إحدى عشرة آية، مدنية بلا خلاف
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١ - ٣]
أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم. فقال الله ﷿: قالوا ذلك ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾،
_________________
(١) سورة المنافقون إحدى عشرة آية، مدنية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قوله: (أرادوا بقولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قوله: "أو إنهم لكاذبون فيه"، وقوله: "أو أراد: الله يشهد"، فسر ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ لإطلاقه واستدعائه، متعلقًا على اتحاد مبناه، على مرجع الخبر كونه صادقًا أو كاذبًا إلى مطابقته الواقع، أو إلى اعتقاد المخبر، والتفسير الأول والثاني على الأول، والثالث على الثاني.
[ ١٥ / ٤٢٢ ]
والله يشهد إنهم لكاذبون في قولهم: نشهد؛ وادعائهم فيه المواطأة.
أو إنهم لكاذبون فيه؛ لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة؛ فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
فإن قلت: أي فائدة في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾؟
_________________
(١) وبيانه: أن هذا التكذيب إما راجع إلى دعواهم، لا إلى كون المخاطب شاكًا في كونهم كاذبين، أو منكرًا، أي: أنهم ادعوا أن قوله: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ صادر عن صميم القلب، حيث صدروا الجملة بـ"إن" وأدخلوا في الخبر اللام، كأنهم قالوا: نشهد عن صميم القلب إنك لرسول الله، فلما لم يكن ذلك مطابقًا للواقع كذبهم، يدل عليه قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم، أي: مطابقًا للواقع وإن لم يعتقدوه. وإما إلى لفظ ﴿يَشْهَدُ﴾ وإبراز الدعوى وتخصيصها وتسميتها به، لأن حقيقة الشهادة: ما يصدر عن طمأنينة قلب وعلم ثابت، قال تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١]. قال القاضي: الشهادة: إخبار عن علم من الشهود، وهو الحضور والاطلاع. الراغب: الشهادة المتعارفة أصلها الحضور بالقلب والتبيين، ثم يقال ذلك إذا عبر عنه باللسان، ولذلك متى أطلق لفظ الشهادة على ما يظهر من اللسان دون حضوره في القلب عد كذبًا. وإما راجع إلى مطابقة اعتقادهم؛ فإنهم اعتقدوا أن رسول الله ﷺ ليس برسول، فاعتقدوا أن ما قالوه على خلاف ما عليه حال المخبر عنه، فأخبر الله تعالى عن معتقدهم، هذا هو الكلام النفسي. قال بعض أصحابنا: وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى شهد بكذب المنافقين، وما كذبوا فيما نطقوا به وجرى على ألسنتهم من قولهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، فدل على أنهم كذبوا فيما اشتملت عليه نفوسهم، وتكلمت به قلوبهم، وقد سماه الله تعالى كذبًا، والكذب لا يكون إلا في الكلام.
[ ١٥ / ٤٢٣ ]
قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم لكاذبون، لكان بوهم أن قولهم هذا كذب؛ فوسط بينهما قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ليميط هذا الإيهام.
_________________
(١) وقال القاضي: الصدق: الإخبار المطابق، وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذب المنافقين في قوله: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما لم يعتقدوا مطابقته. ورد بصرف التكذيب إلى قولهم: ﴿نَشْهَدُ﴾؛ لأن الشهادة إخبار عما علمه، وهم ما كانوا عالمين به. الراغب: الصدق يحد بأنه مطابقة الخبر المخبر عنه، لكن حقيقته وتمامه أن يتطابق في ذلك ثلاثة أشياء؛ وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه، واعتقاد المخبر فيه ذلك عن دلالة وأمارة، وحصول العبارة مطابقًا لهما، فمتى حصل ذلك وصف بالصدق المطلق، ومتى ارتفع ثلاثتها يوصف بالكذب المطلق، ومتى حصل اللفظ والمخبر عنه والاعتقاد بخلافه صح أن يوصف بالكذب، ألا ترى أن الله تعالى كذب المنافقين في إخبارهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ لما كان اعتقادهم غير مطابق لقولهم، وإذا قال لك من اعتقد كون زيد في الدار: إن زيدًا في الدار، ولم يكن فيها، صح أن يقال: كذب، وإن كان قوله مطابقًا لاعتقاده. ولما كان اللسان ترجمان القلب صح أن يقال: صدق في اعتقاده أو كذب. قلت: ولعل الظاهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، لأن المقام الاجتهادي يخالف غيره، لأن المجتهد إذا اجتهد وأخبر على خلاف الواقع فلا يقال: إنه كذب، بل أخطأ، قال في قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ في الكهف: "هذا جواب مبني على غالب الظن، وفيه دليل جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبًا، وإن جاز أن يكون خطًا". قوله: (لكان يوهم أن قولهم هذا كذب) أي: قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وقول الله
[ ١٥ / ٤٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بعده: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنك لرسول الله، يوهم أن قولهم هذا كذب، فوسط بقوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ صيانةً لهذا الوهم. هذا نوع من التتميم لطيف المسلك، قال أبو الطيب: وتحتقر الدنيا احتقار مجرب يرى كل ما فيها- وحاشاك- فانيا "وحاشاك" تتميم، ومنه أخذ صاحب "المفتاح" حيث قال: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ فصل في البين، ولو لم يكن لأوهم رد التكذيب إلى نفس الشهادة. الانتصاف: مضى تنظيره بقوله ﷿: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] ولم يقل: لا تقولوا آمنا. وقلت: ليس منه، لأن ذلك من الألفاظ التي تبدل بما هو أولى بالذكر منه، قال تأبط شرًا: يظل بموماة ويمشي بغيرها جحيشًا ويعروري ظهور المهالك فإن جحيشًا: نافر، وكان له مندوحة عنه بقوله: فريدًا، وما نحن بصدده من الإطناب الذي يكتسي به الكلام حسنًا وبهجةً ويستزيد به السامع هزةً ونشاطًا، كما قال الآخر:
[ ١٥ / ٤٢٥ ]
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يجوز أن يراد: أن قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ يمين من أيمانهم الكاذبة؛ لأن الشهادة تجري مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد، يقول الرجل: أشهد، وأشهد بالله، وأعزم، بالله في موضع أقسم وأولي. وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن "أشهد" يمين.
_________________
(١) فسقى ديارك- غير مفسدها- صوب السحاب وديمة تهمي قوله: "غير مفسدها"، فضله وتتميم للصيانة. قوله: (لأن الشهادة تجري مجرى الحلف) وذلك أن الشهادة بعد الدعوى تأكيد لاستحقاق المدعي لما ادعاه، واليمين كذلك، فشبهت الشهادة لذلك الجامع، فأطلق اسمها عليها: الشهادة، وفي"المطلع": يقال: أشهد لا أفعل كذا، كما يقال: أحلف لا أفعل كذا. وقوله: يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله، معناه: يقال كلاهما مقرونًا بالله ومجردًا عن قوله: "بالله". قوله: (وأولي)، الجوهري: آلى [يؤلي] إيلاء: حلف وتألى، مثله. قوله: (وبه استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن"أشهد" يمين)، الانتصاف: لا دليل فيه، لأنه غاية ما في الآية أنه سمي يمينًا، والكلام في وجوب الكفارة بذلك لا في إطلاق الاسم، وكل ما يسمى يمينًا تجب به الكفارة، فلو قال: أحلف على كذا، فلا تجب عليه الكفارة، وإن كان حلفًا.
[ ١٥ / ٤٢٦ ]
ويجوز أن يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان.
وقرأ الحسن البصري: (إيمانهم)، أي: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
﴿سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي ﴿سَاءَ﴾ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا بسبب أنهم ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أي: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فجسروا على كل عظيمة.
فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ﴿آمَنُوا﴾، أي: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ ثم ظهر كفرهم بعد ذلك
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يكون وصفًا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان) أي: يقال: استجن بجنة أي: استتر بسترة: والسترة: ما ستر به الصائد وغيره، إظهارًا كانوا عليه من الخبث والخديعة، وما تمرنوا به واعتادوا عليه، فعلى هذا تكون هذه الآية مستطردة تعدادًا لقبائحهم، وعلى الأول: ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ موضوع موضع المضمر، أي: اتخذوا شهادتهم تلك سترة ستروا بها عما خافوا على أنفسهم، وفيه إشعار بأن وكادتهم لتلك الشهادة بلغت مبلغ الحلف والأيمان، فإذن لا يسمى كل شهادة يمينًا.
[ ١٥ / ٤٢٧ ]
وتبين بما اطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر؟ هيهات! ونحوه قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] أي: وظهر كفرهم بعد أن أسملوا. ونحوه قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، والثاني ﴿آمَنُوا﴾: أي: نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.
وقرئ: (فطبع على قلوبهم)، وقرأ زيد بن علي: (فطبع الله).
[﴿وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤]
كان عبد الله بن أبي رجلا جسيما صبيحًا، ذلق اللسان، وقوم من المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم.
فإن قلت: معنى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾؟
_________________
(١) قوله: (ولهم جهارة المناظر)، الأساس: جهرني فلان: راعني بجماله وهيئته، وفلان جهير بين الجهارة، إذا كان ذا جهر ومنظر تجتهره الأعين، قال أعرابي في الرشيد: جهير الرواء جهير الكلام جهير العطاس جهير النغم
[ ١٥ / ٤٢٨ ]
قلت: شبهوا في استنادهم، وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير، بالخشب المسندة إلى الحائط؛ ولأن الخشب إذا انتفع به كان في شقف أو جدار أو غيرها من مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع. ويجوز أن يراد بالخشب المسندة: الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان؛ شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم؛ والخطاب في ﴿رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ﴾ لرسول الله، أو لكل من يخاطب. وقرئ: (يسمع) على البناء للمفعول، وموضوع ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ﴾ رفع على: هم كأنهم خشب، أو هو كلام مستأنف لا محل له.
_________________
(١) قوله: (في استنادهم) الإضافة مثل التعريف باللام، لأن المراد ذلك الاستناد، وهو ما قال: "كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيستندون فيه"، والواو في"وما هم" للحال. قوله: (شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم) هذا الوجه أحسن من الأول، لزيادة الاعتبار، فالتشبيه مركب في الاعتبارين؛ إما عقلي، أو وهمي. قوله: (أو هو كلام مستأنف لا محل له) يؤذن بأن له محلًا على الوجه الأول، قال أبو البقاء: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ الجملة حال من الضمير المجرور في"قولهم" وقيل: هي مستأنفة. وقدر القاضي: تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مستندة إلى الحائط، في كونهم أشباحًا خالية عن العلم والنظر. وظاهر كلام الزجاج على ما نقله الواحدي على الاستئناف، حيث قال: وصفهم بتمام الصور وحسن الإبانة، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب. وأراد أنها ليست بأشجار تثمر وتنمو، بل هي خشب مستندة إلى الحائط، ثم عابهم بالجبن
[ ١٥ / ٤٢٩ ]
وقرئ: (خشب جمع خشبة، كبدنة وبدون، و﴿خُشُبٌ﴾، كثمرة وثمر، وخشب، كمدرة ومدر، وهي في قراءة ابن عباس. وعن اليزيدي أنه قال في ﴿خُشُبٌ﴾: جمع خشبائ، والخشباء: الخشبة التي دعر جوفها: شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ثاني مفعولي ﴿يَحْسَبُونَ﴾، أي: يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم، لجبنهم وهلعهم وما في قلوبهم من الرعب، إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوه إيقاعا بهم. وقيل: كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم، ومنه أخذ الأخطل:
_________________
(١) فقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أن تأمنهم على سرك لأنهم عيون لأعدائك. وقلت: تلخيص الآية: إذا رأيت جهارة منظرهم وفصاحة منطقهم، حسبتهم أرباب لب وشجاعة، وأصحاب علم ودراية، وإذا اختبرتهم وقفت على خلاف ذلك، فلا تحتفل بذلك. هم العدو، أي: هم أولئك الذين قالوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾، ألا ترى كيف عقب الكلام بقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فإذن التعريف في ﴿العَدُوُّ﴾ للعهد، وإن ذهب المصنف للجنس لقوله: "هم الكاملون في العداوة". قوله: (وقرئ: "خشب") قنبل وأبو عمرو والكسائي: بإسكان الشين، والباقون: بضمها. الانتصاف: قد قرئ: بضم الشين قراءةً مستفيضةً، فتدل على أن الضم أصل، والتخفيف فرع، وذلك يبعد كونها جمع خشباء، فإنه يجمع على"فعل" ساكن العين لا غير. قوله: (دعر جوفها)، الجوهري: الدعر- بالتحريك-: الفساد، والدعر أيضًا: مصدر: دعر العود- بالكسر- يدعر دعرًا، فهو عود دعر، أي: عود رديء كثير الدخان.
[ ١٥ / ٤٣٠ ]
ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا
يوقف على ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ويبتدأ ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾، أي: هم الكاملون في العدواة؛ لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ ولا تغترر بظاهرهم. ويجوز أن يكون ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ المفعول الثاني، كما لو طرحت الضمير.
فإن قلت فحثه أن يقال: هي العدو.
_________________
(١) قوله: (ما زلت تحسب كل شيء) البيت. أي: لا زلت في وجل من الإيقاع بهم، وإباحة دمائهم وأموالهم، حتى تحسب- للجبن والهلع- أن كل شيء"خيلًا ورجالةً". أبو الطيب: وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا قوله: (يوقف على ﴿عَلَيْهِمْ﴾)، المرشد: وقف تام، كذا في" الكواشي"، وعليه كلام الواحدي. قوله: (هم الكاملون في العداوة) لتعريف الخبر بالجنس، والضمير هاهنا بمنزلة اسم الإشارة، يؤذن بأن ما بعده جدير بمن قبله لأجل تلك الأوصاف، وإليه أشار بقوله: "لأن أعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي". قوله: (العدو المداجي)، الجوهري، المداجاة: المداراة. يقال: داجيته، إذا داريته؛ كأنك ساترته بالعداوة، والمكاشر: المجاهر، يقال: كشر البعير عن نابه، أي: كشف عنها. الداء الدوي، يقال منه: دوي بالكسر منه أي: مرض، ودوي صدره أي: ضغن
[ ١٥ / ٤٣١ ]
قلت: منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] وأن يقدر مضاف محذوف على: يحسبون كل أهل صيحة. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يعدلون عن الحق؟ تعجبا من جهلهم وضلالتهم.
[﴿وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ورَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ ٥ - ٦]
﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارًا. وقرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير.
_________________
(١) النهاية: في حديث علي ﵁: "إلى مرعى وبي، ومشرب دوي" أي: فيه داء، وهو منسوب إلى دو، من دوي بالكسر يدوي. قوله: (كما ذكر في ﴿هَذَا رَبِّي﴾) وقد ذكر فيه جعل المبتدأ مثل الخبر، لكونهما عبارةً عن شيء واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك. قوله: (وطلب من ذاته تعالى أن يلعنهم) يعني: أنه من أسلوب التجريد، كقراءة ابن عباس ﵄ في قوله: "ومن كفر فأمتعه" على الأمر، أي: فأمتعه يا قادر، قال في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]: "هي من أشنع دعواتهم، لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها"، كذلك الطرد عن رحمة الله البعد عن جنابه الأقدس، والخزي: منتهى عذاب الله وغاية نكاله في الدنيا والآخرة، فجعل ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ كناية عن ذلك، نعوذ بالله منه. قوله: (قرئ: بالتخفيف والتشديد) نافع: "لووا" بتخفيف الواو، والباقون: بتشديدها.
[ ١٥ / ٤٣٢ ]
[﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا ولِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٧ - ٨]
روي أن رسول الله ﵌ حين لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم، وهزمهم وقتل منهم، ازدحم على الماء جهجاه بن أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي، واقتتلا، فصرخ جهجاه: ياللمهاجرين! وسنان: يا للأنصار! فأعان جهجاهًا جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانًا؛ فقال عبد الله لجعال: وأنت هناك؟ وقال: ما صحبنا محمدًا إلا لنلطم؟ والله ما مثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل،
_________________
(١) قوله: (حين لقي بني المصطلق على المريسيع) قال ابن الجوزي في" الوفا": المريسيع: اسم بئر لبني المصطلق، وكان سيدهم الحارث بن أبي ضرار، جمع لحرب رسول الله ﷺ، فخرج رسول الله ﷺ إليهم، وتراموا بالنبل ساعةً، ثم أمر رسول الله ﷺ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فقتل عشرة من العدو وأسر الباقون. ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد. قوله: (وأنت هناك) أي: وأنت في ذلك المقام والمنزلة أن يلطم من يتعلق بي؟ وهو كناية. قوله: (سمن كلبك يأكلك) قال الميداني: أول من قال ذلك حازم بن المنذر الحماني، وقصته مذكورة بطولها في "مجمع الأمثال" وقال: قيل: إن رجلًا من طسم ارتبط كلبًا، فكان يسمنه ويطعمه رجاء أن يصيد به، فدخل عليه يومًا فوثب عليه فافترسه، قال عوف بن الأحوص:
[ ١٥ / ٤٣٣ ]
عنى بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ، ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم؛ أما والله لو أمسكتم عن جعال وذوبه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد. فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، فقال: أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن وقوة من المسلمين، فقال عبد الله اسكت فإنما كنت العب؛ فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال: " إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب". قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري، فأمر به أنصاريا فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ " وقال ﵊ لعبد الله: " أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ "
_________________
(١) أراني وعوفًا كالمسن كلبه فخدشه أنيابه وأظافره قوله: (ترعد آنف) بالمد، قيل: هو جمع آنف، قيل: هو عبارة عن الاضطراب والخوف، أو عن الغضب والارتعاد، يقال: أرعده فارتعد، والاسم: الرعدة، وأرعد الرجل: أخذته الرعدة، وأرعدت فرائصه عند الفزع. الأساس: ومن المجاز: هو أنف من قومه، وهم آنف الناس، فعلى هذا الأنسب أن يكون كنايةً عن غضب الرؤساء، أي: يغضب علينا ويتعصب أهل يثرب وما حولها، وتقع فتنةً عظيمة، يدل على هذا قوله: "فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريًا، وأما حديث عبد الله ابن أبي وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ فقده رواه البخاري ومسلم والترمذي عن زيد ابن أرقم، على غير هذا الوجه الذي رواه المصنف، وذكره يطول.
[ ١٥ / ٤٣٤ ]
قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئًا من ذلك، وإن زيدًا لكاذب- وهو قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]_ فقال الحاضرون: يا رسول الله، شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم. وروي أن رسول الله قال له: لعلك غضبت عليه؛ قال: لا؛ قال: فلعله أخطأ سمعك؛ قال: لا؛ قال: فلعله شبه عليك؛ قال: لا. فلما نزلت لحق رسول الله زيدًا من خلفه فعرك أذنه وقال: " وفت أذنك يا غلام، إن الله قد صدقك وكذب المنافقين". ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة اعترضه ابنه حباب_ وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه، وقال: " إن حبابًا اسم شيطان". وكان مخلطًا_ وقال: وراءك، والله لا تدخلها حتى تقول: رسول الله الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسًا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته.
وروي أنه قال له: لئن لم تقر لله ورسوله بالعز لأضربن عنقك، فقال: ويحك، أفاعل أنت؟ قال: نعم، فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله لابنه: " جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرًا"؛ فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمر تموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت،
_________________
(١) قوله: (وفت أذنك يا غلام)، النهاية: كأنه جعل أذنه في السماع كالضامنة بتصديق ما حل فيها، فلما نزل القرآن في تحقيق ذلك الخبر، صارت الأذن كأنها وافية بضمانها، خارجة من التهمة فيما أدته في السماع إلى اللسان. قوله: (وراءك) أي: ارجع القهقرى، قال الميداني: وفي المثل: وراءك أوسع لك، أي: تأخر تجد مكانًا أوسع لك، ويقال في ضده: أمامك، أي: تقدم.
[ ١٥ / ٤٣٥ ]
فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزلت: ﴿وإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] ولم يلبث إلا أيماما قلائل حتى اشتكى ومات. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الاستغفار وعدمه؛ لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون لكفرهم، أو لأن الله لا يغفر لهم.
وقرئ: (استغفرت) على حذف حرف الاستفهام؛ لأن (أم) المعادلة عليه.
وقرأ أبو جعفر (آستغفرت)، إشباعًا لهمزة الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلبا لهمزة الوصل ألفًا، كما في: (آلسحر) و(آلله).
﴿يَنفَضُّوا﴾ يتفرقوا، وقرئ: (ينفضوا من: أنفض القوم: إذا فنيت أزوادهم.
وحقيقته: حان لهم أن ينفضوا من أودهم ﴿ولِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وبيده الأرزاق والقسم، فهو رازقهم منها، وإن أبى أهل المدينة أن ينفقوا عليهم، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان.
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "استغفرت" على حذف حرف الاستفهام) وهي المشهورة، قال أبو البقاء: الهمزة في ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ همزة قطع، وهمزة الوصل محذوفة، وقد وصلها قوم على أنه حذف همزة الاستفهام لدلالة ﴿أَمْ﴾ عليه. قوله: ("آستغفرت"، إشباعًا) قال ابن جني: وهي ضعيفة لأنه أثبت همزة الوصل، وقد استغني عنها بهمزة الاستفهام، وأجاب بأنه إشباع لهمزة الاستفهام، لا قلبًا لهمزة الوصل ألفًا. قيل: إذا دخل همزة الاستفهام على الاسم المعرف باللام نحو: الحسن، قلبت همزة الوصل ألفًا، لئلا يلتبس الخبر بالاستخبار، وأما هاهنا فلا لبس، لأنه همزة الوصل هاهنا مكسورة. قوله: (جاهلون ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ ذلك فيهذون)، فإن قلت: فصلت هذه الآية بقوله:
[ ١٥ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ﴿ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ والآية الثالثة: ﴿ولَكِنَّ المُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ لم قدر مفعول هذه ولم يقدر مفعول الثالثة؟ قلت: ليشير الإطلاق إلى إدارة المبالغة، وأن المنافقين عادمون المعرفة، فاقدون العلم، ولذلك خفي عنهم أن العزة لله جميعًا، بعز من يشاء، ويذل من يشاء، وبالتقييد: الإشارة إلى أن الأرزاق والقسم بيد الله تعالى، فهو يرزق رسول الله ﷺ ومن عنده، ولما كان الثاني مستلزمًا للأول لا العكس بولغ فيه دونه. فإن قلت: لم خص الأول بـ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ والثاني بـ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؟ قلت: قد مر أن إثبات الفقه للإنسان أبلغ من إثبات العلم له، فيكون نفي العلم أبلغ من نفي الفقه، فأوثر ما هو أبلغ لما هو أدعى له. الراغب: معنى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ يأمرونهم بالإضرار بهم، وحبس النفقات عنهم ولا يفطنون، لأنهم إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم، فهم لا يفقهون ذلك ولا يفطنون له. وقوله في الثاني: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ بعد قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ عندهم أن الأعز من له القوة والغلبة، على ما كانوا عليه من الجاهلية، ولا يعلمون أن هذه القدرة التي يفضل بها الإنسان غيره، إنما هي من الله، فهي لله ولمن يخصه بها من عباده، والمنافقون لا يعلمون أن الذلة لمن يقدرون فيه العزة، وأن الله معز أولياءه بطاعتهم له، ومذل أعداءه بمخالفتهم أمره، فقد اختص كل آية بما اقتضاه معناه.
[ ١٥ / ٤٣٧ ]
وقرئ: (ليخرجن الأعز منها الأذل) - بفتح الياء_ وليخرجن، على البناء للمفعول. قرأ الحسن وابن أبي عبلة: لنخرجن، بالنون ونصب الأعز والأذل، ومعناه: خروج الأذل أو إخراج الأذل أو مثل الأذل، ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ الغلبة والقوة، ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك، كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين.
_________________
(١) قوله: (ليخرجن الأعز منها الأذل) هذه القراءات كلها شواذ، والمشهورة بضم الياء وسكون الخاء، وكسر الراء، والأعز فاعل، والأذل مفعول. قوله: (ومعناه: خروج الأذل، أو إخراج الأذل، أو مثل الأذل) بيان للقراءة المذكورة على النشر، وعليه ظاهر كلام صاحب "التقريب"، فالتقدير: ليخرجن الأعز منها خروج الأذل، ليخرجن الأعز منها إخراج الأذل، ليخرجن الأعز منها مثل الأذل، وقيل: "إخراج" متعلق بالقراءة الثانية والثالثة، والنصب على هذه القراءات على المصدر، و"مثل الأذل" نصبه على الحال على جميع القراءات، ولا يختص بالثالثة كما ذهب إليه صاحب "التقريب"، لئلا يلزم الترجيح بلا مرجع، فيكون "أو مثل" عطف على قوله: "معناه"، يؤيده قول القاضي: والأذل على هذه القراءات مصدر أو حال على تقدير مضاف، كخروج وإخراج، أو مثل. وفي الكواشي: "ليخرجن" بفتح الياء معلومًا وبضمها مجهولًا، ونصب "الأذل" مفعول حال محذوف أي: مشبهًا الأذل، أو حال مثل: أرسلها العراك، و"لنخرجن" بالنون ونصب "الأعز"، "الأذل"، أي: خروج أو إخراج الأذل. قوله: (﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ الغلبة والقوة)، الراغب: العزة: حالة مانعة للإنسان أن يغلب. من قولهم: أرض عزاز، أي: صلبة، وتعزز اللحم: اشتد، وعز: كأنه حصل في عزاز يصعب
[ ١٥ / ٤٣٨ ]
وعن بعض الصالحات- وكانت في هيئة رثة-: ألست على الإسلام؛ وهو العز الذي لا ذل معه؛ والغنى الذي لا فقر معه! وعن الحسن بن علي ﵄ أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك أن فيك تيها؛ قال: ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا وهذه الآية.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٩]
﴿لا تُلْهِكُمْ﴾ لا تشغلكم ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ والتصرف فيها، والسعي في تدبير أمرها، والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج، والتلذذ بها؛ والاستمتاع بمنافعها، ﴿ولا أَوْلادُكُمْ﴾ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وإيثاره عليها.
_________________
(١) الوصول إليه، والعزيز: الذي يقهر ولا يقهر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقد يستعار للحمية والأنفة المذمومة، كما في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] ويقال: عز علي كذا، أي: صعب. قوله: (ليس بتيه ولكنه عزة) قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: العزة غير الكبر، لأن العزة معرفة الإنسان لحقيقة نفسه، وإكرامها أن لا يضعها لأقسام عاجلة، كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها، فالعزة ضد الذلة، كما أن الكبر ضد التواضع. قوله: (﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وإيثاره عليها) أي: لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن
[ ١٥ / ٤٣٩ ]
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يريد الشغل بالدنيا عن الدين ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ في تجارتهم حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
وقيل: ذكر الله: الصلوات الخمس. وعن الحسن: جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله. وقيل: القرآن، وعن الكلبي: الجهاد مع رسول الله ﷺ.
[﴿وأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * ولَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذَا جَاءَ أَجَلُهَا واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١٠ - ١١]
_________________
(١) اختيار ذكر الله على الأموال والأولاد، أي: لا تغفلوا عن هذا الإيثار، وفيه جواز الاشتغال بها مصونًا عن الإيثار. قوله: (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يريد الشغل بالدنيا عن الدنيا) يعني المشار إليه بذلك، هذا هو المعنى، وهو تلخيص الآية على أوجز ما يمكن فهو كلام جامع، عبر بالأموال والأموال والأولاد عن معبر واحد وهي الدنيا، لكونهما أرغب الأشياء منها، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] وقصد بقوله: ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الشمول والعموم، حيث فسره بالدين لإطلاقه وتناوله كل ما هو مسمي به، وبما يناط به من أمور الدين، قال رسول الله: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم" أخرجه الترمذي عن أبي هريرة، فجمع بين الإطناب في الأول، والإيجاز في الثاني، وأذن بنسبة الشغل إلى ذوي العلم أن النهي الوارد في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ راجع في الحقيقة إلى المخاطبين، من باب إطلاق المسبب على السبب كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] أي: لا تكونوا بحيث تلهيكم الأموال والأولاد من التهالك في جمعها، وفي التلذذ بها، والانهماك فيها، والتعزز بهم، والتكاثر بعددهم.
[ ١٥ / ٤٤٠ ]
﴿مِنْ﴾ في ﴿مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ للتبعيض، والمراد: الإنفاق الواجب، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ من قبل أن يرى دلائل الموت، ويعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق، ويتعذر عليه الإنفاق، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع، ويعض أنامله على فقد ما كان متمكنا منه. وعن ابن عباس ﵁: تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، قلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل. وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه: أنها نزلت في مانعي الزكاة، ووالله لو رأى خيرًا لما سأل الرجعة،
_________________
(١) وفي تخصيص ذكر ﴿الخَاسِرُونَ﴾ إنما إلى أن ذلك الإيثار في معنى الاستبدال، الذي هو بمنزلة البيع والشراء، ثم في التعريف الجنسي في ﴿الخَاسِرُونَ﴾ وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين المبتدأ إشعار بأن الكاملين في الخسارة هؤلاء، وأن خسارهم فوق كل خسران، حيث باعوا العظيم الباقي، بالحقير الفاني، وإن ربحوا في تجارتهم الظاهرة، ودخل في هذا العموم وعيد كل من ذهل عن الجهاد في سبيل الله، وشغل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طلب العلم، وعن النصيحة للمسلمين، بسبب مراعاة شأن الأموال والأولاد. وأما بيان النظم، فإن المنافقين لما نهوا عن الإنفاق على من عند رسول الله، وأريد الحث على الإنفاق بقوله: ﴿وأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ رغمًا لأنوفهم، وتحريًا لما هو الأصوب والأصلح، وجعل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ﴾ تمهيدًا وتوطئة للأمر بالإنفاق وعم العلة والحكم، والله أعلم. قوله: (ويضيق به الخناق)، كناية عن اللزوم وعدم الإمهال. والأساس: ومن المجاز: أخذ منه بالمخنق: إذا لزه وضيق عليه.
[ ١٥ / ٤٤١ ]
فقيل له: أما تتقي الله! يسأل المؤمنون الكرة؟ قال: نعم، أنا أقرأ عليكم به قرانا. يعني: أنها نزلت في المؤمنون وهم المخاطبون بها، وكذا عن الحسن: ما من أحد لم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل الرجعة. وعن عكرمة: أنها نزلت في أهل القبلة.
﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾، وقرئ: (أخرتن)، يريد: هلا أخرت موتي ﴿إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى زمان قليل؟ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ وقرأ أبي: (فأتصدق) على الأصل، وقرئ: ﴿وأَكُن﴾، عطفا على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. ومن قرأ: (وأكون) على النصب، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير: (وأكون)، على (وأنا أكون) عدة منه بالصلاح، ﴿ولَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ﴾ نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة.
_________________
(١) قوله: (أما تتقي الله! يسأل المؤمنون الكرة؟) أي: أما تخاف الله! كيف تقول: إنها نزلت في مانعي الزكاة؟ والحال أن المؤمنين لا يسألون الرجعة غلى الدنيا، بل الكافرون هم السائلون، فقال ابن عباس: أنا ما أقول من تلقاء نفسي، وإنما أقرأ بما قلت قرآنًا، لأن قوله: ﴿أَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم﴾ عطف على ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ﴾، والمخاطبون هم المؤمنون، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفيه إشارة إلى أن من فسر القرآن وراعى النظم لا يخطئ. قوله: (وقرئ: ﴿وَأَكُن﴾، عطفًا على محل ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾) أبو عمرو: "وأكون" بالنصب والواو، والباقون: بغير واو وجزم النون. قال الزجاج: من قرأ ﴿فَأَصَّدَّقَ وأَكُن﴾ فـ"أصدق" جواب ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ معناه: هلا أخرتني، وجزم ﴿وأَكُن﴾ على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾، لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن. قال صاحب "الكشف": جزم "أكن" بالحمل على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأن موضع الفاء مع الفعل جزم. ومن قال: "وأكون" حمله على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأن الحمل على
[ ١٥ / ٤٤٢ ]
والمعنى: إنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه، وأنه هاجم لا محالة، وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها من منع واجب وغيره، لم تبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله. وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة المنافقين برئ من النفاق".
_________________
(١) اللفظ عندهم أحسن، إذا لم يظهر في الموضع إعراب، وما لا يظهر جرى مجرى المطرح المرفوض. قوله: (وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها؛ من منع واجب وغيره* روي عن المصنف أنه قال: ليس في الزجر عن التفريط في هذه الحقوق أعظم من ذلك، فلا أحد يؤخر ذلك إلا ويجوز أن يأتيه الموت عن قريب، فيلزمه التحرز الشديد من هذا التفريط في كل وقتن وقد أبطل الله تعالى قول المجبرة بقوله: ﴿وَأَنفِقُوا﴾ الآية، أي: غن كان لم يقدر من قبل حضور الموت على الإنفاق، فكيف يتمنى تأخير الأجل؟ ثم قال مؤيسًا له: ﴿ولَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾، وأن عمره مكتوب لا تأخير فيه، فالجواب عل كل أحد أن لا يتكل على وقت، ويكون على حذر في جميع أحواله وأوقاته، وجوابه مر مرارًا. قوله: (﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء والياء) بالياء التحتانية: أبو بمر وحده. تمت السورة بحمد الله وعونه. * * *
[ ١٥ / ٤٤٣ ]