مكية وهي ثلاث وتسعون آية، وقيل أربع وتسعون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ* هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)].
(طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) قرئ بالتفخيم والإمالة، و(تِلْكَ) إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين: إما اللوح، وإبانته: أنه قد خط فيه كل ما هو كائن؛ فهو يبينه للناظرين فيه إبانة. وإما السورة.
وإما القرآن، وإبانتهما: أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع،
_________________
(١) ـ سورة النمل مكيةٌ، وهي ثلاثٌ وتسعون آيةً، وقيل: أربعٌ وتسعون آيةً بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (﴿طس﴾ قرئ بالتفخيم والإمالة)، أبو بكرٍ وحمزة والكسائي: بالإمالة، والباقون: بالتفخيم.
[ ١١ / ٤٥٠ ]
وأنّ إعجازهما ظاهر مكشوف، وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين: على سبيل التفخيم لها والتعظيم، لأنّ المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه. فإن قلت: لم نكر الكتاب المبين؟ قلت: ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له، كقوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: ٥٥].
فإن قلت: ما وجه عطفه على القرآن إذا أريد به القرآن؟ قلت: كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك: هذا فعل السخي والجواد الكريم، لأنّ القرآن هو المنزل المبارك المصدّق لما بين يديه، فكان حكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح،
_________________
(١) ـ قوله: (وأن إعجازهما ظاهرٌ مكشوفٌ)، قبل قوله: "أنههما يبينان" مبنيٌ على أن "أبان" بمعنى: أظهر. وقوله: "ظاهرٌ مكشوفٌ" على أنه بمعنى: بان وظهر. وقلت: إذن يلزم استعمال اللفظ الواحد في كلتا لغتيه: المتعدي واللازم، إلا أن يقال: إن الواو بمعنى "أو". والظاهر أن دلالة ﴿مُبِينٍ﴾ على الثاني بطريق اللزوم، فإن الشيء إذا كان مظهرًا الجميع العلوم الفائقة، ينبغي أن يكون ظاهرًا في الإعجاز، وعكسه سبق في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. قوله: (﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، أي: مليكٍ مبهمٍ أمره في الملك والاقتدار، فلا شيء إلا وهو تحت ملكه وتصرفه وقدرته، فيقال: أي: كتابٌ مبهمٌ أمره في كونه كتابًا، فلا شيء من أمر الدين ومكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، إلا وهو مشتملٌ عليه. قوله: (لأن القرن هو المنزل المبارك)، تعليلٌ لتنزيل لفظ ﴿الْقُرْآَنِ﴾ منزلة الوصف، ثم عطف ﴿وَكِتَابٍ﴾ عليه، لهذا قال: "كأنه قيل: تلك الآيات آيات المنزل المبارك، وآي كتابٍ"، ودلالة هذا الأسلوب على استقلال كل صفةٍ في تمييز الموصوف، وأنها إذا انفردت كفت بها مميزةً قد علم في موضعه، ولو حمله على باب التجريد كما في قولهم: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، كما ذكر في ﴿ص وَالْقُرْآَنِ﴾ [ص: ١] لجاز أيضًا.
[ ١١ / ٤٥١ ]
فكأنه قيل: تلك الآيات آيات المنزل المبارك؛ وآي كتاب مبين.
وقرأ ابن أبي عبلة: "وكتابٌ مبينٌ" بالرفع على تقدير: وآيات كتاب مبين، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين قوله: (الّر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وقُرْآنٍ مُّبِينٍ) [الحجر: ١]؟ قلت: لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدّم والتأخر، وذلك على ضربين:
_________________
(١) ـ والثاني: قوله في الحجر: "والمعنى: "تلك آيات الكتاب الكامل" في كونه كتابًا، وآي قرآنٍ مبينٍ" على الاستفهام، وهو م عنى التفخيم في التنكير. قوله: (بين هذا وبين قوله: ﴿آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، أي: مطلع سورة الحجر. قوله: (وذلك على ضربين)، يعني: التقديم يجيء لمعنيين: أحدهما: جارٍ مجرى التثنية فقط، فلا يتفاوت المعنى فيهما، سواءٌ قدم في موضع وأخر في آخر، كما في نحو: ﴿حِطَّةٌ﴾ في الآيتين في الآيتين [البقرة: ٥٨، والأعراف: ٦١]. وقولك: "رجلان جاءا" لا ترجيح لمجيء أحدهما على الآخر. هذا هو معنى التثنية. قال شارح "الهادي": الواو دلالتها على الجمع أقوى من دلالتها على العطف، فإنها قد تعدى عن العطف ولا تعرى عن معنى الجمع، وفي المختلفين بمنزلة التثنية، والجمع في المتفقين، وإذ لم يمكنهم التثنية في المختلفين فعدلوا إلى الواو. ثانيهما: ما فيه رعاية الرتبة، كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، فإن شهادة الله مقدمةٌ على شهادة الملائكة وأولي العلم، لأن شهادته كالأصل،
[ ١١ / ٤٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وشهادتهم كالتابع لشهادته. ومن ثم فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول به. قال القاضي: تأخير "كتاب" هاهنا باعتبار تعلق علمنا به، وتقديمه في الحجر باعتبار الوجود، أي: الخارجي. قال صاحب "الفرائد" الفخامة فيما نحن بصدده للكتاب، فإن كان المراد به: اللوح، فهي اللوح. وفي الحجر الفخامة للقرآن، فافترقا. وإن كان المراد من الكتاب القرآن في السورتين، فالفخامة للقرآن من حيث إنه كتابٌ هاهنا، وفي الحجر من حيث إنه قرآنٌ. وقلت: قد ذهب إلى أن التنكير في الموضعين هو الفارق، لأنه للتفخيم، وذهب عنه أن التعريف في القرآن للعهد، وأن المراد منه: "المنزل المبارك المصدق لما بين يديه" كما قال، فهو أشد فخامةً منه، لأنه من باب قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: هذا المنزل هو الذي اشتهر في الكائنات، وتعورف بين الأسود والأحمر، الموصوف بالكمالات التي لا نهاية لها. والمصنف اقتصر على معنى واحدٍ، وهو كونه مصدقًا لما بين يديه. ويمكن أن يقال: إن التنكير في ﴿كِتَابِ﴾ دل على تفخيمه، ووصفه بـ ﴿مُبِينٍ﴾ دل على أنه ظاهرٌ في نفسه في الإعجاز، مظهرٌ لغيره، فصحت الموازنة بينهما، ولهذا استشهد بقوله: "فعل السخي والجواد الكريم". ولم يفرق بين التقديم والتأخير هاهنا وفي الحجر، فإن مؤدى الصفتين إلى معنى واحدٍ. فإن قلت: فلم جعل التعريف في الحجر للجنس حيث قال: "تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابًا"، وهاهنا للعهد حيث قال: "المنزل المبارك المصدق لما بين يديه"؟ قلت: إذا رجع المعنيان إلى التعظيم والتفخيم فلا بأس بمثل هذا الاختلاف.
[ ١١ / ٤٥٣ ]
ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب، وضرب فيه ترجح، فالأول نحو قوله تعالى: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١]، (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا) [البقرة: ٥٨، الأعراف: ١٦١]، ومنه ما نحن بصدده. والثاني: نحو قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) [آل عمران: ١٨]، (هُدىً وَبُشْرى) في محل النصب أو الرفع، فالنصب على الحال، أي: هادية ومبشرة، والعامل فيها؛ ما في (تِلْكَ) من معنى الإشارة، والرفع على ثلاثة أوجه، على: هي هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات، وعلى أن يكون خبرا بعد خبر، أى: جمعت أنها آيات، وأنها هدى وبشرى.
والمعنى في كونها هدى للمؤمنين: أنها زائدة في هداهم. قال الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا) [التوبة: ١٢٤]. فإن قلت: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) كيف يتصل بما قبله؟ قلت: يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول، ويحتمل أن تتم الصلة عنده، ويكون جملة اعتراضية، كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات؛ من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: هم بالآخرة الموقنون، وهو الوجه. ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرّر فيها المبتدأ الذي هو (وهُمْ)
_________________
(١) ـ قوله: (وعلى البدل من الآيات)، قال الزجاج: تقديره: تلك هدًى وبشرى، وحسن أن يكون خبرًا بعد خبرٍ لـ ﴿تِلكَ﴾ على نحو: هو حلوٌ حامضٌ. وقد جمع الطعمين، فتجمع أنها آياتٌ، وأنها هاديةٌ مبشرة، وهو المراد من قوله: "جمعت أنها آياتٌ، وأنها هدًى"، أي: جمعت ﴿طس﴾ أن السورة آياتٌ، وأنها هدًى وبشرى. قوله: (أنها زائدٌ في هداهم)، قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يكون المعنى كما مر في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١]. قوله: (وكرر فيها المبتدأ الذي هو ﴿وَهُم﴾)، الانتصاف: تكرر من الزمخشري أن إيقاع الضمير مبتدأٌ يفيد الحصر، كقوله: ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١]، وعد الضمير من آلات الحصر ليس يثبت، وهاهنا الضمير مكررٌ، لأن الأصل: "وهم يوقنون بالآخرة"،
[ ١١ / ٤٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فقدم المجرور للعناية، فوقع فاصلًا بين المبتدأ والخبر، فأريد أن يلي المبتدأ خبره، وقد حال المجرور بينهما، فطوي ذكره، ولم يفت العناية بالمجرور حيث بقي مقدمًا. وقلت: هذا كلام من لم يشم رائحة علم البيان، فإنهم أجمعوا على أن مثل: "أنا عرفت" تحتمل التقوى والتخصيص، أما التقوى: فلتكرير الإسناد، وأما التخصيص: فلاعتبار تقدم الفاعل المعنوي على عامله، ولما تقدم ضمير ﴿هُمْ﴾ على ﴿يُوقِنُونَ﴾ وأكد بالتكرير، أفاد التخصيص والتوكيد، ولهذا قال: "ما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون". ولما كان جدوى الاعتراض تأكيد معنى المعترض فيه، ودل مفهوم قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ على أن من أيقن بالآخرة حق الإيقان لابد أن يخاف تبعاتها، ومن خاف تحمل المشاق والمتاعب، وكان بهذا الاعتبار مؤكدًا لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، فصح كونه معترضًا. روينا عن الترمذي، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غاليةٌ، ألا إن سلعة الله الجنة". ثم في قوله: "إلا هؤلاء الجامعون" إشارةٌ إلى أن الضمير الأول وضع موضع اسم الإشارة، وصار مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٣ - ٥]، وفائدته الإشعار بأن ما يرد عقيب اسم الإشارة المذكورون قبله أهلٌ لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، فالمعنى: هم أحقاء بأن يوقنوا بالآخرة، لأنهم
[ ١١ / ٤٥٥ ]
حتى صار معناها: وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأنّ خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق.
[(إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)].
فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في قوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) [النمل: ٢٤، العنكبوت: ٣٨]؟ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله ﷿ مجاز، وله طريقان في علم البيان. أحدهما: أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة. والثاني: أن
_________________
(١) ـ هم الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. هذا معنى قوله: "وهؤلاء الذين يوقنون ويعملون الصالحات، هم الموقنون بالآخرة". هذه المعاني من التخصيص والتوكيد والتعليل إنما يفيدها التركيب إذا جعل معترضًا لاستقلاله، وأما إذا أدخل في حيز الصلة بأن جعل حالًا أو عطفًا على ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [النمل: ٣] على التأويل، لم يحتج إلى هذه العبارة، فتفوت تلك الفوائد، ولهذا قال: "وهو الوجه، ويدل عليه أنه عقد جملةً ابتدائيةً" إلى آخره. يريد أنه لو أريد غير ذلك لقيل: "وهم بالآخرة يوقنون" على تقدير الحال، "وبالآخرة يوقنون" على تقدير العطف. قوله: (من المجاز الذي يسمى الاستعارة) وهي الاستعارة المصرحة التبعية، استعار زيَّن لـ (متَّع) بعد استعارة التزيين للتمتيع. وإليه الإشارة بقوله: (لما متعهم بطول العمر)، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. قال صاحب (الفرائد): قال أهل السنة: زينا لهم أعمالهم بما ركبنا فيهم من الشهوات
[ ١١ / ٤٥٦ ]
يكون من المجاز الحكمي، فالطريق الأوّل: أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم وإيثارهم الروح والترفه، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم:
_________________
(١) ـ والأماني، حتى رأوا ذلك حسنًا، وهو كالختم والطبع. وفيه إثبات خلق الله تعالى أفعال العباد. وقال صاحب "الانتصاف": قول الزمخشري مبنيٌ على قاعدة: "رعاية الأصلح"، ولو عكس فقال: "الإسناد إلى الله حقيقةً"، لكان أصوب، واختار ما رواه الحسن لموافقته، [وأنى لهم ذلك] وقد أتى الله بنيانهم من القواعد بما قد ورد التزيين غالبًا في الشر ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] وورد في الخير قليلًا، كقوله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] ويبعد الخير هنا إضافة الأعمال إليهم في قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، وهم لم يعملوا الخير أصلًا. وقلت: الذي يؤيد قول صاحب "الفرائد" أن وزان فاتحة هذه السورة إلى هاهنا وزان فاتحة البقرة، فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦]. وقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وقد سبق وجه دلالتها على مذهب أهل السنة هناك، وأن التركيب من باب تحقيق الخبر، وأن المعنى استمرارهم على الكفر، وأنهم بحيث لا يتوقع منهم الإيمان ساعةً فساعةً، أمارةٌ لرقم الشقاوة عليهم في الأزل، والختم على قلوبهم، وأنه تعالى زين لهم سوء عملهم، فهم
[ ١١ / ٤٥٧ ]
(وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) [الفرقان: ١٨] والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته حتى يزين لهم، ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن
_________________
(١) ـ لذلك في تيه الضلالة يترددون، وفي بيداء الكفر يعمهون. دل على هذا التأويل إيقاع لفظ المضارع في صلة الموصول، والماضي في خبر الموصول، وترتب ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ بالفاعلية، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء والجبروت، ومن باب تحقيق الخبر قول الشاعر: إن التي ضربت بيتًا مهاجرةً … بكوفة الجند غالت ودها غول يعني: هذا التبريز أمارةٌ لقطعها الحب وهجرانها، وأنه مما لا يشك فيه. وينصر هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود: عن عمران بن حصين قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: "نعم". قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كلٌ ميسرٌ لما خلق له". وعن الترمذي، عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أمرٌ مبتدعٌ أو مبتدأٌ، أو فيما فرغ منه؟ فقال: "فيما قد فرغ منه يا ابن الخطاب، وكلٌ ميسرٌ، أما من كان أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء". انظر أيها المتأمل إلى هذه الأسرار.
[ ١١ / ٤٥٨ ]
المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها: زينها لهم الله فعمهوا عنها وضلوا، ويعزى إلى الحسن. والعمه: التحير والتردّد، كما يكون حال الضال عن الطريق. وعن بعض الأعراب: أنه دخل السوق وما أبصرها قط، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد: متردّدين في أعمالهم وأشغالهم. (سُوءُ الْعَذابِ) القتل والأسر يوم بدر. و(الْأَخْسَرُونَ): أشدّ الناس خسرانا، لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم، فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله.
[(وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)].
(لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) لتؤتاه وتلقنه (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) مِنْ عند أىّ (حَكِيمٍ) وأىّ (عَلِيمٍ) وهذا معنى مجيئهما نكرتين. وهذه الآية بساط وتمهيد، لما يريد أن يسوق بعدها
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هي أعمال الخير)، هذا جوابٌ آخر عن السؤال مبنيٌ على المنع من أن إسناد هذا التزيين محظورٌ، و"هي" أي: الضمير راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. قوله: (وتلقنه)، عن بعضهم: هو كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، أي: تلقن. ومعنى يلقنه الكلمات: أن الله تعالى ألهمه التنصل لهفوته. قوله: (وهذه الآية بساطٌ وتمهيدٌ)، أي: مجملٌ لما يأتي بعدها من التفصيل، وإن المفصل متضمنٌ للطائف حكمته ودقائق علمه. ومن لطائف حكمته اقتصاص ما مضى من الأمم السالفة، لنثبت بها نفسك، ونسليك مما يلحقك من المكاره ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وأكمل القصص وأتمها قصة موسى ﵇.
[ ١١ / ٤٥٩ ]
من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه.
[(إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)].
(إِذْ) منصوب بمضمر، وهو: اذكر، كأنه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى. ويجوز أن ينتصب بعليم. وروي أنه لم يكن مع موسى ﵇ غير امرأته، وقد كنى الله عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع، وهو قوله: (امْكُثُوا).
الشهاب: الشعلة. والقبس: النار المقبوسة، وأضاف الشهاب إلى القبس؛ لأنه يكون قبسا، وغير قبس
_________________
(١) ـ وفيه أيضًا نوعٌ من التخلص والانتقال إلى نوعٍ آخر من الإعجاز، وهو الإخبار عن المغيبات، ومن مدح الكتاب إلى قصص الأنبياء. قوله: (وهو قوله: ﴿امْكُثُوا﴾، ليس في هذه الآية، وإنما هي في طه والقصص، فورود الخطاب بالجمع وإطلاق الأهل على امرأته تعظيمٌ لشأنها، ونحوه قوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، والمراد بهما موسى وهارون رفعًا لمنزلتهما. قوله: (وأضاف الشهاب إلى القبس، لأنه يكون قبسًا وغير قبسٍ)، قال مكيٌّ: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ من إضافة النوع إلى جنسه، نحو: ثوب خزٍّ. وقال الفراء: وهو إضافة الشيء إلى نفسه، كصلاة الأولى، وليس مثله، لأن صلاة
[ ١١ / ٤٦٠ ]
ومن قرأ بالتنوين: جعل القبس بدلا، أو صفة لما فيه من معنى القبس. والخبر: ما يخبر به عن حال الطريق، لأنه كان قد ضله. فإن قلت: سآتيكم منها بخبر، ولعلي آتيكم منها بخبر: كالمتدافعين: لأنّ أحدهما ترجّ والآخر تيقن. قلت: قد يقول الراجي
_________________
(١) ـ الأولى إنما هي في الأصل موصوفٌ وصفة، فأضيف الموصوف إلى صفته، وأصلها: الصلاة الأولى. ومن نون جعل قبسًا بدلًا منه: وقيل: هي صفةٌ له. والشهاب: كل ذي نورٍ. والقبس: كل ما يقتبس من جمرٍ ونحوه. الراغب: القبس: المتناول من الشعلة. قال تعالى: ﴿أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾. والقبس والاقتباس: طلب ذلك، ثم يستعار لطلب العلم والهداية. قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وأقتبسه نارًا أو علمًا: أعطيته. والقبيس: فحلٌ سريع الإلقاح، تشبيهًا بالنار في السرعة. وعنه: الشهاب: الشعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن العارض في الجو. قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. والشهبة: بياضٌ مختلطٌ بالسواد، تشبيهًا بالشهاب المختلط بالدخان. ومنه: كتيبةٌ شهباء، اعتبارًا بسواد القوم وبياض الحديد. وعنه: الشهاب: الشعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن العارض في الجو. قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. والشهبة: بياضٌ مختلطٌ بالسواد، تشبيهًا بالشهاب المختلط بالدخان. ومنه: كتيبةٌ شهباء، اعتبارًا بسواد القوم وبياض الحديد. قوله: (ومن قرأ بالتنوين)، عاصمٌ وحمزة والكسائي.
[ ١١ / ٤٦١ ]
إذا قوي رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. فإن قلت: كيف جاء بسين التسويف؟ قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة. فإن قلت: فلم جاء بأو دون الواو؟ قلت: بني الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما: إمّا هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله؛ أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعا؟ وهما العزّان: عز الدنيا، وعز الآخرة.
[(فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)].
(أَنْ) هي المفسرة؛ لأنّ النداء فيه معنى القول. والمعنى: قيل له بورك. فإن قلت: هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره: نودي بأنه بورك. والضمير ضمير الشأن؟ قلت: لا، لأنه لا بدّ من (قَدْ). فإن قلت: فعلى إضمارها؟ قلت: لا يصح،
_________________
(١) ـ قوله: (وما أدراه)، "ما" استفهاميةٌ متضمنةٌ للإنكار، وهو مبتدأ، و"أراه" الخبر، وضمير الفاعل راجعٌ إلى "ما"، أي: أي شيءٍ أعلمه حين قال: ﴿أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ "أنه ظافرٌ بحاجتيه الكليتين"؟ انظر أيها المتأمل إلى العناية الأبدية، فإنه ﵇ طلب الدلالة على الطريق والنار لحاجة الأهل، ففاز بعز الدارين! قوله: (لا يصح)، أي: لا يصح أن تكون مخففةً من الثقيلة، و"قد" مضمرة. قال في "المفصل": والمفتوحة يعوض عما ذهب منها أحد الأحرف الأربعة: حرف النفي، وقد، وسوف، والسين، نحو: علمت أن لا يخرج زيد، وأن قد خرج، وأن سوف يخرج، وأن سيخرج. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لجواز ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ﴾ [النساء: ٩٠] بإضمار "قد"، و﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]، ويمكن تعسف فرقٍ.
[ ١١ / ٤٦٢ ]
لأنها علامة لا تحذف. ومعنى (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها): بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها. ومكانها: البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: (نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ) [القصص: ٣٠] وتدل عليه قراءة أبي: "تباركت الأرض ومن حولها". وعنه: "بوركت النار"، والذي بوركت له البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها: وهو: تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه، وربّ خير يتجدّد في بعض البقاع،
_________________
(١) ـ وقال أبو البقاء: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ هي مخففةٌ من الثقيلة، وجاز ذلك من غير عوض، لأن ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ دعاء، والدعاء مخالفٌ غيره في أحكامٍ كثيرة. وقال صاحب "الكشف": التقدير: أنه بورك، ولم يأت بعوضٍ، كما في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] وقوله: ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨]، لأنه دعاء. قوله: (ويدل عليه قراءة أبي)، أي: تدل على أن معنى ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٨] بورك من في مكان النار، إظهار الأرض في هذه القراءة، فإن هذه القراءة الشاذة ليست في الدلالة أقل من تفسير مفسر. قال ابن جني: تبارك: تفاعل من البركة، وهو توكيدٌ لمعناه، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من: علا كما أن "اعشوشب" أبلغ من: أعشب، وذلك لكثرة الحروف. وعن بعضهم: وإسناد التبارك إلى الأرض كإسناد التعالي إلى الضوء في قول المعري: نشأن كضوء البارق المتعالي … ببغداد وهنا ما لهن ومالي؟
[ ١١ / ٤٦٣ ]
فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها، ويبث آثار يمنه في أباعدها، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة.
وقيل: المراد بالمبارك فيهم: موسى والملائكة الحاضرون. والظاهر أنه عامّ في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وحواليهما من أرض الشام، ولقد جعل الله أرض الشام بالبركات موسومة في قوله: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: ٧١]؛ وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم، ومهبط الوحي إليهم، وكفاتهم أحياء وأمواتا
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة)، الضمير في "فيهم" راجعٌ إلى اللام. وقيل: عطف على قوله: "بورك من في مكان النار ومن حول مكانها"، فذكر في المعطوف عليه أن ذلك المكان أي مكانٍ هو، والذي بوركت به البقعة ما هو، وهو حدوث أمرٍ ديني، ثم بين في المعطوف أن المراد بالذي بورك فيه من هو، وهو إما موسى والملائكة وما أعم منه. وعن بعضهم: البقعة من الأبقع، كالحمرة من الأحمر، وهي قطعةٌ فيها سوادٌ وبياضٌ، من الغراب الأبقع، والبقعان جمع أبقع، كالحمران جمع أحمر، ثم قيل لقطعةٍ من الأرض: بقعة، ومنه قولهم: إن للبقاع دولًا. وهذا من التعميم بعد التخصيص. قوله: (وكفاتهم أحياءً وأمواتًا)، قال: الكفات من: كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفت، كقولهم: الضمام والجماع لما يضم ويجمع، كأنه قيل: كافتًا أحياءً وأمواتًا، والمعنى: يكفت أحياءً على ظهرها وأمواتًا في بطنها. الراغب: الكفت: القبض والجمع. قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، أي: تجمع الناس أحياءهم وأمواتهم. وقيل: معناه: تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوانات والنبات، والأموات التي هي الجمادات من التراب والماء
[ ١١ / ٤٦٤ ]
فإن قلت: فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه؟ قلت: هي بشارة له بأنه قد قضى أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشام كلها البركة. (وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تعجيب لموسى ﵇ من ذلك، وإيذان بأنّ ذلك الأمر مريده ومكوّنه رب العالمين، تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون.
_________________
(١) ـ وغير ذلك. والكفات قيل: هو الطيران السريع، وحقيقته: قبض الجناح للطيران، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]، فالقبض هنا كالكفات هناك، والكفت: السوق الشديد، واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه، كقولهم: قبض الراعي الإبل، وراعٍ قبضةٌ. وكفت الله فلانًا إلى نفسه، كقولهم: قبضه. وفي الحديث: "اكفتوا صبيانكم بالليل". قوله: (فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك؟)، جاء بالفاء في السؤال، لأن السؤال واردٌ على قوله: "والظاهر أنه عامٌ في كل من كان في حوالي أرض الشام" يعني: إذا أريد بمن بورك من في النار: العموم، فما معنى ابتداء الخطاب لموسى ﵇، لأنه وغيره سواءٌ في ذلك. وأجاب بأنه بشارةٌ لموسى ﵇ بتجديد بركةٍ أخرى إلى تلك البركات، وبواسطته تنتشر تلك البركة في تلك الأراضي، وتتصل إلى ساكنها. قوله: (﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تعجيبٌ لموسى)، يعني: في ذكر موسى: "سبحان الله"، في هذا المقام فائدتان: إحداهما: تعجيبٌ لموسى من ذلك الأمر العظيم، وهو إحداث أمرٍ دينيٍّ من تكليمه واستنبائه. وثانيهما: إعلامٌ له بأن مريد ذلك الأمر هو رب السماوات والأرض وما بينهما، فأعظم بأمرٍ مريده من هو رب العالمين! وإليه الإشارة بقوله: "تنبيهًا على أن الكائن من
[ ١١ / ٤٦٥ ]
[(يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)].
الهاء في (إِنَّهُ) يجوز أن يكون ضمير الشأن. والشأن (أَنَا اللَّهُ) مبتدأ وخبر. و(الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) صفتان للخبر. وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله، يعني: أنّ مكلمك أنا، و(اللهُ) بيان لأنا. و(الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): صفتان للمبين، وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة، يريد: أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام؛ كقلب العصا حية، الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير.
[(وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَلْقِ عَصاكَ)؟ قلت: على بورك، لأن المعنى: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك: كلاهما تفسير لنؤدي. والمعنى: قيل له:
_________________
(١) ـ جلائل الأمور"، نحوه قول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتًا دعائمه أعز وأطول والحاصل أن قوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كالتذييل والتأكيد لما تضمن قوله: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من المعاني التي أشير إليها فيما سبق. قوله: (وهذا تمهيدٌ لما أراد أن يظهره)، اعلم أنه تعالى كما جعل ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تذييلاُ للكلام السابق تنبيهًا على جلالة الأمر الحادث، جعل قوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تمهيدًا للكلام اللاحق تنبيهًا على فخامته، وأن مظهره الله العزيز الحكيم. وإليه الإشارة بقوله: "أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام".
[ ١١ / ٤٦٦ ]
"بورك من في النار"، وقيل له: (أَلْقِ عَصَاكَ). والدليل على ذلك قوله عز من قائل: (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ) [القصص: ٣١] بعد قوله: (أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ) [القصص: ٣٠] على تكرير حرف التفسير، كما تقول: كتبت إليك أن حج وأن اعتمر، وإن شئت أن حج واعتمر.
وقرأ الحسن: (جأنّ) على لغة من يجدّ في الهرب من التقاء الساكنين، فيقول: شأبّة ودأبّة. ومنها قراءة عمرو بن عبيد: (وَلا الضَّالِّينَ).
(وَلَمْ يُعَقِّبْ): لم يرجع، يقال: عقب المقاتل، إذا كرّ بعد الفرار. قال:
فما عقّبوا إذ قيل: هل من معقّب؟ … ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا
وإنما رعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه: (إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)
_________________
(١) ـ قوله: (والدليل على ذلك)، أي: على أنه معطوفٌ على قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ مجيئه في القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص: ٣٠ - ٣١] وإن كرر فيه حرف التفسير. قوله: (فما عقبوا إذ قيل) البيت، يوم الكريهة: يوم الحروب. يصف فرار قومٍ من المحاربة بحيث لا يرجعون بعده، ولا ينزلون منزلًا من الخوف. قوله: (رعب)، رعب الرجل: ملئ خوفًا. رعب السيل الوادي: ملأه. وامرأةٌ رعبوبةٌ: ملئت شحمًا ولحمًا. قوله: (لأمرٍ أريد به)، يعني: إنما ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، لخوفٍ عظيمٍ واستشعارٍ ظن أن في قلب العصا حيةً أمرًا أريد به هلاكه.
[ ١١ / ٤٦٧ ]
و(إِلَّا) بمعنى (لكنّ)؛ لأنه لما أطلق نفي الخوف عن الرسل، كان ذلك مظنة لطروّ الشبهة،
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿إِلَّا﴾ بمعنى "لكن")، يريد أن الاستثناء منقطع، و﴿مَن﴾ منصوب المحل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آَلَ لُوطٍ﴾ استثناءٌ منقطع، لأن القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان، وهاهنا بالعكس، لأن المستدرك جنسٌ غير المعصومين استدرك من المعصومين، وإليه الإشارة بقوله: "ولكن من ظلم منهم، كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى" ﵈، وأما فرطة آدم وإخوة يوسف وموسى فظاهرةٌ، وأما فرطة يونس فما دل عليها: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]، وفرطة داود ما يشعر به قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] وفرطة سليمان قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤]. الكواشي: المعنى على الانقطاع، أي: من أمنته من عذابي لا ينبغي أن يخاف من حية. قوله: (لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنةً لطرو الشبهة)، هذا إشارةٌ إلى الخلاف بين الناس في جواز الذنب على الأنبياء أو عدمه. قال الإمام: فيه خمسة أقوال: أولها: قول الحشوية، فإنهم يقولون بجواز صدور الكبائر عنهم عمدًا. وثانيًا: المعتزلة، فإنهم لا يجوزون عليهم الكبائر، ويجوزون الصغائر إلا ما ينفر، كالكذب والتطفيف، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: "مما يجوز على الأنبياء". وثالثها: الجبائي أنه قال: لا تجوز الصغيرة ولا الكبيرة على جهة العمد، بل على التأويل. ورابعها: لا يقع منهم ذنبٌ قط، وأنهم معصومون من وقت مولدهم. وهذا قول الرافضة.
[ ١١ / ٤٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ثم قال الإمام: والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم ذنبٌ حال النبوة لا الصغيرة ولا الكبيرة. وفي تضاعيف كلامه إشعارٌ بأن ترك الأولى منهم كالصغيرة منا، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وإذا علم هذا فقول المصنف: "لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنةً لطرو الشبهة" معناه: لطرو شبهة من ينفي عنهم الكبائر والصغائر، وأن ليس لهم خوفٌ البتة، لا من جهة الصغائر، ولا من جهة الكبائر، فاستدرك بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ هذا الظن، وأثبت أن منهم من "فرطت منه صغيرةٌ مما يجوز على الأنبياء، كالذي فرط من آدم … " إلى آخره. وقلت: وجه التأويل على رأينا ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قبل النبوة، ثم بدل بعدها حسنًا. يؤيده لفظة: ﴿ثٌمَّ﴾، فإنها للتراخي. وقال صاحب "المطلع": والمعنى: ولكن من ظلم من العباد ثم تاب، فإني أغفر له. وعلى هذا لا يخاف الأنبياء، وهو اختيار الزجاج. تم كلام "المطلع". ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، وموضع ﴿مَن﴾ رفعٌ على البدل من الفاعل، كما قال أبو البقاء. والمعنى: إني لا يخاف لدى المرسلون، إلا الذي فرط منه ما غفر له ثم ترحم عليه، فإنه يخاف، وقد علم وتحقق أن المغفور له والمرحوم عليه لا يخاف الله من الذنب الذي غفر له البتة، فإذن لا يخاف منهم من أحدٍ على البت والقطع. والمقام يقتضي هذا المعنى، لأن مقام تلقي الرسالة وابتداء المكالمة مع الكليم يوجب إزالة الخوف بالكلية، لاسيما الخوف من قبيل ما يعتري البشرية من توهم مكروهٍ نفساني.
[ ١١ / ٤٦٩ ]
فاستدرك ذلك. والمعنى: ولكن من ظلم منهم أي: فرطت منه صغيرة مما يجوز على الأنبياء، كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى بوكزة القبطي، ويوشك أن يقصد بهذا التعريض بما وجد من موسى، وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها. وسماه ظلما، كما قال موسى: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) [القصص: ١٦]، والحسن والسوء: حسن التوبة، وقبح الذنب.
وقرئ: "ألا من ظلم"، بحرف التنبيه. وعن أبي عمرو في رواية عصمة: "حسنا".
[(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ)].
_________________
(١) ـ وروى الإمام عن بعضهم: إني إذا أمرت المرسلين بإظهار معجز، فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك، وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة. قوله: (وسماه ظلمًا، كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦]، لما سمى موسى ﵇ فعله ظلمًا قابله تعالى بالمشاكلة. قوله: (وقرئ: "ألا من ظلم" بحرف التنبيه)، قال ابن جني: وهي قراءة زيد بن أسلم وأبي جعفرٍ القارئ. ومن مرفوعة بالابتداء، وخبره: ظلم، كقولك: من يقم أضرب زيدًا. فـ "يقم" خبر "من" حيث كان شرطًا، كأنه قال: هذا حقٌ. وعليه معنى انقطاع الاستثناء في القراءة الفاشية. المعنى: لا يخاف لدى المرسلون، لكن من ظلم كان كذا.
[ ١١ / ٤٧٠ ]
و(تِسْعِ آياتٍ) كلام مستأنف، وحرف الجرّ فيه يتعلق بمحذوف. والمعنى: اذهب في تسع آيات إِلى فِرْعَوْنَ ونحوه:
فقلت: إلى الطّعام، فقال منهم … فريق: نحسد الإنس الطّعاما
ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك، وأدخل يدك: في تسع آيات، أي: في جملة تسع آيات وعدادهنّ. ولقائل أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة: ثنتان منها اليد
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: اذهب في تسع آياتٍ)، أي: اذهب إلى فرعون في شأن تسع آياتٍ بأن تتحدى بهن، وتظهر بها نبوتك، وتلزم عليه حجة الله. قوله: (وأدخل يدك، في تسع آياتٍ)، فعلى هذا هو حالٌ من المفعول، وهو يدك، أي: أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء مسفرةً في تسع آياتٍ معدودةٍ في جملتهن. قال أبو البقاء: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حالٌ، و﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ حالٌ أخرى، و﴿فِي تِسْعِ آَيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] حالٌ ثالثة، والتقدير: آيةٌ في تسع آياتٍ، و﴿إِلَى﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ، أي: مرسلًا إلى فرعون. ويجوز أن تكون صفةً لـ ﴿تِسْعِ﴾ أو لـ ﴿آَيَاتٍ﴾، أي: واصلةٍ إلى فرعون. قوله: (ولقائلٍ أن يقول: كانت الآيات إحدى عشرة)، عن بعضهم: كأنه يقول: ليس بلازمٍ أن يقال: هذا داخلٌ فيها. قال صاحب "التقريب": ولعل الطمسة والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم يرجع إلى واحد. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: الجراد والقمل واحدةٌ، والجدب والنقصان واحدةٌ، لأنهما متقاربان.
[ ١١ / ٤٧١ ]
والعصا، والتسع: الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم.
[(فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ)].
المبصرة: الظاهرة البينة. جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمّليها، لأنهم لابسوها وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها. ويجوز أن يراد بحقيقة الإبصار: كل ناظر فيها من كافة أولى العقل، وأن يراد إبصار فرعون وملئه، كقوله: (وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) [النمل: ١٤] أو جعلت كأنها تبصر فتهدي، لأنّ العمي لا تقدر على الاهتداء،
_________________
(١) ـ وقال القاضي: ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحدًا، ولا يعد الفلق، لأنه لم يبعث به إلى فرعون. قوله: (وكانوا بسببٍ منها)، قيل: كل ما يكون وصلةً بين شيئين يسمى سببًا، تشبيهًا بالسبب الذي هو الحبل. و"من"- في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ - اتصالية، يعني: لما كان المتأملون ملابسين متصلين من الآيات بسبب نظرهم وتفكرهم فيها، جعلت الآيات مبصرةً. وهذا الوجه من الإسناد المجازي، أسند الإبصار إلى الآيات، وهو في الحقيقة لذوي البصائر، وهم إما كل أحدٍ، أو فرعون وملأه بقرينة: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾. قوله: (أو جعلت كأنها تبصر فتهدي)، وعلى هذا الوجه هو استعارةٌ مكنيةٌ، شبهت الآيات في جلائها في نفسها وأنها بحيث يهتدي بها الناس، كأنها الشخص تبصر بنفسها فتهدي الناس، والهادي لتهدي غيرها، فإن العمى لا تقدر على الاهتداء، فضلًا أن تهدي غيرها.
[ ١١ / ٤٧٢ ]
فضلا أن تهدي غيرها. ومنه قولهم: كلمة عيناء، وكلمة عوراء، لأن الكلمة الحسنة ترشد، والسيئة تغوي. ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) [الإسراء: ١٠٢] فوصفها بالبصارة، كما وصفها بالإبصار. وقرأ علىّ بن الحسين ﵄ وقتادة: (مبصرة)، وهي نحو: مجبنة ومبخلة ومجفرة، أي: مكانا يكثر فيه التبصر.
_________________
(١) ـ قال القاضي: ﴿مُبْصِرَةً﴾ مبينةً: اسم فاعل، أطلق للمفعول، وإشعارًا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي، والعمى لا تهتدي فضلًا عن أن تهدي، أو: مبصرةً كل من نظر إليها وتأمل فيها. قوله: (وكلمةٌ عوراء) أي: سقطةٌ لا اعتداد فيها. قال حاتم: وأغفر عوراء الكريم ادخاره … وأعرض عن شتم اللئيم تكرما قوله: (ومجفرة)، النهاية: "صوموا ووفروا أشعاركم، فإنها مجفرة"، أي: مقطعةٌ للنكاح ونقصٌ للماء. ومنه حديث علي ﵁: أنه رأى رجلًا في الشمس، فقال: قم عنها فإنها مجفرة. أي: تذهب شهوة النكاح. يقال: جفر الفحل يجفر جفورًا: إذا انقطع عن الضراب وعدل عنه وتركه وانقطع. وقال ابن جني: وقد كثرت المفعلة بمعنى الشياع والكثرة في الجواهر والأحداث جميعًا، نحو: أرضٌ مضبةٌ: كثيرة لاضباب ومثعلةٌ كثيرة الثعالي، ومحيأة كثيرة الحيات، وفي الأحداث نحو البطنة موسنةٌ، وأكل الرطب موردةٌ.
[ ١١ / ٤٧٣ ]
[(وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)].
الواو في (وَاسْتَيْقَنَتْها) واو الحال، و"قد" بعدها مضمرة، والعلو: الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى، كقوله تعالى: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ) [المؤمنون: ٤٦]، (فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) [المؤمنون: ٤٧] وقرئ: (عُلِيّا و(عِلِيّا) بالضم والكسر، كما قرئ (عِتِيًّا) و(عُتِيًّا) [مريم: ٨]. وفائدة ذكر الأنفس: أنهم جحدوها بألسنتهم، واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم. والاستيقان أبلغ من
_________________
(١) ـ قوله: (كما قرئ: ﴿عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، الجوهري: يقال: عتوت تعتو عتوًا وعتيًا وعتيًا. الأصل عتوٌ، ثم أبدلوا إحدى الضمتين كسرةً، فانقلبت الواو ياءً، فقالوا: عتيًا، ثم أتبعوا الكسرة الكسرة، فقالوا: عتيًا ليؤكدوا البدل. قوله: (جحدوا بألسنتهم)، الراغب: الجحد: نفي ما في القلب ثباته، وإثبات ما في القلب نفيه. يقال: جحد جحودًا وجحدًا ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وتجحد: تخصص بفعل ذلك، يقال: رجلٌ جحدٌ: شحيحٌ قليل الخير يظهر الفقر، وأرضٌ جحدٌ: قليل النبت. يقال: جحدًا ونكدًا. وقال أيضًا: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: علم يقين، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو: سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: أيقن واستيقن. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، أي: ما قتلوه قتلًا تيقنوه، بل إنما حكموا به تخمينًا ووهمًا.
[ ١١ / ٤٧٤ ]
الإيقان، وقد قوبل بين "المبصرة" و"المبين"، وأى ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله، ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه.
[(وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)].
(عِلْمًا) طائفة من العلم، أو علما سنيا غزيرا. فإن قلت: أليس هذا موضع الفاء دون الواو، كقولك: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟ قلت: بلى، ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم،
_________________
(١) ـ قوله: (وقد قوبل بين "المبصرة" و"المبين")، لم يرد أنه من باب المقابلة التي هي الجمع بين المتضادين، بل أراد أنه كما وصف ﴿آَيَاتُنَا﴾ بقوله: ﴿مُبْصِرَةً﴾، قوبل وصف السحر بالمبين دومًا للتطابق بين الفظين. ويجوز أن يعتبر معنى التضاد من كونهما وصفين للمتضادين: الآيات والسحر، فيفيد بلوغ كلٍّ من الحق والباطل غايته. قوله: (طائفةً من العلم أو علمًا سنيًا)، الانتصاف: والظاهر أن التنكير في ﴿عِلْمًا﴾ للتعظيم، لأنه في سياق الامتنان. قوله: (ولكن عطفه بالواو إشعارٌ بأن ما قالاه) بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم)، يعني: أن إيتاء العلم من جلائل النعم وفواضل المنح، يستدعي إحداث الشكر أكثر مما ذكر، فجيء بالواو لأنها تستدعي معطوفًا عليه مضمرًا، فيقدر بحسب ما يقتضيه موجب الشكر من قوله: "فعملا به وعلماه"، لأنهما من الشكر بالجوارح، "وعرفا حق النعمةٍ فيه والفضيلة"، فإنه من الشكر بالقلب، ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فإنه من الشكر اللساني، فيستوعب جميع أنواع الشكر، ويوازي قول الشاعر:
[ ١١ / ٤٧٥ ]
وشيء من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، (وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا). والكثير المفضل عليه: من لم يؤت علما. أو من لم يؤت مثل علمهما. وفيه: أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير.
وفي الآية دليل على شرف العلم، وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم. وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من عباد الله، كما قال: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) [المجادلة: ١١]،
_________________
(١) ـ أفادتكم النعماء مني ثلاثًة … يدي ولساني والضمير المحجبا ولو نص بالفاء لاقتصر على المذكور وفات المقصود. وبهذا التقرير ظهر أن ما ذهب إليه المصنف قمينٌ أن يتبع ويؤثر على ما اختاره صاحب "المفتاح" حيث قال: ويحتمل عندي أنه أخبر تعالى عما صنع بهما، وأخبر عما قالا، فكأنه قال: نحن فعلنا إيتاء العلم، وهما فعلا الحمد تفويضًا لاستفادة ترتب الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع، لأن الشكر على هذا يختص بالقول وحده والنعمة خطيرةٌ. قوله: (وشيءٌ من مواجبه)، قيل: المواجب: جمع موجب، بضم الميم وفتح الجيم، و"ذلك" إشارةٌ إلى ما دل عليه قوله: "بعض" و"شيء"، وهو البعض الآخر والشيء الآخر الذي لم يذكر. قوله: (دليلٌ على شرف العلم وإنافة محله)، قال القاضي: لأنهما شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا دونه مما أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما.
[ ١١ / ٤٧٦ ]
وما سماهم رسول الله ﷺ "ورثة الأنبياء" إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوّام بما بعثوا من أجله.
وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة لوازم، منها: أن يحمدوا الله على ما أوتوه من فضلهم على غيرهم. وفيها التذكير بالتواضع، وأن يعتقد العالم أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. وما أحسن قول عمر:
_________________
(١) ـ قوله: (وما سماهم رسول الله - ﷺ - ورثة الأنبياء)، روينا عن أبي داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء، لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافرٍ". قوله: (لأنهم القوام)، والقوام: الآمر عليهم، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: أمراء عليهن، أي: لا يجري القصاص بالضرب بين الزوجين. قوله: (وأن يعتقد العالم أنه وإن فضل على كثيرٍ فقد فضل عليه مثلهم)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، إذ يدل بالمفهوم على أنهما لم يفضلا على القليل، فأما أن يفضل القليل عليهما أو يساوياه فلا. قلت: ولعله أشعر بأن المصنف رمز إلى أن المفضل عليهما الملائكة، كما قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ … وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. وأما الفرق بين المقامين فهو أن مقام المدح خلاف مقام الشكر والتواضع، وذلك أنه تعالى في ذلك المقام لما ذكر كرامة أبيهم من جعله مسجودًا للملائكة المقربين، وما منحوا من نعمة الدارين، عقبه بذكر كرامتهم وفضلهم على كثيرٍ من المخلوقين، أي: جمعهم كما
[ ١١ / ٤٧٧ ]
"كل الناس أفقه من عمر".
[(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)].
ورث منه النبوّة والملك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر، وكان داوود أكثر تعبدا، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله (وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ)؛ تشهيرا لنعمة الله، وتنويها بها، واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور.
والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، المفيد وغير المفيد. وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بإصلاح المنطق، وما أصلح فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب: "نطقت الحمامة، وكل صنف من الطير يتفاهم أصواته"، والذي علمه سليمان من منطق الطير: هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه.
_________________
(١) ـ سبق، وهاهنا، ذكر ما يجب عليهما من الشكر على كرامة الله إياهما وفضله، ومقام التواضع فيه توسعة، كما قال صلوات الله عليه: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى"، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: (كل الناس أفقه من عمر)، قاله حين خطب فقال: يا أيها الناس، لا تغالوا بصدق النساء، فقامت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، لم تمنعنا حقًا جعله الله لنا، والله يقول: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]؟ ! فقال عمر: كل أحدٍ أعلم من عمر. أورده المصنف في "النساء". قوله: (هو ما يفهم بعضه من بعضٍ، من معانيه وأغراضه)، قال القاضي: والنطق
[ ١١ / ٤٧٨ ]
ويحكى أنه مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: "أتدرون ما يقول"؟ قالوا: "الله ونبيه أعلم". قال: "يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء". وصاحت فاختة، فأخبر أنها تقول: "ليت ذا الخلق لم يخلقوا". وصاح طاوس، فقال: "يقول: كما تدين تدان". وصاح هدهد، فقال: "يقول: استغفروا الله
_________________
(١) ـ والمنطق في المتعارف: كل لفظٍ يعبر به عما في الضمير، مفردًا كان أو مركبًا، وقد يطلق على كل ما يصوت به على التشبيه أو التبع، كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية- من حيث إنها تابعةٌ- منزلةٌ منزلة العبارات، سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض، بحيث يفهمها ما هو من جنسه، ولعل سليمان ﵇ مهما صوت حيوانٌ علم بقوته الحدسية المخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه، ومن ذلك ما يحكى أنه مر بلبلٌ، إلى آخره. الراغب: النطق في التعارف: الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان، قال تعالى: ﴿أَلَا تَاكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩١، ٩٢]، ولا يكاد يقال إلا للإنسان، ولا يقال لغيره إلى على سبيل التبع، نحو: النطق والصامت، فيراد بالناطق: ما له صوتٌ، وبالصامت: ما لا صوت له، وقوله: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾: سمى أصوات الطير نطقًا اعتبارًا بسليمان ﵇ الذي كان يفهمه، فمن فهم من شيءٍ معنى، فذلك الشيء بالإضافة إليه ناطقٌ وإن كان صامتًا، وبالإضافة إلى من لم يفهم عنه صامتٌ وإن كان ناطقًا. وقيل: حقيقة النطق اللفظ الذي هو كالنطاق للمعنى في ضمه وحصره. قوله: (فعلى الدنيا العفاء)، النهاية: وفي حديث صفوان: إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفًا، وشربت عليه، فعلى الدنيا العفا، أي: الدروس وذهاب الأثر، وقيل: العفا: التراب. قوله: (كما تدين تدان)، المرزوقي: الدين لفظٌ مشتركٌ في عدة معانٍ: الجزاء، والعادة،
[ ١١ / ٤٧٩ ]
يا مذنبون". صاح طيطوى، فقال: "يقول: كل حىّ ميت، وكل جديد بال". وصاح خطاف، فقال: "يقول:
قدّموا خيرا تجدوه". وصاحت رخمة، فقال: "تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه".
وصاح قمري، فأخبر أنه يقول: "سبحان ربي الأعلى". وقال: "الحدأ" يقول: "كل شيء هالك إلا الله". والقطاة تقول: "من سكت سلم"، والببغاء تقول: "ويل لمن الدنيا همه"، والديك يقول:
"اذكروا الله يا غافلين". والنسر يقول: "يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت"، والعقاب يقول:
"في البعد من الناس أنس"، والضفدع يقول: "سبحان ربي القدوس". وأراد بقوله مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كثرة ما أوتى، كما تقول: "فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء"، تريد: كثرة قصاده ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه. ومثله قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ٢٣]. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ): قول وارد على سبيل الشكر والمحمدة، كما قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، أي: أقول هذا
_________________
(١) ـ والطاعة، والحساب. وهو قولهم: دناهم كما دانوا الجزاء، ويقولون: كما تدين تدان، أي: كما تصنع يصنع بك. قيل: سمى الأول باسم الثاني مشاكلةً. قوله: (رخمة)، الجوهري: الرخمة: طائرٌ أبقع يشبه النسر في الخلقة، يقال له: الأنوق، والجمع: رخمٌ. قوله: (والببغاء)، والببغى: بالتشديد مقصورٌ يكتب بالياء، والببغاء: بالتخفيف ممدودٌ، كالباقلا والباقلى. قوله: ("أنا سيد ولد آدم ولا فخر")، الحديث على ما رواه الترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض
[ ١١ / ٤٨٠ ]
القول شكرًا ولا أقوله فخرا. فإن قلت: كيف قال علمنا وأوتينا؛ وهو من كلام المتكبرين؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفسه وأباه. والثاني: أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع. وكان ملكا مطاعا، فكلم أهل طاعته على صفته وحاله التي كان عليها، وليس التكبر من لوازم ذلك، وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه وإظهار آيينه وسياسته مصالح، فيعود تكلف ذلك واجبا. وقد كان رسول الله ﷺ يفعل نحوا من ذلك إذا وفد عليه وفد، أو احتاج أن يدحج في عين عدوّ
_________________
(١) ـ ولا فخر"، أي: أقول هذا القول ليعلم الناس فيتبعوني ويقتدروا بي، فيحصل لهم النجاة والسعادة في الدارين، ولا أقوله فخرًا. وقال صاحب " الفرائد": ويمكن أن يقال إنه صلوات الله عليه أراد بذلك إظهار مرتبته واختصاصه بمزيد فضلٍ من الله تعالى من بين الناس، حتى حصل له استحقاق أن يقول مثل ذلك، وهذا من باب الشكر. وقلت: يجوز أن يقال: إن هذا الإخبار كسائر ما تفضل الله عليه من نعم الدارين، وأنه صلوات الله عليه مأمورٌ بتبليغها إلى الأمة، يشهد له قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. قوله: (أبهته)، الجوهري: الأبهة: العظمة والكبرياء. وفي بعض النسخ: "آيينه"، أي: مراتبه وبهائه. وقيل لذي القرنين: بيت على العدو، فقال: ليس من أيين الملوك استراق الظفر. وقيل: ليس البيان من أبين الملوك، ما وجدت في الأصول لهذا اللفظ ذكرًا.
[ ١١ / ٤٨١ ]
ألا ترى كيف أمر العباس بأن يحبس أبا سفيان حتى تمرّ عليه الكتائب.
[(وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)].
روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة. وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجنّ بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع
_________________
(١) ـ قوله: (ألا ترى كيف أمر العباس بأن يحبس أبا سفيان)، وذلك عند فتح مكة على ما روينا عن الباري، عن عروة بن الزبير بعد ذكر نبذٍ من أخبار أبي سفيان: فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال - ﷺ - للعباس: "احبس أبا سفيان عند حطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين"، فحبسه، فجعلت القبائل تمر كتيبةً كتيبةً على أبي سفيان، فمرت كتيبةٌ فقال: يا عباس، من هذه؟ فقال: هذه غفارٌ، قال: مالي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك، ثم مرت سليمٌ فقال ذلك، حتى أقبلت كتيبةٌ لم ير مثلها، قال أبو سفيان: من هذه؟ فقال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية. ثم جاءت كتيبةٌ وهي من أجل الكتائب، وفيهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وراية النبي - ﷺ - مع الزبير. الحديث. قوله: (حتى لا تقع) بالرفع، أراد الحال، كقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾
[ ١١ / ٤٨٢ ]
ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيره، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أني قد زدت في ملكك؛ لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى أنه مر بحرّاث فقال: لقد أوتى آل داود ملكا عظيما، فألقته الريح في أذنه، فنزل ومشى إلى الحرّاث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله، خير مما أوتى آل داود. (يُوزَعُونَ): يحبس أولهم على آخرهم، أي: توقف سلاف العسكر حتى تلحقهم التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة.
[(حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
قيل: هو واد بالشام كثير النمل. فان قلت: لم عدّى (أَتَوْا) بعلى؟ قلت: يتوجه على معنيين أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء، كما قال أبو الطيب:
_________________
(١) ـ [البقرة: ٢١٤]، "لا" لا تمنع العامل، و"ما" تمنعه، تقول: زيدًا لا أضرب، ولا تقول: زيدًا ما ضربت. قوله: (﴿يُوزَعُونَ﴾ يحبس أولهم على آخرهم)، الراغب: ﴿يُوزَعُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنهم مع كثرتهم [وتفاوتهم] لم يكونوا مهملين ومبعدين كما يكون الجيش الكثير المتأذي بمعرتهم، بل كانوا مسوسين ومقموعين وقيل: لابد للسلطان من وزعةٍ. يقال: وزعته عن كذا: كففته. قوله: (سلاف العسكر)، الأساس: وسلف القوم: تقدموا سلفًا، وهم سلفٌ لمن وراءهم، وهم سلاف العسكر.
[ ١١ / ٤٨٣ ]
ولشدّ ما قربت عليك الأنجم
لما كان قربا من فوق. والثاني: أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، من قولهم: أتى على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي، لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم، وقرئ (نُمُلة)، (يا أيُّها النَّمُلُ)، بضم الميم وبضم النون والميم، وكان الأصل: النمل، بوزن الرجل، والنمل الذي عليه الاستعمال: تخفيف عنه، كقولهم: "السبع" في السبع. قيل: "كانت تمشي وهي
_________________
(١) ـ قوله: (ولشد ما قربت عليك الأنجم)، أوله: فلشد ما جاوزت قدرك صاعدًا يهجو رجلًا طلب منه أن يمدحه، يقول: ما أشد تجاوزك قدرك حين تطلب مني المدح، وعني بـ "الأنجم" أبيات شعره. قوله: (عند مقطع الوادي)، الوادي: من ودى، إذا سال، وإطلاقه على المكان مجازٌ، كقولهم: جرى النهر. قوله: (وقرئ: "نملة")، قال ابن جني: قرأ سليمان التيمي: "نملة"، "يا أيها النمل" بضم النون والميم، وهو تثقيل النملة. الراغب: طعامٌ منمولٌ، والنملة: قرحةٌ تخرج بالجنب تشبيهًا بالنمل في الهيئة وشقٌ في الحافر، ومنه: فرسٌ نمل القوائم، ويستعار النمل للنميمة تصورًا لدبيبه، فيقال: هو نملٌ وذو نملةٍ ونمال، أي: نمام، وتنمل القوم: تفرقوا للجمع تفرق النمل، ولذلك يقال: هو أجمع من نملةٍ.
[ ١١ / ٤٨٤ ]
عرجاء تتكاوس، فنادت: (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ): الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال".
وقيل: "كان اسمها طاخية". وعن قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس، فقال: "سلوا عما شئتم"، وكان أبو حنيفة ﵀ حاضرا وهو غلام حدث. فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله، وهو قوله: (قالَتْ) نَمْلَةٌ ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة
_________________
(١) ـ قوله: (تتكاوس)، الجوهري: يقال: كاس البعير: إذا مشى على ثلاث قوائم وهو معرقبٌ. قوله: (وعن قتادة)، قال صاحب "الجامع": هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأعمى، يعد في الطبقة الثالثة من تابعي البصرة، روى عن أنس بن مالك كثيرًا. قوله: (وهو قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾، ولو كانت ذكرًا لقال: قال نملةٌ)، الانتصاف: العجب من أبي حنيفة ﵁ إن ثبت ذلك عنه، لأن النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر والأنثى، فيقال: نملةٌ أنثى، وشاةٌ وحمامةٌ، كذلك فلفظها مؤنث، ومعناه محتملٌ، وتأنيثها لأجل لفظها، وإن كان المراد بها ذكرًا وهو الأفصح المستعمل قال - ﷺ -: "لا تضح بعوراء ولا عمياء ولا عجفاء" أجرى الصفات على اللفظ المؤنث، ولا يعني الإناث من النعم خاصةً، كذا هاهنا، وكيف يسأل أبا حنيفة بهذا ويفحم به قتادة مع غزارة علمه. والأشبه أن هذا لا يصح عنهما. قال ابن الحاجب: التأنيث اللفظي: هو أن لا يكون بإزائه ذكرٌ في الحيوان، كظلمةٍ وعينٍ، ولا فرق بين أن يكون حيوانًا أو غيره، كدجاجة وحمامةٍ إذا قصد به مذكر، فإنه
[ ١١ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ مؤنث لفظيٌ، ولذلك كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أنثى لورود تاء التأنيث في ﴿قَالَتْ﴾ وهما لجواز أن يكون مذكرًا في الحقيقة، وورود تاء التأنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي، نحو: جاءت الظلمة. وأجابه بعض فضلاء ما وراء النهر، وقال: لعمري إن ابن الحاجب تعسف هاهنا وترك الواجب، حيث اعترض على إمام أهل الإسلام، واعتراضه بقوله: "وورود تاء التأنيث كورودها في الفعل المؤنث اللفظي وهو مذكر"، ليس بشيءٍ، إذ لو كان جائزًا أن يؤتى بتاء التأنيث في الفعل بمجرد صورة التأنيث في الفاعل المذكر الحقيقي، لكان ينبغي أن يقال: جاءتني طلحة، وهو غير جائزٍ. وجوابه عن ذلك في "شرحه" بقوله: "وليس ذلك كتأنيث أسماء الأعلام، فإنها لا يعتبر فيها إلا المعنى دون اللفظ، خلافًا للكوفيين. والسر فيه هو أنهم نقلوها عن معانيها إلى مدلولٍ آخر، فاعتبروا فيها المدلول الثاني، ولو اعتبر تأنيثها لكان اعتبارًا للمدلول الأول، فيفسد المعنى، فلذلك لا يقال: أعجبتني طلحة" تناقضٌ محضٌ، كأنه نسى ما أمضى في صدر كتابه من قوله: "فإن سمى به مذكرٌ فشرطه الزيادة" يعني: فإن سمى بالمؤنث المعنوي، فشرطه الزيادة على ثلاثة أحرفٍ. فلا يخفى على من له أدنى مسكة أن عقرب مع أن علامة التأنيث فيها مقدرةٌ، فالعلمية لا تمنعها عن اعتبار تأنيثها، حتى لا تمتنع من الصرف، فكيف تمنع العلمية عن اعتبار التأنيث في طلحة مع أن علامة التأنيث فيها لفظية؟ ! فإذن ليس طرح التاء عن الفعل إلا لأن التاء إنما يجاء بها علامةً لتأنيث الفاعل، فالفاعل هاهنا مذكرٌ حقيقيٌ، فكذا النملة لو كان مذكرًا لكان هو مع طلحة حذو القذة بالقذة.
[ ١١ / ٤٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وينصر قول أبي حنيفة ﵁ ما نقل عن ابن السكيت حيث قال: هذا بطةٌ ذكرٌ، وهذا حمامةٌ، وهذا شاةٌ، إذا عنيت كبشًا، وهذا بقرةٌ، إذا عنيت ثورًا. فإن عنيت أنثى قلت: هذه بقرةٌ. وقلت: نظر الإمام الأعظم وتفسير المصنف راجعٌ إلى أن مثل: حمامة وشاة ونملة، ألفاظٌ مشتركةٌ تقع على الذكر والأنثى، والتاء لبيان الوحدة مفتقرةٌ في تعيينها، لأحد مفهوميها إلى نصب قرينةٍ، إما صفةً مميزةً، نحو: حمامةٌ ذكر، وشاةٌ أنثى، أو علامةً تلحق الفعل، نحو: قالت نملة، وقال نملة، أو جعلها خبرًا لاسم الإشارة، نحو: هذا بقرةٌ، وهذه بقرةٌ. ومما يقوي هذا المذهب قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] وصفها بالصفراء بعد إجراء ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] عليها، وهي من أوصف النساء. فظهر أن القول ما قالت حذام، والمذهب ما سلكه الإمام. وفي "جامع الأصول" قال: لو ذهبنا إلى شرح مناقب الإمام أبي حنيفة ﵁ وبسط فضائله لأطلنا الخطب، ولم نصل إلى الغرض منها، فإنه كان عالمًا ورعًا، زاهدًا، عابدًا تقيًا، إمامًا في علوم الشريعة مرضيًا. قال الشافعي ﵁: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيالٌ على أبي حنيفة. وقال: قيل لم لمالكٍ ﵁: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم. رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.
[ ١١ / ٤٨٧ ]
وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامه أنثى، وهو وهي. وقرئ: (مَسْكَنكُم) و(لا يَحْطِمَنْكُمْ)، وقرئ: (لا يَحْطِمَنَّكُمْ) بفتح الحاء وكسرها. وأصله: لا يَحْطِمَنَّكُمْ. ولما جعلها قائلة والنمل مقولا لهم كما يكون في أولى العقل: أجرى خطابهم مجرى خطابهم. فإن قلت: لا يحطمنكم ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر،
_________________
(١) ـ قوله: (والنمل مقولًا لهم)، أي: لأجلهم، فجعلهم كالمخاطبين، واللام في "لهم" مثلها في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [مريم: ٧٣]، أي: لأجلهم، فجعلهم كالمخاطبين. قوله: (يحتمل أن يكون جوابًا للأمر، وأن يكون نهيًا بدلًا من الأمر)، روى صاحب "الفرائد"، عن الفراء: هو نهيٌ فيه طرفٌ من الجزاء. وعن الأخفش: بل هذا على تقدير الواو العاطفة يكون نهيًا بعد أمرٍ. والتقدير: ادخلوا مساكنكم لا يحطنكم سليمان، وعلى قول الفراء التقدير: إن دخلتم مساكنكم لا يحطمنكم سليمان. وقال صاحب "الكشف": هذا وإن كان في المعنى صحيحًا إلا أن اللفظ يمنع من فصاحته، ولو حمل عليه، لأن النون لا تدخل في الجزاء إلا في ضرورة الشعر. وقال صاحب "الفرائد" يمكن أن يقال: لم يعطف، لأن توكيدٌ للطلب، فهو كما في الخبر، نحو قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] لقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢].
[ ١١ / ٤٨٨ ]
والذي جوّز أن يكون بدلا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لا أرينك هاهنا، أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها.
[(فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ)].
ومعنى (فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا) تبسم شارعا في الضحك وآخذا فيه، بمعنى أنه
_________________
(١) ـ قوله: (في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم)، ومعنى هذا الأسلوب وهو أن ينهى الغير، والمراد: نهي المخاطب النهي عن أن يكون المخاطب على وصفٍ هو ملزوم المنهي عنه، فمآل المعنى: لا تكونوا خارجين عن مساكنكم فيحطمنكم سليمان وجنوده، ولذلك صح أن يكون بدلً من ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. قوله: (عجبت من نفسي ومن إشفاقها)، بعده: … ومن طرادي الطير عن أرزاقها في سنةٍ قد كشفت عن ساقها … حمراء تبري اللحم عن عراقها كشف الساق: عبارةٌ عن شدة الأمر، لأن الإنسان إذا أصابته شدةٌ شمر عن ساقه، والعراق: العظم الذي لا لحم عليه، والذي عليه لحمٌ فهو عرقٌ بفتح العين. بري اللحم. قشره، أي: عجبت من إشفاق نفسي، فجاء بقوله: "من نفسي ومن إشفاقها"، كما كان الأصل: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ جنود سليمان، فجاء بقوله: ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨]، ليكون أبلغ للإجمال والتفصيل والتكرير مع التبيين. قوله: (تبسم شارعًا في الضحك)، قال أبو البقاء: ﴿ضَاحِكًا﴾، حالٌ موكدة.
[ ١١ / ٤٨٩ ]
قد تجاوز حدّ التبسم إلى الضحك، وكذلك ضحك الأنبياء. وأما ما روي: أن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه؛ فالغرض المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي، وإلا فبدوّ النواجذ على الحقيقة إنما يكون عند الاستغراب، وقرأ ابن السميقع: (ضحكا). فان قلت: ما أضحكه من قولها؟ قلت: شيئان، إعجابه بما
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الكشف": هي حال مقدرة، أي: فتبسم مقدرًا الضحك، ولا يكون محمولًا على الحال المطلق، لأن التبسم غير الضحك، وأنه ابتداء الضحك، وإنما يصير التبسم ضحكًا إذا اتصل ودام، فلابد من هذا التقدير. قوله: (إن رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه)، مذكورٌ في حديث القيامة، آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة. أخرجه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن مسعود. النهاية: النواجذ من الأسنان: الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد: الأول، لأنه ما كان يبلغ به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه، ولو أريد الثاني لكان مبالغةً في ضحكه من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك، وهو أقيس لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان. وإليه أشار المصنف بقوله: "فالغرض المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي". قوله: (عند الاستغراب)، النهاية: وفي الحديث: إنه ضحك حتى استغرب، أي: بالغ فيه. يقال: أغرب في ضحكه واستغرب، وكأنه من الغرب: البعد، وقيل: هو القهقهة. قوله: (وقرأ ابن السميفع: ضحكًا)، السميفع: بفتح السين والفاء، وقد يضم.
[ ١١ / ٤٩٠ ]
دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ): تعني: أنهم لو شعروا لم يفعلوا. وسروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا: من إدراكه بسمعه ما همس به بعض الحكل الذي هو مثل في الصغر والقلة، ومن إحاطته بمعناه، ولذلك اشتمل دعاؤه على استيزاع الله
_________________
(١) ـ قال ابن جني: "ضحكًا" منصوبٌ على المصدر بفعل مضمر يدل عليه "تبسم"، كأنه قيل: ضحك ضحكًا. هذا مذهب صاحب "الكتاب"، وقياس قول أبي عثمان في قولهم: تبسمت وميض البرق، أنه منصوبٌ بنفس "تبسمت"، لأنه في معنى: أومضت. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون اسم فاعلٍ مثل: نصب، لأنه ماضيه: ضحك، فهو لازمٌ. قوله: (الحكل)، الحكل: ما لا يسمع له صوتٌ. وقال رؤبة: لو كنت قد أوتيت علم الحكل … علم سليمان كلام النمل قوله: (ولذلك اشتمل دعاؤه)، أي: ولأجل أن قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ كان منيًا على أمرين: على شهرة حاله وحال جنوده في باب التقوى، وعلى إحاطته بمعنى ما أدركه سمعه ما همس به الحكل، أردفه بقوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، لأنهما نعمتان جليلتان موجبتان شكر منعمهما. قوله: (على استيزاع الله)، الراغب: قيل: الوزوع: الولوع بالشيء، ورجل وزوعٌ،
[ ١١ / ٤٩١ ]
شكر ما أنعم به عليه من ذلك، وعلى استيفاقه لزيادة العمل الصالح والتقوى.
وحقيقة (أَوْزِعْنِي): اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وأرتبطه لا ينفلت عني، حتى لا أنفك شاكرا لك. وإنما أدرج ذكر والديه؛
_________________
(١) ـ وقوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، قيل: ألهمني، وتحقيقه: أولعني ذلك واجعلني بحيث أزع نفسي عن الكفران. وقال الزجاج: ﴿أَوْزِعْنِي﴾: ألهمني: وتحقيقه وتأويله في اللغة: كفني عن الأشياء التي تباعد عنك. فعلى هذا هو كنايةٌ تلويحيةٌ، فإنه طلب أن يكفه عما يؤدي إلى كفران النعمة بأن يلهمه ما به يقيد تلك النعمة من الشكر، وعلى تقدير المصنف: استعارةٌ مكنية بحيث جعل شكر النعمة كالناقة، فطلب أن يجعله كعقاله مرتبطًا إياه. وإليه الإشارة بقوله: "لا ينفلت عني"، والمراد: قيد النعمة باستدامة الشكر والمحافظة عليها. ومنه الحديث: "النعمة وحشية قيدوها بالشكر، فإنها إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت". وقوله: "احذروا نفار النعم بقلة الشكر، فما كل شاردٍ بمردودٍ". قوله: (وعلى استيفاقه)، الجوهري: واستوقفت الله، أي: سألته التوفيق. وقال أبو القاسم القشيري: التوفيق ما تتفق به الطاعة، وهو القدرة التي تصلح للطاعة، واختص هذا الاسم بما يتفق به الخير دون الشر عرفًا شرعيًا.
[ ١١ / ٤٩٢ ]
لأنّ النعمة على الولد نعمة على الوالدين، خصوصا النعمة الراجعة إلى الدين، فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته، وبدعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له، وقالوا: رضي الله عنك وعن والديك.
وروي أن النملة أحست بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء، فأمر سليمان ﵇ الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهنّ، ثم دعا بالدعوة. ومعنى (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) واجعلني من أهل الجنة.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن النعمة على الولد نعمةٌ على الولدين)، هذا إذا قيدت النعمة المطلقة في ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بما سبق من النعمتين، وأما إذا تركت على إطلاقها لتدخل فيها هاتان النعمتان دخولًا أوليًا يكون الحكم بالعكس، أي: النعمة على الوالد نعمةٌ على الولد، كما في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] إلى آخر الآيات، ويعضده قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبا: ١٣] بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠]، وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [سبأ: ١٢] إلى آخره، ولأن قوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩] مطابقٌ لقوله: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] لإرادة المبالغة، فليتأمل. قوله: (لئلا يذعرن)، ذعرته: أفزعته، ذعر فهو مذعورٌ. قال: ذعرت به القطا وبقيت عنه … مقام الذئب كالرجل اللعين ومعنى: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: واجعلني من أهل الجنة، أي أنه كنايةٌ عنه، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٩، ٣٠]، أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم، وادخلي جنتي معهم.
[ ١١ / ٤٩٣ ]
[(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ)].
(أَمْ) هي المنقطعة: نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال: (ما لِيَ لا أَراهُ" على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: "أهو غائب"؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له. ونحوه قولهم: إنها لإبل أم شاء، وذكر من قصة الهدهد أنّ سليمان حين تم له بناء بيت المقدس
_________________
(١) ـ قوله: (ونحوه قولهم: إنها لإبلٌ أم شاءٌ)، قيل: لو قال ونحوه قوله: "أزيدٌ عندك أم عندك عمرٌو" كأن أولى، لأن "أم" المنقطعة تقع في الاستفهام والخبر، وما نحن فيه من قبيل الاستفهام، وأنت في الاستفهام تكون مستفهمًا عن واحد بعينه بعد إضرابك عن الآخر، فكأنك قلت: أزيدٌ عندك؟ ظانًا أنه عند المخاطب، ليوقفك على حقيقة الأمر بلا ونعم، ثم بدا لك وصرت ظانًا أن الذي عنده هو عمرٌو، وأردت أن تترك الاستفهام عن زيدٍ إلى الاستفهام عن عمروٍ، فقلت: أم عندك عمروٌ؟ ولذلك ذكرت لكل واحدٍ منهما خبرة، لإضرابك عن الكلام الأول، واستفهامك عن الكلام الآخر. وأما الخبر الثابت فأنت في قولك: "إنها لإبلٌ" جئت بالإخبار المحض، ثم جئت بعدها بالاستفهام، كأن قائل هذا سبق بصره إلى شبحٍ فظنه إبلًا فأخبر عن مقتضى ظنه، ثم اعتراه الشك فأعرض عنه، فـ "أم" هذه متضمنةٌ الهمزة "وبل"، فـ "بل" تدل على أنه قد أضرب عما سبق من الكلام، والهمزة على أنه يستفهم كلامًا آخر. وقلت: معنى قوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ الإخبار وإن كان لفظه الطلب، وإليه الإشارة بقوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى﴾ على معنى أنه لا يراه وهو حاضرٌ لساترٍ ستره أو غير ذلك، فإنه في الجزم كونه حاضرًا مثل قوله: "إنها لإبلٌ"، وليس مثل: "أزيدٌ عندك"، لأنه ينكر على نفسه إنكارًا بليغًا عدم رؤيته، وهو حاضرٌ، وكذا الجملة الثانية تقريرٌ لإثبات خلافه، وأنه غائبٌ قطعًا لمجيء "كان" وإيقاع "من الغائبين" خبرًا له لدلالتهما على أنه متوغلٌ في الغيبة. قال: بعيد، هذا في قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]: "إن كنت من
[ ١١ / ٤٩٤ ]
تجهز للحج بحشره، فوافى الحرم وأقام به ما شاء، وكان يقرّب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها، فنزل ليتغدّى ويصلى فلم يجدوا الماء، وكان الهدهد قناقنه، وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فيجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، فتفقده لذلك، وحين نزل سليمان حلق الهدهد فرأى هدهدا واقعا، فانحط إليه فوصف له ملك سليمان وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأنّ تحت يدها اثنا
_________________
(١) ـ الكاذبين" أبلغ من: كذبت، لأنه إذا كان معروفًا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبًا لا محالة، فالهمزة للتقرير، وإليه أومأ بقوله: "كأنه يسأل عن صحة ما لاح له". قوله: (بحشرةٍ)، فعلٌ بمعنى مفعول، كالنقص والخطب، وقيل: جمع حاشرٍ، كالحرس في جمع حارس، إذا كانت الرواية "بحشرةٍ" بفتح الشين. قوله: (قناقنه)، الجوهري: القنقن: الدليل الهادي والبصير بالماء في حفر القني، وكذلك القناقن بالضم، والجمع القناقن بالفتح، كالجلاجل جمع الجلاجل. ونظير القناقن- بالضم- في أنه نعت فردٍ: العذافر، وهو الجمل القوي، وتحليق الطائر: ارتفاعه في طيرانه. قوله: (فتفقده)، الفقد: عدم الشيء بعد وجوده، وهو أخص من العدم، فإن العدم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد. قال تعالى: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧١، ٧٢]، والتفقد: التعهد، لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشيء، والتعهد: تعرف العهد المتقدم. قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾. الفاقد: المرأة تفقد ولدها أو زوجها. قوله: (ملك بلقيس)، بلقيس: بالعربية بكسر الباء، وبالعجمية: بفتح الباء: وهي بيت قريقيس.
[ ١١ / ٤٩٥ ]
عشر ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف، وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيد الطير وهو العقاب: علىّ به، فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته، فناشدها الله وقال:
"بحق الذي قوّاك وأقدرك علىّ إلا رحمتينى"، فتركته وقالت: "ثكلتك أمك، إنّ نبى الله قد حلف ليعذبنك"، قال: "وما استثنى"؟ قالت: "بلى قال: أو ليأتينى بعذر مبين"، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرّها علىّ الأرض تواضعا له، فلما دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه، فقال:
"يا نبي الله، اذكر وقوفك بين يدي الله"، فارتعد سليمان وعفا عنه، ثم سأله. تعذيبه: أن يؤدّب
بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه. وقيل: " كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمسه".
وقيل: "أن يطلى بالقطران ويشمس". وقيل: "أن يلقى للنمل يأكله". وقيل: "إيداعه القفص".
وقيل: "التفريق بينه وبين إلفه". وقيل: "لألزمنه صحبة الأضداد". وعن بعضهم: "أضيق السجون معاشرة الأضداد". وقيل: "لألزمنه خدمة أقرانه". فإن قلت: من أين حل له تعذيب الهدهد؟
قلت: يجوز أن يبيح له الله ذلك. لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة، كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع: وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر له من أجله إلا بالتأديب والسياسة:
جاز أن يباح له ما يستصلح به.
وقرئ: (ليأتينى) و(ليأتينن). والسلطان: الحجة والعذر. فإن قلت: قد حلف
_________________
(١) ـ قوله: (عفريت الطير)، نقل صاحب "النهاية" عن المصنف: العفر والعفرية والعفريت والعفارية: القوي المتشيطن الذي يعفر قرنه، والياء في عفرية وعفارية للإلحاق، والتاء في عفريت للإلحاق بقنديل. وفي بعض النسخ: "عريف الطير"، العريف: النقيب، وهو دون الرئيس عرف عرافةً بالضم والكسر: صار عريفًا. قوله: ("ليأتينني" و"ليأتينن")، قرأ ابن كثيرٍ: "ليأتينني" بنونين، الأولى مفتوحةٌ
[ ١١ / ٤٩٦ ]
على أحد ثلاثة أشياء: فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على فعل الهدهد؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان، حتى يقول: "والله ليأتيني بسلطان"؟ قلت: لما نظم الثلاثة بـ "أو" في الحكم الذي هو الحلف: آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمور، يعنى: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادّعاء دراية، على أنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي
_________________
(١) ـ مشددةُ، والباقون: بواحدةٍ مكسورةٍ مشددةٍ، والأصل قراءة ابن كثيرٍ، لكن حذفت النون التي قبل ياء المتكلم لاجتماع النونات. قوله: (لما نظم الثلاثة بـ "أو" في الحكم الذي هو الحلف)، يعني: إن كان العطف جمع الأمور الثلاثة في حكم الحلف ظاهرًا، لكن "أو" الثانية للترديد، والأولى للتخيير، فيكون قوله: ﴿أَوْ لَيَاتِيَنِّي﴾ معطوفًا على ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾، لا على ﴿لَأَذْبَحَنَّهُ﴾، ليؤول معنى الثلاثة إلى الآيتين، فكأنه قيل: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيبٌ ولا ذبحٌ، وإن لم يكن كان أحدهما من غير تعيينٍ، فليس حينئذٍ في الكلام ادعاء درايةٍ من سليمان ﵇ لانبناء الكلام على التخيير والترديد. قال القاضي: والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث. قوله: (أن يتعقب حلفه)، الجوهري: عاقبه أي جاءه بعقبه، فهو معاقبٌ وعقيبٌ، والتعقيب مثله، يعني قوله: ﴿أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أوحي إليه بعد حلفه بالفعلين، أي: فلما أتم كلامه عقبه بما أوحى إليه، وما أوحى إليه لا يكون إلا يقينًا عن درايةٍ. الدراية: علمٌ يحصل بالتكلف، ولهذا لا يجوز إطلاقه على الله تعالى.
[ ١١ / ٤٩٧ ]
من الله بأنه سيأتيه بسلطان مبين، فثلث بقوله: (أَوْ لَيَاتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) عن دراية وإيقان.
[(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)].
(فَمَكَثَ) قرئ بفتح الكاف وضمها. (غَيْرَ بَعِيدٍ) غير زمان بعيد، كقولك: عن قريب. ووصف مكثه بقصر المدّة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخرا له، ولبيان ما أعطى من المعجزة الدالة على نبوّته وعلى قدرة الله ﷿.
(أَحَطْتُ): بإدغام الطاء في التاء؛ بإطباق وبغير إطباق: ألهم الله الهدهد
_________________
(١) ـ وأما قول الشاعر: والله لا أدري وأنت الداري فشاذٌ، يقال: دريته ودريت به دريًا، ودريةً ودرايةً. قوله: (﴿فَمَكَثَ﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها)، بالفتح عاصمٌ، وبالضم الباقون. قوله: (﴿أَحَطتُ﴾ بإدغام الطاء في التاء بإطباقٍ وبغير إطباقٍ)، قيل: ذهب بعضهم إلى أن الحروف المطبقة تدغم في غيرها مع بقاء الإطباق، ورده ابن الحاجب بأن الإطباق صفةٌ للمطبقة ولا يكون إلا بها، وإذا لم يكن إلا بها ينافي الإدغام، لأنه يجب إبدالها إلى المدغم فيه، فيؤدي إلى أن تكون موجودةً غير موجودةٍ وهو متناقضٌ، وذلك أن الإطباق رفع اللسان إلى ما يحاذيه من الحنك للتصويت بصوت الحرف المخرج عنده، فلا يستقيم
[ ١١ / ٤٩٨ ]
فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوّة والحكمة والعلوم الجمة
_________________
(١) ـ إلا بنفس الحرف، وإذا كان كذلك فالتحقيق أن نحو: ﴿فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦]، و"أغلطت"، و﴿أَحَطتُ﴾ بالإطباق ليس معه إدغامٌ، ولكنه لما اشتد التقارب وأمكن النطق بالثاني مع الأول من غير نقل اللسان كان كالنطق بالمثل بعد المثل، فأطلق عليه الإدغام. وأيضًا الإنسان يحس من نفسه عند قوله: ﴿أَحَطتُ﴾ النطق بالطاء خفيفةً وبالتاء بعدها، فلا يجوز أن يقال: إن الطاء مدغمةً، لأن إدغامها يوجب قلبها إلى ما بعدها. قوله: (فكافح سليمان)، الأساس: كافحه لاقاه مواجهةً عن مفاجأةٍ، ولقيته كفاحًا وكافحوهم في الحرب: ضاربوهم تلقاء الوجوه. الجوهري: أي ليس دونها ترسٌ ولا غيره. وكافح هاهنا مستعارٌ لمواجهة الكلام وسلوك طريق التصريح، دون الإيماء والتلويح كما هو عادة المتسفل أن يتكلم بين يدي المستعلي، لاسيما المخاطب نبي الله، ومن ثم قال محيي السنة: الإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، وجئتك ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾. وليست هذه المكافحة من قبيل رفع الصوت بين يدي رسول الله - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] حتى تعارض به، ويقال: كيف يمكن للهدهد المكافحة وهو أضعف مخلوق، وقد أمر الله تعالى المؤمنين الذين هم أشرف الخلائق بخفض الصوت عند نبيه بقوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، لأن هذا تأديب وتهذيب لسليمان ﵇ وذلك تعظيم لجلالة حضرة الرسالة ورفع منزلتها، ولكل مقام مقال. فعلى الخائض في الطعن إلقاء البال، وذلك أن نبي الله سليمان حينما رأى سوابغ نعم الله- والآية في حقه وفي حق أبيه- ملكًا وعلمًا واستبدادهما بالمزية والفضل على سائر الناس، حتى قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وعقبه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا
[ ١١ / ٤٩٩ ]
والإحاطة بالمعلومات الكثيرة، ابتلاء له في علمه،
_________________
(١) ـ النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين﴾ [النمل: ١٦]، وأراد الله تعالى أن يثبته على هذا الشكر، ولا تؤديه تلك النعم إلى العجب والطغيان، ألهم الهدهد لمكافحته تهييجًا له وإلهابًا وابتلاءً وتنبيهًا. وقريبٌ منه قوله تعالى في حق أفضل الخلق: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَاب﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [يونس: ٩٤، ٩٥]، أي: دم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك والتكذيب بآيات الله. ونظير هذا الابتلاء الكليم بالخضر ﵉. روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا أعلم. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه أن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك". الحديث بتمامه. ولعل المصنف نظر في كلام سليمان ﵇ وافتخاره بالعلم والملك فبنى كلامه عليهما، فقوله: "لتتحاقر إليه نفسه"، ينظر إلى الملك، و"يتصاغر إليه علمه" إلى العلم، فعلى هذا قوله: "ابتلاءً له في علمه"، مفعولٌ له لقوله: "ألهم الله"، و"تنبيهًا" عطفٌ عليه. وقوله: "لتتحاقر"، تعليلٌ لقوله: "تنبيهًا"، وإنما أتى باللام فيه، لأنه ليس فعلًا للمنبه، بخلافه في قوله: "تنبيهًا"، لأنه فعلٌ للملهم، والضميران في "إليه" و"نفسه" في الصيغتين لسليمان ﵇. قال في "الأساس": تحاقرت إليه نفسه، وقد حقر في عيني حقارةً، وتصاغرت إليه نفسه: صارت صغيرة الشأن ذلًا ومهانةً، ولله ﷾ أن يمتحن أفضل الخلق بأحقره بناءً على المشيئة المحضة أو المصلحة على الخلاف.
[ ١١ / ٥٠٠ ]
وتنبيها على أنّ في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب؛ الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة، والإحاطة بالشيء علما: أن يعلم من جميع جهاته، لا يخفى منه معلوم. قالوا: وفيه دليل على بطلان قول الرافضة إنّ الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
_________________
(١) ـ قوله: (في أدنى خلقه وأضعفه)، لأن الهدهد من البغاث لا من العتاق، قال: سليمان ذو ملكٍ تفقد هدهدا … وإن أخس الطائرات الهداهد قوله: (قالوا: فيه دليلٌ على بطلان قول الرافضة)، يعني: دل بإشارة النص والإدماج على أن ما قالوا: إن الإمام ينبغي أن لا يخفى عليه شيءٌ من الجزئيات باطلٌ، لأن هذا الهدهد قد اطلع على ما خفي على نبي الله سليمان، ولا يلزم من ذلك فضل آحاد الناس على سيدنا صلوات الله عليه. روينا عن الإمام أحمد وابن ماجه، عن طلحة بن عبيد الله قال: مررت مع رسول الله - ﷺ - بقومٍ على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟ قالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى تلقح، فقال رسول اله - ﷺ -: "ما أظن ذلك يغني شيئًا" فأخبروا بذلك فتركوه، فاخبر رسول الله - ﷺ -، فقال: "فإن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيءٍ فخذوا مني، فإني لن أكذب على الله". وفي رواية أحمد: فقال: "إذا كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم به". وأما تحقيق المسألة: فقد ذكره الإمام في "نهاية العقول" قال: اتفقت الإمامية على أن
[ ١١ / ٥٠١ ]
(سبأ) قرئ بالصرف ومنعه. وقد روي بسكون الباء. وعن ابن كثير في رواية:
_________________
(١) ـ الإمام يجب أن يكون عالمًا بكل الدين، فإن كان مرادهم بذلك أنه يجب أن يكون عالمًا بجميع القواعد الشرعية وضوابطها، وبكثيرٍ من الفروع الجزئية لتلك القواعد، بحيث لو حدثت حادثةٌ ولا يعلم حكمها يكون متمكنًا من استنباط الحكم فيها على الوجه الصحيح، فذلك مذهبنا، وهو الذي نعني بقولنا: الإمام يجب أن يكون مجتهدًا، وإن عنوا به أن الإمام يجب أن يكون عالمًا على التفصيل بأحكام جميع الحوادث الجزئية التي يمكن وقوعها، فليس الأمر عندنا كذلك. والمعتمد في إفساده: أن الجزئيات التي يمكن وقوعها غير متناهيةٍ، فيستحيل حصوله للإنسان. قالوا: يجب للإمام أن يحكم في كل الأمور، لأنه لا يحسن من الملك أن يفوض سياسة جنده ورعيته إلى من لا يعرف السياسة وأحكام الملك، ولأنه لو لم يعلم الأحكام كلها لجاز أن يحدث حادثٌ لا يعرف حكمها، ولا يؤدي اجتهاده إليه، ولا يتسع الزمان لمراجعة الاجتهاد، ولأن الجهل بكل الشريعة منفرٌ، ولا يجوز ثبوته للإمام قياسًا على النبي. ويعني بكونه منفرًا أن الناس إذا علموا أنه يخفى على إمامهم شيءٌ من الأحكام استنكفوا منه. وأجاب الإمام عن الأسئلة بأجوبةٍ شافيةٍ، فلينظر هناك. وعن بعضهم أنهم تمسكوا بقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] أرادوا به الإمام الذي يستخلف، والصحيح أنه يجوز استخلاف المفضول عند وجود الفاضل، فلهذا ترك عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة نفرٍ وفيهم الفاضل والمفضول، والحق أن المراد بقوله: ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]: اللوح المحفوظ، لقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، والله أعلم. قوله: (﴿سَبَإِ﴾ قرئ بالصرف ومنعه)، البزي وأبو عمروٍ: "سبأ" هاهنا، وفي سبأ: بفتح
[ ١١ / ٥٠٢ ]
(سبا)، بالألف كقولهم: ذهبوا أيدي سبا. وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسما للحىّ أو الأب الأكبر صرف. قال:
من سبإ الحاضرين مأرب إذ … يبنون من دون سيله العرما
_________________
(١) ـ الهمزة من غير تنوينٍ، وقنبل: بإسكانها على نية الوقف، والباقون: بالخفض مع التنوين. قوله: (ذهبوا أيدي سبا)، الجوهري: ذهبوا أيدي سبا، وأيادي سبا، أي: متفرقين، وهما اسمان جعلا واحدًا، مثل: معدي كرب. الراغب: سبأ: اسم بلدٍ تفرق أهله، ولهذا يقال: ذهبوا أيادي سبأ، أي: تفرقوا تفرق أهل هذا المكان من كل جانبٍ. روينا في "مسند الإمام أحمد" وفي "سنن الترمذي" و"أبي داود"، عن فروة بن مسيكٍ، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: وما سبأ: أرضٌ أو امرأةٌ؟ قال: "ليس بأرضٍ ولا امرأةٍ، ولكنه رجلٌ ولد عشرةً من العرب، فتيامن منهم ستةٌ، وتشاءم منهم أربعةٌ، فأما الذين تشاءموا فلخمٌ وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحمير وكندة ومذحجٌ وأنمار"، فقال: رجلٌ: وما أنمار؟ فقال: "الذين منهم خثعمٌ وبجيلةٌ". قوله: (من سبأ الحاضرين)، البيت. "الحاضرين": صفة سبأ، و"مأرب" مفعول "الحاضرين"، و"إذ" ظرفه، وقيل: "مأرب" ظرفٌ لـ "الحاضرين" و"إذ" أيضًا. و"العرم": السد يصنع في الوادي لتحبيس الماء. يمدح رجلًا هو من قبيلة سبأ الحاضرين مدينة مأرب الذين بنوا العرم دون السيل،
[ ١١ / ٥٠٣ ]
وقال:
الواردون وتيم في ذرى سبإ … قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
ثم سميت مدينة مأرب بسبإ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث، كما سميت معافر بمعافر بن أدّ. ويحتمل أن يراد المدينة والقوم. و(النبأ): الخبر الذي له شأن. وقوله: (مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ) من جنس الكلام الذي سماه المحدّثون: البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ، بشرط أن يجيء مطبوعا. أو يصنعه عالم بجوهر الكلام يحفظ
_________________
(١) ـ وقيل: العرم المسناة التي بنتها بلقيس سكرًا وسدًا، والمعنى: يبنون من دون السيل السد. قوله: (الواردون)، البيت. الذرى- بالفتح-: كل ما استترت به، يقال: إنا في ظل فلانٍ وفي ذراه، أي: كنفه وستره. وذرى كل شيء: أعاليه، الواحدة: ذروة، يقول: الواردون هم وتيم في أعلى أرض سبأ مغلولين بأغلالٍ من جلد الجواميس، بحيث تعض أعناقهم. وصرف "سبأ" إذ جعله بمعنى الحي أو الأب الأكبر. قوله: (معافر)، قيل: معافر حيٌ من همدان، وإليه تنسب الثياب المعافرية. الأساس: المعافرية: ثياب منسوبةٌ إلى بلد نزل فيه معافر بن أد. قوله: (الذي سماه المحدثون: البديع)، أي: المتأخرون، جعلوه من قسم البديع، واسم هذه الصنعة في البديع: تضمين المزدوج، وهو أن يقع في أثناء القرائن في النظم أو النثر لفظان مسجعان بعد رعاية حدود الأسجاع والقوافي، وقد جاء في الشعر: مضى الصاحب الكافي ولم يبق بعده … كريمٌ يروي الأرض فيض غمامه فقدناه لما تم واعتم بالعلا … كذاك خسوف البدر عند تمامه
[ ١١ / ٥٠٤ ]
معه صحة المعنى وسداده، ولقد جاء هاهنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى. ألا ترى أنه لو وضع مكان (بِنَبَإٍ) "بخبر"، لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح، لما في النبإ، من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.
[(إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ)].
المرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، وقد ولده
_________________
(١) ـ قوله: (وهو كما جاء أصح، لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال)، وهي ما في الإنباء من معنى الإخبار الذي ينبه السامع على الشيء من حيث لا يدري. الراغب: النبأ: خبرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ يحصل به علمٌ أو غلبة ظنٍّ، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأٌ حتى يتضمن لما ذكر، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأٌ أن يتعرى عن الكذب كالتواتر، وخبر الله تعالى وخبر النبي - ﷺ -، ولتضمن النبأ لمعنى الخبر يقال: أنبأته بكذا، أي: أخبرته به، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، ويقال: أنبأته ونبأته، ونبأته أبلغ. الأساس: أتاني نبأٌ من الأنباء، وأنبئت بكذا وكذا، ورجلٌ نابئٌ وسيلٌ نابئٌ طارئٌ من حيث لا يدري، وهل عندكم نبائة خبرٍ. وقال الشاعر: ألا فاسقياني وانفيا عنكما القذى … فليس القذى بالعود يسقط في الخمر ولكن قذاها كل أشعث نابئٍ … أتتنا به الأقدار من حيث لا ندري والخبر الذي يكون بهذه المثابة يعتني بشأنه، ومن ثم قال: "النبأ: الخبر الذي له شأنٌ"، فيكون قد أدمج فيه تتميم معنى المكافحة الذي يعطيه قوله: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، كما قال: "فكافح سليمان بهذا الكلام … ابتلاءً ونبهه به على أن في أدنى خلقه من أحاط علمًا بما لم يحط به".
[ ١١ / ٥٠٥ ]
أربعون ملكا ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس.
والضمير في (تَمْلِكُهُمْ) راجع إلى سبإ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر، وإن أريدت المدينة فمعناه تملك أهلها. وقيل في وصف عرشها: "كان ثمانين ذراعا في ثمانين وسمكه ثمانين". وقيل: "ثلاثين مكان ثمانين"، وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر، وكانت قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودرّ وزمرّد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. فإن قلت: كيف استعظم عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ قلت: يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش. ويجوز أن لا يكون لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء، كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون مثله للملك الذي يملك عليهم أمرهم ويستخدمهم. ومن نوكى القصاص من يقف على قوله: (وَلَها عَرْشٌ) ثم يبتدئ (عَظِيمٌ وَجَدْتُها) يريد: أمر عظيم، أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فرّ من استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيمة وهي مسخ كتاب الله.
_________________
(١) ـ قوله: (نوكى القصاص)، الجوهري: النوك- بالضم-: الحمق. قال: وداء النوك ليس له دواء والنواكة: الحماقة، وقومٌ نوكى ونوكٌ أيضًا على القياس، مثل: أهوج وهوج. قوله: (فر من استعظام الهدهد عرشها فوقع في عظيمةٍ)، قال صاحب "المرشد": ولا
[ ١١ / ٥٠٦ ]
فإن قلت: كيف قال: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع قول سليمان: (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: ١٦]؛ كأنه سوّى بينهما؟ قلت: بينهما فرق بين، لأن سليمان ﵇ عطف قوله على ما هو معجزة من الله، وهو تعليم منطق الطير، فرجع أوّلا إلى ما أوتي من النبوّة والحكمة وأسباب الدين، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا، وعطفه الهدهد على الملك فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها؛ فبين الكلامين بون بعيد. فإن قلت: كيف خفي على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة، وهي مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ قلت: لعل الله ﷿ أخفى عنه ذلك؛ لمصلحة رآها، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب.
[(وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)].
_________________
(١) ـ يوقف على ﴿عَرْشٌ﴾، وقد زعم بعضهم جوازه، وقال: معناه: عظيمٌ عند الناس، وقد أنكر هذا الوقف أبو حاتمٍ وغيره من المتقدمين، ونسبوا القائل به إلى جهل. وقول من قال: معناه عظيمٌ عبادتهم للشمس من دون اله، قولٌ ركيكٌ لا يعتد به، وليس في الكلام ما يدل عليه، والوقف عند قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ حسنٌ. قوله: (فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها)، قال صاحب "الكشف": قيل التقدير: وأوتيت من كل شيءٍ يؤتاها، أي: يؤتى المرأة. ألا ترى أنها لم تؤت الذكر.
[ ١١ / ٥٠٧ ]
فإن قلت: من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ قلت: لا يبعد أن يلهمه الله ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها، ومن أراد استقراء ذلك فعليه بكتاب "الحيوان"، خصوصا في زمن نبىّ سخرت له الطيور وعلم منطقها، وجعل ذلك معجزة له.
من قرأ بالتشديد أراد: (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) لئلا يسجدوا فحذف الجار مع أن. ويجوز أن تكون (لا) مزيدة، ويكون المعنى: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.
_________________
(١) ـ قوله: (الرجاح العقول)، الأساس: ومن المجاز: رجلٌ راجح العقل، وفلانٌ في عقله رجاحةٌ، وفي خلقه سجاجةٌ، وقومٌ مراجيح العلم. قوله: (استقراء ذلك)، الجوهري: قروت البلاد قروًا وقريتها وأقريتها واستقريتها: إذا تتبعتها تخرج من أرض إلى أرضٍ. وقيل: ألف الجاحظ كتابًا سماه "كتاب الحيوان"، وقيل: "طبائع الحيوان". قوله: (ومن قرأ بالتشديد)، قرأ الكسائي: "ألا يا اسجدوا" بتخفيف اللام، ويقف على "ألا يا" ويبتدئ "اسجدوا" على الأمر، أي: ألا يا أيها الناس اسجدوا. والباقون: يشددون اللام لإدغام النون فيها، ويقفون على الكلمة بأسرها. قال الزجاج: من قرأ بالتشديد فالمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، أي: فصدهم لأن لا يسجدوا، وموضع "أن" نصبٌ بقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ﴾، أو يجوز أن يكون خفضًا، وإن حذفت اللام. ومن قرأ بالتخفيف فهو موضع سجدةٍ، ومن قرأ بالتشديد فلا.
[ ١١ / ٥٠٨ ]
ومن قرأ بالتخفيف، فهو (ألا يسجدوا)، (ألا) للتنبيه، و(يا) حرف النداء، ومناداه محذوف، كما حذفه من قال:
ألا يا أسلمي يا دار مىّ على البلى
وفي حرف عبد الله وهي قراءة الأعمش: (هَلّا) و(هَلَا)؛ بقلب الهمزتين هاء. وعن عبد الله: (هلا تسجدون) بمعنى ألا تسجدون على الخطاب. وفي قراءة أبىّ: (ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والأرض ويعلم سركم وما تعلنون) وسمي المخبوء بالمصدر: وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه عز وعلا من غيوبه.
_________________
(١) ـ قوله: (ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى)، تمامه لذي الرمة: ولا زال منهلًا بجرعائك القطر انهل القطر انهلالًا، أي: سال بشدةٍ، والجرعاء: الرملة المستوية التي لا تنبت شيئًا. قوله: ("هلا" و"هلا")، بالتشديد والتخفيف على القراءتين، بقلب الهمزة هاءً. وفي "المطلع": فإن قيل: كيف جاء في قراءة التخفيف مكتوبًا في المصحف ﴿يَسْجُدُوا﴾ كما يكتب المضارع، وحرف النداء لا يوصل بالفعل كتابةً؟ ! قلت: رسم الكتابة الأولى كان على موافقة اللفظ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] وأشباهه، فلما وصلت الياء من حرف النداء بسين "اسجدوا" لفظًا كتبت الياء موصولةً بها، على أنه يجوز أن الإمام بناه على القراءة بالتشديد، وهذا هو العذر في قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١١] لمن فسره بـ "ألا يا ناس اتقون". قوله: (مما خبأه عز وعلا من عيوبه)، الراغب: الخبأ: يقال لك مدخرٍ مستورٍ، ومنه:
[ ١١ / ٥٠٩ ]
وقرئ: (الخب)، على تخفيف الهمزة بالحذف. والخبا، على تخفيفها بالقلب، وهي قراءة ابن مسعود ومالك بن دينار. ووجهها: أن تخرّج على لغة من يقول في الوقف: هذا الخبو، رأيت الخبا، ومررت بالخبى. ثم أجري الوصل مجرى الوقف، لا على لغة من يقول: الكمأة والحمأة، لأنها ضعيفة مسترذلة. وقرئ: (يخفون ويعلنون) بالياء والتاء.
وقيل: من (أَحَطتُ إلى (العَظِيمِ) هو كلام الهدهد. وقيل: كلام رب العزة.
_________________
(١) ـ جاريةٌ مخبأة، والخبأة: هي التي تظهر مرةً، وتخبأ أخرى، والخباء: سمةٌ في موضعٍ خفيٍّ. قوله: (لا على لغة من يقول: الحمأة والكمأة)، أي: يقولون في الحمأة والكمأة بالهمز: الحماة الكماة، لأنها مستر ذلةٌ، لأن الاصل في تخفيف الهمزة- إذا سكن ما قبلها- الحذف، لا القلب، كالحمة والكمة. الجوهري: الحمأ: الطين الأسود، وكذلك الحمأة بالتسكين، والكمأة واحدها كمءٌ على غير قياس، وكمأت [القوم] كمأ: أطعمتهم الكمأة. قوله: (وقرئ: "يخفون" و"يعلنون" بالتاء والياء)، بالتاء الفوقانية: حفصٌ، والباقون: بالياء. قوله: (وقيل: من ﴿أَحَطتُ﴾ إلى ﴿الْعَظِيمِ﴾ هو كلام الهدهد. وقيل: كلام رب العزة)، قال ﵀: معناه: أنه كلام الله ألقى حكايته على لسان الهدهد. قال صاحب " التقريب": وفي الثاني نظرٌ، لأن قوله: ﴿أَحَطتُ﴾ إلى آخره، ظاهرٌ أنه من كلام الهدهد، فلعل الخلاف من قوله: "ألا يا اسجدوا" على التخفيف، كما هو في
[ ١١ / ٥١٠ ]
وفي إخراج الخبء: أمارة على أنه من كلام الهدهد؛ لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه، ولا يكاد تخفى على ذي الفراسة النظار بنور الله
_________________
(١) ـ "اللباب"، وفيه: من قرأ بلفظ الأمر، أي: "ألا يا اسجدوا"، فهو استئناف كلامٍ من الله تعالى، وقيل: متصلٌ بكلام الهدهد، وقيل: من كلام سليمان. وقلت: الواجب التوافق بين القراءتين الثابتتين. قوله: (وفي أخراج الخبء: أمارةٌ على أنه من كلام الهدهد)، يريد أن المناسب من حال الهدهد وكونه قناقن نبي الله، وصاحب وضوئه أن يعظم الله ويسبحه بما تكرر عنده في خزانة خياله من إخراج الخبء، وإلا فالله ﷿ له الأسماء الحسنى، وإليه الإشارة بقوله: "ما عمل عبدٌ عملًا إلى ألقى الله ﷿ عليه رداء عمله". قوله: (لهندسته)، الجوهري: المهندس: الذي يقدر مجاري القني حيث تحفر، وهو مشتقٌ من الهنداز، وهي فارسيةٌ فصيرت الزاي سينًا، لأنه ليس في شيءٍ من كلام العرب زايٌ بعد الدال، والاسم الهندسة. قوله: (ذي الفراسة النظار بنور الله)، من قوله - ﷺ -: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، أخرجه الترمذي عن أبي سعيدٍ. الجوهري: الفراسة من قولك: تفرست فيه خيرًا، وهو يتفرس، أي: يتثبت وينظر.
[ ١١ / ٥١١ ]
مخائل كل مختص بصناعة أو فنّ من العلم في روائه ومنطقه وشمائله، ولهذا ورد: "ما عمل عبد عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله".
فإن قلت: أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما؟ قلت، هي
_________________
(١) ـ وقال المصنف: وحقيقة المتوسمين: النظر المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، ومعنى قوله: "ولا يكاد يخفى … " إلى آخره: أن صاحب الفراسة لا يخفى عليه إذا توسم في منظر شخصٍ، أو منطقة، أو شمائله، ما أبطن به اختصاصه بصنعة أو فعل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. قوله: (مخائل)، الجوهري: يقال: أخلت فيه خالًا من الخير، وتخولت فيه خالًا، أي: رأيت فيه مخيلته. الأساس: أخطأت في فلانٍ مخيلتي، أي: ظني: ورأيت في السماء مخيلة، وهي السحابة، فخالها ماطرةً لرعدها وبرقها، ورأيت فيها مخايل. وعن بعضهم: يقال: ما أحسن مخيلة السحاب وخاله، أي: خلاقته للمطر، ويقال: مخيلٌ للخير، أي: خليقٌ له، والخال: السحاب الذي فيه مخايل المطر، أي: مظانه. قوله: (روائه)، أي: منظره البهي، يقال: من الرئي، يقال: رجل له رواءٌ، بالضم، ونظيره قولهم: إن الجواد عينه فراره، أي: يغنيك ظاهره عن اختبار باطنه، كقول عبد الله ابن رواحة في رسول الله - ﷺ - حين رآه: "ما هذا بوجه كذابٍ"، ثم قال لنفسه: لو لم يكن فيه آياٌ مبينةٌ … كانت بداهته تنبيك بالخبر ويروى: "تغنيك".
[ ١١ / ٥١٢ ]
واجبة فيهما جميعا، لأنّ مواضع السجدة؛ إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم للتارك. وقد اتفق
_________________
(١) ـ قوله: (وإحدى القراءتين أمرٌ بالسجود، والأخرى ذمٌ للتارك)، يريد القراءة بتخفيف ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ وبتثقيلها، وقلت: أما المعنى على التثقيل وبيان الذم، فإن الهدهد أخبر نبي الله أنه وجد قومًا مرتكبين أمرًا فظيعًا، حيث يسجدون لما لا ينبغي السجود له، ويمتنعون عن سجود من يجب عليهم سجوده، ثم بين لهم بعض وجه امتناعهم عن السجود لله تعالى إلى السجود للغير بقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، لأن الواو تقتضي معطوفًا عليه هو سببٌ لما تقدم، المعنى: ذلك بأن الله رقم عليهم الشقاوة وحرمهم التوفيق، وسلط عليهم الشيطان حتى زين لهم الكفر، فسجدوا لمن لا يستحقه، لكونه مخلوقًا مسخرًا، فصدهم عن الطريق المستقيم بأن امتنعوا عن السجود لمن يستحقه، لتفرده بكمال القدرة من إخراج الخبء من الأرض والسماوات، وشمول العلم بالخفيات. والمعنى على التخفيف: إذا كان "ألا يسجدوا" من كلام الهدهد، فالمخاطبون إما بلقيس وقومها، وهم غيبٌ، فإن الهدهد عند هذا التقرير احتمى وغضب عليهم لله تعالى، فجعلهم حضارًا، والتفت إليهم فكافحهم به، وواجههم، أو نبه من بحضرة نبي الله، ليثبتوا على ما هم فيه، ويغتنموا فرصة الإسلام. وأما قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ فكالاستدراك والترقي، فإن الهدهد لما وصف الله تعالى بما في خزانة خياله من إخراج الخبء رأى بعد ذلك تقصيره في ذلك الرتب، لأن السجود غاية الخضوع والتذلل، ولا يستوجبه إلا من له غاية الجلال والعظمة والكبرياء، فثنى إلى قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ولذلك قطعه من الأوصاف الجارية على الله، وأتى باسم الذات الجامعة، وقرنه بكلمة التوحيد، وأردفه بقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال الجوهري: المعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا. وقال بعضهم: إن "يا" في هذا الموضع
[ ١١ / ٥١٣ ]
أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله على أنّ سجدات القرآن أربع عشرة، وإنما اختلفا في سجدة (ص) - فهي عند أبي حنيفة سجدة تلاوة. وعند الشافعي: سجدة شكر- وفي سجدتي سورة الحج وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد، فغير مرجوع إليه. فإن قلت: هل يفرق الواقف بين القراءتين؟ قلت: نعم إذا خفف وقف على: (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) ثم ابتدأ (أَلَّا يَا اسْجُدُوا)، وإن شاء وقف على (ألا يا)، ثم ابتدأ (اسجدوا) وإذا شدّد لم يقف إلا على (الْعَرْشِ الْعَظِيمِ). فإن قلت: كيف سوّى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظم؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم، لأنّ وصف عرشها بالعظم: تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك. ووصف عرش الله بالعظم: تعظيم له بالنسبة إلى
_________________
(١) ـ إنما هو للتنبيه، كأنه قال: "ألا اسجدوا" فلما أدخل عليها "يا" للتنبيه سقطت الألف التي في "اسجدوا"، لأنها ألف وصلٍ، وذهبت الألف التي في "يا" لاجتماع الساكنين، لأنها والسين ساكنان. قال ذو الرمة: "ألا يا اسلمي" البيت. قال الإمام: قال أهل التحقيق: قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ يجب أن يكون بمعنى الأمر، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن لوصفه تعالى بما يوجب أن يكون السجود له، وهو كونه قادرًا على إخراج الخبء عالمًا بالأسرار معنى. قوله: (فغير مرجوع إليه)، قيل: لأن الزجاج توهم أن مع التخفيف صيغة أمرٍ، وهو للوجوب، ومع التشديد ليس كذلك، وفي كلام المصنف ذم التارك إشارةً إلى قولهم: الواجب ما يذم تاركه شرعًا، وردٌ لقول الزجاج قال القاضي: وعلى الوجهين يقتضي وجوب السجود في الجملة لا عند قراءتها.
[ ١١ / ٥١٤ ]
سائر ما خلق من السماوات والأرض. وقرئ: (العَظِيمِ) بالرفع.
[(قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ* اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ)].
(سَنَنْظُرُ) من النظر الذي هو التأمل والتصفح. وأراد: أصدقت أم كذبت، إلا أن (كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) أبلغ، لأنه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين؛ كان كاذبا لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم بالكذب فيم أخبر به فلم يوثق به. (تَوَلَّ عَنْهُمْ)
_________________
(١) ـ قوله: (من النظر الذي هو التأمل والتصفح)، وعن بعضهم: النظر تقليب الحدقة إلى المرئي، ويعدى بـ "إلى". قال الشاعري: إني إليك لما وعدت لناظرٌ … نظر الفقير إلى الغني الواجد والنظر: تأمل الشيء بالعين، ويعدى بـ "في"، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ومنه نظر في الكتاب، ويقال: نظر له، أي: تعطف، ومن كلام المأمون: ما أحوجني [إلى] ثلاثٍ: صديقٍ أنظر إليه، وفقيرٍ أنظر له، وكتابٍ أنظر فيه. الراغب: النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص. واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة، والنظير: المثيل، وأصله المناظر وكأنه ينظر كل صاحبه فيباريه، والمناظرة: المباحثة والمباراة في النظر، واستحضار كل ما يراه ببصيرته، والنظر: البحث، وهو أعم من القياس.
[ ١١ / ٥١٥ ]
تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه، ليكون ما يقولونه بمسمع منك. و(يَرْجِعُونَ) من قوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ) [سبأ: ٣١] فيقال: دخل عليها من كوّة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوّة.
فإن قلت: لم قال: فألقه إليهم، على لفظ الجمع؟ قلت: لأنه قال: (وجَدتُّهَا وقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ)، فقال: فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره. وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك.
[(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ)].
(كَرِيمٌ) حسن مضمونه وما فيه، أو وصفته بالكرم، لأنه من عند ملك كريم، أو
_________________
(١) ـ قوله: (حسن مضمونه وما فيه)، أي: أن معناه حسنٌ، وكتابته وترتيبه، وما يتوخى في مثله الحسن مجموعٌ فيه، لما مر في "الشعراء" أن الشيء إذا وصف بالكرم، كأن المراد أن ذلك الشيء فائقٌ في بابه فعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ إلى ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بيان لما في الكتاب، كما صرح به الزجاج، كأنها لما قالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ أي: حسن مضمونه وما فيه، اتجه لسائل أن يقول: بيني لي مضمونه وما فيه، أجابت: فيه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾، فقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أما على الفتح فظاهر، وأما على الكسر فعلى تأويل: فيه هذا اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ على قراءة الفتح والكسر، فعلى هذا "أن" في ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ ناصبة، أي: فيه أن لا تعلوا، وإنما لم يؤت بحرف النسق للدلالة على أن الجملتين السابقتين كالتمهيد للثالثة، لأنها المقصودة بالذات، ولذلك عطف الأمر على النهي على سبيل الطرد والعكس تأكيدًا، فعلم من هذا التقرير أن ما في كلام الله المجيد مختصر مما في كتاب نبي الله، وذكر ما هو أهم وأعني، ويعضده جواب جعفر ابن يحيي حين سئل عن أوجز كلام فتلا الآية، فقال: جمع الله فيها العنوان والكتاب
[ ١١ / ٥١٦ ]
مختوم. قال ﷺ: "كرم الكتاب ختمه". وكان ﷺ يكتب إلى العجم، فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما. وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به. وقيل: مصدّر ببسم الله الرحمن الرحيم.
هو استئناف وتبيين لما ألقى إليها، كأنها لما قالت: إني ألقي إلىّ كتاب كريم، قيل لها: ممن هو؟ وما هو؟ فقالت: إنه من سليمان وإنه: كيت وكيت.
وقرأ عبد الله: (وإنه من سليمان وإنه) عطفا على: (إنِّى). وقرئ: (أنه من سليمان وأنه) بالفتح؛ على أنه بدل من (كِتَابٌ)، كأنه قيل: ألقي إلىّ أنه من سليمان. ويجوز أن تريد: لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان، وتصديره باسم الله.
_________________
(١) ـ والحاجة، وهذا أولى مما ذهب إليه المصنف، فإنه وإن أصاب في قوله: "استئناف وتبيين"، لكنه ذهل عن طريق السؤال، حيث قال: "ممن هو وما هو؟ "، ولم يقل: "ما فيه؟ "، لما يشعر من قوله ألا يكون ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ مكتوبًا في الكتاب، على أنه صرح بعد ذلك أنه كان مكتوبًا فيه: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس، وكذا عن الزجاج، وقال: لذا كتب الناس: "من عبد الله"، احتذاءً بكتاب سليمان. قوله: (وكان - ﷺ - يكتب إلى العجم)، الحديث، من رواية البخاري ومسلمٍ والترمذي وأبي داود والنسائي عن أنسٍ قال: أرد النبي - ﷺ - أن يكتب إليهم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضةٍ، ونفشه: محمدٌ رسول الله. وفي روايةٍ قال: أراد نبي الله أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه خاتٌم، فاصطنع خاتمًا.
[ ١١ / ٥١٧ ]
وقرأ أبيّ: (أن من سليمان وأن بسم الله)، على أن المفسرة. و(أن) في (أَلَّا تَعْلُوا) مفسرة أيضا. (لا تعلوا): لا تتكبروا كما يفعل الملوك. وقرأ ابن عباس ﵄ بالغين معجمة؛ من الغلو: وهو مجاوزة الحد. يروى أنّ نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علىّ وائتوني مسلمين، وكانت كتب الأنبياء ﵈ جملا لا يطيلون ولا يكثرون، وطبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه، فوجدها الهدهد راقدة في قصرها بمأرب، وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية. وقيل: "نقرها فانتبهت فزعة". وقيل: أتاها والقادة والجنود حواليها، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، وكانت قارئة كاتبة عربية من نسل تبع بن شراحيل
_________________
(١) ـ قوله: (وكانت كتب الأنبياء ﵈ جملًا لا يطيلون، ولا يكثرون)، وقال القاضي: هذا كلامٌ في غاية الوجازة، مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الإله وصفاته، صريحًا أو التزامًا، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والأمر بالإسلام الذي هو الجامع لأمهات الفضائل، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاءً للتقليد، فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة، وهو تلخيص كلام الإمام. قوله: (فرفرف)، الجوهري: رفرف الطائر: إذا حرك جناحيه حول الشيء يريد أن يقع عليه.
[ ١١ / ٥١٨ ]
الحميري، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، وقالت لقومها ما قالت: (مُسْلِمِينَ) منقادين، أو مؤمنين.
(قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) [النمل: ٣٢].
الفتوى: الجواب في الحادثة، اشتقت على طريق الاستعارة من الفتاء في السن. والمراد بالفتوى هاهنا: الإشارة عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير، وقصدت بالانقطاع إليهم والرجوع إلى استشارتهم واستطلاع آرائهم: استعطافهم وتطييب نفوسهم ليمالئوها ويقوموا معها. (قاطِعَةً أَمْرًا): فاصلة. وفي قراءة ابن
_________________
(١) ـ قوله: (اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن)، المغرب: واشتقاق الفتوى من الفتى، لأنها جوابٌ في حادثةٍ، أو إحداث حكمٍ، أو تقويةٌ لبيان مشكلٍ. الجوهري: فتى- بالكسر- يفتى فتًى فهو فتى السن بين الفتاء. عن بعضهم: الفتاء: هو الحداثة واللذاذة، قال: إذا عاش الفتى مئتين عامًا … فقد ذهب اللذاذة والفتاء وقلت: فعلى هذه الجهة الجامعة بين المستعار والمستعار له، إما الإحداث كما يقال للفتى: هو حديث السن، أو القوة، فإن في الفتى مظنة القوة والشدة. وفي كلام المصنف أيضًا إشارةٌ إلى هذين المعنيين، فقوله: " فيما حدث لها من الرأي" إشارةٌ إلى الأول، وقوله: "ليمالئوها ويقوموا معها" إشارةٌ إلى الثاني، وقال صاحب "المطلع": فكأن الإفتاء الإشارة على المستفتي فيما حدث له من الحادثة، بما عند المفتي من الرأي والتدبير، وهو إزالة ما حدث له من الإشكال، كالإشكاء: إزالة الشكوى. قوله: (ليمالئوها)، الجوهري: قال أبو زيد: مالأته على الأمر ممالأة: ساعدته عليه، وشايعته.
[ ١١ / ٥١٩ ]
مسعود ﵁: (قاضية) أي: لا أبت أمرا إلا بمحضركم. وقيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا: كل واحد على عشرة آلاف.
(قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَاسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَامُرِينَ) [النمل: ٣٣].
أرادوا بالقوة: قوّة الأجساد وقوّة الآلات والعدد. وبالبأس: النجدة والبلاء في الحرب (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) أي: هو موكول إليك، ونحن مطيعون لك، فمرينا بأمرك نطعك ولا نخالفك. كأنهم أشاروا عليها بالقتال. أو أرادوا: نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأى والمشورة، وأنت ذات الرأى والتدبير، فانظرى ماذا ترين: نتبع رأيك.
[(قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ* وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)].
لما أحست منهم الميل إلى المحاربة، رأت من الرأي الميل إلى الصلح والابتداء بما هو أحسن، ورتبت الجواب، فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ فيه؛ بـ (إِنَّ الْمُلُوكَ
_________________
(١) ـ ابن السكيت: تمالؤوا على الأمر: اجتمعوا عليه وتعاونوا. قوله: (قوة الأجساد وقوة الآلات)، الراغب: القوة تستعمل تارةً في معنى القدرة، قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، وتارةً للتهيؤ الموجود في الشيء، نحو أن يقال: النوى بالقوة نخلٌ، ويستعمل في البدن نحو: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وفي القلب نحو: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وفي المعاون من خارجٍ نحو: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠]، وفي القدرة الإلهية نحو: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
[ ١١ / ٥٢٠ ]
إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً) عنوة وقهرا (أَفْسَدُوها) أي: خرّبوها - ومن ثمة قالوا للفساد: الخربة -، وأذلوا أعزتها، وأهانوا أشرافها، وقتلوا وأسروا، فذكرت لهم عاقبة الحرب وسوء مغبتها ثم قالت: (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) أرادت: وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الملك القديم، فسمعت نحو ذلك ورأت، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد. وقيل: هو تصديق من الله لقولها،
_________________
(١) ـ قوله: (قالوا للفساد: الخربة)، الأساس: وبلدٌ خرابٌ، وهو صاحب خربةٍ، أي: فسادٍ، وريبةٍ، قال قيس بن النعمان: لحى الله أدنانا إلى كل خربة … وأبطأنا في ساحة المجد أقدحا وما رأينا من فلانٍ خربةً في دينه. قوله: (وسوء مغبتها)، الجوهري: وقد غبت الأمور، أي: صارت إلى أواخرها. قوله: (أرادت: هذه عادتهم المستمرة الثابتة)، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] الجملة كالتذييل للكلام السابق والتقرير له. قوله: (وقيل: هو تصديقٌ من الله لقولها)، قال الراغب في "غرة التنزيل": ويجوز أن يكون خبرًا عن الله تعالى بخبر نبينا صلوات الله عليه فيعترض بين جمل ما يحكى تصديقًا لها، ثم قال عائدًا إلى حكاية قولها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٣٥] ويجوز أن يكون من الحكاية على معنى أن الملوك تأثيرهم في القرى التي يدخلونها تخريبها، وكذلك يفعل هؤلاء، يعني: سليمان ﵇ وخيله.
[ ١١ / ٥٢١ ]
وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ويجعلونها حجة لأنفسهم. ومن استباح حراما فقد كفر، فإذا احتج له بالقرآن على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين.
(مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) أي: مرسلة رسلا بهدية أصانعه بها عن ملكي (فَناظِرَةٌ)؛ ما يكون منه حتى أعمل على حسب ذلك، فروي: أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري، وحليهنّ الأساور والأطواق والقرطة، راكبي خيل مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدرّ والياقوت المرتفع والمسك والعنبر، وحقا فيه درّة عذراء، وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رجلين من أشراف قومها: المنذر بن عمرو، وآخر ذا رأى وعقل، وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرّة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة خيطا، ثم قالت للمنذر: "إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك، فلا يهولنك، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبىّ"، فأقبل
_________________
(١) ـ وقلت: على هذا الوجه ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] ليس بتذييلٍ، وعلى ما ذكره المصنف في الوجهين السابقين تذييلٌ. قيل: على أن يكون من كلام الله تعالى الوقف على ﴿أَذِلَّةً﴾ لاختلاف القائلين، على أن يكون من كلامها لا يوقف. قوله: (أصانعه بها)، الأساس: ومن المجاز: صانعت فلانًا: إذا داريته، ومنه: المصانعة بالرشوة، وفرس مصانع: لا يعطيك جميع ما عنده من السير كأنه يرافقك بما يبذل منه، ويصون بعضه. قوله: (والقرطة)، الجوهري: القرط: الذي يعلق في شحمة الأذن، والجمع قرطةٌ، وقراطٌ أيضًا، مثل: رمحٍ ورماحٍ.
[ ١١ / ٥٢٢ ]
الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجنّ فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسىّ من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك، فلما دنا القوم ونظروا: بهتوا، ورأوا الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وقال: "أين الحقّ"؟ وأخبره جبريل ﵇ بما
_________________
(١) ـ قوله: (فتقاصرت إليهم نفوسهم)، الأساس: اقتصر المطر: أقلع، وقصر في حاجته، وقصر عن منزلته، وقصر به عمله، وأقصر عن الأمر: كف عنه وهو يقدر عليه، وقصر قصورًا: عجز عنه، ولم ينله، وتعديته بـ "إلى" في الكتاب لتضمنه معنى: نظر، أي: نظروا إلى أنفسهم متقاصرين، من قوله: قصر عن منزلته، وقصر به عمله، أو من القصور: العجز. قوله: (ما وراءكم؟)، قيل: يعني: ما كان معكم ورميتموه خلفكم، وقيل: أي: ما في خاطركم، وما مرادكم، وقال الميداني: قال أبو عبيدٍ: سأل النابغة الذبياني عصام بن شهيرٍ حاجب النعمان- وكان النعمان مريضًا-: ما وراءك يا عصام؟ أى: ما خلفت من أمر العليل، وما أمامك من حاله؟ ووراء من الأضداد. وقال المفضل: أول من قال ذلك الحارث بن عمرٍو ملك كندة، وذلك أنه لما بلغه جمال ابنة عوفٍ وكمالها وقوة عقلها، دعا امرأةً يقال لها: عصام، فقال: اذهبي حتى تعلمي
[ ١١ / ٥٢٣ ]
فيه فقال لهم: إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت فيها، فجعل رزقها في الشجرة. وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ونفذت فيها، فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وقال للمنذر: أرجع إليهم، فقالت: هو نبىّ وما لنا به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (فلما جاءوا)،
_________________
(١) ـ لي علم ابنة عوفٍ، فمضت فنظرت إلى ما تر مثله قط، فلما أقبلت قال الحارث: ما وراءك يا عصام؟ قالت: صرح المخض عن الزبدة، القصة إلى آخرها. قوله: (ثم أمر الأرضة فأخذت شعرةً ونفذت فيها)، أي: في الدرة العذراء، والفاء في "فأخذت" فصيحةٌ، أي: فنقبتها، وأخذت شرعةً ونفذت فيها، ولذلك ترك الفاء في قوله: "وأخذت دودةٌ بيضاء، الخيط بفيها، ونفذت فيها"، أي: في الجزعة المعوجة الثقب. قوله: (في اثني عشر ألف قيل)، النهاية: الأقيال: جمع قيل، وهو أحد ملوك حمير دون الملك الأعظم. وعن بعضهم: القيل: الملك الذي له القول والأمر، وأصله: القيل، فخفف، وقيل: من التقيل: وهو التتبع كما قيل له: تبعٌ. وفي الدعاء: "سبحان من تعطف بالمجد وقال به"، أي: ملك من القيل، وفي "النهاية" عن الأزهري: معناه: غلب به، وأصله من القيل: الملك، لأنه ينفذ قوله.
[ ١١ / ٥٢٤ ]
(أَتُمِدُّونَنِ) وقرئ: بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وبالإدغام، كقوله: (أَتُحاجُّونِّي) وبنون واحدة: "أتمدوني". الهدية: اسم المهدى، كما أن العطية اسم المعطى، فتضاف إلى المهدى والمهدى إليه، تقول هذه هدية فلان، تريد: هي التي أهداها أو أهديت إليه، والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه. والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ قرئ بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة) ابن عامرٍ وعاصمٌ والكسائي، وبالإدغام حمزة. قال القاضي: ﴿أَتُمِدُّونَنِ﴾ خطابٌ للرسول ومن معه، أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب على الغائب. قال صاحب "المطلع": "تمددون" فيه حذف النون الثانية التي يصحبها ضمير المتكلم كما في "قدي" وحذف الأولى لحنٌ، لأنها علامةٌ، ومن قرأ بنونين جمع بين المثلين، ولم يدغم، لأن الثانية ليست بلازمةٍ، فإنها تزاد مع ضمير المتكلم. قوله: (والمضاف إليه هاهنا هو المهدى إليه)، تقديره: بل أنتم بالإهداء إليكم تفرحون، وإليه الإشارة بقوله: "فلذلك تفرحون بما تزادون ويهدى إليكم" وفيه تعريضٌ بأن حاله ﵇ على خلاف حالهم، ولذلك قيل: هدية الأمراء غلولٌ، وجيء بكلمة
[ ١١ / ٥٢٥ ]
وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمدّ بمال ويصانع به؟
(بَلْ أَنْتُمْ) قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك (تَفْرَحُونَ) بما تزادون ويهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم وحالى خلاف حالكم، وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان وترك المجوسية. فإن قلت: ما الفرق بين قولك: أتمدني بمال وأنا أغنى منك، وبين أن تقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبى عالما بزيادتي عليه في الغنى واليسار، وهو مع ذلك يمدني بالمال. وإذا قلته بالفاء، فقد
_________________
(١) ـ الإضراب، وأولى بها الضمير، وجعل مبتدأ ليفيد، إما تقوى الحكم، أو الاختصاص، نحو: أنت عرفت. قوله: (إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبي عالمًا بزيادتي عليه في الغنى)، لأن الواو للحال، وذو الحال فاعل "يمدني" والحال مقيدة، فيكون فاعل المقيد عالمًا بالمقيد بخلاف الفاء، لأنها لتعليل الإنكار، فالمتكلم يشير بها إلى تعليل إنكاره. قال صاحب "الفرائد" الفاء هاهنا مستعملٌ للترتيب والتعقيب، كأنه قال: لا أقبل إمدادك بمالٍ، فقال المخاطب: لم لا تقبل؟ فأجيب: لأني أغنى منك، فلما كان هذا الجواب مرتبًا على السؤال، ومعقبًا له، ترك السؤال وجيء بالفاء، وأما الواو فإنها تفيد الجمع، وهو للحال، فكأنه قال: لا أقبل منك إمدادك بمالٍ في هذه الحال، وهي كوني أغنى منك. وقلت: الواو في مثل هذا التركيب تكون للحال، وتسمى بالحال المقررة لجهة الإشكال، أي: أتمدونني بمالٍ وأنتم تعلمون أني غنيٌ! كقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقولهم:
[ ١١ / ٥٢٦ ]
جعلته ممن خفيت عليه حالي، فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت، فإني غني عنه. وعليه ورد قوله: (فَما آتانِيَ اللَّهُ). فإن قلت: فما وجه الإضراب؟ قلت: لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه: وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا
_________________
(١) ـ أتحسن إلى أعدائك، وأنا الصديق المحتاج! وهو المراد من قوله: "فقد جعلت مخاطبي عالمًا بزيادتي عليه"، وهو مع ذلك يمدني بالمال! وأما الفاء للتسبيب، فالمنكر الجملة الأولى، والثانية علة الإنكار، ولا يجب أن تكون العلة معلومةً عند المخاطب، فيجب الإعلام والتوبيخ على الجهل به، كأنه قال: لا أحتاج إلى ما آتيتمونيه، لأني غنيٌ، كما قال: أنكر عليك ما فعلت، فإن غنيٌ عنه. قوله: (فما وجه الإضراب؟)، يعني: أنكر عليهم نبي الله إمدادهم بالمال، وعلل الإنكار بكونه غنيًا عنه، فأي فائدةٍ في الإضراب عنه [إن] كان ذلك غير منكرٍ؟ وأجاب أن إنكاره ﵇ على إمدادهم بالمال مآله إلى تجهيلهم، وأنهم غير عالمين بحاله، وأنه غنيٌ عن ذلك، ثم ترقى إلى الأخذ فيما هو الأهم من ذلك الإنكار، وهو الإعلام بأن ما جعلوه سببًا للإمداد أقبح من ذل الجهل، وذلك أن قصارى أمرهم الفرح بما يهدى إليهم، فقاسوا حال نبي الله بحالهم في أن ليس له الرضا والفرح إلا بالحظوظ العاجلة، هذا إليهم، فقاسوا حال نبي الله بحالهم في أن ليس له الرضا والفرح إلا بالحظوظ العاجلة، هذا إذا قدر الإضافة إلى المهدى إليه، أما إذا جعلت الإضافة إلى المهدي، أي: الفاعل، بأن يقال: وأنتم بهديتكم هذه تفرحون فرح افتخارٍ، فيكون المعنى: الذي منحنى الله من الدين والملك الواسع خيرٌ مما آتاكم، فلا أفرح بمثل هذه المحقرات التي تفتخرون بها، فأولى الضمير حرف الإضراب، ليفيد: أنتم خصوصًا تفرحون، فأتى بهذه ليفيد التحقير. ويجوز على هذا أن يعتبر معنى تقوى الحكم من التركيب، فيفيد مطلق الرد، أي: أنتم لابد لكم أ، تفرحوا بمثل هذه المحقرات، أي: تمدونني بمالٍ وتزعمون أن من عادتي أن أفرح بأخذ الهدية! بل أنتم من حقكم أن تفرحوا به، فخذوها وافرحوا. هو على هذا الوجه كنايةٌ.
[ ١١ / ٥٢٧ ]
فرح، إلا أن يهدى إليهم حظ من الدنيا التي لا يعلمون غيرها. ويجوز أن تجعل الهدية مضافة إلى المهدي، ويكون المعنى: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك، بأنكم قدرتم على إهداء مثلها. ويحتمل أن يكون عبارة عن الردّ، كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها.
(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ) [النمل: ٣٧].
(ارْجِعْ) خطاب للرسول. وقيل: للهدهد محملا كتابا آخر (لَّا قِبَلَ): لا طاقة. وحقيقة القبل: المقاومة والمقابلة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم. وقرأ ابن مسعود ﵁: (لا قبل لهم بهم). الضمير في (مِنْهَا) لسبأ. والذل: أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العزّ والملك. والصغار: أن يقعوا في أسر واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿ارْجِعُ﴾ خطابٌ للرسول، وقيل: للهدهد)، أي: المأمور في "ارجع" مفردٌ، والمقدم ذكرهم جماعةٌ، بدليل قوله: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، فيحمل إما على المصدر، كقولهما: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، أو أن يجعل الخطاب للهدهد كما في قوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾، أي: ارجع إليهم بكتابي ﴿فَلَنَاتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ﴾، ويعضد الأول قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، لأن المعنى: إني مرسلةٌ إليهم بهديةٍ، أصانعه بها عن ملكي، فناظرةٌ ما يكون منه إما سلمًا، وإما حربًا، حتى أعمل على حسب ذلك، فإن نبي الله ﵇ لما وقف على أن الهداية كانت مصانعةً منها، وأنها خالفت ما أراد منها بقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، احتد وغضب حميةً للإسلام، ولذلك عقب الأمر بالرجوع بالجملة القسمية المثبتة للذل والصغار، جزاءً على ذلك الصنيع بالفاء، يعني: والله لا يتخلف إتياني كذلك على رجوعك. قوله: (ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقةً بعد أن كانوا ملوكًا)، الجوهري: الاقتصار على الشيء: الاكتفاء به، وتسوق القوم: إذا باعوا واشتروا، والسوقة: خلاف الملك، وقال الحريري في "درة الغواص": توهموا أن السوقة: اسمٌ لأهل السوق، وليس كذلك، بل
[ ١١ / ٥٢٨ ]
[(قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَاتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَاتُونِي مُسْلِمِينَ)].
يروى: أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان ﵇، فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات، بعضها في بعض في آخر قصر من قصور سبعة لها. وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا يحفظونه، ولعله أوحي إلى سليمان ﵇ باستيثاقها من عرشها، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله به من إجراء العجائب على يده، مع اطلاعها على عظيم قدرة الله، وعلى ما يشهد لنبوّة سليمان ﵇ ويصدقها. وعن قتادة: أراد أن يأخذه قبل أن تسلم، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحلّ له أخذ مالها. وقيل. أراد أن يؤتى به فينكر ويغير، ثم ينظر أتثبته أم تنكره؟ اختبارا لعقلها.
[(قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)].
وقرئ: (عِفْرِية). والعفر، والعفريت، والعفرية، والعفراة، والعفارية من الرجال:
_________________
(١) ـ السوقة الرعية، سموا بذلك، لأن الملك يسوقهم إلى إرادته، ويستوي لفظ الواحد والجماعة فيه، قالت حرقة بنت النعمان: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصف وأما أهل السوق، فهم السوقيون، واحدهم: سوقي. قوله: (باستيثاقها)، استوثقت من فلانٍ: اتخذت منه وثيقةً، أو استوثق بمعنى أوثق، كاستوقد بمعنى أوقد. قوله: (أن يغرب عليها)، أي: يطلعها على أمر غريبٍ. الأساس: تكلم فأغرب: إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره.
[ ١١ / ٥٢٩ ]
الخبيث المنكر، الذي يعفر أقرانه. ومن الشياطين: الخبيث المارد. وقالوا: كان اسمه ذكوان. (لَقَوِيٌّ) على حمله (أَمِينٌ) آتي به كما هو لا أختزل منه شيئا ولا أبد له.
[(قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)].
(الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) رجل كان عنده اسم الله الأعظم، وهو: يا حي يا قيوم، وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت. وقيل: يا ذا الجلال والإكرام، وعن الحسن ﵁: الله، والرحمن. وقيل: هو آصف بن برخيا كاتب سليمان ﵇، وكان صدّيقا عالما. وقيل: اسمه أسطوم. وقيل: هو جبريل. وقيل: ملك أيد الله به سليمان. وقيل: هو سليمان نفسه، كأنه استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أسرع مما تقول. وعن ابن لهيعة: بلغني أنه الخضر ﵇: (عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ): من الكتاب المنزل، وهو علم الوحي والشرائع. وقيل: هو اللوح. والذي عنده علم منه: جبريل ﵇. وآتيك في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل. الطرف: تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر.
_________________
(١) ـ قوله: (يعفر أقرانه)، الأساس: عفر قرنه، وعافره فألزمه بالعفر، أي: صارعه، فاعتفره، أي: ضرب به الأرض. قوله: (ما هو أسرع مما تقول)، أي: مدة أقل مما يقوله. قوله: (الطرف: تحريك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر)، كأن التطرف بالنسبة إلى النظر، كالنظر بالنسبة إلى الرؤية. الأساس: وطرف إليه طرفًا: وهو تحريك الجفون، وما يفارقني طرفة عينٍ، وشخص بصره فيما يطرف، والمعنى: أن الناظر إذا أراد النظر إلى شيءٍ حرك الأجفان إلى نحوه، فهو إرسال الطرف، وإذا أراد الإمساك عنه رد الأجفان إلى مكانها الأول. قال الإمام: الطرف: تحريك الأجفان عند النظر، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور
[ ١١ / ٥٣٠ ]
ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا … لقلبك يوما أتعبتك المناظر
_________________
(١) ـ العين امتد إلى المرئي، وإذا أغمضت فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين، فكما وصف الشاعر النظر بالإرسال، ووصف العالم الانتهاء بالرد، ثم أسند الارتداد إلى الطرف على المجازي، وقال: يرتد إليك طرفك، لأن الأصل: ترد طرفك. قوله: (وكنت إذا أرسلت) البيت، بعده: رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ … عليه ولا عن بعضه أنت صابر قال المرزوقي: "رائدًا" حالٌ، وجواب "إذا": "أتعبتك المناظر"، وقوله: "رأيت الذي"، تفصيلٌ لما أجمله "أتعبتك المناظر"، والرائد: الذي يتقدم القوم لطلب الكلأ لهم. المعنى: إذا جعلت عينك رائدًا لقلبك تطلب له هواهم، فتتعبك مناظرها، وأوقعتك مواردها في أشق المكاره، وذلك أنها تهجم بالقلب في ارتيادها له على ما لا يصبر في بعضه على فراقه مع مهيجات اشتياقه، ولا يقدر على السلو عن جميعه، فهو ممتحنٌ الدهر ببلوى ما لا يقدر على كله، ولا يصبر عن بعضه. وعن بعض الحكماء: من أرسل طرفه استدعى حتفه، وفي المثل: الرائد لا يكذب أهله، لأنه إن كذب هلك معهم.
[ ١١ / ٥٣١ ]
وصف بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن تردّه أبصرت العرش بين يديك: ويروى: أن آصف قال لسليمان ﵇: مدّ عينيك حتى ينتهى طرفك. فمدّ عينيه فنظر نحو اليمن. ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب، ثم نبع عند مجلس سليمان ﵇ بالشام بقدرة الله، قبل أن يردّ طرفه. ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، وفي ردّة طرف، والتفت ترني، وما أشبه ذلك: تريد السرعة. (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ويصونها عن سمة الكفران، وترتبط به النعمة ويستمد المزيد. وقيل: الشكر، قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة. وفي كلام بعض المتقدمين: إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت ناقرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب
_________________
(١) ـ قيل: الشعر لعبد الله بن طاهر بن الحسين. قوله: (أقشعت نافرةً)، الأساس: انقشع الغيم، وتقشع، وأقشع، وقشعته الريح، ومن المجاز: انقشع الظلام والبرد، واجتمعوا عليه ثم انقشعوا، وانقشعوا عن الماء، وتقشعوا: تفرقوا. قوله: (فرجعت في نصابها)، أي: أصلها. الأساس: وهو يرجع إلى منصب صدقٍ، ونصاب صدقٍ، وهو أصله الذي نصب فيه وركب، ومنه نصاب السكين، وهو أصله الذي نصب فيه وركب. قوله: (واستدم راهنها)، الأساس: نعمة الله راهنةٌ: دائمةٌ، وهذ الشيء راهنٌ لك: معدٌ، وطعامٌ راهنٌ، وكأسٌ راهنةٌ: دائمةٌ لا تنقطع، وأرهن لضيفه الطعام والشراب: أدامهما، وفي كلامهم: النعمة إذا سمعت نغمة الشكر تهيأت للمزيد.
[ ١١ / ٥٣٢ ]
إذا أنت لم ترج لله وقارا. (غَنِيٌّ) عن الشكر. (كَرِيمٌ) بالإنعام على من يكفر نعمته، والذي قاله سليمان ﵇ عند رؤية العرش شاكرا لربه، جري على شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين من عباده يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر.
[(قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ* فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ* وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ)].
(نَكِّرُوا) اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله، كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه. قالوا: وسعوه وجعلوا مقدّمه مؤخره، وأعلاه أسفله. وقرئ: (نَنظُرْ) بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف (أَتَهْتَدِي) لمعرفته، أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين والايمان بنبوّة سليمان ﵇، إذا رأت تلك المعجزة البينة، من تقدّم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب، ونصبت عليه الحرس. هكذا ثلاث كلمات: حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة. لم يقل: أهذا عرشك،
_________________
(١) ـ وفي الحديث: "النعمة وحشيةٌ قيدوها بالشكر". قوله: (إذا أنت لم ترج لله وقارًا)، مقتبسٌ من قول نوحٍ ﵇ على معنى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ﴾ [نوح: ١٣] على معنى: ما لكم تكونون على حالٍ تأملون فيها تعظيم الله إياكم، يعني أن الله تعالى أكرمك بأن أسبغ عليك نعمة ظاهرةً وباطنةً، فإنك إن لم تشكرها أهانك، فيكشف ذلك الستر عنك، فتزول تلك النعمة، أو على معنى: ما لكم لا تخافون لله حلمًا، وترك معاجلة، يعني: أنك تماديت في المعاصي، وأن الله ستر عليك بحلمه، فعن قريبٍ يتقلص ذلك الستر، فتهلك، والأول أنسب للمقام.
[ ١١ / ٥٣٣ ]
ولكن: أمثل هذا عرشك، لئلا يكون تلقينا (قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل. (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) من كلام سليمان وملئه: فإن قلت: علام عطف هذا الكلام، وبم اتصل؟ قلت: لما كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم: (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ) نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو: قد أصابت في جوابها وطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله
_________________
(١) ـ قوله: (لئلا يكون تلقينًا)، يعني: إنما عدل نبي الله عن السؤال الذي فيه إيهامٌ إلى قوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢]، ليوقعها في ورطة الحيرة، إذ لو صرح بقوله: أهذا عرشك؟ كان قد لقنها بذلك، وحين كانت جازمةً بأن ذلك عرشها، وكان لها أن تقول: بل هو هو، فعدلت إلى قولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ لرجاحة عقلها، لتبقي الاحتمال الذي قصده نبي الله. قوله: (ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل). الانتصاف: وفي نكتةٌ حسنةٌ، وإن كانت كاف التشبيه في السؤال والجواب، فحكمته أن "كأنه" عبارة من قوي عنده الشبه، وكادت تقول: هو هو، و"هكذا هو" عبارةٌ جازمةٌ بتغاير الأمرين، حاكمٌ بوقوع الشبه بينهما، فالأول أشبه بحال بلقيس. واعلم [أن] "كأن" مركبةٌ من كاف التشبيه و"أن"، على ما قالوا: "الأصل في قولك: كأن زيدًا الأسد": أن زيدًا كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت الهمزة، ليكون داخلًا على المفرد لفظًا، والمعنى على الكسر، بدليل جواز السكوت عليه، فلا يكون قولك: "كأن زيدًا أسدٌ" غير التشبيه، لتوكيد مضمون الجملة بـ "أن" المؤكدة، بخلاف "زيد كالأسد". قوله: (وطبقت المفصل)، وعن بعضهم: الرجل إذا أصاب الحجة يقال: طبق
[ ١١ / ٥٣٤ ]
وصحة النبوّة بالآيات التي تقدّمت عند وفدة المنذر، وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، ولم نزل على دين الإسلام؛ شكرا لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها. (وَصَدَّها) عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة، ويجوز أن يكون من كلام بلقيس موصولا بقولها: (كَأَنَّهُ هُوَ) والمعنى: وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوّة سليمان ﵇ قبل هذه المعجزة، أو قبل هذه الحالة، تعني: ما تبينت من الآيات عند وفدة المنذر ودخلنا في الإسلام، ثم قال الله تعالى: (وصَدَّهَا) قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل. وقيل:
_________________
(١) ـ المفصل، مستعارٌ من طبق السيف: إذا أصاب المفصل فأبانه، فأما إذا أصاب العظم فقطعه، فإنه يقال: صمم، أي: ثبت ولم ينب. قوله: (عطفوا على ذلك)، جواب "لما" في قوله: "لما كان المقام"، وقوله: " ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] مقول قولهم، ويجوز أن يكون "يقولوا"، بيان "ما"، وقوله: "قد أصابت في جوابها" مقول "أن يقولوا" والحاصل: أن قول سليمان وملئه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ معطوفٌ على مقدرٍ، ويدل عليه سياق الكلام ومقتضى المقام، وهو أن بلقيس لما سئلت عما سئلت، وأجابت بما أجابت، قال سليمان وملؤه عند ذلك: هل أصابت بلقيس في جوابها، وكيت وزيت، ونحن أيضًا ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، وهو معنى قول المصنف: "وأوتينا نحن العلم" إلى آخر قوله: "بين ظهراني الكفرة" يعني: أنها وإن أصابت في جوابها، ورزقت الإسلام، وآمنت بالآيات السابقة واللاحقة، لكن نحن أعلم، وأقدم في الإسلام، فالضمير في قولهم لسليمان وملئه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل: ٤٢] مقول القول، ونحو: أن يقولوا: بيان ما. قوله: (﴿وَصَدَّهَا﴾ قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء السبيل)، فاعل "صد"
[ ١١ / ٥٣٥ ]
(وصَدَّهَا) الله أو سليمان، و(عما كانت تعبد) بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل. وقرئ: (أنها) بالفتح؛ على أنه بدل من فاعل "صدّ"، أو بمعنى لأنها.
[(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)].
الصرح: القصر. وقيل: صحن الدار. وقرأ ابن كثير: (سَاقَيْها) بالهمزة. ووجهه؛ أنه سمع:
سؤوقا، فأجرى عليه الواحد. والممرد: المملس، وروي أن سليمان عليه
_________________
(١) ـ "ضلالها" و"عن سواء السبيل" متعلق بـ "ضلالها" أي: صدها عن الدخول في الإسلام قبل وفدة المنذر بن عمرٍو رسولها إلى سليمان ﵇ "ضلالها عن سواء السبيل"، أي: جهلها بدين الإسلام. قوله: (الصرح: القصر)، الراغب: الصرح: بيتٌ عالٍ مزوقٌ، سمي به اعتبارًا بكونه صرحًا عن الشوب، أي: خالصًا، ولبنٌ صريحٌ، بين الصراحة. قوله: (ووجهه أنه سمع "سؤوقًا"، فأجرى عليه الواحد)، الكواشي: القراءة بهمزة "سأقيها" و"السؤق" و"السؤقة" لجواز أن من العرب من يهمز مفرد "ساقٍ" وجمعه، ويدل على ذلك صحة هذه القراءة، بل تواترها، وزعم بعضهم أن همز هذه الكلمات الثلاث بعيدٌ في العربية، إذ لا أصل لهن في الهمزة، وهذا تحكم كما تراه، لأنه لم يذكر على ذلك دليلًان بل جعل ما وصل إليه من كلام العرب دليلًا يعتبر به، بل المعتبر صحة ما يصح، بل تواتر عن النبي - ﷺ -. قوله: (والممرد: المملس)، الراغب: المارد والمريد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات، من قولهم: شجر أمرد: إذا تعرى من الورق. ومنه قيل: رملةٌ مرداء: إذا لم
[ ١١ / ٥٣٦ ]
السلام أمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره، وتحققا لنبوته، وثباتا على الدين.
وزعموا أنّ الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضى إليه بأسرارهم، لأنها كانت بنت جنية. وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشدّ وأفظع، فقالوا له: إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ورجلها، فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما لا أنها شعراء، ثم صرف بصره وناداها: (إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ) وقيل: هي السبب في اتخاذ النورة: أمر بها الشياطين فاتخذوها، واستنكحها سليمان ﵇، وأحبها وأقرّها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان، يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها
_________________
(١) ـ تنبت شيئًا. ومنه: الأمرد، لتجرده من الشعر، و﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤٤] من قولهم: شجرةٌ مرداء، وكأن الممرد إشارةٌ إلى قول الشاعر: في مجدلٍ شيد بنيانه … يزل عنه ظفر الطائر قوله: (فبنوا لها سيلحين)، المغرب: وأما السيلحون فهو مدينةٌ باليمن. وقول الجوهري: سيلحون قريةٌ، والعامة تقول: سالحون، فيه نظرٌ، وأما غمدان ففي "النهاية": بضم الغين، وسكون الميم، البناء العظيم، بناحية صنعاء اليمن، قيل: هو من بناء سليمان ﵇.
[ ١١ / ٥٣٧ ]
ثلاثة أيام، وولدت له. وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك همدان، وسلطه على اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان.
(ظَلَمْتُ نَفْسِي): تريد بكفرها فيما تقدّم، وقيل: حسبت أن سليمان ﵇ يغرقها في اللجة فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظنى بسليمان ﵇.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ* قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)].
وقرئ: (أَنِ اعْبُدُوا)، بالضم على إتباع النون الباء. (فَرِيقانِ): فريق مؤمن وفريق كافر. وقيل أريد بالفريقين صالح ﵇ وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد. (يَخْتَصِمُونَ) يقول كل فريق: الحق معي. السيئة: العقوبة، والحسنة: التوبة، فإن قلت: ما معنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة؟ وإنما يكون ذلك إذا كانتا متوقعتين إحداهما قبل الأخرى؟ قلت: كانوا يقولون لجهلهم: إن العقوبة التي يعدها صالح ﵇ إن وقعت على زعمه، تبنا حينئذ واستغفرنا؛ مقدّرين أن التوبة مقبولة في ذلك الوقت. وإن لم تقع، فنحن على ما نحن عليه، فخاطبهم صالح ﵇
_________________
(١) ـ قوله: (ذا تبع)، أي: زوجها سليمان من ذي تبع. الأذواء: ملوك اليمن من قضاعة، المسمون بذي يزنٍ وذي نواسٍ. قوله: (مقدرين أن التوبة)، حالٌ من قوله: "يقولون" حاصل السؤال أن الاستعجال بإحدى العدتين قبل الأخرى إنما يصح إذا اعتقدوهما وتوقعوهما، والقوم كفرة. وتلخيص الجواب: أن السيئة التي هي العقوبة، والحسنة التي هي التوبة، لم تكونا ثابتتين عندهما، فقدروهما على قول صالحٍ ﵇، فخاطبهم نبي الله على حسب اعتقادهم.
[ ١١ / ٥٣٨ ]
على حسب قولهم واعتقادهم، ثم قال لهم: هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب؟ (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تنبيها لهم على الخطأ فيما قالوه؛ وتجهيلا فيما اعتقدوه.
[(قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)].
وكان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحا تيمن، وإن مر بارحا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما من قدر الله
_________________
(١) ـ قوله: (تنبيهًا لهم على الخطأ فيما قالوه وتجهيلًا فيما اعتقدوه)، أنكر أولًا بقوله: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، قولهم: إن العقوبة إن وقعت تبنا حينئذ، ثم نبههم بقوله: لولا تستغفرون الله على خطئكم، وأن الاستغفار إنما ينفع قبل نزول العذاب، وأن ذلك الاعتقاد إنما صدر من الجهل. قوله: (فإن مر سانحًا)، الجوهري: السنيح [والسانح]: ما ولاك ميامنه من ظبي أو طائرٍ أو غيرهما، وبرح الظبي بروحًا. إذا ولاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك، والعرب تتطير بالبارح، وتتفاءل بالسانح، لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف. قوله: (استعير لما كان سببهما من قدر الله)، أي: استعير للذي كان سبب الخير والشر، وهو قدر الله وقسمته، يعني: استعير لقدر الله وقسمته لفظ الطائر، لأن السبب في تحصيل الخير والشر حقيقة هو قدر الله، وأن السانح والبارح- كما زعموا- إن دلا على حصولهما فهما أيضًا مسببان عن تقدير الله، فأطلقوا المسبب وهو الطائر على السبب، وهو قدر الله وقسمته، وقالوا: طائر الله لا طائرك، ويجوز أن يكون أسلوب الآية والاستشهاد من باب المشاكلة لا الاستعارة.
[ ١١ / ٥٣٩ ]
وقسمته: أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة. ومنه قالوا: طائر الله لا طائرك، أي: قدر الله الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر، لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، فلما قالوا: اطيرنا بكم، أى: تشاءمنا وكانوا قد قحطوا. (قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمته، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. ويجوز أن يريد: عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل. عقوبة لكم وفتنة. ومنه قوله: (طائِرُكُمْ مَعَكُمْ) [يس: ١٩]، (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) [الإسراء: ١٣].
وقرئ: (تَطَيَّرْنَا بِكُمْ)، على الأصل. ومعنى: تطير به: تشاءم به. وتطير منه: نفر منه. (تُفْتَنُونَ) تختبرون. أو تعذبون. أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة.
[(وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ* قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ* وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ* فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ* فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ)].
الْمَدِينَةِ: الحجر. وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل:
_________________
(١) ـ قوله: (أو من عمل العبد)، عطفٌ على "من قدر الله" وهو من قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. فقوله: "ويجوز أن يريد: عملكم مكتوبٌ عند الله" متفرعٌ على هذا الوجه، وعند أهل السنة عملكم مكتوب عند الله ومقدرٌ من عنده. قوله: (المدينة: الحجر)، الراغب: الحجر: ما سور بالحجارة، وبه سمي حجر الكعبة وديار ثمود.
[ ١١ / ٥٤٠ ]
تسعة أنفس. والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة. والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب. غنم بن غنم. رباب بن مهرج. مصدع بن مهرج. عمير بن كردبة. عاصم بن مخرمة. سبيط بن صدقة. سمعان بن صفى. قدار بن سالف: وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح ﵇، وكانوا من أبناء أشرافهم.
(وَلا يُصْلِحُونَ)؛ يعني: أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح؛ كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح. (تَقاسَمُوا) يحتمل أن يكون أمرا وخبرا في محل الحال بإضمار قد، أي: قالوا متقاسمين: وقرئ: (تقسَّموا) وقرئ: (لَنُبَيِّتَنَّهُ)، بالتاء والياء والنون،
_________________
(١) ـ قوله: (لا يخلط بشيءٍ من الصلاح)، الراغب: الصلاح ضد الفساد، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل القرآن تارةً بالفساد، وتارةً بالسيئة، قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، والصلح يختص بإزالة النفار، وإصلاح الله تعالى الإنسان تارةً يكون بخلقه إياه صالحًا، وتارةً ما فيه من فسادٍ من بعد وجوده، وتارةً يكون بالحكم له بالصلاح ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، أي: المفسد يضاد الله تعالى في يفعله، فإنه يفسد، والله تعالى يتحرى في جميع أحواله الصلاح، فهو إذن لا يصلح عمله. قوله: (وقرئ: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾، بالتاء والياء [والنون]، بالياء التحتاني: شاذةٌ، وبالتاء: حمزة والكسائي، والباقون: بالنون.
[ ١١ / ٥٤١ ]
فـ (تَقَاسَمُوا) مع النون والتاء؛ يصح فيه الوجهان. ومع الياء لا يصح فيه إلا أن يكون خبرا. والتقاسم، والتقسم: كالتظاهر، والتظهر: التحالف. والبيات: مباغتة
_________________
(١) ـ قوله: (فـ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ مع النون والتاء، يصح فيه الوجهان)، أي: الأمر والخبر، يعني: تقاسموا إذا كان أمرًا فـ ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ بالنون، جوابٌ له، لأن هذه الألفاظ التي تكون من ألفاظ القسم تتلقى بما تتلقى به الأيمان، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]، والمعنى: احلفوا لنبيتنه، وبالتاء الفوقانية: احلفوا لتبيتنه أنتم، وعلى هذا الخبر. وأما إذا كان الخبر مع الياء، فمعناه: قالوا: لنبيتنه متقاسمين، كقولك: حلف بالله ليفعلن، بالياء التحتاني، وأما قوله: مع الياء، لا يصح فيه إلا أن يكون خبرًا، فعلل بأن الياء للغيبة، والأمر للمخاطب، ولا معنى لقوله: احلفوا لتبيتنه، وقدر بعضهم: ليقسم بعضكم بعضًا ليبيتنه. وقال صاحب "الكشف": ﴿تَقَاسَمُوا﴾ [النمل: ٤٩]، يجوز أن يكون أمرًا، أمر بعضهم بعضًا بالتقاسم على التبييت. وقال الزجاج: فمن قرأ بالتاء فكأنه قال: احلفوا لتبيتنه، كأنه أخرج نفسه من اللفظ، ويجوز أن يكون قد أدخل نفسه في التاء، لأنه إذا قال: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النمل: ٤٩] فقد قال: تحالفوا، فلا يخرج نفسه من التحالف، ومن قرأ بالياء، فالمعنى: قالوا: لنبيتنه متقاسمين، وكان هؤلاء تحالفوا أن يبيتوا صالحًا ويقتلوه وأهله في بياتهم، ثم ينكرون عند أولياء صالح أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله، ويحلفون أنهم لصادقون، فهذا مكرٌ عزموا عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]. قوله: (والتقاسم)، مبتدأٌ، والخبر: "التحالف".
[ ١١ / ٥٤٢ ]
العدو ليلا. وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر، وقرئ: (مَهْلِكَ) بفتح الميم واللام وكسرها من (هَلِكَ)، و(مُهْلَك) بضم الميم من أهلك. ويحتمل المصدر والزمان والمكان، فإن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ قلت: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله؛ فجمعوا بين البياتين، ثم قالوا: ما شهدنا مهلك أهله، فذكروا أحدهما: كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿مُهْلِكَ﴾ بفتح الميم واللام وكسرها)، أبو بكر: "مهلك"، بفتح الميم واللام، وحفصٌ: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام. قال أبو البقاء: (مهلك) - بفتح اللام، وضم الميم- فيه وجهان، أحدهما: هو مصدرٌ بمعنى الإهلاك، حو: المدخل. والثاني: هو مفعولٌ، أي: لمن أهلك، أو لما أهلك منها، ويقرأ بفتحهما، وهو مصدر: هلك يهلك، ويقرأ الميم، وكسر اللام، وهو مصدرٌ أيضًا، ويجوز أن يكون زمانًا، وهو مضافٌ إلى الفاعل، أو إلى المفعول على لغة من قال: هلكته أهلكه، والموعد: زمانٌ. وفي الحواشي: والأعرف في المصدر الفتح، والكسر قليلٌ، والكسر جاء في المكان مثل المرجع، قيل: المهلك والمرجع والميحص، والمكيل أربعةٌ لا يوجد لها خامسٌ. قوله: (وفي هذا دليلٌ قاطعٌ على أن الكذب قبيحٌ عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه)، قال صاحب "الانتصاف": حيلته لتصحيح قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل قريبٌ من حيلتهم التي سماها الله تعالى مكرًا، وغرضه أن يستشهد على صحة مذهبه، وأنى
[ ١١ / ٥٤٣ ]
ببالهم. ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب. مكرهم: ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح ﵇ وأهله. ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. روي أنه كان لصالح مسجد في
_________________
(١) ـ يتم له ذلك وهم كاذبون، فإن من فعل الأمرين، وجحد أحدهما فلا مرية في فريته، وإنما تتم الحيلة لو فعلوا أمرًا، وادعى عليهم فعل أمرين فجحدوا المجموع، فلم تختلف العلماء في أن من حلف أن لا أضرب زيدًا، فضرب زيدًا وعمرًا كان حانثًا، بخلاف من حلف أن لا أضرب زيدًا أو عمرًا، فضرب زيدًا، فهو محل خلاف العلماء في الحنث وعدمه. وقال صاحب "التقريب": لعل المراد: ما شهدنا مهلك أهله وحده، وإلا فمن شهد البياتين فقد شهد أحدهما. وقال القاضي: ما شهدنا مهلك أهله فضلًا أن تولينا إهلاكهم، ونحلف: ﴿إِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أو: والحال ﴿إِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما ذكرنا، لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفًا، أو: لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم، كقولك: ما رأيت ثمة رجلًا بل رجلين. وقلت: التقدير الأول، وهو: نحلف إنا لصادقون، كما نص عليه الزجاج، ليكون عطفًا على ﴿مَا شَهِدْنَا﴾ يدخل في حيز التقاسم أولى وأوجه، فلا يلزم صدقهم، ولا يحتاج إلى تلك التكلفات، وعليه قول إخوة يوصف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: ٨٢]. قوله: (يتفصون بها)، الجوهري: يقال: تفصى الإنسان: إذا تخلص من المضيق والبلية. قوله: (شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة)، التمثيلية، شبه إهلاك الله إياهم،
[ ١١ / ٥٤٤ ]
الحجر في شعب يصلى فيه، فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلى قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهضب «٢» حيالهم، فبادروا، فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب. فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا منهم في مكانه، ونجى صالحا ومن معه. وقيل: جاءوا بالليل شاهري سيوفهم، وقد أرسل الله الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة: يرون الحجارة ولا يرون راميا (أَنَّا دَمَّرْناهُمْ) استئناف. ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من العاقبة، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هي تدميرهم
_________________
(١) ـ وهم لا يشعرون، بفعل من يريد مكروه صاحبه، ويزاول إيصال الضرر إليه وهو لا يشعر، وإنما اختار الاستعارة على المشاكلة، لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧]، إذ لولاه لكان مشاكلةً، لقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. قوله: (في شعب)، الشعب- بالكسر-: ما انفلج بين الجبلين، وقيل: الطريق في الجبل، والجمع: شعابٌ، وفي المثل: شغلت شعابي جدواي، أي: شغلت كثرة المؤونة عطائي عن الناس. قوله: (من الهضب)، الهضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض، والجمع: هضابٌ، وهضبٌ. قاله الجوهري. قوله: (من قرأ بالفتح)، الكوفيون: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها.
[ ١١ / ٥٤٥ ]
أو نصبه على معنى: لأنا. أو على أنه خبر كان، أي: كان عاقبة مكرهم الدمار. (خاوِيَةً) حال عمل فيها ما دل عليه (تلك). وقرأ عيسى بن عمر: (خاوية) بالرفع على خبر المبتدإ المحذوف.
[(وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)].
وَاذكر لُوطًا أو أرسلنا لوطا لدلالة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) عليه. و(إِذْ) بدل على الأول؛ ظرف على الثاني. (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) من بصر القلب، أي: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأن الله إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادّة لله في حكمته وحكمه، وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة. وفيه دليل على أن القبيح من الله أقبح منه من عباده، لأنه أعلم العالمين وأحكم الحاكمين. أو تبصرونها بعضكم من بعض، لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها، لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة، وانهماكا في
_________________
(١) ـ قوله: (أو نصبه على معنى: لأنا)، أي: منصوبًا على أن يكون مفعولًا له على حذف اللام، وهي لام العاقبة. قوله: (لدلالة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [النمل: ٤٥] عليه)، يريد أن قصة لوطٍ معطوفةٌ على قصة ثمود، وقد ذكر في فاتحتها: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ فيقدر لها مثله، و﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرفٌ، ولا يجوز أن يكون بدلًا، إذ لا يستقيم "أرسلنا" وقت قوله. قوله: (خلاعةً)، الأساس: ومن المجاز: خلع فلانٌ رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشره. قوله: (ومجانةً)، الجوهري: المجون: أن لا يبالي الإنسان ما صنع، وقد مجن بالفتح يمجن مجونًا، ومجانةً فهو ماجنٌ، والجمع: المجان. قوله: (وانهماكًا)، يقال: انهمك الرجل في الأمر: لج وجد.
[ ١١ / ٥٤٦ ]
المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله:
وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى … فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. فإن قلت: فسرت تبصرون بالعلم وبعده (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فكيف يكونون علماء وجهلاء؟ قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك. أو تجهلون العاقبة. أو أراد
_________________
(١) ـ قوله: (وبح باسم من تهوى)، البيت، قبله: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر … ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر البوح: ظهور الشيء، يقال: باح ما كتمه، أي: ظهر، وباح به صاحبه، أي: أظهره، يقال: كنى فلانٌ عن أمرٍ يعني: إذا تكلم بغيره مما يستدل به عليه، كما أن الله ﷾ كنى عن الجماع بالمس والغشيان، لأنه حييٌ كريمٌ. قوله: (أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشةٌ مع علمكم بذلك)، هذا الجواب غير مرضي تأباه كلمة الإضراب، بل إنه تعالى لما أنكر عليهم فعلهم على الإجمال، وسماه فاحشةً، وقيده بالحال المقررة لجهة الإشكال تتميمًا للإنكار بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أراد مزيد ذلك التوبيخ والإنكار، فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة مفصلًا، وصرح بذكر الرجال محلى بلام الجنس، مشيرًا به إلى أن الرجولية منافيةٌ لهذه الحالة، وقيده بالشهوة التي هي أخس أحوال البهيمية. وقد تقرر عند ذوي البصائر أن إتيان النساء لمجرد الشهوة مسترذلٌ، فكيف بالرجال! وضم إليه "من دون النساء"، وأذن له بأن ذلك ظلمٌ فاحشٌ، ووضعٌ للشيء في غير
[ ١١ / ٥٤٧ ]
بالجهل. السفاهة والمجانة التي كانوا عليها فإن قلت: (تَجْهَلُونَ) صفة لقوم، والموصوف لفظه لفظ الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف فقرئ بالياء دون التاء؟ وكذلك (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)؟ قلت: اجتمعت الغيبة والمخاطبة، فغلبت المخاطبة، لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة.
[(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)].
وقرأ الأعمش: "جواب قومه"، بالرفع. والمشهورة أحسن (يَتَطَهَّرُونَ) يتنزهون عن القاذورات كلها، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم. وعن ابن عباس ﵄: هو استهزاء (قَدَّرْناها) قدّرنا كونها. (مِنَ الْغابِرِينَ): كقوله: (قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) [الحجر: ٦٠] فالتقدير واقع على الغبور في المعنى.
_________________
(١) ـ موضعه، ثم أضرب عن الكل بقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أي: كيف يقال لمن يرتكب هذه الشنعاء: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؟ ! فأولى حرف الإضراب ضمير ﴿أَنْتُمْ﴾ وجعلهم قومًا جاهلين، والتفت في ﴿تَجْهَلُونَ﴾ موبخًا معيرًا. قوله: (وقرأ الأعمش: "جواب قومه" بالرفع)، قال ابن جني: والحسن أيضًا، والنصب أقوى بأن يجعل اسم "كان" قوله ﴿أَنْ قَالُوا﴾ لشبه "أن" بالمضمر من حيث كانت لا توصف، كما لا يوصف المضمر، والمضمر أعرف من هذا المظهر. قوله: (فالتقدير واقعٌ على الغبور)، أي: قدر الله وقضاؤه واقعٌ على الغبور، أي: كونها من زمرة الباقين في العذاب، لأن الذوات لا تعدد. قال الواحدي: جعلنا تقديرنا وقضاءنا عليها أنها من الباقين في العذاب.
[ ١١ / ٥٤٨ ]
[(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ)].
أمر رسوله ﷺ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المسمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله ﷿ وصلوا على رسول الله ﷺ أمام كل علم مفاد وقبل كل عظة وتذكرة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. وقيل: هو متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم والصلاة على الأنبياء ﵈ وأشياعهم الناجين. وقيل: هو خطاب للوط ﵇، وأن يحمد الله على هلاك كفار قومه، ويسلم على من اصطفاه الله ونجاه من هلكتهم وعصمه من ذنوبهم
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: هو متصلٌ بما قبله)، عطفٌ على قوله: "أمر رسول الله - ﷺ - " يعني: قوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إما اقتضابٌ، وهو أن يقتضب خطبةً، ويجعلها تحميدةً لتلاوته الآيات الناطقة بالبراهين، وهي قوله: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآيات، أو تخلصٌ، أي: جعل التحميد على الهالكين من كفار الأمم، والصلاة على الأنبياء وأشياعهم ذريعةً إلى الشروع في قصته مع مشركي قومه، وأن له ولهم أسوةً بالأنبياء الماضية، والأمم الخالية. قوله: (وأن يحمد الله على هلاك كفار قومه)، كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الحمد لله على هلاك الأعداء ونجاته، لأنه من أجل النعم، وأجزل القسم.
[ ١١ / ٥٤٩ ]
معلوم أن لا خير فيما أشركوه أصلًا
_________________
(١) ـ قوله: (معلومٌ أن لا خير فيما أشركوه) إلى آخره، كالتعليل للخير، والنفي منصبٌ على العلة والمعلول معًا، أي: ليس فيه خيرٌ لكي يوازن به بينه وبين الله، نحوه قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، وفيه إشارةٌ إلى أن ذلك واردٌ على سبيل الاستدراج، وإرخاء العنان ليعتبروا حيث يراد تبكيتهم. الانتصاف: كلامٌ مرضيٌ، ولكن وضع مكان ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: "خالق كل خيرٍ" فإنه مذهبٌ قدريٌ. وقال الراغب في "غرة التنزيل": قوله: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بنيت عليه الآيات التالية من قوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وتكلم أهل النظر في قولك: هذا أفضل من هذا، وهذا خيرٌ من هذا، فقال بعضهم: يقال للخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه بالتأول، لأن الأصل في باب: "أفعل من كذا" التفضيل، فمعنى الآية: أنهم مشغولون بعبادة الأوثان عن عبادة الرحمن، وفعلهم ينبئ عن أنها تنفعهم فوق ما ينفعهم خالقهم، فكأنهم قالوا: إن تلك أنفع لهم منه ﵎، فقررهم أولًا بقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، أي: إذا عرفتم بأن الله تعالى سن لكم المصالح، ويسر لكم المنافع، وأ، زل لكم المطر من فوق، فأنبت ما به قوام الناس من تحت، آلله أنفع لكم أم الأوثان، فوضع موضعه قوله: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: احتاج من يفعل هذا إلى عضدٍ ومعينٍ؟ ! بل الكفار قومٌ يعدلون عن الحق، وقيل: يعدلون بمن يفعل هذا غيره، تعالى الله عن ذلك، فهذا موضع ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، لأن أول الذنوب العدول عن الحق ورده.
[ ١١ / ٥٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ثم ثنى بقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ فوصف ما بثه من قدرته في البر والبحر مما به مساك الأرض، وختمه بقوله: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي: أمع اله من يفعل مثل فعله؟ ! ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم في عبادة الله وإخلاصها، و[ما] عليهم في إشراك غيره فيها، أي: لو علموا ما تنتهي إليه عواقب هذين لما عدلوا عما هو أنفع لهم إلى ما هو لهم أضر. ثم ثلث بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾، ذكرهم بما لا يكاد يخلو منه أحدٌ إذا دفع إلى شدةٍ أن يضطر إلى الانقطاع إلى الله تعالى، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ موضعٌ ينسى فيه الإنسان سالف شدته براهن نعمته، ففصل بقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، أي: ما تذكرون ما مر من دهركم من بلائكم وشروركم. ثم ربع بقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، أي: من ينجيكم بهدايته وما نصب لكم من آياته بالنجوم التي تعولون عليها في البحر والبر إذا لم تهتدوا في الظلمات؟ ولما كانت هدايته في البحر وتسييره الجواري بالريح، ضم إليه الريح الأخرى المبشرة بالقطر، فلما ختم الآية التي هي في معناها بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ختم هذه بقوله: ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، لأن المذكورين في هذه الآية المذكورون في تلك. وأما قوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فكالخاتمة والتتميم للسوابق، ولذلك ضم مع قوله: ﴿أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: من يعدل رب العالمين الذي هذا شأنه؟ هلموا برهانكم وما يظهر في النفوس أن ما يقولونه حقٌ، وأن ما عداه باطل.
[ ١١ / ٥٥١ ]
حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، وإنما هو إلزام لهم وتبكيت وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله، ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره من زيادة خير ومنفعة، فقيل لهم، مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه، وأنهم لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن هوى وعبثا، لينبهوا على الخطإ المفرط والجهل المورط وإضلالهم التمييز ونبذهم المعقول وليعلموا أنّ الإيثار يجب أن يكون للخير الزائد. ونحوه ما حكاه عن فرعون: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) [الزخرف: ٥٢] مع علمه أنه ليس لموسى مثل أنهاره التي كانت تجرى تحته. ثم عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عدّدها في موضع آخر
_________________
(١) ـ فقد بان ووضح أن كل خاتمةٍ لائقةٌ بمكانها. هذا تلخيص كلامه. الأساس: نعمة الله راهنةٌ: دائمةٌ، وهذا الشيء راهنٌ لك: معدٌ، وطعامٌ راهنٌ. قوله: (والجهل المورط)، الأساس: ورطه، وتورطت الماشية: وقعت في موحلٍ، ومكان لا يتخلص منه، وتورط فلانٌ ببليةٍ، وورطه فيها، وأورطه شر مورطٍ. قوله: (ونحوه ما حكاه عن فرعون)، وهو: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥١، ٥٢]، فإن اللعين لما عد ما عد مما اختص به، وقد علم أن موسى ﵇ لم يكن عنده من ذلك شيءٌ قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ للتبكيت والتهكم، يعني: ثبت عندكم واستقر أني خيرٌ مع هذه المملكة البسيطة من هذا الضعيف الحقير الذي ليس له شيءٌ منها. قوله: (ثم عدد ﷾ الخيرات والمنافع)، يعني: في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]. والحاصل أن هذا الأسلوب من إنكار الشيء ونفيه على وجه يعرف به الخصم،
[ ١١ / ٥٥٢ ]
ثم قال: (هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ). وقرئ: (يُشرِكُونَ) بالياء والتاء. وعن رسول الله ﷺ: أنه كان إذا قرأها يقول "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم".
[(أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)].
فإن قلت: ما الفرق بين أم وأم في (أَمَّا يُشْرِكُونَ) و(أَمَّنْ خَلَقَ)؟ قلت: تلك متصلة، لأنّ المعنى: أيهما خير. وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة، لما قال الله تعالى: آلله خير أم الآلهة؟ قال: بل أمّن خلق السماوات والأرض خير؟ تقريرا لهم بأن من قدر
_________________
(١) ـ ولا يأباه فإنه تعالى أثبت لوازم الألوهية لنفسه ﷾ ونفاها عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها، مؤكدًا بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان، ووقع عليه الوفاق والاتفاق، ولفظة "ثم" في كلام المصنف: "ثم عدد ﷾" عطف على مقدر، يعني: ذكر الله ﷾ قبل هذه الآيات آياتٍ ودلائل، ثم عدد الخبرات. قوله: (وقرئ: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بالياء والتاء)، عاصمٌ وأبو عمر: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (قال: بل أمن خلق السماوات والأرض)، بتخفيف الميم تفسير ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ بتثقيل الميم، لأن "أم" منقطعةٌ، وهي على تقدير: بل والهمزة، و"من" موصولةٌ، فكأن المعنى: بل أمن خلق السماوات والأرض خيرٌ. قوله: (تقريرًا لهم)، يعني: أضرب عن السؤال الأول إلى تقرير المعنى الثاني، أي: دعوا
[ ١١ / ٥٥٣ ]
على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء. وقرأ الأعمش: (أَمَنْ) بالتخفيف. ووجهه أن يجعل بدلا من الله، كأنه قال: أمّن خلق السماوات والأرض خير أم ما تشركون؟ فإن قلت: أي نكتة في نقل الإخبار عن الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله: (فَأَنْبَتْنَا)؟ قلت: تأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها وبهجتها بماء واحد. لا يقدر عليه إلا هو وحده. ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله: (مَّا
_________________
(١) ـ ذلك، ألستم تقرون أنه خالق السماوات والأرض، وأنه خيرٌ من جمادٍ لا يقدر على شيءٍ. قوله: (ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص)، الأساس: أصل الرشح. ترشيح الظبية ولدها تعوده المشي فيرشح، ورشحت القربة الماء، ورشح الكوز، وكل إناءٍ يرشح بما فيه. وفي الاصطلاح: هو أن يعقب الاستعارة بصفةٍ ملائمةٍ للمستعار منه، مبالغةً لتناسي التشبيه، وأن المستعار له دخل في جنس المستعار منه، حيث تفرع عليه ما تفرع على المستعار منه. والخلاصة: أن الترشيح كالتربية لفائدة كلام بولغ فيه، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله: "رشح معنى الاختصاص" لا أنه ترشيحٌ اصطلاحيٌ، أما الاختصاص فهو مستفادٌ من الإضراب، ونفي الخيرية عن الشركاء، وإثباتها لله تعالى بعدما أثبتها له بقوله: ﴿اللَّهُ خَيْرُ﴾ على سبيل التبكيت. وأما التوكيد فيه، فمن نقل الخطاب من الغيبة إلى التكلم، لأنه أقوى وأرسخ أصلًا منه، لأن الأصل أن يكون الخطاب بين الحاضرين، ولأن الأصل في الإخبار أن يخبر الإنسان عن نفسه، ثم عن نفسه وعمن معه، ثم عن المخاطب، ثم عن الغائب، ثم من
[ ١١ / ٥٥٤ ]
كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) ومعنى الكينونة: الانبغاء. أراد أن تأتي ذلك محال من غيره، وكذلك قوله: (بَلْ هُمْ) بعد الخطاب: أبلغ في تخطئة رأيهم. والحديقة: البستان عليه حائط: من الإحداق وهو: الإحاطة. وقيل (ذَاتَ)، لأنّ المعنى: جماعة حدائق ذات بهجة، كما يقال: النساء ذهبت. والبهجة: الحسن،
_________________
(١) ـ إيثار صيغة الجمع الدال على الكبرياء والعظمة، ثم رشح هذه المبالغة والتأكيد بقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ على أن معنى ﴿مَا كَانَ﴾: ما ينبغي، يعني: لا ينبغي ولا يصح، ولا يستقيم منهم أن يفعلوها، بل هو من خصائص من عظم شأنه، وجل سلطانه، فإنهم أحقر من ذلك، وهو المراد من قوله: "معنى الكينونة: الانبغاء"، ثم رشح هذا التحقير بالنقل من الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، إلى الغيبة ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] لعكس المعنى الأول، وهو الطرد والبعد والتحقير. فانظر إلى هذه الرموز التي تسلب العقول، ثم انظر إلى إدراك المصنف مكانها، ولله قوله في الخطبة: "دراكًا للمحةٍ وإن لطف شأنها". قوله: (من الإحداق وهو الإحاطة)، الراغب: الحديقة: قطعةٌ من الأرض ذات ماءٍ سميت تشبيهًا بحدقة العين في الهيئة، وحصول الماء فيها، وجمع الحدقة: حداقٌ وأحداقٌ، وحقد تحديقًا: شدد النظر، وحدقوا به: أحاطوا به تشبيهًا بإدارة الحدقة. قوله: (وقيل: ﴿ذَاتَ﴾، لأن المعنى: جماعة حدائق)، قال صاحب "الفرائد": لا ضرورة في زيادة لفظ الجماعة، لأن "حدائق" مؤنثةٌ واحدة، من حيث إنها جمعٌ، وهي كالنساء، فيقال: إن المصنف يحقق الأصل، ويقرر وجه الإفراد. قال الزجاج: ويجوز في غير وجه القراءة: "ذوات بهجةٍ"، لأنها جماعةٌ، كما تقول: نسوتك ذوات حسنٍ، وإنما جاز ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]، لأن المؤنث يخبر عنه في الجمع بلفظ الواحدة إذا أردت الجماعة، كأنك قلت: جماعةٌ ذات بهجةٍ.
[ ١١ / ٥٥٥ ]
لأنّ الناظر يبتهج به.
(أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ): أغيره يقرن به ويجعل شريكا له. وقرئ: (أإلها مع الله)، بمعنى: أتدعون، أو أتشركون. ولك أن تحقق الهمزتين، وتوسط بينهما مدّة، وتخرج الثانية بين بين (يَعْدِلُونَ) به غيره، أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.
[(أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
(أَمَّنْ جَعَلَ) وما بعده بدل من (أَمَّنْ خَلَقَ) فكان حكمهما حكمه
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الناظر يبتهج به)، الراغب: البهجة: حسن اللون، وظهور السرور فيه، وقد بهج بهيجٌ، وقد ابتهج بكذا: سر به سرورًا بان أثره على وجهه، وأبهجه كذا. قوله: (وقرئ: "أإلهًا مع الله")، فهي شاذة، وأما تحقيق الهمزتين بينهما مدة فقرأه هشامٌ عن ابن عامرٍ. قوله: (﴿يَعْدِلُونَ﴾ به غيره، أو يعدلون عن الحق)، عن بعضهم: عدل فلانًا بفلانٍ، أي: سوى يبنهما، والعادل المشرك يعدل بربه، وقالت امرأةٌ للحجاج: إنك لقاسطٌ، عادلٌ، وعدل عن الطريق وانعدل: حاد. قوله: (﴿أَمَّنْ جَعَلَ﴾ وما بعده بدلٌ من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾) يعني: إذا أخذت مجموع الآيتين وخلاصتهما، وكونهما دالين على اختصاص الله بهذه الأفعال التي لا يقدر عليها
[ ١١ / ٥٥٦ ]
(قَرارًا) دحاها وسوّاها بالاستقرار عليها (حَاجِزًا) كقوله: برزخا.
[(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ)].
الضرورة: الحالة المحوجة إلى اللجأ. والاضطرار: افتعال منها. يقال: اضطرّه إلى كذا. والفاعل والمفعول: مضطر. والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجإ والتضرع إلى الله. وعن ابن عباس ﵄: هو المجهود. وعن السدّي: الذي لا حول له ولا قوة. وقيل: المذنب إذا استغفر. فإن قلت: قد عم المضطرين بقوله: (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ)
_________________
(١) ـ غيره، وأنها دالةٌ على التوحيد، ونفي الضد والند، كان حكم الثاني حكم الأول، فيصح الإبدال، ولا ينبغي أن يعتبر مفرداتهما في الإبدال لعدم استقامة المعنى. ومما يؤيد أن الإبدال من المعنى تذييل الآيتين بقوله: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، وأن الثاني بيانٌ للأول تجهيلهم بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]، أي: جاهلون في أن يعدلوا به غيره، أي: يسوون به غيره، أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد، ولأن الآثار السفلية أظهر من الآثار العلوية، وأقرب خطوًا عند الأغنياء، ولأن الدلائل كلما كانت أسهل مأخذًا كان أبين وأوضح، فصح إبدال الثانية من الأولى، والله أعلم. قوله: (﴿قَرَارًا﴾: دحاها وسواها للاستقرار)، وقال القاضي: المعنى: بإبداء بعضها من الماء، وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها. قوله: (قد عم المضطرين بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾)، يريد أن المضطر من لزته الضرورة إلى اللجأ إلى الله تعالى، وقد حكي بلام الاستغراق فيفيد العموم، وقد يوجد الدعاء من المضطر والإجابة متخلفة.
[ ١١ / ٥٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وخلاصة الجواب: أن مدخول اللام مطلقٌ، واللام للجنس لا للاستغراق، والمطلق يحتمل الكل والبعض كاللفظ المشترك، كما سبق في أول الكتاب، فيحتاج في تعيين أحد مفهومية إلى القرينة، وقامت قرينة شريطة رعاية المصلحة في الإجابة فقيدت بها. قال صاحب "الفرائد": ما من مضطر دعاه إلا أجيب، وأعيد نفع دعائه إليه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وذلك أن الدعاء: طلب شيء، فإن لم يعط ذلك الشيء بعينه يعط ما هو أجل منه، أو إن لم يعط هذا الوقت يعط بعده. وقال صاحب "الانتصاف": الإجابة مقرونةٌ بالمشيئة لا بالمصلحة. والقدرية يوقفونها على المصلحة لإيجابهم رعاية المصالح، وقوله: "لا يحسن الدعاء من العبد إلا شارطًا فيه المصلحة" غلطٌ، فإن المشيئة شرطٌ باتفاقٍ، ومع ذلك كره النبي - ﷺ - أن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت. وقلت: التعريف للعهد، لأن سياق الكلام في المشركين يدل عليه الخطاب بقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾، والمراد التنبيه على أنهم عند اضطرارهم في نوازل الدهر وخطوب الزمان كانوا يلجؤون إلى الله تعالى دون الشركاء، والأصنام، ويدل على التنبيه قوله تعالى: ﴿أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال صاحب "المفتاح": كانوا إذا حزبهم أمرٌ دعوا الله دون أصنامهم.
[ ١١ / ٥٥٨ ]
وكم من مضطرّ يدعوه فلا يجاب؟ قلت، الإجابة موقوفة على أن يكون المدعوّ به مصلحة، ولهذا لا يحسن دعاء العبد إلا شارطا فيه المصلحة. وأما المضطر فمتناول للجنس مطلقا، يصلح لكله ولبعضه، فلا طريق إلى الجزم على أحدهما إلا بدليل، وقد قام الدليل على البعض؛ وهو الذي أجابته مصلحة، فبطل التناول على العموم. (خُلَفاءَ الْأَرْضِ) خلفاء فيها، وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن. أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. وقرئ: (يذّكّرون) بالياء مع الإدغام. وبالتاء
_________________
(١) ـ والمعنى: إذا حزبكم أمرٌ أو قارعةٌ من قوارع الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة، من يجيبكم على كشفها، ويجعلكم بعد ذلك تتصرفون في البلاد كالخلفاء ﴿أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؟ فلا يكون المضطرون عامًا، ولا الدعاء، فإنه مخصوصٌ بمثل قضية الفلك، وقد أجيبوا إليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٢٢]. وقوله: (إلا شارطًا)، استثناء مفرغٌ، أي: لا يحسن دعاء العبد كائنًا على حالٍ من الأحوال إلا هذه الحال. وعليه دعاء الاستخارة: "إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري" إلى قوله: "فيسره لي" الحديث. قوله: (أو أراد بالخلافة الملك والتسلط)، الجوهري: الخليفة: السلطان الأعظم، وقد يؤنث، وأنشد الفراء: أبوك خليفة ولدته أخرى … وأنت خليفةٌ ذاك الكمال قوله: (وقرئ: "يذكرون" بالياء) أبو عمرو وهشام: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
[ ١١ / ٥٥٩ ]
مع الإدغام والحذف. وما مزيدة، أي: يذكرون تذكرا قليلا. والمعنى: نفي التذكر، والقلة تستعمل في معنى النفي.
[(أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)].
(يَهْدِيكُمْ) بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض: إذا جنّ الليل عليكم مسافرين في البر والبحر.
[(أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)].
فإن قلت: كيف قيل لهم: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وهم منكرون للإعادة؟ قلت:
قد أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، فلم يبق لهم عذر في الإنكار،
_________________
(١) ـ قوله: (والقلة تستعمل في معنى النفي)، وأنشد: قليلٌ بها الأصوات إلا بغامها أي: ليس بها صوتٌ إلا صوت الظباء، البغام- بالباء الموحدة والغين المعجمة- صوت الظبية، وعليه يحمل قول زهيرٍ: قليل الألايا حافظٌ ليمينه … وإن سبقت منه الألية برت
[ ١١ / ٥٦٠ ]
(مِنَ السَّمَاءِ) الماء، وَمن (الْأَرْضِ) النبات. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أنّ مع الله إلها، فأين دليلكم عليه؟
[(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)].
فإن قلت: لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السماوات والأرض؟ قلت: جاء على لغة بني تميم،
_________________
(١) ـ قوله: (جاء على لغة بين تميم)، قال المالكي في "التسهيل": وأجاز التميميون إتباع المنقطع إن صح إغناؤه عن المستثنى منه، وليس من تغليب العاقل على غيره فيختص بأحد وشبهه، وقال في الشرح: لغة بني تميمٍ إعطاء المنقطع المؤخر من مستثنيات "إلا" في غير الإيجاب من الإتباع ما لمتصل، فيقولون: ما فيها أحدٌ إلا زيدٌ، كما يقول الجميع، وعلى لغتهم قول الراجز: وبلدةٍ ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس ويلحق بهذا إتباع أحد المتباينين الآخر، نحو: ما أتاني زيدٌ إلا عمروٌ، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وهما من أمثلة سيبويه. والأصل: ما أتاني أحدٌ إلا عمرٌو، وما أعانه أحدٌ إلا إخوانه، فجعل مكان "أحدٍ" بعض مدلوله، وهو زيدٌ وإخوانكم، ولو لم يذكر الدخلاء فيمن نفي عنه الإتيان والإعانة، لكن ذكرا توكيدًا لقسطهما من النفي دفعًا لتوهم المخاطب أن المتكلم لم يعترض عليه هذا الذي أكد به، فذكره توكيدًا، وشرط الإتباع في هذا النوع أن يستقيم حذف المستثنى منه، والاستغناء عنه بالمستثنى، فإن لم يوجد هذا الشرط تعين النصب عند الجميع، كقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فـ "من رحم" في موضع نصبٍ على الاستثناء، ولا يجوز فيه الإتباع، لأن الاستغناء
[ ١١ / ٥٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ به عما قبله ممتنعٌ إلا بتكلفٍ. وعم المازني: أن إتباع المنقطع من تغليب ما يعقل على ما لا يعقل. قال ابن خروف: وهذا فاسدٌ، لأنه لا يتوهم ذلك إلا في لفظٍ واحدٍ، والذي يبدل منه في هذا الباب ليس بلفظٍ واحدٍ، بل أكثر من أن يحصى. ثم قال المالكي: زعم الزمخشري أن قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناءٌ منقطعٌ جاء على لغة تميمٍ لأن الله تعالى، وإن صح الإخبار عنه بأنه في السماوات والأرض، وإنما ذلك على المجاز، لأنه مقدسٌ عن الكون في مكانٍ، بخلاف غيره، فإنه إذا أخبر عنه بأنه في السموات أو في الأرض، فإنه كائنٌ فيهما حقيقةً، ولا يصح حمل اللفظ في حالٍ واحدٍ على الحقيقة والمجاز، والصحيح عندي أن الاستثناء في الآية متصلٌ، وفي متعلقه بغير "استقر" من الأفعال المنسوبة عل الحقيقة إلى الله تعالى، وإلى المخلوقين كذكر ويذكر، فكأنه قيل: لا يعلم من يذكر في السماوات والأرض الغيب إلا الله تعالى. ويجوز تعليق "في" بـ "استقر" مسندًا إلى مضافٍ حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: لا يعلم من استقر ذكره في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ثم حذف الفعل والمضاف، واستتر الضمير لكونه مرفوعًا، هذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حالةٍ واحدةٍ، وليس عندي ممتنعًا كقولهم: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ويمكن أن يكون ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في موضع نصبٍ ﴿الْغَيْبَ﴾ بدل الاشتمال، والفعل مفرغٌ لما بعد إلا. أي: لا يعلم غيب السموات والأرض إلا الله. وقلت: المصنف ما اختار المذهب التميمي اضطرارًا إليه، بل مراعاة لتلك النكتة، وتحقيقها على ما ذكره صاحب "المتفاح"، ومن البناء على هذا التنويع، أي: على الدعوى قوله: "تحية بينهم ضربٌ وجيعٌ".
[ ١١ / ٥٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] وقوله: وبلدةٍ ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس قال في فصل المستثنى منه، أي: أنيسها ليسوا إلا إياها. وقال فيه: وقفت فيها أصيلالًا أسائلها … عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا أواري … أراد إن كان الأواري يعد أحدًا، فلا أحد فيه بها إلا إياه. وعليه كلام المصنف: "إن كان الله ممن في السماوات والأرض، فهم يعلمون الغيب"، أي: المقصود من إدخال رب العزة في المستثنى منه بالدعوى، وجعله جنسًا منهم كما سبق، ثم الإخراج بالمستثنى قطع القول بنفي معرفة الغيب ممن في السماوات والأرض، وأن استحالة علمهم الغيب كاستحالة أن يكون الله منهم، والفرق بين الآية والمثال: أنه في الآية أدخل الله ﷿ فيمن في السماوات والأرض، ليجعل غيره مثله في معرفة الغيب ادعاءً، وهو المراد بقوله: "فهم يعلمون الغيب"، وفي المثال عكسه، وذلك أن علم الله غامرٌ لكل عالمٍ، وسلطان الإنس غالبٌ على كل من دونه، وكذا المثالان، أعني: "القلم أحد اللسانين" و"الخال أحد الأبوين" أيضًا من البناء على الدعوى، كقوله: "تحية بينهم ضربٌ وجيعٌ". وقول الفرزدق: أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي … متى تخلف الجوزاء والنجم يمطر
[ ١١ / ٥٦٣ ]
حيث يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون: ما فيها إلا حمار، كأنّ أحدا لم يذكر. ومنه قوله:
عشيّة ما تغني الرّماح مكانها … ولا النّبل إلّا المشرفي المصمّم
_________________
(١) ـ فهو إلى باب عموم المجاز أقرب من إرادة الحقيقة والمجاز معًا. ومما يقوي هذا التأويل ما ذكره صاحب "التقريب"، وفي الكلام تعقيدٌ ينحل ببيان أمرين: الأول: توقف النكتة على لغة التميمي، والثاني: موازنة الآية بالبيت. أما الأول، فتلخيصه: إن كان الله ممن فيهما، وهو يعلم الغيب ففيهما من يعلم الغيب، أي: استحالته كاستحالته. وأما الثاني: فلتوقفها على تقدير شرطية مثل: إن كان اليعافير أنيسًا ففيها أنيسٌ، وهذا إنما يصح على التميمي، وجعله بدلًا من جنس الأول على سبيل الفرض والتقدير لتصح تلك الشرطية، وأما على الحجازي ونصبه على أنه مستثنى منقطعٌ، أي: مذكورٌ بعد "إلا" غير مخرجٍ، فليس فيه أنه من جنس الأول، لا حقيقةً ولا فرضًا، فقد انكشف المقصود، ولله الحمد. قوله: (عشية ما تغني الرماح) البيت، النبل: اسم السهام العربية، والمشرفي: السيف، قال أبو عبيدة: نسب إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيفٌ مشرفيٌ، ولا يقال: مشارفي، لأن الجمع لا ينسب غليه. مكانها: أي: مكان الرماح، وهي الحرب، وقيل: مكانها، أي: نفسها، وهو الوجه. والمصمم: المحدد الذي يصيب المفصل، وعادة المحاربين أن يتناضلوا أولًا، فإذا تقاربوا حاربوا بالرماح، وإذا التقوا ضاربوا بالسيوف. يصف التحام الحرب، والتقاء الصفين، بحيث لا يغني النبل ولا الرماح، ولم يبق إلا الضرب بالسيوف، أي: ما يغني إلا السيف.
[ ١١ / ٥٦٤ ]
وقولهم: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه. فإن قلت: ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟ قلت: دعت إليه نكتة سرية. حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلا اليعافير، بعد قوله: ليس بها أنيس، ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في السماوات والأرض، فهم يعلمون الغيب، يعنى: أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أنّ معنى ما في البيت: إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، بتا للقول بخلوّها عن الأنيس. فإن قلت: هلا زعمت أنّ الله ممن في السماوات والأرض، كما يقول المتكلمون: الله في كل مكان، على معنى أنّ علمه في الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا تحمله على مذهب بنى تميم؟ قلت: يأبى ذلك أن كونه في السماوات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم بعبارة واحدة حقيقة ومجازا غير صحيحة، على أنّ قولك: من في السماوات والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد: فيه إيهام تسوية، والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته تعالى. ألا ترى كيف قال ﷺ لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى:
_________________
(١) ـ قوله: (نكتةٌ سرية)، الجوهري: واستريت الغنم والناس، أي: اخترتهم، وهي سري إبله وسراة ماله. قوله: (ومن يعصهما فقد غوى)، روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي عن عدي بن حاتمٍ: أن رجلًا خطب عند رسول الله - ﷺ - فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله - ﷺ -: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" وذلك أن في الجمع بالضمير ما يوهم التسوية، والعطف بالواو وإن دل على الجمع والتسوية في الفعل، لكن في الإفراد وجعل أحدهما متبوعًا والآخر تابعًا ما يزيل
[ ١١ / ٥٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ذلك التوهم، هذا ما يقتضيه ظاهر كلام المصنف، ولكنه يشكل بما رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي عن أنسٍ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" الحديث. ووجهه القاضي: ثنى الضمير هاهنا إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لأن كل واحدةٍ منهما وحدها ضائعةٌ لاغيةٌ، وأمر بالإفراد في حديث عديٍّ إشعارًا بأن كل واحدٍ من العصيانين مستقلٌ باستلزام الغواية، لأن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه الاستقلال في كل من المعطوفين في الحكم. وقلت: يؤيد الأول قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] حيث جعل متابعة رسول الله - ﷺ - مبنيةً على محبة الله، وسببًا لمحبته تعالى. والثاني قوله - ﷺ -: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه". أخرجه مالكٌ عن أنس بن مالكٍ. وقال - ﷺ -: لا أعرفن الرجل منكم يأتيه الأمر من أمري، إما أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكئٌ على أريكته فيقول: ما ندري ما هذا، عندنا كتاب الله، وليس هذا فيه، وما لرسول الله - ﷺ - أن يقول ما يخالف القرآن، وبالقرآن هداه الله". أخرجه رزينٌ عن أبي رافع،
[ ١١ / ٥٦٦ ]
"بئس خطيب القوم أنت"؟ وعن عائشة ﵂: "من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية"، والله تعالى يقول: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ).
وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا، لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله ﷺ عن وقت الساعة (أَيَّانَ) بمعنى متى، ولو سمى: لكان فعالا، من آن يئين ولا نصرف. وقرئ: (إيان) بكسر الهمزة.
_________________
(١) ـ وقد روى الترمذي وأبو داود عنه نحوه. وأما حديث عائشة ﵂ فقد رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن مسروق عن عائشة ﵂ وأوله: من زعم أنه يخبر ما في غدٍ. النهاية: الفرية على الله: الكذب، يقال: فرى يفري فريًا، وافترى يفتري افتراءً: إذا كذب، وهو افتعالٌ منه. قوله: (لكان فعالًا)، أي: لا تكون الألف والنون زائدتين، فيكون منصرفًا، قيل: أورد هذه المسألة لئلا يظن أنه من باب حسان، حيث يجوز صرفه وعدمه، لو جعل من الحسن أو الحس. الجوهري: أيان، معناه: أي حين، وهو سؤالٌ عن زمانٍ مثل: متى، وإيان بكسر الهمزة: لغة سليم، حكاها الفراء، وبه قرأ السلمي "إيان يبعثون" [الحل: ٢١].
[ ١١ / ٥٦٧ ]
(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) [النمل: ٦٦].
وقرئ: (بل أدّرك)، (بل ادّراك)، (بل ادّارك)، (بل تدارك)، (بل أأدرك) بهمزتين.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: بل أدرك)، إلى قوله: (فهذه ثنتا عشرة قراءةً)، قرأ ابن كثير وأبو عمرٍو: "بل أدرك" بقطع الهمزة، وإسكان الدال من غير ألفٍ على وزن أفعل، والباقون بوصل الألف وتشديد الدال وألف بعدها. قال ابن جني: قرأ سليمان وعطاء ابنا يسار "بل أدرك" بفتح اللام ولا همزة ولا ألف. وروي عنهما: "بل أدرك" بفتح اللام، ولا همز وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف، وقرأ: "بل آدرك" الحسن وابن محيصن. وقرأ: "بلى" بياء "آدرك" ممدودًا ابن عباسٍ، وقرأ "بل أدرك" مخفوض اللام، مشددة الدال الحسن، وقرأ: "بل تدارك" أبي بن كعب. وقال الزجاج: من قرأ: "بل أدرك علمهم" فعلى التقرير والاستخبار، كأنه قيل: لم يدرك علمهم في الآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها ثم بين ذلك بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾. والقراءة الجيدة ﴿ادَّارَكَ﴾ على معنى: تدارك، بإدغام التاء في الدال فتصير دالًا ساكنةً، فلا يبتدأ بها، فيأتي بألف الوصل ليصل إلى التكلم بها. وإذا وقفت على "بل" وابتدأت قلت: "ادارك"، فإذا وصلت كسرت اللام في "بل" لسكونها وسكون الدال، وسقطت الألف، لأنها ألف وصل. وقال ابن جني: أما "بل ادرك" فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها كقولك في ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: "قد أفلح"، وأما "بل ادرك" بفتح اللام، فكان قياسه "بل ادرك" بكسر اللام لسكونها وسكون الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام، لأن في ذلك
[ ١١ / ٥٦٨ ]
(بل آأدرك)، بألف بينهما. (بل أدرك) بالتخفيف والنقل. (بل ادّرك) بفتح اللام وتشديد الدال. وأصله: بل أدَّرك؟ على الاستفهام. (بلى أدرك)، (بلى أأدرك)، (أم تدارك)، (أم أدرك) فهذه ثنتا عشرة قراءة. و(ادّارك): أصله تدارك، فأدغمت التاء في الدال. وادّرك: افتعل. ومعنى أدرك علمهم: انتهى وتكامل. (ادّارَكَ) تتابع واستحكم. وهو على وجهين، أحدهما: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها، قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته، وهم شاكون جاهلون، وهو قوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ): يريد المشركين ممن في السماوات والأرض، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال:
_________________
(١) ـ إزالةً لالتقاء الساكنين، وعدولًا إلى الفتحة لخفتها كما روينا عن قطرب: أن منهم من يقول: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وبع الثوب. وأما "بل آدرك" فإن "بل" استئنافٌ، وما بعدها استفهامٌ، كما تقول: أزيدٌ عندك؟ بل أجعفرٌ عندك؟ تركًا للأول إلى غيره لا تراجعًا عنه. وأما "بلى" فكأنه جوابٌ، وذلك أنه لما قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فكأن قائلًا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: "بلى"، ثم استؤنف فقيل: "آدرك علمهم في الآخرة". قوله: (يريد المشركين ممن في السماوات)، يعني: الضمائر في قوله: ﴿عِلْمُهُمْ﴾، ﴿بَلْ هُمْ﴾، و﴿هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦] للمشركين، وكلها راجعةٌ إلى قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٥] وفيهما المؤمنون، لكن لما كان المشركون في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع.
[ ١١ / ٥٦٩ ]
بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم. فإن قلت: إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء منه وأن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟
قلت: لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه، وكان هذا بيانا لعجزهم ووصفا لقصور علمهم: وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بدّ أن يكون، وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. والوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكم بهم، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك على سبيل الهزؤ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته:
_________________
(١) ـ قوله: (إن الآية سبقت)، تلخيص السؤال: أن قوله: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ الآية، دل على أنه تعالى هو وحده يعلم الغيب، وقوله: "بل أدرك علمهم" دل على تكامل علمهم واستحكامه في أن القيامة كائنةٌ، وأنهم مع ذلك منكرون، فأي مناسبةٍ بينهما حتى توسطت بينهما كلمة الإضراب؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أن الثانية وردت مستطردةً، والمناسبة بينهما إثبات العجزين، الثاني أبلغ من الأول. وثانيهما: أن الآية الأولى نافيةٌ لمعرفته علم الغيب العام عنهم مطلقًا، والثنية نافيةٌ لمعرفة العلم الخاص على وجهٍ أبلغ، لأن إثبات العلم على التهكم لإرادة النفي أبلغ من نفيه مطلقًا، وإليه الإشارة بقوله: "فضلًا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته" فجاء الترقي من الأدون إلى الأغلظ.
[ ١١ / ٥٧٠ ]
وفي: "أدرَكَ علمُهُم" و(ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ): وجه آخر، وهو أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفني، من قولك: أدركت الثمرة، لأن تلك غايتها التي عندها تعدم: وقد فسره الحسن ﵁ باضمحل علمهم وتدارك: من: تدارك بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك. فإن قلت، فما وجه قراءة من قرأ: بل أأدرك على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: أم أدرك. وأم تدارك، لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة. فإن قلت: فمن قرأ: بلى أدرك، وبلى أأدرك؟ قلت: لما جاء ببلى، بعد قوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه: المبالغة في نفى العلم، فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها، فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون. وأما
_________________
(١) ـ قوله: (وفي "أدرك علمهم" و﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾: وجهٌ آخر)، عطفٌ على قوله: "ومعنى" أدرك علمهم في الآخرة": انتهى وتكامل". ويجوز أن يكون متفرعًا على الجواب الثاني، أي: أن "أدرك"و"ادارك" إما منفيان على التهكم، أو معناها: انتهى وفني، ليحصل الترقي من النفي إلى النفي. قوله: (من: تدارك بنو فلانٍ، إذا تتابعوا في الهلاك)، ومنه بيت الحماسة. أبعد بني أمي الذين تتابعوا … أرجي الحياة أم من الموت أجزع قوله: (فما وجه قراءة من قرأ: "بل أأدرك"؟)، الفاء دلت على الإنكار، يعني: هب أنك فسرتهما بمعنى: انتهى وفني، فما تفعل بالاستفهام الوارد على التقرير؟ وأجاب: أجعله إنكاريًا، وهو نفيٌ أيضًا. قوله: (فمن قرأ: "بلى")، إنكارٌ آخر على التأويل بالنفي، وأجاب بما يوافق النفي بالتهكم لقراءة، وبالإنكار على وجهٍ برهانيٍّ لأخرى.
[ ١١ / ٥٧١ ]
من قرأ: بلى أأدرك؟ على الاستفهام فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها، لأنّ العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن. (فِي الْآخِرَةِ) في شأن الآخرة ومعناها فإن قلت، هذه الاضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم: وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية؛ فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة. ألا ترى أن من لم يسمع اختلاف المذاهب وتضليل أربابها بعضهم لبعض: كان أمره أهون ممن سمع بها وهو جاثم لا يشخص به طلب التمييز بين الحق والباطل، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حقا ولا باطلا. ولا يفكر في عاقبة. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه؛ فلذلك عدّاه بـ "مِن" دون "عن"،
_________________
(١) ـ قوله: (ثم أنكر علمهم بكونها)، أي: قال: "أدرك علمهم في الآخرة"، بمعنى: ما أدرك علمهم في نفس الآخرة، والمراد: نفي علمهم بمعرفة وقتها بالطريق البرهاني، وإليه الإشارة بقوله: "لأن العلم بوقت الكائن تابعٌ العلم بكون الكائن". قوله: (ما هي إلا تنزيلٌ لأحوالهم)، أي: لجهلهم بأحوال القيامة، المعنى: كيف يشعرون وقتها، وهم لا يعلمون كيف كونها، وأن البعث والحشر ثابتٌ في نفسه؟ فإن الأول تابعٌ للثاني، بل كيف يشعرون كونها، وهم خابطون في ظلماء الشك؟ فإن الجاهل أهون حالًا من الشاك الذي يتخبط في شكه لما يحتاج الثاني إلى إزالة الشك، ثم تحصيل العلم بخلاف الجاهل، وكيف يزيلون الشك وهم كالبهائم في العمى؟ فقوله: "ثم بما هو أسوأ حالًا" عطفٌ على قوله: "ثم بأنهم يخبطون"، وقوله: "فلا يزيلونه" إلى قوله: "بين الحق والباطل" متفرع على قوله: "ثم بأنهم يخبطون" والأسلوب من باب الترقي من الأهون إلى الأغلظ. قوله: (وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه)، يريد أن معنى "من" في "منها" في الموضعين الابتداء، ومرجعه الصدور والإنشاء، وفيه شائبةٌ من معنى السببية، وأن الكفر بالآخرة سببٌ للعمى.
[ ١١ / ٥٧٢ ]
لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون.
[(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)].
العامل في (إِذَا) ما دلّ عليه (أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ) وهو "نخرج"، لأنّ بين يدي عمل اسم الفاعل فيه عقابا وهي همزة الاستفهام، و"إن" ولام الابتداء وواحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمعن؟
والمراد: الإخراج من الأرض. أو من حال الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على (إذا) و(إن) جميعا إنكار على إنكار، وجحود عقيب جحود، ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه. والضمير في (إِنَّا) لهم ولآبائهم، لأنّ كونهم ترابا قد تناولهم وآباءهم. فإن قلت: قدّم في هذه الآية (هَذَا) على (نَحْنُ وَآباؤُنا)، وفي آية أخرى قدّم (نَحْنُ وَآباؤُنا) على (هَذَا)؟ قلت. التقديم دليل على أن المقدّم هو الغرض المتعمد بالذكر، وإن الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين
_________________
(١) ـ قال صاحب "التقريب": معناه: أن الكفر بالجزاء مبدأ عماهم، وسبب عدم تدبرهم، فإن لم يصرفه خوف العاقبة فعل ما يقتضيه هواه وشهوته، ودخل في زمرة البهائم. قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد … ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم قوله: (بين يدي عمل اسم الفاعل)، أي: المفعول، وهو "مخرجون"، سمي به مجازًا، لأنه بني من: يخرج. قوله: (التقديم دليلٌ على أن المقدم هو الغرض)، تلخيصه: أن التقديم إنما يتعمد به لاقتضاء المقام، وكون المقدم مهتمًا بشأنه، ولما كان الإنكار في هذه السورة أبلغ منه في تلك السورة قدم المنكر هنا، وأقره في تلك السورة في مكانه.
[ ١١ / ٥٧٣ ]
دلّ على أن اتخاذ البعث هو الذي تعمد بالكلام، وفي الأخرى على أن اتخاذ المبعوث بذلك الصدد.
_________________
(١) ـ وبيانه: أنه تعالى لما وبخ المشركين إنكارهم الحشر بقوله: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ثم جهلهم بوقت البعث بقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وترقى فيه ذلك الترقي المذكور، حكى عنهم ما كانوا يتفوهون به في ذلك من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا﴾، وضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع المضمر، للإشعار بأن هذا القول إنما صدر عنهم لتماديهم في الكفر، حيث ضموا مع ذكرهم ذكر آبائهم، وجعلوهم ترابًا صرفًا لأجزاء هناك على صورة نفسه، وقدموا المنصوب على المرفوع في قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا﴾، وهو المراد من قوله: "دل على أن اتخاذ البعث"، وأما في سورة المؤمنين فلم يسبق من ذلك شيءٌ. نعم حكى عنهم قولهم لينبه به على أن ذلك جرى من محض التقليد، ومتابعة أسلافهم في تكذيب الأنبياء في البعث، فأقر كلًا من المرفوع والمنصوب في مكانه، ولم يذكر آباءهم، وصرح بذكر العظام، وهو المراد من قوله: "دل على أن اتخاذ المبعوث" يعني: إنما قدموا هذا هنا والمشار إليه البعث ليؤذن بأنهم إنما اتخذوا البعث منكرًا، وقدموا "نحن" في المؤمنين ليعلم بأنهم إنما اتخذوا "المبعوث بذلك الصدد"، أي: هو الذي يعمد بالكلام اتخاذ المبعوث. وكلام صاحب "المفتاح" يجب أن يحمل على هذا المحمل، وذلك قوله: فالجهة المنظور فيها هناك هي كون أنفسهم ترابًا وعظامًا، والجهة المنظور فيها هاهنا هي كون أنفسهم وكون آبائهم ترابًا لأجزاء هناك من بناهم على صورة نفسه، ولا شبهة أنها أدخل عندهم في تبعيد البعث، فاستلزم زيادة الاعتناء بالقصد إلى ذكره. وأما قوله: "وفي آية أخرى قدم ﴿نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا﴾ "، فمن باب المشاكلة، إذ ليس هناك تقديمٌ اصطلاحيٌ. قوله: (دل على أن اتخاذ البعث)، عن بعضهم: "على" في الموضعين فاعل "دل"، أي: دل على جعل الله البعث معتمدًا في الكلام، وعلى جعله المبعوث معتمدًا فيه في الأخرى.
[ ١١ / ٥٧٤ ]
[(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)].
لم تلحق علامة التأنيث بفعل العاقبة، لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنّ المعنى: كيف كان آخر أمرهم؟ وأراد بالمجرمين: الكافرين، وإنما عبر عن الكفر الإجرام ليكون لطفا للمسلمين في ترك الجرائم وتخوّف عاقبتها ألا ترى إلى قوله: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ) [الشمس: ١٤] وقوله: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: ٢٥]. (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) لأنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا فيسلموا وهم قومه قريش، كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: ٦]. (فِي ضَيْقٍ) في حرج صدر من مكرهم وكيدهم لك، ولا تبال بذلك فإن الله يعصمك من الناس. يقال: ضاق الشيء ضيقا وضيقا، بالفتح والكسر. وقد قرئ بهما. والضيق أيضا: تخفيف الضيق. قال الله تعالى: (ضَيِّقًا حَرَجًا) [الأنعام: ١٢٥] قرئ مخففا ومثقلا،
_________________
(١) ـ وقلت: هذا تلخيص المعنى، لأجل التركيب، لأن "اتخذ" يقتضي مفعولًا ثانيًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالتقدير دل على أن اتخاذ البعث أصلًا هو الذي يعتمد في الكلام، أي: الذي قصد في الكلام جعل البعث أصلًا ومقدمًا، ويعضده قوله: إن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر. قوله: (ضيقًا وضيقًا، بالفتح والكسر)، ابن كثير: بالكسر، والباقون: بفتحها.
[ ١١ / ٥٧٥ ]
ويجوز أن يراد: في أمر ضيق من مكرهم.
[(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ)].
استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم: (عَسَى أَنْ يَكُونَ) ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) [البقرة: ١٩٥] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم، ومعناه: وتبعكم ولحقكم، وقد عدى. بـ "من"، قال:
فلمّا ردفنا من عمير وصحبه … تولّوا سراعا والمنيّة تعنق
يعني: دنونا من عمير، وقرأ الأعرج: (ردف لكم)، بوزن ذهب، وهما لغتان، والكسر أفصح. وعسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يراد: في أمرٍ ضيقٍ)، عطفٌ على قوله: " في حرج صدرٍ"، يعني: ﴿ضَيْقٍ﴾ هنا مطلقٌ يجوز أن يقدر: ضيق صدرٍ، لاشتهاره فيه، أو يترك على إطلاقه، فيحمل على العموم، فالأمر بمعنى الشأن والحال. قوله: (فلما ردفنا من عميرٍ)، البيت، تعنق من العنق: وهو السير السريع السهل، يقال: دابةٌ معناقٌ، ومعنق، يقول: لما دنونا من عميرٍ وصحبه للمحاربة، أدبروا مسرعين منهزمين، والمنية تسرع خلفهم. قوله: (وعسى ولعل)، الراغب: عسى طمعٌ وترج، وكثيرٌ من المفسرين فسروا عسى ولعل باللازم، وقالوا: إن الرجاء والطمع لا يصح من الله، وفي هذا قصور نظر، وذلك أن الله ﷿ إذا ذكر ذلك يذكره ليكون الإنسان منه على رجاءٍ لا أن يكون هو تعالى
[ ١١ / ٥٧٦ ]
وجدّه وما لا مجال للشكّ بعده، وإنما يعنون بذلك: إظهار وقارهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام، لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أنّ عدوّهم لا يفوتهم، وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده.
[(وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ)].
الفضل والفاضلة: الإفضال. ولفلان فواضل في قومه وفضول. ومعناه: أنه مفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأنه لا يعاجلهم بها، وأكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه، ولكنهم بجهلهم يستعجلون وقوع العقاب: وهم قريش.
[(وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ)].
قرئ (تَكُنّ). يقال: كننت الشيء وأكننته: إذا سترته وأخفيته، يعنى: أنه يعلم ما
_________________
(١) ـ راجيًا. قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، أي: كونوا راجين في ذلك، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]. قوله: (لإذلالهم بقهرهم)، أي: لوثوقهم، يقال: هو يدل بفلانٍ، أي: يثق به. الأساس: وأدل على قريبه، ومنه: أسدٌ مدلٌ. قوله: (الفضل والفاضلة: الإفضال)، الراغب: الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، وذلك إما محمودٌ كفضل العلم والحلم، وإما مذمومٌ كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه، والفضل في المحمود أكثر استعمالًا، والفضول في المذموم. قوله: (قرئ: "تكن")، قال ابن جني: قراءة ابن السميفع، وابن محيصن "تكن" بفتح التاء وضم الكاف، والمألوف أكننت الشيء: إذا أخفيته في نفسك، وكننته: إذا سترته
[ ١١ / ٥٧٧ ]
يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم، وهو معاقبهم على ذلك بما يستوجبونه.
[(وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)].
سمي الشيء الذي يغيب ويخفى: غائبة وخافية، فكانت التاء فيهما بمنزلتهما في العافية والعاقبة.
ونظائرهما: النطيحة، والرمية، والذبيحة: في أنها أسماء غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة، كالراوية في قولهم: ويل للشاعر من راوية
_________________
(١) ـ بشيءٍ، فأكننت كأضمرت، وكننت كسترت، فهذا القارئ أجرى الضمير مجرى الجسم الساتر لها. مبالغةً، ونحو قول القائل: وحاجةٍ دون أخرى قد عرضت لها … جعلتها للتي أخفيت عنوانا وقول الحماسي: تغلغل حب عثمة في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل. قوله: (ونظائرهما: النطيحة)، الجوهري: نطحه الكبش ينطحه وينطحه نطحًا، والنطيحة المنطوحة التي ماتت منه، وإنما جاءت الهاء لغلبة الاسم عليها، وكذلك الفريسة، والأكيلة، والرمية، لأنه ليس هو على نطحتها، فهي منطوحة، وإنما هو الشيء في نفسه مما ينطح، والشيء مما يفرس.
[ ١١ / ٥٧٨ ]
السوء، كأنه قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح. المبين: الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة.
[(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)].
قد اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزابا، ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضا، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، يريد اليهود والنصارى. (لِلْمُؤْمِنِينَ): لمن أنصف منهم وآمن، أي: من
_________________
(١) ـ قوله: (يريد اليهود والنصارى)، أي: يريد بقوله: بني إسرائيل: اليهود والنصارى لا اليهودي وحدهم كما الظاهر. والمراد بالاختلاف ما شجر بينهم في المسيح ﵇، لقوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧]، وهم اليهود والنصارى في وجهٍ دون الوجه الآخر، وهم فرق النصارى من اليعقوبية والنسطورية، والملكانية. والمقام يقتضي العموم، لأنه تعالى لما وبخ المشركين ووعدهم وهددهم بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وبين شمول علمه المعلومات كلها، وأنها ثابتةٌ في اللوح المحفوظ، ذكر أن هذا القرن نسخةٌ من بعض ما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]. ألا ترى كيف يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وهم يعلمون ذلك لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، لكن هم شر ذمةٌ مكابرةٌ مثلكم أيها المشركون. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من المبطلين ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفصل بينهم وبين المحقين. والدليل على استطراد هذا الكلام العود إلى تسلية الرسول - ﷺ - في قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وإلى تسمية المشركين بالموتى في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
[ ١١ / ٥٧٩ ]
بني إسرائيل. أو منهم ومن غيرهم.
(إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [النمل: ٧٨].
(بَيْنَهُمْ) بين من آمن بالقرآن ومن كفر به. فإن قلت: ما معنى يقضي بحكمه؟ ولا يقال:
زيد يضرب بضربه ويمنع بمنعه؟ قلت: معناه بما يحكم به وهو عدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، فسمي المحكوم به حكما. أو أراد بحكمته، وتدل عليه قراءة من قرأ: (بِحِكَمِه)؛ جمع حكمة. (وَهُوَ الْعَزِيزُ)؛ فلا يردّ قضاؤه (الْعَلِيمُ) بمن يقضى له وبمن يقضى عليه، أو (العَزِيزُ) في انتقامه من المبطلين، (العَلِيمُ) بالفصل بينهم وبين المحقين.
[(فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ* إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ)].
أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين، وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج الذي لا يتعلق به الشكّ والظنّ. وفيه بيان أنّ صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته. وأن مثله لا يخذل. فإن قلت: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) يشبه أن يكون تعليلا آخر للتوكل، فما وجه ذلك؟ قلت:؟ وجهه أن الأمر بالتوكل جعل مسببا عما كان يغيظ رسول الله ﷺ من جهة المشركين وأهل الكتاب: من ترك اتباعه وتشييع ذلك بالعداوة
_________________
(١) ـ قوله: (أو منهم ومن غيرهم)، هذا أولى من الأول، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾، وقد فسر بقوله: "من آمن بالقرآن ومن كفر به" ولما قررناه من بيان النظم، ولأن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ تعريضٌ كالتذييل، فيدخل فيه بنو إسرائيل دخولًا أوليًا. قوله: (وتشييع ذلك بالعداوة)، الأساس: ومن المجاز: شيعنا شهر رمضان بصوم
[ ١١ / ٥٨٠ ]
والأذى، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله، بأن اتباعهم أمر قد يئس منه، فلم يبق إلا الاستنصار عليهم لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم، وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من آيات الله فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع: كانت حالهم لانتفاء جدوى السماع؛
_________________
(١) ـ الستة وشيعت النار بالحطب، وشيع هذا بهذا: قواه به. المعنى: ويقويه ترك إتباعه بالعداوة والأذى. قوله: (توكل متوكلٍ مثله)، كنايةٌ عنه صلوات الله عليه كأنه قيل: توكل متوكلٌ ممن هو بصددك في بذلك جهيداه في إيمان القوم حتى قيل له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]، وممن هو له ناصرٌ، مثل ناصرك، كأنه قيل له صلوات الله عليه: أعرض عنهم وتاركهم، لأنك بالغت في الإنذار، وأعذرت، وإنهم لا يؤمنون البتة، ولم يبق لك إلا الاستنصار، والتوكل على الغالب القاهر لأعدائه، الناصر والمتولي لأوليائه، لأن الأصل: فتوكل عليه، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾، فوضع اسم الذات موضع الضمير، فأفاد في هذا المقام هذا المعنى. الراغب: التوكل يقال على وجهين: يقال: توكلت لفلانٍ بمعنى: توليت له، ويقال: وكلته فتوكل لي، وتوكلت عليه: اعتمدته. قوله: (أقماع القول)، النهاية: الأقماع: جمع قمع، كضلع وأضلاع: وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأذهان، شبه أسماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ويحفظونه ويعملون به بالأقماع التي لا تعي مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها كما يمر الشراب في الأقماع. قيل: إضافة أقماع إلى القول بمعنى اللام، كأن آذانهم للأقوال كالظروف التي لا يبقى فيها شيءٌ من المظروف.
[ ١١ / ٥٨١ ]
كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع وكذلك تشبيههم بالصمّ الذين ينعق بهم فلا يسمعون. وشبهوا بالعمي؛ حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداة بصراء إلا الله ﷿. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: (إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)؟ قلت: هو تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته. وقرئ: (ولا يسمع الصمّ) (وما أنت بهاد العمى)، على الأصل. وتهدي العمي. وعن ابن مسعود:
_________________
(١) ـ قوله: (فقدوا مصحح السماع)، أي: الحياة. قوله: (ولا يقدر أحدٌ أن ينزع ذلك عنهم، ويجعلهم هداةً بصراء إلا الله)، الحصر مستفادٌ من تقديم الضمير وإيلائه حرف النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾. قوله: (هو تأكيدٌ لحال الأصم)، وهو من باب التتميم، كقول امرئ القيس: حملت ردينيًا كأن سنانه … سنا لهبٍ لم يتصل بدخان فإن قوله: "لم يتصل بدخان" تتميمٌ. قوله: (وقرئ: "ولا يسمع الصم")، ابن كثيرٍ: "يسمع" بالياء التحتانية مفتوحةً وفتح الميم، و"الصم" بالرفع، والباقون: بالتاء مضمومةً وكسر الميم، و﴿الصُّمَّ﴾ بالنصب. قوله: (بهادٍ العمي، على الأصل)، أي: بالتنوين. قال الزجاج: هذا يجوز في العربية، وإن لم يثبت روايةً.
[ ١١ / ٥٨٢ ]
(وما إن تهدي العمي)، وهداه عن الضلال. كقولك: سقاه عن العيمة؛ أي: أبعده عنها بالسقي، وأبعده عن الضلال بالهدى.
(إِنْ تُسْمِعُ) أي ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته، أي: يصدقون بها؛ (فَهُمْ مُسْلِمُونَ) أي: مخلصون من قوله تعالى: (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة: ١١٢] يعني: جعله سالما لله خالصا له.
[(وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ)].
سمي معنى القول ومؤداه بالقول، وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، ووقوعه:
حصوله. والمراد: مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة. ودابة الأرض: الجساسة. جاء في الحديث: أنّ طولها ستون ذراعا، لا يدركها طالب،
_________________
(١) ـ قوله: (وما إن تهدي العمي)، "إن" مقحمةٌ كقول امرئ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ … لناموا فما إن من حديثٍ ولا صالي قوله: (عن العيمة)، وهي شدة شهوة اللبن، عام عيمةً فهو عيمانٌ، والمرأة عيمى، وعلى هذا: رميت عن القوس، لأنه يبعد السهم عنها بالرمي. قوله: (الجساسة)، النهاية: في حديث تميمٍ الداري: "أنا الجساسة"، والجساسة: الدابة التي رآها في جزيرة البحر، سيمت بذلك، لأنها تجس الأخبار للدجال، يقال: جسه واجتسه، مثل: جثه، أي: مسه، والمجسة: الموضع الذي يجسه الطبيب، وفي المثل: أفواها مجاسها، أي: الإبل، إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك في معرفة سمنها من أن يجسها.
[ ١١ / ٥٨٣ ]
ولا يفوتها هارب. وروي: لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان. وعن ابن جريج في وصفها: رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرّ، وذنب كبش، وخف بعير. وما بين المفصلين: اثنا عشر ذراعا بذراع آدم ﵇. وروى: لا تخرج إلا رأسها، ورأسها يبلغ أعنان السماء، أو يبلغ السحاب. وعن أبي هريرة: فيها من كل لون، وما بين قرنيها فرسخ للراكب. وعن الحسن ﵁: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. وعن على ﵁: أنها تخرج ثلاثة أيام، والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها. وعن النبي ﷺ: أنه سئل: من أين تخرج الدابة؟ فقال "من أعظم المساجد حرمة على الله" يعنى المسجد الحرام. وروى: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تتكمن، ثم تخرج بالبادية ثم تتكمن دهرا طويلا، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله، فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بنى مخزوم عن يمين الخارج من
_________________
(١) ـ قوله: (وزغب)، النهاية: الزغب: جمع الأزغب، من الزغب: صغار الريش أول ما يطلع، شبه به ما في القثاء من الزغب، وهو كالشعيرات الصفر على ريش الفرخ، والفراخ زغبٌ، وقد زغب الفرخ، قال الفرزدق يخاطب عمر ﵁: ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ … زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ … فاغفر عليك سلام الله يا عمر قوله: (وقرن أيل)، الجوهري: الأيل- بضم الهمزة، وتشديد الياء-: الذكر من الأوعال، وكذلك بكسر الهمزة. قوله: (أعنان السماء)، الجوهري: أعنان السماء: صفائحها، وما اعترض من أقطارها، كأنه جمع عننٍ، وقيل: أعالي السماء وآفاقها.
[ ١١ / ٥٨٤ ]
المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية بلسان ذلق فتقول: (أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ) يعني: أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي، لأنّ خروجها من الآيات، وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وعن السدي:: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وعن ابن عمر ﵁: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المشرق، ثم الشام ثم اليمن فتفعل مثل ذلك. وروي: تخرج من أجياد. وروي: بينا عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده، أو فيما بين عينيه بعصا موسى ﵇، فتنكت نكتة بيضاء
_________________
(١) ـ قوله: (بلسانٍ ذلقٍ)، النهاية: في الحديث: تكلمت بلسانٍ ذلقٍ طلقٍ، أي: فصيحٍ بليغٍ. وذلق كل شيءٍ: حده. قوله: "تنفذه"، أي: تنفذ الصرخة من المغرب، وفي "المعالم": فتصرخ ثلاث صرخاتٍ يسمعها من بين الخافقين. قوله: (أجياد)، النهاية: بفتح الهمزة وسكون الجيم، وبالياء المثناة من تحت: جبلٌ بمكة، وأكثر الناس يقولون: جياد، بحذف الهمزة وكسر الجيم، وقيل: اسم وادٍ بمكة من شق اليمن، وأنشد المصنف لنفسه: أوادي إبراهيم بوركت من واد … وحييت من دارٍ على باب أجياد قوله: (مسجده)، "مسجد" بفتح الجيم: موضع سجود الرجل، وهو الجبهة حيث يصيبه ندب السجود، والآراب السبعة: مساجد، والندب: الأثر إذا لم يرتفع عن الجلد.
[ ١١ / ٥٨٥ ]
فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه أو فتترك وجهه كأنه كوكب درّى، وتكتب بين عينيه: مؤمن: وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسودّ لها وجهه وتكتب بين عينيه: كافر. وروى: فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم، ثم تقول هم: يا فلان، أنت من أهل الجنة. ويا فلان، أنت من أهل النار.
وقرئ: (تَكلِمُهُم) من الكلم: وهو الجرح. والمراد به: الوسم بالعصا والخاتم. ويجوز أن يكون (تُكَلِمُهُمْ) من الكلم أيضا، على معنى التكثير. يقال: فلان مكلم، أي: مجرّح. ويجوز أن يستدل بالتخفيف على أنّ المراد بالتكليم: التجريح، كما فسر: (َّنُحَرِّقَنَّهُ) [طه: ٩٧]، بقراءة عليّ ﵁: "لَنَحرُقَنَّه"، وأن يستدل بقراءة أبىّ: "تُنَبِّئهُم".
_________________
(١) ـ والحديث من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصى موسى، فتحلو وجه المؤمن، وتحطم وجه الكافر، حتى إن أهل الخوان يجتمعون عليه، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر". وبقية الروايات الله أعلم بصحتها. قوله: (فتحلو)، بالتاء المثناة وسكون الحاء المهملة وفتح اللام وضم الهمزة، صح من المحدثين. وفي نسخ "الكشاف": "فتجلو"، بالجيم، وكذا في "المطلع" و"المغرب": جلأ بالتحريك: إذا صار فيه التحلئ، على مفعل بالكسر: ما أفسده السكين من الجلد إذا قشر. تقول: حلأت الجلد، إذا قشرته، وأما "فتجلو" بالجيم غير مهموزٍ، فمن: جلوت السيف، جلاءً، أي: صقلته. قوله: (كما فسر: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: ٩٧]، وقد فسره في موضعه، قال: ذكر أبو علي في
[ ١١ / ٥٨٦ ]
وبقراءة ابن مسعود: "تُكَلِّمُهم بأنَّ النّاس"، على أنه من الكلام. والقراءة بـ "إن" مكسورة: حكاية لقول الدابة، إما لأنّ الكلام بمعنى القول. أو بإضمار القول، أى: تقول الدابة ذلك. أو هي حكاية لقوله تعالى عند ذلك. فإن قلت: إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف تقول بآياتنا قلت: قولها حكاية لقول الله تعالى. أو على معنى بآيات ربنا. أو لاختصاصها بالله وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه: أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده. ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أى: تكلمهم بأن.
[(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ)].
(فَهُمْ يُوزَعُونَ) يحبس أوّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار. وهذه
_________________
(١) ـ ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أنه يجوز أن يكون "حرق" مبالغةً في "حرق"، إذا برد بالمبرد، وعليه قراءة علي ﵁ "لنحرقنه". قوله: (وبقراءة ابن مسعودٍ: "تكلمهم بأن الناس")، أي: يستدل بقراءته على أن المراد بقوله: "تكلمهم" بالتشديد: القول، لتعديته بالباء، وذلك أن "تكلمهم" بالتشديد كان يحتمل الكلام على حذف الياء، ويحتمل التكليم- أي: التجريح- على حذف اللام، أي: تجرحهم، لأن الناس ما كانوا يوقنون بخروجها، فإتيان الباء دليلٌ على أن المراد الكلام. قوله: (والقراءة بـ "إن" مكسورة)، الكوفيون: ﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها. قوله: (وأثرتها عنده)، الأثرة: البقية من الشيء المختار، يقال: استأثر الله بفلانٍ. قوله: (فيكبكبوا)، عن بعضهم: كبه: صرعه على وجهه، وأصله "تكببوا"، فجعلت إحدى الباءات كافًا.
[ ١١ / ٥٨٧ ]
عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان بذلك. وكذلك قوله: (فَوْجًا)، فإن الفوج الجماعة الكثيرة. ومنه قوله تعالى: (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا)، وعن ابن عباس ﵄: أبو جهل والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة: يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. فإن قلت: أى فرق بين من الأولى والثانية؟ قلت: الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين، كقوله: (مِنَ الْأَوْثانِ).
[(حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ)].
الواو للحال، كأنه قال: أكذبتم بها بادئ الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب؟ أو للعطف، أي: أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتحققها وتبصرها؟ فإن المكتوب إليه قد يجحد أن يكون الكتاب من عند من كتبه، ولا يدع مع ذلك أن يقرأه ويتفهم مضامينه ويحيط بمعانيه. (أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بها للتبكيت لا غير. وذلك أنهم لم يعملوا إلا
_________________
(١) ـ قوله: (الواو للحال)، أي: في ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا﴾ أو للعطف. فإن قلت: ما الفرق بينهما؟ قلت: على الحال يكون المنكر التكذيب المقيد بقيد عدم التدبر، فلا يكون كل واحد من التكذيب وعدم النظر منكرًا على الاستقلال، بخلافه في العطف، أي: لم جمعتم بين هذين المنكرين؟ فإن أنكرتموه فهلا تفكرتم فيها لما عسى أن يكون ذلك يؤديكم على التصديق؟ فإن من جحد كتابًا فلا يمنعه الجحد من قراءته. قوله: (وذلك أنهم لم يعملوا)، تعليلٌ لتفسيره قوله: ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] بأنه للتبكيت لا غير، لأن التبكيت لز الخصم إلى الإقرار بالمدعى، وأن ليس لهم جوابٌ
[ ١١ / ٥٨٨ ]
التكذيب، فلا يقدرون أن يكذبوا ويقولوا قد صدّقنا بها، وليس إلا التصديق بها أو التكذيب. ومثاله أن تقول لراعيك وقد عرفته رويعي سوء: أتأكل نعمي، أم ماذا تعمل بها؟ فتجعل ما تبتدئ به وتجعله أصل كلامك وأساسه هو الذي صحّ عندك من أكله وفساده، وترمى بقولك: أم ماذا تعمل بها؟ مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل، لتبهته وتعلمه علمك بأنه لا يجيء منه إلا أكلها، وأنه لا يقدر أن يدعي الحفظ والإصلاح، لما شهر من خلاف ذلك. أو أراد: أما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب بآيات الله، أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك؟ يعني أنه لم يكن لهم عمل
_________________
(١) ـ ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤] إلا الإقرار بالتصديق أو التكذيب، إذ لا ثالث. ولما كان المقام مقام الصدق لا يقدرون أن يقولوا: قد صدقنا بها، فلابد لهم أن يقولوا: كذبنا بها، لأنهم لم يعملوا إلا بالتكذيب، فقوله في المثال: "لا يقدر أن يدعي الحفظ والإصلاح لما شهر من خلاف ذلك" تعيين لمقام الصدق. قوله: (أو أراد: أما كان لكم عملٌ في الدنيا إلا الكفر والتكذيب)، عطفٌ على قوله: "أكذبتم بها" إلى قوله: " ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بها للتبكيت، و"أم" على الأول: متصلةٌ، وقوله: "ماذا كنتم تعملون؟ عبارة عن التصديق، يدل عليه قوله: "وليس إلا التصديق بها أو التكذيب" والسؤال سؤال توبيخ في مقام يضطر المخاطب إلى الصدق كما مر، فإنك إذا جعلت في مثل هذا المقام ما صح وثبت عندك يلي الهمزة "ما"، وليس بثابت يلي "أم"، فلابد أن يوافقك المخاطب فيما هو الأصل، وعلى الثاني منقطعةٌ، والهمزة في ﴿أَكَذَّبْتُمْ﴾ للتقرير، وفي "أم" للإنكار. ولهذا قال: أما كان لكم عملٌ في الدنيا إلا الكفر والتكذيب، ثم أضربه عنه، وابتداء ﴿أمَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سائلًا عن العمل سوى التكذيب، لأنه هو المتهم بشأنه، فنفاه عن أصله، وإليه أشار بقوله: "لم يكن لهم عملٌ غيره" فإذا قرر التكذيب والكفر أولًا، ونفى غيرهما ثانيً، انحصر عملهم فيهما، إليه أشار بقوله: "كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعصية"
[ ١١ / ٥٨٩ ]
غيره، وكأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعصية، وإنما خلقوا للإيمان والطاعة: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها، وذلك قوله: (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) يريد أن العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم. وهو التكذيب بآيات الله، فيشغلهم عن النطق والاعتذار، كقوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) [المرسلات: ٣٥].
(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النمل: ٨٦].
جعل الإبصار للنهار وهو لأهله. فإن قلت: ما للتقابل لم يراع في قوله: (لِيَسْكُنُوا) و(مُبْصِرًا) حيث كان أحدهما علة والآخر حالا؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف، لأن معنى مبصرا: ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.
[(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ)].
فإن قلت: لم قيل: (فَفَزِعَ) دون فيفزع؟ قلت: لنكتة؛ وهي الإشعار بتحقق
_________________
(١) ـ والواو في "وإنما خلقوا" للحال، وفيه تقريرٌ لمذهبه. وقدر بعض أهل السنة: "ماذا كنتم تعملون"، أي: ماذا أطقتم من غير ذلك حتى تعلموا، نزلهم منزلة العجزة عن خلاف الكفر والتكذيب، لأنهم مطبوعٌ على قلوبهم. قوله: (هو مراعى)، أي: التقابل مراعى من حيث المعنى، وسيجيء تقريره في سورة "حم المؤمن" في مثل هذه الآية إن شاء الله تعالى. قوله: (لم قيل: ﴿فَفَزِعَ﴾، الراغب: الفزع: انقباضٌ ونفار يعتري الإنسان من الشيء
[ ١١ / ٥٩٠ ]
الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السماوات والأرض، لأنّ الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به. والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة، قالوا: هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت ﵈. وقيل: الشهداء. وعن الضحاك: الحور، وخزنة النار، وحملة العرش. وعن جابر: منهم موسى ﵇، لأنه صعق مرّة. ومثله قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ ومَنْ فِي
_________________
(١) ـ المخيف، وهو من جنس الجزع، ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه، وقوله ﷿: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، أي: الفزع من دخول النار، وقوله تعالى: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣]، أي: أزيل، يقال: فزع إليه: إذا استغاث به عند الفزع، وفزع له: أغاثه، وقول الشاعر: كنا إذا ما أتانا صارخٌ فزعٌ أي: صارخٌ أصابه فزعٌ، ومن فسره بأن معناه: المستغيث، فإن ذلك تفسيرٌ للمقصود من الكلام، لا للفظ الفزع. قوله: (وعن جابر: منهم موسى ﵇ لأنه صعق مرةً)، أشار إلى حديث أبي سعيد في حديث لطم الأنصاري اليهودي، قال - ﷺ -: "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى أخذٌ بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جوزي بصعقة الطور". أخرجه البخاري ومسلم.
[ ١١ / ٥٩١ ]
الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) [الزمر: ٦٨]. وقرئ: (أتوه) و(أتاه) و(دخرين)، فالجمع على المعنى والتوحيد على اللفظ. والداخر والدخر: الصاغر. وقيل: مع الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية. ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.
[(وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ* مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ* وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)].
(جَامِدَةً) من جمد في مكانه إذا لم يبرح. تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد (وَهِيَ تَمُرُّ) مرّا حثيثا كما يمر السحاب. وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا تحرّكت لا تكاد تتبين حركتها، كما قال النابغة في صفة جيش:
بأرعن مثل الطّود تحسب أنّهم … وقوف لحاج والرّكاب تهملج
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "آتوه")، حفصٌ وحمزة: ﴿آَتَوْهُ﴾ بقصر الهمزة وفتح التاء، والباقون: بمد الهمزة وضم التاء. قوله: (ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره)، عطفٌ على قوله: "وقيل: مع الإتيان حضورهم المواقف"، فعلى هذا يصح أن يكون هذا عند النفخ في الصور والفزع. قوله: (بأرعن مثل الطود)، البيت، الرعن: أنف الجبل المتقدم، والجمع الرعون، والرعان، ثم يشبه به الجيش، فيقال: جيشٌ أرعن، وهو المضطرب لكثرته. والطور: الجبل العظيم. قوله: (لحاجٍ)، الحاج: جمع الحاجة، والركاب لا واحد له من لفظه، والهملاج من
[ ١١ / ٥٩٢ ]
(صُنْعَ اللَّهِ) من المصادر المؤكدة، كقوله: (وَعَدَ اللَّهُ) [النساء: ١٢٢، الروم: ٦]، و(صِبْغَةَ اللَّهِ) [البقرة: ١٣٨]، إلا أن مؤكدة محذوف، وهو الناصب لـ "يوم ينفخ"، والمعنى: ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال: (صُنْعَ اللَّهِ)، يريد به: الإثابة والمعاقبة
_________________
(١) ـ البراذين، واحد الهماليج، ومشيها الهملجة فارسيٌ معربٌ، وهي مشيٌ سهلٌ، يقول: حاربنا العدو بجيشٍ مثل الجبل العظيم تحسب أنهم وقوفٌ لحاجٍ، والحال أن الركاب تهملج وتسرع. قوله: (﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ من المصادر المؤكدة)، الراغب: الصنع: إجادة الفعل، ولا ينسب إلى الحيوانات كما ينسب إليها الفعل، قال الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾. وللإجادة يقال للحاذق المجيد: صنعٌ، وللمرأة: صناعٌ، قال الله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قوله: (والمعنى: يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين، وعاقب المجرمين، ثم قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ يريد به: الإثابة والمعاقبة)، قلت: هذا يؤذن بأن قبل ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ إضمارًا، وهو أثاب المحسنين وعاقب المجرمين. و﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكد للمعنى المقدر. وقوله: "وكان كيت وكيت"، كناية عن قوله ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى آخره، وأن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ إلى آخر الآيتين، تلخيصٌ لمعنى ذلك المقدر وقرينةٌ له. وقال أبو البقاء: العامل في ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ﴾، ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾: اذكر، و﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ عمل فيه ما دل عليه. ﴿تَمُرُّ﴾، لأن ذلك من صنع الله، كأنه قال: صنع ذلك صنعًا. وقال الزجاج: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر، لأن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً
[ ١١ / ٥٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ .. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ دليلٌ على الصنعة، كأنه قيل: صنع الله ذلك صنعًا. وهذا أقرب مما ذكره المصنف، لكن يحتاج في تقريره إلى بيان النفختين وتسيير الجبال، وتبديل السماوات والأرض، والذي يفهم من الكتاب والسنة: أن النفخة الأولى كائنةٌ في الدنيا. روينا عن مسلمٍ عن ابن عمر في حديثٍ طويلٍ: "وهم في ذلك دارٌ رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغًى ليتًا، وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق الناس، ثم [يرسل الله- أو] قال: ينزل الله- مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيامٌ ينظرون". وروى البخاري ومسلمٌ وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما بين النفختين أربعون". قيل: أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنةً؟ قال: أبيت. الحديث. وأما تسيير الجبال ومرورها فبعد النفخة الثانية عند قيام القيامة. قال محيي السنة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ وهي تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض، فتستوي بها. وقال: سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه. وينصره قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] إلى قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٦] وقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] إلى قوله: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣].
[ ١١ / ٥٩٤ ]
وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب، حيث قال: (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) يعني أنّ مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب؛ من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه لها على قضايا الحكمة، أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك. ثم لخص ذلك بقوله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ) إلى آخر الآيتين، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغًا
_________________
(١) ـ وإذا علم هذا فالحق أن يقال: إن قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ هو النفخة الأولى، وأن قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] واقعٌ بعد النفخة الثانية على ما قال المصنف، وكذا عن محيي السنة. وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكد عمل في ما دل عليه ﴿تَمُرُّ﴾، كما قال أبو البقاء والزجاج. وقوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ تنبيهٌ على الشروع في الحساب، والأخذ في الجزاء على سبيل الاستئناف، وأنه جوابٌ لقول من يسأل: فماذا يكون بعد هذه القوارع؟ فقيل: إن الله خبيرٌ بعمل العاملين، فيجازيهم على أعمالهم، حسنها وسيئها، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار، هذا هو النظم الذي أفزع إفراغًا واحدًا، ورص ترصيصًا متينًا، والحمد لله على ذلك. قوله: (إنه عالمٌ بما يفعل العباد)، الراغب: الخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، وخبرته خبرًا وخبرةً، وأخبرت: أعلمت بما حصل لي من الخبر، وقيل: الخبرة: المعرفة ببواطن الأمر، والخبار والخبراء: الأرض اللينة، وقد يقال ذلك لما فيها من الشجر، والمخابرة: مزارعة الخبار بشيءٍ معلوم، والخبير: الأكار فيه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: عالمٌ بأخبار أعمالكم، وقيل: أي: عالمٌ ببواطن أموركم، وقيل: خبيرٌ بمعنى مخبرٍ، كقوله: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
[ ١١ / ٥٩٥ ]
واحدا ولأمر مّا أعجز القوى وأخرس الشقاشق. ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام، جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله: (صُنْعَ اللَّهِ)، و(صِبْغَةَ اللَّهِ) [البقرة: ١٣٨]، و(وَعَدَ اللَّهُ) [النساء: ١٢٢، الروم: ٦]، و(فِطْرَتَ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]: بعد ما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: (الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) [البقرة: ١٣٨] (لا يُخْلِفُ المِيعَادَ) [الروم: ٦] (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠] وقرئ: (تَفْعَلُونَ)، على الخطاب. (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) يريد الإضعاف وأنّ العمل يتقضى والثواب يدوم، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد. وقيل: (فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا)،
_________________
(١) ـ قوله: (الشقاشق)، النهاية: الشقشقة: الجلدة الحمراء التي يخرجها الجمل العربي من جوفه، ينفخ فيها فتظهر من شدقه، شبه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، وفي حديث علي ﵁: "إن كثيرًا من الخطب من شقاشق الشيطان" نسبها إلى الشيطان لما يدخل فيها من الكذب والباطل، وكونه لا يبالي بما قال. هكذا أخرجه الهروي عن علي. وفي كتاب أبي عبيد وغيره من كلام عمر ﵁: ومنه حديث علي: "تلك شقشقةٌ هدرت ثم قرت". قوله: ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]، متوافقان من حيث إن من حسن الصنعة إتقانه وإحكامه، وتسويته على ما ينبغي. قوله: (﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ يريد الأضعاف وأن العمل يتقضى)، قال القاضي: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ﴾ إذ ثبت له الشريف بالخسيس، والباقي بالفاني، وسبع مئةٍ بواحدةٍ.
[ ١١ / ٥٩٦ ]
أي: له خير حاصل من جهتها وهو الجنة. وعن ابن عباس، الحسنة كلمة الشهادة. وقرئ: (يَوْمَئِذٍ) مفتوحا مع الإضافة، لأنه أضيف إلى غير متمكن. ومنصوبا مع تنوين (فَزَعٍ). فإن قلت: ما الفرق بين الفزعين؟ قلت: الفزع الأوّل: هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع وهول يفجأ، من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به، كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية. وأمّا الثاني: فالخوف من العذاب. فإن قلت: فمن قرأ (مِنْ فَزَعٍ) بالتنوين ما معناه؟ قلت: يحتمل معنيين. من فزع واحد وهو خوف العقاب، وأمّا ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم، فلا يخلون منه، لأنّ البشرية تقتضي ذلك. وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه.
_________________
(١) ـ قوله: (أي: له خيرٌ حاصلٌ من جهتها)، قال أبو البقاء: ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾، أي: أفضل منها، فـ "من" في موضع نصبٍ، ويجوز أن يكون بمعنى فضل، وموضع "منها" رفعٌ صفةٌ لـ "خيرٌ"، أي: له خيرٌ حاصلٌ بسببها. قوله: (وقلب وجاب)، النهاية: سمعت وجبة قلبه، أي: خفقانه، يقال: وجب القلب جيب وجيبًا، إذا خفق. قوله: (وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه)، أي: على المعنى الأول في الجواب، أما الأخبار، فمنها حديث الشفاعة، روينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي عن أبي هريرة في حديثٍ طويل، وفيه: "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون"، ثم ساق الراوي الحديث، إلى أن آدم يقول: "نفسي نفسي"، وكذا إبراهيم وموسى وعيسى.
[ ١١ / ٥٩٧ ]
ومن فزع شديد مفرط الشدّة لا يكتنهه الوصف: وهو خوف النار. "أَمِنَ": يعدى بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) [الأعراف: ٩٩]. وقيل: السيئة: الإشراك. يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة، فكأنه قيل: فكبوا في النار، كقوله تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيها) [الشعراء: ٩٤] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين. (هَلْ تُجْزَوْنَ) يجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول.
[(إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ* وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ* وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)].
أمر رسوله بأن يقول: (أُمِرْتُ) أن أخص الله وحده بالعبادة، ولا أتخذ له شريكا كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام. (وَأَنْ أَتْلُوَا
_________________
(١) ـ قوله: (ومن فزعٍ شديدٍ مفرط الشدة)، هو المعنى الثاني في الجواب، والتنكير على الأول للوحدة شخصًا، وعلى هذا التهويل والتعظيم. وقوله: "وأما ما يلحق الإنسان" إلى آخره، فمعناه: لابد من حمل التنكير على هذا النوع من الخوف، لأن سائر الأهوال والأفزاع البشر لا يخلون منه، أي: وهم من فزع العقاب، أو من خوف النار آمنون، لا مما يلحق الإنسان من التهيب، فقوله: "أما ما يلحق" إلى آخره، اعتراضٌ من الوجهين، وهو متعلقٌ بهما، أو استغني به عن تكريره، بعد الوجه الآخر، لأنه بين قوله: "من فزع شديد" بقوله: "وهو خوف النار" ومآل قراءة الإضافة أيضًا إلى هذين الوجهين، لأن الفزع الذي يختص بذلك اليوم هو العقاب، والنار وسائر الأفزاع مشترك. قوله: (﴿أُمِرْتُ﴾ أن أخص الله وحده)، اقتبس معنى التخصيص من لفظة: "إنما".
[ ١١ / ٥٩٨ ]
الْقُرْآنَ) من التلاوة أو التلوّ كقوله: (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) [يونس: ١٠٩، الأحزاب: ٢]. والبلدة: مكة حرسها الله تعالى: اختصها من بين سائر. البلاد بإضافة اسمه إليها، لأنها أحبّ بلاده إليه، وأكرمها عليه، وأعظمها عنده. وهكذا قال رسول الله ﷺ حين خرج في مهاجره، فلما بلغ الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال: "إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجونى ما خرجت" وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه
_________________
(١) ـ قوله: (فلما بلغ الحزورة)، روينا عن الترمذي، عن عبد الله بن الحمراء قال: رأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا على الحزورة، وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت". النهاية: الحزورة: موضعٌ من مكة عند باب الحناطين، وهو بوزن قسورة، قال الشافعي رضي اله عنه: الناس يشددون الحزورة والحديبية، وهما مخففان. "مهاجره" أي: زمان هجرته. قوله: (إشارة تعظيمٍ لها وتقريبٍ)، أي: الإشارة بلفظ"هذه" إلى البلدة على طريقة قول القائل: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه إيذانٌ بتعظيمها وشرفها، وما ذلك إلا أنها موطن نبيه ومهبط وحيه، ولذلك نزلت ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] تسليةً لقلبه، وتسريةً لكربه، أي: الذي أوجب عليك العمل بأحكام القرآن لرادك على مكة.
[ ١١ / ٥٩٩ ]
ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو، ووصفها بأنها محرّمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضادّ لربه (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) [الحج: ٢٥] لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها. واللاجئ إليها آمن
_________________
(١) ـ قوله: (ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها)، أي: وصف البلدة، يعني: كان من حق الظاهر أن يصف البلدة، ويقول: البلدة التي حرمها الله، فوصف نفسه بقوله: الذي حرمها، ليؤذن بتعظيمه. فإن قلت: ما الفرق بين الوصفين؟ قلت: إذا قلت: رب هذه البلدة الذي حرم مكة، أعلمت أن مكة من جلالة قدرها، وعلو مرتبتها بحيث يصح أن يوصف بتحريمها ذو الجلال والإكرام، وأن الوصف به كالوصف بالأسماء الحسنى، وإليه الإشارة بقوله: "فأجزل بذلك قسمها في الشرف والعلو"، وإذا قلت: رب هذه البلدة التي حرمها الله، لم يقع هذا الموقع. قوله: (قسمها)، الأساس: أعطيته قسمه ومقسمه: نصيبه، وأعطيتهم أقسمهم ومقاسمهم، وأنشد أبو زيد: ومالك إلا مقسمٌ ليس فائتًا … به أحدٌ فاعجل به أو تأخرا قوله: (لا يختلي خلالها)، النهاية: الخلا مقصورٌ: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، واختلاؤه: قطعه، فإذا يبس فهو حشيشٌ. لا يعضد: لا يقطع، يقال: عضدت الشجر، أعضده عضدًا، والعضد- بالتحريك- المعضود.
[ ١١ / ٦٠٠ ]
وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما، وفي ذلك إشارة إلى أن ملكا ملك مثل هذه البلدة لعظيم الشأن قد ملكها وملك إليها كل شيء. اللهم بارك لنا في سكناها، وآمنا فيها شرّ كل ذي شرّ، ولا تنقلنا من جوار بيتك إلا إلى دار رحمتك. وقرئ: "التي حرّمها"، و"اتل عليهم هذا القرآن": عن أبىي (وَأَنْ أَتْلُوا): عن ابن مسعود. (فَمَنِ اهْتَدى) باتباعه إياى فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي الأنداد
_________________
(١) ـ قوله: (وجعل دخول كل شيءٍ تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها تحتهما)، يعني: أضاف الرب إلى البلدة إضافة تمليكٍ، وهو بمعنى: مالك، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ على وجه التتميم، ليؤذن بالفرق بين الملكين، وأن أحدهما كالتابع، والآخر كالمتبوع. قوله: (وفي ذلك إشارة)، أي: في وصف ذاته ﷿ بالتحريم الذي هو وصفٌ خاصٌ للبلدة، وجعل كل الأشياء تابعًا لها في الملكية إشعارٌ بأن مالكها عظيم الشأن، قاهر السلطان، يرفع من مرتبة ما أراد رفعته، ويحط من منزلة ما أراد حطه، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قديرٌ. قوله: (﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ بإتباعه)، يريد أن "اهتدى" مطلقٌ غير مقيدٍ، بشيءٍ، وقد ذرك هذه الخلال الأربع، فوجب تقيده بها. واعلم أن هذه خاتمةٌ شريفةٌ واردةٌ على نمطٍ غريبٍ، وترتيبٍ أنيقٍ. قال القاضي: أمر الله تعالى رسوله - ﷺ - أن يقول لهم ذلك بعدما بين المبدأ والمعاد، وشرح أحوال القيامة إشعارًا بأنه قد أتم الدعوة فكملت وما عليه بعد إلا الاشتغال بشأنه، والاستغراق بعبادة ربه. يريد أن هذه الخاتمة كالمتاركة للمشركين. ولعمري إنها من الخاتمة التي تدهش العقول، وتحير الأفهام، فإنه تعالى لما ختم الآيات الواردة في أمر البعث والحشر على أتم ما ينبغي بقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[ ١١ / ٦٠١ ]
عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل علىّ من الوحي، فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلىّ (وَمَنْ ضَلَّ) ولم يتبعني فلا علىّ، وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ. ثم أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى المعرفة، والإقرار بأنها آيات الله. وذلك حين لا تنفعهم المعرفة. يعني في الآخرة. عن الحسن وعن الكلبي: الدخان، وانشقاق القمر. وما حلّ بهم من نقمات الله في الدنيا. وقيل: هو كقوله: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: ٥٣]. وكل عمل يعملونه،
_________________
(١) ـ على الحصر، ووضع موضع حرف النفي الاستفهام، تأكيدًان أمر حبيبه صلوات الله عليه بخويصة نفسه من الاشتغال بعبادة ربه، فاختار له من الأمكنة أفضل البقاع، وخصها من الأوصاف ما كل وصفٍ دونها كما قال، وجعل دخول كل شيءٍ تحت ملكوته كالتابع لدخولها تحته. ومن الملة خير الملل وأقومها، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ومن الكتب أسمى الكتب وأسناها، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ثم أمر بعد ذلك كله بالتحميد حمدًا على ما أولاه من نعم التبليغ، واستفراغ الطوق والجهد فيه، ومن اختصاص الله بالعبادة في أشرف البقاع، ومن الدخول في الملة الحنيفية، ومن تلاوة هذا الكتاب الكريم، ثم طبع الكتاب بالتهديد بقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، يعني: حين أعرضوا عن واعظ الله، وأمرنا الرسول بالمتاركة، سنفرغ لهم وحدنا، ونلجئهم إلى المعرفة والإقرار بآياتنا حين لا تنفعهم المعرفة، كقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣١ - ٣٢]، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾، أي: لا يكون للتهديد بل للاستدلال.
[ ١١ / ٦٠٢ ]
فالله عالم به غير غافل عنه؛ لأنّ الغفلة والسهو لا يجوزان على عالم الذات، وهو من وراء جزاء العاملين. قرئ: (تَعْلَمُونَ)، بالتاء والياء.
_________________
(١) ـ قال الزجاج: أي: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم. والحمد على هذا التفسير على نعمة المعرفة التي دونها كل النعم. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعد بإيصال الثواب إلى من شكر تلك النعمة. وعلى الأول: ﴿سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ كان وعيدًا وتهديدًا، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، تذييلٌ للوعيد، وتأكيدٌ له. قوله: (على عالم الذات)، الانتصاف: سبق له جحد صفة العلم، وإيهام أن سلبها داخلٌ في تنزيه الله تعالى، لأنه يجعل استحالة الغفلة عليه معللةً بأن علمه بالذات لا بالعلم. والحق أن استحالة الغفلة عليه تعالى، لأن علمه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، بل هو عالمٌ بعلمٍ قديمٍ، عام التعلق في الكائنات والممكنات والممتنعات، ولا يتوقف تنزيهه ﷾ على تعطيل صفات كماله وجلاله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قوله: (وراء جزاء العاملين)، هذا مثل، يعني: أنه تعالى لابد أن يجازي عامل الخير والشر، كما أن سائق الشيء لابد أن يوصله إلى ما يريد منه. قوله: (قرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالياء والتاء)، بالتاء الفوقانية: نافعٌ وابن عامرٍ وحفصٌ، والباقون: بالياء.
[ ١١ / ٦٠٣ ]
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ طس سليمان كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله".
_________________
(١) ـ قوله: (وهودٍ) عطفٌ على "من صدق"، كأنه قيل: بعدد قوم سليمان وهودٍ. تمت السورة حامدًا الله، ومصليًا على رسول الله -ﷺ- ***
[ ١١ / ٦٠٤ ]