مكية، خمس وأربعون آية
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)] ١ [
(فاطِرِ السَّماواتِ): مبتدئها ومبتدعها. وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄: ما كنت أدرى ما (فاطر السماوات والأرض)، حتى اختصم إلىّ أعرابيان في
_________________
(١) ـ سورة الملائكة مكية، خمس وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قولُه: (عن ابن عباس: ما كنت أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾)، ورواه الزجاج أيضًا، وقال الراغب: أصل الفَطْر: الشقُّ طولًا، يقال: فَطَر فلانٌ كذا فَطْرًا، وأفْطَرَ هو فطورًا، وانفطرَ انفطارًا، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، أي: من اختلالٍ ووَهْيٍ فيه، وفَطَرْتُ الشاة: حلبتُها بأصبعين وفطرْتُ العجينَ: إذا عجَنْتَه فخَبزْتَه من وقتِه، ومنه الفِطرة، وفَطْرُ الله الخلْقَ، وهو إيجادُه وإبداعُه على هيئةٍ مترشِّحةٍ لفعلٍ من الأفعال،
[ ١٢ / ٥٩٢ ]
بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أى: ابتدأتها. وقرئ: (الذي فطر السماوات والأرض وجعل الملائكة). وقرئ: (جاعل الملائكة)، بالرفع على المدح
_________________
(١) ـ فقولُه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، إشارة إلى ما أبدع وركزَ في الناسِ من معرفتِه، وهو المشارُ إليه بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ويصحُّ أن يكونَ الانفطارُ في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، إشارةً إلى قَبولِ ما أبْدعَها وأفاضَهُ عليها منه، والفِطْرُ: تَرْكُ الصوم، يقال: فَطرْتُه وأفطَرْتُه، وأفطَر هو. وقال أبو البقاء: الإضافةُ مَحْضة، لأنه للماضي لا غَيْر، وأما ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾ فكذلك في أجْوَدِ المذهبَيْن، وأجازَ بعضُهم أن تكونَ غيرَ محضَةٍ على حكايةِ الحال، و﴿رُسُلًا﴾ مفعولٌ ثان، و﴿أُوْلِي﴾ بدَلٌ منه أو نَعْتٌ له، ويجوز أن يكون ﴿جَاعِلِ﴾ بمعنى: خالق، و﴿رُسُلًا﴾ حالٌ مقدرة. وقال غيرُه: ﴿فَاطِرِ الْسَّمَوَاتِ﴾ صفةٌ لله ومَعرفةٌ إذ لم يجر على الفعل، بل أريد به الاستمرار والثبات والدوام، كما يُقالُ: زيْدٌ مالكُ العبيدِ جاءَ، أي: زَيْد الذي مِنْ شأنِه أن يملكَ العبيد. قولُه: (وقُرِئَ: «الذي فطر»)، قال ابن جِنِّي: هي قراءةُ الضحّاك. قولُه: «(جاعلُ الملائكة»، بالرفْعِ على المدح). قال ابن جنِّي: وهي قراءةُ الحسن، هذا على الثناءِ على الله وإبرازِه في الجملةِ بما فيها من الضميرِ أبلَغُ، وكلّما زادَ في الإسهاب كان أحرى، ألا ترى إلى قولِ خِرْنِق:
[ ١٢ / ٥٩٣ ]
(رُسُلًا) بضم السين وسكونها. (أُولِي أَجْنِحَةٍ) أصحاب أجنحة. وأولوا: اسم جمع لـ"ذو"، كما أن أولاء اسم جمع لـ"ذا"، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخلفة. (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ): صفات لأجنحة، وإنما لم تنصرف؛ لتكرر العدل فيها؛ ذلك أنها عدلت
_________________
(١) ـ لا يَبعُدَنْ قَومي الذين هُمُ … سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ النازلينَ بكُلِّ مُعْترَكٍ … والطيبينَ معاقِدَ الأُزْرِ ويُروى: «النازلونَ والطيِّبون» و«النازلونَ والطيِّبين» وبالعكسِ، فكلما اختلفتِ الجُمَلُ كان الكلامُ أفانينَ وضروبًا فكانَ أبْلغَ منه إذا لزِمَ سرحًا واحدًا، فقولُك: أُثْني على الله الذي أعطانا فأغنى، أبلغُ، من قولك: أثْني على الله المُعْطينا والمُغْنينا، لأن معَك هُنا جملةً واحدةً وهناك ثلاثُ جُمَل، ويدلُّ على صحّةِ هذا المعنى قراءةُ خُلَيْد: «جعل الملائكة» قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا فيه من الرفع إلى النَّصْب، ومن النصْبِ إلى الرفع، يريدُ ما نحنُ عليه لتختلفَ ضُروبُه وتتباينَ تراكيبُه. قولُه: (﴿رُسُلًا﴾ بضَمِّ السِّين)، وهي المشهورةُ، وسكونُها شاذّة. قال القاضي: ﴿رُسُلًا﴾: وسائطَ بينَ الله وبينَ أوليائِه برسالاتهِ بالوحيِ والإلهامِ والرؤيا الصادقةِ أو بَيْنَه وبين خَلْقِه يُوصلونَ إليه آثار صنعه. قولُه: (المخاضُ والخَلِفة)، الجوهري: المخاضُ: الحواملُ من النوقِ، واحدتُها خَلِفة، ولا واحدَ لها من لفظِها، وأما «أولو» فجَمْعٌ لا واحدَ له من لفظه، وواحده: ذو. قولُه: (وإنما لم تَنْصَرِفْ لتكرُّرِ العَدْل فيها)، قال الزجاج: أحدُهما: أنه معدولٌ عن ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والثاني: أنّ عَدْلَه وقعَ في حال النكرة، قال:
[ ١٢ / ٥٩٤ ]
عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل "عمر" عن "عامر" و"حذام" عن "حاذمة"؛ وعن تكرير إلى غير تكرير؛ وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيها بين
_________________
(١) ولكنّما أهلي بوادٍ أنيسُه … ذئابٌ تَبغّى الناسَ مثنى وموحدا ورُويَ أن سيبويه زعم: أن عدمَ الصرفِ للعدلِ والصفةِ وغيرُه: أنّ عدمَ الصرفِ للعدولِ عن لفظةِ ثلاثة إلى مَثْلَث، وعن معنى ثلاثةٍ ثلاثةٍ إلى هذا، لأنك إذا قُلْت: جاءتِ الخيلُ مَثْلَثَ عنَيْتَ به ثلاثةً ثلاثة. وقال صاحبُ «الكشف»: معنى قولِهم: ﴿مَّثْنَى﴾ معدولٌ عن اثنَيْن اثنَيْن: أنك إذا أردْتَ بـ «مَثْنى»: ما أردْتَ باثنَيْن اثنَيْن، والأصلُ أن تُريدَ بالكلمةِ معناها دون معنى كلمةٍ أُخرى، فالعَدْلُ ضدُّ الاستواءِ، لأنَّ الاستواءَ هو الذي ذكَرْنا، والعدْلُ أن تلفظَ كلمةً وأنت تريدُ كلمةً أُخرى، فلما كان كذلك كان العَدْلُ ثابتًا فإذا اجتمعَ مع الصفةِ وجبَ أن يَمْنعا الصرف. قولُه: (و«حَذامِ» من «حاذمة»)، عن بعضِهم: حاذمة في أسماءِ الأجناسِ القاطِعة، ثم نُقِلَ إلى العَلَمية، ثم نُقِلَ عن حاذمة إلى حذام. قولُه: (وأما الوصفيةُ فلا تفْترقُ الحالُ فيها فلا يُعَرَّجُ عليها)، أي: لو كانت الوصفيةُ مؤثرةً في المنْعِ من الصرفِ لقُلْتَ: مررْتُ بنسوةٍ أربَعَ مفتوحًا، فلما صَرفْتَه عُلِمَ أنها ليسَتْ بمُؤثّرة أي: أَنّ الوصفيةَ ليست بأصل، لأن الواضعَ لم يضَعْها وصفًا بل عرَضَتْ لها، وذلك نَحْو: مرَرْتُ بجُبّةٍ ذِراعٍ ورجُلٍ أسَد، فالذراع والأسد ليسا بصفتين للجُبّة والرجل حقيقة. قال صاحبُ «الفرائد»: يفترقُ الحالُ فيها؛ فإنَّ مَثْنى وغيرَها يقعُ صفةً البتّة، والثلاثةُ
[ ١٢ / ٥٩٥ ]
المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول: مررت بنسوة أربع، وبرجال ثلاثة، فلا يعرج عليها. والمعنى: أن الملائكة خلقًا أجنحتهم اثنان اثنان، أى: لكل واحد منهم جناحان، وخلقا أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، وخلقا أجنحتهم أربعة أربعة. (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ)، أى: يزيد في خلق الأجنحة، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته. والأصل الجناحان؛ لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران، وأعون عليه، فإن قلت: قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شق نصفه، فما صورة الثلاثة؟ قلت: لعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدّهما بقوة. أو لعله لغير الطيران؛ فقد مرّ في بعض الكتب أن صنفًا من الملائكة لهم ستة أجنحة؛ فجناحان يلفون بها أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله. وعن رسول الله ﷺ: «أنه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج وله ست مئة جناح. وروى: أنه سأل جبريل
_________________
(١) ـ وغيرُها وقوعُها صفةً بالتأويل، تقول: رجالٌ ثلاثة أي: مُقَدَّرةٌ بثلاثة، وكذا عن صاحبِ «التقريب»، فإنه قال: لا يلزَمُ من عَدمِ اعتبارِ عدمِ الوصفيةِ في المعدولِ عنه لعروضِها فيه عَدَمُ اعتبارِها في المعدولِ مع أنه لم يقَعْ إلا وصفًا. ووجَدْتُ لبعضِ المَغاربةِ كلامًا يصلُحُ أن يكونَ جوابًا عنه وهو: أنّ «ثُلاثَ ورُباع» لا يخلو من أن يكون موضوعًا للصفةِ من غيرِ اعتبارِ الثلاثةِ أو لا يكون، فإن كانَ الأولَ لم يكُن فيه العدد، والمُقَدَّرُ خِلافُه، وإن كان الثاني كان الوصفُ عارضًا لثُلاثَ كما كان عارضًا لثلاثة فيُمكن أن يُقال: إنّ هذه الأعدادَ غيرُ مُنصرفةٍ للعدلِ المكرَّر كالجَمعِ وألغي التأنيث. قولُه: (فلا يُعَرَّجُ عليها) مسَبَّبٌ عن قولُه: «فلا تفترقُ الحال فيها». النهاية: وفي الحديث: فلم أعرِّجْ عليه، أي: لم أُقِمْ ولم أحتَبسْ، أي: لا يُلتفَتُ إليها ولا تُعْتَبر. قولُه: (أنه رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج)، روينا عن البخاريِّ ومُسلمٍ والتِّرمذي
[ ١٢ / ٥٩٦ ]
صلوات الله عليه أن يتراءى له في صورته، فقال: إنك لن تطيق ذلك. قال: «إنى أحب أن تفعل"، فخرج رسول الله ﷺ في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشى على رسول الله، ثم أفاق وجبريل ﵇ مسنده، وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال: "سبحان الله ما كنت أرى أن شيئًا من الخلق هكذا"، فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل، له اثنا عشر جناحا؛ جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع، وهو العصفور الصغير. وروى: عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ
_________________
(١) عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قال: رأى جبريل ﵇ له ستُّ مئة جناح. وعن الترمذي قال مسروقٌ عن عائشةَ ﵂: أنّ رسولَ الله ﷺ لم يَرَ جبريلَ ﵇ في صورتهِ إلاّ مرّتَيْن: مَرّةً عندَ سِدرةِ المُنتهى، ومَرّةً في جِياد، له ستُّ مئة جناحٍ قد سَدَّ الأفق. قولُه: (ليتضاءَل)، النهاية: وفي حديث إسرافيل: «وإنه ليتضاءَلُ مِن خَشْيةِ الله»، أي: يتصاغَرُ تواضعًا له. وتضاءَل الشيء: إذا انقبضَ فانضَمَّ إلى بعض. الضئيل: النَّحيفُ الرقيق. قولُه: (حتى يعودَ مثْلَ الوَصَع)، النهاية: «إنّ العرْشَ على مَنْكِبِ إسرافيل، وإنّه ليتواضَعُ لله تعالى حتّى يَصيرَ مِثْلَ الوَصَعِ» بفَتْح الصادِ المُهْمَلَةِ وسكونِها؛ طائرٌ أصغَرُ من العُصفور، والجَمْعُ: وُصْعان.
[ ١٢ / ٥٩٧ ]
ما يَشاءُ): «هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن» وقيل: «الخط الحسن»؛ وعن قتادة: الملاحة في العينين؛ والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق؛ من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأى، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف.
[(ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢ [
استعير الفتح للإطلاق والإرسال. ألا ترى إلى قوله: (فَلا مُرْسِلَ لَهُ) مكان: لا فاتح له، يعنى: أى شيء يطلق الله من رحمة، أى: من نعمة؛ رزق أو مطر أو صحة أو أمن أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها، وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها. وأىّ شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. فإن قلت: لم أنث الضمير أوّلا، ثم ذكره، وهو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمن معنى الشرط؟ قلت: هما لغتان: الحمل على المعنى وعلى اللفظ، والمتكلم على الخيرة فيهما، فأنث على معنى الرحمة، وذكر على أن لفظ المرجوع إليه لا تأنيث فيه؛ ولأنّ الأوّل فسر بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. وقرئ: (فلا مرسل
_________________
(١) ـ قولُه: (وحَصافةٍ في العقل)، النهاية: الحَصيف: المُحْكَمُ العقلِ، وإحصاف الأمر: إحكامُه. قولُه: (وذَلاقةٍ في اللسان)، النهاية: ذَلَقُ كُلِّ شيء: حَدُّهُ. يقال: لِسانٌ ذَلْقٌ طَلْقٌ، أي: فَصيحٌ بَليغ. قولُه: (ولَباقةٍ في التكلُّم)، الجوهري: اللَّبِقُ واللَّبيق: الرجلُ الحاذقُ الرفيقُ بما يعمَلُه، وقد لبِقَ -بالكسْرِ- لَباقة.
[ ١٢ / ٥٩٨ ]
لها). فإن قلت: لا بد للثاني من تفسير، فما تفسيره؟ قلت: يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأوّل. ولكنه ترك لدلالته عليه، وأن يكون مطلقًا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته، وإنما فسر الأوّل دون الثاني؛ للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه. فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة، وعزاه إلى ابن عباس ﵄؟ قلت:
_________________
(١) ـ قولُه: (فما تَقولُ)، الفاءُ تدلّ على إنكارٍ على الكلامِ السابق، يعني: أنّك إنْ فَسَّرْتَ الرحمةَ بالنعمةِ من الرزقِ والصحةِ والأمنِ وما يتَّصلُ بها فهو صَحيح، لأنّ إمساكَها وإرسالَها مَبنيٌّ على مُراعاةِ الأصْلح، فما تقولُ فيمن فَسَّرها بالتوبة؛ لأنه يعودُ إلى خَلقِ الأفعال. وأنّ الله تعالى إذا فتحَ التوبةَ على أحدٍ فلا مُمْسِكَ لها، وما يُمْسِكُ منها فلا مُرْسِلَ لها، وهذا غيرُ صَحيحٍ لما يلزَم من ذلك انتفاصُ التكليفِ المَبْنيِّ على الاختيار. فأجابَ بما يُوافقُ مَذَهبَه من التأويل البعيد. والذي يَسْتدعيه النظمُ: العمومُ في كلِّ رحمةٍ مُختصَّةٍ بالإنسانِ، وذلك أنّه لما بيَّنَ كمالَ قُدرتهِ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ والملائكةِ وغيرِها أتْبعَه أنّه مُولي جميع النِّعمِ على الناسِ ظاهرةً وباطنة، دينيةً ودُنيوية، وكما فُصِّلَتْ تلكَ الآيةُ بقَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ليدُلَّ على عمومِ المقدورِ وفُصِّلَتْ هذه بقولِه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليدلَّ على شمولِ المعسورِ والمَيْسور، على أنَّ تخصيصَ ذِكْري العزيز والحكيم يُشْعِرانِ بما ذهبَ إليه حَبْرُ الأمة لقولِه: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، لأنه لا يفتَحُ على مَنْ يفتَحُ عليه بالتوبةِ، ولا يُمْسِكُ على مَن يُمسِكُ عليهِ بالتوبةِ، إلا مَنْ ليسَ له فوْقَه أحدٌ يمنَعُه من ذلك، وإلاّ مَنْ عَلِمَ الحكمةَ فيما يفعلُه وإنْ خَفِيَتْ على غيرِه، فالأولُ دلَّ على أنّه الغالب الذي يفعَلُ ما يَشاء في مُلكِه فما يمنعه أحد، والثاني على أنه تعالى عالم بما خَفِيَ على كلِّ أحدٍ فلا يقفُ على أسرارِ حكْمتِه أحد. فإن قُلت: فما تقولُ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٠]، لأنه خَصَّ فيه النعمةَ الظاهرةَ دون الباطنة؟
[ ١٢ / ٥٩٩ ]
إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها، وهو الذي أراده ابن عباس ﵄إن قاله- فمقبول؛ وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب؛ فمردود؛ لأنّ الله تعالى يشاء التوبة أبدًا، ولا يجوز عليه أن لا يشاءها. (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد إمساكه، كقوله تعالى: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ الله)] الجاثية: ٢٣ [، (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله)] الجاثية: ٦ [، أى: من بعد هدايته، وبعد آياته. (وَهُوَ الْعَزِيزُ): الغالب القادر على الإرسال والإمساك، (الْحَكِيمُ) الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه.
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)] ٣ [
ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها
_________________
(١) ـ قلت: ليسَ التعريفُ في الناسِ الثاني كما في الأول، لأنّه للجنس، والثاني للعَهد، وأنَّ المرادَ بالناسِ قَوْمٌ بأعيانِهم وهم قريشٌ، كما قال ابنُ عباس: هم قريشٌ، كما ابنُ عباس: هم أهلُ مكةَ أنعمَ الله عليهم بالنعمةِ الظاهرةِ لتكونَ وسيلةً إلى تحصيلِ الباطنة، فكفَروا بالمُنعمِ وغَمَطوا تلك النعمةَ، فوبَّخَهم ﷾ عليها بهذه الآية؛ يدلُّ عليه الترتُّبُ في قولِه: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، ثم تعقُّبه بقَوْلِه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾، والله أعلم. قولُه: (لأنَّ الله يشاءُ التوبةَ أبدًا، ولا يجوزُ عليه أن لا يشاءَها)، مَردودٌ باطلٌ لِما أجمع سَلَفُ الأمةِ وخَلَفُها على كلمةٍ لا يجحَدُها أهلُ الإسلام، وهي: «ما شاءَ الله كانَ ولما لم يَشا لم يكُن» وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. قولُه: (حِفْظُها)، عَطْفٌ على مُضْمَرٍ بعْدَ «لكن»، أي: ولكن ذِكْرُها باللسانِ وبالقَلْبِ وحِفْظُها عن الكُفران. وقولُه: «واعترافٍ بها»، عَطْفٌ على «معرفةِ حَقِّها» أي: وشُكْرُ
[ ١٢ / ٦٠٠ ]
من الكفران والغمط، وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها. ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أيادىّ عندك، يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها. والخطاب عام للجميع؛ لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس ﵄: يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم؛ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم. وعنه: نعمة الله العافية وقرئ: (غير الله)؛ بالحركات الثلاث؛ فالجرّ والرفع على الوصف لفظًا ومحلًا، والنصب على الاستثناء. فإن قلت: ما محل (يَرْزُقُكُمْ)؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لـ (خالق)، وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل (من خالق)، بإضمار (يرزقكم)، وأوقعت (يرزقكم) تفسيرًا له، أو جعلته كلامًا مبتدأ بعد قوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ الله)
_________________
(١) ـ النعمةِ بالقَلْب، بمَعْرفةِ المنعِم وباللسانِ بالاعترافِ بأنّها منه، وبالجوارحِ بالطاعةِ لمولاها أخذَهُ من قَوْلِ القائل: أفادَتكم النعماءُ مني ثلاثة … يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبا قولُه: (وقُرِئَ: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾)، بالحركاتِ الثلاث: حَمْزةُ والكِسائيُّ: بالجرِّ، والباقونَ: بالرفع. والنّصْبُ: شاذّ. وعن بَعْضِهم: الخبرُ وَصْفُ الخالقِ لفظًا والرفْعُ نعْتٌ له مَحَلًا، لأنّ ﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، و«من» زائدة، تقديره: هل مِن خالقٍ غيرِ الله الله أو للأشياء. وقيل: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ يجوزُ أن يكونَ مرفوعًا على فاعلِ ﴿خَالِقٍ﴾، أي: هل يخلقُ غيرُ الله شيئًا؟ قولُه: (أو جعَلْتَه كلامًا مبتدأً، بعد قولِه: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾)، قيل: هذا الوجهُ ضَعيفٌ، لأنَّ مِثْلُ قولك: هل زيدٌ خرَج؟
[ ١٢ / ٦٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال ابنُ الحاجبِ في «شرح المفصل»: هل زيدٌ خرَج؟ شاذّ، فهو على شُذوذِه مُقَدَّرٌ على ما ذكَره، وإنّما لم يحسُنْ عندَهم: هل زيدٌ خرج؟ وشِبْهُه إما لأنّ «هل» بمعنى «قَدْ» على ما يقولُه سِيبَويْه، فكانت بالفعل أولى، فإذا وقعَ بعدَها الاسمُ كان وقوعُه بعد «قد» ولا يسوغُ ذلك، فلا يسوغُ هذا، وإما لأنّ «هل» موضوعٌ للاستفهام مُقْتَضٍ للفعلِ في المعنى، فكان ذِكْرُ الفعلِ بعده لفظًا هو القياسَ، ولا يَرِدُ عليه: أزيدٌ خرَج؟ فإنَّ الهمزةَ تَصرفوا فيها ما لم يتَصرَّفوا فيها في «هل». وقلت: شهدَ هذا القائلُ على نفسهِ أنه خارجٌ من زُمرةِ البُلغاء، ولله درُّ صاحب «المفتاح» حيثُ تَفرَّس لمثْل هذا وقال: ولكَوْنِ «هل» أدعي للفعلِ من الهمزةِ لا يحسُن: هَل زيدٌ منطلقٌ، إلاّ من البليغ. ولما ثبتَ أنّ «هل» أدعي للفعلِ من الهمزةِ، فتَرْكُ الفعلِ معَه يكونُ أدْخَل في الإنباء لاستدعاء المقام عدم التجدد، يعني: في قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ونَحْوُه: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقَوْلُ تأبّط شَرًّا: هل أنتَ باعثُ دينار لحاجتنا وأما قولُ سِيبَويْه: «هل» بمَعْنى: «قد»، فمَعْناه: أنّ «هل» مَتضمِّنةٌ لمعنى «الهمزة» و«قد»، فإذا جُرِّدَتْ منها خَلُصَتْ لمعنى «قد»؛ ألا ترى إلى قولِ المصنِّف في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ﴾ [الإنسان: ١]: الأصل أهَل؟ والمعنى: «أقَد أتى» يدلُّ عليه أنك لا تُقدِّر الهمزةَ م. ع «قَدْ» في مثل ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾، كما تقدر في ﴿هَلْ أَتَى﴾، فإذَنْ يسوغُ في «هل»
[ ١٢ / ٦٠٢ ]
فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الخالق لا يطلق على غير الله ﷿؟ قلت: نعم، إن جعلت (يَرْزُقُكُمْ) كلامًا مبتدأ، وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. وأمّا على الوجهين الآخرين: وهما الوصف والتفسير. فقد يقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، بالإطلاق؛
_________________
(١) ـ ما لا يسوغُ في «قد»، فيقال: هلْ زيدًا ضربْتَ؟ ولا يقال: قَد زيدًا ضربْتُ. ونصَّ بخلافهِ ابنُ الحاجب أيضًا في قِسْم الحروف. قولُه: (فكيفَ يُستشهَدُ به على اختصاصِه بالإطلاق)، أي: كيف يُستشهَدُ به على اختصاصِ الله بإطلاقِه عليه وقد تَقيّد بقَيْدِ «يرزقُكم» فإن المعنى على وجهَيْن: ليس خالقٌ سوى الله صفتُه أنّه يرزقُكم، فيُفْهمُ أن هناك خالقًا سوى الله ليسَ برازق. وأمّا على الابتداءِ فمعناه: ليسَ خالقٌ سوى الله موجودًا. فاتّجه لسائلٍ أن يقول: لِمَ لَمْ يكُنْ غيرُه خالقًا؟ فقيل: لأنّه يرزقُكم من السماءِ والأرض؛ لأن الخالقَ يَنْبغي أن يكونَ رازقًا، فإنَّ صفةَ الرزاقيّةِ كالتتميمِ للخالقية. هذا هو الوجهُ الفصيحُ القويُّ وعليه مذهبُ أهل الحقّ. الانتصاف: القَدريُّ يقول: نعم، [ثَمَّ] خالقٌ غَيْرُ لله. وكلُّ أحدٍ عندَهم يخلُقُ، ولهذا وَسَّعَ الدائرة وأتى بالأوجهِ النافرة، والذي يُحقِّقُ الوجْهَ الثالثَ المانعَ من إطلاقِ الخالقِ على غيرِ الله: أنَّ المُخاطبينَ مُشركون إذا سُئلوا: مَنْ خَلقَ السماواتِ والأرض؟ قالوا: الله، وإذا سُئلوا: من يرزُقُ منهما؟ قالوا: الله، فقُرِّروا بإقامةِ الحُجّةِ عليهِم بإقرارِهم، ولو كانَ كما قالَ الزَّمخشريُّ لكانَ مفهومُه إثباتَ خالقٍ غيرِ الله، لكن لا يرزق، وهؤلاءِ الكَفَرةُ قد تَبرّءوا منه فلا لتقريعهم بما لا يلائِمُ قوْلَهم، وأيضًا فإنّ ﴿يَرْزَقُكَم﴾ و﴿لَا إلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ جَمْلتانِ سيقتا مَساقًا واحدًا والثانية مفصولةٌ اتفاقًا فكَذا الأُولى. وقلت: قد أحسنَ وأجادَ حيثُ نظرَ إلى النَّظْم.
[ ١٢ / ٦٠٣ ]
والرزق من السماء: المطر، ومن الأرض: النبات. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) جملة مفصولة لا محل لها، مثل: (يرزقكم) في الوجه الثالث، ولو وصلتها كما وصلت (يرزقكم) لم يساعد عليه المعنى؛ لأنّ قولك: هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق، غير مستقيم؛ لأن قولك: هل من خالق سوى الله؟ إثبات لله. فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضًا بالنفي بعد الإثبات. (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): فمن أى وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك؟
_________________
(١) قولُه: (والرزقُ من السماءِ المطر)، قيل: إن جُعِلَ الرزقُ مصدرًا فالمضافُ من الخبرِ محذوفٌ أي: إنزالُ المطرِ وإنباتُ وإن جَعلْتَه اسمًا بمعنى المرزوقِ فلا حاجةَ إلى التقدير. قولُه: (فلو ذهَبْتَ تقولُ ذلك لكُنْتَ مناقِضًا)، وذلكَ أنّ الصفةَ هاهنُا مُميِّزة، والاستفهامُ مؤكِّدٌ للأنكار، وفيه معنى النفي، لأنّ الكلامَ مع المُعانِدين، ولذلك زيدَ «مِنْ» الاستغراقية، فإذا أنكَرْتَ أن يكونَ خالقًا غيْر الله، يلزَمُ منه إثباتُ ذاتهِ ﷿، وهو المرادُ من قولهِ: «هل مِنْ خالقٍ سوى الله؟ إثباتٌ الله» ثمَّ إذا رجَعْتَ ومَيَّزْتَه مرّةً أُخرى بقولك: «لا إله إلا ذلك الخالقُ» لزِمَ نَفْيُ ما أثبتَّه أولًا، وهو المرادُ بقولِه: «لكُنْتَ مناقِضًا بالنفيِ بعدَ الإثبات». قال صاحبُ «التقريب»: في لزومِ التناقضِ نَظَر، إذ التقدير: لا خالقَ مُنْفَرِدًا بالإلهية إلاّ الله على الاستثناء أو مغايرًا لله على الوصف، ولا تناقُضَ فيه. نعم، لو فصّلْتَ مع عَوْدِ الضميرِ إلى الخالق المغاير لزم، أما معَ الوصل فلا. قلت: ويُمكنُ أن يقال: إنَّ قولَك للمشرك: هل مِنْ خالقٍ سوى الله، إثباتٌ لله بِوَصْفِ المُغايَرة؛ لأنَّ المُغايَرةِ إثباتُ المُتغايرَيْن، فيلزَمُ منه إثباتُ الله، ثم إذا قُلْت: «لا إله إلا ذلك الخالقُ» يلزَمُ منه نَفْيُ الله، أما إذا الإثباتُ ناشئًا من الإنكارِ الواردِ على الموضوفِ والصفةِ معًا لزِمَ ما ذَكرَه صاحبُ «التقريب».
[ ١٢ / ٦٠٤ ]
[(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الْأُمُورُ)] ٤ [
نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله، وتكذيبهم بها، وسلى رسوله ﷺ بأن له في الأنبياء قبله أسوةً، ثم جاء بما يشتمل على الوعد والوعيد؛ من رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة المكذب والمكذب بما يستحقانه. وقرئ: (ترجع) بضم التاء وفتحها. فإن قلت: ما وجه صحة جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يتعقب الشرط، وهذا سابق له؟ قلت: معناه: وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، فوضع: (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) موضع: فتأس؛ استغنًاء بالسبب عن المسبب، أعنى بالتكذيب عن التأسى. فإن قلت: ما معنى التنكير في (رسل)؟ قلت: معناه: فقد كذبت رسل، أى: رسل ذوو عدد كثير. وأولو آيات ونذر، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم، وما أشبه ذلك، وهذا أسلى له، وأحث على المصابرة.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) [٥ - ٧]
_________________
(١) والحقُّ أنّ المانعَ من ذلك التقديرِ النظْمُ المُعْجِز، وحاكمُه الذوقُ السليم، ولأنَّ السؤالَ بقولِه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سؤالُ تبكيتٍ واردٌ على قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: تقريرٌ للتوحيدِ بعْدَ تقريرِ إقرارِهم بنَفيْ الغير، ولذلك رَتَّبَ عليه بالفاءِ قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: إذا كنتم تُقرّون أن لا خالقَ سوى الله يرزقُكم فلا يكونُ سواه معبودًا، لأنّ المعبودَ ينبغي أن يكون خالقًا رازقًا فكيف تُصرفونَ عنه وتكفرون نِعمتَه وتعبدونَ غيره. قولُه: (ومن حقِّ الجزاءِ أن يتعقَّبَ الشرط)، والآيةُ مثل: إن أكرمْتَني الآن فقد أكرمتُك أمس. وخُلاصةُ الجواب: أنَّ الجزاءَ مبنيٌّ على الإخبارِ والتنبيهِ على التأسِّي والتسلِّي، كما أن المثالَ فيه تنبيهٌ على معنى الاعتقاد.
[ ١٢ / ٦٠٥ ]
وعد الله: الجراء بالثواب والعقاب. (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ) فلا تخدعنكم (الدُّنْيا) ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله. (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ): لا يقولن لكم: اعملوا ما شئتم فإن الله غفور يغفر كل كبيرة ويعفو عن كل خطيئة. والغرور: الشيطان؛ لأن ذلك ديدنه. وقرئ بالضم وهو مصدر غره، كاللزوم والنهوك أو جمع غارّ، كقاعد وقعود. أخبرنا ﷿:
_________________
(١) قولُه: (لا يقولَنَّ لكم: اعمَلوا ما شئتم، فإنّ الله غَفورٌ يغفرُ كلَّ كبيرة، ويعفو عن كلِّ خطيئة)، الانتصاف: يُعرِّضُ باعتقادِ أهلِ السنّةِ، وهذا لا يناقضُ مُعتقَدهم، فإنَّ الله وعَدَ العفْوَ على الكبائرِ، وقرنَ الوعيدَ بالمشيئةِ في حقِّ الموحِّدين، في مثْلِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. قولُه: (والغَرور: الشيطانُ؛ لأنّ ذلك دَيْدَنُه)، الراغب: غررْتُ فُلانًا: أصَبْتُ غِرَّتَه ونِلْتُ منه ما أريده، فالغِرّةُ غَفْلَة في يَقظة، والغِرارُ مع غفوة. وأصلُ ذلك من الغُرِّ وهو الأثرُ الظاهرُ من الشيءِ، ومنه: غُرّةُ الفَرس، وغِرارُ السيفِ: حَدُّه، وغَرُّ الثوبِ: أثَرُ كَسْره، وقيل: اطْوِه على غَرِّه. وغَرَّه كذا غرورًا كأنّما طواهُ على غَرِّهِ، قال تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، فالغَرورُ: كلّ ما يَغُرُّ الإنسانَ من مالٍ وجاهٍ وشَهْوةٍ وشيطان، وقد فُسِّرَ بالشيطانِ إذْ هو أخبَثُ الغارِّين، والغَرر: الخَطَر من الغَرّ، وباعتبارِ غُرّةِ الفَرسِ وشُهرتِه قيل: فُلانٌ أغَرٌّ؛ إذا كان مشهورًا كريمًا، ويُقال: الغُرَرُ لثلاثِ ليالٍ من أوّلِ الشهرِ لكون ذلك منه كالغرة. قولُه: (وقُرِئَ بالضمِّ وهو مَصْدر)، وعن بعضِهم: الغُرور بالضمّ: الأباطيل، وفُعولٌ في الأفعالِ المتعدية قليل، منه: لزِمَه لُزومًا، ونَهَكَه المرضُ نُهوكًا.
[ ١٢ / ٦٠٦ ]
أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم صلوات الله عليه، وكيف انتدب لعداوة جنسنا من قبل وجوده وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، فوعظنا ﷿ بأنه كما علمتم عدوّكم الذي لا عدوّ أعرق في العداوة منه، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بحاله (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) في عقائدكم وأفعالكم. ولا يوجدن منكم ما يدل إلا على معاداته ومناصبته في سركم
_________________
(١) ـ وقال المصنِّف: كلُّ مَغْرورٍ غُرورُه مصلحةٌ له في تَرْكِ غُروره، وأنتُم لفَرْطِ اغترارِكم غُرورُكم مفسدةٌ لكم داعيةٌ إلى الغرور، أو المرادُ أهلُ الغرورِ، أو ذو الغرور. قولُه: (وكيف انتدبَ لعداوةِ جنسِنا قبل وجوده)، أي: قبلَ وجودِ جنسِنا، وهي عداوتُه لآدمَ ﵇، وبعدَ وجودِ الجنسِ، وهو توريطُ بني آدمَ في كلِّ ضلالٍ وخِزْيٍ ونكال، فكما قال في «مريم»: وهو عدوُّكَ وعدوُّ أبيكَ وأبناءِ جنسِك. الأساس: نُدِبَ لكذا وإلى كذا فانتدَبَ له، وتكلَّمَ فانتدَبَ له فُلانٌ إذا عارضَه، ورجُلٌ نَدْبٌ؛ إذا نُدِبَ لأمرٍ خَفَّ له، وأراكَ نَدْبًا في الحوائج، وندَبه لأمر كذا فانتدبَ له، أي: دعاهُ له فأجاب. قولُه: (وأنتم تعامِلونه) أي: نَزَّلَ العالِمَ منزلةَ الجاهلِ، وذلك بأنْ خاطبَ الناسَ بقولِه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ مع أنهم لا يشكُّون فيه، وأدخَل على الجملةِ حرْفَ التحقيقِ مع أنَّهم مُقِرُّون بذلك ولا يُنكرونه؛ لعَدمِ جَرْيِهم على مُوجِبِ العلم، وتَماديهم في اتباعِ خُطُواتِ الشيطان. قولُه: (ولا يوجَدَنَّ منكم ما يدلُّ إلا على مُعاداتِه)، إشارة إلى أن قولَه تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ نَهْيٌ للشيطانِ، وفي الحقيقةِ نَهْيٌ للإنسان بأنْ يكونَ على وَصْفٍ يتمكَّنُ الشيطانُ منه على الغُرور، نَحْو: لا أرينَّك هاهنا. قولُه: (ومناصبتِه)، يقال: نصَبَ لفلانٍ نَصَبًا: إذا عادَيْتَه، وناصَبْتَه الحرْبَ مُناصبة.
[ ١٢ / ٦٠٧ ]
وجهركم. ثم لخص سر أمره، وخطأ من اتبعه بأنّ غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته ومتبعي خطواته؛ هو أن يوردهم مورد الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير. ثم كشف الغطاء، وقشر اللحاء؛ ليقطع الأطماع الفارغة، والأمانى الكاذبة، فبنى الأمر كله على الإيمان والعمل وتركهما.
[(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ)] ٨ [
لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا؛ قال لنبيه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا)، يعنى: أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يزين له،
_________________
(١) قولُه: (وقشرَ اللِّحاءَ)، قال المَيْداني: «قشَرْتُ له العَصا»؛ أظهَرْتُ له ما كان في نَفْسي ويقال: اقشِرْ له العَصا، أي: كاشِفْه وأظهِرْ له العداوة. قولُه: (لما ذكرَ الفريقَيْن كَفروا والذين آمنوا قال لنَبيِّه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا﴾ يعني: أفَمَنْ زُيِّن له سوءُ عَمَلِه من هذَيْن الفريقَيْن كَمَنْ لم يُزيَّنْ له)، جعَلَ الاثنَيْن من بابِ اللفِّ والنَّشر. وقلت: الأحسَنُ أن تُجعلَ الآياتُ من الجمْعِ والتقسيمِ والتفريق، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ جَمع الفريقَيْن معًا في حكمِ نِداءِ الناس وجمَعَ مالهما من الثوابِ والعقاب في حُكْمِ الوعدِ وحَذَّرهما معًا عن الغرورِ بالدنيا والشيطان، وأما التقسيمُ فهو قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لأنه بَيَّنَ فيه أحوالَ الفريقَيْن ومالهُما وعليها من الثوابِ والعِقاب. وأما التفريقُ فقولُه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ لأنه فَرَّق فيه، وبَيَّنَ التفاوتَ بين الفريقَيْن كما قال: «﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من هَذَيْن الفريقَيْن كمَنْ لم يُزَيَّنْ له»، فظهرَ مِن هذا البيان أنّ «الفاء» في «أفمَنْ» للتعقيبِ والهمزةُ الداخلةُ بين المعطوفِ والمعطوفِ
[ ١٢ / ٦٠٨ ]
فكأن رسول الله ﷺ قال: لا، فقال: (فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ). ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدى عليه المصالح، حتى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى
_________________
(١) عليه لإنكارِ المساواةِ وتقريرِ البَوْنِ العظيمِ بين الفريقَيْن، وأن المختارَ من الوجوهِ المذكورة في «المفتاح»: تقديرُ «كمن هَداهُ الله»، فحَذفَ لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. قال مُحيي السُّنّة: في الآية حَذْفٌ مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطلَ حقًّا كمَنْ هَداه الله فرأى الحقَّ حقًّا والباطلَ باطلًا، فإنّ الله يُضِلُّ مَنْ يشاءُ ويَهْدي من يشاء. وقال أيضًا: معنى الآيةِ: فلا تغتَمَّ بكُفرهِم وهلاكِهم، وهو المرادُ من قولِ المصنِّف: وإذا خذلَ الله المُصمِّمين على الكفرِ وخَلاّهم وشأنَهم، فإنّ على الرسولِ أن لا يهتمَّ بأمرهم. وفيه التسلِّي والتخلِّي من الاهتمامِ بشأنِ المدعوِّ فلا يدخلُ فيه العاصي من أمةِ محمد ﷺ، فلا وَجْه لقوله: «وهو أن يكونَ العاصي على صفةٍ لا تجدي عليه المصالحُ» إلى آخره، لأن معناه: يكون العاصي على وجهٍ لا ينتفعُ من رعايةِ المصالحِ التي أوجبَها الله على نفسِه بوجهٍ من الوجوه. فقولُه: «لا تُجدي» إلى آخرِه صفةٌ لصفةٍ، والعائدُ محذوفٌ، أي: معها. قولُه: (فكأنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا)، واعلَمْ أنّ الفاءَ في قولِه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ﴾ رابطةٌ للجملةِ التاليةِ بالسابقة، وقد وُسِّطَتْ همزةُ الإنكارِ بينهما، و«مَنْ» موصولة، والفاء ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ جَزائية، ولا يستقيمُ أن تكونَ خبرًا لها، لأنّ الإنكارَ دافعه، فيجبُ أن تُقدَّرَ خبرًا لها، وشرطًا للجزاءِ. والمُنْكَرُ ما كان يرتكبُه صلواتُ الله عليه من الحرْصِ على الإيمانِ القومِ وتهالُكهِ في أن يسلكَ الضَّالين في زمرةِ المهتَدِين فقيلَ له على سبيلِ الإنكار: أفمَنْ زُيِّن له سوءُ عَملِه من هذَيْن الفريقَيْن كمَن لم يُزَيَّن له، فلا بُدَّ مِنْ أن يُقِرَّ بالنفيِ ويقول: لا، فحينئذٍ يقالُ له: فإذا كان كذلك ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، فقَدَّم وأخَّر، وما أوضَحَه مِن دليلٍ على مذهَبِ أهلِ السنة.
[ ١٢ / ٦٠٩ ]
وتخليته وشأنه، فعند ذلك يهيم في الضلال، ويطلق آمر النهى، ويعتنق طاعة الهوى، حتى يرى القبح حسنًا والحسن قبيحًا، كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويقعد تحت قول أبى نواس:
اسقني حتّى تراني … حسنا عندي القبيح
وإذا خذل الله المصممين على الكفر وخلاهم وشأنهم؛ فإنّ على الرسول أن لا يهتم بأمرهم ولا يلقى بالًا إلى ذكرهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم؛ اقتداء بسنة الله تعالى في خذلانهم وتخليتهم. وذكر الزجاج: أنّ المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب؛ لدلالة (فلا تذهب نفسك) عليه.
أو: أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لدلالة (فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) عليه. (حسرات): مفعول له، يعنى: فلا تهلك نفسك
_________________
(١) قولُه: (سُلِبَ تَمْييزَه)، «تمييزَه» نَصْبٌ على أنه تَمْييز، وإن كانَ معرفةً، كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. قولُه: (ويَقعدُ تحتَ قولِ أبي نُواس)، الأساس: إنّ حَسَبَكَ لَمُقعِدُك عن بُلوغِ الشرفِ، وما يُقْعِدُه وما اقتعَدَه إلا لُؤْمُ عَنْصُرِه، وقبله: غَرَّدَ الديكُ الصَّبوحُ … فاسقِني طابَ الصَّبوحُ قَهْوةً تُذْكِرُ نَوحًا … حين شادَ الفُلْكَ نوحُ نَحْنُ نُخْفيها فتأتي … طيبُ ريحٍ فتَفوحُ اسقِني حتى تَراني … حَسنًا عندي القَبيحُ قيل: «حسنًا» مفعولٌ ثانٍ لـ «تَراني»، و«القبيحُ» فاعلُ «حسنًا»، يقولُ للساقي: اسقِني حتى يكونَ القبيحُ عندي حَسَنًا.
[ ١٢ / ٦١٠ ]
للحسرات. و(عليهم) صلة (تذهب)، كما تقول: هلك عليه حبًا، ومات عليه حزنًا. أو هو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق بـ (حسرات)؛ لأنّ المصدر لا يتقدم عليه صلته، ويجوز أن يكون حالًا، كأن كلها صارت حسراٍت لفرط التحسر، كما قال جرير:
مشق الهواجر لحمهنّ مع السرى … حتّي ذهبن كلاكلا وصدورا
_________________
(١) قولُه: (وذكرَ الزجّاج)، والمذكورُ في «كتابه»: الجوابُ هاهُنا على ضربَيْن: أحدُهما يدلُّ عليه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، ويكونُ المعنى: أفمَنْ زُيِّنَ له سوءُ عملِه كمَنْ هداه الله، ويكونُ دليلُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. وقلت: فيه تنبيهٌ على أنّ كلَّ واحدٍ من الجُمَلِ المدخولِ عليها الفاء لا يصحُّ أن يكونَ جوابًا لمانِع معنى الإنكارِ في الهمزة. قولُه: (هلكَ عليه حُبًّا وماتَ عليه حُزنًا)، قال صاحب «الفرائد»: التقدير: لا تذهَبْ نفسُك واقعةً عليهم حَسرات؛ لأن المُحِبَّ يَنْحني إلى المحبوب إذا أشرفَ على الهلاك وإذا بالغَ في الميل إليه وقعَ عليه. قولُه: (أو هو بيانٌ للمُتحسَّرِ عليه)، فإنّه لما قيلَ له صلواتُ الله عليه: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ فقال: على مَنْ؟ فقيل: عليهم، على أنّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ يُفَسِّره هذا الظاهرُ بناءً على أنّ «حَسَراتٍ» لا يعمَلُ فيما قبلَه لكونِها مصدرًا، ويجوزُ أن يُضَمَّنَ «تذهَب» معنى: «تحسَّر» بوساطةِ «على»، وأنّ الأصل: فلا تتحَسَّرْ عليهم ذهابًا بنفسك، أي: هالِكًا. وأما قولُه: كما تقولُ: هلكَ عليه حُبًّا، فمِن بابِ المجازِ لا التضمين. قولُه: (مَشَقَ الهواجرُ) البيت، المَشْقُ: السرعةُ في الطعنِ والضربِ والكاتبة. أي: بَرى لحومَهُنَّ السيرُ في الهواجرِ والسُّرى في الليالي حتى رجَعْنَ ولم يَبْقَ منهن إلا كلا كلُها وصدورُها.
[ ١٢ / ٦١١ ]
يريد: رجعن كلاكلًا وصدورًا، أى: لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قوله:
فعلى إثرهم تساقط نفسي … حسرات وذكرهم لي سقام
وقرئ: (فلا تذهب نفسك). (إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ): وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم.
(وَالله الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ)] ٩ [
وقرئ: (أرسل الريح). فإن قلت: لم جاء (فَتُثِير) على المضارعة دون ما قبله وما بعده؟ قلت: لتحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز
_________________
(١) ـ قولُه: (فعلى إثْرِهم) البيت، «إثرِهم»: أي: عَقِبِهم، «تَساقطُ»؛ أي: تتساقَطُ، و«حَسَراتٍ» حالٌ من «نَفْسي». يقول: إن الأحبةَ رحَلوا ونَفسي تتساقَطُ حَسَراتٍ في عَقِبِهمْ، وذكْرُهم سَقامٌ لي بعْدَهم. قولُه: (وقُرئ: «أرسلَ الريحَ»)، حمزةُ والكِسائيُّ وابن كثير. قولُه: (وهكذا يفعلون)، يريد: أنَّ كلَّ فعلٍ ماضٍ إذا أريدَ به نوعُ خصوصية بحال -إمّا أن تكونَ مُستغربةً أو مهتمًّا بشأنِها أو غيرَ ذلك- يُعدلُ منه إلى المضارعِ ليؤذِنَ بأنّ هناك نُكتةً سَرِيّة؛ إما الاستغرابُ كما تنبئُ عنه هذه الآيةُ وقَوْلُ تأبَّط شرًّا لما استحضرَ منهما الحالةَ العجيبةَ الشأنِ في ذهنِ السامع وجُعِلتا مشاهدتَيْن لنظرِه، وإما الاهتمامُ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، لاقتضاءِ «لو» معنى المُضيٍّ؛
[ ١٢ / ٦١٢ ]
وخصوصية، بحال تستغرب، أوتهمّ المخاطب، أو غير ذلك، كما قال تأبط شرا:
بأنىّ قد لقيت الغول تهوى … بسهب كالصّحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت … صريعا لليدين وللجران
لأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها مشاهدةً؛ للتعجيب من جرأته على كل هول وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها، لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة، قيل: فسقنا، وأحيينا؛ معدولًا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه. والكاف في (كَذلِكَ) في محلّ الرفع، أى: مثل إحياء الموات نشور الأموات. روي:
_________________
(١) ـ أُنْزِلَ أمرُ القيامةِ منزلةَ الماضي المقطوعِ به؛ لاهتمامِ وقوعِه، وإما غيرُ ذلك كقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]، جُعِلَتْ طاعتُه طاعتُه صلواتُ الله عليه مستمرةَ الامتناعِ على سبيلِ التجدُّدِ ليفيدَ استمرارَ امتناعِ عَنَتِهم ساعةً فساعة. قولُه: (بأنِّي قد لقيتُ الغولَ)، البيتين، قبله: فمن يُنكرْ وجودَ الغولِ إني … أُخَبِّرُ عن يَقينٍ بل عِيانِ تهوي، أي: تهبطُ، بسَهْبٍ: بفَلاةٍ واسعة، والصَّحْصحان: المكانُ المستوي من الفلاة. والجِرانُ: مُقدَّمُ عُنُقِ البَعيرِ من مَذَبَحِه إلى مَنْحَرِه والجمع: الجرن، فكذلك من الفرس. ولليدَيْن أي: على اليدَيْن، إنّما عدلَ من «على» إلى اللام؛ ليفيدَ أنه جعلَ اليدَ والجِرانَ للصرع، واختصَّ بهما؛ لأنّ اللامَ للاختصاصِ، كما قال في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]: وجعل ذَقْنَه ووَجْهَة للخُرورِ واختَصَّه. قولُه: (مَشاهَدةً؛ للتَّعجيب)، «مشاهدة»: صيغةُ مفعولٍ حالٌ من الحالة.
[ ١٢ / ٦١٣ ]
أنه قيل لرسول الله ﷺ: كيف يحيى الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: «هل مررت بوادي أهلك محلًا ثم مررت به يهتزّ خضرًا». فقالوا: نعم. فقال: «فكذلك يحيى الله الموتى وتلك آيته في خلقه». وقيل: يحيى الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمنى الرجال، تنبت منه أجساد الخلق.
[(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ)] ١٠ [
كان الكافرون يتعززون بالأصنام، كما قال ﷿: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)] مريم: ٨١ [، والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)] النساء: ١٣٩ [، فبين أن لا عزة إلا لله ولأوليائه. وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)] المنافقون: ٨ [،
_________________
(١) قولُه: (أنه قيلَ لرسول الله ﷺ: كيف يُحيي الله الموتى؟)، الحديث مذكورٌ في «جامع الأصول»، رواه رَزينٌ العَبْدريُّ عن أبي رَزينٍ العُقيليِّ صاحبِ رسول الله ﷺ مع تغييرٍ يسير. قولُه: (كمَنيِّ الرجال)، في حديث مسلمٍ عن عروةَ بن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ: «يُنزلُ اللهُ مطرًا كأنه الطلُّ، فتنبتُ أجسادُ الناس» الحديث. قولُه: (كان الكافرون يتعزَّزون بالأصنام)، إلى قوله: (والذينَ آمنوا بألسنتِهم كانوا يَتعزَّزون بالمشكرين)، وإلى قولِه: (فبَيَّن أن لا عزة إلا لله ولأوليائه)، وهلم جَرًّا إلى آخره. فيه
[ ١٢ / ٦١٤ ]
_________________
(١) إشعار بأن الخطاب بقوله: ﴿كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ مع المخالفين، والتعريف في «العزةِ» الأولى: للجنسِ، وفي الثانية: للاستغراق، بشهادةِ قوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وأنّ تقديمَ الخبرِ على المبتدأِ في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ لاختصاصِ العزّةِ بالله أصالةً ورسولِه تَبَعًا باقتضاءِ المقام، ولهذا قال: «أن لا عِزّةَ إلا لله ولأوليائِه»، وأنَّ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ كالبيانِ لطريقِ تَحصيلِ العزّةِ وسلوكِ السبيلِ إلى نَيْلِها. واعلَمْ أنَّ في انتظام قَوْلِه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ بما قبله نظرًا دقيقًا يحتاجُ إلى فَضْلِ تأمُّل. نقلَ مُحيي السُّنة في «تفسيره» عن أبي العالية: أنها في الذين مكَروا برسولِ الله ﷺ في دارِ الندوةِ، كما قال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وروى عن مُجاهدٍ وشَهْرِ بن حَوْشَب: هم أصحابُ الرِّبا. ومختارُ المصنِّفِ القولُ الأولُ. فحينئذٍ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية كالاستطراد والتقرير لمضمون الأولى على طريقِ الاستشهادِ والتمثيل، وفي إخراجِ الكلامِ مخرجَ الشرطِ نوعُ توبيخ وتنبيهٌ للمخاطَبين على خطأِ رأيِهم وفسادِ طريقتِهم وتَضْليلهم فيما هم فيه من طلبِ العزّةِ من غيرِ موضعِها ومكانِها، كأنه قيل: أيها الضالّون تنبَّهوا على خطئِكم وتيقَّنوا أنْ ليسَ الوصولُ إلى المطلوبِ ما أنتُم عليه من رَوْمِ العزّةِ من عندِ غيرِ الله، لأنّ العزةَ كلَّها ملكُ الله ومُختصّةٌ به وبأوليائِه، وطريقُ الوصولِ إليها الإيمانُ والعملُ الصالحُ، واعلَموا أنَّ مَنْ أعزَّهُ الله فلا مُذِلَّ له ومَنْ أذلَّه مُعزَّ له. ألا تروْنَ إلى قريشٍ حين بَذَلوا جُهَيْداهُم في إطفاءِ نورِ الله وإذلالِ مَنْ أعزَّه الله ورفَعَ مِنْ قَدْرِه، ومكَروا تلك المنكراتِ السيئاتِ من الإثباتِ والقتلِ والإخراجِ، وأبى الله إلا أن
[ ١٢ / ٦١٥ ]
والمعنى فليطلبها عند الله، فوضع قوله: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) موضعه؛ استغناء به عنه لدلالته عليه؛ لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، تريد:
فليطلبها عندهم، إلا أنك أقمت ما يدل عليه مقامه. ومعنى: (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا): أنّ العزة كلها مختصة بالله: عزة الدنيا وعزة الآخرة. ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، والكلم الطيب: لا إله إلا الله. عن ابن عباس: يعنى أنّ هذه الكلم لا تقبل ولا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة، كما قال ﷿: (إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)] المطففين: ١٨ [، إلا إذا اقترن بها العمل الصالح الذي يحققها ويصدقها فرفعها وأصعدها. وقيل: الرافع الكلم، والمرفوع
_________________
(١) يُتمَّ نورَه، كيفَ قلبَ الأمرَ عليهم حيث أخرجَهم من مكّةَ وأبادَهم بالقتلِ في بدرٍ وأثبتَهم في قَليبِه ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وعلى أن يُرادَ بهم أصحابُ الرِّبا فالجملةُ عطفٌ على جملةِ الشرطِ والجزاء، فيجبُ حينئذٍ مراعاةُ التطابُقِ بين القرينتَيْن والتقابلِ بين الفريقَيْن بحَسبِ الإمكانِ بأن يُقَدَّرَ في كلٍّ منهما ما يحصُلُ به التقابُل بدلالةِ المذكورِ في الأولى على المتروكِ في الأخرى وبالعكس، و﴿يَمْكُرُونَ﴾ على القولَيْن يجري على غيرِ حقيقتِه، فعلى الأول: حكايةٌ للحالِ الماضيةِ لتصويرِها في مشاهدةِ السامع، وعلى الثاني: مرادٌ منه الاستمرار والدوام. قولُه: (والمعنى: فليطلبها عند الله)، فوضعَ قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ موضعَه، يعني: وضعَ السببَ موضعَ المسبَّب؛ لأنَّ الطلبَ مُسبَّبٌ عن حصولها عند الله تعالى، وفي العدول -أي: ترْكِ السببِ- إلى المسبَّبِ إيذانٌ بأن المقصودَ الأَولى هو: العزّة، والطلبُ هو: الوسيلة، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. قولُه: (العملُ الصالحُ الذي يُحقِّقها ويُصدِّقُها)، قال صاحبُ «الكشف»: المختار أن يرفعَ العملُ الصالحُ الكَلِمَ، دون أن تكون الهاء المنصوبة تعود إلى العمل، لأنه لو كان عائدًا إليه لكانَ «العملُ الصالحُ» بالنصبِ على مقتضى قول سيبويه؛ لأنه قال: إذا قُلْتَ: قامَ زيدٌ
[ ١٢ / ٦١٦ ]
العمل؛ لأنه لا يقبل عمل إلا من موحد. وقيل: الرافع الله، والمرفوع العمل. وقيل: الكلم الطيب: كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك. وعن النبي ﷺ: «هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه». وفي الحديث: «لا يقبل الله قولًا إلا بعمل،
_________________
(١) ـ وعَمْرٌو يَضْرِبُه، كان الاختيارُ في «عَمْرٍو» النصب، لأنّ المصدرَ فِعلٌ وفاعل، وإنما أنَّثَ المصنِّف ضميرَ المتكلم، وفي التنزيل: مذكر؛ لوصفِه بالطيِّب؛ لأنه اعتبرَ الكَثْرة في الجنس. قال شارحُ «الإيضاح» لأبي عليّ: الكَلِمُ: جْمَع كَلمةٍ، وهو من أسماءِ الأجناس، وإنما يُطلقُ عليه اسمُ الجمعِ مجازًا، وهي: كتَمْرٍ وتَمرةٍ، وغيرِها من الصيغ التي بَيْن جَمْعِها وواحدِها «الهاء». ثم إنه لو كان جمعًا لم يخلُ إما أن يكون: جَمْعَ صحةٍ، وليس به، بكونِه بالواوِ والنون والألفِ والتاء، أو جَمْعَ تكسيرٍ، وليسَ به أيضًا، لأن مِن شأنِه أن ينكسرَ فيه الواحد، والكَلِمُ لم يتغير نَظْمُه عما عليه في واحدِه، وهو كلمة، فوضَحَ من ذلك أنه ليسَ بجَمْع، فإذا لم يكن جمعًا وهو يفيدُ الكَثْرة علِمْنا إنّ إفادة الكثرةِ من حيث إنه جنس. قولُه: (فحَيّا بها وجْهَ الرحمن)، استعارةٌ من استقبالِ المُحيّا وهو الوجْه، ومنه: التحياتُ لله. النهاية: وفي الحديث: «إنَّ الملائكةَ قالت لآدمَ: حيّاك الله» معناه: أبقاكَ من الحياةِ، وقيل: هو من استقبالِ المَحَيّا -وهو الوجْه- من التحية والسلام.
[ ١٢ / ٦١٧ ]
ولا يقبل قولًا ولا عملًا إلا بنيةٍ، ولا يقبل قولًا وعملًا ونيةً إلا بإصابة السنة». وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وقرئ: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) على البناء للمفعول. و(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) على تسمية الفاعل، من: أصعد. والمصعد: هو الرجل، أى: يصعد إلى الله ﷿ الكلم الطيب، وإليه يصعد الكلام الطيب. وقرئ: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، بنصب العمل والرافع الكلم أو الله عز وعلا. فإن قلت: مكر: فعل غير متعدّ، لا يقال: مكر فلان عمله، فبم نصب (السَّيِّئاتِ)؟ قلت: هذه صفة للمصدر، أو لما في حكمه، كقوله: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)] فاطر: ٤٣ [، أصله والذين مكروا المكرات السيئات، أو أصناف المكر السيئات، وعنى بهن مكرات قريش حين اجتمعوا
_________________
(١) ـ قولُه: (ولا يقبلُ قولًا وعملًا إلا بنية)، يُمكنُ أن يكونَ تعريضًا بأهلِ الرياء. قيلَ: إنّ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فيهم. نقلَ الإمامُ في «تفسيره» عن الأستاذِ أبي عليٍّ الدّقاق ﵀ أنه قال: علامةُ أنّ الحقّ -عزَّ اسمُه- رفعَ عمَلَك: أن لا يبقى عندَك، فإن بقِيَ عملُك في نظرِك فهو مدفوع، وإن لم يبق معك فهو مرفوع. قولُه: (إلا بإصابة السنة)، وفيه مَسْحةٌ من معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، والإصابةُ هنا بمعنى المناولةِ ومتابعتها. النهاية: «يُصيبون ما أصابَ الناسُ»، أي: ينالون ما ناولوا. ومنه الحديث: «يُصيبُ من بعضِ نسائِه وَهو صائم» أراد التقبيل. قولُه: (وقُرِئَ: «إليه يُصعَد»)، كلّ هذه القراءات شواذّ، سوى ﴿يَصْعَدُ﴾ بفَتْحِ الياء.
[ ١٢ / ٦١٨ ]
في دار الندوة وتداوروا الرأى في إحدى ثلاث مكرات يمكرونها برسول الله ﷺ؛ إما إثباته، أو قتله، أو إخراجه كما حكى الله سبحانه عنهم (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)] الأنفال: ٣٠ [. (وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) يعنى: ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، أى: يكسد ويفسد، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعًا، وحقق فيهم قوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله وَالله خَيْرُ الْماكِرِينَ)] الأنفال: ٣٠ [، وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)] فاطر: ٤٣ [.
[وَالله خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)] ١١ [
_________________
(١) قولُه: (في دار الندوة)، هي الدار التي بناها قُصَيٌّ بمكّةَ كانوا يجتمعون فيها للمُشاورة، يقال: ندَوْتُ القومَ، أي: جمعْتُم. قولُهك (إما إثباتُه)، المغرب: أثبتَ الجَريح: أوْهَنه حتى لا يقدِرَ على الحِراك، ومنه قولُ محمد: أثبته الأول وذفف عليه الثاني، وفي التنزيل: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ليجرحوك جراحة لا تقوم معها. قولُه: (يبورُ، أي: يكسد)، الأساس: فلانٌ له نوره وعليك بروُه، أي: هلاكُه. ومن المجاز: بارَتِ البِياعاتُ؛ كسَدَت، وبارتِ الأرضُ؛ إذا لم تُزْرَعْ، وأرضٌ بَوار. وقال الراغب: البَوار: فَرْطُ الكَساد، ولمّا كان فرطُ الكسادِ يؤدِّي إلى الفسادِ، كما قيل: كَسدَ حتى فَسد، عَبَّر بالبوارِ عن الهَلاك، قال تعالى: ﴿تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾. وقلت: ﴿لَّن تَبُورَ﴾ على هذا ترشيحٌ لاستعارةِ التجارةِ بمزاولةِ الطاعة، وعلى ما في «الأساس» يقربُ أن يكونَ تجريدًا لها.
[ ١٢ / ٦١٩ ]
(أَزْواجًا) أصنافًا، أو ذكرانًا وإناثًا، كقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا)] الشورى: ٥٠ [، وعن قتادة: زوج بعضهم بعضًا. (بِعِلْمِهِ) في موضع الحال، أى: إلا معلومة له. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ)؟ قلت: معناه: وما يعمر من أحد. وإنما سماه معمرًا بما هو صائر إليه. فإن قلت: الإنسان إما معمر، أى: طويل العمر، أو منقوص العمر، أى: قصيره. فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال، فكيف صح قوله: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ)؟ قلت: هذا من الكلام المتسامح فيه، ثقة في تأويله بأفهام السامعين، واتكالًا على تسديدهم
_________________
(١) قولُه: (إلا معلومة)، أي: هو حالٌ من ﴿أُنثَى﴾ فاعل ﴿تَحْمِلُ﴾ و﴿تَضَعُ﴾، و«مِنْ» زائدة، لأنّ «ما» نافية. فإن قلت: سياقُ الكلام يقتضي أن يكونَ حالًا من المحمولِ والموضوعِ لأنهما مفعولانِ مُقدَّرانِ، والكلام فيهما لا في الأنثى، لقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ و﴿جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾. قلت: لا يخلو المُقدَّرُ أن يكونَ منويًا أوْ لا، فإن كان الثاني فلا يقَعُ عنه الحالُ، وإن كانَ الأول فإثباتُ العلْمِ على المحمولِ والموضوعِ بإثباتِ العلم بالحاملِ والواضعِ لأجْلِها أبلَغُ من إثباتِه لهما ابتداءً، كما سبق في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨]، والذي يَقتضيه مقامُ الخطابِ بقولهِ: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ هذا الثاني كما سَيجيء. قولُه: (هذا من الكَلام المُتسامَح فيه، ثقةً في تأويلهِ بأفهامِ السامعين) وعن بعضِهم: مثالُه قولُ القائل: له عليَّ درهمٌ ونِصْفُه، فإنّ الضميرَ يعودُ إلى درهمٍ آخر. وفي «المطلع»: قال الفرّاء: يريد آخرَ غيرَ الأولِ فكَنى عنه كأنه الأولُ، لأنّ لفْظَ الثاني لو ظهر كان كالأول، وجازَ لأمنِ الإلباسٍ، كأنه قيل: لا يطولُ عُمُر أحدٍ ولا ينقُصُ من عُمرِ أحدٍ، وهذا كما يقال: ما تنعَّمُتُ بلدًا ولا اجتَويتُه، أي: اجتويْتُ بلدًا آخر.
[ ١٢ / ٦٢٠ ]
معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس المستفيض؛ يقولون: لا يثيب الله عبدًا، ولا يعاقبه إلا بحق. وما تنعمت بلدًا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائى. وفيه تأويل آخر:
_________________
(١) الجوهري: النَّعْمة بالفَتْح: التنعّم، يقال: نَعّمه الله فتنَعَّم، ويقال: أتيتُ أرضَ فلان فتنَعَّمَتْني: إذا وافَقته، واجتويتُ المقام: إذا كرِهْتَ المُقامَ فيه. قولُه: (لا يُثيب الله)، إلى آخره، فيه اعتزالٌ خَفِيٌّ وذلك أن مذهبَهم: أن استحقاقَ العقابِ بالكبيرةِ يحبطُ استحقاقَ الثوابِ بالطاعة، فعلى هذا لا يجتمعُ الثوابُ والعقابُ في شخص واحد، وأما عندَ أهلِ السّنةِ فلا يبعُدُ ذلك، لأن أهلَ النارِ من العاصِين لا يُخلَّدون فيها. وقال القاضي: المعنى: ما يُمَدُّ من عُمرٍ يُصَيِّرهُ إلى الكِبَرِ ولا يُنْقِصُ من عمرِ المنقوصِ عُمُرُه بجَعْلِه ناقصًا، والضميرُ له وإن لم يُذكر لدلالةِ مقابلِه عليه. وهذا قريبٌ من الوجهِ الأول في المعنى. قولهُ: (وفيه تأويلٌ آخَرُ)، إلى آخره. وقلت: القولُ الجامعُ فيه يظهَرُ من بيانِ النظمِ والعلمُ عند الله؛ وذلكَ أنه ﷿ ذكرَ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ سائرَ أحوالِ الإنسانِ وتَقلُّبَه في أطوارٍ مختلفةٍ مما هو أصولُها ويُعرفُ منه توابعُها ولواحقُها على مراتبَ ثلاثٍ كما هو عليه في الوجود، وسُلِكَ فيه فنٌّ غريبٌ وأسلوبٌ عجيب، حيثُ أُخْرِجَ في جُملٍ ثلاثٍ على طريقٍ يُنبئُ عن صفاتِ جَلالِه وحُسنِ تدبيرِه مِنَ القُدرةِ الكاملةِ والعلم الشاملِ وثبوتِ القضاءِ والقدرِ بحَسب تلك المراتب، فبدأَ أوّلًا بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ إظهارًا لتصرُّفهِ فيه تلك الأطوار، وثَنّى بقولِه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ بيانًا للطْفِ علْمِه ونفوذِه فيما هو مِن أدقِّ أحوالِ الإنسانِ من عُلْقَةِ النطفةِ حينَ المباشرةِ واستقرارها في مكانة الرحِم، ثم ما تكابدُ الأنثى من ثِقَلِ الحمْلِ ومُقاساةِ شِدَّتِه وما يَجري عليها عند الوضع من وجع المَخاض، وما تلَطَّفَ عليها من الخلاصِ من
[ ١٢ / ٦٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ تلك الورطةِ المُهلكة، وثَلَّث بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾ على إرادةِ وما يُعَمَّرُ منكم أيُّها الإنسان مَنْ يُعَمَّرُ ﴿لَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ إثباتًا لقضائهِ وقَدَرِه وأنَّ ما هو من خويصّةِ الإنسانِ الذي هو أعظمُ مطالبِه ليس إليه بل إلى الله وإلى قضائه، وأنه مُثبتٌ عنده لا يزيدُ ولا ينقصُ عما هو عليه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. فعُلِمَ من قولِنا خُوَيْصّةِ الإنسانِ أنَّ «مُعمَّرًا» محمولٌ على الجنس، أي: ما مِنْ شأنِه أن يُعَمَّرَ وأن يُنْقَصَ من عُمرِه وإليه يُنظر قولُ أبي الطيب: ومَقانبٍ بمَقانبٍ غادَرْتها … أقواتُ وحشٍ كُنَّ من أقواتها فإنّ الوحشَ منها جنسٌ شائعٌ في مأكولِ اللحم وغيرِه شَرْعًا؛ ليصحَّ أن يكونَ قوتًا للإنسانِ، والإنسانُ له أحرى وإلا لَزِمَ أن يكونَ الأكلُ عَيْنَ المأكول، ولأنّ عوْدَ الضميرِ من «كُنَّ» إلى الوحشِ يوجبُ أن يكونَ جِنسًا. وإما بمعنى الزيادةِ في العمرِ بالصدقةِ وصلَةِ الرحِمِ على ما وردَ عليه الألفاظُ النبوية فَبيانٌ وإعلامٌ لما قُدِّرَ في الكتابِ من مَدِّ العَمرِ ونُقصانِه وما يتَّصلُ بهما من الأسبابِ المُثبتةِ فيه وينصرُه ما رَوَيْنا عن التِّرمذي عن أبي خِزامةَ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ رُقي نَسْترقي بها، ودواءً نَتداوى بها، وتقاةً نتَّقيها هل تَردُّ مِن قَدَرِ الله شيئا؟ قال: «هو مِنْ قَدَر الله». وأما معنى قولِ كعب: فهو أنَّ عمرَ ﵁ لو دَعا الله ووافَقه القَدرُ لأُخِّرَ في أجَلِه لأنه كان رفيعَ القَدْرِ مُستجابَ الدعوة. ونَحْوُه ما رَوى البخاريُّ ومُسلم وأبو داودَ والنَّسائي عن أنس بن مالك: أنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَه كَسَرتْ ثَنِيّةَ جاريةٍ فطلبوا إليها العَفْوَ فأَبوْا، فعَرضوا الأَرْشَ، فأَتوْا رسولَ الله ﷺ وأبَوْا إلا القِصاص، فأمرَ رسولُ الله ﷺ بالقِصاص، فقال أنسُ ابنُ النَّضْر: يا رسولَ الله أتُكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ ! لا والذي بعثَك بالحقِّ لا تُكْسَرُ
[ ١٢ / ٦٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ثَنِيُّتُها. فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أنسُ، أليسَ كتابَ الله القِصاصُ؟ فرضِيَ القوم فعفَوْا، فقال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ مِنْ عبادِ الله مَنْ لو أقسَمَ على الله لأبرَّه»، هذه روايةُ البخاريِّ، وروى مسلمٌ قريبًا منه. وأما قولُه: فقد قال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ في جواب من قال: أليس قد قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فتفسيرُه ما روى مُحيي السُّنة في «المعالم» بعد هذا المذكورِ في «الكشاف»: فقيل له: إنّ الله يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فقال: هذا إذا حضرَ الأجلُ، فأمّا ما قبلَ ذلك فيجوزُ أن يُزادَ ويُنقَصَ، وقرأ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وروى الشيخُ مُحيي الدِّين في «شرح صحيح مسلم» عن بعضِ العُلماءِ أنه قال: قد تقرَّرَ بالدلائلِ القاطعةِ أنّ الله تعالى عالمٌ بالآجالِ والأرزاقِ وغيرِها، وحقيقةُ العلم: معرفةُ المعلومِ على ما هو به، فإذا علِمَ الله تعالى أنَّ زيدًا يموتُ سنةَ خمس مئةٍ استحالَ أن يموتَ قبْلَها أَو بعْدَها، فاستحالَ أنّ الآجالَ التي عليها عِلْمُ الله أن تزيدَ أو تنقصُ، فتعيَّن تأويلُ الزيادةِ أنّها بالنسبةِ إلى ملَكِ الموتِ أو غيرِه ممّن وكِّلَ بقَبْضِ الأرواحِ وأمرَهُ بآجالٍ محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمُرَه بذلك أو يثبتَ في اللوح المحفوظ ينقصُ منه أو يزيدُ على ما سبقَ به علمُه في كلِّ شيء، وهو معنى قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، وعلى ما ذكرناه يُحملُ قولُه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. وقال الراغب: القضاءُ من الله أخصُّ من القدر؛ لأنّه الفَصْلَ بين التقدير، والقدر هو التقدير، والقضاء هو التفصيلُ والقطع، وقد ذكر بعضُ العلماءِ أنَّ القَدَر بمَنزلة المُعَدِّ للكَيْل، والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا قال أبو عُبيدةَ لعُمر ﵄ لما أرادَ الفِرار من الطاعون بالشام: أتفِرُّ من القضاء؟ قال: أفِرُّ مِن قَضاءِ الله إلى قَدَرِ الله، تنبيهًا على أنّ القَدَر
[ ١٢ / ٦٢٣ ]
وهو أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح: إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر. وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية، وهو الستون. وإليه أشار رسول الله ﷺ في قوله: «إن الصدقة والصلة تعمران الديار، وتزيدان في الأعمار» وعن كعب: أنه قال حين طعن عمر ﵁: لو أن عمر دعا الله لأخر في أجله، فقيل لكعب: أليس قد قال الله: (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)] يونس: ٤٩ [؟ قال: فقد
_________________
(١) ـ ما لم يكن قَضاءً فمرجُوٌّ أن يدفَعَه الله فإذا قُضِيَ فلا مَدْفَع له ويشهَدُ لذلك قوله ﷿: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١،] وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، تنبيهًا على أنه صار بحيثُ لا يُمكنُ تَلافيه. وقلت: ذكر صاحبُ «التاريخ الكامل»: أن عُمَر بن الخطاب ﵁ قَدِم الشامَ، فلما كان بسَرْغٍ لقيَه أُمراءُ الأجنادِ فيهم أبو عبيدة بن الجرّاح، فأخبروه بالوَباءِ وشِدّتِه، وكان معه المهاجرون والأنصار فاستشارهُم فاختلفوا عليه، فنادى عمرُ في الناس: إني مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ، فقال أبو عُبيدة: أفرارًا من قدرِ الله تعالى؟ فقال عمر: لو غيرُك قالَها يا أبا عُبيدة! نَعم نفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيْتَ لو كان لك إبِلٌ فهَبَطْتَ واديًا له عُدْوتان: إحداهما: خِصْبة، والأُخرى: جَدْبة، أليسَ إن رعَيْتَها الخِصْبَة رعَيْتها بقَدرِ الله، وإن رعَيْتَ الجَدْبَة رعَيْتَها بقَدرِ الله تعالى، فسمِعَ بهم عبدُ الرحمن بن عوف فأخبرَه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا سمِعْتُم بهذا الوباءِ ببلدٍ فلا تخرُجوا فرارًا منهُ» فانصرفَ عُمر بالناسِ إلى المدينة. والروايةُ الأخيرةُ أخرجَها البخاريّ ومسلم في «صحيحَيْهِما»، والأولى مختصرةٌ من «صحيحِ البخاريِ» عن ابن عباس.
[ ١٢ / ٦٢٤ ]
قال الله: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ). وقد استفاض على الألسنة: أطال الله بقاءك، وفسخ في مدتك، وما أشبهه. وعن سعيد بن جبير ﵁: يكتب في الصحيفة: عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتى على آخره. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة. والكتاب: اللوح. عن ابن عباس ﵄: ويجوز أن يراد بكتاب الله علم الله، أو صحيفة الإنسان. وقرئ: (ولا ينقص) على تسمية الفاعل. (من عمره) بالتخفيف.
[(وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)] ١٢ [
ضرب البحرين -العذب والملح- مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه: (وَمِنْ كُلٍّ)، أى: ومن كل واحد منهما (تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا): وهو السمك، (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً):
_________________
(١) قولُه: (العَذْبَ والمِلْح)، الراغب: المِلْح: الماءُ الذي تغيَّرَ طَعْمُه التغيُّرَ المَعْروف وتَجمَّدَ، ويُقالُ له: ملح إذا تغيَّرَ طعْمُه وإن لم يتجمّد، فيقال: ماءٌ مِلْحٌ، وقلّما تقولُ العربُ: ماءٌ مالحٌ، قال تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، وملّحْتُ القدْرَ: ألقيْتُ فيها المِلْحَ، ثم استُعيرَ من لفظِ الملْحِ المَلاحة، فقيل: رجُلٌ مَليحٌ وذلك راجعٌ إلى حسنٍ يغمضُ إدراكه. قولُه: (على سبيلِ الاستطرادِ)، عن بعضِهم: وذلك لأنّه لما ضربَ البَحْرَ الملْحَ مثلًا للكافرِ وكان لا يناسبُ وَصْفَه بما يشعرُ بمَدْحِه؛ لأنه في معرضِ الذمِّ، استعذرَ بأنّه على سبيلِ الاستطرادِ، مثالُه: أن يذهبَ الرجلُ إلى موضعٍ مخصوصٍ صائدًا، فيعرضُ له صيدٌ آخر، فاشتغلَ به، فأعرضَ عن الصيدِ الأولِ، وفيه بحث.
[ ١٢ / ٦٢٥ ]
وهي اللؤلؤ والمرجان. (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ): في كل (مَواخِرَ): شواق للماء بجريها، يقال: مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب: بنات مخر، لأنها تمخر الهواء. والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره. (مِنْ فَضْلِهِ): من فضل الله، ولم يجر له ذكر في الآية، ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل؛ لدلالة المعنى عليه. وحرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة، ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل، كأنما قيل: لتبتغوا، ولتشكروا. والفرات: الذي يكسر العطش. والسائغ: المريء السهل الانحدار لعذوبته. وقرئ: (سيغ) بوزن سيد،
_________________
(١) قولُه: (بناتُ مَخْرٍ)، عن بعضِهم: بناتُ مَخْرٍ: سحائبُ رِقاقٌ بيضٌ ينشأن في أيامِ الربيع، ويقال: بناتُ بَحْرٍ، بالباءِ والحاءِ المهملة؛ لأن معناه السقّ، يقال: شَقّه، أي: قَشَره، والسَّفْن: الذي اشتُقَّت منه السفينة. الجوهري: السَّفن: ما يُنْحَتُ به الشيء، قال: وأنتَ في كَفِّك المِبْراةُ والسَّفَن أي: أنتَ نَجّار. وفي «الأساس»: بَرى العودَ بالسَّفَن، وهو مِبراةُ السِّهام، ومنه السفينة؛ لأنها تسفِنُ الماءَ كما تَمْخُرُه. قولُه: (وحرفُ الرجاءِ مستعار لمعنى الإرادة)، أو هو تمثيلٌ، شَبَّه معاملتَه مع المكلَّفين فيما منحَهم من الاختبارِ الظاهرِ وابتلائِهم بالبلوى بصورةِ مَنْ يرجو ويأمُل، وإنما خولفَ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، أي: ﴿لِنَبْتَغُوا﴾ و﴿لَعَلَّكُمْ﴾، ليؤذِنَ بأنّ المرادَ بالشكر: العبادةُ والتقوى، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وليس كذلك ابتغاءُ الفضلِ، فناسبَ أن يُجاءَ في كُلٍّ بما يُناسبه. قولُه: (والفُراتُ: الذي يكسِرُ العطش)، الراغب: الفراتُ: الماءُ العَذْب. يقالُ للواحدِ
[ ١٢ / ٦٢٦ ]
و(سيغ) بالتخفيف؛ و(ملح): على فعل. والأجاج: الذي يحرق بملوحته. ويحتمل غير طريقة الاستطراد: وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج
_________________
(١) والجمعِ. والأُجاجُ: شديدُ الملوحة والحَرارةِ، مِن قولهم: أجيج النار وأَجَّتها، وقد أجَّت، وائتجّ النهار، ويأجوجُ ومأجوجُ منه شُبِّهوا بالنارِ المضطرمةِ والمياهِ المتوّجة؛ لكثرة اضطرابِهم، وأجّ الظَّليم: إذا عدا أجيجًا تشبيهًا بأجيجِ النار. قولُه: (ويحتملُ غيرَ طريقة الاستطراد)، وفي اتصال ﴿وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ﴾ بما قَبْلَه وجوه: أحدُهما: أن يكونَ مُستطرَدًا وذلك إذا لم يُنظر إلى التمثيلِ أي: المُمثَّل والمُمثَّلِ به بل إلى نفس المُمثَّلِ به فلما قيل: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ أوردَ قوله: ﴿وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ في الذكرِ من غيرِ قَصْد، ولما كان له نوعُ تعلَّقٍ بأصلِ الكلام أي: ما عُطِفَ عليه وهو الممثَّلُ به بالواو. وثانيها: أن يكونَ ترشيحًا للاستعارةِ، لأنه تفريعٌ على المستعار منه بعد الفراغِ من الاستعارة، ومُصَحِّحُه خَلْقُ النفع في المُشَبَّه دون المُشَبَّه به، وموقعُه موقعُ التتميم صيانةً لحقِّ البحرِ لأنّ في تشبيهِ الكافرِ بالبحْرِ المالح إيذانًا بهَضْمِ جانبهِ، وهو المُراد مِنْ قوله: أن يُشَبَّه الجنسَيْن بالبحرَيْن، ثم يفضِّلَ البَحْرَ الأجاجَ على الكافر. نظيرُه في الاستدراك صيانةُ قوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤]. وثالثها: أن يكونَ من تَتِمّةِ التمثيل: إمّا مُركَّبٌ وَهْمي، أو مُركَّبٌ عقلي، وعلى الأولِ كانَ مُفردًا عَقْليًّا. قال القاضي: وهو استطرادٌ أو هو تمامُ التمثيلِ. والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات؛ لأنه خالط أحد الماءين ما أفسده وغَيَّر مِن كمال فِطْرته، وكذا لا يساوي المؤمنُ الكافرَ وإن اتفقَ اشتراكُهما في بعض الصفاتِ
[ ١٢ / ٦٢٧ ]
على الكافر؛ بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ، وجرى الفلك فيه، والكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)] البقرة: ٧٤ [، ثم قال: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله)] البقرة: ٧٤ [.
[(يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)] ١٣ [
(ذلِكُمُ) مبتدأ، و(الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) أخبار مترادفة. أو (الله رَبُّكُمْ) خبران، و(له الملك) جملة مبتدأة واقعة في قران قوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)، ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم
_________________
(١) كالشجاعةِ والسَّخاوةِ والعِفّةِ، لاختلافِهما فيما هو الخاصِّيةُ العُظمى وبقاءِ أحدِهما على الفطرةِ الأصليةِ دون الآخر. قولُه: (﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملةٌ مبتدأة واقعة في قِرانِ قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ﴾)، وعلى الأول داخلٌ في حَيِّزِ الحُكمِ المُعَلَّل، أي: ذلكم الموصوفُ بتلكَ الصفاتِ التي أُجرِيَت عليه مُستَحق؛ لِأنْ يُعبَد ويُتَّخَذَ مالكًا، ويُخَّصّ بالعبادةِ دونَ الغير، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ عطف على: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ وعلى الثاني قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ يكون مستأنفا مُقَرِّرًا للجُملِ السابقة من قوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾، ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ حالًا من الضميرِ المستَقرِّ في الظرف.
[ ١٢ / ٦٢٨ ]
الإشارة، أو عطف بيان، و(ربكم) خبرا لولا أن المعنى يأباه. والقطمير: لفافة النواة؛ وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها.
[(إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)] ١٤ [
إن تدعوا الأوثان (لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ)؛ لأنهم جماد (وَلَوْ سَمِعُوا) على سبيل الفرض والتمثيل لـ (مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ)؛ لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، ويتبرءون منها. وقيل: ما نفعوكم: (يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ). (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ): ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به. يريد: أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به. والمعنى: أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال
_________________
(١) ـ قولُه: (لولا أنّ المعنى يأباه)، عن بعضِهم: إنما يأباه؛ لأن ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارةٌ إلى معلومٍ سبقَ ذكْرُه، وكونُه صِفةً أو عطفَ بيانٍ يقتضي أن يكونَ فيما سبقَ ضَرْبُ إبهام، وفيه نظر بحَسبِ كونِه صفة، وأما جَعْلُه عطفَ بيانٍ ففيه تخييلٌ للشركة، ألا ترى إذا قلت: ذلك الرجلُ سَيِّدُك، ففيه نوْعُ شركة؛ لأنّ «ذا» اسمٌ مُبهَمٌ ثم تُبيِّنُه. وقلتُ: ويُمكنُ أن يقال: إنّ المشارَ إليه الإشارةِ ما سبق، كما قررناه آنفًا، ولو جُعِلَ موصوفًا أو مُبيَّنًا لكان المشارُ إليه ما بعْدَه، فلا يبقى ذلك الترتيبُ المُعتبر، وهو أنّ ما قبله جَديرٌ بما بعدَه لأجل إجراءِ تلك الصفاتِ عليه، إذ المعنى: ذلك الموصوفُ بتلك الصفاتِ الممُيَّزةِ والنعوتِ الكاملةِ هو العبودُ المستحِقُّ للعبادةِ المالكُ المُتفرِّدُ بالإلهية، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وفيه: أنْ ليسَ كلُّ ما يصحُّ إعرابًا كان وَجْهًا؛ لأنّ الإعرابَ تابعٌ للمعاني ولا ينعكس. قولُه: (وقيل: ما نفعوكم)، عَطْفٌ على قولِه: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنهم جَماد، أي: ما نَفعوكم لعدمِ قُدرتِهم على شيء، وذلك أنّ المرادَ بالدعاءِ طلبُ النفع. قولُه: (يريدُ أنّ الخبيرَ بالأمرِ وحده هو الذي يخبرُك بالحقيقة)، هذا الاختصاصُ يُفيده
[ ١٢ / ٦٢٩ ]
الأوثان هو الحق؛ لأنى خبير بما أخبرت به. وقرئ: (يدعون)، بالياء والتاء.
[(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ)] ١٥ - ١٧ [
فإن قلت: لم عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم؛ لأن
_________________
(١) ـ لفظُ ﴿مِثْلُ﴾، ووَضْعُ ﴿خَبِيرٍ﴾ موضعَ المَضْمَر، قال مُحيي السُّنّة: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: لا يُنبِّئُك أحدٌ مثلي خَبير. وقلتُ: نظيرُه ما إذا أخبرَكَ بالأمرِ مُخبرٌ صادقٌ مُتقِنٌ في الأمور، ثم قالَ بعْدَه: ما يُخبركَ به مِثْلُ خبير، أي: مثلي، يعني: أنا مُختصٌّ به فلا تسأَلْ عن غيري، فالمعنى: لا يُخْبِرُ بالأمرِ مُخبرٌ هو مثْلُ الخبيرِ العالمِ الذي لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا يعزُبُ عن عِلْمِه مثقالُ ذرّة. قولُه: (وقُرِئَ: ﴿تَدْعُونَ﴾ بالتاء والياء)، بالتاءِ الفوقانية: العامة، والياءُ: شاذّة. قولُه: (أن يُرِيَهم أنَّهم لشدَّةِ افتقارِهم إليه هم جنسُ الفقراء)، يريد: أنه تعالى أوقعَ الفقراءَ خبرًا لـ ﴿أَنتُمُ﴾ وهو محلّى بلامِ الجنسِ وهو يفيدُ الاختصاص، وأنّ غيرَهم من المخلوقاتِ ليس كذلك، وليسَ كذلك؛ لأنّ الخلائقَ كلَّهم مُفْتَقرون إليه، لكنْ سلكَ فيه المبالغةَ وأن افتقارَ غيرِهم بالنِّسبةِ إلى افتقارِهم كَلا افتقار، وإليه الإشارةُ بقوله: «وإن كانتِ الخلائقُ كلُّهم مُفْتقرين إليه». قال صاحب «الفرائد»: الوجه أن يُقالَ -والله أعلم-: المرادُ الناسُ وغيرُهم، وهو على طريقةِ تغليبِ الحاضرِ على الغائبِ وأُولى العلْمِ على غيرهم، كما في قولِه تعالى: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١]، يريدُ أولي العقل وغَيْرَهم، وهو كما أنَّ واحدًا من
[ ١٢ / ٦٣٠ ]
الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله: (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا)] النساء: ٢٨ [، وقال: (الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ)] الروم: ٥٤ [؛ ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل (الفقراء) بـ (الغنى)، فما فائدة (الحميد)؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم، وليس كل غنى نافعًا بغناه إلا إذا كان الغنىّ جوادًا منعمًا، فإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم، واستحق عليهم الحمد
_________________
(١) ـ القومِ حاضرٌ وهو زيد، وبقيَّتُهم غيرُ حاضرين فقالَ له مَنْ هو حاكمٌ على القوم بعد أن عَدَّ عليه نِعَمَه في حقِّ القوم وأظهَرَ لأنهم لا يمتثِلون أمْرَهُ ولا يمتنعون عما نهاه: يا زَيْدُ أنتُم المحتاجونَ إليَّ في حصولِ فائدةِ ما أمرتُكم به وحصولِ فائدةِ ما نهيتُكم عنه، وفي غيرِهما من كل الوجوه، لا أنا محتاجٌ إليكم في حصولِ فائدتِهما أو في شيءٍ غيرِهما، لأني غَنِيٌّ على الإطلاق، حَميدٌ على الإطلاق، لا يرجعُ إليَّ نفْعٌ من أمثالِكم ولا مَذَمّةٌ من تقصيرِكم، وبعضُهم غيرُ مأمورٍ وغيرُ مَنْهيّ، إلا أنَّ الكلَّ مُفْتقرٌ إليه من جميعِ الوجوه، وهو غنيٌّ عن الكلِّ بجميعِ الوجوهِ، وهو الذي أرادَ مِن قوله: ﴿أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ والله الهادي. وقلت: الذي يقتضيهِ النظمُ -والله أعلم-: أن يُحملَ التعريفُ في ﴿الْنَّاسُ﴾ على العهد، وفي ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ على الجنس؛ لأنّ المخاطبينَ هم الذين خوطبوا في قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ أي: ذلكم المعبودُ وهو الذي وُصِفَ بصفاتِ الجلالِ لا الذين تدعون من دونِه، وأنتُم أشدُّ الخلائق احتياجًا إليه، وهو غنيٌّ عنكم وعن عبادتِكم؛ لأنه حَميدٌ يحمَدونه وإن لم تَحْمدوه أنتم، وهو المرادُ من قوله: «الحميد على ألسنةِ مؤمنيهم»، ويؤيِّدُه قولُه: ﴿إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وتَفْسيرُه بقولِه: وهذا غَضَبٌ عليهم لاتخاذِهم له أندادًا، ولأنّ القَصْدَ من الإيرادِ إظهارُ كمالِ استغنائِهم عما يَدْعونه من دونِ الله وكمالِ افتقارِهم إلى الله ﷿، وغايةِ عَجْزِهم وعِظَمِ قُدرتِه.
[ ١٢ / ٦٣١ ]
ذكر الحميد؛ ليدل به على أنه الغنى النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه. (الحميد) على ألسنة مؤمنيهم. (بِعَزِيز): ٍ بممتنع، وهذا غضب عليهم؛ لاتخاذهم له أندادًا، وكفرهم بآياته ومعاصيهم، كما قال: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)] محمد: ٣٨ [، وعن ابن عباس ﵄: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئًا.
[(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله الْمَصِيرُ)] ١٨ [
الوزر والوقر أخوان؛ ووزر الشيء: إذا حمله. والوازرة: صفة للنفس، والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا الولي بالولى، والجار بالجار. فإن قلت: هلا قيل: ولا تزر نفس وزر أخرى؟ ولم قيل (وازرة)؟ قلت: لأن المعنى: أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها، لا وزر غيرها. فإن قلت: كيف توفق بين هذا وبين
_________________
(١) ـ قولُه: (ذكرَ الحَميدَ؛ ليدلَّ به على أنَّه الغنيُّ النافع بغِناه خَلْقَه)، وهو من التكميلِ، كقولِ كَعْب الغَنَوي: حليمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْلَه … مع الحِلْمِ في عَيْنِ العَدوِّ مَهيبُ فإنّه رأى أنَّ الوصفَ بمُجَرَّدِ الحِلْم غيرُ واف، فكَمَّل بقَوْله: «في عَيْنِ العدوِّ مَهيب». قولُه: (لا ترى منهنَّ واحدةً إلا حاملةً وزْرَها، لا وِزْرَ غيرِها)، هو مثلُ قَوْلك: ما زيدٌ إلا قائمٌ لا قاعد.
[ ١٢ / ٦٣٢ ]
قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ)] العنكبوت: ١٣ [؟ قلت: تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم، ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ)] العنكبوت: ١٢ [بقوله: (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ)] العنكبوت: ١٢ [؟ فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) وبين معنى (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ)؟ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفسًا بغير ذنبها، والثاني: في أن لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى أن نفسًا قد أثقلها الأوزار وبهظتها، لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ. فإن قلت:
_________________
(١) قولُه: (ما الفرْقُ بين معنى قولِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾) إلى آخره، توجيهُ السؤالِ أن يُقال: إذا كان معنى الأول: أنّ النفوسَ الوازراتِ لا ترى منهنَّ واحدةً إلا حاملةً وِزْرَها لا وِزْرَ غيرِها، وكان معنى الثاني: أنَّ النفسَ المُثقلَة بذنوبِها إن تَدْعُ نَفْسًا أخرى وندبت إلى حْمْلِها لا تحمِلُ ثِقَلَها رجعا إلى معنى واحد، فما الفرق؟ وأجاب: أنّ المقصودَ في الإيراد مفهومُهما وإظهارُ وصفَيْن من أوصافِ بارئِهما، دلَّ الأول على ظهورِ عَدْلِ الله، والثاني على ظهورِ الهيبةِ والجلال على طريقِ الكناية، كقولِه تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والمقام يَقْتضيه، لأنه لما قيل: ﴿إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إظهارًا لغضبِه على المشركين، وأنه لا أحدَ يمنَعُهم من إمضاءِ قَهْرِه عليهم، وأتبَعَه بذكَرِ أهوالِ يومِ القيامة، فدَلَّ قولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على عَدْلِه وأنه إن أهلكَهم فبشُؤم عَملِهم: مِنْ كفرِهم بآياتِ الله واتخاذِهم له أندادًا، لأنّ مِنْ شأنِ عَدْلِه ﷿ أن لا يؤاخِذَ نفسًا إلا بذَنْبِها لا بذَنْبِ غيرِها، ومِنْ شأنِ عِزَّتِه أن لا يمنَعَه أحد عند صَدماتِ جلاله عما أراد وشاء، وإليه الإشارةُ بقوله: «﴿بِعَزِيزٍ﴾: بممتنع».
[ ١٢ / ٦٣٣ ]
إلام أسند (كان) في (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى)؟ قلت: إلى المدعو المفهوم من قوله: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ). فإن قلت: فلم ترك ذكر المدعو؟ قلت: ليعمّ ويشمل كل مدعوّ. فإن قلت: كيف استقام إضمار العام؟ ولا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقلة. قلت: هو من العموم الكائن على طريق البدل. فإن قلت: ما تقول فيمن قرأ: (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى) على "كان" التامّة، كقوله: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ)] البقرة: ٢٩٠ [؟ قلت: نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة؛ لأنّ المعنى على أن المثقلة إن دعت أحدًا إلى حملها لا يحمل منه، وإن كان مدعوّها ذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم، ولو قلت: ولو وجد ذو قربى؛ لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه، على أنّ هاهنا ما ساغ أن يستتر له
_________________
(١) ـ قولُه: (إلامَ أسندَ) هذا السؤالُ والجوابُ مُستدركٌ لقوله آنفًا: «وإن كانَ المدعوُّ بعْضَ قرابتِها». قولُه: (فلِمَ تُركَ ذكْرُ المَدْعوِّ؟)، أي: مفعول ﴿تَدْعُ﴾ في قوله: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾. قولُه: (ليعمَّ ويشمَلَ كلَّ مَدْعوٍّ) أي: ممن يصحُّ أن يُدعى نحو المعبودِ بالحق والجن والإنس، ومما لا يصحُّ أن يُدْعى مثل الأصنام وغيرِها، ولو قُدِّرَ شيءٌ من ذلك لاختصَّ به ولفاتَ العُمومُ المراد. قولُه: (ولا يصحُّ أن يكونَ العامُّ ذا قربى)، يريد: أنَّ خبرَ ﴿كَانَ﴾: ﴿ذَا قُرْبَى﴾، فإذا جُعِلَ اسمُه أعمَّ منه لا يصحُّ حَمْلُه عليه. وخلاصةُ الجواب: أنَّ العامَّ على نوعَيْن: عامٌّ على وَجْهِ الشمول، وعامٌّ على وَجْهِ البدَل، والمرادُ هنا الثاني، فيكونُ المعنى: وإن تَدْعُ النفسُ المُثقَلةُ الناس: إمّا هذا وإما ذلك، لا يُحمَلُ منه شيءٌ وإن كان ذلك المَدْعوُّ ذا قُرْبى. قولُه: (لتفكّكَ وخرج عن اتِّساقه)، لأنَّ الجملةَ الشرطيةَ كالتتميمِ والمبالغةِ في أنْ لا غِياثَ البتّةَ، ولو قُدِّرَ المَدْعوُّ ذا قربى. روى مُحيي السُّنة: عن ابن عباس: يلقي الأبُ والأمُّ ابنَه فيقول: يا بُنيَّ احمِلْ عني
[ ١٢ / ٦٣٤ ]
ضمير في الفعل بخلاف ما أوردته. (بِالْغَيْبِ) حال من الفاعل أو المفعول، أى: يخشون ربهم غائبين عن عذابه، أو يخشون عذابه غائبًا عنهم. وقيل: بالغيب في السر. وهذه صفة الذين كانوا مع رسول الله ﷺ من أصحابه، فكانت عادتهم المستمرّة أن يخشوا الله، وهم الذين أقاموا الصلاة وتركوها منارًا منصوبًا وعلمًا مرفوعًا، يعنى: إنما تقدرعلى إنذار هؤلاء وتحذيرهم من قومك، وعلى تحصيل منفعة الإنذار فيهم دون متمرّديهم وأهل عنادهم. (وَمَنْ تَزَكَّى): ومن تطهر بفعل الطاعات وترك
_________________
(١) ـ بَعْضَ ذُنوبي، فيقول: لا أستطيعُ حَسْبي ما عليّ. إذ لو قلت: إنْ تدْعُ النفسُ المثقلةُ إلى تخفيفِ ما عليها لا تجد أحدًا يُساعده، ولو وُجدَ ذا قُرْبى لا يحسُنُ ذلك الحُسْن. قولُه: (بخلافِ ما أوْرَدْتُه)، يعني: في قولِه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، و«ما» في «ما ساغَ» بمعنى: الذي. قيل: وفيه نَظَر، لأنه يجوزُ أن يُقال: وإن كان الغَريمُ ذا عُسْرةٍ لدلالةِ السياق. نعَمْ يصحُّ أن يُقال: الإضمارُ هاهنا أوْلى لدلالِة «إن تَدْعُ» على المدعوِّ، بخلافِه ثَمَةَ، لأنه ليسَ في اللفظِ ما يدلُّ على الغريمِ، ولذلك لم يُقْرا في المشهورةِ هنا بالرفعِ وهُناكَ بالنصب. وعن بعضِهم: المعنى أنَّ مُسوِّغَ الاستتارِ هاهنا بخلافِ المُسوِّغ في ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، لأنه هاهنا جُملةٌ اعتراضية فارتبطَتْ بما قبْلَها، وفي تلك مُنقطعةٌ عما قَبْلها، بدليلِ ذكْرِ جوابِه لفظًا وهو ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. قولُه: (إنّما تَقْدِرُ على إنذارِ هؤلاء [وتحذيرهم] مِن قومِك دون متمرِّديهم)، إشارةٌ إلى أنّ بيانَ مواقع استعمالِه، لأن «إنّما» يُستعملُ في حُكْمٍ لا يُعْوِزُ تَحْقيقُه، ولا يخفى على مَنْ به مُسْكة أنّ الإنذارَ إنما يكون إنذارًا ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله والبعثِ والقيامةِ وأهوالِها، لا مع غَيْرِه. وبيانُه: أنه تعالى لما أظهرَ غَضَبَه على من اتَّخَذ من دونِ الله أندادًا بقوله: ﴿إِن يَشَأ
[ ١٢ / ٦٣٥ ]
المعاصي. وقرئ: (ومن ازكى فإنما يزكى)، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة؛ لأنهما من جملة التزكى. (وَإِلَى الله الْمَصِيرُ) وعد للمتزكين بالثواب. فإن قلت: كيف اتصل قوله: (إِنَّما تُنْذِرُ) بما قبله؟ قلت: لما غضب عليهم في قوله: (إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال: (إِنَّما تُنْذِر) كأن رسول الله ﷺ أسمعهم ذلك، فلم ينفع؛ فنزل (إِنَّما تُنْذِرُ)، أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم.
[(وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)] ١٩ - ٢٣ [
_________________
(١) ـ يُذْهِبْكُمْ﴾ وأتبعَه الإنذارَ بيومِ القيامة وأهوالِها التفتَ إلى حبيبِه صلواتُ الله عليه ناعيًا له تمرُّدَهم وعِنادَهم وأنَّ الوعْظَ لا يُنْجِعُ فيهم، لأنَّهم لا يخافونَ عقابَه لأنهم جُهّالٌ لا يتفكَّرون في العاقبة، وإنما يُنْجِعُ فيمن يُوقنُ أنَّه لا بدَّ من المصيرِ إلى الله فيَخْشى عِقابَه وإليه ينظر قولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قولُه: (مِن قومك) أي: مِن جَملةِ قومِك ومن بينهم، قيل: «مِنْ» للتبعيضِ، وهو حالٌ إمّا من قولِه: «هؤلاء»: أو مِن «هُم» في «تحذيرِهم»، والوجْهُ أن يكونَ المشارُ إليه بقولِه: «هؤلاءِ»: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾، و«مِن قومِك» بيانٌ لاسمِ الإشارة حالٌ منه. وقلت: وإذا جُعِلَ «مِنْ» تبعيضًا، فالظاهرُ أنَّ «مِنْ قومِك» بدَلٌ مِنْ «هؤلاء»، أي: إنّما تَقْدِرُ على إنذارِ بعضِ قومِك دونَ مُتمرِّديهم. قولُه: (وقُرِئَ: «ومَن ازّكَّى»)، أصلُه: تزّكى، أدغمَ التاءَ في الزاي، ثم أتى بهَمْزةِ الوصلِ، ثم أُسْقِطَتْ في الدَّرْج.
[ ١٢ / ٦٣٦ ]
الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للكافر والمؤمن -كما ضرب البحرين مثلًا لهما- أو للصنم والله عزّ وعلا،
_________________
(١) ـ قولُه: (الأعمى والبصيرُ مَثَلٌ للكافرِ والمؤمنِ أو للصَّنَمِ والله ﷿)، أي: يجوزُ أن يكونَ المُشبَّهُ بالأعمى الكافر وأن يكونَ الصنم، وأن يكونَ المُشبَّهُ بالبصيرِ المؤمنَ، وأن يكون الله تعالى، فعلى الأول: التمثيلُ مردودٌ على التمثيلِ الأوّلِ، أي: قولِه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾، وإليه الإشارة بقولِه: «كما ضربَ البحرَيْن مَثَلًا لهما»، وعلى الثاني: مَلْزوزٌ في قَرَنِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، والأولُ أجرى على تأليفِ النظم، فإنّه شَبَّه أوّلًا منْ آمنَ بالبحرِ العَذْبِ والكافرَ بالمِلحِ الأُجاجِ وبَيَّن فيه عَدَمَ الاستواء، ثم نَبَّه أنّ الكافرَ أدْوَنُ حالًا من البحرِ المِلْحِ بقوله: ﴿وَمِن كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية، لأن فيه منافعَ جَمّةً والكافِرُ خلْوٌ من النفع، ثم أتى بتمثيلٍ آخرَ، فشَبَّههما بالأعمى والبصيرِ في الضلالِ والاهتداءِ وشَبَّه ما يَرْدِفُهما من متابعةِ الحقِّ التي تورِثُ المؤمنَ الثوابَ ومن الذهاب إلى الباطلِ الذي يؤدِّي الكافرَ إلى العقاب ببالظلماتِ والنورِ والظلِّ والحَرور، ثم جَعل كُلاًّ من التمثيلَيْن تمهيدًا وتوطئةً لقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾؛ لأن المراد بالأحياء: المؤمنون الذي دخَلوا في دارِ السلام، وانتفعوا بدَعْوةِ نبيِّ الرحمةِ صلواتُ الله عليه، وبالأموات: الذين يُقُوا خارجينَ عن دارِ أمانِ الدعوة، ولم يرفعوا لها رأسًا وأصرُّوا واستكبروا، وإليه الإشارةُ بقوله: «والأحياءُ والأموات مثَلٌ للذينَ دَخلوا في الإسلامِ والذينَ لم يدخلوا فيه وأصَرُّوا على الكفر». وفُهِمَ من هذا التقرير: أنّ التعريفَ في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ وفي قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ للجنسِ، وفي ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ للعهد، وأن المقصودَ الأوْلى في الإيرادِ هذا التمثيلُ الثالث، ولهذا كرَّرَ ﴿وَمَا يَسْتَوِي﴾، وأكَّدَ النفيَ بتكريرِ «لا»، وعلَّلَه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ مُسَلِّيًا لرسولِ الله ﷺ وإقناطًا له من إيمانِ المُصرِّين وإيذانًا بأنَّ الهادي والمُضِلَّ هو الله ﷾. يعني: أنّ
[ ١٢ / ٦٣٧ ]
والظلمات والنور والظنّ والحرور: مثلان للحق والباطل، وما يؤدّيان إليه من الثواب
_________________
(١) ـ الذي تعلّقَتْ مشيئةُ الله وإرادتُه بإسلامِه كالأحياءِ فانتفَع بدعوتِك وانتجَعَ فيه وعظُك، ومَنْ تعلّقتْ مشيئتُه بضلالتِه كالموتى فلا ينتفعُ بوَعْظِك، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، فلا تتهالكْ أنت في إسلامِ مَنْ يُريدُ الله إضلالَه فما أنْتَ بمُسمِعٍ للموتى. هذا تقريرٌ واردٌ على مذهبِ أهلِ السنّة، وهو ظاهرٌ مطابقٌ للآية. وأما المصنِّفُ فأرادَ بقَوْله: «فَيهْدي الذي قد عَلِم أنّ الهدايةَ تنفَع فيه، ويخذلُ مَنْ علِمَ أنها لا تنفعُ فيه» تقريرَ مَذْهبِه، وهو كما ترى مُتَعَسَّفٌ من حيثُ النظمُ، على أنه يؤدِّي إلى أن تكونَ مشيئةُ الله تابعةً لفعْلِ العبد. وقال القاضي: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ تمثيلٌ آخرُ للمؤمنين والكافرين، أبلَغُ من الأول، ولذلك كَرَّر الفعْلَ. وقولُه: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ ترشيحٌ لتمثيلِ المُصرّين على الكفرِ بالأمواتِ ومبالغةٌ في إقناطِه عنهم. وقلت: في التمثيلاتِ الثلاثِ تَرَقٍّ من الأهونِ إلى الأغلظِ وفي كلِّ مِنهما تفريعٌ على الأصل: بَنى على البحرين اللحمَ الطريَّ وجَرَيانَ الفُلْك وعلى الأعمى والبصير: الظلماتِ والنور وعلى الأحياءِ والأموات: استماعَ الحقِّ وعدَمَه. قولُه: (والظلماتُ والنورُ والظلُّ والحَرورُ: مَثَلان)، اعلَمْ أنّ «لا» في: ﴿وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾ مَزيدة، لأن المعنى: الظلماتُ لا تُساوي النور، وليس المرادُ أن النورَ في نفسِه لا يَسْتوي، وكذلك في: ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]: إن الحسنةَ والسيئةَ مُتفاوتتانِ في أنفُسِهما، فخَذْ بالحسنةِ التي هي أحسَنُ من أختها، وقيل: «لا» مَزيدة، والمعنى: ولا تَسْتوي الحسنةُ والسيئة، وهنا ليسَ المعنى: على
[ ١٢ / ٦٣٨ ]
والعقاب. والأحياء والأموات: مثل للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه، وأصروا على الكفر. والحرور: السموم؛ إلا أنّ السموم تكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار. وقيل: بالليل خاصة. فإن قلت: "لا" المقرونة بواو العطف ما هي؟ قلت: إذا وقعت الواو في النفي قرنت بها؛ لتأكيد معنى النفي. فإن قلت: هل من فرق بين هذه الواوات؟ قلت: بعضها ضمت شفعًا إلى شفع، وبعضها وترًا إلى وتر. (إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ): يعنى أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه، فيهدى الذي قد علم أنّ الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنها لا تنفع فيه. وأمّا أنت فخفى عليك أمرهم؛ فلذلك تحرص وتتهالك على إسلام قوم من المخذولين، ومثلك في ذلك مثل من لا يريد أن يسمع المقبورين وينذر، وذلك ما لا سبيل إليه، ثم قال: (إِنْ
_________________
(١) ـ أنّ الأحياءَ والأمواتَ مثلًا متفاوتان فَمِنْ مَيِّتٍ أدْوَنُ حالًا من مَيِّت، وحيٍّ أرفَعُ منزلةً من حَيّ، فتُحمَلُ على مُجرَّدِ التأكيد. فإن قُلْتَ: فلم أُخْلِيَتِ القرينةُ الأولى وهي الأعمى والبصيرُ من التوكيد؟ قلتُ: هي كالتوطئةِ لذكْرِ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، ولذلك أُعيد ﴿وَمَا يَسْتَوِي﴾، وعُلِّل بقوله: ﴿إنَّ اللهَ يُسْمِعُ﴾ الآية، وأما القرينتانِ المُتوسِّطتان فهما مَقْصودان أيضًا، لأنهما مَثَلانِ للحقِّ والباطل وما يُؤدِّيان إليه من الثوابِ والعقاب. قولُه: (ضَمَّت شَفْعًا إلى شَفْعٍ)، أما التي ضَمَّتِ الشَّفْعَ فهي الواوات في: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾، وأما التي ضَمَّتِ الوِتْرَ فهي التي توسَّطَتْ بين الضِّدَّيْن. قولُه: (فيَهْدي الذي قد عَلِمَ أنَّ الهدايةَ تنفَعُ فيه، ويَخْذِلُ من عَلِمَ أنها لا تنفَعُ فيه)، هذا التقريرُ يهدِمُ قاعدةَ الاعتزال، لأنَّ خِلافَ علْمِ الله محالٌ وقوعُه، فلا يصدُرُ عنه إلا ما عَلِمَ الله تعالى صدورَه عنه، فإذن لا اختيارَ له فيه.
[ ١٢ / ٦٣٩ ]
أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) أى: ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع، وإن كان من المصرين فلا عليك. ويحتمل أنّ الله يسمع من يشاء وأنه قادر على أن يهدى المطبوع على قلوبهم على وجه القسر والإلجاء، وغيرهم على وجه الهداية والتوفيق، وأما أنت فلا حيلة لك في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى.
[(إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ)] ٢٤ [
(بِالْحَقِّ) حال من أحد الضميرين، يعنى: محقًا أو محقين، أو صفة للمصدر، أى: إرسالًا مصحوبًا بالحق، أو صلة لبشير ونذير على: بشيرًا بالوعد الحق، ونذيرًا بالوعيد الحق. والأمّة: الجماعة الكثيرة. قال الله تعالى: (وجد عليه أمّة من الناس)] القصص: ٢٣ [، ويقال لأهل كل عصر: أمّة، وفي حدود المتكلمين: الأمّة: هم المصدقون بالرسول دون المبعوث إليهم، وهم الذين يعتبر إجماعهم، والمراد هاهنا: أهل العصر. فإن قلت: كم من أمّة في الفترة بين عيسى ومحمد ﵉ ولم يخل فيها نذير؟ قلت: إذا كانت آثار النذارة باقيةً لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله محمدًا ﷺ. فإن قلت: كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في
_________________
(١) ـ قولُه: (ويُقال لأهلِ كُلِّ عَصْر أمّة)، قال التُّورِبِشْتيُّ- في شَرْحِ قولِه ﷺ: «والذي نَفْسُ محمَّدٍ بيدِه، لا يسمَعُ بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يَهوديٌّ ولا نَصْرانيٌّ ثم يَموتُ، ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلا كانَ من أصحابِ النار». رواه مسلم عن أبي هريرة-: الأمّة: كلُّ جماعةٍ يجمَعُهم أمر؛ إمّا دينٌ واحدٌ أو دَعوةٌ واحدة أو طريقةٌ واحدة أو زَمانٌ واحدٌ أو مكانٌ واحد. وأرادَ به هاهنا الجماعةَ التي يجمَعُها زمانُ الدعوةِ إلى الشريعةِ الحنيفية؛ لأنه أدخَلَ في جُملتِهم اليهودَ والنصارى. وعلى هذا يدخُلُ فيها كلُّ ما تنتهي إليه الدعوةُ من أهلِ الملَلِ الزائغةِ والأديانِ الباطلة، وخُصَّت اليهودُ والنصارى لخُصوصيةٍ فيهم.
[ ١٢ / ٦٤٠ ]
آخر الآية بعد ذكرهما؟ قلت: لما كانت النذارة مشفوعةً بالبشارة لا محالة، دلّ ذكرها على ذكرها، لا سيما وقد اشتملت الآية على ذكرهما.
[(وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)] ٢٥ - ٢٦ [
(بِالْبَيِّناتِ): بالشواهد على صحة النبوّة، وهي المعجزات (وَبِالزُّبُر): ِ وبالصحف، (وَبِالْكِتابِ الْمُنِير) نحو التوراة والإنجيل والزبور. لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسنادًا مطلقًا، وإن كان بعضها في جميعهم؛ وهي البينات، وبعضها في بعضهم؛ وهي الزبر والكتاب. وفيه مسلاة لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ـ قولُه: (لما كانَت هذه الأشياءُ في جنْسِهم أَسندَ المجيءُ بها إليهم إسنادًا مطلقًا)، يريدُ أنّ قولَه: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ مِن قَبيل: بنو فُلانٍ قَتلوا فلانًا، وإنما القاتلُ رجلٌ منهم. قولُه: (وفيه مَسْلاةٌ)، أي: في قولِه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره قولِه: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ المعنى: أعرِضْ عن هؤلاء المصرِّين المُعانِدين ولا تحرِصْ ولا تتهالَكْ على هداهُم، إن أنتَ إلا نَذيرٌ وما عليك إلا أن تُبلِّغَ وتُنْذِر، فإن أصرُّوا فلا عليك، وكذلك دأبُ الأممِ السالفةِ مع أنبيائِهم الماضية ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، فجيءَ بقولِه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ توطئةً لقولِه: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وأقحَمَ بشيرًا مزيدًا للتسلية وتتميمًا وصيانةً عن توهُّمِ أنه مقصورٌ على النِّذارةِ كقَوْلِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وحينئذ لا يُفْتقَرُ إلى ذكْرِ البشيرِ مشفوعًا مع النذير في قولِه: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وأيضًا فيه: أنّ الناسَ لتَماديهم في الضلالِ والغفلةِ وتهالُكِهم
[ ١٢ / ٦٤١ ]
[(أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ)] ٢٧ - ٢٨ [
(أَلْوانُها): أجناسها؛ من الرّمان، والتفاح، والتين، والعنب، وغيرها مما لا يحصر، أو هيئاتها؛ من الحمرة، والصفرة، والخضرة، ونحوها. والجدد: الخطط والطرائق. قال لبيد:
أو مذهب جدد على ألواحه
_________________
(١) ـ في حُبِّ الشهواتِ واللّذاتِ وتقليدِ الباطلِ أشدُّ احتياجًا إلى المُنْذِرِ من المُبشِّر، وكثيرًا ما ترى في التنزيلِ النذيرَ غَير مشفوعٍ بالبشيرِ ولا ترى البشيرَ بدونِهن والله أعلم. الراغب: الإنذار: إخبارٌ فيه تَخْويف، كما أنَّ البشيرَ إخبارٌ فيه سرور. والنَّذيرك المُنذرُ ويقَعُ على كلِّ شيءٍ إنذارَ إنسانٍ كانَ أو غُيْرَه، والنُّذُرُ، والنُّذُرُ جَمْعُه. قولُه: (أو مُذَهَبٌ جُدَدٌ على ألواحِه)، تمامه: والناطقُ المَبْروزُ والمَختومُ وقبله: فكأنَّ معروفَ الديارِ بقادِمٍ … فبُراقِ غَوْلٍ فالرِّجامِ وُشومُ شَبَّه ما عرفَ من الديارِ كالطَّلَل بالوشوم وهي ما بقيَ من آثارِ الوَشْم، أو بلَوْحٍ مُذْهَبٍ على ظواهرِه جُدَدٌ وطرائقُ، والناطقُ الكتاب.
[ ١٢ / ٦٤٢ ]
ويقال: جدة الحمار: للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه. (وَغَرابِيبُ) معطوف على (بيض)، أو على (جدد)، كأنه قيل: ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد غرابيب. وعن عكرمة: هي الجبال الطوال السود. فإن قلت: الغربيب تأكيد للأسود، يقال: أسود غربيب، وأسود حلكوك؛ وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه، ومنه: الغراب، ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد، كقولك: أصفر فاقع، وأبيض يقق، وما أشبه ذلك! قلت: وجهه: أن يضمر المؤكد قبله، ويكون الذي بعده تفسيرًا لما أضمر، كقول النابغة:
_________________
(١) وذكر في «الصحاح»: أنّ الروايةَ: «ألناطق» بقَطْعِ الألفِ وإن كان وَصْلًا، وذلك جائز في ابتداءِ الأنْصاف؛ لأنّ التقديرَ الوقفُ على النِّصْفِ من الصَّدْر. وقال: كتابٌ مَبْروز، أي: مَنْشور، وقال: لعلَّه المَزْبُور وهو المَكْتوب. وقال لبيدٌ في كلمةٍ أخرى: كما لاحَ عنوانُ مَبْروزةٍ … يلوحُ مَع الكَفِّ عنوانُها هذا يدل على أنه لُغَتُه، والرواةُ كلُّهم على هذا، فلا معنى لإنكارِ من أنكره. والمختوم: المكتومُ، وهو الدارس. الراغب: جُدَدٌ بيض: جَمْعُ جُدّةٍ، أيك طريقةٍ ظاهرة مِن قولهم: طريقٌ مَجْدود، أي: مَسْلوك مقطوع، ومنه جادّةُ الطريق. وقيل: الخُطّة: الطريقةُ، وهي اسمُ المَخْطوط، فُعْلَةٌ بمعنى: المفعولِ، كالغُرْفَةِ والقُنْصَةِ، من الخطِّ، كالنُّقْطة.
[ ١٢ / ٦٤٣ ]
والمؤمن العائذات الطّير
وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريقى الإظهار والإضمار جميعًا، ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله: (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ) بمعنى: ومن الجبال ذو جدٍد بيض وحمر وسود، حتى يؤول إلى قولك: ومن الجبال مختلف ألوانه، كما قال: (ثمرات مختلفا ألوانها). (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه)، يعنى: ومنهم بعض مختلف ألوانه. وقرئ: (ألوانها)، وقرأ الزهري: (جدد)، بالضم: جمع جديدة؛ وهي الجدّة، يقال: جديدة وجدد وجدائد، كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسر بها قول أبى ذؤيب يصف حمار وحش:
_________________
(١) ـ قولُه: (والمؤمِنِ العائذاتِ الطير)، تمامُه: … يمسَحُها … رُكبانُ مكّةَ بين الغَيْل والسَّنَد ما إن نَدِيتُ بشَيءٍ أنتَ تكرهُه … إذًا رفعَتْ سَوْطي إليَّ يدي المؤمن: اسمُ الفاعِل وهو الله تعالى، مِن: آمن. والعائذات: الحمائمُ، بماّ عاذَتْ بمكّة والتجأت إليها حَرُمَ قتْلُها وصَيْدُها وأن تُهاج. والغَيْلُ والسَّنَد: موضِعان، و«المؤمن» مجرورٌ بالقَسَم، و«العائذاتِ» منصوبٌ باسمِ الفاعلِ وهو المُؤمن، و«الطيرَ» منصوب: إما بَدلٌ أو عَطْفُ بَيانٍ أو بإضمارِ: أعني، وفيه نَظَر، لأنَّ الاستشهادَ بأنّ هذا الطيرَ المذكورَ دالٌّ على المحذوفِ وهو مفعولٌ لاسم الفاعل، والعائذاتُ صِفَتُه، أي: المُؤمن الطيرَ العائذاتِ الطّير، وقولُه: «ما إن نَدِيت» جوابُ القَسَم، يقول: والله المؤمنِ الطيرَ العائذاتِ ما نطقْتُ ولا بَلَلْتُ به لِساني، وما أتَيْتُ بشيءٍ تكرهُه وإلا فَشُلَّتْ يَدي. قولُه: (ولابُدَّ مِن تقديرِ حَذْفِ المضاف)، يعني: حصلَتْ هاهنا قرائنُ ثلاث، والقرينتانِ هاهنا اتَّفقتا على معنى، فوجبَ تنزيل الفَذّةِ منها على معنى أختَيْها، وإلاّ لَزِمَ الاختلاف
[ ١٢ / ٦٤٤ ]
جون السّراة له جدائد اربع
وروى عنه: (جدد)، بفتحتين؛ وهو الطريق الواضح المسفر، وضعه موضع
_________________
(١) ـ بين أشياءَ انخرطَتْ في سِلْكٍ واحِدٍ، وإليه الإشارةُ بقَوْلِه: «حتى يؤولَ إلى قولِك: ومن الجبالِ مختلفٌ ألوانه» إلى آخره، وتحريرُه: أن التنكيرَ في قوله: ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ للنوع، والمعنى: فأخرَجْنا بالماءِ نوعًا من الثمراتِ مختلفًا ألوانُه، وكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، فإنّ المعنى: منهم بَعْضٌ مختلفٌ ألوانُه، كما نَصَّ عليه، وهو قول الفرّاء قال: ﴿أَلْوَانُهُ﴾ على تأويلِ: خَلْقٍ مُختَلفٍ ألوانه. وقال مُحيي السُّنة: ذكرَ الكِنايةَ لأنها رَدٌّ إلى ما في الإضمارِ، ومَجازُه: ومنَ الناسِ والدوابِّ والأنعامِ ما هو مختلفٌ ألوانه. قولُه: (جَوْنُ السَّراةِ له جَدائدُ أربع)، أولُه: والدَّهْرُ لا يَبْقَى على حَدَثانِه الجَوْن: الأسود، والسَّراة: الظَّهْر، والجدائد: الأُتنُ اللاتي قد جَفّتْ ألبانهُنَّ؛ مِن جَدِّ اللَّبَن أي: قَطْع، أي: أهْلكَ الدهر بَنِيّ، وتوترَتْ عليَّ المصائب، ثمّ عزّى نَفْسَه بأنَّ الدهرَ لا يَبْقى على حَدَثانِه شيءٌ، حتى الحمارِ مع الأُتْنِ التي ترعى في القِفار. قالَ ابن جِنِّي: «جَدَدٌ» بفَتْح الجيمِ والدالِ في روايةِ سهلٍ عن الوقّاصيِّ عن الزُّهري. قال قُطْرب: قراءةُ الزُّهري: «جُدُد» بضَمِّهما، أما «جُدُدٌ» فجَمْعُ جَديدٍ، أي: آثارٌ جُدُدٌ غيرُ مُخْلقةٍ فهو أوضَحُ للونِها، وأما «جَدَدٌ»: فهو الطريقُ الواضحُ المُسْفِرُ فالمعنى نَحْوُ الأول.
[ ١٢ / ٦٤٥ ]
الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. وقرئ: (والدواب) مخففًا، ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ: (ولا الضألين)؛ لأنّ كل واحد منهما فرار من التقاء الساكنين؛ فحرك ذاك أوّلهما، وحذف هذا آخرهما. وقوله: (كَذلِكَ) أى: كاختلاف الثمرات والجبال.
_________________
(١) قوله: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلافِ الثمراتِ والجبال)، يعني: الكافُ نَصْبٌ على المَصدَر، والأظهرُ أنه رفعٌ على الخبر، والإشارةُ بـ «ذلك» إلى المذكورِ من الدلائل في هذه الآيةِ وحدَها، ويكونُ قولُه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ مَقطَعًا لهذه الآية، ونظيرُ «ما» قولُه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. فإن قلت: لِمَ خُولِفَ بينَ المَقطَعَين؟ قلت: ما نحنُ فيه أبسَطُ وأجمَعُ من تلك الآية، لأنّ فيها ذِكرَ الثمارِ والجبالِ والناسِ والدَّوابِّ والأنعام واختلافِها، وهي مختصّةٌ بالثمرات، وصُدِّرَت هذه الآيةُ بهمزة الاستفهام وحرفِ النفي لإفادةِ مَزيدِ التقرير، وبالخطابِ العامِّ لئلاّ تختصَّ الرؤيةُ براءٍ دونَ لفَخامةِ الأمر، ثم قُرِّرَ هذا المعنى في أثنائهما بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: الأمرُ كما ذكرت، كأنه تعالى يقول: هذه الأشياءُ كلُّها مُتساويةٌ في الجِسْميّة، واختِلافُ أنواعِها ثم اختِلافُ كُلٍّ منها بما خُصَّ به من الأصنافِ لا بُدَّ لهُ من قادرٍ مُختارٍ قاهرٍ يَتَصرَّفُ في مُلكِهِ كيفَ يشاء. وهذا ظاهرٌ جليٌّ عندَ كُلِّ ذي مُسْكة، فمَن أنكرَ ذلك وقالَ بالإيجاب فهو مُعانِدٌ جاهلٌ لم يخشَ الله، وإن جمعَ أسفارَ الحِكَم، ومَن أنصفَ وسلكَ السَّبيلَ المُستقيمَ وخشيَ الله فهو عالِمٌ جِدُّ عالم، فحينَئذٍ من أينَ اختصَّ ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ بالعُلماءِ العَدْليّة؟ ! عفا اللهُ عنه. فإن قلت: لِمَ لا تجعلُ ﴿كَذَلِكَ﴾ نَصْبًا على المَصدَر، كما ذهبَ إليه المُصنِّف؟ قلت: لقِلّةِ جَدْواه، وعلى ما ذهبنا إليه تصيرُ جُملةً مُقرِّرةً لِمَا في شأنِهِ الاهتمامُ على ما مَرّ، ويكونُ موقعًا للسُّؤالِ على الاستئِناف، يعني: إذا كان الأمرُ ظاهِرًا لكُلِّ أحدٍ كما ذكرت، فلِمَ
[ ١٢ / ٦٤٦ ]
والمراد: العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علمًا ازداد منه خوفًا،
_________________
(١) ـ اختَصَّ العُلماءُ بالذِّكرِ دونَ غيرهم؟ أُجيب: لخشيةِ هؤلاء وإنصافِهم، ولعِنادِ أولئك وعَدَم خشيتهم. وتلخيصُه: أنّ المذكورَ إنْ لم يَدُلَّ على ذلك بالتصريح، يَدُلُّ عليه بالتعريض. قولُه: (العلماءُ الذين عَلِموا بصفاتِه وعَدْلِه وتوحيدِه وما يجوزُ عليه وما لا يَجوز)، اعلم أنه تعالى كما جعلَ مقطعَ التمثيلِ الأولِ قوْلَه: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، جعلَ مقطعَ هذَيْن التمثيلَيْن بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ والمُشارُ إليه بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ جميعُ ما سبقَ من البياناتِ والإنذاراتِ الكافيةِ، أي: الأمرُ كما ذُكِرَ لكن إنما ينجَعُ فيمن خَشِيَ الرحمنَ بالغيب، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، فوضَعَ موضعَه «العلماءَ» تعريضًا بجَهْلِ الكَفَرة، وجَهْلِ مَنْ يَدَّعي العِلْمَ ولم يَخْشَ الله تعالى، وتَنْويهًا برِفْعةِ منزلةِ العلماءِ العاملينَ المحقِّقين، وإليه أشارَ بقوله: «مِثْلُك ومَنْ على صِفَتِك». ثم الآيةُ كالتخلُّصِ من ذكْرِ أعداءِ الدينِ إلى ذكْرِ الأولياءِ من المؤمنين التالينَ كتابَه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، المقيمينَ الصلاة والمُنْفقينَ أموالَهم سِرًّا وعلانيةً، ومع ذلك يَرْجون رحمةَ الله، ويأمَلون أن يُوَفِّيَهم أجورَهم ويزيدَهم مِنْ فَضْلِه، ولا يُوجبونَ على الله شيئًا بأعمالِهم، ولا يَقطعون بشيءٍ من ذلك، وكذلك لا يحكمُمون على الظالم لنفسِه والمُقْتَصدِ بالوعيدِ وكونِهما من أصحابِ النار، ولهذا فُصِلَتْ الآيةُ بقَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ لأنه كالتعليلِ للكلامِ السابق، أي: أنه تعالى عزيزٌ غالبٌ يفعَلُ ما يَشاءُ في مُلْكِه لا أحدَ فوْقَه يوجبُ عليه شيئًا، فالعمالُ يَعْملونَ ويأملونَ أن يُوَفّيهم أجورَهم، والظالمُ لنفسِه يرجو الغُفْران ولا يقطَعُ بالدمار، لأنه تعالى بليغُ الغُفْرانِ والرحمة.
[ ١٢ / ٦٤٧ ]
ومن كان علمه به أقل كان آمن. وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية»، وعن مسروق: كفى بالمرء علمًا أن يخشى، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه. وقال رجل للشعبى: أفتنى أيها العالم، فقال: العالم من خشي الله. وقيل: نزلت في أبى بكر الصديق ﵁ وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه. فإن قلت: هل يختلف المعنى إذا قدّم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟ قلت: لا بدّ من ذلك؛ فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت (العلماء) كان المعنى: أنّ الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون
_________________
(١) ـ قولُه: (وفي الحديثِ: «أعلمُكُم بالله أشدُّكُم [له] خَشْيةً»)، ورَوَينا عن الدراميِّ عن عطاءٍ قال: قالَ موسى ﵇: يا رَبِّ أيُّ عبادِكَ أحكَم؟ قال: الذي يحكُمُ للناسِ كما يحكُمُ لنفسِه. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أغنى؟ قال: أرْضاهُم بما قَسمْتُ له. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أغنى؟ قال: أرْضاهُم بما قَسمْتُ له. قال: يارَبّ، أيُّ عبادِكَ أخْشى؟ قال: أعلَمُهم بي. قولُه: (وإذا عملتَ على العكس انقلب المعنى)، وذلك أن «إنّما» فرْع «ما» و«إلاّ»، وفي الأصلِ: الحَصْرُ أبدًا في «ما» يلي «إلا»، وفي الفرعِ الحَصْرُ في الجُزْءِ الأخيرِ، فقولهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فَرْعُ «ما يَخْشى اللهَ من عبادِه إلا العلماء»، وهو يَقْتضي انحصارَ خَشْيةِ الله على العلماءِ دونَ غيرِهم، وقولُك: إنّما يخشى العلماءُ من عبادِه اللهَ، فَرْعُ قولِك: ما يخشى العلماءُ من عبادِه إلا الله، فيلزَمُ انحصارُ خَشْيةِ الله دونَ غيرِه. قال الشيخ عبدُ القاهر ﵀: لما كان الغرضُ من الآيةِ بيانَ الخاشينَ والإخبارَ بأنَّهم العلماءُ خاصّة دون غيرِهم قَدّم اسمَ «الله» على «العلماء»، ولو أُخِّرَ منه لصارَ المعنى على ضِدِّ ما عليه وهو: أنَّ الغرضَ بيانُ المَخْشيِّ والإخبارُ بأنه تعالى دونَ غيره، وهذا المعنى الأخيرُ وإن كان قد جاءَ في التنزيل قال تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، لكن ليس
[ ١٢ / ٦٤٨ ]
إلا الله، كقوله تعالى: (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا الله)] الأحزاب: ٣٩ [، وهما معنيان مختلفان. فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟ قلت: لما قال: (أَلَمْ تَرَ) بمعنى ألم تعلم (أن الله أنزل من السماء ماء)، وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك (إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)، كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه. وعن النبي ﷺ: «أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به»
_________________
(١) هذا الغرضَ هاهنا، ولا اللفظُ يحتمِلُ له التبّةَ، ومَنْ أجاز حَمْلَها عليه كأنه قد أبطَل فائدةَ التقديمِ وسَوّى بين الكلامَيْن، فإذَنْ يلزَمُ أن يُسوِّيَ بين قولنا: ما ضربَ عَمْرو وإلا زيدًا وما ضرَبَ زيدًا إلا عَمْرٌو وذلك مما لا شُبْهَةَ في امتناعه. وقلتُ: قولُه: «لكن ليسَ هو الغرضَ هاهنا»، معناه: أنَّ اقتضاءَ المقامِ يوجبُ بيانَ الخاشين والإخبارَ بأنهم العلماءُ خاصّةً دونَ غيرِهم ليكون تعريضًا بالمُنذَرين المصرِّين على العنادِ والكفر وأنَّهم جهلاءُ بالله وبصفاته، ولذلك لا يخشَوْن الله ولا يخافون عقابَه، ولو قلتَ: ما يخشى العلماءُ من عبادهِ إلا الله لم يكن من التعريضِ في شيء والمقامُ يَقْتضيه، أما قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، فكلام في تبليغِ الرسالة وتعريضٌ به صلواتُ الله عليه بعد التصريحِ بقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ فبَيْنَ المقامَيْن بَوْن. قولُه: (أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمَكم به)، روينا عن البخاريِّ ومُسلم عن عائشة ﵂: صنعَ رسولُ الله ﷺ شيئا فترخَّصَ فيه فَتنزَّه عنه قوم، فبلغَ ذلك النبي ﷺ، فخَطب فحَمِدَ الله تعالى ثم قال: «ما بالُ أقوامٍ يَتنزَّهون عن شيء أصنَعُه، فوالله إني لأعلمُكم بالله وأشدُّكم له خشية».
[ ١٢ / ٦٤٩ ]
فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: (إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) وهو عمر بن عبد العزيز، ويحكى عن أبى حنيفة؟ قلت: الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشى من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده. (إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ) تعليل لوجوب الخشية؛ لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب حقه أن يخشى.
_________________
(١) قولُه: (فما وَجْهُ قراءة)، الفاءُ تدلُّ على إنكارِ قولِه: «لا بدَّ من ذلك»، أي: من تقديمِ المفعولِ، أي: إذا كان الواجب ذلك لصحّةِ المعنى، فما وَجْهُ هذه القراءة؟ قولُه: (كما يُجَلُّ المَهيب)، «ما» مصدرية، أي: إنما يُجلُّهم إجلالًا مِثلَ إجلالِ المَهيبِ المخشيِّ من الرجال. هذا بيانُ وَجْهِ الاستِعارة، وذلكَ أنّ الاستِعارةَ مسبوقةٌ بالتشبيه، شبّه حالةَ مُعامَلةِ الله تعالى معَ العُلماءِ في تعظيمِه إياهُم وإجلالِهِ لهم كمُعامَلةِ مَنْ يُجِلُّ ويُعظِّمُ السُّلطان ومَن هو بصَدَدِه خشيةَ سَطوتِهِ وهَيْبته، فأُدخِلَ المُشبَّهُ في جِنسِ المُشبَّهِ به، واستُعمِلَ فيما يُستَعمَلُ في المُشبَّهِ به دَالاًّ عليه، بقرينةِ ما هو مُنزَّةٌ من ذلك ومُتعالٍ عنه من الخشية، وهي الاستعارةُ التَّبَعيةُ الواقعةُ على طريق التمثيل. قولُه: (المعاقِبُ المثيبُ حقُّه أن يُخْشى)، فإن قُلتَ: المثيبُ كيفَ يخشى، والوصفُ بالغُفْرانِ موجبٌ للرجاءِ لا للخوف؟ قلتُ: جوابُه ما ذكرَ في «الفرقان» في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]: «دل بهذا على القدرةِ التامةِ؛ لأنه لا يوصفُ بالمغفرةِ والرحمةِ إلا القادرُ على العقوبة». ويمكنُ أن يقال: إنّ حالتَي سَطَواتِ القهرِ إما أن تكون بَغْتةً أو إمهالًا، فدلّ العزيزُ على الأولِ والغفورُ على الثاني، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، فالعالِمُ يخافُ الحالتَيْن خصوصًا الثانية؛ لأنها قد تكونُ استدراجًا، بخلافِ الجاهلِ لأنه لا يأمَنُ فيها كلَّ الأمن.
[ ١٢ / ٦٥٠ ]
[(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ الله وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)] ٢٩ - ٣٠ [
(يَتْلُونَ كِتابَ الله) يداومون على تلاوته، وهي شأنهم وديدنهم. وعن مطرف ﵀:
هي آية القرّاء. وعن الكلبي: يأخذون بما فيه. وقيل: يعلمون ما فيه ويعملون به. وعن السدى: هم أصحاب رسول الله ﷺ ورضى عنهم. وعن عطاء: هم المؤمنون. (يَرْجُونَ) خبر (إن). والتجارة: طلب الثواب بالطاعة. و(لِيُوَفِّيَهُمْ) متعلق بـ (لن تبور)، أى: تجارة ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها
_________________
(١) قولُه: (﴿يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يداومون [على] تلاوته) يعني: دلَّ عطفُ الماضي -أي: قولُه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا﴾ - على المضارعِ على أن المرادَ به الاستمرارُ والمداومةُ والتحقُّقُ فيه، ويساعدُه مقامُ المدحِ نحو: فلانٌ يَقْري الضيفَ ويَحْمي الحريم. قولُه: (عن مُطَرِّفٍ)، قال صاحبُ «الجامع»: وهو أبو عبد الله مُطَرِّفٌ بن عبد الله ابن الشخِّير العامري البصري، روى عن أبي ذرٍّ وعُثمان بن أبي العاص ماتَ سنةَ سبعٍ وثمانين. قولُه: (يعملون ما فيه ويعملون به)، يريد: أوجبَ عطفُ قولِه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا﴾ على ﴿يَتْلُونَ﴾ أن تُفَسَّرَ التلاوةُ بالعمل بما فيه، لأنّ التلاوةَ لم تكن مُعتبرةً إذا لم يُعْلَمْ معنى المَتْلوِّ، ولم يُعتَدَّ بالعلم إذا لم يَقْترنْ معه العمل. قولُه: (﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿لَّن تَبُورَ﴾، أي: تجارةً ينتفي عنها الكَساد)، وقوله: «ينتفي عنها الكَساد» تفسيرٌ لقولِه: ﴿لَّن تَبُورَ﴾ لا بالمطابقةِ؛ لأن أصلَ البوار الهلاك. قال في «الأساس»: ومن المجاز: بارَتِ البِياعاتُ كسَدَتْ. وقولُه: «وتَنْفُقُ عند الله» تفسيرٌ
[ ١٢ / ٦٥١ ]
عنده (أُجُورَهُمْ)؛ وهي ما استحقوه من الثواب، (وَيَزِيدَهُمْ) من التفضل على المستحق.
وإن شئت جعلت (يَرْجُونَ) في موضع الحال على: وأنفقوا راجين ليوفيهم، أى: فعلوا جميع ذلك؛ من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله لهذا الغرض. وخبر (إن) قوله: (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) على معنى: غفور لهم شكور لأعمالهم.
_________________
(١) ـ للتفسيرِ فيكونُ كنايَة، لأن ﴿لَّن تَبُورَ﴾ لازمُ انتفاءِ الكساد وهو لازمُ كونِها نافقة، كأنه قيل: يرجونَ تجارةً نافقةً عند الله مُرْبحةً ليُوفِّيَهم الله أجورَهم، ثم هذه الكناية ترشيحٌ للإستعارة. قولُه: (وإن شئتَ جَعلْتَ ﴿يَرْجُونَ﴾ في موضعِ الحال)، فعلى هذا «ليوفِّيهم الله أجورَهم» يتعلَّقُ بالتلاوةِ وأقاموا الصلاةَ والإنفاق، ولهذا قال: «فعلوا جميعَ ذلك لهذا الغرض»، وهو التوفيه، وإنما عَلَّق المصنِّفُ ﴿يَرْجُونَ﴾ بقولِه: ﴿وَأَنفَقُوا﴾ دون ﴿يَتْلُونَ﴾ و﴿وَأَقَامُوْ﴾، لئلا تجتمعَ على معمولٍ واحد عواملُ، ولأنَّ ما يتعقَّبُ الجُمَلَ من القيدِ يختَصُّ بالأخيرِ على مذهبِ أبي حنيفةَ ﵁. ويمكنُ أن يُعلَّقَ بمحذوفٍ على معنى: فَعلوا جميعَ ذلك راجينَ لهذا الغرض، وهو الظاهر. قال أبو البقاء: ﴿يَرْجُونَ﴾ خبرُ ﴿إِنَّ﴾، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ يتعلَّق بـ ﴿يَرْجُونَ﴾، وهي لامُ الصيرورة. وقلت: تأويلُه: أنّ غرضَهم فيما فعلوا لم يكن سوى تجارةٍ غيرِ كاسدة، لأنّ صلةَ الموصولِ هنا علّةٌ وإيذانٌ بتحقيقِ الخبر، ولمّا أدّى ذلك إلى أن وفّاهم الله أجورَهم أتى باللام، وإنما لم يذهَبْ إليه المصنِّف؛ لأن هذه اللام لا توجَدُ إلا في يترتَّبُ الثاني على الأول، ولا يكونُ مطلوبًا به كقولِه تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
[ ١٢ / ٦٥٢ ]
والشكر مجاز عن الإثابة.
[(وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)] ٣١ [
(الْكِتابِ) القرآن، ومن (للتبيين)، أو الجنس و(من) للتبعيض (مُصَدِّقًا) حال مؤكدة؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق. (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ): لما تقدّمه من الكتب. (لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) يعنى أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلًا لأن يوحى إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ الله ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ)] ٣٢ - ٣٥ [
فإن قلت: ما معنى قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ)؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما:
_________________
(١) قولُه: (والشكرُ مَجازٌ عن الإثابة)، النهاية: في أسماءِ الله: الشَّكور، وهو الذي يَزْكو عنده القليلُ من أعمالِ العبادِ فيضاعِفُ لهم الجزاءَ، فشُكْرُه لعبادِه مغفرتُه لهم، والشَّكورُ من أبنية المبالغة. قولُه: (عيارٌ على سائر الكتب)، أي: مِعيارٌ لسائرِ الكتبِ، وبه يُقاسُ صِحّة غيرِه. المغرب: عايَرْتُ المكاييلَ والموازين: إذا قايسْتُها، والمعيارُ: الذي يُقاسُ به غيرُه ويُسوّى. قولُه: (ما معنى قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؟)، يعني: الظاهرُ أنّ قولَه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ عَطْفٌ
[ ١٢ / ٦٥٣ ]
إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك، أى: حكمنا بتوريثه. أو قال: أورثناه، وهو يريد: نورثه؛ لما عليه أخبار الله. (الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)؛ وهم أمّته من
_________________
(١) ـ على ﴿أَوْحَيْنَا﴾، و«ثُمَّ» يقتضي الترَّخيَ في الزمانِ، وأن يقال: ثم نورثُه بعدَك المُصْطَفيْن، فما معنى مجيءَ ﴿أَوْرَثْنَا﴾ ماضيًا؟ وأجاب بوجهَيْن: أحدُهما: أنّ المرادَ: ثمَّ حكَمْنا بَعْدَك بتوريثه، أو وضَعَ الماضي موضِعَ المُستقبل، تنزيلًا لما هو الكائنُ بمنزلةِ الكائن. وثانيهما: أنّ هذه الآيةَ مُتَّصلةٌ بما سبقَ من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وهو المرادُ من قوله: إنه قَدَّم إرسالَه في كلِّ أمة رسولًا، أي: قَدَّم اللهُ على إرسالهِ صلوات الله عليه إرسالَ الرسلِ في كلِّ أمةٍ، وعَقَّبه بما يُنبئُ أن تلك الأُممَ تفرَّقت حزبَيْن: حِزْبٌ كَذَّبوا الرسلَ وما أُنْزِلَ معهم، وإليه الإشارةُ بقولِه: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾، وحِزْبٌ صَدَّقوهم وآمنوا وتلَوْا كتابَ وعَمِلوا بمُقتضاه وإليه الإشارةُ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا﴾، وعلى هذا الوجه يكون ﴿أَوْرَثْنَا﴾ ماضيًا يَجْري على ظاهره، والذي يدلّ على هذا التقسيمِ قولُ المصنِّف: «فأنثى على التالينَ لكُتبه، العاملينَ بشرائعِه، من بين المُكذِّبين بها من سائرِ الأمم». ولما فرغَ من ذلك جاءَ بما يختصُّ برسولِ الله ﷺ من قوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية مستطرَدًا معترضًا، ثم أخبر بعد ذلك إيراثَه هذا الكتاب الكريم، بهذه الآية بعد إعطاء تلك الأمم الزُّبُرَ والكتابَ المنير؛ فيكونُ ثمَّ للتراخي في الإخبار، وإليه الإشارةُ بقوله: «ثم قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: مِنْ بَعدِ أولئك المذكورين»، ويمكنُ أن يُحْمَل «ثمَّ» على التراخي في المرتبةِ أيضًا إيذانًا بفَضْلِ هذا الكتاب على سائرِ الكتبِ، وفضل هذه الأمة على سائر الأمم.
[ ١٢ / ٦٥٤ ]
الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطًا؛ ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم: وهو المرجأ لأمر الله؛ ومقتصٍد: وهو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ وسابق من السابقين. والوجه الثاني: أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولًا، وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاءوهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال: (إنّ الذين يتلون كتاب الله)] فاطر: ٢٩ [، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم، واعترض بقوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ) ثم قال: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا) أى: من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده: أهل الملة الحنيفية. فإن قلت: فكيف جعلت (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بدلًا من (الفضل الكبير)،
_________________
(١) قولُه: (ظالم لنفسِه مُجْرِم)، الراغب: ظلمُ النفسِ في الحقيقة هو التقصيرُ في تهذيبِها وسياستِها المذكورة في قوله ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]، وذلك أنّ كلَّ إنسانٍ سائسُ نَفْسِه، فمَتى لم يُوفِّ حَقَّ السياسةِ فقد ظلمَها ظُلْمَ الوالي رَعيّتَه، وخوطبَ مَنْ أُعْطِيَ القوّةَ ومُكِّنَ من البلوغِ إلى الدرجاتِ الرفيعةِ فرضيَ لنفسِه بأدنى منزلة. قولُه: (المُرجَأ لأمرِ الله)، النهاية: الإرجاء: التأخيرُ، مَهْموز. وفي حديثِ توبةِ كَعب بنِ مالك: «وأرجَأ رسولُ الله ﷺ أمْرَنا»: أخَّرَنا. قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]، أي: مؤخَّرون حتى يُنْزِلَ الله فيهم ما يُريد. قوله: (فكيف جعلت ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلًا من ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾)، يعني: لما كانت
[ ١٢ / ٦٥٥ ]
_________________
(١) ـ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلًا من ﴿الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، وهو عبارةٌ عن السبق بالخيرات، فيلزَمُ أن يكونَ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلًا من السبقِ بالخيرات، وليس بينهما مناسبةٌ ظاهرًا ليُبْدَل منه. وتلخيصُ الجواب: أنّ السبقَ بالخيراتِ لما كان سببًا لنيلِ الثوابِ حُمِلَ على نَفْسِ الثوابِ إقامةً للسببِ مُقامَ المُسبَّب، ثم أُبْدِلَ منه، ولعَمْري هذا بعيدٌ عن الذوق، متعسِّفٌ جدًّا، وما دعاهُ إليه إلا تصحيحُ مَذْهَبه، ونحن معاشرَ أهل السنَّة نجعلُ المشارَ إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ما سبق من معنى الإيراث، كما في «الوسيط»، ونجعلُ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ جملةً مستأنفة. قال مُحيي السُّنة: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ يعني: إيراثَهم الكتابَ، ثم أخبرَ بثَوابهم فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ يعني: الأصناف الثلاثة. وقال أبو البقاء: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ خبرُ مُبتدأٍ محذوف أو مبتدأ، والخبر ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. ويؤَيِّدُه ما رواهُ المصنِّفُ أنّه قُرِئَ: «جَنّاتِ عَدْنٍ» بالنصبِ على إضمارِ فعْلٍ يُفَسُرِّه الظاهرُ، أي: يدخلونَ جَنّاتِ عَدْنٍ يدخلونها، فنَتخَلَّصَ بهذا التأويلِ من هذا المضيقِ ويَسْلَمَ النظمُ السَّريُّ من الانفكاك، وهذا أولى مما ذهبَ إليه بوجوه: أحدُها: أن سُنّة الله جاريةٌ في هذا الكتابِ المجيد أن يُقابلَ ذكْرَ المؤمنينَ بذكْرِ مُخالفيهم، ويقارِنَ ذكر الجنة بذكر النار. ولما ذكر أوصافَ المؤمنينَ وما إليه مصيرُهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهلُمَّ جرًّا إلى قوله: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ قابلَه بذكْرِ الكافرين وما
[ ١٢ / ٦٥٦ ]
_________________
(١) ـ إليه مصيرُهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾، فلو جعلَ بعضَ أولئك من أهل النارِ لبطلَ التقابُل ولناقضَ تفسيرَ رسول الله ﷺ على ما رواه الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ أن النبيَّ ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال: «هؤلاءِ كلّهم بمنزلة واحدةٍ وكلُّهم في الجنة». وثانيها: أنَّ قولَهم: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ لا يلتئمُ بما قبْلَه إذا جُعِلَ الشكورُ مقولًا للسابقِ بالخيراتِ والغفورٌ للظالمِ والمُقْتصِد، والعجَبُ أنه كيفَ بادرَ إلى لفظِ الشكورِ وقال: دلَّ الشكورُ على أنّ القومَ كثيروا الحسناتِ وتقاعَدَ عن لفظِ الغَفور في أنه دلَّ على أنّ القومَ كثيرو السيئات، وعن قولِ ابن عباس: «غفَرَ العظائمَ من ذنوبِهم، وشكرَ اليسيرَ من محاسنِ أعمالِهم»! وما روى الإمام أحمد عن أبي الدرداءِ عن رسولِ الله ﷺ بعد ما ذكرَ تفسيرَ الفريقَيْن قال: «وأما الذينَ ظلموا أنفُسَهم فأولئك الذي يُحْبَسون في طولِ المَحْشَر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، وفي «المعالم»: نحوه. وثالثها: وهل يليقُ ويَستقيمُ أن يمدحَ الله قومًا في أولِ كلامِه بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ - وقد قال المصنِّف: «وهم أمَّةٌ من الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم إلى يومِ القيامة، لأنّ الله تعالى اصطفاهُم على سائرِ الأُمم وجعلَهم أمةً وسطًا شُهداءَ على الناسِ واختَصَّهم بكرامةِ الانتماءِ إلى أفضَلِ رُسِل الله وحَمْلِ الكتابِ الذي هو أفضَلُ كُتبِ الله، ثم قَسَّمهم إلى ظالمٍ لنفسه» إلى آخرِ ما قال فيهم- ثم يرجعُ إلى آخرِ كلامِه ويجعلُ أكثَرهم من الذين يُخَلَّدون في النار؟ ! قال صاحبُ «الانتصاف»: قد صُدِّرَتِ القصّةُ
[ ١٢ / ٦٥٧ ]
الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بـ (ذلك)؟ قلت: لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب؛ فأبدلت عنه (جنات عدن). وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وليهلك الظالم لنفسه حذرًا، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له»؛ فإنّ شرط ذلك صحة التوبة؛ لقوله
_________________
(١) بذكْرِ المصطفَيْن من عبادِ الله، ثم قَسَّمهم إلى الظالمِ والمقتصدِ والسابقِ فيلزَمُ اندراجُ الظالمِ الموَحِّدِ في المصطَفْين وإنّه لمنهم، وأيُّ نِعمةٍ أعظمُ من اصطفائه للتوحيد والعقائد السالمة من البدَع، فما بالُ الزمخشريّ يُطنبُ في التسوية بين الموحِّدِ المُصْطفى وبين الكافرِ المَخْزِيِّ. وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عائدٌ إلى المصطفَيْن عُمومًا، وإعرابُها مبتدأٌ، و﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ خَبرهُ، وقولهُ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ خَبَرٌ بعدَ خَبَر. قولُه: (حَذَرًا) أي: فليَحذَرْ حَذَرًا أيَّ حَذَر، وليهلكَ من جِهةِ الحِذار، أو لأجلِه، أو حالَ كونِه حَذِرًا. قولُه: (وعليهما بالتوبة النصوح)، عن بعضِهم: هو من قولِهم: نصحت الإبل الشُّرْبَ تنصَحُ نُصوحًا، أي: صدقتُها، وأنصَحْتُها أنا أروَيْتُها، ومنه التوبةُ النصوحُ، وهي الصادقة. قولُه: (سابقُنا سابق)، الحديث رواه البيهقيُّ في «البعث والنشور»، ومعنى: «سابقنا سابق» أي: مَن زادت حسناته على سيئاته فهو الذي يدخلُ الجنة بغير حساب، و«مقتصدنا ناجٍ»: أن من استوت حسناتُه وسيئاتُه فهو يحاسبُ حسابًا يسيرًا، ثم يدخل الجنة، و«ظالمنا مغفورٌ له»: أن من أوْثقَ نَفْسَه بالذنوب، فهو إمّا أن تُدركه الشفاعةُ، أو يغفر الله تعالى له بفَضْله، أو يُعذّبه بقَدرِ ذَنْبِه ثم يخرجه ويدخله الجنة. روى البيهقيُّ عن جابرٍ بنِ عبدِ الله ﵁ حديثًا موقوفًا عليه هذا معناه.
[ ١٢ / ٦٥٨ ]
تعالى: (عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)] التوبة: ١٠٢ [، وقوله: (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)] التوبة: ١٠٦ [، ولقد نطق القرآن بذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر، ولم يعلل نفسه بالخدع. وقرئ: (سباق). ومعنى: (بِإِذْنِ الله): بتيسيره وتوفيقه. فإن قلت: لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل. وقرئ: (جنة عدن) على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين، و: (جنات عدن): بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر؛ أى يدخلون جنات عدن يدخلونها، و(يدخلونها) على البناء للمفعول، و(يحلون) من: حليت المرأة، فهي حال. (وَلُؤْلُؤًا) معطوفًا على محل (من أساور)، و(من)
داخلة للتبعيض، أى: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم. وقيل: إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ. و(لولؤا) بتخفيف الهمزة الاولى. وقرى: (الحزن) والمراد: حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم)] الطور: ٢٦ - ٢٧ [. وعن ابن عباس
_________________
(١) قولُه: (كأنه بعضٌ سابقٌ لسائرِ الأبعاض)، أي: في ذكْرِ البعضِ الدلالةُ على فَضَلِها وتفوقها على سائر الأبعاضِ كما سبقَ المُسَوَّرون به غيرَهم بهذا البعضِ من الأساورِ، ونحوهُ قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وأريد به محمَّدٌ صلواتُ الله عليه، واللامُ في «لسائرِ» كاللام في: «أنا ضاربٌ لزيد». قولُه: «(ولولؤًا» بتخفيفِ الهمزةِ الأولى)، في «التيسير»: ترك أبو بكر وأبو عَمْروٍ -إذا خفف- الهمزة الأولى من «لؤلؤًا»، وحَمزَة إذا وقفَ: سَهَّل الهمزتَيْن على أصلِه، وهشامٌ: يسهِّلُ الثانيةَ فيه في غيرِ النصبِ على أصلِه، والباقونَ يُحقِّقُونهما.
[ ١٢ / ٦٥٩ ]
﵄: حزن الاعراض والآفات. وعنه: حزن الموت. وعن الضحاك: حزن إبليس ووسوسته. وقيل: همّ المعاش. وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه: أنه يعم كل حزن من أحزان الدين والدنيا، حتى هذا. وعن رسول الله ﷺ: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم؛ وكأنى بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) ". وذكر الشكور دليل على أن القوم كثير والحسنات. (المقامة): بمعنى الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقامًا ومقامة. (مِنْ فَضْلِهِ): من عطائه وإفضاله؛ من قولهم: لفلاٍن فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل؛ لأن الثواب بمنزلة الأجر المستحق،
_________________
(١) قولُه: (يخرجونَ من قبورِهم وهم ينفضون الترابَ عن وجوهِهم ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾)، الحديث ما وجدته في الأصول، غير أنه غيرُ موافقٍ لظاهر الآية؛ لأنَّ السابقَ جنات عدن يدخلونها، واللاحق الذي أحلنا دار المقامة صريح في أن مثل هذا القول صادر عنهم في الجنة. قولُه: (﴿الْمُقَامَةِ﴾ بمعنى الإقامة)، عن بعضِهم: دار المُقامةِ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿أَحَلَّنَا﴾، وليسَت بظَرْفٍ لأنها محدودة، ﴿وَلَا يَمَسُّنَا﴾ حالٌ من المفعولِ الأول. قولُه: (﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: من عطائِه وإفْضاله)، الإفضالُ: الإحسانُ. أفضَلَ عليه وتفَضَّل: بمَعنى، وأفضَلَ منه فَضْلةً. قولُه: (وليسَ من الفضلِ الذي هو التفضُّل)، وعند أهلِ السنّة مِنْ تَفضُّلهِ وكَرمه. قال الزجاج والواحدي: ذلك بتفضّلهِ لا بأعمالِنا، وفي «المطْلع»: لا باستحقاقِنا. لأن العملَ
[ ١٢ / ٦٦٠ ]
والتفضل كالتبرع. وقرئ: (لغوب) بالفتح؛ وهو اسم ما يلغب منه، أى: لا نتكلف عملًا يلغبنا، أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك: موت مائت. فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟ قلت: النصب: التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له، وأما اللغوب: فما يلحقه من الفتور بسبب النصب، فالنصب: نفس المشقة والكلفة، واللغوب: نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة.
_________________
(١) ـ معناه زائلٌ، ثوابُ الجنةِ دائم لا يزولُ، ولعلّ المصنِّفَ لما خَصَّ قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ إلى آخره بالسابقِ دونَ الظالمِ والمُقتصِدِ ذهبَ إلى هذا المعنى. قولهُ: (وقُرِئَ: «لَغوب» بالفتح)، قالَ ابنُ جنِّي: وهي قراءةُ عليٍّ ﵁ والسُّلَميِّ، وفيه وجهان: إن شئْتَ حَمَلْتَه على ما جاء من المصادر على الفَعولِ، نَحْو: الوَضوء والوَلوع والوَقود، وإن شئْتَ جعلتَه صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: لا يَمسُّنا فيها لُغوبُ لَغوبٍ، على قولِهم: شِعْرُ شاعرٍ ومَوْتُ مائتٍ، كأنه وصَفَ اللُّغوبَ بأنه قد لَغِبَ، أي: أعيي وتَعِب. وعليه قولُهم: جُنَّ جنونُه، وخرَجَتْ خَوارجُه، وعلى هذا حملَ أبو بكرٍ قولَهم: توضأت وَضوءًا، أي: وُضوءًا وَضوءًا. وحكى أو زيد: رجلٌ ساكوتٌ بيِّن الساكوتة، فلما قرأتُ هذا على أبي عليٍّ حمله على قياس قول أبي بكر، فقال: تقديرُه بَيِّن السكتةِ الساكوتةِ، فجَعل الساكوتةَ صفةَ مصدرٍ محذوف، وحَسَّنَ ذلك عندي أنه من لفظِه. قولُه: (واللُّغوب: نتيجتُه)، أجابَ عن الفَرْقِ ولم يُبيِّنِ الأسلوبَ بأنه مِن أيِّ قَبيلٍ هو، ولأيِّ فائدةٍ تكرارُ «المسّ»؟ أما الأسلوبُ فمن باب قولِه: لا ترى الضَّبَّ بها يَنجَحِر
[ ١٢ / ٦٦١ ]
[(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)] ٣٦ - ٣٧ [
(فَيَمُوتُوا) جواب النفي، ونصبه بإضمار "أن". وقرئ: (فيموتون) عطفًا على (يقضى)، وإدخالًا له في حكم النفي، أى: لا يقضى عليهم الموت فلا يموتون، كقوله: (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ)] المرسلات: ٣٦ [. (كَذلِكَ) مثل ذلك الجزاء (يجزى)، وقرئ: (يجازى)، و(نجزى كُلَّ كَفُورٍ) بالنون. (يَصْطَرِخُونَ): يتصارخون: يفتعلون
_________________
(١) ـ وقولِه: على لاحِبٍ لا يُهتَدى بمَنارِهِ أي: لا ضَبَّ ولا انجِحار، ولا مَنارَ ولا اهتِداء، ولا نَصَبَ ولا لُغوب. والمُرادُ نفيُ النَّصَب، وإنما ضمَّ إليه نتيجتَه ليُؤذِنَ بأنّ انتِفاءَ السَّبَبِ أمرٌ مُحقَّقٌ لا نِزاعَ فيه، وبلغَ في تحقُّقِه إلى أنْ صارَ كالشاهدِ على نفي المُسبَّب، وهو اللُّغوب. وتكريرُ «المسّ» للترديدِ وتعليقِ كُلِّ مرّةٍ ما لم تُعلَّقْ به أولًا، كقولِ الشاعر: لو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ قولُه: (﴿فَيَمُوتُوا﴾ جوابُ النفي)، ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم﴾ في محلِّ فاعل ﴿يُخَفَّفُ﴾، و﴿مِّنْ عَذَابِهَا﴾ في موضع نصب، ويجوز العكس. قولُه: (وقُرِئَ «يُجازي» و«يُجْزي» و﴿نَجْزِي﴾)، بالنون: كلّهم إلا أبا عمروٍ، فإنه قرأ بالياءِ مَضمومةً وفتَحَ الزاي».
[ ١٢ / ٦٦٢ ]
من الصراخ؛ وهو الصياح بجهد وشدّة. قال:
كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها
واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته.
فإن قلت: هلا اكتفى بـ (صالحا) كما اكتفى به في قوله تعالى: (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا)] السجدة: ١٢ [؟ وما فائدة زيادة (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) على أنه يوهم أنهم يعملون صالحًا آخر غير الصالح الذي عملوه؟ قلت: فائدة زيادتها التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به. وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي؛ ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرةٍ صالحة، كما قال الله تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)] الكهف: ١٠٤ [، فقالوا: أخرجنا نعمل صالحًا غير
_________________
(١) قولُه: (كصَرْخَة حُبْلى)، أوَّلُه: قصدْتُ إلى عَنْسي لأجدَحَ رَحْلَها … وقد حانَ من تلك الدِّيارِ رَحيلُها فأنَّتْ كما أنَّ الأسيرُ وصَرَّخَتْ … كصَرْخةِ حُبْلى أسلمَتْها قَبيلها أسلمَتْها: خذَلَتْها، مِن قولهم: أسلَمَه، أي: خذَلَه. والقبيلُ: القابلة، وقيل: كلُّ جيلٍ من إنسٍ وجنٍّ قَبيل. قولُه: (ولأنهم كانوا يَحسَبون)، تسليمٌ للاعتراضِ بعد الاعتذارِ منه، أي: يجوزُ اعتبارُ أنَّهم يعملون صالحًا آخرَ بناءً على زَعْمِهم؛ لأنهم كانوا يُحْسِنون صُنعًا، فعلى الأول: الصفةُ مؤكِّدة، وعلى الثاني: مميِّزة. قال أبو البقاء: ﴿صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي﴾ يجوز أن يكونَ صفتَيْن لمصدرٍ محذوفٍ أو مفعولٍ محذوف، ويجوزُ أن يكونَ ﴿صَالِحًا﴾ نعتًا للمصدرِ و﴿غَيْرَ الَّذِي﴾ مفعولًا.
[ ١٢ / ٦٦٣ ]
الذي كنا نحسبه صالحًا فنعمله. (أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ) توبيخ من الله، يعنى: فنقول لهم. وقرئ: (ما يذكر فيه من أذكر) على الإدغام، وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وعن النبي ﷺ: «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة". وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة. و(النَّذِيرُ): الرسول. وقيل: الشيب. وقرئ: (وجاءتكم النذر). فإن قلت: علام عطف (وجاءكم النذير)؟
قلت: على معنى: (أو لم نعمركم)؛ لأن لفظه لفظ استخبار. ومعناه معنى إخبار، كأنه قيل: قد
_________________
(١) قولُه: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ توبيخٌ من الله)، يعني: فنقولُ لهم، أي: يقولُ الله لهم ذلك موبِّخًا. قالَ الزجاج: معناه: أو لم نُعَمِّرْكم العُمرَ الذي يتذكَّر فيه مَنْ تذكَّر. وقال ابن الحاجب: ﴿مَّا﴾ لا يستقيمُ أن تكونَ نافيةً من حيثُ اللفظ ومن حيث المعنى. وأما اللفظُ فلأنها يجبُ قَطْعُها عن ﴿نُعَمِّرْكُم﴾، لأنه لا يجوزُ أن يكونَ النفيُ من معمولهِ، وأيضًا فإنَّ الضمير في ﴿فِيهِ﴾ يرجع إلى غير مذكور. وأما المعنى: فلأن قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ إنما سيق لإثباتِ التعميرِ وتوبيخِهم على تركِهم التذكيرَ فيه، فإذا جُعِلَ نفيًا كان فيه إخبارٌ عن نفيِ تذكُّرِ متذكِّر فيه فظاهرُه على ذلك نَفْيُ التعمير؛ لأنه إذا كان زمانًا لا يتذكَّرُ فيه متذكِّرٌ لزِمَ أن لا يكون تعميرًا وهو خلافُ قولِه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾. قولُه: (العُمْرُ الذي أعذرَ الله فيه) الحديثُ من رواية البخاري عن أبي هريرة قال: قالَ رسول الله ﷺ: «أعذَرَ الله إلى امرئٍ أخّر أجلَه حتى بلغ ستين سنة». النهاية: أي: لم يُبْقِ فيه موضعًا للعتذارِ حيث أمهَلَه طولَ هذه المدةِ ولم يَعْتَذر. يقال: أعذَرَ الرجلُ؛ إذا بلغ أقصى الغايةِ في العُذْر.
[ ١٢ / ٦٦٤ ]
عمرناكم وجاءكم النذير.
(إِنَّ الله عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ)] ٣٨ [
(إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) كالتعليل؛ لأنه إذا علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون؛ فقد علم كل غيٍب في العالم. وذات الصدور: مضمراتها، وهي تأنيث "ذو" في نحو قول أبى بكر ﵁: ذو بطن] بنت [خارجة جارية. وقوله:
لتغنى عنّى ذا إنائك أجمعا
_________________
(١) قولُه: (ذو بَطْنِ [بنت] خارجة)، قيل: خارجة: جاريةُ امرأةٍ من بَجيلةَ ولدَتْ كثيرًا من قبائلِ العرب. أي: جَنينُها جارية. المغرب: ذو بَطْنِ بنتِ خارجة جارية؛ أي: جَنينُها، وألقت الدجاجة ذا بَطْنِها. قولُه: (لتُغْنيَ عني ذا إنائك أجْمعا)، أوله: إذا قالَ قَدْني قُلْتُ بالله حِلْفة قدْني وقَطْني؛ أي: حَسْبي. حِلْفةً: نصْبٌ مَصْدَرٌ للفعلِ المحذوف الذي يتعلَّق به الباءُ في «بالله»، واللامُ في «لتُغْنيَ» للقسَم وأصله: «لتُغْنينْ» بالنون الخفيفة المؤكّدة، فلما حُذفَت بَقِيت الياءُ مفتوحةً على ما كانت عليه قبل الحذفِ لثبوتِ النونِ الخفيفة في النية. «لِتُغْني عني» أي: بَعِّدْ عني وتَنَحَّ جميعَ ما في إنائك، ولا تُعِدْهُ إليَّ بل اشرَبْ، والعرب تقول: اغنِ عَنّي وَجْهَك، أي: بَعِّدْه، وإنما أضافَ الإناءَ إلى المخاطَبِ وليس الإناء له وإنما هو للمتكلِّم؛ لِما بينَ المخاطَبِ وبينَ الإناءِ مُلابَسة، تقول لما نزل الضيفُ بالمُضيف: أكرم مثواه، وبالغ في سَقْيه، فقال الضيفُ للمضيفِ وهو يسقيه ما في الإناء: حَسْبي ما شربتُه، فقال له الساقي: أُقْسِمُ بالله لتشربَنَّ جميعَ ما في إنائِك من اللبن. قال المصنِّف: فَرْقٌ
[ ١٢ / ٦٦٥ ]
المعنى: ما في بطنها من الحبل، وما في إنائك من الشراب؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء. ألا ترى إلى قولهم: معها حبل؟ وكذلك المضمرات تصحب الصدور، وهي: معها، وذو: موضوع لمعنى الصحبة.
[(هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا)] ٣٩ [
يقال للمستخلف: خليفة وخليف؛ فالخليفة يجمع: خلائف، والخليف: خلفاء، والمعنى: أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها؛ لتشكروه بالتوحيد والطاعة، (فَمَنْ كَفَر) منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية، فوبال كفره راجع عليه؛ وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزى وصغار، وخسار الآخرة الذي ما بعده خسار. والمقت: أشدّ البغض، ومنه قيل لمن ينكح امرأة أبيه: مقتى؛ لكونه ممقوتًا في كل قلب. وهو خطاب للناس، وقيل: خطاب لمن بعث إليهم رسول الله ﷺ؛ أي: جعلكم أمّة خلفت من قبلها، ورأت
_________________
(١) ـ بين قولك: رجلٌ ذو إناءٍ وقولِك: اشرَبْ ذا إنائك، وذلك أنك وصفْتَ الرجلَ بأنه صاحبُ إناءٍ ومالكُه وليس كالآخر لا إناءَ له، وأردْتَ بالثاني: أنه في الإناءِ فإضافتُه كإضافةِ اشرَبْ شرابَ إنائك. أي: اشرَبْ جميعَ ما في الإناء. قولُه: (خلفاءَه في أرضِه)، الراغب: خلفَ فلانٌ فلانًا: قامَ بالأمرِ إما بَعْدَه وإما معَه، والخلافة: النيابةُ عن الغيرِ إمّا لغيبةِ المنوبِ عنه، وإما لموتِه، وإما لعَجْزه، وإما لتشريفِ المُسْتخلَف، وعلى الوجهِ الأخيرِ استخلف الله تعالى عباده في الأرض قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾. وقلت: وإلى هذا المعنى نظرَ المصنِّفُ حيث قال: «وغَمَطَ مثْلَ هذه النعمةِ السَّنية».
[ ١٢ / ٦٦٦ ]
وشاهدت فيمن سلف ما ينبغي أن تعتبر به، فمن كفر منكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة، كما أنّ ذلك حكم من قبلكم.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا)] ٤٠ [
(أَرُونِي) بدل من (أرأيتم)؛ لأنّ معنى (أرأيتم): أخبرونى، كأنه قال: أخبرونى عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة، أرونى أى جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله، أم لهم مع الله شركة في خلق السماوات؟ أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب؟ أو يكون الضمير في (آتَيْناهُمْ) للمشركين، كقوله: (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا)] الروم: ٣٥ [. (أم آتيناهم كتابا) من قبله. (بل إن يعد) بعضهم؛ وهم الرؤساء (بَعْضًا)؛ وهم الأتباع (إِلَّا غُرُورًا)؛ وهو قولهم: (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله)] يونس: ١٨ [. وقرئ: (بينات).
_________________
(١) ـ قولُه: (أيَّ جزءٍ من أجزاءِ الأرضِ استبدُّوا بخَلْقِه دون الله)، إنما فَسَّر ﴿مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ بهذا، وجعل «ما» استفهامية ليتنزّل إلى قولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ثم إلى قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾، لأنّ «أم» مُنقطعةٌ متضمِّنةٌ للهمزة، و«بل» تقتضي التدرُّج، كأنه قيل: أخبروني الذين تَدْعونَ من دون الله هل استبدّوا بخلقِ شيءٍ حتى يكونوا مَعْبودينَ مثْلَ الله، ثم نزلَ منه إلى: ألَهُمْ شَرِكةٌ في الخَلْق؟ ثم نزلَ منه إلى: أم معَهم بَيِّنةٌ وحُجّةٌ مكتوبةٌ بالشرِكة؟ وإذا جُعلَ الضميرُ في ﴿آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ للمشركين لا للأصنام، فيكونُ التدرجُ من دليلِ العقل إلى دليل النقل. قولُه: (وقُرِئَ: «بَيَّناتٍ»)، نافعٌ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ والكِسائيّ: بالجمع، والباقون: بغيرِ ألفٍ على التوحيد.
[ ١٢ / ٦٦٧ ]
[(إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا)] ٤١ [
(أَنْ تَزُولا): كراهة أن تزولا، أو: يمنعهما من أن تزولا؛ لأن الإمساك منع. (إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) غير معاجل بالعقوبة، حيث يمسكهما، وكانتا جديرتين بأن يهدّا هدّا؛ لعظم كلمة الشرك، كما قال: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ)] مريم: ٩٠ [. وقرئ: (ولو زالتا). وإن أمسكهما: جواب القسم في (وَلَئِنْ زالَتا) سدّ مسدّ الجوابين، و(من) الأولى مزيدة لتأكيد النفي، والثانية: للابتداء. و(من بعده): من بعد إمساكه. وعن ابن عباس ﵁: أنه قال لرجٍل مقبٍل من الشام: من لقيت به؟ قال: كعبًا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إنّ السماوات على منكب ملك. قال: كذب كعب! أما ترك يهوديته بعد؟ ! ثم قرأ هذه الآية.
[(وَأَقْسَمُوا بِالله جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)] ٤٢ - ٤٤ [
_________________
(١) ـ قولُه: (غَيْرَ مُعاجلٍ بالعُقوبةِ حيثُ يُمْسِكُهما)، قالَ الزجاج: سأل بعضُهم: لم كانَ في هذا الموضع ذِكْرُ الحلم والمغفرة والمقام يدل على القدرة؟ والجوابُ: أنه تعالى لما أمسكَ السماواتِ والأرضَ عند قولهم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨]، حَلُمَ فلم يُعَجِّل لهم بالعقوبة، وكان مِن حَقِّ السماوات والأرضِ أن تَزولا مِن عَظيمِ فِرْيَتِهم.
[ ١٢ / ٦٦٨ ]
بلغ قريشًا قبل مبعث رسول الله ﷺ أنّ أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسوٌل لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث رسول الله ﷺ كذبوه. وفي (إِحْدَى الْأُمَمِ) وجهان؛ أحدهما: من بعض الأمم، ومن واحدةٍ من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم. والثاني: من الأمّة التي يقال لها إحدى الأمم؛ تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة. (ما زادَهُمْ) إسناد مجازى؛ لأنه هو السبب في أن زادوا أنفسهم نفورًا عن الحق وابتعادًا عنه، كقوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)] التوبة: ١٢٥ [. (اسْتِكْبارًا) بدل من (نفورا)، أو مفعول له، على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارًا وعلوًّا فِي الْأَرْضِ، أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله ﷺ والمؤمنين. ويجوز أن يكون (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) معطوفًا على نفورًا فإن قلت: فما وجه قوله: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ)؟ قلت: أصله: وأن مكروا السيئ، أى المكر السيئ، ثم ومكرا
_________________
(١) ـ قولُه: (من الأمةِ التي يقال لها إحدى الأمم)، هذا كما يقال: واحدُ القومِ وأوحَدُ العصر، أي: أفضَلُهم. الأساس: وهو واحدُ قومِه وأوحَدُهُم، وهو واحدُ أُمّه، وفلانٌ وَحدٌ وَوحيدٌ، واستوحَدَ: انفرد، وأوحَدَ الله فلانًا: جَعَله بلا نَظير، وعن بعضِهم: تقولُ العربُ للداهيةِ العظيمة: هي إحدى الإحَد، وإحدى من سبع، أي: إحدى ليالي عادٍ في الشدَّة. قولُه: (أصلُه: وأن مكَروا السيّء، أي: المَكْرَ السيء)، قالَ مَكّي: هو من إضافةِ الموصوفِ إلى الصفةِ تقديرُه: ومكَروا المكْرَ السيءَ، ودليلُه قولُه بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فـ «مَكْرَ السَّيِّئ» انتصبَ على المصدرِ ثم أُضيفَ إلى نَعْتِه اتساعًا، كصلاةِ الأولى ومسجد الجامع. وفي «التيسير»: نحوهُ إضافة الحق إلى اليقين، ووصفه بالسيء؛ لأنه كانَ
[ ١٢ / ٦٦٩ ]
السيئ، ثم ومكر السيئ. والدليل عليه: قوله: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). ومعنى (يحيق): يحيط وينزل. وقرئ: (ولا يحيق المكر السيئ) أى: لا يحيق الله، ولقد حاق بهم يوم بدر. وعن النبي ﷺ: "لا تمكروا ولا تعينوا ماكرًا؛ فإنّ الله تعالى يقول: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيًا، يقول الله تعالى: (إنما بغيكم على أنفسكم)] يونس: ٢٣ [». وعن كعب: أنه قال لابن عباس ﵄: قرأت في التوراة: من حفر مغواةً وقع فيها. قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله، وقرأ الآية. وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبًا، وقع فيه منكبًا. وقرأ حمزة: (ومكر السيئ) بإسكان الهمزة؛
_________________
(١) ـ للصدِّ عن الحق، وقد يكون المكرُ حَسنًا إذا كان احتيالًا للدعاء، ومنه قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. قولُه: (مُغَوّاة)، الجوهري: المُغوَّياتُ بفَتْح الواو مُشَدَّدة جَمْعُ المُغَوّاة، وهي: حُفْرة كالزُّبْيةِ بالزاي المضمومةِ، يقال: مَنْ حَفر مُغَوّاةً وقع فيها. وفي «المستقصى»: يُضرَبُ لمن أرادَ بصاحبهِ مكرًا فحاقَ به. قولُه: (وقرأَ حَمْزة: «ومَكْرَ السِّيْئ»، بإسكانِ الهمزةِ)، في «التيسير»: قرأها حمزةُ في الوصلِ لتوالي الحركات تخفيفًا، كما سكَّن أبو عمروٍ والهمزةَ في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] لذلك، وإذا وقَف أبدَلها ياءً ساكنة، والباقون: بخَفْضِها في الوصلِ، ويجوزُ روْمُها وإسكانُها في الوقف. وفي «المطْلع»: قال أبو جعفر النحاس: وقفَ عليه حمزةُ، وهو وَقْفٌ تامّ، فظنّ الراوي أنه وَصْلٌ لخفة الوقفة.
[ ١٢ / ٦٧٠ ]
_________________
(١) ـ وقال الزجاج: وقرأ حمزة: «ومَكْرَ السّيِّئ» موقوفًا، وهذا عند النحويين لَحْن، وإنما يجوز في اضطرارِ الشعر، وأنشدوا: إذا اعوجَجْنَ قلتُ: صاحِ قَوِّمِ أي: يا صاحب، والأصلُ: يا صاحبُ قَوِّم، لكنه حذفَ مَضطرًّا، وكان الضم بعد الكَسر، والكسر بعْدَ الكسر مستثقلًا، وأنشَدوا: فاليومَ أشرَبْ غيرَ مُسْتحقِبٍ … إثْمًا من الله ولا واغِلِ وهذان البيتان قد أنشدَهما جميعُ النحويينَ الحذّاق، وزعموا كلهم أن هذا من الاضطرار لا يجوز مثله في كتاب الله تعالى، وأنشدَهما محمدُ بن يزيد: إذا اعوجَجْن قُلْتُ: صاحِ قَوِّمِ وهذا جيد بالغ، وأنشدنا: فاليومَ فاشْرَبْ غيرَ مستحقِب وأما ما يُروى عن أبي عمروٍ بن العلاء: «إلى بارِئْكم» [البقرة: ٥٤]، فإنّما هو أن يختلسَ الكَسْر اختلاسًا ولا يَجْزِم، وراويه غيرُ ضابطٍ ضَبْطَ سيبَويْهِ والخليل. ورواهُ سيبويهِ باختلاسِ الكَسْر، كأنه يقلل صوتَه عند الكسر.
[ ١٢ / ٦٧١ ]
وذلك لاستثقاله الحركات مع الياء والهمزة، ولعله اختلس فظنّ سكونًا، أو وقف وقفةً خفيفة، ثم ابتدأ (وَلا يَحِيقُ). وقرأ ابن مسعود: (ومكرا سيئا). (سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ): إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم، وجعل استقبالهم لذلك انتظارًا له منهم، وبين أنّ عادته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها، أى: لا يغيرها؛ وأنّ ذلك مفعول له لا محالة، واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسائرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم. (لِيُعْجِزَهُ): ليسبقه ويفوته.
[(وَلَوْ يُؤاخِذُ الله النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا)] ٤٥ [
_________________
(١) ـ وقالَ أبو عليّ: هو على إجراءِ الوصلِ مُجرى الوقفِ كما حكى سيبويه من قولهِ: ثَلَثْهُم. وقيل: يحتملُ أنه خَفَّف آخرَ الاسمِ لاجتماعِ الكسرتين والياءَيْن، كما خفَّفوا الباءَ من «إبل»؛ لتوالي الكسرتين، ونُزِّلَ حركةُ الإعرابِ بمنزلةِ غيرِ حركةِ الإعراب. قولُه: (ومكرًا سَيِّئًا)، قالَ ابنُ جنِّي: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله وهو ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، وقراءةُ العامّة أقوى معنى لتعريفِه، كأنه قال: المكرَ السَّيئ مُستنكَرٌ في النفوس، مفعولٌ له لا محالة، أي: لله تعالى أن يفعَله. قولُه: (وجعل استقبالَهم لذلك انتظارًا له منهم)، اللام متعلِّقٌ بـ «انتظارِ» أي: أُريدَ أن يقال: فهل يَسْتقبلونَ إلا ما فَعلنا بما مضى من الأمم الماضيةِ من الدمارِ، وقيل: فهل ينتظرونَ، حُلولَ ميعادِه؟ قولهُ: (أي: لا يُغيِّرها)، معنى التبديلِ والتحويل. وقولُه: «وأنَّ ذلك مفعولٌ له» أي: لله تعالى، عَطْفٌ تفسيريٌّ، فَسَّر معنى «لن» وتكريرَه وما يَتَّصِلُ بهما.
[ ١٢ / ٦٧٢ ]
(بِما كَسَبُوا): بما اقترفوا من معاصيهم. (عَلى ظَهْرِها): على ظهر الأرض (مِنْ دَابَّةٍ): من نسمة تدب عليها، يريد بنى آدم. وقيل: ما ترك بنى آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم. وعن ابن مسعود ﵁: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم تلا هذه الآية. وعن أنس:
إن الضب ليموت هزلًا في جحره بذنب ابن آدم. وقيل: يحبس المطر فيهلك كل شيء. (إِلى أَجَلٍ
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ على ظهر الأرض)، قد جرى ذكْرُ الأرض فيما قبل هذه الآية، يَليها قولُه: ﴿لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ فلذلك جاءَ ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾. قالَ مَكِّي في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: العاملُ في «إذا» هو ﴿جَاءَ﴾ لأن «إذا» فيها معنى الجزاء، والأسماءُ التي يُجازي بها يعملُ فيها ما بعْدَها، تقول: مَنْ أُكْرِمْ يُكْرِمْني، فأُكْرِم هو العاملُ في «مَنْ» بلا خلاف فأشبهَتْ إذن حروفَ الشرطِ لما فيها من معناه فعمِلَ فيها ما بعدها، وكان حقُّها أن لا يعملَ فيها، لأنها مُضافةٌ إلى ما بعْدَها من الجملِ والمضافُ إليه لا يعملُ في المضافِ لأنه مِن تَمامِه وفيه خلاف. والحقُّ أن الموضعَ الذي يُجازي بها يمكنُ أن يعمَلَ فيها الفعلُ الذي يليها، والموضعُ الذي لا يُجازي بها لا يحسُنُ أن يعمَل بها. قولُه: (إنّ الضّبَّ ليموتُ هَزْلًا في جُحْرِه بذَنْب ابنِ آدم)، النهاية: أي: يحتبسُ عنه المطرُ بشُؤم ذنوبهم، وإنما خَصَّ الضبّ، لأنه أطولُ الحيوانِ نَفْسًا، وأصبَرُها على الجوع. ورُوِيَ: «الحُبارى» بدَلَ «الضبِّ» لأنها أبعَدُ الطير نُجْعةً.
[ ١٢ / ٦٧٣ ]
مُسَمًّى): إلى يوم القيامة. (كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا) وعيد بالجزاء.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن أدخل من أى باب شئت».
_________________
(١) ـ هَزُلَتِ الدّابةُ هُزالًا، وأهْزَلْتُها أنا هَزْلًا، وأهزَلَ القوم: إذا أصابَت مواشيَهم السنة، فَهَزُلَتْ، أي: ضعُفَتْ، والهَزْلُ ضدّ السِّمَن. تَمَّتِ السورةُ بحَمْدِ الله
[ ١٢ / ٦٧٤ ]
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب
وهو حاشية الطيبي على الكشاف
للإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي
المتوفى سنة ٧٤٣ هـ رحمه الله تعالى
الجزء الثالث عشر
تفسير السور من يس إلى نهاية فصلت
[ ١٣ / ٤ ]