مكية، وهي خمس أو ست وأربعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا • والنَّاشِطَاتِ نَشْطًا • والسَّابِحَاتِ سَبْحًا • فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا • فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا • يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ • تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ • قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ • أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ • يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحَافِرَةِ • أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً • قَالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ • فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ • فَإذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ) ١ - ١٤]
أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد،
_________________
(١) سورة النازعات مكية، وهي خمسٌ وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (التي تنزع الأرواح من الأجساد)، الراغب: "نزع الشيء: جذبه عن مقره، كنزع القوس عن كبده، ويُستعمل ذلك في الأعراض، ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب، ونزع فلان كذا، أي: سُلِبَ،، قال تعالى: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. والتنازع والمنازعة: المجاذبة، ويعبر بهما عن المخاصمة والمجادلة، قال تعالى: ﴿تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
[ ١٦ / ٢٦٣ ]
وبالطوائف التي تنشطها؛ أي: تخرجها؛ من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمرًا من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم (غَرْقًا) إغراقًا في النزع،
_________________
(١) فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. والنزع عن الشيء: الكف عنه، والنزوع: الاشتياق، وذلك هو المعبر عنه بارتحال النفس مع الحبيب". قوله: (تنشطها؛ أي: تُخرجها، من: نشط الدلو من البئر)، الأساس: "بئر أنشاط: يخرج دلوها بجذبة واحدة"، وفي "الصحاح": "نشط الدلو من البئر: نزعها من غير بكرة". قال محيي السنة: "الناشطات: الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي: تحل حلًا رفيقًا فتقبضها كما ينشط العقال من البعير، أي: يُحل برفق". حكى هذا القول الفراء ثم قال: "والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت العِقال: إذا حللته، ونشطته: إذا عقدته بأنشوطة"، وفي الحديث: "كأنما نُشط من عقال". قال الإمام: "وهي الملاكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها. فالمناسب أن يخصص هذا بالمؤمن، والأول بالكافر، لما بين النزع والنشط من الفرق، فإن النزع: جذب بشدة، والنشط: جذب برفق ولين". قوله: (كما رسم لهم)، الجوهري: "رسمت له كذا فارتسمته، أي: امتثلته". قوله: (﴿غَرْقًا﴾ إغراقًا في النزع)، قيل: ﴿غَرْقًا﴾: اسم موضوع للإغراق، كالسلام للتسليم. وعن بعضهم: الإغراق نوع من النزع، والنزع جنس. الأساس: "ومن المجاز: أغرق
[ ١٦ / ٢٦٤ ]
أي: تنزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها، أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزغ في أعنتها نزعًا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها؛ لأنها عراب. والتي تخرج من دار الإسلام
_________________
(١) الرامي النزع، ومنه الإغراق في القول وغيره، وهو المبالغة والإطناب، وأغرق الكأس: ملأها"، وإلى المبالغة أشار بقوله: "ينزعها من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها"، أي: موضع أظفارها. قوله: (نزعًا تغرق فيه الأعنة)، الأساس: نزع الدلو من البئر، ونزع في قوسه، والخيل تنزع في أعنتها، قال: والخيل تنزع غرقًا في أعنتها كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البر الشؤبوب: الدفعة من المطر وغيره، وجمعه: الشايب، وفي "في أعنتها" مثلها في قوله: يجرح في عراقيبها نصلي وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاب: ١٥]؛ جعل النزه بمنزلة اللازم، ثم عداه بـ "في" مبالغة، تنبيهًا على أن الأعنة: مكان وظرف للنزع، وبهذا الاعتبار كان غرقًا: مفعولًا مطلقًا بمعنى نزعًا تغرق فيه الأعنة، قال أبو البقاء: "غرقًا: مصدر على المعنى؛ لأن النازع هو المغرق في نزع السهم، وهو مصدر محذوف الزيادة، أي: إغراقًا".
[ ١٦ / ٢٦٥ ]
إلى دار الحرب؛ من قولك: (ثور ناشط) إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها؛ لأنها من أسبابه. أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب. وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح
_________________
(١) قوله: (حتى تنحط في أقصى الغرب)، الأساس: "ومن المجاز: ناقة حطوط: سريعة السير، وحطت في سيرها وانحطت، وحط في عرض فلان: إذا اندفع في شتمه وانحط فيه". قوله: (والتي تخرج من برج إلى برج)، وهو تفسير لقوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾، وهو مأخوذ من قوله: ثور ناشط: إذا خرج من بلد إلى بلد. قال الإمام: "دل قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ على حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، وهو مناسب؛ لأن حركاتها اليومية قسرية، فيناسب النزع، وحركاتها من برج إلى برج إرادية، فيناسب النشط". وقلت: فمدخول الفاء في ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ مسبب عن كونها سابحات، وفي ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ عن كونها سابقات؛ لأن السبح في الفلك: لما كان سيرًا مخصوصًا، والسيارة معلومة الاختلاف في السير بتقدير العزيز العليم، فيحصل وجود سير بطيء وآخ سريع، وذلك هو السبق، وبحسب السبق يتفاوت التدبير، فمن سير الشمس يعلم حساب السنة، وتحصل الفصول الأربعة، ومن سير القمر يعلم حساب الشهر والأيام، وهو المراد من قوله: "وتدبر أمرًا من علم الحساب"، والوجوه رواها محيي السنة في "المعالم"، وليس في كلامه أن المدبرات هي النجوم. وقال الزجاج: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: النجوم، إلى قوله: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾: الملائكة. وقال الإمام: "اعلم أن الوجوه المنقولة من المفسرين، ليست نصًا عن سيد المرسلين صلوات الله عليه حتى لا يمكن الزيادة عليها، وما ذكروها إنما ذكروها لكون اللفظ محتملًا لها،
[ ١٦ / ٢٦٦ ]
في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمرًا من علم الحساب
_________________
(١) فنحن إن وجدنا بين المعاني مفهومًا مشتركًا، حملنا اللفظ على ما يندرج تحته، ولكن لا نقول: إن مراد الله على هذا الجزم، فيمكن حمل هذه الآيات على المراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله إلى الله، أقسم بالأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة والوثقى، وتنزع غرقًا من تعلق هذا الأدنى، ثم تنشط وتأخذ في السلوك في الأحوال والمقامات إلى مستقره الأصلي: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، ثم تسبح في بحار الصفات، فتمحو فيها من صفاتها وتفنى في التوحيد، ثم تسبق بعد الفناء إلى البقاء بالله، ثم تعزم على الرجوع إلى تكميل الغير، فتُدبر أمر الدعوة، إلى الله". وقال القاضي: "هذه صفات النفوس وحال سلوكها، فإنها تنزع من الشهوات، فتنشط إلى عالم القُدس، فتسبح في مراتب الارتقاء، فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المُكملات". قوله: (فتدبر أمرًا من علم الحساب)، مقتبس من قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]، وإبطال لزعيم المنجمين أنها مدبرة لهذا العالم بالكون والفساد، ويعضده ما روى البخاري، عن قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأولها بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا يعلم". وزاد رزين: "وما علم له به، وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة". وعن الربيع مثله، وزاد: والله، ما جعل الله في نجم حياة أحد ولا رزقه ولا موته، وإنما يفترون على الله الكذب ويتعللون بالنجوم. ذكره صاحب "جامع الأصول". واعلم أن الشيخ أبا القاسم عبد الكريم بن هوزان القُشيري ﵀، عقد بابًا في كتابه المسمى بـ "مفاتيح الحجج" في إبطال مذاهب المنجمين وأطنب فيه، وذكر أقوالهم، قال: "وأقربها
[ ١٦ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قول من قال: هذه الحوادث يحدثها الله تعالى ابتداء بقدرته واختياره، ولكن أجرى العادة بأنه إنما يخلقها عند كون هذه الكواكب في البروج المخصوصة، وتختلف باختلاف سيرها واتصالها ومطارح أشعتها، على جهة العادة من الله ﷾، كما أجرى العادة بخلق الولد عقيب الوطء، وخلق الشبع عقيب الطعام، ثم قال: هذا في القدرة جائز لكن ليس عليه دليل ولا إلى القطع سبيل؛ لأن ما كان على جهة العادة يجب أن يكون الطريق فيه مستمرًا، وأقل ما فيه يحصل التكرار، وعندهم لا يحصل وقت في العالم مكرر على وجه واحد؛ لأن إذا كان في سنة الشمس مثلًا في درجة من برج، فإذا عادت إليها في السنة الأخرى، فالكواكب لا يتفق كونها في بروجها كما كانت في السنة الماضية، والأحكام تختلف بالقرانات والمقابلات ونظر الكواكب بعضها إلى بعض، فلا يحصل شيء من ذلك مكررًا. واتفقوا على أنه لا سبيل إلى الوقوف على الأحكام، ولا يجوز القطع على البت لتعذر الإحاطة بها على التفصيل. ومما يدل على أنه لا حجة في قولهم أنهم اختلفوا فيما بينهم في حكم الزَّنج، فلأهل السند والهند عن طريق تخالف طريق أرباب الزَّنج الممتحن". وفصل الشيخ في الاختلافات بينهم تفصيلًا ثم قال: "ومما يدل على فساد قولهم أن يقال لهم: أخبرونا عن مولودين ولدا في وقت واحد، ليس يجب تساويهما في كل وجه، لا تميز بينهما في الصورة والقد والمنظر، وحتى لا تصيب أحدهما نكبة إلا أصاب الآخر، وحتى لا يفعل هذا شيئًا إلا والآخر يفعل مثله، وليس في العالم اثنان هذه صفتهما؟ قالوا: ومن المحال أن يوجد مولودان في العالم في وقت واحد، ولا بد أن يتقدم أحدهما على الآخر، فيقال: أمحال ذلك في العقل والتدبير أم في الوجود؟ فإن قالوا بالأول: بان فساد قولهم، وإن قالوا بالثاني، قيل: وما يؤمنكم منه؟ فإن قالوا: ليس أمر الكسوفين بصدق، قلنا: ليس أمر الكسوفين من الأحكام، وإنما هو من طريق الحساب، وذلك غير منكر، ويجوز أن يكون أمر سير الكواكب على ما قالوه. وقد ورد في الشريعة في أمر الكسوفين
[ ١٦ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بأنه آية من آيات الله تعالى. فإن قالوا: فما قولكم في المنجمين أنهم مخطئون في جميع ما يحكمون مكابرون للعقول؟ قلنا: إنا نقول: إنهم مخطئون في أصولهم عن شبه وقعت لهم، فلا يعرفون بطلان قولهم مكابرة للعقول، ولا بالضرورة، بل جربوا على مقتضى قواعد بنوها على أصول فاسدة وقعت الشبه لسلفهم في أصول قواعدهم، فربما يصيبون في تركيب الفروع على تلك الأصول، فمنزلتهم في الأحكام كمنزلة أصحاب الحدس والتخمين، وأصحاب الزوج والفرد، فربما يصيبون اتفاقًا لا عن ضرورة، وربما يخطئون. وكثيرًا ما نجد من الحراثين والملاحين، يعتبرون نوع ما اعتادوا من توقع المطر وهبوب الرياح في أوقات راعوها بدلالات ادعوا أنهم جربوها في السماء والهواء وغير ذلك، فتحصل بعض أحكامهم اتفاقًا لا تحقيقًا". وقلت: ومنه ما روى ابن جني في "المحتسب"، أن ابنة معفر بن حماد البارقي شامت برقًا فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها عين جمل طريف، فقال: ارعي غنيماتك، فرعت مليًا ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها، فقال: ارعي غنيماتك، فرعت مليًا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء، فقال: كيف ترينها؟ قالت: سطحت وابيضت، فقال: أدخلي غنيماتك، فجاءت السماء بشيء شطأ له الزرع. والشطء: فراخ الزرع. وصنف ابن دريد كتابًا في هذا المعنى وفيه هذه القصة، وروايته: كان أعرابي ضرير تقوده ابنته وهي ترعى غنيمات لها، فرأت سحابًا فقالت: يا أبه، إلخ، وفيه: قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، قلت لأعرابي: ما أسح الغيث؟ فقال: ما لقحته الجنوب ومرته
[ ١٦ / ٢٦٩ ]
وقيل: النازعات أيدي الغزاة، أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف، وهو (لتبعثن) لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. و(يَوْمَ تَرْجُفُ) منصوب بهذا المضمر. و(الرَّاجِفَةُ) الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى: وصفت بما يحدث بحدوثها
_________________
(١) الصبا ونتجته الشمال، ثم قال: أهلك والليل، وما نرى إلا أنه قد أخذه المطر. ولنختم الكلام بما روينا عن أبي داود، عن ابن عباس، أن رسول الله؟ قال: "من اقتبس بابًا من علم النجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شُعبة من السحر، المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر"، وفي رواية: "من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد". أخرج الثانية الإمام أحمد وأبو داود، والأولى ذكرها رزين. قوله: (الأوهاق)، الجوهري: "الوهق بالتحريك: حبل كالطول، وقد يسكن نحو: نهر". وقوله: والتي تنشط، معناه أيدي الغزاة التي تنشط، وأنفسهم التي تنشط، أي: تعقد الحبل الذي يطول للخيل ترعى فيه. قوله: (وُصفت بما يحدث بحدوثها)، أي: أسند ﴿تَرْجُفُ﴾ إلى ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ وهو يحدث بحدوثها، فالإسناد مجازي نحو: جد جده، والأصل، ترجف الأرض بسبب حدوث الراجفة، أي: الواقعة الهائلة، فأُسند إلى السبب مبالغة. قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الدخان: ٥ - ٦]: "مفعول به، وقد وصف الرحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِي﴾ [فاطر: ٢] "، عبر عن النسبة وعن التعلق بالوصف.
[ ١٦ / ٢٧٠ ]
(تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: (قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) [النمل: ٧٢]، أي: القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادًا لها، وهي رادفة لهم لاقترابها. وقيل (الرَّاجِفَةُ) الأرض والجبال، من قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبَالُ) [المزمل: ١٤] و«الرادفة»: السماء والكواكب، لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك.
فإن قلت: ما محل تتبعها؟
قلت: الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة.
فإن قلت: كيف جعلت (يَوْمَ تَرْجُفُ) ظرفًا للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟
قلت: المعنى لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى. ودل على ذلك أن قوله: (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) جعل حالًا عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب (يَوْمَ تَرْجُفُ) بما دل عليه (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ) أي: يوم ترجف وجفت القلوب (واجِفَةٌ) شديدة الاضطراب، والوجيب والوجيف: أخوان. (خَاشِعَةٌ) ذليلة.
_________________
(١) قوله: (أي: ترجف تابعتها الرادفة)، تابعتها، بنصب التاء وضمها في الرادفة، وهي فاعل "تابعتها"، والإضافة غير محضة، والأصل: تابعة لها الرادفة، أي: ترجف الأرض والجبال، أي حال كون السماء والكواكب تابعتها في الانشقاق والانتثار، وهي الرادفة، وأما تقديره على الوجه الأول فأن يقال: يوم تحدث الحادثة الكبرى، أي: النفخة الأولى حال كون الفنخة الثانية تابعتها، وهي الرادفة. قوله: (ودل على ذلك)، أي: على أن المراد باليوم: الوقت الواسع الذي فيه النفختان، أن فعل الراجفة مقيد بفعل النفخة الثانية.
[ ١٦ / ٢٧١ ]
فإن قلت: كيف جاز الابتداء بالنكرة؟
قلت: (قُلُوبٌ) مرفوعة بالابتداء، و(واجِفَةٌ) صفتها، و(أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) خبرها فهو كقوله: (ولَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ) [البقرة: ٢٢١].
فإن قلت: كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟
قلت: معناه أبصار أصحابها، بدليل قوله: (يَقُولُونَ) (فِي الحَافِرَةِ) في الحالة الأولى، يعنون: الحياة بعد الموت.
فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟
قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقه التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفرًا، كما قيل: حفرت أسنانه حفرًا: إذا أثر الآكال في أسناخها. والخط المحفور في الصخر. وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية، أي: منسوبة إلى الحفر والرضا، أو كقولهم: نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: طريقته وحالته الأولى
_________________
(١) قوله: (﴿قُلُوبٌ﴾ مرفوعة بالابتداء، و﴿وَاجِفَةٌ﴾ صفتها)، وعن بعضهم: لا يجوز أن يكون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ صفة مخصصة للقلوب؛ لأنه جُثة، كما لا يجوز أن يكون خبرًا عن الجثة. قوله: (في أسناخها)، الجوهري: "أسناخ الأسنان: أصولها". قال ابن جني: "قالوا: حُفِرَتْ أسناخها: إذا ركبها الوسخ من ظاهرها ومن باطنها". قوله: (والخط المحفور)، عطف على "حُفِرَتْ أسنانه". قوله: (وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية)، رد إلى قوله: "رجع فلان في حافرته، أي: في طريقته"، أي: قيل: حافرة، وأريد طريقة منسوبة إلى الحفر، أو طريقة حافرة، أي: صاحبها حافر مؤثر في طريقته، فأسند إليها مجازًا.
[ ١٦ / ٢٧٢ ]
قال:
أحافرة على صلع وشيب؟ … معاذ الله من سفه وعار
يريد: أرجوعًا إلى حافرة. وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى: وهي الصفقة. وقرأ أبو حيوة (في الحفرة) والحفرة بمعنى: المحفورة. يقال: حفرت أسنانه فحفرت حفرًا، وهي حفرة؛ وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة. يقال: (نخر) العظم فهو نخر وناخر، كقولك طمع فهو طمع وطامع؛ وفعل أبلغ من فاعل؛ وقد قرئ بهما: وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير
_________________
(١) قوله: (أحافرة على صلع) البيت، أي: ارجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت؟ ثم قال: معاذ الله، هذا سفه طائر وعار شديد. قوله: (النقد عند الحافرة)، روى الميداني عن ابن الأنباري: قال ثعلب: "معناه: النقد عند السبق، وذلك أن الفرس إذا سبق أخذ الرهن، والحافرة: الأرض التي حفرها الفرس بقوائمه، فاعلة بمعنى مفعولة، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: النقد عند الحافر معناه عند حافر الفرس، وأصل المثل في الخيل ثم استعمل في غيرها، وقال غيره: النقد عند الحافرة معناه: عند أول كلمة، يقال: رجع فلان في حافرته أي: في أول الأمر"، الراغب: النقد عن الحافرة: يقال لما يُباع نقدًا، وأصله في الفرس فيقال: لا يزول حافره أو ينقد ثمنه". قوله: (وقد قُرئ بهما)، أيو بكر وحمزة والكسائي: "ناخرة" بالألف، والباقون: بغير
[ ١٦ / ٢٧٣ ]
و(إِذًا) منصوب بمحذوف، تقديره: أئذا كنا عظامًا نرد ونبعث (كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها. والمعنى: أنها إن صحت فنحن إذًا خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم.
فإن قلت: بم تعلق قوله: (فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ)؟
قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة؛ يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله ﷿، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية. (فَإذَا هُم) أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتًا في جوفها؛ من قولهم: زجر البعير، إذا صاح عليه. و(بِالسَّاهِرَةِ): الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأن السراب يجرى فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها: نائمة. قال الأشعث بن قيس:
وساهرة يضحى السراب مجللًا … لأقطارها قد جبتها متلثما
_________________
(١) ألف. قال الزجاج: " (ناخرة) أجود وأكثر شبهًا للفواصل، و﴿نَّخِرَةً﴾ جيد أيضًا، يقال: نخر العظم ينخر فهو نخر، مثل: عفن يعفن فهو عَفِن، و"ناخرة" معناه: عظامًا يجيء فيها من هبوب الرياح كالنخير، ويجوز ناخرة نحو: بليت العظام [فهي] بالية". قوله: (﴿كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: منسوبة إلى الخُسران)، قيل: كرة: خبر لـ ﴿تِلْكَ﴾، وهو مبين لاسم الاشارة كما ان الصفة مبينة، ولا بد في الترجمة من ذكر الصفة، المعنى: تلك الكرة كرة خاسرة. قوله: (فإنها سهلة هينة في قدرته)، الانتصاف: "ما أحسن تسهيل أمر الإعادة بقوله: ﴿زَجْرَةٌ﴾ فهي أخف من صيحة، وبقوله: ﴿وَاحِدَةٌ﴾ أي: غير محتاجة إلى مثنوية". قوله: (وساهرة يُضحى السراب) البيت، مجللًا: مُعطيًا وساترًا، لأقطارها: لجوانبها،
[ ١٦ / ٢٧٤ ]
أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. وعن قتادة: فإذا هم في جهنم:
[(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى • إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى • اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى • فَقُلْ هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى • وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى • فَأَرَاهُ الآيَةَ الكُبْرَى • فَكَذَّبَ وعَصَى • ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى • فَحَشَرَ فَنَادَى • فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخِرَةِ والأُولَى • إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) ١٥ - ٢٦]
(اذْهَبْ) على إرادة القول. وفي قراءة عبد الله: (أن اذهب)؛ لأن في النداء معنى القول: هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؛ كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه.
_________________
(١) قطعتها متلثمًا: مشددًا للثام من خوف هبوب السموم والحر القاتل. وقيل: متلثمًا: واطئًا الأرض بخف البعير. قوله: (هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؟)، قال ابن جني: "متى كان فعل من الأفعال في معنى فعل آخر، فكثيرًا ما يجرى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال إليه، ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾ وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أجذبك إلى كذا، أو أدعوك إليه، قال: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى﴾، وعليه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، في معنى الإفضاء إلى نسائكم؛ لا يقال: رفثت إلى المرأة، وإنما: رفثت بها، ومعها، لكنه لما كان الرفث بمعنى الإفضاء عُدي بـ "إلى"، وهذا من أسد مذاهب العربية؛ لأنه موضع يملك فيه المعنى عنان الكلام فيأخذه إليه". وقلت: الظاهر أن هذا ليس من باب التضمين، بل من باب المجاز والقرينة الجادة. وقال صاحب "الكشف": هل لك في كذا؟ محمول على: أدعوك، فكأنه قال أدعوك إلى التزكي فهل ترغب فيه؟ وقال الواحدي: المبتدأ محذوف، أي: هل لك إلى أن تزكى
[ ١٦ / ٢٧٥ ]
(إلَى أَن تَزَكَّى) إلى أن تتطهر من الشرك، وقرأ أهل المدينة: (تزكى)، بالإدغام (وأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ) وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه، (فَتَخْشَى) لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال الله تعالى: (إنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله: أتى منه كل خير
_________________
(١) حاجة أو أرب؟ وعن بعضهم: يقال: هل لك في كذا؟ فتقول في الجواب: أشد الهل وأوحي، أي: أسرع. قوله: (وقرأ أهل المدينة: "تزكى")، الحرميان: "أن تزكى" بتشديد الزاي، والباقون: بتخفيفها. قوله: (لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة)، روى السلمي عن ابن عطاءٍ: الخشية أتم من الخوف؛ لأنها صفة العلماء، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فاطر: ٢٨]. وعن الواسطي: "أوائل العلم الخشية، ثم الإجلال، ثم التعظيم، ثم الهيبة، ثم الفناء". وعن بعضهم: من خاف مقام ربه علم قيام الله بأسبابه في دار الدنيا، وخاف من وقوفه في القيامة بين يديه، وقال: من تحقق الخوف ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه. وروى عن بزرجمهر: اعرفوا الله، فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. قوله: (لأنها ملاك الأمر)، الأساس: ومن المجاز: هدأ ملاك الأمر، أي: قوامه وما يملك به، والقلب ملاك الجسد، وركب ملاك الطريق: وسطه.
[ ١٦ / ٢٧٦ ]
ومن أمن: اجترأ على كل شر. ومنه قوله ﵇: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل». بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا) [طه: ٤٤]، (الآيَةَ الكُبْرَى) قلب العصا حية؛ لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها، لأنه كان يتقيها بيده، فقيل له: أدخل يدك في جيبك، أو أرادهما جميعًا،
_________________
(١) قوله: (من خاف أَدْلَجَ)، الحديث من رواية الترمذي، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله؟ يقول: "من خاف أَدْلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية"، النهاية: "الإدلاج مخففًا: السير من أول الليل، ومثقلًا: السير من آخره"، والمراد ها هنا: التشمير في أول الليل، فإن من سار من أول الليل كان جديرًا ببلوغ المنزل، والسلعة: المتاع. قوله: (أو أرادهما جميعًا)، يريد: أن الآية الكبرى هي قلب العصا حية، فالصغرى يراد بها اليد البيضاء لأنها متمِّمة لها؛ لأنه ﵊ لما قصد أن تبقى الحية بيده قيل له: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٢٢] سبق بيانه في "القصص". أو أن كلتيهما آية واحدة لتلك العلة، والصغرى غيرهما. قال بعضهم: قوله: ﴿فَأَرَاهُ الْأيَةَ الْكُبْرَى﴾ معطوف على فعل محذوف، يد عليه قوله: ﴿اذْهَبْ﴾، أي: فذهب فأراه؛ لأنه إذا كان الآمر هو الله تعالى والمأمور موسى، وجد الفور، وهذا مما يعضد
[ ١٦ / ٢٧٧ ]
إلا أنه جعلهما واحدة؛ لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها. (فَكَذَّبَ) بموسى والآية الكبرى، وسماهما ساحرًا وسحرًا (وعَصَى) الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر، وأن الطاعة قد وجبت عليه. (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى) أي: لما رأى الثعبان أدبر مرعوبًا، يسعى: يسرع في مشيته. قال الحسن: كان رجلًا طياشًا خفيفًا. أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وأريد: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع (أَدْبَرَ) موضع: أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال. (فَحَشَرَ) فجمع السحرة، كقوله (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ) [الشعراء: ٥٣]. (فَنَادَى) في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو أمر مناديًا في الناس بذلك. وقيل قام فيهم خطيبًا فقال تلك العظيمة. وعن ابن عباس: كلمته الأولى: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي) [القصص: ٣٨] والآخرة: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤]. (نَكَالَ) هو مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله؛ كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم
_________________
(١) مذهب أبي حنيفة رحمة الله، أن الأمر للفور، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وأنشد للمتنبي: إن تدع يا سيف لتستعينه يُجبك قبل أن تتم سينه قوله: (فوضع ﴿أَدْبَرَ﴾ موضع "أقبل"؟)، الانتصاف: "وهو وجه حسن، وأدبر على هذا من أفعال المقاربة". وقلت: ويمكن أن يقال: إن ﴿أَدْبَرَ﴾ استعير لأقبل على التلميحية؛ لأن سعيه كان دابرًا عليه.
[ ١٦ / ٢٧٨ ]
يعني: الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. وعن ابن عباس: نكال كلمتيه: الآخرة وهي قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)، والأولى وهي قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي) [القصص: ٣٨]، وقيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة، وقيل عشرون.
[(أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا • رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا • وأَغْطَشَ لَيْلَهَا وأَخْرَجَ ضُحَاهَا • والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا • أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومَرْعَاهَا • والْجِبَالَ أَرْسَاهَا • مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ) ٢٧ - ٣٣]
الخطاب لمنكري البعث، يعنى: (أَنتُمْ) أصعب (خَلْقًا) وإنشاء (أَمِ السَّمَاءُ) ثم بين كيف خلقها فقال: (بَنَاهَا) ثم بين البناء فقال: (رَفَعَ سَمْكَهَا)
_________________
(١) قوله: (يعني: الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة)، فيكون التقدير: أخذه الله نكال الدار الآخرة ونكال الدار الأولى، أو التقدير: أخذه الله نكال الكلمة الآخرة ونكال الكلمة الأولى، وفي تقدير المصنف تكرير؛ لأنه كرر الرواية عن ابن عباس. قوله: (الخطاب لمنكري البعث)، إشارة إلة أن قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ مردود إلى فاتحة السورة، وذلك أنه تعالى أقسم على إثبات الحشر بما أقسم وبالغ فيه، وكان خطابًا لمنكري البعث، ومن ثم قُدر جواب القسم: "لتبعثن" لقرينه قوله: ﴿أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ إنكارًا، وقولهم: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ استهزاءً، وأجابهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، أي: لا تستصعبوها فإنما هي سهلة هينة في قدرته، بين السهولة بقوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾، وحين كان الجواب تسليًا لرسول الله؟ من استهزائهم، وتهديدًا للكافرين لإنكارهم، أوقع قصة موسى وفرعون مجملًا في البين ومزيدًا للتهديد، ومن ثم وُسطت القصة بحديث الخشية، حيث قيل: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ وختمت به قائلًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾. قوله: (ثم بين كيف خلقها فقال: ﴿بَنَاهَا﴾)، أي: استئناف على سبيل البيان، قال الكسائي
[ ١٦ / ٢٧٩ ]
أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدًا رفيعًا مسيرة خمس مئة عام (فَسَوَّاهَا) فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور. أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان. غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه. ويقال أيضًا: أغطش الليل، كما يقال أظلم (وأَخْرَجَ ضُحَاهَا) وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا) [الشمس: ١] يريد وضوئها. وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها؛ وأضيف الليل والشمس إلى السماء،
_________________
(١) والفراء: تم الكلام عند قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وابتدأ من قوله: ﴿بَنَاهَا﴾، الكواشي: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أي: أم السماء أشد؟ وعنده وقف تام إن استأنفت ولم تنصب ﴿بَنَاهَا﴾ تكون "أم" متصلة، وإذا وصل تكون منقطعة، ويكون في الكلام ترق من الأهون إلى الأغلظ. قوله: (أو فتممها بما علم أنها تتم به)، فعلى الأول: التسوية عبارة عن تعديل ذوات السماوات، وعلى الثاني: عبارة عن إصلاحها بزوائد خارجية، من كونها جعلت مقرًا للملائكة المقربين المسبحين، ومسارح نظر المعتبرين، وجعلت مزينة بزينة الكواكب ومنزلًا منها البركات في الأرض وأحكام الدين، لقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]. قوله: (وأضيف الليل والضحى - ويروى: الليل والشمس - إلى السماء)، يريد أن السماء جعلت كالقبة المضروبة والرواق الممدود، وكالبيت المظلم ليس فيه سراج، والشمس هي السراج المثقب في جوها، فإن قيل: إن الليل ظل الأرض، فيجاب: كم لمرأى الناظر من اعتبار؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] أي: مُزينة في مرأى النظر بالكواكب المضيئة، وبه فسر قول المعري: صغار الشهب أسرعها انتقالا
[ ١٦ / ٢٨٠ ]
لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها. (مَاءَهَا) عيونها المتفجرة بالماء (ومَرْعَاهَا) ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعي. ونصب الأرض والجبال بإضمار (دحا) و(أرسى)، وهو الإضمار على شريطة التفسير. وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء.
فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى (دَحَاهَا) بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بدّ منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب؛ وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتادًا لها حتى تستقر ويستقر عليها
_________________
(١) وقال الإمام: "إنما أضاف الليل والنهار، لأن الليل والنهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهما إنما يحصلان بسبب حركة الفلك". قوله: (ورعيها)، الجوهري: "الرعي بالكسر: الكلأ، وبالفتح: المصدر، والمرعى: الرعي والموضع". قوله: (وقرأهما الحسن مرفوعين)، أي: الأرض والجبال. قال الزجاج: "القراءة بنصب الأرض على معنى: ودحا الأرض بعد ذلك، وفسر هذا المضمر فقال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، وهو أجود من الرفع؛ لأنك أن تعطف بفعل على فعل أحسن". قوله: (ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سُكناها)، وفي تفسيره لف ونشر، الانتصاف: "هذا الجواب أحسن من الثاني؛ لأنه مناسب لقوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (رَفَعَ سَمْكَهَا﴾.
[ ١٦ / ٢٨١ ]
والثاني: أن يكون (اخْرُجْ) حالًا بإضمار (قد) كقوله: (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: ٩٠] وأراد بـ (مرعاها): ما يأكل الناس والأنعام. واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: (يَرْتَعْ ويَلْعَبْ) [يوسف: ١٢]. والظاهر أنه تغليب، لأنه قوله (مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ) وارد عليه، ومن حقه أن يغلب ذوي العقول على الأنعام، فعكس تجهيلًا؛ وقرئ: (نرتع)، من الرعي؛ ولهذا قيل: دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح؛ لأنه من الماء. (مَتَاعًا لَّكُمْ) فعل ذلك تمتيعًا لكم، (ولأَنْعَامِكُمْ)؛ لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.
[(فَإذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى • يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ مَا سَعَى • وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرَى) ٣٤ - ٣٦].
(الطَّامَّةُ) الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب. وفي أمثالهم: جرى الوادي فطم على القري، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة
_________________
(١) قوله: (واستعير الرعي للإنسان)، يعني: استعير الرعي والرتع لتناول الإنسان الطعام، كما يستعار المرسن للأنف، والمشفر للشفة. عن بعضهم: ﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ عبارة عن الأرزاق، جمع الله تعالى جميع ما يُتمتع به في هاتين الكلمتين. ويجوز أن يكون استعارة معنوية. لأن الكلام مع منكري الحشر بشهادة قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ كما مر قبل أيها المعاندون الداخلون في زمرة البهائم الملزوزون في قرنها في تمتعكم بالدنيا، وذهولكم عن الأخرى. قوله: (وقُرئ: "نرتع")، أي: بكسر العين، من الارتعاء، افتعال من الرعي. قوله: (جرى الوادي فطم على القرى)، قال الميداني: "أي: جرى سبيل الوادي فطم، أي: دفن، يقال: طم السيل الركية، أي: دفنها. والقري: مجرى الماء في الروضة والجمع: أقرية، وقريان، يعني: أتى على القرى أي: أهلكه بأن دفنه، يُضرب عند تجاوز الشر حده".
[ ١٦ / ٢٨٢ ]
وقيل: هي النفخة الثانية: وقيل: الساعة التي تساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ) بدل من إذا جاءت، يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، كقوله: (أَحْصَاهُ الله ونَسُوهُ) [المجادلة: ٦]، و«ما» في (مَا سَعَى) موصولة، أو مصدرية (وبُرِّزَتِ): أظهرت. وقرأ أبو نهيك: (وبرزت). (لِمَن يَرَى) للرائين جميعًا، أي: لكل أحد، يعني: أنها تظهر إظهارًا بينا مكشوفًا، يراها أهل الساهرة كلهم، كقوله:
قد بين الصبح لذي عينين
يريد: لكل من له بصر؛ وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد. وقرأ ابن مسعود: (لمن رأى). وقرأ عكرمة: (لمن ترى) والضمير للجحيم، كقوله: (إذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) [الفرقان: ١٢] وقيل: لمن ترى يا محمد.
[(فَأَمَّا مَن طَغَى • وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا • فَإنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَاوَى) ٣٧ - ٣٩]
(فَأَمَّا) جواب (فَإذَا) أي: فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك
_________________
(١) عن بعضهم: يقال: طم شعره، أي: جزه، ويقال: جاء السيل فطم الركية، أي: دفنها فسواها، وكل شيء كثر حتى يعلو فقد طم؛ ذكره في باب فعل يفعل بفتح العين، وذكر في باب فعل يفعل بكسرها يكم طميمًا، أي: يعدو عدوًا سهلًا. قوله: (﴿لِمَن يَرَى﴾: للرائين جميعًا)، الانتصاف: "أي: هو أمر ظاهر لا يتوقف إلا على وجود الحاسة لا غير، ولا مانع من الرؤية ولا حاجب عنها". قوله: (قد بين الصبح لذي عينين)، قال الميداني: "بين هاهنا بمعنى: تبين، يضرب للأمر الذي يظهر كل الظهور". قوله: (﴿فَأَمَّا﴾ جواب ﴿فَإذَا﴾)، وفي "المطلع": المقدر شيء آخر، أي: فإذا جاءت الطامة، وقع ما لا يدخل تحت الوصف، وقوله: ﴿فَأَمَّا﴾ تفصيل لذلك المقدر.
[ ١٦ / ٢٨٣ ]
والمعنى: فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل: غض الطرف، تريد: طرفك، وليس الألف واللام بدلًا من الإضافة، ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره: تركت الإضافة؛ ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف: للتعريف؛ لأنهما معروفان، و(هِيَ) فصل أو مبتدأ.
[(وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى • فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاوَى) ٤٠ - ٤١]
(ونَهَى النَّفْسَ) الأمارة بالسوء (عَنِ الهَوَى) المردي، وهو إتباع الشهوات، وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير
_________________
(١) قوله: (وليس الألف واللام بدلًا من الإضافة)، قال صاحب "الكشف": قال الكوفي: بل التقدير: مأواه، فقام الألف مقام الضمير. قوله: (ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف: للتعريف؛ لأنهما معروفان)، قال الزجاج: ليس الألف واللام بدلًا من الكاف في الطرف وإن كان المعنى: غض طرفك؛ لأن المخاطب يعلم أنك لا تأمره بعض طرف غيره، قال: فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا قوله: (وزجرها عنه)، عطف تفسيري على ﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾، وقوله: "وضبطها بالصبر"، تفسير هكذا لـ "زجرها". الراغب: "النهي: الزجر عن الشيء، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره، وما كان بالقول لا فرق بين أن يكون بلفظة افعل، نحو: اجتنب كذا، وبلفظة لا تفعل، ومن حيث اللفظ هو قولهم: لا تفعل كذا، فإذا قيل: لا تفعل فهو نهي من حيث اللفظ والمعنى جميعًا، نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ لم يعن به أن يقول لنفسه: لا تفعل، بل أراد قمعها عن شهوتها،
[ ١٦ / ٢٨٤ ]
وقيل: الآيتان نزلتا في أبي عزير بن عمير ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أحد، ووقى رسول الله ﷺ بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه.
[(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا • فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا • إلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا • إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا • كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) ٤٢ - ٤٦].
(أَيَّانَ مُرْسَاهَا) متى إرساؤها، أي إقامتها، أرادوا: متى يقيمها الله ويثبتها ويكوّنها؟ وقيل أيان منتهاها ومستقرّها، كما أنّ مرسى السفنية مستقرها، حيث تنتهي إليه
_________________
(١) ودفعها عما نزعت إليه وهمت به، وكذا النهي عن المنكر يكون تارة باليد وتارة باللسان وتارة بالقلب. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] أي: يحث على فعل الخير ويَذُب عن الشر، وذلك بعضه بالعقل الذي ركبه فينا، وبعضه بالشرع الذي شرعه لنا. والإنهاء في الأصل: إبلاغ النهي، ثم صار متعارفًا في كل إبلاغ، فقيل: أنهيت إلى فلان خبر كذا، أي: بلغت به النهاية، ورجل ناهيك كقولك: حسبك، ومعناه أنه غاية فيما تطلبه، وينهاك عن تطلب غيره، وناقة نهية: تناهت سمنًا". قوله: (في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير)، أما أبو عزيز بضم العين، مصغر "عزيز"، فليس له ذكر في "الجامع"، وأما مصعب بن عمير، فذكر أنه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف القرشي، من أجلة الصحابة وفُضلائهم، قتل يوم أُحد، وفيه نزل: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وعن بعضهم: صح "أبو عزيز" بفتح العين وتكرير الزاي، ذكره المصنف في كتاب "متشابه الأسماء". قوله: (المشاقص)، الجوهري: "المشقص من النصال: ما طال وعرض". قوله: (كما أن مرسى السفينة: مستقرها)، الانتصاف: "فيه إشعار بثقل اليوم، كقوله
[ ١٦ / ٢٨٥ ]
(فِيمَ أَنتَ) في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به، يعني: ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء. وعن عائشة ﵂، لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة يسأل عنها حتى نزلت، فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها. والمعنى: أنهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها، ثم قال: (إلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا) أي: منتهى علمها؛ لم يؤت علمها أحدًا من خلقه. وقيل: (فِيمَ) إنكار لسؤالهم، أي: فيما هذا السؤال، ثم قيل: (أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا)، أي: إرسالك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة، ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها،
_________________
(١) تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]؛ فلم يطلق الإرساء إلا على ما فيه ثقل كالجبال والسفينة". قوله: (وتعجب من كثرة ذكره لها، أي: في أي شغل أنت من ذكراها)، الانتصاف: "وفيه ضعف؛ لأن قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] يرده". قلت: صدق، قال المصنف: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأنك بليغ في السؤال عنها، يعني: يسألونك عنها، لأنهم يزعمون أنك بليغ في السؤال عنها، وليس كما يزعمون. قوله: (ثم قيل: ﴿أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾)، الانتصاف: "فعلى هذا يوقف على قوله: ﴿فِيمَ﴾ ليفصل بين الكلامين". قوله: (في نسم الساعة)، الجوهري: "نسم الساعة: حين ابتدأت وأقبلت أوائلها، ونسيم الريح: أولها حين تقبل".
[ ١٦ / ٢٨٦ ]
فكفاهم بذلك دليلًا على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها. (إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) أي: لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون من إنذارك لطفا له في الخشية منها. وقرئ: (منذر) بالتنوين، وهو الأصل؛ والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال؛ فإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة؛ كقولك: هو منذر زيد أمس، أي: كأنهم لم يلبثوا في الدنيا، وقيل: في القبور (إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).
فإن قلت: كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟
قلت: لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد.
فإن قلت: فهلا قيل: إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟
قلت: الدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يومًا كاملًا، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه؛ فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته، فهو كقوله: (لَّمْ يَلْبَثُوا إلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ) [الأحقاف: ٣٥].
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة (وَالنَّازِعَاتِ) كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة».
_________________
(١) قوله: (وقُرئ: "مُنذر" بالتنوين)، وهي شاذة. قال الزجاج: "المعنى: إنما أنت في حال إنذار من يخشاها وفيما يستقبل أيضًا، ومفعل وفاعل إذا كانا بمعنى الحال والاستقبال نونًا؛ لأنه حينذ بدل من الفعل، والفعل نكرة، وقد يجوز حذف التنوين على الاستخفاف، والنعتى على ثبوت التنوين، فإذا كان لما مضى فهو غير منون البتة". قوله: (فهو كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، روي عن المصنف أنه قال: لهذا الكلام أصل، وهو قوله: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار عيشته أو ضحاه، فوضع
[ ١٦ / ٢٨٧ ]
_________________
(١) هذا المختصر مكانه. وقلت: الظاهر أن نسبة ﴿مِّن نَّهَارٍ﴾ إلى ﴿سَاعَةً﴾، وإضافة "ضُحى" إلى "عيشة": للبيان، ولكن المراد التوكيد، وتحقيقهما، نحو: أخذت بيدي ورأيت بعيني؛ لأنه من الإمكان أن يراد بضُحى وساعة: النهار كله مجازًا، وإليه الإشارة بقوله: "كأن لم يبلغ يومًا كاملًا ولكن ساعة منه". تمت السورة بعون الله وحمده وصلى الله على مُحمد * … * … *
[ ١٦ / ٢٨٨ ]