مكية، وهي ثلاثون آية
وتسمى: الواقية، والمنجية؛ لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وهُوَ حَسِيرٌ﴾ ١ - ٤].
﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ على كل موجودٍ
_________________
(١) سورة الملك مكية، وهي ثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قوله: (﴿بِيَدِهِ المُلكُ﴾ على كل موجود)، وجعل ﴿بِيَدِهِ المُلكُ﴾ بمعنى التصرف والاستيلاء، ولذلك عداه بـ"على" في قوله: "على كل موجود"، قال الراغب في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
[ ١٥ / ٥٢٥ ]
﴿وهُوَ عَلَى كُلِّ﴾ ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة ﴿قَدِيرٌ﴾. وذكر "اليد" مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء عليه. والحياة: ما يصنع بوجوده الإحساس،
_________________
(١) تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]: "فالملك: ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم، والملك كالجنس له؛ فكل ملك ملك، وليس كل ملك ملكًا". قوله: (﴿وهُوَ عَلَى كُلِّ﴾ ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة ﴿قَدِيرٌ﴾)، يعني أن "الشيء" عام في كل ما يصح أن يخبر عنه ويعلم بناء على مذهبه، فلما اقترن بقوله ﴿قَدِيرٌ﴾، علم أن المراد منه المعدوم الذي يدخل تحت القدرة دون غيره، ومقصوده رعاية الطباق بذكر الموجود والمعدوم بين القرينتين، قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر؛ لأن "الشيء" إما أن يختص بالموجود، أو يشمل الموجود والمعدوم على المذهبين، فلا وجه لتخصيصه بما لم يوجد مع انضمام ﴿كُلِّ﴾ إليه، اللهم إلا أن بقال: خصصه به ليغاير ما قبله، إذا خصصه بالموجود". قلنا: لو عمم الثاني: لتحقق التغاير أيضًا، على أن في تخصيص الأول بالموجود أيضًا نظرًا، لأن اليد مجاز عن القدرة، وإن تخصصت القدرة بالمعدوم كما هو مذهبه تخصص الأول بالمعدوم، وإن لم يتخصص، لم يتخصص الثاني بالمعدوم. والتحقيق أن الأول مطلق، والثاني عام لما وضع له تباين الشيء، فقصد بيان أصل القدرة أولًا، وعمومها ثانيًا. وقلت: الظاهر أن الآية من باب التكميل، فالقرينة الأولى تدل على التصرف التام في الموجودات، على مقتضى إرادته ومشيئته من غير منازع ولا مدافع، تصرف الملاك في ملكهم، لا يتصرف فيها حقيقة، ولذلك قدم الظرف للتخصيص، قال الإمام: "هذه اللفظة إنما
[ ١٥ / ٥٢٦ ]
وقيل: ما يوجب كون الشيء حيا، وهو الذي يصبح منه أن يعلم ويقدر. والموت: عدم ذلك فيه، ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحح وإعدامه.
_________________
(١) تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكًا ومالكًا، كما يقال: بيد فلان الأمر والنهي، والحل والعقد". والقرينة الثانية دالة على القدرة الكاملة الشاملة، ولو اقتصر على القرينة الأولى، لأوهم أن تصرفه مقصور على تغير أحوال الملك كما يشاهد من تصرف الملاك المجازي؛ فقرنت بالثانية ليؤذن بأنه عز سلطانه قادر على التصرف، وعلى إيجاد الأعيان المتصرف فيها، وعلى إيجاد عوارضها الذاتية وغيرها، ومن ثم عقب ذلك الوصف بالوصف المتضمن للعوارض، وهو قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] إلى آخره. وأما مسألة أن المعدوم شيء فمها لا يهمنا الآن. قوله: (وقيل: ما يوجب كون الشيء حيا، وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر)، قال صاحب "التقريب": الحياة ما به الإحساس، أو ما به العلم والقدرة، ولا يفسر بما يوجب كون الشيء حيًا لئلا يلزم منه الدور. قوله: (والموت عدم ذلك)، الانتصاف: مذهب القدرية أن الموت عدم، واعتقاد أهل السنة أنه أمر وجودي يضاد الحياة، وكيف يكون عدمًا وقد وصف بكونه مخلوقًا، وعدم الحوادث أزلي؟ ولو كان المعدوم مخلوقًا للزم وقوع الحوادث أزلًا، وهو ظاهر البطلان.
[ ١٥ / ٥٢٧ ]
والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾،
_________________
(١) وقال صاحب "الفرائد": "لو كان الموت عدم الحياة استحال أن يكون مخلوقًا"، وقد قال بعد ذلك: "معنى خلق الموت والحياة، وإيجاد ذلك المصحح وإعدامه"، وهذا أيضًا منظور فيه. وقال الإمام: "الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها، بحيث يصح أن يعلم ويقدر". واختلفوا في الموت، قيل: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقيل: صفة وجودية مضادة للحياة، لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ﴾؛ والعدم لا يكون مخلوقًا، وهذا هو التحقيق. قوله: (خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾)، الراغب: "أنواع الموت بحسب أنواع الحياة: الأول: ما [هو] بإزاء القوة النامية في الإنسان والحيوان والنبات، نحو: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧]، ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١]. الثاني: زوال القوة الحاسة، قال تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. والثالث: زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة نحو: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. الرابع: الحزن المكدر للحياة، نحو: ﴿وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]. الخامس: المنام، فقد قيل: المنام موت خفيف، والموت نوم ثقيل، نحو: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، قيل: [معناه] ستموت، تنبيها على أنه لا بد لكل أحد من الموت، وقيل: فيه إشارة إلى ما يعترى الإنسان في كل حال من التحلل، وأن البشر ما دام في الدنيا يموت جزءًا. وقد عبر قوم عن هذا المعنى بـ"المائت"، ورده علي بن عبد العزيز
[ ١٥ / ٥٢٨ ]
وسمى علم الواقع منهم باختيارهم "بلوى" وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر. ونحوه قوله تعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
فإن قلت: من أين تعلق قوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ بفعل البلوى؟
_________________
(١) وقال: ليس في لغتنا "مائت" على حسب ما قالوا، وإنما يقال: موت مائت كقولك: شعر شاعر، وسيل سائل". قوله: (وسمى علم الواقع منهم باختيارهم"بلوى") وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، وقوله: "منهم" و"باختيارهم" متعلقان بـ"الواقع". قيل: إنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع لا أنها واقعة، لأن ذلك لا يكون علمًا، وإذا وجد تعلق العلم بوجوده. والله تعالى خلق المكلفين يعلم ما يصدر منهم باختيارهم، فسمي هذا اختيارًا؛ لأنه إذا خلقهم ليعلم واقعًا ما، يعلم أنه يصدر باختيارهم، فكأنه تعالى اختبرهم بخلقه وابتلاهم. المعنى: ليعلم هذا المعنى واقعًا بعدما علم أنه سيحصل منهم. والفلاسفة خذلهم الله، زعموا أن الله تعالى يعلم الجزئيات على وجه لا جزئي، والمسلمون يعتقدون أنه تعالى يعلم الجزئيات على وجه جزئي، أي عند وجودها يعلم أنها وجدت، وعند عدمها يعلم أنها عدمت، وقبل ذلك يعلم أنها ستوجد وستعدم، فالتغيير في المعلوم لا في العلم. قوله: (استعارة)، نصب تمييز أو مفعول له، أو حال، أو مفعول مطلق، لما في قوله: "سمى"
[ ١٥ / ٥٢٩ ]
قلت: من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا؛ وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه، كما تقول: علمته هو أحسن عملا.
فإن قلت: أتسمي هذا تعليقا؟
قلت لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعا، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق
_________________
(١) إلى آخره، معنى "استعار"، لأن الاستعارة تسمية الشيء باسم ما شبه أو شبه به، أي استعار لعلم الله المتعلق بأفعال المكلف، لفظ الابتلاء المعني به الخبرة، بعد سبق تشبيه حال المكلف المختار الممكن من فعل الطاعة والمعصية مع تعلق علم الله تعالى بأفعاله، بحال المختبر مع المختبر، ثم استعير لعلم الله الخاص ما استعمل في المشبه به من لفظ "يبلوكم"، فهي استعارة تبعية واقعة في طريق التمثيل. مثلها في قول صاحب "المفتاح": شبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية مع الإرادة منه أن يطيع، بحال المرتجي المخير بين أن يفعل وأن لا يفعل، ثم استعير لجانب المشبه"لعل"، جاعلًا قرينة الاستعارة علم العالم"؛ ف"لعل" مستعار للإرادة على مذهبه، كما أن ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ مستعار للعلم الخاص فيما نحن بصدده؛ فقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾، متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، أي: خلق الموت ليكون جوازًا إلى دار الجزاء، وخلق الحياة لتكون ذريعة إلى فعل ما يترتب عليه الجزاء في تلك الدار، فمن أطاع وشكر أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه. قوله: (لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين)، قيل: إن قولنا: علمت أزيد منطلق، تعليق للفعل عن العمل، ومن شرط التعليق أن لا يذكر شيء من المفعولين، إذ
[ ١٥ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لو قلت: علمت القوم أيهم أفضل، لم يكن تعليقًا، وها هنا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أخذ مفعوله، فلا يعلق عليه قوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال صاحب"التقريب": "وفيه نظر، لأن المضمر هو العلم، فلا يلزم ذكر المفعول معه، بل التقدير ليبلوكم فيعلم أيكم. وأيضًا لا تقع الجملة الاستفهامية مفعولًا ثانيًا ل"علمت"، وإنما يقع موقع المفعولين في: علمت أيهم خرج؟ لأن المعنى: علمت جواب هذا الاستفهام، ولا يقدر مثله في: علمته أيهم خرج؟ إذ لا معنى لقولك: علمته جواب هذا الاستفهام. وأيضًا ذكر في"هود" في ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، أنه تعليق". وقال الزجاج: "المتعلق بـ ﴿أَيُّكُمْ﴾ مضمر، أي: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملًا. وارتفعت "أي" بالابتداء قال: "فيه وجهان: أحدهما قول الفراء والزجاج: إن المتعلق مضمر، وثانيهما قول صاحب "الكشاف": ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ في معنى ليعلمكم، أي: ليعلمكم أيكم أحسن عملًا". وقلت: فالمصنف ذهب في "هود" إلى مذهب الفراء والزجاج، واختار هاهنا مذهبًا آخر، وهو صحيح من حيث العربية، لأن باب التضمين باب واسع، وإليه الإشارة بقوله: "من حيث إنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملًا".
[ ١٥ / ٥٣١ ]
ألا ترى أنه لا فضل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقا لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق، وعلمت زيدا منطلقا. ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: قيل: أخلصه وأصوبه؛ لأنه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صوابا غير خالص؛ فالخالص: أن يكون لوجه الله تعالى؛ والصواب: أن يكون على السنة.
_________________
(١) وأما قوله: "لا تقع الجملة الاستفهامية مفعولًا ثانيًا" فضعيف، لأنها إذا وقعت مفعولًا أول في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، أي: لننزعن الذين يقال في حقهم: أيهم أشد، كما هو مذهب الخليل، كيف يمتنع وقوعها مفعولًا ثانيًا بالتأول، أي: ليعلمكم الذين يقال في حقهم: أيهم أحسن عملًا. وقد أنصف صاحب "الانتصاف" حيث قال: "التعليق عن أحد المفعولين فيه خلاف، والأصح هو الذي اختاره الزمخشري، وهذا النحو عشه فيه يدرج، ويدري كيف يدخل ويخرج". قوله: (أخلصه وأصوبه)، الراغب: "الخالص كالصافي، إلا أن الخالص هو ما زال عنه شربه بعد أن كان فيه، وحقيقة الإخلاص التعري عن كل ما دون الله، والتبري عما سوى الله". والصواب ضد الخطأ والعدول عن الطريق المستقيم، ولصعوبته ورد في الحديث: "استقيموا ولن تحصوا".
[ ١٥ / ٥٣٢ ]
وعن النبي ﷺ أنه تلاها، فلما بلغ قوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: "أيكم أحسن عقلا، وأروع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله"، يعني: أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه؛ والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، لأن وراءه البعث والجزاء الذي لابد منه،
_________________
(١) وقلت: وبالنظر إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، قال المصنف: "والصواب أن يكون على السنة"، وأبى قبول العمل إلا بها وبالإخلاص. ويفهم منه: إذا راعى المكلف في أعماله الفرائض والواجب فقط ولم يكملها بالسنن، سقط عنه الفرض لكن لم يقبل منه لتخطيه الصواب؛ على ذلك ما روينا عن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر"، قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى". وفي الحديث دليل على وجوب حضور الجماعة، وأن لا رخصة في ترك الجماعة لأحد إلا من عذر. وقال عطاء: ليس لأحد من خلق الله في الحضر والقرية رخصة إذا سمع النداء، في أن يدع الصلاة: أي: في الجماعة. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات. وقال بعض أصحاب الشافعي: الجماعة فرض عل الكفاية لا على الأعيان، ولا يمتنع العبد عن الجماعة بغير علة. وقد سبق في سورة الجمعة مستوفى تحقيقه. قوله: (أيكم أتم عقلا عن الله)، أي: أتم فهما لما يصدر عن جناب الله، وأكمل ضبطًا لما يأخذ عن خطابه، يدل عليه عطف قوله: "وفهما لأغراضه" على عقلًا"، على سبيل التفسير.
[ ١٥ / ٥٣٣ ]
وقدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل، من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾: الغالب الذي يعجزه من أساء العمل ﴿الغَفُورُ﴾ لمن تاب من أهل الإساءة. ﴿طِبَاقًا﴾: مطابقة بعضها فوق بعض، من طابق النعل: إذا خصفها طبقا عن طبق، وهذا وصف بالمصدر،
_________________
(١) قوله: (فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم)، "فيما يرجع" متعلق بـ"أهم". والظاهر أن قوله: "فقدم"، قد عطف على "قدم الموت على الحياة" على سبيل التعقيب، نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، يعني: المراد من قوله ﴿خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، أنه أعطاكم الحياة … إلى آخره، وقدم الموت على الحياة، لأن الموت أقوى الدواعي إلى العمل، فقدم ليتبين أن الذي سيق له الآية، البعث على العمل، والإخلاص فيه، وتحري الصواب له. ولعمري، إن من جعل الموت نصب عينيه، زهد في الدنيا ولذاتها، ورغب في الآخرة وأناب إلى الجنة ونعيمها؛ روينا عن الترمذي عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "استحيوا من الله حق الحياء"، قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله، قال: "ليس ذلك! ولكن الاستحياء من الله تعالى حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى؛ فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء". قوله: (وهذا وصف بالمصدر)، قيل: هو مشكل، لأنه لو كان صفة لكان مجرورًا صفة للمضاف إليه، أي: سبع سموات طباقًا، كما في قوله: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، لأن الصفة في الأعداد تكون للمضاف إليه، ولو قيل: هو حال لكان وجهًا، لأن ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ معرفة لشمولها كلها، وهو قريب مما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ
[ ١٥ / ٥٣٤ ]
أو على ذات طباق، أو على: طوبقت طباقا. ﴿مِن تَفَاوُتٍ﴾ وقرئ "من تفوت"، ومعنى البناءين واحد، كقولهم: تظاهروا من نساءهم وتظهروا،
_________________
(١) وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١]، من أن محل ﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾ النصب على الحال من ﴿كُلُّ﴾ لتعرفه بالإضافة إلى ما هو حكم المعرفة، وذلك أن النفس بالإضافة صارت شامة لجميع النفوس. وقلت: ما خطر هناك أن يوصف المضاف المضاف به، بل سأل عن التفاوت بين أن يكون ﴿سِمَانٍ﴾ صفة للبقرات، وأن يكون صفة للسبع. ولا ارتياب أن وصف البقرات بالسمان والعجاف أولى من وصف الأعداد بها، كما أن وصف الأعداد بالطباق، أخرى من وصف السماء به، لاقتضاء كل ما يناسبه. على أن قوله: "وهذا وصف بالمصدر"، لا ينافي إرادة الحال، نحوه قوله في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]: " ﴿هَوْنًا﴾: حال أو صفة للمشي، يعني: هينين، أو مشيًا هينًا. إلا أن في وضع المصدر موضع صفة مبالغة"؛ وإنما يكون مبالغة إذا وضع"هينًا" موضع"هينين"، لأنه حينئذ وصف للذات بالمصدر، بخلاف إذا جعل وصفًا للمصدر ويقال: مشيًا هونًا، والوجه هو الأول. ولأن قوله ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ يشد من عضده، كما قال: "هي صفة مشايعة لقوله: ﴿طِبَاقًا﴾ "، يعني احتمل ﴿طِبَاقًا﴾ أن يكون صفة، وأن يكون مصدرًا لمضمر، رجح الأول مجيء قوله ﴿مَّا تَرَى﴾ الآية. الأساس: "هذا بهذا: قواه به". النهاية: "في حديث الضحايا: نهى عن المشيعة" بفتح الياء، أي: التي تحتاج إلى من يشيعها، أي: يسوقها لتأخرها عن الغنم. قوله: (وقرئ: "من نفوت"): حمزة والسكائي، قال الزجاج: "يقال: تفاوت الشيء تفاوتًا، وتفوت تفوتًا، إذا اختلف".
[ ١٥ / ٥٣٥ ]
وتعاهدته وتعهدته، أي: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض؛ إنما هي مستوية مستقيمة.
وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه، ومنه قولهم: خلق متفاوت، وفي نقيضه: متناصف.
فإن قلت: كيف موقع هذه الجملة مما قبلها؟
قلت: هي صفة مشايعة لقوله: ﴿طِبَاقًا﴾، وأصلها: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله: ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ تعظيما لخلقهن، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت؛ وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق
_________________
(١) قوله: (وفي نقيضه: متناصف)، الجوهري: "تناصفوا، أي: أنصف بعضهم بعضًا من نفسه، قال: أني غرضت إلى تناصف وجهها غرض المحب إلى الحبيب الغائب يقال: غرضت إليه: أي اشتقت إليه، أي: بلغ استواء محاسن وجهها حدًا، كأن بعض أعضاء الوجه أنصف بعضًا في أخذ القسط من الجمال". قوله: (وأنه بباهر قدرته)، أي: بقدرته الغالب الكامل، وذلك لأن "الرحمن" مرادف لاسم الله الأعظم في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، فيكون حكمه حكمه، فدل في مقام القدرة والخلق على كمالهما، فيكون في وضع
[ ١٥ / ٥٣٦ ]
مثل ذلك الخلق المتناسب، والخطاب في ﴿مَّا تَرَى﴾ للرسول أو لكل مخاطب. وقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ البَصَرَ﴾ متعلق به على معنى التسبيب؛ أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهن، ثم قال: ﴿فَارْجِعِ البَصَرَ﴾ حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا تبقى معك شبهة فيه. ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ من صدوع وشقوق، جمع فطر وهو الشق، يقال: فطره فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شق وبزل، ومعناه: شق اللحم فطلع. وأمر بتكرير البصر فيهن متصفحا ومتتبعا يلتمس عيبا وخللا ﴿يَنقَلِبْ إلَيْكَ﴾ أي: إن رجعت البصر وكررت النظر، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب، بل يرجع ذلك بالخسوء والحسور، أي: بالبعد عن إصابة الملتمس، كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة، وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والترديد.
_________________
(١) ﴿الرَّحْمَنَ﴾ موضع الضمير، إشعار بأن لا يكون في خلقه السموات من نقصان ولا تفاوت، ثم لا يخلو من إشارة على لفظة (الله) في هذا المقام من نكتة، وهي أن خلق هذه الأجرام العظام نعمة جليلة توجب الحمد على نظرها، لأنها مسارح أنظار المتفكرين، ومهابط أنوار رب العالمين. قوله: (﴿مِن فُطُورٍ﴾: من صدوع)، الراغب: "أصل الفطر الشق طولًا، يقال: فطر فلان كذا فطرًا، وأفطر هو فطورًا، وانفطر انفطارًا، قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ أي: اختلال ووهي فيه، ومنه الفطرة، وفطر الله الخلق، وهو إيجاد وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال؛ فقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، إشارة منه إلى ما أبدع وركز في الناس من معرفته المشار إليه بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾ [الزخرف: ٩]. والفطر: ترك الصوم". قوله: (إن رجعت البصر وكررت النظر، لم يرجع إليك البصر بما التمسته من رؤية الخلل
[ ١٥ / ٥٣٧ ]
فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين؟
قلت: معنى التثنية التكرير بكثرة، كقولهم: لبيك وسعديك، تريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض، وقولهم في المثل "دهدرين سعد القين" من ذلك، أي: باطلا بعد باطل.
_________________
(١) وإدراك العيب)، في كلامه إشعار بأن ﴿البَصَرَ﴾ الثاني في موضع المضمر، لقوله: "بل يرجع إليك"، أي: بصرك بما التمسته. الانتصاف: "معنى وضع المظهر موضع المضمر، أن الأبصار التي يدرك بما كل موجود ترجع خاسئة". قوله: (دهدرين سعد القين) معنى التثنية هل يستنبط من انضمام "سعد القين" بـ"دهدرين"، أو من التثنية في "درين"؟ والوجهان محتملان، قال الميداني: قيل: "الأصل فيه أن العرب تعتقد أن العجم أهل مكر وخديعة، وكانوا يخالطونهم ويتجرون في الدر ولا يحسنون العربية، فوقع إليهم رجل معه خرزات سود وبيض وقال: دودر أي: نوعان من الدر، أو قال: عشرة منه بكذا، ففشوا عنه فوجدوه كاذبًا فيما زعم، فقالوا: ده درين، ثم ضموا إليه "سعد القين" لأنهم عرفوه بالكذب، حتى قالوا: إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح، فجعلوا اللفظين عبارة عن الكذب، وثنوا قولهم: "درين" لمزاوجة "القين"، فإذا أرادوا أن يعبروا ن الباطل تكلموا بهذا. وقال بعضهم: أصله: ده در، فثنوه، عبارة عن تضاعف معنى الباطل والمبالغة فيه، كما جمعوا أسماء الدواهي فقالوا: الأقورين والفتكرين، إشارة إلى اجتماع الشر فيه، وغيروا أوله عن الفتح إلى الضم، ليكونوا قد تصرفوا فيه بوجه ما. " وموضع المثل نصب بإضمار "أعني" أو"أبصر"، ويجوز أن يكون رفعًا على الابتداء، أي:
[ ١٥ / ٥٣٨ ]
فإن قلت: فما معنى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ﴾؟
قلت: أمره برجع البصر، ثم أمر بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء وأن يتوقف بعدها
_________________
(١) أنت صاحب هذه اللفظة، التقدير: أنت سعد القين، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين". وفي بعض الحواشي: القين: الحداد، ويضرب به المثل في الكذب، ويقال: أكذب من قين، روي عن المصنف أنه قال: "الدهدر، والدهان: الباطل"، والمعنى: جئت يا سعد القين بباطل بعد باطل، وذلك مثل. يقال: أكذب من قين، وذلك لأنه سمى نفسه سعدًا كاذبًا، وكان حدادًا يطرف في القبائل، فإذا كسد سوقه كان يقول: أذهب الليلة، فيتسارعون إلى دفع أسلحتهم وآلاتهم ليصلحها، ويقبلون على التجارة معه خوفًا، فإذا فعلوا ذلك ونفقت سوقه امتنع عن الذهاب، وإنما يقول ذلك تخويفًا لهم، حتى قيل: إذا سمعت بسرى القين، فاعلم أنه مصبح. والأصل: سعد القين، بالرفع على الوصف، والقين: كل عمال بالحديد. قوله: (وبالنظرة الحمقاء)، وهي النظرة الأولى، لأن الرؤية لا تصل في بدء الأمر إلى الوصف إلا على الإجمال ثم على التفصيل، ولهذا قيل: فلان لم يمعن النظر، وكذا سائر الحواس. وإن السمع يدرك من تفاصيل الصوت في المرة الثانية، مل لم يدركها في الأولى، قال ابن المقرب: إذا ما نساء الحي رحن فإنها لها النظرة الأولى عليهن والعقب يقول: إنها النهاية في الجمال، لا تزداد في عين الرائي إلا حسنًا، لأن أول النظرة لا يميز بها الرائي حسن المرأة من قبحها، ومن أدام فيها النظر أمن من ذلك.
[ ١٥ / ٥٣٩ ]
ويجم بصره، ثم يعاود ويعاود، ثم إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة، فإنه لا يعثر على شيء من فطور.
[﴿ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ٥].
﴿الدُّنْيَا﴾: القربى؛ لأنها أقرب السموات إلى الناس، ومعناها: السماء الدنيا منكم. والمصابيح: السرج، سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بأثقاب المصابيح، فقيل: ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها ﴿بِمَصَابِيحَ﴾، أي: بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، وضممنا إلى ذلك منافع آخر:
_________________
(١) قوله: (ويجم بصره)، يقال: جم الفرس جمًا وجمامًا؛ إذا ذهب إعياؤه، ويقال: أجمم نفسك يومًا أو يومين. قوله: (بأثقاب المصابيح)، الجوهري: "ثقبت النار تثقب ثقوبًا وثقابة؛ إذا اتقدت، وشهاب ثاقب، أي: مضي". قوله: (فقيل: ولقد زينا)، عطف على قوله: "سميت بها الكواكب"، وقوله: "والناس إلى آخره: اعتراض. الراغب: أما قوله: ﴿ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الصافات: ٦]، فإشارة إلى الزينة التي تدرك بالبصر التي يعرفها الخاصة والعامة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦]. وقال: الزينة الحقيقة ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما ما يزينه في حالة دون حالة فهو من وجه شين. والزينة بالقول المجمل ثلاث: زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة،
[ ١٥ / ٥٤٠ ]
أنا جعلناها لأعدائكم الشياطين الذين يخرجونكم من النور إلى الظلمات، وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر؛ قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به. وعن محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم علة.
_________________
(١) وزينة بدنية كالقوة وطول القامة، وزينة خارجية كالمال والجاه. وقوله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] من النفسية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فقد حمل على الخارجية، لما روي أن قومًا كانوا يطوفون بالبيت عراة، فنهوا بها عنه، وقيل زينة الله هي الكرم المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال: وزينة المرء حسن الأدب". قوله: (قال قتادة: خلق الله النجوم)، وفي صحيح الإمام البخاري عن قتادة تعليقًا، قال: "خلق الله هذه النجوم لثلاث، إلى قوله: فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به". وفي رواية رزين: "وتكلف ما لا يعنيه، وما لا علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء
[ ١٥ / ٥٤١ ]
والرجوم: جمع رجم: وهو مصدر سمي به ما يرجم به. ومعنى كونها مراجم للشياطين: أن الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب، لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها؛ لأنها قارة في الفلك على حالها، وما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص. وقيل: من الشياطين المرجومة من يقتله الشهاب، ومنهم من يخبله. وقيل: معناه: وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون. ﴿وأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة بعد عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا.
[﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ * إذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ * إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ٦ - ١٢].
_________________
(١) والملائكة. وعن الربيع مثله وزاد: والله ما جعل الله في نجم حياة أحد، ولا رزقه، ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب، ويتعللون بالنجوم"، وأورده صاحب "جامع الأصول" في كتابه، ولبعضهم: لك ألف معبود مطاع أمرهم دون الإله وتدعي التوحيدا قوله: (ظنونًا ورجومًا بالغيب)، الراغب: "الرجام: الحجارة، والرجم: الرمي بها، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١]، ويستعار للرمي بالظن والتوهم، وللشتم وللطرد نحو: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، أي: لأقولن
[ ١٥ / ٥٤٢ ]
﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أي: ولكل من كفر بالله من الشياطين وغيرهم ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ ليس الشياطين المرجومين مخصوصين بذلك. وقرئ: "عذاب جهنم" بالنصب عطفا على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. ﴿إذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ أي: طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة، ويرمى له، ومثله قوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾: إما لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها، أو من أنفسهم، كقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]، وإنما للنار تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ تعلي بهم غليان المرجل بما فيه. وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم،
_________________
(١) فيك ما تكره. والشيطان الرجيم: المطرود، والمراجمة: المسابة الشديدة، استعارة كالمقاذفة، والترجمان: تفعلان، منه". قوله: (بالنصب، عطفًا على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾)، قال الزجاج: "أي: أعتدنا لهم عذاب السعير، وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم". قال أبو البقاء: "قرئ: ﴿عَذَابُ﴾ بالرفع على الابتداء، والخبر "للذين"، ويقرأ بالنصب عطفًا على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ". قوله: (وجعلت كالمغتاظة عليهم)، الراغب: "الغيظ أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قبله، قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل: عمران: ١١٩]، فإذا وصف الله تعالى به، فإنها يراد به الانتقام. والتغيظ: هو إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع، كما قال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، والغضب: ثوران دم
[ ١٥ / ٥٤٣ ]
ويقولون: فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا، وغضب فطارت منه شقة في الأرض وشقة في السماء، إذا وصفوه بالإفراط فيه. ويجوز أن يراد: غيظ الزبانية. ﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ توبيخ يزدادون به عذابا إلى عذابهم وحسرة إلى حسرتهم. وخزنتها: مالك وأعوانه من الزبانية ﴿قَالُوا بَلَى﴾ اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله عز وعلا أزاح عللهم ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وأنهم لم يؤتوا من قدرة كما تزعم المجبرة؛
_________________
(١) القلب إرادة الانتقام"، ولذلك جاء: "اتقوا الغضب فإنه جمرة في قلب ابن آدم، ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمزة عينيه". قوله: (يتميز غيظًا ويتقصف غضبًا)، الراغب: "الميز والتمييز: الفصل بين المتشابهات، يقال: مازه يميزه ميزًا وميزه تمييزًا. والتمييز يقال تارة للفصل، وتارة للقوة التي في الدماغ، وبها تستنبط المعاني، ومنه يقال: فلان لا تمييز له، ويقال: انماز وامتاز، قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]، وتميز كذا: انفصل وانقطع، قال: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ". قوله: (لم يؤتوا من قدره كما تزعم المجبرة)، يريد أن قولهم: ﴿بَلَى﴾ تقرير للمنفي، و﴿قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ قول بالموجب، يعني أن الله تعالى ما أبقى من الإرشاد والهداية شيئًا إلا فعل وقولهم ﴿فَكَذَّبْنَا وقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾، إقرار بأن التكذيب إنما نشأ من قبل أنفسهم. تلخيصه: أنهم أتوا من قبل أنفسهم لا من قضاء الله وقدره. واعلم أن الجواب والسؤال مبني على ظاهر الحال، وإثبات الكسب للعبد. وقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ إثبات للقدر. قال الإمام: "احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال، قالوا: "لو" تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره، فدلت الآية
[ ١٥ / ٥٤٤ ]
وإنما أتوا من قبل أنفسهم واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به وأوعد على ضده.
فإن قلت: ﴿إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ من المخاطبون به؟
قلت: هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أن النذير بمعنى الإنذار، والمعنى: ألم يأتكم أهل نذير، أو وصف منذروهم لغلوهم في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذارا؛ وكذلك ﴿قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿إنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، أي: حاملا رسالته.
_________________
(١) على أنه ما كان لهم سمع ولا عقل، ولا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة، فالمراد أنه ما كان لهم سمع الهداية ولا عقل الهداية". قوله: (واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به) فيه إشارتان إلى مذهبه: إحداهما: في إيقاع"خلاف" مفعول "واختيارهم" إشارة إلى أن اختيارهم وإرادتهم غلب اختيار الله وإرادته. وثانيها: في عطف "وأمر به وأوعد" على" ما اختار الله" على سبيل البيان، إشعار بأن الإرادة والأمر متحدان. قوله: (على أن النذير بمعنى الإنذار)، يعني: إنما يستقيم هذا أن يكون من جملة قول الكفار، والمخاطبون الرسل، إذا جعل ﴿نَذِيرٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ﴾، وقوله: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ بمعنى الإنذار؛ إما بتقدير مضاف، أي: أهل نذير، أو مبالغة في أن الرسل عين الإنذار، لأن الخطاب بقوله: ﴿أَنتُمْ﴾ للجماعة. وأما إذا كان من كلام الخزنة للكفار، أو من كلام الرسل لهم، فلم نحتج إلى هذا التأويل، ويكون الوقف على قوله: ﴿مِن شَيءٍ﴾ حسنًا، وقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ استئناف على تقدير القول. قوله: (﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)، الجوهري: "ولم يقل: "رسل"، لأن فعولًا وفعيلًا يستوي فيهما المذكر والمؤنث، والواحد والجمع".
[ ١٥ / ٥٤٥ ]
ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول: أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا، أو أرادوا بالضلال الهلاك، أو سموا عقاب الضلال باسمه، أو من كلام الرسل لهم حكوه للخزنة، أي: قالوا لنا هذا فلم نقبله.
﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ الإنذار سماع طالبين للحق، أو نعقله عقل متأملين. وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل؛ لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل.
ومن بدع التفاسير: أن المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي. كأن هذه الآية نزلت بعد ظهور هاتين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة؛ وعدة المبشرين من الصحابة عشرة، لم يضم إليهم حادي عشر، وكأن من يجوز على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين.
_________________
(١) قوله: (وإنما جمع بين السمع والعقل، لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل)، الانتصاف: "إن أراد أن الأحكام التكليفية مستفادة من العقل، فهو من العقائد الفاسدة. وإن عنى أن العقل يرشد إلى العقائد الصحيحة، والسمع يخص الأحكام الشرعية، فهو حق". قوله: (على مذهب أصحاب الحديث وأصحاب الرأي)، أي: أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ﵃. قوله: (وعدة المبشرين)، يعني يلزم من هذا أن يتجاوزوا النص بالعشرة إلى أزيد، وفيه بحث، لأن عبد الله بن سلام وغيره من المبشرين ليسوا من العشرة.
[ ١٥ / ٥٤٦ ]
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ بكفرهم في تكذيبهم الرسل. ﴿فَسُحْقًا﴾ قرئ بالتخفيف والتثقيل، أي فبعدا لهم، اعترفوا أو جحدوا؛ فإن ذلك لا ينفعهم.
[﴿وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ ١٣ - ١٤].
ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإسرار والإجهاد. ومعناه: ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما، ثم إنه علله بـ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به؟ ! ثم أنكر
_________________
(١) قوله: (﴿فَسُحْقًا﴾: قرئ بالتخفيف والتثقيل)، الكسائي: بضم الحاء، والباقون: بإسكانها. قوله: (ظاهره الأمر بأحد الأمرين)، وهو كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقول كثير ﵀: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة قوله: (ثم إنه علله) إلى قوله: (ثم أنكر)، بيان النظم يعني: قوله: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل لكونه عالمًا بما يسرونه ويجهرونه، وقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، تعليل إحاطة علمه بجميع الكائنات جزئيًا وكليًا، ظاهرًا وباطنًا، على الإنكار. والجملة تذييل، وقوله: ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ حال مقررة لجهة الإشكال، وإليه الإشارة أولًا بقوله: "ثم أنكر أن لا يحيط علمًا بالمضمر"، وثانيًا بقوله: "ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله". قال الإمام: "تدل الآية على أن العبد غير موجد لأفعاله، وذلك أنه تعالى لما قرر بأنه
[ ١٥ / ٥٤٧ ]
أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر.
﴿مَنْ خَلَقَ﴾ الأشياء، وحاله أنه ﴿اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن. ويجوز أن يكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ منصوبا بمعنى: ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله؟
وروي أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيظهر الله رسوله عليها، فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فنبه الله على جهلهم.
_________________
(١) عالم بالسر والجهر وبكل ما في الصدور، قال بعده: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾. وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله لو كان تعالى خالقًا لكل ما يفعلونه في السر والجهر، وفي القلوب وفي الصدور، فإنه لو لم يكن خالقًا لها، لم يكن قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ مقتضيًا كونه تعالى عالمًا بتلك الأشياء. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الأجسام، فيلزم منه أن يكون عالمًا بهذه الأشياء؟ قلنا: إنه لا يلزم من كونه خالقًا لغير هذه الأشياء، كونه عالمًا بها، لأن من يكون فاعلًا بشيء لا يجب أن يكون عالمًا بشيء آخر، نعم يلزم من كونه خالقًا لها كونه عالمًا بها، لأن خالق الشيء يجب أن يكون عالمًا به". وقلت: إنما يلزم ذلك إن لم يقيد ﴿خَلَقَ﴾ بقوله: ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، فالمعنى: خلق الأجسام وهو عالم بأحوالها ما ظهر منها وما بطن، وإليه أشار المصنف بقوله: "المتصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن". والحق أن قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الآية: كما سبق، تذييل، ومن حقه أن يكون أعم من المذبل به وأشمل منه، فيدخل فيه دخولًا أوليًا، وحينئذ يجب أن يقال: ألا يعلم من خلق الأشياء كما قدره المصنف، لكن نخالف مذهبه على قرره الإمام أولًا. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾) عطف على قوله: "من خلق الأشياء"، ف"من" على الأول: عبارة عن الفاعل، وعلى الثاني: عن المفعول به.
[ ١٥ / ٥٤٨ ]
فإن قلت: قدرت في ﴿أَلا يَعْلَمُ﴾ مفعولا؛ على معنى: ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان ﴿مَنْ خَلَقَ﴾، فعلا جعلته مثل قولهم: هو يعطي ويمنع؛ وهلا كان المعنى: ألا يكون عالما من هو خالق؛ لأن الخلق لا يصح إلا مع العلم؟
قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله: ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، لأنك لو قلت: ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير، لم يكن معنى صحيحا؛ لأن ﴿أَلا يَعْلَمُ﴾ معتمد على الحال، والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء.
_________________
(١) قوله: (والشيء لا يوقت بنفسه)، أي: المطلق لا يقيد بمطلق مثله، لأن الحال تقييد للفعل المطلق، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأن ﴿اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ أخص من العالم على ما فسره، فيكون التقدير: ألا يكون له أصل العلم وهو ينفذ علمه في الظاهر والباطن من خلقه، بل وجه المنع أن ليس الغرض إثبات أصل العلم لأنهم لم ينكروه، بل علمه بما أسروه، فلا بد من تقدير مفعول، ويدل عليه سبب النزول. وقلت: نظر صاحب "التقريب" أن اللطيف الخبير أخص من العالم على ما فسره بعيد، لأن قوله: "المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن" شامل للمعلومات كلها مفهومًا وازدواجًا على نحو: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإن الخبير مثل الرحمن، واللطيف مثل الرحيم، لأن العلم المطلق شائع في جنسه، فتكون دلالته على أفراد الجنس، مثل دلالة لام الاستغراق، فيدخل فيه ما دل عليه ﴿اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾. قال صاحب "المفتاح" في الحالة المقتضية في ترك المفعول: "والقصد إلى نفس الفعل، [بـ] تنزيل المتعدي منزلة اللازم ذهابًا في نحو: فلان يعطي، إلي معنى: يفعل الإعطاء، أي:
[ ١٥ / ٥٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يوجد هذه الحقيقة إيهامًا للمبالغة بالطريق المذكورة في إفادة اللام للاستغراق". وقال حجة الإسلام: "إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف". والخبير: هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلا ويكون عنده خبرها. وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة، سمي خبرة، وسمي صاحبها خبيرًا. وقال الأزهري: قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١]، أي عليم. ويقال "خبرت الأمر أخبره خبرًا، أي: علمته، وما لي به خبر، أي: علم". فلما تقرر اتفاق العبارتين على ذلك التقدير صح ما قاله، على أن المقام يقتضي إثبات معلوم خاص، وهو ما دل عليه: ﴿وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾. الانتصاف: "هذه الآية رد على الزمخشري، فإن العبد لا يخلق أفعال نفسه لأنه لا يعلمها، وهو استدلال بنفي اللازم؛ استدل بثبوت الخلق له تعالى على ثبوت العلم؛ فالوجه في الآية أن ﴿مَنْ﴾ فاعل، ومفعول العلم محذوف وهو السر والجهر، وضمير ﴿خَلَقَ﴾ محذوف عائد إليه، تقديره: ألا يعلم السر والجهر من خلقهما؟ وغير هذا الوجه تكلف". وقلت: هذا نظر دقيق، يعني: في تخصيص ذكر الخالق دون سائر الأسماء في مقام إثبات
[ ١٥ / ٥٥٠ ]
[﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ١٥].
المشي في مناكبها: مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية؛ لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير، وأنباء عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. وقيل: مناكبها: جبالها، قال الزجاج: معناه سهل لكم السلوك في جبالها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ التذليل. وقيل: جوانبها، والمعنى: وإليه نشوركم، فهو مسائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم.
_________________
(١) العلم، إشعار بأن الخالق ينبغي أن يكون عالمًا بما يخلقه وبتفاصيله، وفيه إدماج لمعنى أن العبد غير خالق لأفعاله لأنه لا يعلمها في الأزل. قوله: (في الذل)، الذل بالكسر: اللين وهو ضد الصعوبة، يقال: دابة ذلول بينة الذل والذل بالكسر: مصدر الذلول، والذل بالضم: مصدر الذليل. قوله: (لم يترك)، أي:: لم يترك بقية من التذليل. قوله: (وقيل: مناكبها جبالها)، فعلى هذا: المجاز في المناكب وهي الجبال وحدها، الأساس: "ومن المجاز: سرنا في منكب من الأرض والجبل: في ناحية". فقوله: ﴿ذَلُولًا﴾ تشبيه لذكر المشبه والمشبه به، أي: الأرض والذلول. وقوله: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: استعارة تمثيلية أو تحقيقية، لأن القصد الأرض، إما ناحيتها أو جبالها؛ فنسبة الذلول إليها ترشيح، ونسبة المشي تجريد. الراغب: "المنكب: مجتمع ما بين العضد والكتف. ومنه استعير للأرض المنكب في قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾، كما استعير لها الظهر في قوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ومنكب القوم: رأس العرفاء، مستعار من الجارحة استعارة الرأس للرئيس، واليد للناصر".
[ ١٥ / ٥٥١ ]
[﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَوَ لَمْ يَرَوْا إلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلاَّ الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ ١٦ - ١٩].
﴿مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ فيه وجهان: أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته، وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه.
والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان، أن يعذبكم بخسف أو بحاصب؟ كما تقول لبعض المشبهة: أما تخاف من فوق العرش أن يعاقبك بما تفعل؟ إذا رأيته يركب بعض المعاصي! ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ قرئ: بالتاء والياء.
_________________
(١) قوله: (أن يعذبكم بخسف أو بحاصب)، قال الراغب في "غرة التأويل": لم قدم التوعد بالخسف على التوعد بالحاصب؟ وأجيب أنه لما كانت أنه لما كانت الأرض التي مهدها لهم لاستقرارهم، يعبدون عليها غير خالقها، فعبدوا الأصنام التي هي من شجرها أو من حجرها، خوفوا بما هو أقرب إليهم. والتخويف بالحاصب من السماء التي هي مصاعد كلمهم الطيبة، ومعارج أعمالهم الصالحة، لأجل أنهم بدلوهما بسيئات كفرهم وقبائح أعمالهم". قوله: (﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾)، قرئ بالتاء وهي المشهورة، وبالتاء التحتانية شاذة.
[ ١٥ / ٥٥٢ ]
﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف إنذاري حين لا ينفعكم العلم.
﴿صَافَّاتٍ﴾ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها؛ لأنهن إذا بسطتها صففن قوادمها صفا، ﴿ويَقْبِضْنَ﴾ ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن.
فإن قلت: لم قيل: ﴿ويَقْبِضْنَ﴾، ولم يقل: وقابضات؟
قلت: لأن أصل الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك، فجئ بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة كما يكون من السابح.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إلاَّ الرَّحْمَنُ﴾ بقدرته وبما دبر لهن من القوادم والخوافي،
_________________
(١) ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ الأخيرة [الملك: ٢٩]: الكسائي بالياء التحتانية، والباقون بالتاء. قوله: (فجيء بما هو طارئ غير أصل بلفظ الفعل)، الانتصاف: "ويلاحظه ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٨ - ١٩]، حيث لم يقل: مسبحات". قوله: (من القوادم والخوافي)، قوادم الطير: مقاديم ريشه، وهي عشرة في كل جناح، والخوافي: ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح.
[ ١٥ / ٥٥٣ ]
وبنى الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو، ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
[﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ ٢٠ - ٢١].
﴿أَمَّنْ﴾ يشار إليه من الجموع ويقال ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ﴾ الله إن أرسل عليكم عذابه ﴿أَمَّنْ﴾ يشار إليه ويقال: ﴿هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، وهذا على التقدير.
_________________
(١) قوله: (وهذا على التقدير)، أي: هذا التأويل على تقدير جمع من الجموع في الذهن لمفهوم ﴿جُندٌ﴾، وجعله مشارًا إليه، قال في قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]: "قد تصور فراق بينهما، فأشار إليه، وجعله مبتدأ وأخبر عنه، ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث". وعلى هذين الوجهين ينبني كلامه هاهنا، وإلى الثاني أشار بقوله: "ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان"، والقرينة حضورها بين أيديهم يعبدونها. والفرق بين الوجهين، أن الكفرة ما كانوا يعتقدون وجود جمع غير الأصنام ينصرونهم ويرزقونهم، فوجب أن يقدر ويفرض بخلاف الأصنام، يدل عليه قوله في الوجه الثاني: "لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون". هكذا ينبغي أن يتصور هذا المقام ولا تتبع الأوهام، لأن التقدير: هذا التأويل الذي ذكرته مبني على أن المشار إليه جند مقدر مفروض، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان، فلا يكون حينئذ مقدرًا مفروضًا. قال أبو البقاء وصاحب "الكشف": "من" مبتدأ، و﴿هَذَا﴾ خبره، و﴿الَّذي﴾ وصلته
[ ١٥ / ٥٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) نعت لـ ﴿هَذَا﴾، و﴿يَنصُرُكُم﴾ نعت لـ ﴿جُندٌ﴾ محمول على اللفظ، ولو جمع على المعنى لجاز". فعلى هذا "من" استفهامية، فلا يجوز أن يكون "أم" منقطعة، لئلا يلزم اجتماع استفهامين؛ فلذلك قال القاضي: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي﴾، عديل لقوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوا﴾، على معنى: أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنائع، ولم تعلموا قدرتنا على تعذيبكم بنحو خسف وإرسال حاصب، أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه؟ فهو كقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣]، إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصركم، إشعارًا بأنهم اعتقدوا هذا القسم. وقلت: الظاهر من كلام المصنف أن "من" موصولة، و﴿هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ صلتها، على تأويل: "ويقال: هذا الذي يرزقكم"، لأنه عطف تفسيري للصلة، فلو كانت استفهامية لكانت داخلة في حيز القول، وكأن تقديره: يقال في حقه: من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله، فحينئذ يحتمل أن تكون"أم" متصلة، والقرينة محذوفة بشهادة سياق الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. ولكن الوجه أن يكون "أم" متصلة، على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾، فالمعنى: آلله الذي له هذه الأوصاف الكاملة والقدر الباهرة، ينصركم وينجيكم من الخسف والحصب وغيرهما إذا أصابتكم، أم الذي يشار إليه ويقال في حقه: هذا الحقير؛ الذي تزعمون أنه جندلكم ينصركم من دون الله؟ آلله الرزاق ذو القوة المتين يرزقكم في السنين المجدبة، أم الذي يقال في حقه:
[ ١٥ / ٥٥٥ ]
ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر والرازق، ونحوه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣]. ﴿بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ بل تمادوا في عناد وشراد عن الحق لثقله عليهم فلم يتبعوه.
[﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًا عَلَى وجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢٢ - ٢٤].
يجعل (أكب) مطاوع (كبه)، يقال: كببته فأكب، من الغرائب والشواذ. ونحوه: فشعت الريح السحاب فأقشع،
_________________
(١) هذا الضعيف المهين؛ الذي تدعون أنه يرزقكم؟ ثم أوقع ﴿إنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ اعتراضًا، وضعًا للمظهر موضع المضمر تسجيلًا على غرورهم، وتجهيلًا بعد تجهيل. ويمكن أن تجعل "أم" منقطعة ويقال: قل يا محمد، الم تنظروا في أمثال هذه الصنائع العجيبة، حتى تعرفوا أنه هو وحده قادر على الخسف، وإرسال الحاصب، وعلى إنجائكم منها؟ ثم أضرب عن ذلك، وقيل: بل أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن، أي: لا تسأل عن ذلك لأنه مفروغ عنه؛ فإنهم كانوا إذا حزبهم خطب عظيم، دعوا الله مخلصين له الدين، دون شهدائهم وأصنامهم، بل سل عن هذا تقريعًا وتوبيخًا. قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣]، مثل للوجه الثاني، وهو أن يكون المشار إليه الأصنام.
[ ١٥ / ٥٥٦ ]
وما هو كذلك؛ ولا شيء من بناء (أفعل) مطاوعا، ولا يتقن نحو هذا إلا حملة "كتاب سيبويه"؛ وإنما (أكب) من باب (أنفض، وألام)، ومعناه: دخل في الكب، وصار ذا كب؛ وكذلك أقشع السحاب: دخل في القشع، ومطاوع كب وقشع: أنكب وانقشع.
فإن قلت: ما معنى ﴿يَمْشِي مُكِبًا عَلَى وجْهِهِ﴾ وكيف أقابل ﴿يَمْشِي سَوِيًا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؟
قلت: معناه: يمشي معتسفًا في مكان متعاد غير مستو فيه انخفاض وارتفاع، فيعثر كل ساعة فيخر على وجهه منكبا، فحاله نقيض حال من يمشي سويا، أي: قائما سالما من العثور والخرور، أو مستوى الجهة قليل الانحراف، خلال المعتسف الذي ينحرف هكذا وهكذا على طريق مستو.
ويجوز أن يراد الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيعتسف،
_________________
(١) قوله: (وما هو كذلك)، رد لمن يجعل "أكب" مطاوع "كبه". قوله: (من باب أنفض وألام)، الجوهري: "أنفض القوم: إذا هلكت أموالهم، وأنفضوا أيضًا_ مثل أرملوا_: إذا فني زادهم، وألام الرجل: إذا أتى بما يلام عليه". قوله: (في مكان متعاد)، الجوهري: "نمت على مكان متعاد؛ إذا كان متفاوتًا ليس بمستو، يقال: هذه أرض متعادية ذات حجرة ولخاقيق. الجحرة بكسر الجيم وفتح الحاء: جمع حجر، واللخقوق: شق الأرض". قوله: (أو مستوي الجهة)، عطف على قوله: "قائمًا". قوله: (هكذا وهكذا)، بيان انحرافه، أي: يمينًا وشمالًا، وهما منصوبان على المصدر، أو على الظرف. قوله: (ويجوز أن يراد)، عطف على قوله: "معناه: يمشي معتسفًا" يعني: طريق مراعاة
[ ١٥ / ٥٥٧ ]
فلا يزال ينكب على وجهه، وأنه ليس كالرجل السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المهتدى له، وهو مثل للمؤمن والكافر.
وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله تعالى فحشره الله يوم القيامة على وجهه، وعن الكلبي: عني به أبو جهل بن هشام. وبالسوي: رسول الله ﷺ، وقيل: حمزة بن عبد المطلب.
[﴿ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إنَّمَا العِلْمُ عِندَ اللَّهِ وإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ ٢٥ - ٢٧].
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ الضمير للوعد، والزلفة: القرب، وانتصابها على الحال أو الظروف، أي: رأوه ذا زلفة أو مكانا ذا زلفة. ﴿سِيئَتْ وجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة وغشيها الكسوف والقترة، وكلحوا،
_________________
(١) التقابل بين قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًا عَلَى وجْهِهِ أَهْدَى﴾، وبين قوله: ﴿أَمَّن يَمْشِي سَوِيًا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، هو أن الماشي على الطريق إما أن يكون صحيح البصر أو فاقده. وعلى الأول: الطريق+ إما أن يكون معتسفًا غير مستو، والسالك إما أن يكون غير عارف بالطريق، فيعثر كل ساعة فيخر على وجه مكبًا، أو يكون عارفًا خريتا يمشي في هذا الطريق قائمًا سالمًا من الخرور والعثور. وإما أن يكون متعبدًا مستوي الجهة، والعارف يمشي فيها سويًا، والجاهل ينحرف فيها هكذا وهكذا. وعلى الثاني ظاهر. واعلم أن ﴿سَوِيًا﴾ إذا فسر بـ"قائما"، كان التقابل بينه وبين ﴿مُكِبًا﴾ ظاهرًا، وإذا فسر بـ"مستوي الجهة" أي: جهة مستويًا كان معنويًا، وكان ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ كالتأكيد له، كما أن ﴿عَلَى وجْهِهِ﴾ تأكيد لـ ﴿مُكِبًا﴾. وإذا جعل ﴿سَوِيًا﴾ بمعنى "قائمًا"، كان تأكيدًا معنويًا. قوله: (المهتدي له)، اللام متعلق بـ"المهتدي"، والضمير يعود إلى "الطريق"، وهو في مقابلة "لا يهتدي إلى الطريق"؛ فاستعمل "الهدى" تارة بـ"إلى"، وأخرى باللام.
[ ١٥ / ٥٥٨ ]
وكما يكون وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض على بعض العذاب. ﴿وقِيلَ﴾ القائلون: الزبانية ﴿تَدَّعُونَ﴾ تفتعلون؛ من الدعاء، أي تطلبون وتستعجلون به. وقيل: هو من الدعوى، أي: كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. وقرئ: "تدعون".
وعن بعض الزهاد: أنه تلاها في أول الليل في صلاته، فبقي يكررها وهو يبكي إلى أن نودي لصلاة الفجر، ولعمري إنها لوقادة لمن تصور تلك الحالة وتأملها.
[﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢٨].
_________________
(١) ـ قوله: (أي: كنتم بسببه تدعون)، يريد أن ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدَّعُونَ﴾، وهو إما بمعنى الدعاء، والباء صلته للتضمين، أو بمعنى الدعوى والباء للتسبيب. قوله: (وقرئ: "تعدعون")، قال ابن جني: "وهي قراءة أبي رجاء، والحسن، وقتادة وغيرهم. أي: هذا الذي تدعون الله أن يوقعه بكم، كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ". قوله: (لوقاذة)، بالذال المعجمة، الجوهري: "وقذه يقذه وقذًا: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، وشاة موقوذة: قتلت بالخشبة". وقيل: الآية المتلوة ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾، قال الواحدي: "معنى الآية: إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم مع كفركم من العذاب؟ أي: أنه لا رجاء لكم كما للمؤمنين". ولعل الزاهد التالي في صلاته ذهب إلى أن القائل بهذا إذا كان رسول الله القائل بهذا إذا كان رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة الكرام مع جلالتهم، فما بالنا؟
[ ١٥ / ٥٥٩ ]
كان كفار مكة يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر بأن يقول لهم: نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين: إما أن نهلك كما تتمنون فننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة والإدالة للإسلام كما نرجو، فأنتم ما تصنعون؟ من يجيركم وأنتم كافرون من عذاب النار؟ لابد لكم منه، يعني: إنكم تطلبون لنا الهلاك الذي هو استعجال للفوز والسعادة، وأنتم في أمر هو الهلاك الذي لا هلاك بعده، وأنتم غافلون لا تطلبون الخلاص منه.
أو أن أهلكنا الله بالموت فمن يجيركم بعد موت هداتكم والآخذين بحجزكم من النار؟ وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم وقتلكم فمن يجيركم؛
_________________
(١) قوله: (والإدالة للإسلام)، الجوهري: "الإدالة: الغلبة، اللهم أدلني على فلان وانصرني عليه". واعلم أن قوله تعالى: ﴿فَمَن يُجِيرُ﴾، جزاء للشرط على سبيل الاستخبار مع الإنكار، وذكر فيه وجوهًا ثلاثة، جعل في الوجهين الأخيرين لكان من الإهلاك والإجارة جزاء وشرطًا على حياله، وفي الأول جعل الجزاء مشتركًا، لأنه أخذ الزبدة من المعطوف والمعطوف عليه في الجزاء، وجعلهما كالشيء الواحد، وهو تربص إحدى الحسنيين مفسر بهما أو بالموت، ولذلك أتى في الجواب بقوله: "فأنتم ما تصنعون؟ ". وأما قوله: "فمن يجيركم"، فجملة مستأنفة مبينة للجواب. وحاصل الوجوه الثلاثة راجع إلى أن هناك والرحمة في الآية إما مؤولان بالشهادة والنصرة، لأن الحسنيين في قوله تعالى: ﴿إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] مفسر بهما، أو بالموت وما يقابله من الإمهال، أو بالعذاب وما يقابله من الرحمة. قوله: (أو إن أهلكنا)، عطف على قوله: "إما أن نهلك". قوله: (بعد موت هداتكم والآخذين بحجزكم)، الهداة: جمع الهادي، والمراد به النبي ﷺ وأصحابه، وهو مقتبس مما روينا عن البخاري ﵀، ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة
[ ١٥ / ٥٦٠ ]
فإن المقتول على أيدينا هالك؟ أو أن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون، فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم؛ وإن رحمنا بالإيمان فمن يجير من لا إيمان له؟
[﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ٢٩].
فإن قلت: لم أخر مفعول ﴿آمَنَّا﴾ وقدم مفعول ﴿تَوَكَّلْنَا﴾؟
قلت: لوقوع ﴿آمَنَّا﴾ تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم، كأنه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ خصوصا، لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم.
_________________
(١) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا، فلمًا أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار تقع فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها". الاقتحام في الشيء: إلقاء النفس فيه برغبة، والحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار، وحجزة السروايل معروفة. قوله: (لوقوع ﴿آمَنَّا﴾ تعريضًا بالكافرين)، يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: فمن يجيركم، لأن الشرط ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾، فعدل إلى المظهر إشعارًا بأن الكفر هو سبب الهلاك، وأن الإيمان هو الوسيلة في النجاة، ثم جيء بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾ جوابًا عن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَّعِيَ﴾ على سبيل التبكيت، أي: هو الرحمن يجيرنا لأنا آمنا به ولم نكفر كما كفرتم. ولما لم يكن المقصود في الإبراد نفي الشرك وإثبات التوحيد، لأن الكلام في الإهلاك والإنجاء، جيء بقوله: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ على ظاهره.
[ ١٥ / ٥٦١ ]
[﴿قل أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَاتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾ ٣٠].
﴿غَوْرًا﴾ غائرا ذاهبًا في الأرض. وعن الكلبي: لا تناله الدلاء، وهو وصف بالمصدر كعدل ورضا.
وعن بعض الشطار أنها تليت عنده فقال: تجئ به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينيه، نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر".
_________________
(١) وأما قوله: ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، فالتقديم لأن مقام الخلاص والنجاة يقتضي ناجيًا وناصرًا، وهم كانوا متكلين على الرجال والأموال، فقيل: نحن لا نتكل على ما أنتم متكلون عليه، بل على الرحمن توكلنا خصوصًا، والحمد لله رب العالمين. قوله: (وعن بعض الشطار)، جمع شاطر، وهو الخبيث الذي عجز أهله. وفي الحواشي: أنه عنى به محمد بن زكريا المتطبب، والله تعالى أعلم بصحته. تمت السورة حامدًا لله ﷾ ومصليًا على رسوله. * * *
[ ١٥ / ٥٦٢ ]