي: وأقوم؛ فقال: إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وروى أبو زيد الأنصاري عن أبي سرار الغنوي أنه كان يقرأ: فحاسوا، بحاء غير معجمة، فقيل له: إنما هو (جاسوا) بالجيم، فقال: جاسوا وحاسوا واحد.
[(إنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) ٧]
_________________
(١) قوله: (اللهم اشدد وطأتك على مُضر)، وقد أخرجناه فيما سبق. النهاية: "أي: خُذهم أخذًا شديدًا، والوطء في الأصل: الدَّوس بالقدم". قوله: (وعن أنس أنه قرأ: وأصوب)، هذا، ونحوه ما رويَ عن أبي سوار: "فحاسوا"، بالحاء المهملة، مما لا يلتفت إليه.
[ ١٦ / ٩٤ ]
(سَبْحًا) تصرفًا وتقلبًا في مهماتك وشواغلك، ولا تفرغ إلا بالليل؛ فعليك بمناجاة الله التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل. وأما القراءة بالخاء فاستعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه ونشر أجزائه؛ لانتشار الهم وتفرق القلب بالشواغل؛ كلفه قيام الليل، ثم ذكر الحكمة فيما كلفه منه، وهو أن الليل أعون على المواطأة وأشد للقراءة، لهدو الرجل وخفوت الصوت، وأنه أجمع للقلب وأضم لنشر الهم من النهار؛ لأنه وقت تفرق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب في حوائج المعاش والمعاد. وقيل: فراغًا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك، وقيل: إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه.
[(واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا • رَّبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وكِيلًا • واصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) ٨ - ١٠]
(واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) ودم على ذكره في ليلك ونهارك، واحرص عليه، وذكر الله يتناول كل ما كان من ذكر طيب: تسبيح، وتهليل، وتكبير، وتمجيد، وتوحيد، وصلاة، وتلاوة قرآن، ودراسة علم، وغير ذلك مما كان رسول الله ﷺ يستغرق به ساعة ليله ونهاره (وتَبَتَّلْ إلَيْهِ) وانقطع إليه.
فإن قلت: كيف قيل (تَبْتِيلًا) مكان تبتلا؟
قلت: لأن معنى تبتل بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل
_________________
(١) قوله: (فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل)، لأنه قيل: قليلًا، طويلًا، فقيل: تبتيلًا، مراعاةً لها، قال صاحب "الفرائد": "يمكن أن يقال: يعني لما كان معنى "تبتل إليه": انقطع إليه، أُقيم التَّبتيل مقامه، وأكد ليدل على أن ذلك الانقطاع إلى الرب، لا يحصل إلا بتكرار التَّبتُّل؛ فالتبتيل يدل على حصول الشدة، والتبتل على التكرار، لأن التفعيل لتكثير الفعل".
[ ١٦ / ٩٥ ]
(رَّبُّ المَشْرِقِ والْمَغْرِبِ) قرئ مرفوعًا على المدح، ومجرورًا على البدل من (رَبِّكَ). وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: (لا إلَهَ إلاَّ هُوَ)، كما تقول: والله لا أحد في الدار إلا زيد. وقرأ ابن عباس: «رب المشارق والمغارب». (فَاتَّخِذْهُ وكِيلًا) مسبب على التهليلة؛ لأنه هو وحده هو الذي يجب - لتوحده بالربوبية - أن توكل إليه الأمور. وقيل (وكِيلًا) كفيلًا بما وعدك من النصر والإظهار. الهجر الجميل: أن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم مع حسن المخالقة والمداراة والإغضاء وترك المكافأة. وعن أبى الدرداء ﵁: إنا لنكشر في وجوه قوم ونضحك إليهم،
_________________
(١) قوله: (﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، قُرئ مرفوعًا)، أبو بكر وابن عامر وحمزة والكسائي: "رَبِّ" بخفض الباء، والباقون: برفعها. قوله: (وجوابه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾)، أقسم بما اتفقوا عليه على ما اختلفوا فيه؛ فإنهم اعترفوا أن الله رب المشرق والمغرب، ولكنهم أشركوا معه الأصنام في العبادة، ألا ترى كيف أفحم خليل الله نمرودَ بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وكليم الله موسى فرعون بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨]. قوله: (إنا لنكشر في وجوه قوم)، الأساس: "كَشَر الرجل إلى صاحبه: تَبسّم، وكاشره"، قال المتلمس: إنَّ شَرَّ الناس من يَكشِر لي حين ألقاه، وإن غِبتُ شَتم
[ ١٦ / ٩٦ ]
وإن قلوبنا لتقليهم. وقيل: هو منسوخ بآية السيف.
[(وذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهُمْ قَلِيلًا • إنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وجَحِيمًا • وطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وعَذَابًا أَلِيمًا • يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبَالُ وكَانَتِ الجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا) ١١ - ١٤]
إذا عرف الرجل من صاحبه أنه مستهم بخطب يريد أن يكفاه، أو بعدوّ يشتهي أن ينتقم له منه وهو مضطلع بذلك مقتدر عليه قال: ذرني وإياه، أي: لا تحتاج إلى الظفر بمرادك ومشتهاك، إلا أن تخلي بيني وبينه بأن تكل أمره إلىّ وتستكفينيه، فإن في ما يفرغ بالك ويجلى همك، وليس ثم منع حتى يطلب إليه أن يذره وإياه
_________________
(١) قوله: (أنه مُستهم)، الأساس: "اهتم به، ونزل به مُهم. وسمعتم يقولون: استهم لي بكذا"، فيه مبالغة، كانه يقصد قصدًا واحدًا، أو يطلب من يهم بذلك الأمر ويقصده. قوله: (وليس ثم منع حتى يطلب إليه أن يذره)، فهو من باب الكناية، قريب من نحو قولك: لا أرينك هاهنا، يعني: أنه تعالى أنهى إلى رسول الله؟، أنه طلب منعه أن يُوقع بالمكذبين، وأنه صلوات الله عليه ما طلب المنع، بل شوهد منه ما نزل منزلة المنع، من ترك الاستكفاء، وتفويض الأمر إليه تعالى. المعنى: مالك لا تستكفينيه، ولا تُفوض أمرك إليّ حتى أستكفيكه وأنتقم لك منه؟ ويجوز أن يكون من باب التهييج والالتفات، وفيه أن من له عدو يضاده ويناوبه، فالله بعزته وجلاله يجب أن يكفي شره، والمظلوم إذا لم يستكف شره من الله كأنه منعه، فإذا فعل ذلك كأنه ظفر به، وتمكن من المراد غاية التمكن، وهو المراد من قوله: "وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أُمنية المخاطب".
[ ١٦ / ٩٧ ]
إلا ترك الاستكفاء والتفويض، كأنه إذا لم يكل أمره إليه، فكأنه منعه منه؛ فإذا وكله إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه، وفيه دليل على الوثوق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما يزيد عليه. النعمة بالفتح: التنعم، وبالكسر: الإنعام، وبالضم: المسرة؛ يقال: نعم، ونعمة عين، وهم صناديد قريش، وكانوا أهل تنعم وترفه.
(إنَّ لَدَيْنَا) ما يضاد تنعمهم: من أنكال، وهي القيود الثقال؛ عن الشعبي؛ إذا ارتفعوا استقلت بهم، الواحد: نكل ونكل. ومن جحيم: وهي النار، الشديدة الحر والاتقاد. ومن طعام ذي غصة، وهو الذي ينشب في الحلوق فلا يساغ، يعني: الضريع وشجر الزقوم. ومن عذاب أليم: من سائر العذاب، فلا ترى موكولًا إليه
_________________
(١) قوله: (إلا ترك الاستكفاء)، قيل: الاستثناء مُنقطع، والظاهر أنه من قبيل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. قوله: (نَعَمْ، ونُعْمةَ عَين)، نَعَمْ: حرف إيجاب، يقول المجيب للطالب: نَعَمْ، ونُعْمةَ عَين، قيل: التقدير: أنعم عينك إنعامًا، أي: أقرَّها. وقال: ولم يسمع هذا إلا عندهم. الجوهري: " نُعْمة العين، بضمها: قُرَّتها. ويقال: نُعْمَ عَين، ونُعْمةَ عَين، أي: أفعل ذلك كرامة لك وإنعامًا لعينك، وما أشبهه". قوله: (فلا ترى موكولًا إليه)، متصل بقوله: ﴿ذَرْنِي﴾، لأن الفاء نتيجة لقوله: "إن لدينا ما يُضاد تنعمهم". و"إن لدينا" تعليل لقوله: ﴿ذَرْنِي﴾، أي: كل إليَّ أمرهم وذرني وإياهم، فإنك لا ترى أحدًا موكولًا إليه [أمرهم]، ولا موذورًا بينه وبينهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام، وهو الأنكال والجحيم والطعام والعذاب؛ فالضمير في "إليه" و"بينه"، يعود إلى الموصوف المحذوف، ولا ضمير في "مَوْكولًا" ولا "مَوْذورًا"، لإسنادهما إلى "أمرهم" وإلى "بينه وبينهم"، و"ينتقم": صفة للموصوف المحذوف، لا للموكول والموذور، لأنَّ الوصف لا يوصف.
[ ١٦ / ٩٨ ]
أمرهم موذورًا بينه وبينهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام.
وروي أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية فصعق، وعن الحسن: أنه أمسى صائمًا، فأتى بطعام، فعرضت له هذه الآية؛ فقال: ارفعه، ووضع عنده الليلة الثانية، فعرضت له، فقال: ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة، فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء، فجاءوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق.
(يَوْمَ تَرْجُفُ) منصوب بما في (لَدَيْنَا). والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة، والكثيب: الرمل المجتمع، من كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله، ومنه الكثبة من اللبن، قالت الضائنة: أجز جفالًا، وأحلب كثبًا عجالًا، أي: كانت مثل رمل مجتمع هيل هيلًا، أي: نثر وأسيل.
[(إنَّا أَرْسَلْنَا إلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا • فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وبِيلًا) ١٥ - ١٦]
_________________
(١) قوله: (بينه وبينهم)، أي: بين من وُكل أمره إلى القائل: ﴿ذَرْنِي﴾، وهو الموكول إليه. قوله: (ومنه الكُثبة من اللبن)، كل شيء جمعته من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلًا، فهو كُثبة. قوله: (قالت الضائنة: أجز جفالًا)، الجوهري: "قالت الضائنة: أولد رخالًا، وأجز جُفالًا، وأحلب كُثبًا ثقالًا، ولم تر مثلي مالًا". "الرَّخل، بفتح الراء وكسر الخاء: الأنثى من وَلَدِ الضأن، والجمع رُخال. والجُفال: الصوف الكثير، أي: أجز بمرة واحدة، وذلك أن صوفها لا يسقط على الأرض حتى يُجزَّ كله".
[ ١٦ / ٩٩ ]
الخطاب لأهل مكة، (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) يشهد عليكم يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم.
فإن قلت: لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت: لأنه أراد: أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل، فلما أعاده، وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف إشارة إل المذكور بعينه. (وبِيلًا) ثقيلًا غليظًا، من قولهم: كلأ وبيل: وخم لا يستمرأ لثقله. والوبيل: العصا الضخمة، ومنه الوابل للمطر العظيم.
[(فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا • السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا) ١٧ - ١٨]
(يَوْمًا) مفعول به، أي: فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له، إن بقيتم على الكفر، ولم تؤمنوا وتعملوا صالحًا. ويجوز أن يكون ظرفًا، أي: فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا، ويجوز أن ينتصب ب- «كفرتم» على تأويل جحدتم، أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء؛ لأن تقوى الله خوف عقابه. (يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيبًا) مثل في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال، والأصل فيه
_________________
(١) قوله: (أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة)، يعني: إذا جحدتم يوم القيامة وأنكرتموه فلا تعتقدون العقاب، فلا يكون لكم خشية ولا تقوى. وهذا الوجه أوفق للتأليف، يعني: حوّقناكم بالأنكال والجحيم، وأرسلنا إليكم رسولًا شاهدًا يوم القيامة بكفركم وتكذيبكم، وأنْذرناكم بما فعلنا بفرعون من العذاب الوبيل والأخذ الثقيل، فما نجع فيكم ذلك كله ولا اتَّقيتم الله، فكيف تتقونه وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة والجزاء؟ وفيه: أنّ ملاك التقوى والخشية الإيمان بيوم القيامة.
[ ١٦ / ١٠٠ ]
أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان أسرع فيه الشيب، قال أبو الطيب:
والهم يخترم الجسيم نحافة … ويشيب ناصية الصبي ويهرم
وقد مر بى في بعض الكتب أن رجلًا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب، وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: أريت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. (السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ) وصف لليوم بالشدة أيضا، وإن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق؟ وقرئ: «منفطر ومتفطر»، والمعنى: ذات انفطار، أو على تأويل: «السماء» بالسقف، أو: السماء شيء منفطر، والباء في «بِهِ» مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به، يعني: أنها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهو له، كما ينفطر الشيء بما يفطر به. ويجوز أن يراد: السماء مثقلة به إثقالا يؤدي إلى انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه، كقوله: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٧]
_________________
(١) قوله: (كالثَّغامة)، الجوهري: "الثَّغام، بالفتح: نبت يكون في الجبل يبيض إذا يَبِس، يشبَّه به الشَّيب، الواحدة: ثَغامة". قوله: (ويجوز أن يوصف اليوم بالطول)، يعني: يكون قوله: ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، كناية عن طول اليوم. قوله: (والمعنى: ذات انفطار)، قال أبو البقاء: "مُنفطر، بغير تاء، على النَّسب، أي: ذات انفطار، وقد ذُكر حملًا على معنى السقف، وقيل: السماء تُذكر وتُؤنث". قوله: (ويجوز أن يُراد: السماء مُثقلة به)، أي: جعل كون السماء مُثقلة، لِعظم اليوم عليها
[ ١٦ / ١٠١ ]
(وعَدَهَ) من إضافة المصدر إلى المفعول، والضمير لليوم، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل وهو الله عز وعلا، ولم يجر له ذكر لكونه معلوما.
[(إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) ١٩]
(إنَّ هَذِهِ) الآيات الناطقة بالوعيد الشديد (تَذْكِرَةٌ) موعظة (فَمَن شَاءَ) اتعظ بها واتخذ سبيلًا إلى الله بالتقوى والخشية. ومعنى اتخاذ السبيل إليه: التقرب والتوسل بالطاعة.
[(إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ وأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ومَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أَجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ٢٠]
(أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) أقل منهما؛ وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت، قل ما بينهما من الأحياز؛ وإذا بعدت كثر ذلك. وقرئ: () بالنصب على: أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث،
_________________
(١) وخَشيتها من وُقوعه، كأنها مرفوعة مُنفطرة به، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أي: ثَقُلت الساعة فيها، لأن كل شيء لا يُطيقها ولا يقوم لها، فهي ثقيلة فيها. قوله: (وقُرئ: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ بالنصب)، الكوفيون وابن كثير: بنصبهما، والباقون: بالخفض، قال أبو البقاء: "بالجر حملًا على ﴿ثُلُثَيِ﴾، وبالنصب حملًا على ﴿أَدْنَى﴾ ".
[ ١٦ / ١٠٢ ]
وهو مطابق لما مر في أوّل السورة، من التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. وقرئ: «ونصفه وثلثه» بالجر، أي: تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف: وهو أدنى من الثلثين، والثلث: وهو أدنى من النصف، والربع: وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير.
(وطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) ويقوم ذلك جماعة من أصحابك (واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ) ولا يقدر على تقدير الليل والنهار ومعرفة مقادير ساعاتهما إلا الله وحده؛ وتقديم اسمه ﷿ مبتدأ مبنيًا عليه (يُقَدِّرُ): هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير؛ والمعنى: أنكم لا تقدرون عليه، والضمير في (لَّن تُحْصُوهُ) لمصدر «يقدر»، أي: علم أنه لا يصح منكم ضبط الأوقات، ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية،
_________________
(١) قوله: (وهو مطابق لما مرَّ في أول السورة) أي: في الوجه الثاني من الوجوه المذكورة في قوله: ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (نِّصْفَهُ﴾ الآية. قوله: (وهو مطابق) إلى قوله: (وهو الوجه الأخير) أي: الوجه الرابع من الوجوه. قوله: (وتقديم اسمه تعالى [مبتدأ] مبنيًا عليه ﴿يُقَدِّرُ﴾: هو الدال على [معنى] الاختصاص، هذا خلاف رأي صاحب "المفتاح"، حيث قال: "لا يكون لقولنا: زيد عرف. غير احتمال الابتداء، اللهم إلا بذلك الوجه البعيد، فلا يرتكب عند المعرَّف لكونه على شرط الابتداء؛ وإنما يرتكب عند المُنكر لفوات الشرط". وجوابه ما سبق في سورة الرعد في قوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦]، ان إفادة الاختصاص من خصوصية الاسم جامع
[ ١٦ / ١٠٣ ]
إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط، وذلك شاق عليكم بالغ منكم. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر، كقوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ) [البقرة: ١٨٧].
والمعنى: أنه رفع التبعة في تركه عنكم، كما يرفع التبعة عن التائب. وعبر عن الصلاة بالقراءة لأنها بعض أركانها، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود، يريد: فصلوا ما تيسر عليكم، ولم يتعذر من صلاة الليل؛ وهذا ناسخ للأوّل،
_________________
(١) ـ مع التركيب، لما تجد التفاوت بين ما عليه التلاوة وقولنا: يُقدر الله الليل، وكذا بين قولنا: زيد يَجود، وحاتم يجود. قوله: (ولم يتعذر من صلاة الليل)، أي: صلوا ما بَعُد من صلاة الليل، وما لم يُنسبوا إلى التقصير فيها، كما تقول: هذا لم يتعذر عليَّ، أي: هو سهل عندي، لأني لم أُقصر في تخصيله. الجوهري: "التعذير في الأمر: التقصير فيه". قوله: (وهذا ناسخ للأول)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل ومسلم وأبي داود والدرامي وابن ماجه والنسائي، عن سعد بن هشام، قال: قلت لعائشة ﵂: يا أُمَّ المؤمنين، أنبئيني عن خُلُق رسول الله؟، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خُلُق نبي الله القرآن. قال: فَهَممت أن أقوم، ولا أسأل عن شيء حتى أموت. ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله؟، قالت: ألست تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله قد افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله؟ وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثنى عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله تعالى في آخر السورة التخفيف، وقام قيام الليل تطوعًا".
[ ١٦ / ١٠٤ ]
ثم نسخا جميعًا بالصلوات الخمس. وقيل: هي قراءة القرآن بعينها؛ قيل: يقرأ مائة آية، ومن قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن، وقيل: من قرأ مائة آية كتب من القانتين. وقيل: خمسين آية.
وقد بين الحكمة في النسخ، وهي تعذر القيام على المرضى، والضاربين في الأرض للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله. وقيل: سوى الله بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أيما رجل جلب شيأ إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا، فباعه بسعر يومه، كان عند الله من الشهداء
_________________
(١) وعن أبي داود، عن ابن عباس ﵄: في قوله: ﴿قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآية. قال: نسختها الآية التي فيها ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ الحديث. قوله: (ثُمَّ نُسخًا جميعًا)، أي: الرُّخصة والعزيمة. قوله: (وقيل: هي قراءة القرآن بعينها)، عطف على قوله: "وعَبّرَ عن الصلاة بالقراءة". دليل الأول: ترتب ﴿فَاقْرَءُوا﴾ بالفاء على قوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾. ودليل الثاني: عطف قوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ على ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. عن البخاري، عن سفيان، قال لي ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن، فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات". قوله: (لم يحاجَّه القرآن)، النهاية: "لم يَغلبه بالحُجة. ومنه الحديث: "فحجَّ آدم موسى"، أي: غلبه بالحُجة". قوله: (سوّى الله بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال)، وذلك أنه أُعيد ذِكر
[ ١٦ / ١٠٥ ]
وعن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله، أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رحل، أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله. و(عَلِمَ) استئناف على تقدير السؤال عن وجه النسخ. (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ) يعني المفروضة والزكاة الواجبة، وقيل: زكاة الفطر؛ لأنه لم يكن بمكة زكاة، وإنما وجبت بعد ذلك. ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيًا. (وأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) يجوز أن يريد سائر الصدقات، وأن يريد أداء الزكاة على أحسن وجه: من إخراج أطيب المال وأعوده على الفقراء، ومراعاة النية وابتغاء وجه الله، والصرف إلى المستحق، وأن يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال. (خَيْرًا) ثاني مفعولي وجد. و(هُوَ) فصل، وجاز - وإن لم يقع بين معرفتين - لأن «أفعل من»
_________________
(١) ﴿وَآخَرُونَ﴾، وقوبل ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ بقوله ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ثم جمعا في قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، لفظًا من حيث الضمير، وحكمًا في الأمر بالقراءة على سبيل التيسير. وكان أصل الكلام: عَلِمَ أن سيكون منكم مرضى ومسافرون، فقسمهم قسمين: المُبتغين من فضل الله والمجاهدين، ولم يكتف بذلك، بل قدَّم المسافرين على المجاهدين. روينا عن أحمد بن حنبل، عن عمرو بن العاص، عن النبي؟، قال لي: "إني أُريد أن أبعثك على جيش فيُسلمك الله ويُغنمك، وأزعب لك من المال زَعبةً صالحةً"، قال: قلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله؟، فقال: "يا عمرو، نِعم المال الصالح للمرء الصالح". قوله: (و﴿هُوَ﴾ فصل، وجاز - وإن لم يقع بين معرفتين - لأن أفعل) إلى آخره، "مِنْ"
[ ١٦ / ١٠٦ ]
أشبه في امتناعه من حرف التعريف، المعرفة. وقرأ أبو السمال: «هو خير وأعظم أجرًا»، بالرفع على الابتداء والخبر.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المزمل، دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة».
_________________
(١) مُتعلق بـ "أفعل"، أي: لفظه "أفعل من" أشبه المعرفة في امتناعه من حرف التعريف، قال ابن الحاجب: "أَفعل من كذا، مُشبه للمعرفة شبهًا قويًا من حيث المعنى، حتى معنى قولك: أَفضل من كذا: الأفضل، باعتباره: فضيلته معهودة، ولذلك قام مقامه". وقال أيضًا: "ولذلك لم يجمعوا بينهما". قوله: (وقرأ أبو السّمّال: "هو خير وأعظم أجرًا"، بالرفع)، وفي "الموضح": عَدَّ من القُراء أبا السّمّال، وأبا السّماك أيضًا. قال الزجاج: " ﴿خَيْرًا﴾: منصوب، مفعول ثانٍ لـ " ﴿تَجِدُوهُ﴾، ودخلت ﴿هُوَ﴾ فصلًا. ولو كان في غير القرآن لَجازَ: "تَجدوه هو خير"، والنصب أجود في العربية، ولا يجوز غيره، أي: في القرآن". تمت السورة بحمد الله وعَوْنِه * … * … *
[ ١٦ / ١٠٧ ]