مختلف فيها، وهي ست وثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ١ - ٦].
التطفيف: البخس في الكيل والوزن، لأنّ ما يبخس شيء طفيفٌ حقير
_________________
(١) سورة المطففين ست وثلاثون آية، مكية بخلاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (لأن ما يُبخس شيء طفيف حقير)، تعليل للتسمية، وكان من الظاهر أن يقال: لأن كل ما يُطفف يُبخس، قال الزجاج: "إنما قيل للفاعل: مُطفف لأنه لا يكادي يُسرف في المكيال والميزان إلا الشيء الحقير الطفيف، وأُخذ من طف الشيء، وهو جانبه".
[ ١٦ / ٣٣٣ ]
وروي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلًا، فنزلت، فأحسنوا الكيل. وقيل: قدمها وبها رجلٌ يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان: يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. وقيل: كان أهل المدينة تجارًا يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت. فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم، وقال: «خمسٌ بخمسٍ» قيل: يا رسول الله، وما خمسٌ بخمسٍ؟ قال: «ما نقض قومٌ العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين،
_________________
(١) الراغب: "الطفيف: الشيء النزر، ومنه الطفافة: لما لا يعتد به، وطفف الكيل: قلل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه". قوله: (وكانوا من أخبث الناس كيلًا)، روى ابن ماجه، عن ابن عباس، أن رسول الله؟ لما قدم المدينة كانوا أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾؛ فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قوله: (المنابذة والملامسة والمخاطرة)، النهاية: المنابذة في البيع هو أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلىَّ الثوب، أو أَنبِذه إليك، ليجب البيع. وقيل: هو أن يقول: إذا انتبذت إليك الحصاة وجب البيع، فيكون البيع مُعاطاة من غير عقد، ولا يصح أن يقال: نبذت الشيء أو لمست ثوبك فقد وجب البيع. وقال: والخطر بالتحريك، في الأصل: الرَّهن، وما يخاطر عليه، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومنزلة. وقيل: المخاطرة: بيع الغرر، مثل بيع الطير في الهواء والسمك في الماء.
[ ١٦ / ٣٣٤ ]
ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر». وعن على ﵁: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولًا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين، بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان؛ وخص الأعاجم؛ لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعًا وكانا مفرّقين في الحرمين: كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون، وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم. وعن عكرمة: أشهد أنّ كل كيالٍ ووزانٍ في النار. فقيل له: إنّ ابنك كيالٌ أو وزانٌ؛ فقال: أشهد أنه في النار. وعن أبىّ ﵁: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين، لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالًا يضرهم ويتحامل فيه عليهم: أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. ويجوز أن يتعلق «على» بـ "يستوفون"، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة؛ فأما أنفسهم فيستوفون لها؛ وقال الفراء «من» و«على» يعتقبان في هذا الموضع؛
_________________
(١) قوله: (ويفصل الواجب من النَّفل)، أي: يُميزه منه، ويفرق بينهما. قوله: (ليلجمهم)، النهاية: "يبلغ العرق منهم ما يُلجمهم، أي: يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام". قوله: (ويتحامل فيه عليهم)، الأساس: "تحاملت الشيء: حملته على مشقة، وتحام عليَّ فلان: لم يعدل"، يريد أن ﴿اكْتَالُوا﴾ مما يعدي بمن، فلما ضمن معنى التحامل، كقولك: تحامل عليَّ فلان، عُدي بعلى. وفي "المطلع": كانوا متمكنين من الاحتيال في الأخذ مستوفى في الكيل بزعزة المكيال وميله بقوة وضغط.
[ ١٦ / ٣٣٥ ]
لأنه حق عليه؛ فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك؛ وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك. والضمير في (كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) ضميرٌ منصوبٌ راجعٌ إلى الناس، وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال:
ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا … ولقد نهيتك عن نبات الأوبر
والحريص يصيدك لا الجواد،
_________________
(١) قوله: (أن يراد: كالوا لهم)، يقال: كلت الطعام، ويقال: كالك أي: كال لك، وكال المُعطي واكتال الآخذ. قوله: (ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا)، البيت. أكمؤًا: جمع كمأة على غير قياس، وفي "المجمل": العساقل: ضرب من الكمأة، الواحد عُسقول، وبنات الأوبر: كمأة صغار على لون التراب رديء، قيل: يُضرب المثل بها، فيقال: إن بني فلان [مثل] بنات أبر، يُظن أن فيهم خيرًا ولا خير فيهم؟ قوله: (والحريص يصيدك لا الجواد)، قيل: المعنى: الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد، أي: إنما تحصل الأشياء بالحرص والجد لا بمجرد الاستعداد. وقال الميداني: "أراد أن الذي له هوى وحرص على شأنك هو الذي يقوم به، لا القوي عليه ولا هوى له فيك، يُضرب لمن يستغنى عن الوصية لشدة عنايته بك".
[ ١٦ / ٣٣٦ ]
بمعنى: جنيت لك، ويصيد لك. وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميرًا مرفوعًا للمطففين؛ لأنّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسد؛ وذلك أنّ المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافرٌ، لأنّ الحديث واقعٌ في الفعل لا في المباشر،
_________________
(١) قوله: (والمضاف هو المكيل أو الموزون)، أي: كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم. قوله: (وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر)، أي: الحديث في أن هذا الفعل، وهو الإخسار، يصدر منهم، لا أن غيرهم لا يُخسرون. الانتصاف: "لا تنافر فيه، ولا يجعل هذا العامل في الضمير ليكون دالًا على المباشرة، بل المعنى: إذا كان الكيل من جهة غيرهم استوفوه، وإذا كان من جهتهم خاصة أخسروه، سواء باشروه أم لا. ويدل على أن الضمير لا يُعطي المباشرة أنك تقول: الأمراء هم الذين يُقيمون الحدود لا السوقة، وإن كانوا لا يباشرونه". وقلت: هذا بمعزل عن مقصد المصنف؛ لأنه يريد أن الضمير إذا جُعل للمطففين أفاد التركيب معنى الحصر، لما يؤدي تقديم الفاعل المعنوي على عامله في قوله: هم يخسرون إلى معنى الاختصاص وأن الخُسران واقع، وإنما الكلام في فاعله ومباشره أنه: هم أو غيرهم، فقيل: ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ليفيد ما قال: هم على الخصوص أخسروا دون غيرهم، وليس الكلام إلا في الإخبار عنهم أنهم يُخسرون، فلو أُريد ذلك لخرج الكلام عن مقابلة ما قبله، إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع لا في الاختصاص، هذا هو المراد، فظن صاحب
[ ١٦ / ٣٣٧ ]
والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه: ركيكٌ؛ لأنّ خط المصحف لم يراع في كثيرٍ منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أنى رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضةً لكونها غير ثابتةٍ في اللفظ والمعنى جميعًا؛ لأن الواو وحدها معطيةٌ معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقةً بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو؛
_________________
(١) "الانتصاف" أن غرض المصنف أن الإتيان بالضمير حينئذ لدفع الإسناد المجازي، وإسناد الفعل إلى غير المباشر. لكن الجواب: أن ليس بواجب حينئذ أن يجعل التركيب من باب التقديم ليفيد التخصيص، لاحتمال أن يكون من باب تقوى الحكم، والتقدير أنهم إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا البتة، فأفاد أن اهتمامهم بالإخسار بالدفع أتم من اهتمامهم في الاستيفاء عند الأخذ؛ لأن به يظهر أثر الربح، وعليه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، حيث خص البيع دون الشراء على أحد الوجوه. ثم يقال: إن معنى التخصيص من قوله: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] في السورة السابقة قطعي، لإيلاء حرف النفي الفاعل المعنوي، ولما كان مُخالفًا لمذهبه ذهب إلى أنه مثل ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ﴾، في قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا في الاختصاص، وهاهنا احتمل الأمرين، فقام مقام قرينة إرادة تقوى الحكم، فينبغي أن يرجح جانبها. قوله: (والتعلق في إبطاله) وهو مبتدأ، وقوله: "ركيك" خبره، أي: التعلق في إبطال كون الضمير منصوبًا عائدًا إلى الناس بخط المصحف ركيك، والجملة عطف من حيث المعنى على جملة قوله: "لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد"، إلى آخره، عنى به قول الزجاج حيث قال: "الاختيار أن يكون ﴿هُم﴾ في موضع نصب، بمعنى: كالوا لهم، ولو كانت على معنى كالوا، ثم جاءت ﴿هُم﴾ تأكيدًا، لكان في المصحف الألف مُثبتة".
[ ١٦ / ٣٣٨ ]
فمن لم يثبتها قال: المعنى كافٍ في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمر وحمزة: أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا.
فإن قلت: هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل أَوْ (وَزَنُوهُمْ)؟
_________________
(١) قوله: (الضميرين للمطففين ويقفان عند الواوين وقيفة)، هذا يدل على أنهما جعلاهم في الموضعين مبتدأ، فالوجه أن يكون الخبر من أحدهما محذوفًا، أي: إذا كالوهم يُخسرون، وإذا وزنوهم يُخسرون. قال الزجاج: "منهم من يجعل ﴿هُم﴾ تأكيدًا لما في كالوا، فيجوز أن يقف على: كالوا"، وكذا في "الكواشي". وقال أبو البقاء: "إنه ضمير منفصل مؤكد لضمير الفاعل، فعلى هذا يُكتبان بالألف". قوله: (هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل: ﴿أَو وَّزَنُوهُمْ﴾؟)، أي: لِمَ لَمْ يوازن بين القرينتين؟ بأن يقال: إذا اكتالوا على الناس، أو اتزنوا عليهم يستوفون، لمكان قوله: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؟ أجاب: أنه أتى على ما كانوا عليه، وتُعُورف من أحوالهم؛ لأنهم كانوا لا يأخذون ما يُكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين. قال الزجاج: "المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك إذا اتزنوا استوفوا الوزن، ولم يذكر إذا اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع بما يُكال ويوزن". يريد أنه استغنى عن ذكر إحدى القرينتين بالأخرى بدلالة القرينة الآتية عليها. وقلت: الذين إذا اكتالوا إما أن يكون صفة مخصصة أو كاشفة أو جارية على الذم، فعلى الأول لا ينبغي ذكر الوزن؛ لأن سبب النزول - كما سبق - في قوم مخصوصين وفي فعل مخصوص وهو الكيل، وعلى الثاني: كلام الزجاج؛ لأن معنى التطفيف: البخس في الكيل
[ ١٦ / ٣٣٩ ]
قلت: كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة؛ لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعًا. (يُخْسِرُونَ) ينقصون. يقال: خسر الميزان وأخسره، (أَلا يَظُنُّ) إنكارٌ وتعجيبٌ عظيمٌ من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينًا (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) ومحاسبون على مقدار الذرّة والخردلة. وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيًا قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين: أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيلٍ ولا وزن. وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين،
_________________
(١) والوزن، فيدخل في هذا العام من نزلت فيهم الآية دخولًا أوليًا، وعلى الثالث: يكون ذكر الوزن لمزيد الذم، يعني: إذا اتفق أحيانًا لهم وزن بما هو قانون العدل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾، يُخسرون أيضًا. قوله: (ويُزَعزِعُون)، ويُروى: ويُدعدعون. الجوهري: "الدعدعة: تحريك المكيال ونحوه ليسعه الشيء، ودعدعت الشيء: ملأته". قوله: (وفي هذا الإنكار والتعجيب)، يعني: الهمزة الداخلة على النافية: للإنكار والتعجيب. قال أبو البقاء: ﴿أَلَا﴾ ليست للتنبيه؛ لأن ما بعد حرف التنبيه مثبت، وهاهنا نفي، فدل كلمة الظن على التجهيل، واسم الإشارة على التبعيد، ووصف القيامة بيوم عظيم، ثم إبداله بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على استعظام ما يستحقرونه وأن الحكمة اقتضت أن لا يهمل ذرة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (وَمَن يَعْمَلْ
[ ١٦ / ٣٤٠ ]
ووصفه ذاته برب العالمين: بيانٌ بليغٌ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذٍ وإعطاء، بل في كل قولٍ وعمل، وقيل: الظنّ بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر؛
_________________
(١) مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وفي تخصيص رب العالمين من بين سائر الصفات إشعار بالمالكية والتربية، فلا يمتنع عليه الظالم القوي، ولا يترك حق المظلوم الضعيف. وليس ذلك كله لأجل التطفيف من حيث هو التطفيف، بل من حيث إن الميزان قانون العدل والاستقامة، وهو الحكمة في الخلق والتكليف والحشر والنشر، ومن تطفف حاول إبطال حكمة الله في الدارين. قال الإمام: "اعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم، وبه قامت السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩]، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وعن بعضهم: الغرض من هذه التعظيمات كلها، تعظيم التطفيف من حيث إن الميزان قانون العدل، كما إذا قال الحالف: والله الطالب الغالب الحي القيوم الذي لا يَخفّى عليه شيء لا أفعل. هذا تعظيم للمقسم عليه لا تعظيم للمقسم به. قوله: (وقيل: الظن بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر)، من أن المراد الإنكار والتعجيب، وأن المعنى أنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينًا أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة، فإذا لا يدخل اليقين في المعنى. وعن بعضهم: أُلحق باخس حقوق الناس بالكفار بقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾، كقوله تعالى حكاية عن ظنهم: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، بل جعلهم أسوأ حالًا من الكفار؛ لأنه أثبت للكفار ظنًا ولم يثبت لهؤلاء. وفي اسم الإشارة إشارة إلى الشتيمة.
[ ١٦ / ٣٤١ ]
ونصب (يَوْمَ يَقُومُ) بـ (مبعوثون). وقرئ: بالجر بدلًا من (يَوْمٍ عَظِيمٍ). وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ). بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده.
[(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ) ٧ - ٩].
(كَلَّا) ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم. وكتاب الفجار: ما يكتب من أعمالهم.
فإن قلت: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجينًا بكتابٍ مرقوم؛ فكأنه قيل: إن كتابهم في كتابٍ مرقوم. فما معناه؟
قلت: (سِجِّينٍ) كتابٍ جامعٍ هو ديوان الشر،
_________________
(١) قوله: (﴿سِجِّينٍ﴾: كتاب جامع)، تلخيصه ما قال الإمام: "وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر، إما بأن يوضع كتاب الفُجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إليه في تفصيل أحوال الأشقياء، أو بأن ينقل ما في كتاب الفُجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين، قال القفال: "كتاب مرقوم": ليس غير السجين، والتقدير: كتاب الفجار لفي سجين، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم، وقد وصف كتاب الفُجار بوصفين، ويكون قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ اعتراضًا". وقال الإمام: "وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد من الكتاب الكتابة، والمعنى: أن كتابة الفجار، أي، كتابة أعمالهم في سجين، ثم وصف السجين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الفجار".
[ ١٦ / ٣٤٢ ]
دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو كتابٌ مرقومٌ مسطورٌ بين الكتابة، أو معلمٌ يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبتٌ في ذلك الديوان، وسمى سجينًا: فعيلًا من السجن، وهو الحبس والتضييق، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروحٌ.
_________________
(١) وروى صاحب "الكشف" عن أبي علي أنه قال في هاتين الآيتين: إن قوله: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾: خبر مبتدأ مُضمر، أي: وما أدراك ما سجين؟ كتاب، أي: هو كتاب، أي: موضع كتاب، وكذا "عِليون"، هو موضع كتاب، فحُذف المبتدأ والمضاف جميعًا، ولا بد منه؛ لأنه ثبت بالدليل أن "عِلّيين" مكان. روينا عن الترمذي وأبي داود، عن أبي سعيد الخُدري، أن رسول الله؟ قال: "إن أهل الدرجات العُلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الساطع من أُفق السماء، وإن أبا بكر وعُمر منهم وأنعما". وفي لفظ أبي داود: "إن الرجل من أهل عِليين ليشرف على أهل الجنة فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دُري". قال صاحب "الجامع": "أنعم فلان النظر في الأمر: إذا بالغ في تدبره والتفكر فيه وزاد فيه، وأحسن فلان إليّ وأنعم، أي: أفضل وزاد في الإحسان، أي: هما منهم وزادا في هذا الأمر وتناهيا فيه إلى غايته. والكوكب الدري هو الكبير المضيء، كأنه نُسب إلى الدّرِّ تشبيهًا". قوله: (أو لأنه مطروح)، وجه آخر في تعليل التسمية، يعني: سُمِّي كتاب الفُجار سجينًا تسمية للسبب باسم المسبب، أو تسمية للحال باسم المحل. روى الواحدي بإسناده، أن الفلق: جُب في جهنم مُغطى، وسجين: جُبٌّ في جهنم مفتوح.
[ ١٦ / ٣٤٣ ]
كما روي تحت الأرض السابعة في مكانٍ وحشٍ مظلم، وهو مسكن إبليس وذرّيته استهانة به وإذالة، وليشهده الشياطين المدحورون، كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون.
فإن قلت: فما "سجينٌ"، أصفةٌ هو أم اسم؟
قلت: بل هو اسم علمٍ منقولٍ من وصفٍ كحاتم. وهو منصرفٌ لأنه ليس فيه إلا سببٌ واحدٌ وهو التعريف.
[(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ١٠ - ١٧].
(الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ) مما وصف به للذم لا للبيان،
_________________
(١) قوله: (استهانة به وإذالة وليشهده الشياطين)، كلها مفعول له لقوله: مطروح، أتى باللام في الثالث، لأنه ليس فعلًا لفاعل الفعل المعلل. وقوله: "كما رُوي" معترض بين الظرف وعامله، وهو قوله: "تحت الأرض". والإذالة: الإهانة، وفي الحديث: نهى عن إذالة الخيل، وهي امتهانها بالعمل والحمل عليها. قوله: (المدحورون)، أي: المبعدون والمطرودون. الجوهري: "الدحور: الطرد والإبعاد". قوله: (﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ مما وصف به للذم لا للبيان)، يعني: ليس قوله: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ صفة كاشفة للمكذبين لكونهم معلومين، ولا هي فارقة، لأنه لم يُرد تمييزهم عن غيرهم. بل مرفوع أو منصوب على الذم. ويجوز أن يُبدل ليُناط به قوله: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾، أي: متجاوز عن النظر. قال في "التقليد": حين استقصر قدرة الله فأعلمه، فاستحال الإعادة. أثيم: مُنهمك في الشهوات الخادعة، بحيث أشغلتع عما وراءها وحملته على الارتكاب لما عداها. و﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: من فرط جهله وإعراضه عن الحق، فلا تنفعه شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل.
[ ١٦ / ٣٤٤ ]
كقولك: فعل ذلك فلانٌ الفاسقٌ الخبيث. (كَلَّا) ردعٌ للمعتدى الأثيم عن قوله: (رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ) ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها: وهو أن يصر على الكبائر ويسوّف التوبة حتى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه. وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب. يقال: ران عليه الذنب وغان عليه، رينًا وغينًا، والغين: الغيم، ويقال: ران فيه النوم رسخ فيه، ورانت به الخمر: ذهبت به. وقرئ: بإدغام اللام في الراء وبالإظهار، والإدغام أجود، وأميلت الألف وفخمت. (كَلَّا) ردعٌ عن الكسب الرائن على قلوبهم. وكونهم محجوبين عنه: تمثيلٌ للاستخفاف بهم وإهانتهم،
_________________
(١) قوله: (ردع للمعتدي الأثيم عن قوله)، أي: قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال الإمام: "ليس الأمر كما يقول من أن ذلك أساطير الأولين، بل أفعالهم الماضية صارت سببًا لحصول الدين في قلوبهم". قوله: (الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة أن رسول الله؟ قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا نزع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ ". قوله: (وقُرئ بإدغام اللام في الراء)، أبو بكر وحمزة والكسائي: ﴿بَلْ رَانَ﴾، بإمالة فتحة الراء، والباقون: بتفخيمها، وحفص: يسكت على اللام من ﴿بَلْ﴾. قال الزجاج: "والإدغام في الراء أجود، لقُرب مخرج اللام من الراء، ولغلبة الراء على اللام، وإظهار اللام جائز؛ لأن اللام من كلمة والراء من أُخرى". قوله: (وكونهم محجوبين عن ربهم: تمثيل للاستخفاف بهم)، أي: مُثلت حالهم في إهانتهم
[ ١٦ / ٣٤٥ ]
لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. قال:
إذا اعتروا باب ذي عبيةٍ رجبوا … والنّاس من بين مرجوبٍ ومحجوب
_________________
(١) عند الله وإنزال السُّخط عليهم بحال من يُحجب عن بعض السلاطين لذلك. "الانتصاف": "هي عند أهل السنة على حقيقتها، وهي من أدلة الرؤية. لما خص الله الكفار بالحجاب، دل على أنه مرفوع عن الأبرار، ولا معنى لرفع الحجاب إلا الإدراك، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ . وقلت - والعلم عند الله-: ويساعده النظم؛ لأن قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، مقابل لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، والسجين - كما فسره المصنف، وعليه أكثر المفسرين -: هو تحت الأرض السابعة، وهو مسكن إبليس وذريته، ولذلك قوبل بقوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فيكون قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ مقابلًا لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾. وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ مطلق، ليس فيه أنهم ينظرون إلى ماذا، فدل قوله: محجوبون عن ربهم، على أنهم غير محجوبين عنه. ويؤيده قوله ﷿: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾؛ لأن في معنى قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ لأنه في معنى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. وروى محيي السنة أنه سُئل مالك عن هذه الآية، قال: "لما حُجب أعداؤه فلم يروه تجلي لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: فيها دلالة على أن أولياء الله يرون الله، وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا". قوله: (إذا اعتروا باب ذي عُبية) البيت، ذي عُبِّيَّة، أي: ذي كبر ونحوه، فُعلية من
[ ١٦ / ٣٤٦ ]
عن ابن عباسٍ وقتادة وابن أبى مليكة: محجوبين عن رحمته، وعن ابن كيسان: عن كرامته.
[(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) ١٨ - ٢١].
(كَلَّا) ردعٌ عن التكذيب. وكتاب الأبرار: ما كتب من أعمالهم. وعليون: علمٌ لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقولٌ من جمع «علىّ» فعيلٌ من العلو، كسجين من السجن، سمى بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإمّا لأنه مرفوعٌ في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون، تكريمًا له وتعظيمًا. روى: «إن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وأنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين،
_________________
(١) العُباب، وهو الارتفاع، أي: ذي تكبر، من قوله: صلوات الله عليه، "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وتعاظمها". رواه الترمذي عن ابن عمر، يقال: فلان تعروه الأضياف وتعتريه، أي: تغشاه، ويقال: رجبته، بالكسر، أي: هبته وعظمته فهو مرجوب بالجيم، وبه سمِّي رجب؛ لأنهم كانوا يعظمونه. ومعنى قوله: "الناس من بين مرجوب ومحجوب"، أي: يُؤذن على الملوك الوجهاء المكرمون، ويُحجب عنهم الأدنياء المهانون. قوله: (وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة)، الراغب: "قيل: عِليون: اسم أشرف الجنان، كما أن سجين: اسم شر النيران. وقيل: بل ذلك في الحقيقة اسم سُكانها، وهذا أقرب في العربية إذ كان هذا الجمع يختص بالناطقين. قال: والواحد علي نحو بِطِّيخ، ومعناه: فإن الأبرار في جُملة هؤلاء، فيكون ذلك كقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] ".
[ ١٦ / ٣٤٧ ]
فقد غفرت له؛ وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين».
[(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) ٢٢ - ٢٨].
(الْأَرائِكِ) الأسرة في الحجال، (يَنْظُرُونَ) إلى ما شاءوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، (نَضْرَةَ النَّعِيمِ) بهجة التنعم وماءه ورونقه،
_________________
(١) قوله: (الأسرة في الحجال)، الجوهري: "الحجلة، بالتحريك: واحد حجال العروس، وهو بيت يُزين بالثياب والأسرة والستور". وعن بعضهم: لا يقال: أريكة إلا للسرير الذي يكون في الكِلَّة، أو شيء يكون في الكلة، والكلة: الستر الرقيق. قوله: (وما تحجب الحجال أبصارهم)، يُنظر إلى معنى ما سبق في من يضادهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾، فيقال: إذا لم يمنع الحجال أبصارهم عما يستبعد في المشاهد بل يستحيل، وهو أن ينظروا إلى جميع ما أولاهم الله من النعمة والكرامةة من مسافة في غاية البعد مع مانع الحجاب، وإلى أعدائهم يُعذبون في النار، فأي بُعد في أن ينظروا إلى ما هو المقصد الأسنى؟ روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله؟ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسُرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غُدوة وعَشية"، ثم قرأ؟: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
[ ١٦ / ٣٤٨ ]
كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه، وقرئ: (تعرف) على البناء للمفعول، (ونضرة النعيم) بالرفع. "الرحيق": الشراب الخالص الذي لا غش فيه "مَخْتُومٍ" تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسكٍ مكان الطينة. وقيل (خِتامُهُ مِسْكٌ) مقطعه رائحة مسكٍ إذا شرب. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم مزاجه بالمسك. وقرئ: (خاتمه)،
_________________
(١) وروى السلمي عن ابن عطاء: "على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف، وعلى أرائك القُربة ينظرون إلى الرءوف. وقال جعفر في قوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: تبقى لذة النظر تتلألأ مثل الشمس في وجوههم. وقال الجريري في ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾: يشربون صرفًا على بساط القرب في مجلس الأنس، وفي رياض القُدس، بكأس الرضا على مُشاهدة الحق". قوله: (وقُرئ: "خاتمه")، الكسائي، والباقون: ﴿خِتَامُهُ﴾، وقراءة الكسائي تؤيد تفسير القفال على ما رواه الإمام عنه، أنه قال: "يحتملأن هؤلاء يُسقون من شراب مختوم، قد خُتم عليه تكريمًا له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يُكرم ويُصان. ويُفهم منه أن هناك خمرًا تجري منها أنها كما قال: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، إلا أن هذا المختوم أشرف من الجاري". وقلت: ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وأن الساقي إذا كان ملكًا كان الشراب مصونًا مختومًا، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾، عطف على قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. والتسنيم هم المعني بالشراب الذي هو أرفع شراب في الجنة. وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ في حكم المتأخر، قدم لمكان العناية بشأنه. قال في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩]: مستثنى من قوله: ﴿فَمَن شَرِبَ
[ ١٦ / ٣٤٩ ]
بفتح التاء وكسرها، أي: ما يختم به ويقطع (فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) فليرتغب المرتغبون. (تَسْنِيمٍ) علم لعينٍ بعينها: سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه: إمّا لأنها أرفع شرابٍ في الجنة وإمّا لأنها تأتيهم من فوق، على ما روى أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم. و(عَيْنًا) نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال، وقيل: هي للمقربين، يشربونها صرفا. وتمزج لسائر أهل الجنة.
_________________
(١) مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قُدمت للعناية، كما قُدم ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، وإنما قلنا: إنه في حكم المتأخر؛ لأن المشار إليه بذلك جميع ما سبق من قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ إلى آخره. وفائدة التقديم: الترغيب والحث على التحري والاجتهاد وإيثار ذلك على طلب العاجلة والمسابقة فيه، ولذلك قدم الظرف، أي: وفي ذلك وخص التنافس مع بناء التفاعل. النهاية: "التنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نفسه، ونافست في الشيء منافسة ونفاسًا: إذا رغبت فيه". وقال بعضهم: ارتغب وتراغب بمعنى إلا أن ارتغب أكثر. وقلت: الفاء في ﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾ جواب شرط محذوف، أي: وما كان فليتنافس المتنافسون في ذلك، فقدم الظرف للاهتمام، ويجوز أن يقدر: وفي ذلك: ليتنافس المتنافسون، وعلى الأول ورد قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ١ - ٣]، وعلى الثاني قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. قوله: (نصب على الحال)، أي: جاريًا، وذو الحال: تسنيم، وهو علم للماء. وقيل: يشرب بها، الباء: زائدة، وقيل: ظرف، وقيل: بمعنى "من".
[ ١٦ / ٣٥٠ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) ٢٩ - ٣٣]
هم مشركو مكة: أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم: كانوا يضحكون
من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم. وقيل: جاء على ابن أبى طالب ﵁ في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل علىّ إلى رسول الله ﷺ. (يَتَغامَزُونَ) يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. (فَكِهِينَ) ملتذين بذكرهم والسخرية منهم، أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال. (وَما أُرْسِلُوا) على المسلمين،
_________________
(١) قوله: (رأينا اليوم الأصلع)، وفي النسخ المتعددة: ربنا اليوم، أي: رأسُنا اليوم الأصلع، مرفوعًا. قوله: (﴿فَكِهِينَ﴾) قراءة حفص، والباقون: فاكهين. قوله: (أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال)، قال الإمام: "أي: هم على ضلال في ترك التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يُدرى هل له وجود أم لا. ومعنى ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: أن الله لم يبعث الكفار رُقباء على المؤمنين يحفظون عملهم عليهم، ويتفقدون ما يصنعونه فيعيبون عليهم ما يعتقدونه ويُسمونهم. ضُلالًا. ويعضده قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾، أي: ينظرون إلى جميع ما أولاهم الله من
[ ١٦ / ٣٥١ ]
(حَافِظِينَ) موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم؛ وهذا تهكم بهم. أو هو من جملة قول الكفار، وإنهم إذا رأوا المسلمين قالوا: إن هؤلاء لضالون؛ وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكارًا لصدّهم إياهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام وجدهم في ذلك.
[(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ • عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ • هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ٣٤ - ٣٦]
(عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) حال من (يَضْحَكُونَ) أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه وهم على الأرائك آمنون. وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها؛ فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك المؤمنون منهم. (ثوبه) و(أثابه) بمعنى،
_________________
(١) النعمة والكرامة الأبدية، وينظرون إلى أعدائهم يُعذبون في النار، وإلى ما أورثهم الله التُّرفة والتنعم بتلك النعم من العقاب السرمدية، ويقال للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار على عملهم، لا سيما على ما كانوا يضحكون منكم ويستهزئون بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة مزيدًا لسرورهم وتبجحهم، وتشويرًا لأعدائهم وتشميتًا بهم؟ قوله: ("ثوبه" و"أثابه" بمعنى)، عن المبرد: ثوب: فعل، من الثواب، أي: رجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو شر. والثواب قد يستعمل في المكافأة مطلقًا. قال الإمام: والأولى أن يُحمل على التهكم.
[ ١٦ / ٣٥٢ ]
إذا جازاه قال أوس:
سأجزيك أو يجزيك عنى مثوب … وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقرئ بإدغام اللام في التاء.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «المطففين» سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة».
_________________
(١) قوله: (سأجزيك) البيت، يُخاطب الشاعر محبوبته، وهي سليمة بنت فضالة. قوله: (بإدغام اللام في الثاء)، حمزة والكسائي وهشام. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٣٥٣ ]