مختلف فيها، وهي ست آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)] ١ - ٦ [
قرئ: (قل أعوذ) بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه: فخذ أربعة.
فإن قلت: لم قيل (بِرَبِّ النَّاسِ) مضافا إليهم خاصة؟
قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم.
_________________
(١) سورة الناس مكية، وقيل: مدنية، وهي ست آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قولُه: (لِمَ قيل: ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾)، أَيْ أنه ربُّ جميعِ العالمين، فلِمَ خُصَّ بالناسِ ها هنا؟ وأجابَ: إن المستغيثَ هو الناسُ وحدَه إلى ربِّه ومالكِه ومعبودِه، مما يُصيبُه من البلاء. قولُه: (كما يستغيثُ بعضُ الموالي إذا اعتراهم خَطْبٌ بسيّدهم ومخدومِهم ووالي أمرِهم)، راعى فيه الترقّي في الإغاثة؛ فإن الدّفعَ من جهةِ التوليةِ أقوى من جهةِ الخدمة، ثم من
[ ١٦ / ٦٥٢ ]
فإن قلت: (مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ) ما هما من رب الناس؟
قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبى حفص عمر الفاروق. بين بملك الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)] التوبة: ٣١ [وقد يقال: ملك الناس. وأمّا (إِلهِ النَّاسِ) فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟
قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار. (الْوَسْواسِ) اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأمّا المصدر فوسواس
_________________
(١) جهة السيادة أضعفُ من جهةِ الخدمة. كذلك معنى القَهّاريةِ في الألوهيةِ أعلى منه من معنى المالكيّة، ثم من جهةِ الرّبيّة. وفي بعض التفاسير: إنَّ دَفْعَ شرِّ الشيطانِ ووسوستِه بأحدِ أمورً ثلاثة، إمّا بأن لا يُمكِّنُه من الوسوسةِ من حيثُ كونُه ربًّا، أو بأنْ يُمكِّنُه، لكن يمنعُه قهرًا من حيثُ المالكية، أو بأن ينهاه عن الوسوسةِ زجرًا، لكن يريدُها اختيارًا من حيثُ كونُه إلهًا، أو يُقال: إن العبدَ استعاذَ بالله من الشيطان. وعَلّلَ الاستعاذةَ بأوصافٍ مناسبةٍ على الترقي: وَصْفُه ﷿ أولًا بأنه الرّبُّ، لأن أول ما يَعرفُ العبدُ من ربِّه، كونُه منعِمًا عليه ظاهرِه وباطنِه، ثم ينتقلُ منه إلى المعرفةِ بأنه متصرفٌ فيه ومالكُه، ثم ينتقلُ إلى المعرفةِ بأنه هو المعبودُ على الإطلاق، وأنْ لا مصيرَ إلا إليه. قولُه: (وقد يقال: مَلِكُ الناس)، الراغب: «المَلِك: هو المتصرِفُ بالأمرِ والنهيِ في الجمهور، وذلك مختصٌ بسياسةِ الناطقين؛ ولذلك يقال: مَلِكُ الناس، ولا يقال: مَلِكُ الأشياء». قولُه: (وأما المصدرُ فَوِسواس)، عن بعضِهم: أراد بالوَسواسِ الاسم الذي هو بمعنى الوسوسةِ وهو المصدر. وقال المغاربةُ: الفرقُ بين المصدرِ واسمِ المصدر هو أن المعنى الذي يُعبِّرُ
[ ١٦ / ٦٥٣ ]
بالكسر كزلزال، والمراد به الشيطان، سمى بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه؛ لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو الوسواس. والوسوسة: الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي. و(الْخَنَّاسِ) الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات، لما روى عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه. (الَّذِي يُوَسْوِسُ) يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على (الْخَنَّاسِ)، ويبتدئ (الَّذِي يُوَسْوِسُ) على أحد هذين الوجهين.
_________________
(١) عنه بالفعلِ الحقيقي، الذي هو مبتدأ الفعلِ الصناعي، إذا اعتبرَ فيه تَلَبُّسُ الفاعلِ به وصدورُه منه وتَجدُّدُه؛ فاللفظُ الموضوعُ بإزائه مقيدًا بهذا القيد، سمّي مصدرًا وإن لم يعتبرْ فيه ذلك، فاللفظُ الموضوعُ بإزاءِ ذلك مطلقًا عن هذا القيدِ المذكور، هو اسمُ المصدر. قولُه: (صَنْعَتُه)، ويُرْوى: ضَيْعتُه. النهاية: «ضَيْعةُ الرجلِ: ما يكونُ منه معاشُه كالصنعةِ والتجارةِ والصناعةِ وغير ذلك». قولُه: (منسوبٌ إلى الخُنُوس)، قال: منسوبٌ من حيثُ إنه جعلَ الخنوسَ عادةً له. قولُه: (إذا ذَكرَ الإنسانُ ربَّه خَنَس)، روينا في "صحيح البخاري" تعليقًا عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الشيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابنِ آدم؛ فإذا ذَكرَ الله خَنَس، وإذا غَفلَ وَسْوس». قولُه: (ويَحْسنُ أن يقف القارئ) إلى قولُه: (على أحدِ هذين الوجهين)، أي: الصَّفةِ والشَّتْم. وفيي "الكواشي": «يكفي الوقفُ على "الخنّاس" إن رفعتَ أو نصبتَ ذمًا، فلا يجوزُ إن جَرَرْتَه: صفةٌ للخناس. وقلتُ: وفي عدمِ الجوازِ نظرًا للفاصلة، قالَ صاحبُ "المرشد": فإذا قلتَ: "الرحمن الرحيم"، كان الوقفُ كافيًا لأنه رأسُ آية، ولا يكونُ تامًا
[ ١٦ / ٦٥٤ ]
(مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) بيان للذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جني وإنسي، كما قال (شياطين الإنس والجن)] الأنعام: ١١٢ [، وعن أبى ذرّ ﵁ قال لرجل: هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون (مِنَ) متعلقا بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا (بنفر) و(رجال) في سورة الجن. وما أحقه؛ لأن الجن سموا (جنا) لاجتنانهم، والناس (ناسا) لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا؛ ولو كان يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك وثبت: لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع
_________________
(١) لخلوِّ المجرورِ، أعنى: "مالكِ يومِ الدين"، من العامل، والفصلِ بين النعتِ والمنعوت، وكذا الوقفُ على "المستقيم" جائزٌ وليس بحَسَن، وإنما جُوِّزَ لأنه آخر الآية». قولُه: (ومن جهة الناس)، مثلُ أن يوسوسَ في قلب المسلمِ من جهة المنجّمين والكُهانِ أنهم يعلمون الغيب، ومن جهةِ الجنِّ أنهم يَضرّون وينفعون. في "المطلع": «وعن بعضهم: على البيانِ يكونُ "من الجِنّةِ والناس"، حالًا من ضمير "الذي يوسوس"». قولُه: (وما أحقّه)، يعني: ما أثبته من قولهم: حَقَقْتُ الشئَ أَحُقُّه، أي: أَثبتُه. قال الإمام: «قيل: إن قولَه: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ قسمان مندرجان تحت قولِه: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، كأن القدرَ المشتركَ بين الجنِّ والإنسِ سُمّي إنسانًا، والإنسانُ أيضًا سُمّي إنسانًا، فيكون لفظُ الإنسانِ واقعًا على الجنسِ والنوعِ بالاشتراك. والدليلُ عليه ما رُويَ أنه جاءَ نفرٌ من الجن، فقيل لهم: مَنْ أنتم؟ فقالوا: ناسٌ من الجن. وأيضًا قد سَمّاهم اللهُ رجالًا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، فجازَ أن يُسميَهم هنا ناسًا. وهذا القولُث المتعسِّفُ لا يريدُ أنَه ضعيفٌ، لأن جَعْلَ الإنسانِ اسمًا للجنسِ الذي يندرجُ فيه الجنُّ والإنس، بعيدٌ من اللغة».
[ ١٦ / ٦٥٥ ]
وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ)] القمر: ٦ [كما قرئ: (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ)] البقرة: ١٩٩ [، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله ﷿.
عن رسول الله ﷺ: «لقد أنزلت علىّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما» يعنى المعوذتين. ويقال للمعوذتين: المقشقشتان.
_________________
(١) قولُه: (وأجودُ منه)، أي: من هذا القولِ المتعسِّف: لا يريدُ أنه وجهٌ فيه جَوْدة، وهو أن يُحملَ "الناسِ" في قولِه: ﴿صُدُورِ النَّاسِ﴾ على الناسي، فحينئذٍ يمكنُ تقسيمُه إلى الجنِّ والإنسِ لأنهما صفتانِ موصوفانِ بنسيانِ حقِّ الله. قولُه: (المُقَشْقِشَتان)، النهاية: «في الحديثِ: يقالُ لسورتَيْ "قُلْ يا أيها الكافرون"، و"قُلْ هو الله أحد": المُقَشْقِشَتان، أي: المبرِّئتانِ من النفاقِ والشركِ، كما يَبرأُ المريضُ من عِلَّتِه؛ يقال: قد تَقَشْقشَ المريض: إذا أفاقَ وبَرَأ». تَمّتِ السُّورَة ************
[ ١٦ / ٦٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [تَذْييلٌ وتَتْميم] يقولُ العبدُ الفقيرُ إلى الله الغني، الإمامُ العالمُ العامل، والشيخُ الفاضلُ الكامل، الحَبْرُ المُدقّق، والنحريرُ المُدقّق، عَلّامةُ عَصرِه، وفريدُ دَهرِه، مولانا شَرفُ الملَّةِ والدِّين، الحسينُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ الطِّيبيّ، مَنَّ الله عليه بأمنِ طريقِه، وسَقاه من الفرحِ كأسِ رَحيقِه، وتَغَمَّده بغُفر انه، وألبسَه جَلابيبَ رحمتِه ورِضوانه، وحَشَرَه مع الذين أنعم اللهُ عليهم، مِن النبيّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداءِ والصَّالحين: وحين انتهى الكلامُ إلى هذا المقام، اقترحوا مشيرينَ إلىَّ أن أُلحقَ خاتمة؛ تذييلًا للكتاب، وتتميمًا لفصلِ الخِطاب، مُضمّنًا خصوصًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، وكانتِ القريحةُ إذْ ذاك خامدةً، والطبيعةُ هامدة، فتضرَّعْتُ مُبتهلًا إلى الله تعالى، مُستنزلًا الواردَ الإلهيَّ والفتحَ الغَيبيَّ، حتى بَرَقتْ بارقةٌ من بوارقِ سحائبِ سيّدِ المرسلين، ولَمعتْ لمعةٌ من لَمعاتِ أنوارِ خاتمِ النبيّين، صلّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه الطِّيّبينَ الطاهرين، أعني: معنى ما أوردَه الأئمةُ في كتبهم عن أبي هريرةَ -﵁-: قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحةِ الكتابِ، فهو خِداجٌ -ثلاثًا- غيرُ تمام».
[ ١٦ / ٦٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقيلَ لأبي هريرة: إنّا نكون وراءَ الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسِك، فإني سمعت رسولَ الله -ﷺ- يقول: «قالَ اللهُ ﷿: قَسمت الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال اللهُ: حَمِدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال مجّدني عبدي. وإذا قالَ العبدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قالَ العبدُ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». أخرجه مالكٌ ومسلم، والترمذيُّ وأبو داود، والنسائيُّ وابنُ ماجه، رحمهم الله تعالى. وكنا قد أسلفنا في شرح الخُطبةِ أنّ المعوّذتينِ على قضيةِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، مشيرتانِ على الافتتاح، وعلى مُوجَبِ قولِه -ﷺ-: "الحالُّ المّرتَحِل"، جوابًا عن سؤالِ مَن قال: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ مُناديتانِ بالارتحال، فبالحَرِيّ أنْ نَرجعَ إلى ما كنّا قد تكلَّمنا فيه مفتتحين به، أعني تفسيرَ سورة "الفاتحة"، وأفضل التأويل: تأويلُ مَن نَزلَ عليه التنزيل، وهذا الحديثُ مما احتوى على حقائقِ هذه السّورة، وأسرارِها، ودقائقِها، كما سنكشفُ عنها؛ هيهات، إن البحرَ لا يُستنزَف! ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
[ ١٦ / ٦٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فَصْل اعلَمْ أنّ شرحَ هذا الحديثِ مُعْضَل، وتَطبيقَه على معنى السُّورةِ أعضَل؛ ولذلك تكلَّمَ فيه العلماء، واختلفوا اختلافًا متباينًا، فلابُدَّ من إيراده، وباللهِ التوفيق. قالَ الشيخُ محيي الدّين في "شرح صحيح مسلم": «التمجيد: الثناءُ بصفاتِ الجلال، ووجهُ مطابقتِه لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: هو أنه مُضمَّنٌ بأنّ الله هو المتفرّدُ بالمُلكِ في ذلك اليوم، ولا دَعْوى لأحٍ فيه بالمُلكِ كما في الدنيا، وفي الاعترافِ من التعظيم والتفويضِ للأمرِ ما لا يخفى. وقال العلماءُ: المُرادُ بالصلاةِ في قوله: "قَسَمتُ الصلاة": الفاتحة؛ سُمِّيتْ بذلك لأنها لا تَصِحُّ إلا بها، كقولِه: "الحجُّ عَرَفة"، وفيه دليلٌ على وجوبها بعينها في الصلاة». وفحوى ما قال التُورِبِشْتي في هذا المقام: هو أنه قد عُرفَ المرادُ من لفظِ الصلاة، بما أردفَه من التفسير والتفصيل: أنها الفاتحة، وقالَ أيضًا: إنّ التصنيفَ مُنصرفٌ إلى آيات الثَّناء وآيات المسألة، نصفُها ثناءٌ ونصفُها دُعاء؛ فإذن ليستْ البسملةُ آيةً من الفاتحة.
[ ١٦ / ٦٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وقالَ الشَّيخ محيي الدِّينِ النّوويّ ﵀ عليه: «هذا قولٌ واضح، وأجابَ الأصحابُ بوجوه: أحدُها: أنّ التصنيفَ عائدٌ إلى جملةِ الصلاةِ لا إلى الفاتحة، هذا حقيقةُ اللفظ. والثاني: أنه عائدٌ إلى ما يختصُّ بالفتحةِ من الآياتِ الكاملة. والثالث: معناه: فإذا انتهى العبدُ إلى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾». وقال القاضي: «الحديثُ دَلَّ على فضلِ الفاتحةِ دون وُجوبِها، إلا أن يقال: [قَسَمتُ] الصلاةَ من حيثُ إنها عامةٌ شاملةٌ لأفرادِ الصلاةِ كلِّها، في معنى قولنا: كلُّ صلاةٍ مقسومةٌ على هذا الوجه، ويلزمُه أنّ كلَّ ما لا يكونُ مقسومًا على هذا الوجهِ لا يكونُ صلاة، والخاليةُ عن الفاتحةِ لا تكونُ مقسومةً على هذا الوجه، فلا تكونُ صلاة». هذا وإنّ الفاءَ في قولِ أبي هريرة ﵁: «فإني سمعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقول: وتقريرِ التثليثِ في الألفاظ النبوية تفسيرًا للتنصيف، يكشفان الغطاء؛ فلا مطمَع في على مغزى الكلامِ إلّا ببيانِ موقعِهما؛ أما الأول: فإنّ الفاءَ رَتّبت ما بعدَها على ما قبلَها، ترتيبَ الدليلِ على المدَّعي، لأنه ﵁ استشهدَ بالحديثِ الثاني لإثباتِ الكمالِ لمطلقِ الصلاة، ونفي النقصانِ عنه، لأن الحديثَ القُدسيَّ نصٌ إلهي في الدرجةِ الثانية، وإن كانَ من غيرِ واسطةٍ غالبًا، لأن المنظورَ فيه: المعنى، وفي التنزيل: اللفظُ والمعنى منظوران، كأنه قال: قَسَمتُ الَّصلاة الكاملةَ نصفين، فلا يَدلُّ على نَفيِ حقيقةِ الصلاةِ كما قال، وفيه أيضًا إيجابُ الصلاةِ على حقيقتِها، لأن الكلامَ السابقَ سيقَ لها أصالةً والثاني تابعٌ له، فيكون الفاءُ في قولِه: «فإذا قالَ العبد» للتعقيبِ والشروعِ في بيانِ كيفيةِ التقسيم، لا المقسومِ به كما ظنّ هذا الذي عَناه شارحُ
[ ١٦ / ٦٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الصحيح بقولِه: «فإذا انتهى العبدُ إلى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾»، وعلى هذا قياسُ سائرِ الأذكارِ فيها. وتخصيصُ الفاتحة: لتقدمِها وشرفِها وليُنبَّهَ على اشتمالِها على معاني الكتبِ السماوية، على أنّ مرجعَ الكلِّ إلى الدعوةِ إلى تَيْنِكَ الخُلّتين، أعني: العبادةَ والثناء، وإظهارَ الافتقارِ ونفيَ الحولِ والقوة إلا به. وبهذا ظهرَ سِرُّ قولِه صلواتُ الله عليه: "الدّعاءُ مخُّ العبادة"، ولا بُعْدَ أن نتَشبَّثَ بهذا على الوجوب. وتحريرُه: أنّ قولِه: "فهي خِداج" يَحتملُ مَعْنيينِ: نَفيَ الكمالِ كما سبق، ونَفيَ الحقيقة؛ من نَفي الجزء الذي يَنْتفي الكلُّ بانتفائه، رجّحنا الثاني بهذا الاعتبار؛ وذلك أنّ الصلاةَ عبارةٌ عن حركاتٍ مخصوصةٍ أذكارٍ مخصوصةٍ، فكما تَنتفي بإخلالِ معظمِ أذكارِها. وقد نَقرّر في علم البيان، أنّ إطلاقَ الجزءِ على الكلِّ مشروطٌ بكونِ ذلك الجزءِ أعظمه، كما مّثّل شارحُ الصّحيح بقولِه: "الحَجُّ عَرَفة"، وعليه قولُه ﷾: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، [يعني: صلاتَه]، والذي يَشدُّ من عَضُدِ هذا التقريرِ توكيدُ الخِداجِ بالتذكير، وتتميمُه بالتفسير، ولأنّ هذا المنهجَ أحوط، وإلى التحقيقِ أقرب، واللهُ أعلمُ بحقيقةِ الحال.
[ ١٦ / ٦٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأما الثاني: فعليه ما ذكره الخطّابي: هذا التقسيمُ راجعٌ إلى المعنى لا إلى الألفاظِ المتلوّة، لأنا نجدُ الشطرَ الآخِرَ يزيدُ على الشطرِ الأولِ من جهةِ الألفاظِ والحروفِ زيادةً بَيّنةً، فينصرفُ النصفُ إلى المعنى، لأن السورةَ من جهةِ المعنى نصفُها ثناءٌ ونصفُها دعاء، وقّسمُ الثناءِ ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وباقي الآيةِ من قسمِ المسألة، فلهذا قالَ في هذه الآية: " بيني وبين عبدي". تمّ كلامُه. وتحريرُ ذلك: أنه تعالى قسمَ السورةَ في هذا التقرير أثلاثًا، وقالَ في الثلثِ الأول: "حمدني" و"أثنى عليّ" و"مجَّدني"، فأضافها إلى نفسِه. وقال في الثلثِ الآخرِ: " هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل"، فَخصَّه بالعبد، وفي الوسط جَمع بينهما وقال: " هذا بيني وبينَ عبدي". ولأن يَربِطَ النصفَ الأول بالثاني، قَدّمَ فيه العبادةَ على الاستعانة، لأن الوسيلةَ مُقدَّمٌ على طلبِ الحاجة. وأيضًا إن العبادةَ متفرِّعةٌ على الثلثِ الأول، لأنّ استحقاقَ اختصاصِ العبادةِ به إنما كانَ لأجلِ تلك الأوصافِ الكاملة، وإنّ الاستعانةَ فُرِّعَ عليها الثلثُ الآتي وفُسِّرتْ به؛ فإنَّ التقدير: كيف أُعينُكم؟ فقالوا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ولاعتبارِ المعنى ولتَضمُّنِ الثلثِ الأول معنى البسملة، استُغنيَ عنها به، وكذلك ثَلّثَ الثلثَ الأول، وجعلَ الطرفين -أعني: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ - مؤسسينِ على الوسط- أعني: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - حيث اختصَّه بالثناءِ في قوله: "أثنى عليَّ عبدي"، مع أنّ الكلَّ ثناء.
[ ١٦ / ٦٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإنما قلنا مؤسَّسينِ على الوسط، لأنَ الرحمةَ الإلهية والعواطفَ الربانية، هي التي اقتضتْ إخراجَ الخلقِ من العدمِ إلى الوجود، للتزوّدِ للمَسيرِ إلى السَّعاداتِ الأبديّة، والمصيرِ إلى الكمالاتِ السَّرمديّة، وإلى هذا يُلْمحُ ما ورد: "رحمنَ الدنيا ورحيمَ الآخرة". فإن قلتَ: لِمَ قيّدَ الثّلثَ الثاني والثّالثَ بقولِه: "ولعبدي ما سأل"، وأوقعَه حالًا من "لعبدي"، وأطلق الأول؟ قلتُ: لتضمّنها الطّلبَ والسّؤال؛ أمّا في الأول: فمستفاد من السّين، وفي الثاني: من صيغةِ الأمر. وإنّما وُضع المظهرُ مَوضعَ المُضمرِ الرّاجعِ إلى ذي الجلال، وخُصَّ بالعبدِ وكُرِّر، ليُشعر بأنّ الصّلاةَ معراجُ المؤمن، ولهذا السّر وُصفَ الحبيبُ بالعبد ليلة المعراج، كما أَومأَ إليه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وظهرَ أيضًا أنّ المصلّى يناجي ربّه، وحُقّ لذلك أن تسمى الفاتحةُ بالصّلاة، وأنّ الصّلاةَ لا تَصحُّ إلّا بها. ولله درُّ الإمامِ حيثُ أوجبها فيها! اللهمّ يا موليَ النِّعم، ويا راحمَ الأُمم، ويا مُحييَ الرِّمَم، أنتَ المعبودُ وأنت المستعانُ بكرمك، ثَبِّتنا على صراطك، صراطِ الذين أنعمتَ عليهم من النبيينَ والصِّديقين والشُّهداء والصالحين، ووفِّقْنا على ما نُرافقُهم به في دارِ كرامتِك في جناتِ النعيم، وجَنِّبنا بشُمولِ رأفتِك عمّا نوافقُ به الزائغين، ممّا يَكلُمُ الدِّينَ ويُثلُمُ اليقين، آمين، ربَّ العالمين. ويا سامعَ الأصوات، ويا مجيبَ الدّعوات، ويا مُقيلَ العثرات، تَقبّلْ توبتي، وامحُ حِوبتي، وأقِلْ عَثْرتي فيما صدرَ مني مِمّا لا ترضاه، خصوصًا فيما تَصَدّيتً لإيراده في "فُتوحِ الغَيب"، وفيما تَوخّيتُ إبرازَه "في الكشفِ عن قناعِ الريب". وصَلِّ على حبيبِ الله، على من بدأ منه البدايات، وانتهى إليه النهايات، رَحْمةِ الله المهداةِ
[ ١٦ / ٦٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) للأُمم، سَلَفِها وخَلَفِها، النازلِ من آلِ إبراهيمَ ذُراها، وبَيتَ شَرَفِها. وعلى أله وعِتْرتِه وأزواجِه وذرِّيتِه، وعلى سائرِ المكرّمين بصُحبتِه، والمتبِعينَ لسُنتِه، الدارجينَ منهم واللاحقينَ لهم. وارحمْ أبويَّ اللذين قَوّمَا أَوَدي، وأَصْلحا عِوَجي، ودَعَواني إليك بكلِّ خير، وأَعاذاني بك من كلِّ شر. واجْزِ عَنّا أئمةَ الإسلام وأعلامَ الطريقةِ ومشايخي خيرًا، سيّما مَنْ علّمنا، وأدَّبنا، ونَصَحَنا فيك وهَدانا إليك. واخْلُفنا في أهالينا وذَرارينا، واسلكْ بنا وبهم صراطَك المستقيم، وأَرِهم سبيلَ المتقين، واجعَلْهم مِن عبادِك الصالحين، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.
[ ١٦ / ٦٦٤ ]