مكية، وهي أربع وأربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ واقِعٍ • لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ • مِنَ الله ذِي المَعَارِجِ • تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ • فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا • إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا • ونَرَاهُ قَرِيبًا • يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ • وتَكُونُ الجِبَالُ كَالْعِهْنِ • ولا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا • يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ • وصَاحِبَتِهِ وأَخِيهِ • وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ • ومَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ • كَلاَّ إنَّهَا لَظَى • نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى • تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وتَوَلَّى • وجَمَعَ فَأَوْعَى) ١ - ١٨]
ضمن (سَأَلَ) معنى دعا، فعدى تعديته، كأنه قيل: دعا داع (بِعَذَابٍ واقِعٍ)
_________________
(١) سورة المعارج أربعٌ وأربعون آية، مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي قوله: (ضمن ﴿سَأَلَ﴾ معنى: "دعا"). قال الواحديّ: "الباء في ﴿بِعَذَابٍ﴾ زيادة للتوكيد، كقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، والمعنى: سأل سائل عذابًا واقعًا".
[ ١٦ / ٥ ]
من قولك: دعا بكذا. إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ) [الدخان: ٥٥]. وعن ابن عباس ﵄: هو النضر بن الحارث، قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وقيل: هو رسول الله ﷺ، استعجل بعذاب للكافرين. وقرئ. «سال سائل» وهو على وجهين: أن يكون من السؤال وهي لغة قريش، يقولون: سلت تسال، وهما يتسايلان؛ وأن يكون من السيلان،
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: "سال سائل"). نافع وابن عامر: "سال"، بألف ساكنة بدلًا من الهمزة، وهو مسموع من العرب، والباقون: بهمزة، وحمزة يجعلها في الوقف بين بين. وقيل: سال سائل بالألف، أجوف يائي، بدليل: يتسايلان؛ فقوله: "من السؤال" يعني أنه بمعناه، وإلا فذاك مهموز وهذا أجوف. وبعضهم يقول: ألف "سال" منقلبة عن الهمزة، نحو: "مِنساة" في "مِنسأة"، ولم يذكر المصنف هذا القول هاهنا، وقد ذكره في "المفصل"، لأن هذا الإبدال راجع إلى السماع المحض، فيتبع تجويزه فيما سمع، قال سيبويه: "ليس ذا بقياس مُتْلَئِبٍّ، وإنما يحفظ عن العرب". ولما أمكن حمل "سال" على وجه قياسي، كما نقله من لغة قريش، لم يحمله على ما يكون سماعيًا.
[ ١٦ / ٦ ]
_________________
(١) وقال أبو علي في "الحُجَّة": "من قرأ "سال" غير مهموز، جعل الألف منقلبة من الواو، التي هي عين مثل: قال وخاف. وحكي أبو عثمان عن أبي زيد، أنه سمع من يقول: هما يتساولان". وقال ابن مالك: "ليس "سال" في القِراءات مُخففًا من "سأل"، إنما هو مثل "هاب""، وقول المصنف: "هما يتسايلان" موافق لهذا القول. وقول سيبويه: "جاء في بعض المواضع جواز جعلها بين بين، قبلها حرف حركة ما قبلها، وليس ذا بقياس مُتْلَئِبٍّ. ومن جملة ذلك قولهم: منساة بالألف، وكان منسأة بالهمزة". ومنها قولهم: "سال" في "سأل"، قُرئ قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ بالألف المحضة. ومن أبيات الكتاب، قول حسان ﵀: سالَتْ هُذيلٌ رسول الله فاحشة ضَلَّتْ هُذيلٌ بما جاءت ولم تُصِبِ التمس هذيل النبي؟، أن يُبيح لهم الزنا، فقال حسان ذلك. وقول آخر: سالتان الطَّلاق أن رأتاني قل مالي، قد جئتُماني بنُكْرِ وقال سيبويه بعد الإنشاد: "فهؤلاء ليس من لغتهم: سلت تسال". وقد مر أنه لغة في سالت، معتل العين كهبت تهاب.
[ ١٦ / ٧ ]
ويؤيده قراءة ابن عباس «سالَ سَيْلٌ»، والسيل: مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر، والمعنى: اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم وأهلكهم. وعن قتادة: سأل سائل عن عذاب الله على من ينزل وبمن يقع؟ فنزلت، و«سَأَلَ» على هذا الوجه مضمن معن-ى: عن-ي واهتم.
فإن قلت: بم يتصل (لِلْكَافِرِينَ)؟
قلت: هو على القول الأول متصل بعذاب صفة له، أي: بعذاب واقع كائن
للكافرين، أو بالفعل، أي: دعا للكافرين بعذاب واقع، أو بواقع؛ أي: بعذاب نازل لأجلهم، وعلى الثاني: هو كلام، مبتدأ، جواب للسائل، أي: هو للكافرين
_________________
(١) قوله: (قراءة ابن عباس: "سال سيل")، على وجه قياسي كما نقله من لغة قريش. قال ابن جني: "السَّيْلُ هاهنا: الماء السائل، وأصله المصدر من قولك: سال الماء سيلًا، إلا أنه أوقع على الفاعل كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]، أي: غائرًا". قوله: (انْدَفَعَ عليهم)، الجوهري: "انْدَفَعَ الفَرَسُ، أي: أَسْرَعَ في سيره، واندفعوا في الحديث". قوله: (هُو على القول الأول). أي: على أن يكون ﴿سَأَلَ﴾ مُضمنًا معنى "دعا". قوله: (وعلى الثاني). أي قول قتادة، ﴿سَأَلَ﴾ مُضمَّن معنى: عُني واهتم، أي: اهتم وعني بعذاب سائلًا عنه، كأنه قيل: لما سأل سائل بعذاب، أي: اهتم سائل بعذاب واقع، اتجه لسائل أن يقول: لمن سأل بالعذاب واهتمَّ به؟ فقيل: هو للكافرين.
[ ١٦ / ٨ ]
فإن قلت: فقوله (مِّنَ الله) بم يتصل؟
قلت: يتصل بواقع، أي: واقع من عنده، أو بدافع؛ بمعنى: ليس له دافع من جهته إذا جاء وقته وأوجبت الحكمة وقوعه. (ذِي المَعَارِجِ) ذي المصاعد، جمع مَعرج، ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال: (تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ) إلى عرشه وحيث تهبط منه أوامره (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ) كمقدار مدة (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) مما يعد الناس. والروح: جبريل ﵇، أفرده لتميزه بفضله، وقيل: الروح خلق هم حفظة على الملائكة، كما أن الملائكة حفظة على الناس.
فإن قلت: بم يتعلق قوله (فَاصْبِرْ)؟
_________________
(١) قوله: (﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ": ذي المصاعد، جمع مَعْرَج)، روى مُحيي السُّنة عن سعيد بن جُبير: ذي الدرجات. وعن قتادة: ذي الفواضل والنعم، أو معارج الملائكة، وعن ابن عباس: هي السموات لأنها معارج الملائكة. وقال القاضي: "هي الدرجات التي يصعد فيها الكَلِم الطَّيّب والعمل الصالح، أو يرقى فيها المؤمنون في سلوكهم، أو في دار ثوابهم". قوله: (ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو)، لم يرد بالوصف المتعارف، قال القاضي: "هو استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج، وبعد مداها على التمثيل، أي: أنها بحيث لو قدر قطعها في زمان، لكان في زمان يقدر خمسين ألف سنة من سني الدنيا". وروى مُحيي السُّنة عن عكرمة وقتادة: "هو يوم القيامة، وأراد أن موقفهم للحساب، حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا".
[ ١٦ / ٩ ]
قلت: بـ (سَأَلَ سَائِلٌ)؛ لأن استعجال النضر بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله ﷺ والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله ﷺ فأمر بالصبر عليه، وكذلك من سأل عن العذاب لمن هو، فإنما سأل على طريق التعنت، وكان من كفار مكة. ومن قرأ: «سال سائل» أو «سيل»، فمعناه: جاء العذاب لقرب وقوعه، فاصبر فقد شارفت الانتقام، وقد جعل (فِي يَوْمٍ) من صلة (واقِعٌ) أي: يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم، وهو يوم القيامة: إما أن يكون استطالة له لشدته على الكفار، وإما لأنه على الحقيقة كذلك. قيل: فيه خمسون موطنا كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر …
_________________
(١) قوله: (وكذلك من سأل)، عطف على قوله: "لأن استعجال النصر بالعذاب"، يعني: ﴿فَاصْبِرْ﴾ مُتعلق بـ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، لأن ﴿سَأَلَ﴾: إما مُضمن معنى "دعا" والداعي هو النضر، وهو غنما دعا على نفسه استهزاءً بمحمد، صلوات الله عليه، فاقتضى ذلك تسليته صلوات الله عليه، وأن ينصره على أعدائه،، وأن يَتَصبَّر على أذاه. وإما مُضمن معنى "اهتم" و"عُنى" بالسؤال؛ فالسائل لما سمع معنى قوله: اهتم سائل بعذاب واقع، قال مُستهزئًا: لمن هو؟ قوله: (وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر)، روينا في "المُعْتمد" عن محيي السنة في "شرح السُّنة"، عن أبي سعيد: قيل لرسول الله؟: يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله؟: "والذي نفسي بيده، إنه لَيُخَفَّفُ على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة، يصليها في الدنيا".
[ ١٦ / ١٠ ]
الضمير في (فِي يَوْمٍ) للعذاب الواقع، أو ليوم القيامة فيمن علق (فِي يَوْمٍ) بواقع؛ أي: يستبعدونه على جهة الإحالة، (و) نحن (نَرَاهُ قَرِيبًا) هينا في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر، فالمراد بالبعيد: البعيد من الإمكان، وبالقريب: القريب منه. نصب (يَوْمَ تَكُونُ) بقريبا، أي: يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم، أو بإضمار يقع، لدلالة (واقِعٌ) عليه. أو يوم تكون السماء كالمهل. كان كَيت وكيت. أو هو بدل عن (فِي يَوْمٍ) فيمن علقه بواقع. (كَالْمُهْلِ) كدردي الزيت، وعن ابن مسعود: كالفضة المذابة في تلوّنها.
_________________
(١) قوله: (فيمن عَلق)، أي: في قول من علق ﴿فِي يَوْمٍ﴾ بـ ﴿وَاقِعٍ﴾. ويُفهم منه أنَّ الضمير إذا كان للعذاب لم يُعلق به. اعلم أنه ذكر في قوله ﴿فِي يَوْمٍ﴾ وجهين: أحدهما: ما يدل على أنه متعلق بـ ﴿تَعْرُجُ﴾، حيث قال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، أي: إلى عرشه إلى آخره. وثانيهما: تصريحه بقوله: "وقد جُعل ﴿فِي يَوْمٍ﴾ من صلة ﴿وَاقِعٍ﴾ "؛ فإذا علق بـ ﴿تَعْرُجُ﴾، فالمراد من اليوم يوم من أيام الدنيا على تقديره بالمدة، كما قال: في يوم كان مقداره مدة خمسين ألف سنة مما يعد الناس. والقريب والبعيد على حقيقتهما، لأن المراد من العذاب، ما نزل بقريش يوم بدر، يدل عليه قول ابن عباس ﵄: السائل نضر بن الحارث، قال: "إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء". وقوله: "وقيل: هو رسول الله؟، استعجل بعذاب للكافرين"؛ فيكون قوله: ﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾، إلى قوله: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ استطرادًا، تعظيمًا لما استهزؤوا به، أي: يستهزئون عذاب من هذا شأنه وعظمته. وإذا عُلق بـ ﴿وَاقِعٍ﴾، فالمراد من اليوم يوم القيامة، والمدة على حقيقتها، والقرب والبعد على المجاز، لقوله: "البعيد من الإمكان والقريب منه". وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾
[ ١٦ / ١١ ]
(كَالْعِهْنِ) كالصوف المصبوغ ألوانا، لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو: أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. (ولا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) أي: لا يسأله ب-: «كيف حالك» ولا يكلمه، لأن بكل أحد ما يشغله عن المساءلة
_________________
(١) استئناف، فإنه لما قيل: سال سائل بعذاب واقع، وكيت وكيت، أنكره الكافر، قيل: لماذا أنكره الكفار؟ قيل: لأنهم يعتقدون خُلْفَ وعد الله، أو أن لا حَشر ولا نَشر، ويستبعدون إمكانه، فعلى الأول: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ﴾ منصوب "كان كيت وكيت"، فيحصل لهم عذاب الدارين. وعلى الثاني: منصوب بـ ﴿قَرِيبًا﴾، أو بإضمار "يقع"، أو هو بدل عن ﴿فِي يَوْمٍ﴾. قوله: (بُسَّتْ): فُتِّتَتْ، أو سِيقت. قوله: (أي: لا يسأله بكيف حالك؟)، روي عن المصنف أنه قال: قولي: بكيف حالك، عثرت على مثله في شعر العرب، قال يحيى بن نوفل الحميري: ولقد أتيت قُبورَهم كيما تُخبرني المقابر فهتفت عند قُبورِهم يا با سعيد ويا مهاجر وقال أبو الشعر الضبي: فسائل بنا إن كنت تجهل أمرنا غداتئذ والعلم يجلو لك الجهلا
[ ١٦ / ١٢ ]
(يُبَصَّرُونَهُمْ) أي: يبصر الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم، فما يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا، وإنما يمنعهم التشاغل. وقرئ: «يُبْصِرونهم»، وقرئ: «ولا يُسأُل»، على البناء للمفعول، أي: لا يقال لحميم: أين حميمك؟ ولا يطلب منه؛ لأنهم يبصرونهم فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب.
فإن قلت: ما موقع يبصرونهم؟
قلت: هو كلام مستأنف، كأنه لما قال (ولا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)، قيل: لعله لا يبصره، فقيل: يبصرونهم، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم.
فإن قلت: لم جمع الضميران في (يُبَصَّرُونَهُمْ) وهما للحميمين؟
_________________
(١) تُنبَّا بكم قد أيمو من نسائكم وكم قد أذاقوا من عجائزك الثكلا قوله: (الأحماء): جمع: حميم، كأشداء جمع شديد. قوله: ("ولا يُسأل" على البناء للمفعول)، قال القاضي: "قَرَأها ابن كثير". قوله: (لأنَّهم يُبصَّرونهم)، التبصير: التعريف والإيضاح. قوله: (وهما للحَميمين)، قيل: كان القياس: يبصره، ليكون الضمير المستتر عائدًا إلى أحد الحميمين، والبارز إلى الحميم الآخر. وقلت: هو من قول الواحدي: معنى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾: يُعرفونهم، أي: يُعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، ومع ذلك لا يسأل عن شأنه لشغله بنفسه. والآية على حذف الجار، يقال: بَصَّرت زيدًا بكذا إذا عرفته إياه، ثم يُحذف الجار فيقال: بصَّرته إياه".
[ ١٦ / ١٣ ]
قلت: المعنى على العموم لكل حميمين لا لحميمين اثنين. ويجوز أن يكون (يُبَصَّرُونَهُمْ) صفة، أي: حميما مبصرين معرفين إياهم. قرئ: (يَوْمِئِذٍ)، بالجر والفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن، و«من عذاب يومئذ»، بتنوين «عذاب» ونصب «يومئذ» وانتصابه ب-- «عذاب»، لأنه في معنى: تعذيب. و«فصيلته» عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم «تؤويه» تضمه انتماء إليها، أو لياذا بها في النوائب. (يُنجِيهِ) عطف على (يَفْتَدِي)، أي: يود لو يفتدي، ثم لو ينجيه الافتداء، أو من في الأرض. وثم: لاستبعاد الإنجاء، يعني: يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك وهيهات أن ينجيه. (كَلاَّ) ردع للمجرم عن الودادة، وتنبيه على أنه لا ينفعه الافتداء ولا ينجيه من العذاب،
_________________
(١) قوله: (المعنى على العموم)، الانتصاف: "فيه دليل على أن الفاعل والمفعول الواقعين في سياق النفي يعم، كما التزم في قوله: والله لا أشرب ماء من إداوة، أنه يعم في المياه والأدوات، خلافًا لبعضهم في الإداوة". قوله: (ويجوز أن يكون ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ صفة)، عطف على قوله: "كلامٌ مُسْتأنَف". روى محيي السنة عن السدي: "يعرفونهم: أما المؤمن فبياض وجهه، وأما الكافر فبسواد وجهه". قوله: (﴿كَلَّا﴾: ردع للمجرم عن الودادة وتنبيه÷، قال الكواشي: ﴿كَلَّا﴾: وقف تام، إن جعلتها ردعًا عن الودادة، وإن جعلتها بمعنى "ألا": استفتاحًا، وقفت قبلها. فإن قلت: فكيف جمع المصنف المعنيين معًا؟ قلت: التنبيه لازم ذلك الردع.
[ ١٦ / ١٤ ]
ثم قال: (إنَّهَا) والضمير للنار، ولم يجر لها ذكر؛ لأن ذكر العذاب دل عليها. ويجوز أن يكون ضميرا مبهما ترجم عنه الخبر، أو ضمير القصة. و(لَظَى) علم للنار، منقول من اللظى، بمعنى اللهب، ويجوز أن يراد اللهب. و(نزاعة): خبر بعد خبر ل- «إن»؛ أو خبر ل- (لَظَى) إن كانت الهاء ضمير القصة، أو صفة له إن أردت اللهب، والتأنيث لأنه في معنى النار، أو رفع على التهويل، أي: هي نزاعة. وقرئ: نزاعة، بالنصب على الحال المؤكدة، أو على أنها متلظية نزاعة؛ أو على الاختصاص للتهويل. والشوى: الأطراف أو جمع شواة، وهي جلدة الرأس تنزعها
_________________
(١) قوله: (و﴿لَظَى﴾ علم للنار)، قيل: إنه منقول من اسم الجنس، وهو غير منصرف. قوله: (أو خبر لـ ﴿لَظَى﴾ إن كانت الهاء ضمير القصة)، لأن ضمير القصة والشأن، يستدعي جملة مفسرة. قوله: (أو رفع على التهويل)، أي: رفع على الاختصاص المفيد للتهويل. قوله: (أو على أنها مُتَلظِّية نزاعة)، فيكون حالًا منتقلة، قال أبو البقاء: "قيل: هو حال من الضمير في ﴿تَدْعُوا﴾ مقدمة، وقيل: حال بما دلت عليه ﴿لَظَى﴾؛ أي: تتلظى نزاعة. وقيل: هو حال من الضمير في ﴿لَظَى﴾، على أن تجعلها صفة غالبة، مثل الحارث والعباس. وقيل: التقدير: أعني". قوله: (والشوى: الأطراف)، الراغب: "الشوى: الأطراف، كاليد والرِّجل، يقال: رماه فأشواه: أصاب شواه، قال تعالى: ﴿نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى﴾. ومنه قيل للأمر الهيِّن: شوى، من حيث إن الشَّوى ليس بِمَقتل".
[ ١٦ / ١٥ ]
نزعا فتبتكها ثم تعاد، و(تَدْعُوا) مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم، ونحوه قول ذي الرمة:
تدعو أنفه الربب
وقوله:
ليالي اللهو يطبيني فأتبعه
_________________
(١) قوله: (فَتَبتكها)، أي: تَقطعُها. قوله: (تدعو أنفه الريب)، يصف الثور الوحشى، أوله: أمسى بوهبين مجتازًا لمرتعه من ذي الفوارس تدعو أنفه الريب الوَهبين: اسم موضع، مجتازًا لمرتعه: طالبًا لها الريب، جمع ربَّة، وهي أول ما ينبت من الأرض. وذو الفوارس: اسم موضع فيه رمل. تدعو أنفه: تجره ليأكل. وفي "المجمل" "الرِّبَّة: نبات يبقى في آخر الصيف". قوله: (ليالي اللهو يطبيني فأتبعه)، تمامه: كأنني ضارب في غَمْرة لَعِب يَطْبيني: دعاني، طباه يطبوه: دعاه. الضارب: السابح، وأصل الضَّرب الإسراع في الأرض، يقول: يدعوني ليالي اللهو فأتبعه، كأنني سابح في غمرة من الماء لعب فيه.
[ ١٦ / ١٦ ]
وقول أبى النجم:
تقول للرائد أعشبت انزل
وقيل: تقول لهم: إليّ إليّ يا كافر يا منافق، وقيل: تدعو المنافقين والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب، فيجوز أن يخلق الله فيها كلاما كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وكما خلقه في الشجرة، ويجوز أن يكون دعاء الزبانية. وقيل: تدعو: تهلك؛ من قول العرب: دعاك الله، أي: أهلكك، قال:
دعاك الله من رجل بأفعى
_________________
(١) قوله: (تقول للرائد: أَعْشَبْتَ انْزِلِ)، قبله: مُستأسِد ذِبانه في غَيطَل المستأسد: النبات الطويل الغليظ، يقال: استأسد الزرع إذا قوى، ويقال للأصوات المحتلطة: غيطلة. والذِّبان: جمع ذباب، والرائد: الذي يطلب الماء والكلأ، أعشبت: أي وجدت العُشب، والغبطلة: الجلبة، أي: صياح القوم، يقال للأصوات المختلطة: غيطلة، والكلأ إذا التف وكبر وأزهر كثر ذبابه، وصوتن: أي يقول: الذبان: أصبت حاجتك فاقنع ولا تتجاوز، وقيل: يقول: الأرض المنتجع، وقعت في عشب، انزل. مستأسد: خبر مبتدأ محذوف، أي: نباته مستأسد. قوله: (دعاك اللع من رجل بأفعى)، تمامه في "الأساس": إذا نام العيون سَرَت عليكا
[ ١٦ / ١٧ ]
(مَنْ أَدْبَرَ) عن الحق (وتَوَلَّى) عنه (وجَمَعَ) المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن الدين؛ وزهي باقتنائه وتكبر.
[(إنَّ الإنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا • إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا • وإذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا • إلاَّ المُصَلِّينَ • الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ • والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ • لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ • والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ • والَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ • إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَامُونٍ • والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ • إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ • فَمَنِ ابْتَغَى ورَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ • والَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ • والَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ • والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ • أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ) ١٩ - ٣٥]
أريد بالإنسان الناس؛ فلذلك استثنى منه: (إلاَّ المُصَلِّينَ). والهلع: سرعة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير؛ من قولهم: ناقة هلواع سريعة السير. وعن أحمد بن يحيى، قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدّة الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس. والخير: المال والغنى، والشر: الفقر، أو الصحة والمرض؛ إذا صح الغني منع المعروف وشح بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي
_________________
(١) "مِن رَجُل": من: تجريدية. وفي "الأساس": "دعاه الله بما يكره: أنزله به. وأصابتهم دواعي الدَّهر: صروفه". قوله: (وعن أحمد بن يحيى)، هو أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني المعروف بـ "ثعلب"، إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه.
[ ١٦ / ١٨ ]
والمعنى: أن الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه، كأنه مجبول عليهما مطبوع، وكأنه أمر خلقي وضروري غير اختياري، كقوله تعالى: (خُلِقَ الإنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧]، والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ولأنه ذم والله لا يذم فعله، والدليل عليه: استثناء المؤمنين
_________________
(١) قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن المعنى: أنه لإيثاره ذلك، جعل كأنه مجبول عليه، وليس المراد أنه مخلوق كذلك، وإلا فكان لازمًا له غير مُنفك عنه كما ذكر. وأيضًا، لو كان فعل الله، لوجب أن لا يُذم عليه. أما قوله: (والدليل عليه: استثناء المؤمنين)، فهو حجة أخرى من حيث النقل والنص بعد دليل العقل. الانتصاف: "يُنزه ظاهرًا، ويشرك باطنًا؛ ينزه الله تعالى عن خلق الهلع، ويُشرك معه في استبداد الخلق. وأنت إذا قلت: بريت القلم رقيقًا، فقد نسبت إليك البري والرقة معًا. وقوله: "الله لا يُذَم فعله:، المذموم: العبد بحُجَّة الله، أنه جعل فيه الاختيار، ولله الحجَّة البالغة". وقلت: أما الجواب عن قوله: "إنه كان في البطن والمهد لم يكن به هلع"، فما ذكره الراغب في "غُرة التنزيل": "فإن قيل: كيف يصح أن يقال: خُلق الإنسان هلوعًا جزوعًا منوعًا؟ هذا يوجب أن يكون الهَلَع والجَزَع والمنع، موجودة حال خَلْقِ الله له وليس كذلك، لأنه لا يشعر بذلك في حال الطفولية؟ وأجيب: بأن معناه: خُلِقَ حيوانًا ضعيفًا لا يصبر على الشدائد إذا دامت عليه، وإجراؤه عليه في حال الخَلق توسع ومجاز.
[ ١٦ / ١٩ ]
_________________
(١) وقال: الذي أذهب إليه، أن الهلع أصله التسرع والقلق نحو الشيء، والحريص يهلع، والجزوع يقلق، والحريص يتسرع إلى مُشتهاه اتباعًا لهواه وإن كان فيه رداه. والإنسان في حال صغره مطبوع على هذه الخلال، لأنه يتسرع إلى الثدي، ويحرص على الرضاع، وإن مسه ألم جزع وبكى، وإن تمسك بثدي فزوحم فيه، منع بما في قدرته من اضطراب وبكاء، فلا يزال يفعل ذلك إلى آخر عمره". وروى الإمام عن القاضي عبد الجبار، أنه في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾: "نظير قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وليس المراد أنه مَخلوق على هذا الوصف. والدليل عليه أنه تعالى ذّمَّه عليه، والله تعالى لا يّذُم فِعله، ولأنه تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك هذه الخَصْلة المذمومة، ولو كانت هذه الخصلة حاصلة بِخَلق الله تعالى، لما قدروا على تركها". ثم قال الإمام: "اعلم أن الهلع لفظ واقع على أمرين: أحدهما: الحالة النَّفسانية التي لأجلها يُقْدِم الإنسان على إظهار الجزع والتضرع. والثاني: تلك الأفعال الظاهرة من القول والفعل، الدالة على تلك الحالة النفسانية، فلا شك أنها تحدث بِخَلق الله تعالى، لأنَّ من خُلِقَت نفسه على تلك الحالة، لا يُمكنه إزالتها عن نفسه، لأنها حالة نفسانية مخلوقة فيها على سبيل الاضطرار، بخلاف الأفعال الظاهرة من القول والفعل، فإنها يَسْهل تَرْكُها
[ ١٦ / ٢٠ ]
_________________
(١) والإقدام عليها، لأنها أمور إختيارية". أراد الإمام أن كَون الإنسان مجبولًا على شيء، ليس إليه التَّخلص منه، لكن لا يمنع من إبدال الله إياه بما يُخالفه. وقال الراغب: "فإن قيل: ما الحكمة في خلق الإنسان على مساوئ الأخلاق؟ قلنا: الحِكمة في خَلق الشَّهوة، أن يمانع نفسه إذا نازعته نحوها، ويُحارب شيطانه عند تزيينه المعصية، فيستحق من الله مثوبة وجنة". وقال القاضي: "هلوعًا وجزوعًا ومنوعًا، أحوال مُقدَّرة أو محققة، لأنها طبائع جُبِل الإنسان عليها. و﴿إذَا﴾ الأولى ظرف لـ ﴿جَزُوعًا﴾، والأُخرى لـ ﴿مَنُوعًا﴾، و﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة، بعد ذكر المطبوعين على الأحوال المذكورة، قيل: بنُضادة تلك الصفات لهم". وقلت: ويمكن أن يجعل الاستثناء منقطعًا، وتكون الآيات المذكورة فيها أوصاف المؤمنين المرتب عليها الثواب، مقابلة لما ذُكر من أوصاف الكافرين المستحق بها العقاب، وهو قوله: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، بدليل خَتم الآيات بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾، ويكون قوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ إلى آخره، تعليلًا لقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾.
[ ١٦ / ٢١ ]
الذين جاهدوا أنفسهم وحملوها على المكاره وظلّفوها عن الشهوات، حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين. وعن النبي ﷺ «شرّ ما أعطي ابن آدم شحّ هالع وجبن خالع».
_________________
(١) وتحريره أنه تعالى لما وصف النار بما وصف، ثم أخبر أنها ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، وهي أم الرّذائل، وشر خصال وعلل الأخيرين بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ﴾ إلى آخره، بمعنى: أن قلة الصبر، وشدة الحرص من جبلة الإنسان، وهما اللذان حملاه على جمع المال، والمنع من الإنفاق في سبيل الله، كما قال ابن عباس: "إذا أصابه الفقر لم يَصبر، وإذا أصاب المال لم يُنفق" - استطرد ذكر الذين خصصهم بالفضائل، واستخلص قلوبهم من تلك الرذائل، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]، فوصفهم بخصال ثمان مُضادة لتلك الخصال الأربع، لأنها دالة على الاستغراق في طاعة الله، والشفقة على خلق الله، وعلى الإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة، وكَسرِ الشّهوات، وإيثار الآجل على العاجل، ثم حكم لهم أنهم في جنات مُكرمون. ثم فرع عليه بالفاء قوله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾، تخصيصًا بعد تعميم، ورجعًا إلى بدء، لأنهم من المستهزئين الذين افْتُتِحت السورة بسؤالهم. والله أعلم. قوله: (وظَلَّفوها)، الجوهري: "ظَلَفَ نفسه عن الشيء يَظلفها ظلفًا، أي: مَنَعها من أن تَفعله أو تأتيه". وعن بعضهم: يقال: أرض ظلفة، أي: خشنة تمنع عن الشيء. قوله: (شر ما أُعطي ابن آدم)، الحديث من رواية أبي داود، عن أبي هريرة: "شَرّ ما في الرَّجل شُحٌّ هالع وجُبن خالع". قال صاحب "الجامع": الشُّحّ: أشدُّ البُخل، والهلع: أشد الجزع، والمراد أن الشحيح يجزع جزعًا شديدًا، ويحزن على دِرهم يفوته ويخرج عن
[ ١٦ / ٢٢ ]
فإن قلت: كيف قال: (عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) ثم على صلاتهم يحافظون؟
قلت: معنى دوامهم عليها أن يواظبوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، كما روي عن النبي ﷺ «أفضل العمل أدومه وإن قل»، وقول عائشة: «كان عمله ديمة». ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها، ومواقيتها، ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع إلى أنفس الصلوات، والمحافظة إلى أحوالها. (حَقٌّ مَّعْلُومٌ) هو الزكاة، لأنها مقدرة معلومة؛ أو صدقة يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة. السائل: الذي يسأل (والْمَحْرُومِ) الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم (يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) تصديقا بأعمالهم واستعدادهم له، ويشفقون من عذاب ربهم،
_________________
(١) يده. وهذا من باب قولهم: "ليلٌ نائمٌ ويومٌ عاصف"، أي: ينام فيه، وتَعصف فيه الريح، ويحتمل أن يكون قد قال: "هالع" لمكان "خالع" للازدواج. والخالع: الذي كأنه خُلِعَ فؤاده، لشدَّة خوفه وفزعه". قوله: (أفضل العمل أدومه)، قولها: (كان عمله ديمة)، أخرج أحمد بن حنبل معنى الحديث الأول، ولفظ الثاني في "مُسنده". قوله: (ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم)، مذهبه.
[ ١٦ / ٢٣ ]
واعترض بقوله: (إنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَامُونٍ) أي: لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الطاعة والاجتهاد أن يأمنه، وينبغي أن يكون مترجحا بين الخوف والرجاء. قرئ: «بشهادتهم»، و«بشهاداتهم»، والشهادة من جملة الأمانات، وخصها من بينها إبانة لفضلها، لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها، وفي زيها: تضييعها وإبطالها.
[(فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ • عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ • أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ • كَلاَّ إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ • فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ والْمَغَارِبِ إنَّا لَقَادِرُونَ • عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ ومَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ • فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ • يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ • خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) ٣٦ - ٤٤]
كان المشركون يحتفون حول النبي ﷺ حلقا حلقا وفرقا فرقا، يستمعون ويستهزءون بكلامه، ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم، فنزلت. (مُهْطِعِينَ) مسرعين نحوك، مادي أعناقهم إليك،
_________________
(١) قوله: ("بشهادتهم" و﴿بِشَهَادَاتِهِمْ﴾، حفص: ﴿بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ على الجمع، والباقون: بغير ألف على التوحيد. قوله: (في زَيِّها)، أي: مَنْعِها. قوله: (﴿مُهْطِعِينَ﴾: مُسرعين نحوك مادِّي أعناقهم)، الجوهري: "هَطَعَ الرجل: إذا أقبل ببصره على الشيء لا يُقلع منه، يهطع هطوعًا. وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه، وأهطع في عدوه إذا أسرع".
[ ١٦ / ٢٤ ]
مقبلين بأبصارهم عليك (عِزِينَ) فرقا شتى جمع عزة، وأصلها عزوة، كأن كل فرقة تعتزى إلى غير من تعتزي إليه الأخرى؛ فهم مفترقون، قال الكميت:
ونحن وجندل باغ تركنا … كتائب جندل شتى عزينا
وقيل: كان المستهزئون خمسة أرهط.
(كَلاَّ): ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة، ثم علل ذلك بقوله: (إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ) إلى آخر السورة، وهو كلام دال على إنكارهم البعث، فكأنه قال: كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء؛ فمن أين يطمعون في دخول الجنة؟
فإن قلت: من أي وجه دل هذا الكلام على إنكار البعث؟
_________________
(١) قوله: (وأصلها عِزوة)، قال أبو البقاء: " ﴿عِزِينَ﴾: جمع عِزَة، والمحذوف الواو وقيل: الياء؛ من عَزوته إلى أبيه وعزَيته، لأن العِزَة الجماعة، وبعضهم مُنضم إلى بعض، كما أن المنسوب مضموم إلى المضموم إليه. و﴿عَنِ﴾ مُتعلق بـ ﴿عِزِينَ﴾، أي: مُتفرقين عنهما، ويجوز أن يكون حالًا". قوله: (ونحن وجَنْدل) البيت، أي: نحن تركنا كتائب جندل متفرقين، والحال أن جندلًا باغٍ. و"جندل" مبتدأ، و"باغ" خبره، والجملة كالاعتراض، و"تركنا" خبر "نحن".
[ ١٦ / ٢٥ ]
قلت: من حيث أنه احتجاج عليهم بالنشأة الأولى، كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل، وذلك قوله: (خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ) أي: من النطف، وبالقدرة على أن يهلكهم ويبدل ناسا خيرًا منهم، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه لا يعجزه شيء، والغرض أن من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة.
ويجوز أن يراد: إنا خلقناهم مما يعلمون، أي: من النطفة المذرة، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه، ولذلك أبهم وأخفى، إشعارًا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون: لندخلن الجنة قبلهم.
وقيل: معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح،
_________________
(١) قوله: (وبالقدرة على أن يهلكهم)، عطف على قوله: بـ "النشأة الأولى"، فقوله "بالنشأة الأولى"، إشارة إلى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: "بالقدرة" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠]، وهما من قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦١ - ٦٢]. قوله: (وقيل: معناه إنا خلقناهم من نُطفة كما خلقنا)، يعني أن المراد من قوله ﴿مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ النظفة، وذكرها إما لإثبات القدرة على أن يقال: إنا كما قدرنا على خلقهم من ماء، نقدر على إعادتهم، أو لإثبات الإهانة والحقارة، وأنّهم لا يستحقون تلك الكرامة من حيث أنفسهم، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أو انهم وسائر من خلق من الماء مستوون، وإنما التقديم بحسب العمل. قال القاضي: "المعنى أنكم مخلوقون من نُطفة مذرة، وهي غير مناسبة لعالم القُدُس، فمن لم يستكمل بالإيمان والطاعة، ولم يَتَخلَّق
[ ١٦ / ٢٦ ]
فلم يطمع أن يدخلها من ليس له إيمان وعمل؟ وقرئ: «برب المشرق والمغرب»، و(يَخْرُجُونَ)، و«يُخرجون»، و(مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا)، بالإظهار والإدغام، و(نُصُبٍ)، و«نصب»، وهو كل ما نصب فعبد من دون الله (يُوفِضُونَ) يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «سأل سائل» أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون».
_________________
(١) بالأخلاق الزكية، لم يستعد لدخوله. أو أنكم مخلوقون مما تعملون من أجل ما تعلمون، وهو تكميل النفس بالعلم والعمل، فمن لم يستكملها لم يتبوأ في منازل الكاملين". قوله: (بالإظهار والإدغام، و﴿نُصُبٍ﴾)، بالإدغام: أبو عمرو، و﴿نُصُبٍ﴾ بضمتين: ابن عامر وحفص، والباقون: بفتح النون وإسكان الصاد. قال الزجاج: "فمن قرأ "نَصْبٍ"، فمعناه: كأنهم يُدعون إلى علم منصوب لهم. ومن قرأ ﴿نُصُبٍ﴾، فمعناه إلى أصنام لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٢٧ ]