مدنية، وهي ثنتان وستون آية، وقيل: أربعٌ وستون
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١]
﴿سُورَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف. و﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة. أو هي مبتدأٌ موصوفٌ والخبر محذوف، أي: فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها. وقرئ بالنصب على: زيدًا ضربته، ولا محل لـ ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾، لأنها مفسرةٌ للمضمر، فكانت في حكمه. أو على: دونك سورة، أو: اتل سورة، و﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة. ومعنى "فرضناها": فرضنا أحكامها التي فيها.
وأصل الفرض: القطع، أي: جعلناها واجبةً مقطوعًا بها،
_________________
(١) ـ سورة النور مدنية، وهي ثنتان وستون آية، وقيل: أربعٌ وستون بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وقرئ بالنصب)، قال ابن جني: هي قراءة أم الدرداء، وعيسى الثقفي، ورويت عن عمر بن عبد العزيز. قوله: (أي: جعلناها واجبةُ)، الراغب: الفرض: قطع الشيء الصلب والتأثير فيه،
[ ١١ / ٥ ]
والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده: أو: لأن فيها فراض شتى، وإنك تقول: فرضت الفريضة، وفرضت الفرائض. أو: لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم.
_________________
(١) ـ كقطع الحديد، والفرض كالإيجاب، لكن الإيجاب يقال اعتبارًا بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. قال تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾، أي: أوجبنا العمل بها. ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرض. وكل موضع ورد فيه: فرض الله عليه، ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه. وما ورد من: فرض الله له، فهو في أن لا يحظره على نفسه، نحو قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] أي: سميتم لهن مهرًا، وأوجبتم على أنفسكم بذلك، وعلى هذا يقال: فرض له في العطاء، وبهذا النظر، ومن هذا الغرض قيل للعطية: فرضٌ، وللدين: فرضٌ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: من عين على نفسه إقامة الحج، وإضافة فرض الحج إلى الإنسان دلالةٌ على أنه غير معين الوقت. وقال الإمام: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: فرضنا ما بين فيها، وإنما قال ذلك، لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود. وقلت: فقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ بمنزلة براعة الاستهلال، لأن قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ إلى آخر السورة من الأحكام كالتفصيل، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] على ما سبق بيانه. قوله: (والتشديد للمبالغة)، أي: من شدد ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ وهو ابن كثير وأبو عمرو، فللمبالغة في الإيجاب.
[ ١١ / ٦ ]
﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال وتخفيها. رفعهما على الابتداء، والخبر محذوفٌ عند الخليل وسيبويه، على معنى: فيما فرض عليكم.
[﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢]
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ أي: جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر: ﴿فَاجْلِدُوا﴾، وإنما دخلت الفاء، لكون الألف واللام بمعنى "الذي"، وتضمينه معنى الشرط، تقديره: التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه، وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]. وقرئ بالنصب على إضمار فعل
_________________
(١) ـ قوله: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بتشديد الذال وتخفيفها)، بالتخفيف: حفصٌ وحمزة والكسائي، والباقون: بالتشديد. قوله: (وقرئ بالنصب)، قال ابن جني: وهي قراءة عيسى الثقفي، وهو منصوبٌ بمضمر، أي: اجلدوا الزانية، وتفسيرها: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ وجاز دخول الفاء، لأنه في موضع أمر، ومآل معناه إلى الشرط، ولا يجوز: زيدًا فضربته، لأنه خبر. وقال الزجاج: وزعم الخليل وسيبويه أن النصب المختار، وزعم غيرهما من البصريين والكوفيين أن المختار الرفع، وكذا عندي، لأن الرفع كالإجماع في القراءة، وهو أقوى في العربية، لأن معناه: من زنى فاجلدوه، على الابتداء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وإنما اختار الخليل وسيبويه النصب، لأنه أمرٌ، والأمر بالفعل أولى. وقد مر فيه الكلام مستقصى في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
[ ١١ / ٧ ]
يفسره الظاهر، وهو أحسن من (سورةً أنزلناها)، لأجل الأمر. وقرئ: (والزان) بلا ياء. والجلد: ضرب الجلد، يقال: جلده، كقولك: ظهره وبطنه ورأسه. فإن قلت: أهذا حكم جميع الزنية والزواني، أم حكم بعضهم؟ قلت: بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإن المحصن حكمه الرجم. وشرائط الإحصان عند أبي حنيفة ست: الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزويج بنكاحٍ صحيح، والدخول، إذا فقدت واحدةٌ منها فلا إحصان.
وعند الشافعي: الإسلام ليس بشرط، لما روى: أن النبي - ﷺ - رجم يهوديين. وحجة أبي حنيفة: قوله - ﷺ -: "من أشرك بالله فيس بمحصن" فإن قلت: اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزنية والزواني، لأن قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ عام في الجميع، يتناول
_________________
(١) ـ قوله: (وشرائط الإحصان)، عن بعضهم: أحصن الرجل: تزوج فهو محصنٌ، وهو أحد ما جاء على "أفعل" فهو "مفعل". وأحصنت المرأة: عفت، وحصنها زوجها، فهي محصنةٌ ومحصنة، قال ثعلبٌ: كل امرأة عفيفة محصنةٌ ومحصنةٌ، وكل امرأة متزوجة محصنةٌ بالفتح لا غير. قوله: (رجم يهوديين)، الحديث مشهورٌ مخرجٌ في "الصحيحين". قال القاضي: لا يعارضه "من أشرك بالله فليس بمحصن"، إذ المراد المحصن: الذي يقتص له من المسلم. قوله: (اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزنية والزواني)، أي: اللفظ عامٌ، كيف يذهب على أنه حكم من ليس بمحصن؟ وتوجيه الجواب: أنا لا نسلم أنه عامٌ، بل هو
[ ١١ / ٨ ]
المحصن وغير المحصن. قلت: الزانية والزاني يدلان على الجنسين المنافقين لجنسي العفيف والعفيفة دلالة مطلقة، والجنسية قائمةٌ في الكل والبعض جميعًا، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك. وقرئ: (ولا يأخذكم) بالياء، و(رأفةٌ) بفتح الهمزة، و(رآفة) على: فعالة. والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجد والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده، وكفى برسول الله - ﷺ - أسوةً في ذلك، حيث قال:
_________________
(١) ـ مطلق، فإن لام الجنس إذا دخلت على مفهوم دل دلالةً مطلقةً شائعةً في جنسه، فيصح حمله على البعض وعلى الكل، فإذا انتهضت قرينةٌ تعين المراد منها كاللفظ المشترك، فإن إرادة أخد مفهوميه إنما تتعين عند قيام القرينة، وقرينة تقييد هذا المطلق آية الرجم، وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخرها، وفيه بحث، لأنه لا مانع عندهم أن تجري الآية على العامٌ المخصص على ما سبق في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وروى عن المصنف أنه قال: الألف واللام في الصفات عند المازني ومن تبعه كالمبرد وغيره بمنزلتهما في الأسماء للتعريف، وعند سيبويه هما بمعنى: الذي، والصفة بمعنى الفعل. قوله: ("رأفةٌ" بفتح الهمزة)، ابن كثير، والباقون: بإسكانها. و"رأفةٌ" على: فعالة شاذةٌ. قال الزجاج: و"رآفةٌ" مثل السآمة والكآبة، وفعالةٌ من أسماء المصادر. قوله: (والهوادة)، الجوهري: هي الصلح والميل: وقيل: الهوادة: أن لا يجد في الأمر.
[ ١١ / ٩ ]
"لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه. وقيل: لا تترحموا عليهما حتى تعطلوا الحدود، أو حتى لا توجعوهما ضربًا. وفي الحديث: "يؤتي بوال نقص من الحد سوطًا، فيقول: رحمةٌ لعبادك، فيقال له: أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به إلى النار. ويؤتي بمن زاد سوطًا، فيقول: لينتهوا عن معاصيك. فيؤمر به إلى النار"، وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرض خيرٌ لأهلها من مطر أربعين ليلة. وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلًا
_________________
(١) ـ قوله: (لو سرقت فاطمة)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن عائشة قالت: إن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - ﷺ -؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله - ﷺ -: أتشفع في حد من حدود الله؟ إلى قوله: وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد﵉- سرقت لقطعت يدها. قوله: (وقيل: لا تترحموا عليهما)، هذا تفسيرٌ آخر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ﴾، والفرق أن على الأول تحريضٌ على إقامة الحد نفسه، والثاني على إقامته مع الإيجاع فيه، يدل على الأول قوله: "ولا يأخذكم اللين في استيفاء حدود الله تعالى"، وعلى الثاني: قوله: "أو حتى لا توجعوهما ضربًا". قوله: (إقامة حد بأرض)، عن ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إقامة حد من حدود اله خيرٌ من مطر أربعين ليلةٌ في بلاد الله ﷿". وعن ابن ماجه والنسائي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "حدٌ يعمل به في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا"، وفي رواية النسائي: "ثلاثين صباحًا".
[ ١١ / ١٠ ]
عالمًا بصيرًا يعقل كيف يضرب. والرجل يجلد قائمًا على مجرده ليس عليه إلا إزاره، ضربًا وسطًا لا مبرحًا ولا هينًا، مفرقًا على الأعضاء كلها، لا يستثنى منها إلا ثلاثًا: الوجه، والرأس، والفرج. وفي لفظ الجلد: إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الأم إلى اللم. والمرأة تجلد قاعدةً، ولا ينزع من ثيابها إلى الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة ﵀ على أن الجلد حد غير المحصن بلا تغريب. وما احتج به الشافعي ﵀ على وجوب التغريب من قوله - ﷺ -: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام"، وما يروي عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفا، منسوخٌ عنده وعند أصحابه بالآية،
_________________
(١) ـ قوله: (على مجرده)، أي: ظاهر بشرته عاريًا. الجوهري: يقال: فلانٌ حسن الجردة والمجرد، كقولك: حسن العرية والمعري، وهما بمعنى واحد. قوله: (لا مبرحًا)، النهاية: ضربٌ غير مبرح: غير شاق. قوله: (وفي لفظ الجلد: إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم)، وهو المعنى بالإدماج عند علماء البيان، وإشارة النص في الأصول. قوله: (البكر بالبكر جلد مئة)، عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - ﷺ - قال: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة ورجمٌ". هذه رواية مسلم، والمعنى: زنى البكر بالبكر حده جلد مئة، أو: حد زنى البكر بالبكر جلد مئة. وفي قوله: "وما يروي عن الصحابة: أنهم جلدوا ونفوا، منسوخ"، بحثٌ، لأن إجماع الصحابة متأخرٌ عن نزول الآية، فكيف يكون منسوخًا بها؟ وفي هذا الإجماع دلالةٌ على أن الآية غير ناسخةٍ للسنة، وهذه الزيادة ليست بناسخةٍ للآية عند الشافعية خلافًا للحنفية. وروينا عن الترمذي عن ابن عمر، قال: إن النبي - ﷺ - ضرب وغرب، وإن أبا بكرٍ ضرب وغرب، وإن عمر ضرب وغرب.
[ ١١ / ١١ ]
أو محمولٌ على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب. وقول الشافعي في تغريب الحر واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل: يغرب سنةً كالحر، ويغرب نصف سنة كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب، كما قال أبو حنيفة.
وبهذه الآية نسخ الحبس، والأذى في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله: ﴿فَآَذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. قيل: تسميته عذابًا دليلٌ على أنه عقوبة. ويجوز أن يسمى عذابًا، لأنه يمنع من المعاودة، كما سمي نكالًا.
الطائفة: الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثةٌ أو أربعة، وهي صفةٌ غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعةٌ إلى أربعين
_________________
(١) ـ قوله: (أو محمول على وجه التعزير والتأديب لا على الوجوب)، بناءً على أن الزيادة على النص نسخ، وأنه لا ينسخ الكتاب بخبر الواحد. قال القاضي: ليس في الآية ما يدفع حديث التغريب لينسخ أحدهما بالآخر. قوله: (أن يسمى عذابًا، لأنه يمنع من المعاودة)، الأساس: يقال: أعذب عن الشيء واستعذب: إذا امتنع، ويقال: أعذبوا عن الآمال أشد الإعذاب، فإن الآمال تورث الغفلة، وتعقب الحسرة. قوله: (الجماعة الحافة)، الراغب: الطائفة من الناس: جماعةٌ منهم، ومن الشيء: القطعة منه، قال بعضهم: قد يقع على واحد فصاعدًا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، والطائفة إذا أريد بها الجمع: فجمع طائف، وإذا أريد بها الواحد فيصح أن يكون جمعًا وكني به عن الواحد وكني به عن الواحد، ويصح أن يجعل كراوية وعلامة. والخلود بالنار يؤذن بوضع الحديث.
[ ١١ / ١٢ ]
رجلًا من المصدقين بالله. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة: ثلاثةٌ فصاعدًا. وعن عكرمة: رجلان فصاعدًا. وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وفضل قول ابن عباس، لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحد، والصحيح أن هذه الكبيرة من أمهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وعن النبي - ﷺ -: "يا معشر الناس، اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال، ثلاثٌ في الدنيا، وثلاثٌ في الآخرة: فأما اللاتي في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة: فيوجب السخطة، وسوء الحساب، والخلود في النار"، ولذلك وفى الله فيه عقد المئة بكماله، بخلاف حد القذف وشرب الخمر، وشرع فيه القتلة الهولة، وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود فيه، وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين، لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، ويشهد له قول ابن عباس: إلى أربعين رجلًا من المصدقين بالله.
[﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣].
الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والتقحب، لا يرغب في نكاح الصوالح
_________________
(١) ـ قوله: (الهولة)، عن بعضهم: إدخال التاء في الهولة على تأويل الوصفية كقولهم: الجبة الحتفة، والمرأة الكلبة، على تأويل الهائلة والقائلة والسليطة. قوله: (الزنى والتقحب)، الراغب: الزنى: وطء المرأة من غير عقد شرعي. ويقصر، وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة. وزنأ في الجبل زنأ وزنوءًا، والزناء: الحاقن بوله،
[ ١١ / ١٣ ]
من النساء واللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو في مشركة، أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة والمشركين، ونكاح المؤمن الممدوح عند اله الزانية ورغبته فيها وانخراطه فيها في سلك الفسقة
_________________
(١) ـ ونهي الرجل أن يصلي وهو زناء. وقيل: الزنى: سفح الماء في محل محرم، يمد ويقصر، والقصر لغة الحجاز، والمد لغة نجد. الأساس: يسمى أهل اليمن المرأة القحبة، ويقولون: لا تثق بقول القحبة، ولا تغتر بطول الصحبة. وقاحبت المرأة: وقحبت وتقحبت. وقوله: (ونكاح المؤمن)، إلى آخره، هو معنى قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهو عطفٌ على قوله: "الفاسق الخبيث" إلى آخره. اعلم أن قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ يصح أن يحمل على الخبر المحض، وعلى معنى النهي، كما نص عليه في آخر كلامه، فإذا حمل على الخبر يكون معنى الحرمة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ التنزيه، ويسمى حرامًا للتغليظ والتشديد، وإليه الإشارة بقوله: "لما فيه من التشبه بالفساق"، والمعنى: أن من شأن الفاسق الخبيث وعادته ذلك، فعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة، ويتصون عنها كما ذكره، فعلى هذا: الظاهر أن قوله: "وقد أجازه ابن عباس ﵄"، وقوله: "أنه سئل عن ذلك، فقال: أوله سفاح وآخره نكاح" مبني على هذا الوجه، والآية غير منسوخة. وإذا حمل على النهي فيكون قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ على ظاهره مؤكدًا لمعنى النهي، ويكون قوله: "وقيل: كان بالمدينة موسراتٌ من بغايا المشركين" إلى آخره، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: "إن الرجل إذا زنى
[ ١١ / ١٤ ]
المتسمين بالزنى: محرمٌ عليه محظور، لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة، وأنواع المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فيكف بمزواجة الزواني والقحاب؟ ! وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقيل: كان بالمدينة موسرات من بغايا المشركين، فرغب فقراء المهاجرين في نكاحهن،
_________________
(١) ـ بامرأة، ليس له أن يتزوجها" مبنيين على هذا، والآية منسوخة. قال القاضي: وإنما حرم ذلك على المؤمنين، لأنه تشبيهٌ بالفساق، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغةً، وقيل: النفي بمعنى النهي، وقد قرئ به، والحرمة على ظاهرها، والحكم مخصوصٌ بالسبب الذي ورد فيه، وهو نكاح الموسرات من بغايا المشركين، أو منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإنه يتناول المسافحات. قوله: (لسوء القالة فيه)، الراغب: القالة: كل قول فيه طعنٌ وغميزة وقال: بعضهم: القال والقالة: ما ينتشر من القول، قال الخليل: يوضع القال موضع القائل، فيقال: أنا قال كذا، أي: قائله. قوله: (وقد نبه على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾، يعني: إذا كان الصالحون من الأرقاء والمماليك موصى في حقهم التزوج بسبب الصلاح، فالحرائر أولى بالتوصية أن يحترزن عن نكاح الفاسقين، والأحرار عن الفواسق، لأن السبب في شرعية النكاح التحصن في الدين، وحفظ الصلاح، والتكاثر من الصلحاء، فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] تأكيدٌ للآية وموافقةٌ لها، ولهذا كانت الآية على هذا الوجه غير منسوخة.
[ ١١ / ١٥ ]
فاستأذنوا رسول الله - ﷺ -، فنزلت. وعن عائشة ﵂: أن الرجل إذا زنى بامرأة: ليس له أن يتزوجها، لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانيًا. وقد أجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.
وعن النبي - ﷺ -: أنه سئل عن ذلك، فقال: "أوله سفاحٌ وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال"، وقيل: المراد بالنكاح الوطء. وليس بقول، لأمرين: أحدهما: أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلا في معنى العقد. والثاني: فساد المعنى وأداؤه إلى قولك: الزاني لا يزنى إلا بزانية، والزانية لا يزني بها إلا زان. وقيل: كان نكاح الزانية
_________________
(١) ـ قوله: (سفاح)، النهاية: السفاح: الزنى، مأخوذٌ من سفحت الماء: إذا صببته، وأراد به أن المرأة تسافح رجلًا مدةً ثم يتزوجها، وهو مكروهٌ عند بعض الصحابة، وعن بعضهم: المرأة مسافحٌ بها ومسفوحٌ فيها، فتسميتها مسافحة مجازٌ، كالزانية من: زنأت الجبل، إذا علوت. الانتصاف: كره مالكٌ نكاح المشهورين بالفاحشة، ونقل بعض أصحابه إجماع المذاهب أن للمرأة أو لوليها فسخ نكاح الفاسق. قوله: (أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلا في معنى العقد)، قال الزجاج: لا يعرف شيءٌ من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢]، ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. قوله: (وأداؤه إلى قولك: الزاني لا يزني إلا بزانية)، قال صاحب "التقريب": وليس فساده لأنه بيانٌ للواضحات، بل لأنه غير مسلم، إذ قد يزني الزاني بغير الزانية لعلم أحدهما بالزنى، والآخر جاهلٌ به، يظن الحل، وقال القاضي: لأنه يؤول المعنى إلى نهي الزاني عن الزنى إلا بزانية، والزانية أن يزني بها إلا زان وهو فاسد.
[ ١١ / ١٦ ]
محرمًا في أول الإسلام، ثم نسخ، والناسخ قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقيل: الإجماع، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب. فإن قلت: أي فرقٍ بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟ قلت: معنى الأولى: صفة الزاني بكونه غير راغبٍ في
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الإجماع)، أي: الناسخ الإجماع، وعن بضعهم: فيه نظرٌ، لأن النسخ لا يجوز إلا زمان ورود النص، وإذا وافق النبي - ﷺ - أهل الاجتهاد في حكم كان ذلك نصًا لا إجماعًا. قوله: (أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟)، يعني معنى قوله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾، يعود إلى قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾، لأن إسناد النكاح في الجملتين إلى الزاني. وأجاب بأن المسند إليه هو الذي يستدعي أن يحكم عليه، فهو في الحقيقة الموصوف، والخبر كالصفة تابعٌ له، ومن ثم سمى ابن جني المبتدأ رب الجملة، فيرجع معنى الجملة الأول إلى أن الزاني هو الذي يجتهد في تحصيل الفاجرة، ويرغب عن نكاح العفائف، ومعنى الثانية إلى أن الزانية حكمها أن لا يرغب فيها إلا عقابل الزنية، فيكون الذم راجعًا إليها بالأصالة، كما رجع إلى الزاني في الأولى بالأصالة، وإن استتبع كلٌ منهما ذم الآخر، ولو لم يذكر الثانية لم يعلم ذلك. الانتصاف: ليس ما ذكره الزمخشري موضحًا لتطابق الجملتين، وإيضاحه: أن الأقسام أربعة: الزاني لا يرغب إلا في زانية، والزانية لا ترغب إلا في زان، والعفيف لا يرغب إلا في عفيفة، والعفيفة لا ترغب إلا في عفيف، فذكر منها قسمان دالان على القسمين المسكوت عنهما، فالقسم الأول دالٌ على قرينه، وهو انحصار رغبة العفيف في العفيفة. والقسم الثاني: يفهم منه الرابع وهو انحصار رغبة العفيفة في العفيف، وعبر عن الزنية بما لا ينفك عن الزنى، فذكر الأعفاء بسلب نقائصهم، وأسند النكاح في القسمين المذكورين إلى الذكور، بخلاف قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ جعل كل واحد منهما زانيًا، وقدم الزانية في الكلام
[ ١١ / ١٧ ]
العفائف، ولكن في الفواجر. ومعنى الثانية: صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة، وهما معنيان مختلفان. فإن قلت: كيف قدمت الزانية على الزاني أولًا، ثم قدم عليها ثانيًا؟ قلت: سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية، لأنها لو لم تطمع الرجل، ولم تومض له، ولم تمكنه لم يطمع، ولم يتمكن، فلما كانت أصلًا وأولًا في ذلك: بدئ بذكرها. وأما الثانية فمسوقةٌ لذكر النكاح، والرجل أصلٌ فيه، لأنه هو الراغب والخاطب، ومنه يبدأ الطلب. وعن عمرو بن عبيد: (لا ينكح) بالجزم على النهي. والمرفوع أيضًا فيه معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد، كما أن "رحمك الله" و"يرحمك": أبلغ من "ليرحمك" ويجوز أن يكون خبرًا محضًا، على معنى: أن عادتهم جاريةٌ على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها. وقرئ: (وحرم) بفتح الحاء.
[﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ - ٥].
_________________
(١) ـ الأول، لأن الأصل في الزنى المرأة لما يبدو من إطماعها، والثاني في النكاح، إذ المعتبر فيه الرجل، وهم البادون بالخطبة. ولما كان الغرض تنفير الإعفاء من الزنى قربنه بالشرك. تم كلامه. وليس بطائلٍ، لأن قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ متضمنٌ لمعنى القسمين المقدرين. قوله: (ولم تومض له)، الجوهري: أومضت المرأة: إذا سارقت النظر من: "ومض البرق وميضًا": إذا لمع لمعانًا خفيفًا. قوله: (كما أن "رحمك الله" و"يرحمك": أبلغ)، وهم يسلكون هذه الطريقة للتفاؤل، كأنهم أسعفوا بمطلوبهم، فهم يخبرون عنه. قوله: (ويجوز أن يكون خبرًا محضًا)، عطفٌ على قوله: "والمرفوع أيضًا فيه معنى النهي".
[ ١١ / ١٨ ]
القذف يكون بالزنى وبغيره، والذي دل على أن المراد قذفهن بالزنى شيئان، أحدهما: ذكر المحصنات عقيب الزواني. والثاني: اشتراط أربعة شهداء، لأن القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان، والقذف بالزنى: أن يقول الحر العاقل البالغ لمحصنة: يا زانية، أو لمحصن: يا زاني، يا ابن الزاني، يا ابن الزانية، يا ولد الزنى، لست لأبيك، لست لرشدة. والقذف بغير الزنى أن يقول: يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا فاسق، يا خبيث، يا ماض بظر أمه، فعليه التعزير، ولا يبلغ به أدنى حد العبيد، وهو أربعون، بل ينقص منه. وقال أبو سيف: يجوز أن يبلغ به تسعةٌ وسبعون. وقال: للإمام أن يعزر إلى المئة. وشروط إحصان القذف خمسة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والعفة
_________________
(١) ـ قوله: (لست لرشدة)، النهاية: يقال: هذا ولد رشدة: إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضده: ولد زنية، بالكسر. قوله: (يا يهودي، يا مجوسي)، فيه أن هذا ليس موجبًا للتكفير، لأنه قال: فعليه التعزير، وفي "الروضة": قال المتولي: ولو قال المسلم: يا كافر، بلا تأويل: كفر، لأنه سمى الإسلام كفرًا. وفيها: ولو قيل للمسلم: يا يهودي أو: يا مجوسي، فقال: لبيك: كفر. قوله: (يا ماص بظر أمه)، النهاية: في الحديث: امصص ببظر اللات. البظر، بفتح الباء: الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم. وعن بعضهم: مصصت الماء: شرب منه رشفًا، وفي الحديث: "مصوا الماء، ولا تعبوا عبًا، فإن الكباد من العب". وقولهم للرجل: يا مصان، وللمرأة: يا مصانة: شتم.
[ ١١ / ١٩ ]
وقرئ: (بأربعة شهداء) بالتنوين. و(شهداء) صفة. فإن كنت: كيف يشهدون: مجتمعين أو متفرقين؟ قلت: الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه أن يحضروا في مجلسي واحد، وإن جاؤوا متفرقين: كانوا قذفة، . وعند الشافعي: يجوز أن يحضروا متفرقين. فإن قلت: هل يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحدًا منهم؟ قلت: يجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي. فإن قلت: كيف يجلد القاذف؟ قلت: كما جلد الزاني، إلا أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلا ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو. والقاذفة أيضًا كالزانية. وأشد الضرب: ضرب التعزيز، ثم ضرب الزنى، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "بأربعة شهداء" بالتنوين)، قال ابن جني: هي قراءة عبد الله بن مسلم ابن يسار وأبي زرعة، وهذا حسنٌ في معناه، وذلك أن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، لا يقال: عندي ثلاثة طريقين، إلا إذا أقيمت الصفة مقام الموصوف، وهذا هو الوجه في قراءة الجماعة ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بالإضافة، فإنهم استعملوا الشهداء استعمال الأسماء. قوله: (وأشد الضرب: ضرب التعزير)، النهاية: وأصل التعزير: المنع والرد، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد: تعزيرٌ، لأنه لا يمنع الجاني أن يعاود الذنب. وقيل: وفي كتاب سلالة "التفريد": أشد الضرب التعزير، ثم حد الزنى، ثم حد الشرب، ثم حد القذف، فإن التعزير نقص من العدد، وزيد في وصفه. وحد الزنى منصوصٌ في تغليظه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ﴾، وحد الشرب متيقنٌ، بخلاف القذف، فيكون أبلغ، ولذلك لا يجرد في حد القذف، لأن سببه غير متقين. وقال الإمام: قيل: أشد الضرب في الحدود ضرب الزنى، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف. وقال القاضي: إنما كان ضرب القاذف أخف، لضعف سببه، واحتمال
[ ١١ / ٢٠ ]
قالوا: لأن سبب عقوبته محتملٌ للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانةً للأعراض وردعًا عن هتكها. فإن قلت: فإذا لم يكن المقذوف محصنًا؟ قلت: يعزر القاذف ولا يحد، إلا أن يكون المقذوف معروفًا بما قذف به، فلا حد ولا تعزير. رد شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة ﵀ باستيفاء الحد، فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه: قبلت شهادته، فإذا استوفى: لم يقبل شهادته أبدًا وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء. وعند الشافعي: يتعلق رد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب عن القذف بأن يرجع عنه: عاد مقبول الشهادة. وكلاهما متمسكٌ بالآية، فأبو حنيفة ﵀ جعل جزاء الشرط- الذي هو الرمي- الجلد، ورد الشهادة عقيب الجلد على التأبيد، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أيدهم، وهو مدة حياتهم، وجعل قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كلامًا مستأنفًا غير داخل في حيز جزاء الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد
_________________
(١) ـ صدق ما قال، ولذلك نقص عدده. قوله: (صيانةً للأعراض)، العرض: النفس، صنت عرضي أي: نفسي، وفلانٌ نقي العرض، إذا كان بريئًا عما يقرف ويعاب به. وقيل: العرض: الحسب من مكارم [أخلاق] الرجل. قوله: (أبدًا)، الأبد: اسمٌ لزمانٍ طويلٍ انتهى أو لم ينته، يقال: أبدٌ أبيدٌ، كقولهم: دهرٌ داهر وساعةٌ سوعاء، أي: طويلة. قوله: (كلامًا مستأنفًا)، أي: مبتدأ، كما قال ابن الحاجب في "شرح المفصل" في قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ على معنى التشريك بينهما في عامل واحد، كأنك عطفت خبرًا على خبر، أو على الابتداء بجملة معربةٍ إعراب نفسها غير مشتركٍ بينها وبين ما قبلها في عاملٍ واحد،
[ ١١ / ٢١ ]
انقضاء الجملة الشرطية. و﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناءٌ من الفاسقين، ويدل عليه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والشافعي ﵀ جعل جزاء الشرط الجملتين أيضًا، غير أنه صرف الأبد إلى مدة كونه قاذفًا، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف، وجعل الاستثناء متعلقًا بالجملة الثانية. وحق المستثنى عنده أن يكون مجرورًا بدلًا من "هم" في ﴿لَهُمْ﴾، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوبًا، لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها: أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط،
_________________
(١) ـ فعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ إلى أخره: عطفٌ على الجملة الشرطية بتمامها، للإعلام بأن الجملة الأولى مشتملةٌ على حكم الرامين عند الناس في ظاهر الشرع، والثانية على حكمهم عند الله تعالى، ويدل على أن الثانية كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأن هذه الفاصلة لا تليق بحال قبول الشهادة وردها، ويمكن أن يجاب بأن الفاصلة متعلقةٌ بمجموع الكلام، وأن قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ معترضةٌ دخلت بين المستثنى والمستثنى منه مؤكدةٌ لمعنى ما اعترض فيه، والمناسبة حاصلةٌ على أن التعذيب نوعان: تعذيب إيلام، وتعذيب تشوير، فإذا قبلت توبة القاذف وسمعت شهادته، كأنه غفر له ورحم عيه وأنقذ من عذاب التشوير. قوله: (والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها: أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاءً للشرط)، وبيانه ما قرره الإمام، وتلخيصه على وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناءٌ مذكورٌ عقيب جمل منسوقةٍ بحرف النسق، وهي: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾، ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فهي في حكم واحد، فلم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضٍ أولى من بعض، فوجب عوده إليها بأسرها. ونظيره قول أبي حنيفة ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، فإن فاء
[ ١١ / ٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ التعقيب ما دخلت على غسل الوجه فقط، بل على المجموع من حيث إن الواو للجمع المطلق لا للترتيب، فإن قيل: إن الواو كما تكون للجمع فقد تكون للاستئناف، فقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ خبريةٌ، والجملتان السابقتان طلبية، ولا يجوز عطف الخبرية على الطلبية، فالواو: للاستئناف، بخلافه في آية الوضوء؟ الجواب: إذا انتهض الجامع القوي لا يمنع الاختلاف من العطف، أي: من قذف المحصنات فاجلدوهم، وردوا شهادتهم، وفسقوهم، أي: اجمعوا لهم هذه الثلاث إلا الذين تابوا عن القذف، وأصلحوا فإن الله تعالى يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. وإنما خولف في الثالثة بالخبرية، لأنه أبلغ وألزم، ولذلك جئ بها معرفة الخبر متوسطة بضمير الفصل. وثانيهما: أن مجيء: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ عقيب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ يدل على أن العلة في عدم قبول الشهادة كونهم فاسقين، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعرٌ بالعلية، وإذا ثبت أن العلة لرد الشهادة كونهم فاسقين، فعند زوال الفسق زالت العلة، فوجب أن يزول الحكم. فإن قيل: إن الاستثناء لو رجع إلى الكل لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد، وهذا باطلٌ بالإجماع؟ وأجاب الإمام: أن ترك العمل فيه لدليل الإجماع، فلم يترك في الباقي. وقال القاضي: الاستثناء راجعٌ إلى الحكم، وهو اقتضاء الشرط لهذه الأمور، ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد، أو الاستحلال. وقلت: لأن الغفران إنما يكون في حقوق الله تعالى، وحد القذف من حقوق العباد، ثم المختار من الوجهين الثاني، لأن قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ معترضةٌ بين المستثنى
[ ١١ / ٢٣ ]
كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي: فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم
_________________
(١) ـ والمستثنى منه لتوكيد مضمون الجملة وكالتعليل لها. والواو للاستئناف لا محيد عنه، لورودها على التأكيد، وتعريف الخبر بلام الجنس المؤذن بكمال هذا المعنى فيهم، وتوسط ضمير الفصل المقيد للحصر. وكل هذا ينافي العطف، مع أن الجملتين السابقتين إنشائيتان، ولذلك جعل الإمام الشافعي الاستثناء متعلقًا به: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ كما قال. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها ليس بمستقيم، أما الجلد فلم يرجع إليه بالاتفاق، وأما قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فإنما جيء به لتقرير تعليل منع الشهادة، فلم يبق إلا قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. وينصر هذا القول فعل عمر رضي الله تعالى عنه، وإجماع فقهاء التابعين على ما روينا في "صحيح البخاري": جلد عمر ﵁ عنه أبا بكرة وشبل ابن معبد ونافعًا بقذف المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته. وأجازه عبد الله بن عتبة، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، وطاووس، ومجاهدٌ والشعبي، وعكرمة، والزهري، ومحارب، وشريح، ومعاوية بن قرة. قال بعض الناس: لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب، ثم قال: لا يجوز نكاحٌ بغير شاهدين، وإن تزوج بشهادة محدودين: جاز. وإن تزوج بشهادة عبدين: لم يجز، وأجاز شهادة المحدود والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان.
[ ١١ / ٢٤ ]
فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. فإن قلت: الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة! كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإسلام! قلت: المسلمون لا يعبؤون بسبب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يحلقه بقذف مسلم مثله، فشدد على القاذف من المسلمين، ردعًا وكفًأ عن إلحاق الشنار. فإن قلت: هل للمقذوف أو للإمام أن يعفو عن حد القاذف؟ قلت: لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحد، والمقذوف مندوبٌ إلى أن لا يرافع القاذف ولا يطالبه بالحد. ويحسن من الإمام أن يحمل المقذوف على كظم الغيظ، ويقول له: أعرض عن هذا ودعه لوجه الله، قبل ثبات الحد، فإذا ثبت لم يكن لواحدٍ منهما أن يعفو، لأنه خالص حق الله، ولهذا لم يصح أن يصالح عنه بمال. فإن قلت: هل يورث الحد؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (المسلمون لا يعبؤون بسبب الكفار) إلى آخره، قال: صاحب "الفراند": أبو حنيفة لا يحتاج إلى هذا الجواب الضعيف، والكافر إنما قبلت شهادته بعد الإسلام، لأن هذه الشهادة غير شهادة الكفر، لأنها مستفادٌة من الإسلام، فلم تدخل تحت الرد، ويدل عليه أن شهادته مقبولةٌ بعد الإسلام على المسلم والذمي، وتلك الشهادة غير مقبولةٍ على المسلم، ولو كان كما قال، وهو عدم لحوق الشين، لوجب أن لا يحد، لعدم اعتبار قذفه. قوله: (والشنار)، النهاية: الشنار: العيب والعار. وقيل: هو العيب الذي فيه عارٌ، من: شنر عليه، أي: عابه وطعن فيه. قوله: (لأنه خالص حق الله تعالى)، عن بضعهم: حد القذف مما اجتمع فيه الحقان، وحق الله تعالى غالبٌ أو حق العبد غالبٌ على قول بعض أصحابنا، ولم يقل أحدٌ بما قاله المصنف عرف في أصول الفقه.
[ ١١ / ٢٥ ]
عند أبي حنيفة: لا يورث، لقوله - ﷺ -: "الحد لا يورث"، ويورث عند الشافعي، وإذا تاب القاذف قبل أن يثبت الحد: سقط وقيل: نزلت هذه الآية في حسان بن ثابت حين تاب مما قال في عائشة ﵄.
[﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٦ - ٩].
قاذف امرأته إذا كان مسلمًا حرًا عاقلًا بالغًا، غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة مع العفة: صح اللعان بينهما إذا قذفهما بصريح الزنى، وهو أن يقول لها: يا زانية، أو: زنيت، أو: رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج عبدًا، أو محدودًا في قذف، والمرأة
_________________
(١) ـ قوله: (عند أبي حنيفة: لا يورث …، ويورث عند الشافعي)، قال الإمام: قال مالكٌ والشافعي: حد القذف يورث، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد والعفو ثبت لوارثيه الحد، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف، وعند أبي حنيفة: لا يورث. حجة الشافعي أن حد القذف الآدمي، لأنه يسقط بعفوه، ولا يستوفي إلا بطلبه، ويحلف المدعى عليه إذا أنكر، وقال أبو حنيفة: لو كان موروثًا لكان للزوج والزوجة نصيبٌ فيه، وليس كذلك، لأنه حقٌ ليس من قبيل المال، فلا يورث كالمضاربة والوكالة. والجواب: أن الأصح عند الشافعي أنه يرثه جميع الورثة كالمال، وفيه وجهٌ أنه لا يرثه الزوج والزوجة، لأن المقصود من الحد دفع العار، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة، لأن الزوجية تنقطع بالموت.
[ ١١ / ٢٦ ]
محصنة: حد، كما في قذف الأجنبيات، وما لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان: أن يبدأ الرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى. وعند الشافعي ﵀: يقام الرجل قائمًا حتى يشهد، والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعدٌ حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه ويقول له: إن أخاف إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة الله. وقال: اللعان بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وببيت المقدس في مسجده، ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام، لقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، ثم يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه عند أبي حنيفة وأصحابه، إلا عند زفر، فإن الفرقة تقع باللعان. وعن عثمان البتي: لا فرقة أصلًا. وعند الشافعي ﵀: تقع بلعان الزوج. وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحد: جاز أن يتزوجها. وعند أبي يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي: هي فرقةٌ بغير طلاقٍ توجب تحريمها مؤبدًا، ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه. وروى: أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول اله - ﷺ - على المنبر، فقام
_________________
(١) ـ قوله: (وعن عثمان البتي)، قيل: هو خليفة الحسن البصري، وكتب أبو حنيفة كتاب "الرسالة" من تصنيفه إليه، والبتي: بائع البيت، وهو الكساء الغليظ. قوله: (روي: أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول الله - ﷺ -)، في هذه الرواية تخليطٌ، لأن حديث عاصم بن عدي رواه البخاري ومسلمٌ والنسائي عن ابن عباسٍ من غير هذا
[ ١١ / ٢٧ ]
عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك، إن وجد رجلٌ مع امرأته رجلًا فأخبر جلد ثمانين وردت شهادته أبدًا وفسق وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى! اللهم افتح. وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر، فقال: ما وراءك؟ قال: شرٌ، وجدت على بطن امرأتي خولة- وهي بنت عاصم- شريك بن سحماء، فقال هذا والله سؤالي، ما أسرع ما ابتليت به! فرجعا، فأخبر عاصمٌ رسول الله - ﷺ -، فكلم خولة، فقالت: لا أدري، ألغيرةٍ أدركته، أم بخلًا على الطعام! وكان شريكٌ نزيلهم، وقال هلال: لقد رأيته على بطنها. فنزلت، ولا عن بينهما. وقال رسول الله - ﷺ - عند قوله وقولها: أن لعنة الله عليه إن غضب الله عليها: "آمين"، وقال القوم: آمين، وقال لها: "إن كنت ألممت بذنب فاعترفي به، فالرجم أهون عليك من غضب الله، إن غضبه هو النار". وقال: "تحينوا بها الولادة، فإن جاءت به أصهيب أثيبج يضرب إلى السواد
_________________
(١) ـ الوجه. وروى مسلمٌ وأبو داود، عن ابن مسعودٍ معنى أول هذا الحديث كما أورده، وليس فيه ذكر الأسامي. وأما قصة هلال بن أمية وشريك بن سحماء فقد رواها مسلمٌ والنسائي، وليس في أوله ذكر عاصم وغيره. وعلى الجملة، معنى هذا الحديث مرويٌ برواياتٍ شتى، وأحاديث متفرقة. ومن أراد تحقيقه فعليه بـ "جامع الأصول". قوله: (تحينوا بها)، الحين: الوقت، أي: اطلبوا وقتها. والأصيهب: هذا الذي يعلو لونه صهبةٌ، وهي الشقرة، وهي تصغير أصهب. والأثيبج: تصغير الأثبج، وهو الناتئ
[ ١١ / ٢٨ ]
فهو لشريك، وإن جاءت به أوراق جعدًا جماليًا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به". قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله لشريك، فقال - ﷺ -: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". وقرئ: (ولم تكن) بالتاء، لأن الشهداء جماعة، أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل. ووجه من قرأ (أربع) أن ينتصب، لأنه في حكم المصدر، والعامل فيه المصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، وهي مبتدأٌ محذوف الخبر، تقديره: فواجبٌ شهادة أحدهم أربع شهادات
_________________
(١) ـ الثبج: أي: ما بين الكتفين والكاهل، وقد جاء رجلٌ أثبج عظيم الجوف. والأورق: الأسمر، والورقة: السمرة، الجمالي: الضخم الأعضاء التام الأوصال، يقال: ناقةٌ جماليةٌ: مشبهةٌ بالجمل عظمًا وبدانةً. وخدلج الساقين: العظيم الممتلئ الساق. كلها في "النهاية". وقال صاحب "الجامع": وإنما جاء بهذه الألفاظ مصغرةً لكونها صفةً للمولود. قوله: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)، أي: لولا الإيمان الذي في اللعان، وفي رواية مسلم والنسائي، عن أنسٍ: "لولا ما سبق فيها من كتاب الله لكان لي ولها شأنٌ"، ورواية البخاري وأبي داود: "لولا ما مضى من كتاب الله". قوله: (وهي: مبتدأ)، أي: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، والخبر المقدر: واجب، و(أربع شهادات): في حكم المصدر، والتقدير: فواجبٌ شهادة أحدهم أربع شهادات، والجملة خبر ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾، ودخلت الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. قال صاحب "الكشف": من نصب فالتقدير: فالواجب أن يشهد أحدهم أربع شهادات، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، ومن رفع فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾، فقد أخبر بالمرفوع عن المبتدأ، فيتحقق إذن تعلق الباء من قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ بما يليه، وهو ﴿شَهَادَاتٍ﴾، ولا يجوز حينئذٍ تعليقها بقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾، لأنه أخبر عن المبتدأ، ولا يجوز بعد الإخبار عنه أن يتعلق به شيءٌ، ومن نصب فالجار يتعلق بالثاني على مذهب سيبويه، وبالأول على مذهب الفراء.
[ ١١ / ٢٩ ]
وقرئ: (أن لعنة الله)، و: (أن غضب الله) على تخفيف (أن) ورفع ما بعدها. وقرئ: (أن غضب الله) على فعل الغضب.
وقرئ بنصب الخامستين، على معنى: ويشهد الخامسة. فإن قلت: لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت: تغليظًا عليها، لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها، ولذلك كانت مقدمةً في آية الجلد.
_________________
(١) ـ قوله: (وقري: "أن لعنة الله")، قرأن نافعٌ: "أن لعنة الله"، و"أن غضب الله"، بتخفيف النون فيهما ورفع التاء وكسر الضاد، من: غضب، ورفع ﴿اللهُ﴾. والباقون: بتشديد النون ونصب التاء وفتح الضاد وجر الهاء. وقوله: (على فعل الغضب)، يريد أنه قرئ: "غضب"، على الفعل الماضي، ورفع ﴿اللهُ﴾، لموافقة الرواية صورة خط الإمام، وأما "لعنة الله عليه" فإن كانت صورتها صورة الفعل، لكن لتكرر الضمير في "عليه"، وعدم مساعدتها الرواية ما قرئ بالفعل، وبهذا ظهر صحة قول الكواشي: السبعة: ما صح سنده، ووافق لفظه خط الإمام. وقوله: (وقرئ بنصب الخامستين)، حفصٌ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ بنصب التاء، والباقون: برفعها. قوله: (بخلابتها)، أي خداعها. كما قال "والمرأة هي المادة التي منها نشأت الخيانة، لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له لم يطمع". النهاية: وفي الحديث "لا خلابة"، أي: لا خداع، وفيه: أن بيع المحفلات خلابةٌ، وفي أمثالهم: إذا لم تغلب فاخلب.
[ ١١ / ٣٠ ]
ويشهد لذلك قوله - ﷺ - لخولة: "فالرجم أهون عليك من غضب الله".
[﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ١٠].
الفضل: التفضل. وجواب "لولا" متروك، وتركه دالٌ على أمرٍ عظيم لا يكتنه، ورب مسكوتٍ عنه أبلغ من منطوقٍ به.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١١].
الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى
_________________
(١) ـ قوله: (ويشهد لذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه لخولة)، يعني الذي يدل على أن التغليظ متوجهٌ إلى المرأة دون الرجل تخصيصه صلوات الله عليه بهذا القول إياها دون الرجل عند الملاعنة. قوله: (وجواب "لولا" متروكٌ، وتركه دالٌ على أمرٍ عظيم)، أي: لفضحكم، أو: لعاجلكم بالعقوبة، أو: لترككم حيارى في أمر الزواني حتى لا تعلموا كيف الخلاص، كما تحير عاصمٌ، وقال: اللهم افتح، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ عطفٌ على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾. هذه الآية كالتذييل لما سبق، بمعنى: من فضله ورحمته أنه بين لكم حكم اللعان، ومن كونه توابًا إذا حصلت التوبة قبل الرفع إلى الإمام، يتوب عليكم، ويستره عليكم، ومن حكمته أنه يلعن القاذف الكاذب، ويغضب على الزواني بأن يأمر بالرجم والجلد في المحصن وغيره، لأنه يعلم عاقبة الأمور كلها، ويضع كل شيءٍ في موضعه. قوله: (هو البهتان)، البهت: الأخذ بالفجاءة، بهته بهتًا وبهتانًا، إذا قال عليه ما لم يفعل. والبهيتة: بمعنى الافتراء، ومنه قول المفترى عليه: يا للبهتية بالكسر، على حذف المدعو.
[ ١١ / ٣١ ]
يفجأك. وأصله: الأفك، وهو القلب، لأنه قولٌ مأفوك عن وجهه. والمراد: ما أفك به على عائشة ﵂. والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة. واعصوا صبوا: اجتمعوا، وهم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقرئ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بالضم والكسر، وهو عظمة. والذي تولاه: عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله - ﷺ -، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلًا إلى الغميزة.
_________________
(١) ـ قوله: (الأفك، وهو القلب)، النهاية: يقال: أفكه يأفكه إفكًا: إذا صرفه عن الشيء فقلبه. ومنه: ائتفكت البلدة بأهلها، أي: انقلبت، فهي مؤتفكة. قوله: (وقرئ: ﴿كِبْرَهُ﴾ بالضم والكسر)، قال ابن جني: "كبره" بالضم قراءة أبي رجاءٍ وحميدٍ ويعقوب وغيرهم، أي: عظمه، ومن كسره أراد: وزره وإثمه. وقال الزجاج: فمن قرأ ﴿كِبْرَهُ﴾ بالكسر فمعناه: من تولى الإثم في ذلك، ومن قرأ "كبره" بالضم أراد: معظمه. قوله: (لإمعانه)، الجوهري: أمعن الفرس: تباعد في عدوه، وأمعن فلانٌ بحقي: ذهب به. وأمعنت الأرض: رويت. قوله: (وانتهازه الفرص)، والفرصة في الأصل: نوبة الماء، تفارص القوم: تناوبوا في السقي، ثم عمت حتى استعملت في كل نوبة. قوله: (إلى الغميزة)، أي: الطعن. الجوهري: ليس في فلان غميزةٌ، أي: مطعن. الراغب: أصل الغمزة: الإشارة بالجفن أو اليد طلبًا إلى ما فيه معابٌ، ومنه قيل: ما في فلانٍ غميزةٌ، أي: نقيصةٌ يشار بها إليها، وجمعها غمائز. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المصطفين: ٣٠]، وأصله من: غمزت الكبش، إذا لمسته هل به طرقٌ، نحو: غبطته.
[ ١١ / ٣٢ ]
أي: يصيب كل خائض في حديث الإفك من تلك العصبة نصيبه من الإثم على مقدار خوضه، والعذاب العظيم لبعد الله، لأن معظم الشر كان منه. يحكي: أن صفوان مر بهودجها عليه وهو في ملأٍ من قومه، فقال: من هذه؟ فقالوا: عائشة، فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجلٍ حتى أصبحت ثم جاء يقودها! .
والخطاب في قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لمن ساءه ذلك من المؤمنين، وخاصةً
_________________
(١) ـ قوله: (يحكى: أن صفوان مر بهودجها عليه)، وكان في حديثه على ما روته عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - خرج في غزاةٍ غزاها وأنا معه أحمل في هودجي، فلما رجعنا ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني، فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه، وكنت جاريةً حديثة السن، خفيفة اللحم، وساروا، فوجدت عقدي، وجئت منازلهم وليس بها منهم داع، فتيممت منزلي، فغلبت عيناي فنمت، وكان صفوان بن معطل السلمي قد عرس من وراء الجيش الذي كان مع رسول الله - ﷺ -. فأدلج وأصبح عند المنزل، فرأى سواد إنسانٍ فرآني فعرفني، وكان رآني فعرفني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه فخمرت بجلبابي، والله ما كلمني بكلمةٍ سوى الاسترجاع، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقودني حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. هذا مختصرٌ من حديث الإفك على ما رواه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي. قوله: (وخاصة)، دخل رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعائشة وصفوان في هذا الخطاب دخولًا أوليًا، غذ خوطب بذلك من ساءه وخصوا بذلك خاصةً، أي: خصوصًا، وخاصةً: مصدرٌ، كالخالية والعافية والخالصة.
[ ١١ / ٣٣ ]
رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، وعائشة، وصفوان بن المعطل. ومعنى كونه خيرًا لهم: أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم، لأنه كان بلاءً مبينًا ومحنةً ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة أيةً كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيمٌ لشأن رسول الله - ﷺ -، وتسليةٌ له، وتنزيهٌ لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهيرٌ لأهل البيت، وتهويلٌ لمن تكلم في ذلك، أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطافٍ للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكامٌ وآدابٌ لا تخفى على متأملها.
[﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ١٢].
﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وذلك نحو ما يروى: أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله - ﷺ - سوءًا؟ قال: لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله - ﷺ -، فعائشة خيرٌ مني، وصفوان خيرٌ منك. فإن قلت: هلا قيل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم؟
_________________
(١) ـ قوله: (أي: بالذين منهم)، "من" في ﴿مِنْهُمْ﴾: اتصاليةٌ، كقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]. قوله: (هلا قيل: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم؟) يعني: أصل الكلام هذا، لأن المخاطبين من بحضرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وقلت: الأصل أيضًا: وظننتم بها، أي: بأم المؤمنين ﵂ خيرًا، فلم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن المضمر إلى المظهر، ومن المفرد إلى الجماعة؟ وخلاصة الجواب: أن في العدول من الخطاب إلى الغيبة توبيخ المخاطبين ومعاتبةً شديدةً وإبعادًا من مقام الزلفى، أي: كيف سمعوا ما لا ينبغي الإصغاء إليه، فضلًا عن أن يتفوهوا به؟ وفي العدول من المضمر إلى المظهر: الدلالة على أن صفة الإيمان جامعةٌ لهم، فينبغي لمن اشترك فيها أن لا يسمع فيمن شاركه فيها قول عائب، ولا طعن طاعن، لأن عيب أخيه عيبه، والطعن فيه طعنٌ فيه.
[ ١١ / ٣٤ ]
ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت: ليبلغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالةً على أن الاشتراك فيه مقتضٍ أن لا يصدق مؤمنٌ على أخيه ولا مؤمنةٌ على أختها قول غائبٍ ولا طاعن. وفيه تنبيهٌ على أن حق المؤمن إذا سمع قالةً في أخيه، أن يبني الأمر فيها على الظن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، هكذا بلفظ المصرح ببراءة ساحته، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال. وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بأخوات!
[﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ١٣]
_________________
(١) ـ روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: "كونوا إخوانًا كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره". وعن البخاري وأحمد ابن حنبل، عن أبي موسى، قال: "المؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا". ولهذا فسر قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بالمؤمنين والمؤمنات، وفي العدول من المفرد إلى الجماعة وسلوك طريق الكناية الإشعار بتعظيم شأنها، ورفعة منزلتها. وفيه أيضًا أن النبي - ﷺ - أبو المؤمنين، وأزواجه أمهاتهم، واستعظامه يرجع إلى استعظامهم، والقالة فيه كالقالة في أنفسهم، ثم في انضمام لفظ الظن معه إدماجٌ وتنبيهٌ على أنه إذا سمع المؤمن في أخيه المؤمن ما يشينه يتبادر إلى بناء الأمر على الظن الراجح بأن الأصل براءة ساحة المؤمن عن كل شنارٍ وعيب، ولا يبني على الشك فيه. هذا ما يختص بالباطن. وأما بالظاهر، فيصرح بالقول الدال على الشهادة له بالخير، وتنزيهه عن كل سوء، ولا يتلعثم في الكلام، ويقول بملء فيه: هذا إفكٌ مبين، ومن ثم قال: "هذا من الأدب الحسن".
[ ١١ / ٣٥ ]
جعل الله التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفاءها، والذين رموا عائشة لم تكن لهم بينةٌ على قولهم، فقامت عليهم الحجة، وكانوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ - أي: في حكمه وشريعته- كاذبين. وهذا توبيخٌ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاجٌ عليهم بما هو ظاهرٌ مكشوف في
_________________
(١) ـ قوله: (أي: في حكمه وشريعته كاذبين)، قال: "في حكمه وشريعته"، دون "علمه"، ليؤذن بأنه تعالى إذا أحاط بوقوع الزنى علمًا، ولم يأت القاذف بالشهداء يحكم بمقتضى الشهود، دون العلم، ولهذا قال صلوات الله وسلامه عليه في حديث شريك بن سحماء بعد ما رأى الولد مشابهًا للزاني: "لولا كتاب الله ﷿ لكان لي ولها شأن". فإن قلت: إنما اختلف الناس في أن الخبر الكاذب هل هو: ما لا يطابق الواقع، أو هو: ما لا يطابق اعتقاد المخبر، وهو أمرٌ ثالث؟ قلت: مطابقة الواقع على هذا إما مطابقة نفس الأمر، أو مطابقة حكم الشارع، لأن الشارع يقطع الحكم على الظاهر كما ورد: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. قوله: (وهذا توبيخٌ وتعنيفٌ للذين سمعوا الإفك)، "لولا" هاهنا فيها معنى التعنيف، لكون مدخولها ماضيًا، أي: لم ما وجد إتيان الشهداء، وهلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم بالشهداء؟ يعني لم وقع التقصير منكم أيها السامعون في طلب البينة في الحال، وحين لم يقيموها: لم ما أسرعتم في تكذيبهم وتنكيلهم في الحال، وتركتم الشنعاء حتى فشت؟ وقوله: (وهذا توبيخٌ وتعنيفٌ للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه)، وذلك أن معنى ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾: لم توقفتم في الرد على الرامين وتكذيبهم، فهلا جاءوكم حين قذفوا بالبينة وحققوا قولهم بإقامة الشهداء الذين يثبت بهم أمثال هذه الدعاوى؟ فإذ
[ ١١ / ٣٦ ]
الشرع، من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، والتنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين، فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله - ﷺ - وحبيبة حبيب الله؟ !
[﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ ١٤ - ١٥].
﴿لَوْلَا﴾ الأولى للتحضيض، وهذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى: ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك. يقال: أفاض في الحديث، واندفع، وهضب، وخاض. ﴿إِذْ﴾ ظرفٌ لـ "مسكم"، أو لـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾. ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: يأخذه بعضكم من بعض. يقال: تلقى القول وتلقنه وتلقفه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧].
_________________
(١) ـ لم يأتوا بهم، قامت عليهم الحجة، فلم توقفتم في تكذيبهم وأبطأتم في القول بأن هذا إفكٌ مبين؟ وكذلك معنى قوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾، لأن في تقديم الظرف على عامله توبيخًا على التواني في الرد، يعني: كان الواجب عليكم عند سماعكم بالإفك ثم حينئذٍ أن لا تتوقفوا عن ظن الخير، وعن تكذيب الرامين، والقول بأن هذا إفكٌ مبين، فلم توانيتم فيه؟ قوله: (من عرض نساء المؤمنين)، يقال: فلانٌ من عرض العشيرة، أي: شقها، لا من صميمها، وأصل العرض: الجانب. الأساس: واستعرض الخوارج الناس: إذا خرجوا لا يبالون من قتلوا. قوله: (﴿لَوْلَا﴾ الأولى للتحضيض)، يعني في قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، و﴿لَوْلَا جَاءُوا﴾، وإنما جعلهما واحدًا وهما شيئان، لأن مفهومها واحدٌ، ولأن الآية الثاني المصدرة بـ "لولا" كالتقرير للأولى، يدل عليه قوله في جواب "هلا قيل: لولا إذ سمعتموه": "ليبالغ في التوبيخ".
[ ١١ / ٣٧ ]
وقرئ على الأصل: (تتلقونه)، و(إتلقونه) بإدغام الذال في التاء، و(تلقونه) من: لقيه، بمعنى: لقفه، و(تلقونه) من إلقائه بعضهم على بعض، و(تلقونه) و(تألقونه) من الولق والألق، وهو الكذب، و(تلقونه) محكية عن عائشة ﵂.
وعن سفيان: سمعت أمي تقرأ: (إذ تثقفونه)، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله ابن مسعود. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، والقول لا يكون إلا بالفم؟ قلت: معناه: أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علمٍ
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ على الأصل: "تتلقونه")، قال ابن جني: قراءة عائشة وابن عباس وابن يعمر: "إذ تلقونه"، وقرأ ابن السميفع: "إذ تلقونه"، وقرأ الجماعة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾، وروى عن ابن عيينة أنه قال: سمعت أمي تقرأ: "إذ تثقفونه"، قال: وكان أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله. وقال: معنى "إذ تلقونه": تسرعون فيه وتخفون إليه، وأصله: تلقون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل. وأما "تلقونه" فمعناه: تلقونه من أفواهكم، وأما "تثقفونه" فمن: ثقفت الشيء: إذا طلبته وأدركته، أي: تتصيدون الكلام في ذلك من هنا ومن هنا. روى عن المصنف أنه قال: تألقونه، أصله من الولق، وهو السرعة، من قولهم: ناقةٌ ولقى أي: سريعةٌ، ومنه الأولق: للمجنون، لأن العقل من باب السكون والتماسك، والجنون من باب التسرع والتهافت. وروينا عن البخاري، عن عائشة ﵂، أنها كانت تقرأ: "إذ تلقونه بألسنتكم"، وتقول: الولق: الكذب، وقال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم بذلك من غيرها، لأنه نزل فيها، وقال ابن الأنباري: هو من: ولق الحديث، أي: أنشأه. قوله: (وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم)، الانتصاف: أو يكون قوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ توبيخًا، كقولك: أتقول ذلك بملء فيك؟ فإن القائل ربما رمز أو
[ ١١ / ٣٨ ]
به في القلب، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أي: تحسبونه صغيرةً وهو عند الله كبيرةٌ موجبة. وعن بعضهم: أنه جزع عند الموت،
_________________
(١) ـ عرض، وربما تشدق جازمًا كالعالم، وقد قيل هذا في قوله: ﴿بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: فائدة ذكر ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أن لا يظن أنهم قالوا ذلك بالقلب، لأن القول يطلق على غير الصادر من الأفواه ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقول الشاعر: وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةٍ … يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم وقال: وإن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا ولأن الذكر باللسان أشنع وأقبح من الذكر بالقلب، لأن الذكر باللسان لا يمكن بدون الذكر بالقلب، والذكر بالقلب يمكن بدونه، فيكون الإثم مضاعفًا. وقلت: النظم مع المصنف، لأنه تعالى يعد على المؤمنين ما جرى منهم في حديث الإفك من تهاونهم فيه، وتغميضهم في ذلك، الأمر العظيم، كما سبق في قوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾، ﴿لَوْلَا جَاءُو﴾، فلما فرغ من ذكر الرامين حتى بلغ ذلك الأمر أنفسكم إذ كنتم تأخذون تلك العظيمة منهم، وتلقونه بألسنتكم من غير أن تحققوا هل يجوز ذلك أم لا؟ وحتى كنتم تقولونه أيضًا بأفواهكم من غير رؤيةٍ وفكر، وكنتم تحسبون أنه من قبيل الأراجيف والخرافات لا تبالون فيه وهو عند الله عظيم. قوله: (كبيرةٌ موجبة)، أي: للنار، وقيل: للخلود فيها، سواءٌ بين الشرك والكبيرة بناءً على مذهبه.
[ ١١ / ٣٩ ]
فقيل له، فقال: أخاف ذنبًا لم يكن مني على بالٍ وهو عند الله عظيم. وفي كلام بعضهم: لا تقولن لشيء من سيئاتك: حقير، فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير. وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام، وعلق مس العذاب العظيم بها، أحدها: تلقي الإفك بألسنتهم، وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع وانتشر، فلم يبق بيتٌ ولا نادٍ إلا طار فيه. والثاني: التكلم بما لا علم لهم به. والثالث: استصغارهم لذلك، وهو عظيمةٌ من العظائم.
[﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ١٦].
فإن قلت: كيف جاز الفصل بين ﴿لَوْلَا﴾ و﴿قُلْتُمْ﴾؟ قلت: للظروف شأنٌ، وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها، لوقوعها فيها، وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. فإن قلت: فأي في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلًا؟ قلت: الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. فإن قلت: فما معنى ﴿يَكُونُ﴾، والكلام بدونه متلئبٌ لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟ قلت: ما معناه معنى: ينبغي، ويصح، أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، و: ما يصح لنا. ونحوه: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾
_________________
(١) ـ قوله: (نقير)، نقير النواة: نقرتها، وفتيلها: الخيط الذي في النقرة، وقطميرها: الجلدة الرقيقة اللاصقة بها. قوله: (كيف جاز الفصل بين ﴿لَوْلَا﴾ و﴿قُلْتُمْ﴾؟، يعني: كان من حلق الظاهر أن يقال: لولا قلتم إذ سمعتموه، أي: هلا قلتم: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا إذ سمعتموه؟ قوله: (أن يتفادوا)، الجوهري: تفادى الرجل من كذا: إذا تحاماه وانزوى عنه. قوله: (متلئب)، أي: مستقيم. الجوهري: اتلأب الأمر اتلئبابًا: استقام.
[ ١١ / ٤٠ ]
[المائدة: ١١٦]. و﴿سُبْحَانَكَ﴾ للتعجب من عظم الأمر. فإن قلتك: ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ قلت: الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرةً. فإن قلت: كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرةً كامرأة نوحٍ ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرةً؟ قلت: لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم، ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.
[﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١٧ - ١٨].
أي: كراهة ﴿أَنْ تَعُودُوا﴾، أو: في أن تعودوا، من قولك وعظت فلانًا في كذا
_________________
(١) ـ قوله: (وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات)، المغرب: الكشخان بالشين المثلثة والخاء المعجمة: الديوث الذي لا غيرة له، وكشخه وكشخته: شتمته. وفي حاشية "الصحاح" بخط ابن الحبيب: قال الخليل: الكشخان ليس من كلام العرب، بل معربٌ، ويقال للشاتم: لا تكشخ فلانًا. الانتصاف: لم أعلم كلامًا أبرد من هذا، وكيف يخفى مثله على ذي لب. قوله: (أو: في أن تعودوا)، يعني: ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ يقتضي الزجر والمنع، كأنه قيل: يذكركم الله ويخوفكم في شأن العود إلى مثله. قال أبو البقاء: حذف حر الجر حملا على معنى يعظكم، أي: يزجركم عن العود،
[ ١١ / ٤١ ]
فتركه. وأبدهم: ما داموا أحياءً مكلفين. و﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه تهييجٌ لهم ليتعظوا، وتذكيرٌ بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصاد عن كل مقبح.
ويبين الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع، ويعلمكم من الآداب الجميلة، ويعظكم به من المواعظ الشافية، والله عالمٌ بكل شيء، فاعلٌ لما يفعله بدواعي الحكمة.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١٩].
المعنى: يشيعون الفاحشة عن قصدٍ إلى الإشاعة، وإرادةٍ ومحبةٍ لها. وعذاب الدنيا: الحد، ولقد ضرب رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي وحسانًا ومسطحًا، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربةً بالسيف، وكف بصره. وقيل: هو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١]. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما في القلوب من الأسرار والضمائر ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أنه قدم علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها.
_________________
(١) ـ يقال: عاده، وعاد له، وعاد إليه، وعاد فيه بمعنى. وعاد له في هذه الآية هو إعادة الحالة الأولى نحو: عاد إليه وفيه. وقد يكون العدو: ابتداء الشروع في الشيء، قال تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: نشرع فيه ابتداءً. قوله: (وتذكيرٌ بما يوجب ترك العود)، يريد أن قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تتميمٌ لقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾، إما للزجر تهييجًا، وإما للتحريض على الاتعاظ تعليلًا، نحوه سيجيء في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ في الممتحنة: [١]، وهو من الشرط الذي لا يضمر له الجزاء لتحققه. قوله: (وقيل: هو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، يعني: التعريف في ﴿الَّذِينَ
[ ١١ / ٤٢ ]
[﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٠]
وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب، حاذفًا جواب ﴿لَوْلَا﴾ كما حذفه ثمة.
وفي هذا التكرير مع حذف الجواب مبالغةٌ عظيمة، وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢١]
الفحشاء والفاحشة: ما أفرط قبحه. قال أبو ذؤيب:
_________________
(١) ـ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ للعهد، والمعهود قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾، قال: "والذي تولاه عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله - ﷺ - " يدل عليه قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾، وهو الذي مات منافقًا. قوله: (وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب) إلى قوله: (وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم) يريد: أنه تعالى جعل هذا المعنى أولًا خاتمةً لأحكام الزاني والرامي والملاعن، ثم أتى به في حديث الإفك للإيذان بأنهما سيان في استيجاب سخط الله ونكاله ولعنه، وجعل الفاصلة هنالك ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] وهاهنا ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تنبيهًا على أن هذا أعظم من ذلك، وأن هذا مما لا يرفع بالتوبة، لكن بمحض رحمته ورأفته، ولهذا كرر ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ في حديث الإفك مرارًا ثلاثًا، وكما جعل ذلك خاتمةً لتلك الآيات جعله مفتتحًا لهذه العظيمة. ويمكن أن يحمل قول ابن عباسٍ على هذا المعنى، وهو: من أذنب ذنبًا، ثم تاب منه قبل وتوبته، إلا من خاض في أم عائشة رضي الله تعالى عنها.
[ ١١ / ٤٣ ]
ضرائر حرميٍّ تفاحش غارها
أي: أفرطت غيرتها.
والمنكر: ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه. وقرئ: (خطوات) بفتح الطاء وسكونها. و(زكى) بالتشديد، والضمير لله ﷿. ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة، لما طهر منكم أحدٌ آخر الدهر من دنس إثم الإفك، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها، وهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائرهم وإخلاصهم.
[﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢٢]
_________________
(١) ـ قوله: (ضرائر حرميٍّ تفاحش غارها)، أوله في "المطلع": لهن نشيجٌ بالنشيل كأنها يصف قدورًا وصوت غليانها باللحم. نشج نشيجًا: إذا بكى حتى يسمع لذلك صوتٌ، ونشج القدر: إذا على حتى يسمع لذلك صوت. ونشل اللحم من القدر: انتزاعه منها، والنشيل: لحمٌ يطبخ بلا توابل، والحرمي: المنسوب إلى الحرم، وهو من التغييرات في النسبة، كما يقال: بضريٌ وبصري. تفاحش غارها، أي: أفرطت غيرتها، وإنما خصت بها لأن أهل الحرم دأبهم الرحيل والتجارات، فإذا قدموا بالتحف والطرف يتخاصمن عليها ويتغايرن. قوله: (والمنكر: ما تنكره النفوس)، أي: النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام، وإلا فالنفس الأمارة بالسوء مائلةٌ إلى الشهوات، وإلى ما يدعوه الشيطان من اللذات. قوله: (الممحصة)، الجوهري: محصت الذهب بالنار: إذا خلصته مما يشوبه.
[ ١١ / ٤٤ ]
وهو من: ائتلى، إذا حلف، افتعال من الألية. وقيل: من قولهم: ما ألوت جهدًا، إذا لم تدخر منه شيئًا. ويشهد للأول قراءة الحسن: (ولا يتأل). والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا على المستحقين للإحسان. أو: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجنايةٍ اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم.
نزلت في شأن مسطح، وكان ابن خالة أبي بكر الصديق ﵁، وكان فقيرًا من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكرٍ ينفق عليه، فلما فرط منه ما فرط آلي أن لا ينفق عليه. وكفي به داعيًا إلى المجاملة وترك الاشتغال بالمكافأة للمسيء. ويروى: أن رسول الله - ﷺ - قرأها على أبي بكر، فال: بلى أحب أن يغفر الله لي. ورجع إلى مسطح نفقته، وقال: والله لا أنزعها أبدًا. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب: (أن تؤتوا) بالتاء على الالتفات، ويعضده قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢٣].
_________________
(١) ـ قوله: (نزلت في شأن مسطح)، حديث الإفك أورده بتمامه البخاري ومسلمٌ والترمذي والنسائي، عن عائشة ﵂، وفيه: قال أبو بكرٍ ﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثه لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الحديث. قوله: (وكان ابن خالة أبي بكرٍ الصديق ﵁، وكان فقيرًا من فقراء المهاجرين)، أراد أن الواو العاطفة بين الصفات، يعني في قوله: ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الواردة في شأن مسطح، للدلالة على أن هذا الموصوف جامعٌ لها، قال القاضي: يجوز أن تكون الصفات لموصفاتٍ أقيمت مقام الصفات، فيكون أبلغ في تعليل المقصود.
[ ١١ / ٤٥ ]
﴿الْغَافِلَاتِ﴾: السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء، ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرزن الأحوال، فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات. قال:
وقد لهوت بطفلةٍ ميالةٍ … بلهاء تطلعني على أسراها
وكذلك البله من الرجال في قوله ﵊: "أكثر أهل الجنة البله".
[﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٢٤ - ٢٥].
_________________
(١) ـ قولٌه: (ولقد لهوت بطفلة) البيت، لهوت: لعبت. والطفلة بفتح الطاء: جاريةٌ ناعمة ميالة، ويقال: غصنٌ ميال. البلهاء: التي لا مكر فيها ولا دهاء. قوله: (أكثر أهل الجنة البله)، النهاية: هو جمع الأبلة، وهو الغافل عن الشر، المطبوع على الخير، وقيل: هم الذي غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس، لأنهم أغفلوا أمر دنياهم، فجهلوا حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا نفوسهم بها، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة. وأما الأبله الذي لا عقل له فغير مرادٍ في الحديث. وقلت: لأن المقام مقام مدح، فينبغي أن يأول بما ينبئ عن المدح، وكذلك الغافلات، ولذلك أطنب المصنف فيها. ومنه: ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "المؤمن غرٌ كريم، والفاجر خبٌ لئيم".
[ ١١ / ٤٦ ]
وقرئ: (يشهد) بالياء. و﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب: صفةٌ للدين، وهو الجزاء، وبالرفع، صفةٌ لله. ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به من العصاة لم تر الله ﷿ قد غلظ في شيءٍ في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرقٍ مختلفة وأساليب مفتنة، كل واحدٍ منها كافٍ في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعًا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾، فأوجز في ذلك
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "يشهد" بالياء)، التحتاني: حمزة والكسائي، والباقون بالتاء. قوله: (ولو فليت القرآن)، الجوهري: فليت الشعر، إذا تدبرته واستخرجت معانيه وغريبه، عن ابن السكيت. قوله: (فأوجز في ذلك)، أي: في المذكور من معنى قوله: "جعل الله القذفة معلونين إلى آخره". قوله: (فأوجز)، عطفٌ على "جعل" على طريقة ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٣]، يعني: أشبع الكلام حيث لم يترك من النكال والإهانة واللعن في الدارين والعذاب الأليم، وشهادة الجوارح، والتهديد والوعيد بتوفية الجزاء إلا أتى به، وبالغ فيه وأوجز، حيث جاء بالمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، لأن من أراد أن يقرر المعاني التي تعطيها هذه الألفاظ، ويستوفي حقها من البيان، أطال وأطنب، وفصل وأجمل، حيث
[ ١١ / ٤٧ ]
وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظا عة، وما ذاك إلا لأمر.
وعن ابن عباس ﵁: أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن، حتى سئل عن هذه الآيات، فقال: من أذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة. وهذه منه مبالغةٌ لأمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعةً بأربعة: برأ يوسف ﵇ بلسان الشاهد: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات. فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك! وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله - ﷺ -، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم، وخيرة الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين. ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه - ﷺ -، وتقدم قدمه، وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق، فليتلق ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته،
_________________
(١) ـ أوقع ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ إجمالًا لما سبق، وأكد وكرر من حيث إن البدل، وهو قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل تكريرٍ للمبدل وتوكيدٌ له، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين إلا ما هو دونه في الفظاعة، وهو قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾. ويجوز أن يراد وجاء بالمذكور. قوله: (وهذا منه مبالغةٌ وتعظيم)، يعني: أن قوله: توبة من خاض في أمر أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها غير مقبولة، من باب التغليظ والمبالغة، وعليه مفهوم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآيات، أي: أنها من باب التغليظ والمبالغة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ …﴾ [آل عمران: ٩٧]، وإليه أشار بقوله: "لم تر الله ﷿ قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة ﵂".
[ ١١ / ٤٨ ]
وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه. فإن قلت: إن كانت عائشة هي المرادة، فكيف قيل: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾ [النور: ٢٣]؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالمحصنات أزواج رسول الله - ﷺ - وأن يخصص بأن من قذفهن فهذا الوعيد لا حقٌ به، وإذا أردن وعائشة كبراهن منزلةً وقربةً عند رسول الله - ﷺ -، كانت المرادة أولًا. والثاني: أنها أم المؤمنين، فجمعت إرادةً لها ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان، كما قال:
قدني من نصر الخبيبين قدي
أراد عبد الله بن الزبير وأشياعه، وكان أعداؤه يكنونه بخبيبٍ ابنه، وكان
_________________
(١) ـ قوله: (في نفي التهمة عن حجابه)، "حجابه" أيضًا: كنايةٌ، تعظيمًا لجانب رسول الله - ﷺ - لله دره، ما أحسن نظره وما أدق فكره، وما أشد حرصه في تعظيم جانب سيد البشر، وخيرة الأولين والآخرين. قوله: (وأن يخصصن)، عطفٌ على قوله: "أن يراد بالمحصنات" على البيان والتفسير، يعني: تخصيص العام بأزواج الرسول - ﷺ - على معنى: من قذفهن فهذا الوعيد لا حقٌ به، دون سائر النساء، لشرفهن وعلو مرتبتهن. ولما جعل المخصص الشرف، وكانت عائشة كبراهن منزلةً، كانت المرادة أولًا. والحاصل: أن عائشة ﵂ هي المرادة بالمحصنات لكن بمزيتين. قوله: (قدني من نصر الخبيبين قدي)، تمامه: ليس الإمام بالشحيح الملحد قدني: أي: حسبي. الملحد: أي: الذي ألحد في الحرام، أي: أقام الحرب فيه.
[ ١١ / ٤٩ ]
مضعوفًا، وكنيته المشهورة أبو بكر، إلا أن هذا في الاسم وذاك في الصفة. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾؟ قلت: معناه: ذو الحق البين، أي: العادل الظاهر العادل، الذي لا ظلم في حكمه. والمحق الذي لا يوصف بباطل. ومن هذه صفته لم تسقط عنده إساءة مسيء، ولا إحسان محسن، فحق مثله أن يتقى وتجتنب محارمه.
[﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢٦].
أي: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من xxxx، تقال أو تعد ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال والنساء، ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ منهم يتعرضون ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من القول.
وكذلك الطيبات والطيبون و﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ على الطيبين، وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكد. وهو كلامٌ جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قولٍ لا يطابق حالها في النزاهة والطيب
_________________
(١) ـ قوله: (مضعوفًا)، الجوهري: الضعف خلاف القوة، وأضعفت الشيء فهو مضعوف على غير قياس، وقيل: مضعوفًا: مصحوبًا بالضعف ومضروبًا به كما يقال: رجلٌ مركوبٌ أي مضروبٌ بالركبة. قوله: (أي: العادل الظاهر xxxx)، قال القاضي: أي: الثابت بذاته، الظاهر ألوهيته، لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر في الثواب والعقاب سواه. والمصنف قيد المطلق الذي: ﴿الْحَقُّ﴾ بالعدل، لاقتضاء مقام الجزاء إياه، بقرينة قوله تعالى: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾، وجعل ﴿الْمُبِينُ﴾ وصفًا مؤكدًا لقوله: ﴿الْحَقَّ﴾، فقال: "الظاهر العدل"، وجنح إلى مذهبه، والقاضي بنى الكلام على القهارية، وأنه فاعلٌ لما يشاء، لا راد لحكمه، فتركه على الإطلاق.
[ ١١ / ٥٠ ]
ويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾، إشارةً إلى أهل البيت، وأنهم مبرؤون مما يقول أهل
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى أهل البيت)، عطفٌ على قوله: "أولئك: إشارةٌ إلى الطيبين"، وما ينبئ عن إرادة أهل البيت قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، والآية- على الأول- عامةٌ تذييل للكلام السابق، والمراد بالطيبين: كل من لم يلوث جيبه بدنس الآثام، وبالخبيثين: xxxx، وبالطيبات والخبيثات: المقالات الموصوفة بها. ولما كان الكلام مسوقًا xxxx ساحة أم المؤمنين دخلت فيها دخولًا أوليًا، ومن ثم قال: "وهو كلامٌ جارٍ مجرى المثل لعائشة ﵂" وجعل قوله: "جارٍ مجرى المثل" وروده مورد المثل في كونه يستحق أن يضار به، ويضرب في كل ما يصلح هذا المعنى فيه، لأن المثل قول سائر، ممثلٌ مضربه بمورده، هكذا ينبغي أن يتصور معنى المثل هنا، لا كما توهم. وأورد على المصنف أن لفظ المثل هاهنا ليس بجيد، ولفظ المورد: أن المثل في هذا الكلام مقحمٌ منحى مؤهمٌ، وحقه أن ينفي ولا يكتب. وأجيب: بأن المورد غفل عن قول علماء المعاني: مثلك لا يبخل، بمعنى: أنت لا تبخل، وليس مثلٌ، وعن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] بل الحق أن لفظ المثل ليس بزائد، والمراد به ما ذكرناه: المثل لعائشة رضي الله تعالى عنها. فإن قلت: "الخبيثات" و"الطيبات" صفاتٌ لموصوفات، أما المقالات أو الذوات، فلم خصتا في الوجه الأول بالمقالات وفي الثاني بالنساء؟ قلت: إن ﴿أُولَئِكَ﴾ لما كان إشارةً إلى أهل البيت وفيهم الرجال والنساء، أوجب حملها على الذوات، وقد علم مما سبق من الآيات أن التبري مم هو. وأما ﴿أُولَئِكَ﴾ على الوجه الأول لما كان مشارًا إلى الطيبين مطلقًا وقد حمل على أولئك قوله: ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أوجب حمل "الخبيثات" و" الطيبات" على المقالات، ليعلم أن قوله: ﴿مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ﴾ أي شيءٍ هو، إذ الآية حينئذٍ مستقلةٌ في الدلالة. الانتصاف: وعلى الوجه الثاني يكون تفصيلًا لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا
[ ١١ / ٥١ ]
الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات: النساء، أي: الخبائث يتزوجن الخباث، والخباث الخبائث. وكذلك أهل الطيب. وذكر الرزق الكريم هاهنا مثله في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١].
_________________
(١) ـ إِلَّا زَانٍ﴾ [النور: ٣]، فصرحت الآية بالأقسام الأربعة وزيادة، وهي شهادتها على أن عائشة زوجة أطيب الطيبين، فلا تكون إلا طاهرةً طيبة. ويقوي الثاني أيضًا وعدهم بالمغفرة والرزق الكريم، وهو الموعود به في قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]. قوله: (وذكر الرزق الكريم هاهنا مثله في قوله)، أي: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، يعني: كما أريد بالرزق الكريم هنالك البشارة بالجنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ بدليل قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، كذلك ينبغي أن يكون هاهنا، لأن الآيتين مثلان، وكما أن الرزق الكريم هناك مسبوقٌ بآيتنا أجرها مرتين، كذلك هاهنا مسبوقٌ بقوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وكما أن آتينا الأجر هناك مسببٌ عن قنوتهن، كذلك هنا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ مسبب عن كونها مبرأة عما قيل فيها، وليس ذلك إلا لقنوتها وطهارتها، وكما أن تلك الآية في شأن نساء النبي - ﷺ -، كذلك هذه في شان حبيبته وصفيته، فالكلام مبنيٌ على حمل المطلق على المقيد. وجدت بخط مولاي وشيخي الإمام المغفور [له] بهاء الدين تغمده الله بغفرانه: أن ابن عباس دخل على عائشة ﵄، في مرضها الذي ماتت فيه، فبكت، وقالت: أخاف ما أقدم عليه، فقال ابن عباسٍ: لا تخافي فو الذي أنزل الكتاب على محمدٍ صلوات الله عليه وسلامه، لا تقدمين إلا على مغفرةٍ ورزقٍ كريم. فقالت: رحمك الله، أهذا شيءٌ أنبأك به رسول الله - ﷺ -؟ قال: بل هو شيءٌ نبأنيه كتاب الله ﷿، قالت: فاتل علي، فتلا: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، فخرج من عندها،
[ ١١ / ٥٢ ]
وعن عائشة ﵂: لقد أعطيت تسعًا ما أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي في راحته حين أمر رسول الله - ﷺ - أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرًا، وما تزوج بكرًا غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقته، ولقد نزل عذري من
_________________
(١) ـ فصيح عليها، فقال: وما لها؟ قالوا: غشي عليها فرحًا بما تلوت. ويؤيده ما روينا عن ابن أبي ملكية، قال: استأذن ابن عباسٍ على عائشة رضي الله تعالى عنها قبيل موتها وهي مغلوبةٌ، قالت: أخشى أن يثنى علي، فقيل: ابن عم رسول الله - ﷺ -، ومن وجوه المسلمين، قالت: إيذانوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخيرٍ إن اتقيت، قال: فأنت بخيرٍ إن شاء الله تعالى، زوجة رسول الله - ﷺ -، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عذرك من السماء. أخرجه البخاري. قوله: (لقد نزل جبريل ﵇ بصورتي)، روينا في "صحيح البخاري" عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنهم، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "أريتم في المنام مرتين، إذ رجلٌ يحملك في سرقةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك فاكشفها، فإذا هي أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه". وفي روايةٍ أخرى: "رأيت الملك يحملك". النهاية: "سرقة من حرير": قطعةٍ من جيد الحرير. قوله: (ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة: "فلما كان يومي قبضه الله تعالى بين سحري ونحري"، وفي أخرى" (ودفن في بيتي". قوله: (لينزل عليه وأنا معه في لحافه)، عن البخاري ومسلم والترمذي، عن عائشة: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كلمت رسول الله - ﷺ - فقال لها: "لا تؤذيني في عائشة، فإن
[ ١١ / ٥٣ ]
السماء، ولقد خلقت طيبةً عند طيب، ولقد وعدت مغفرةً ورزقًا كريمًا.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢٧].
﴿تَسْتَانِسُوا﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتى يؤذن لكم، كقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهذا من باب الكناية والإرداف، لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن.
والثاني: أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف، استفعال من آنس الشيء، إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا. والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا
_________________
(١) ـ الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأةٍ إلا عائشة". قوله: (ولقد خلقت طيبةً عند طيب)، "خلقت" بالقاف، أي: طيبها الله تعالى لرسوله - ﷺ - الطيب، أو مات إلى قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ ويروي بالفاء بتشديد اللام، أي: تركت عند رسول الله - ﷺ - بعد وفاته في الحجرة طيبةً. قوله: (ولقد وعدت مغفرةً ورزقًا كريمًا)، ليس هذا من التسعة، بل هي الكرامة الموعود بها لها رضي الله تعالى عنها، وقولها: "ولقد أعطيت تسعًا" هي الكرامة المعجلة في الدنيا.
[ ١١ / ٥٤ ]
الحال: هل يراد دخولكم أم لا. ومنه قولهم: استأنس هل ترى أحدًا. و: استأنست فلم أر أحدًا، أي: تعرفت واستعلمت. ومنه بيت النابغة:
. على مستأنسٍ وحد
ويجوز أن يكون من الإنس، وهو أن يتعرف هل ثم إنسان.
وعن أبي أيوب الأنصاري قلنا: يا رسول الله، ما الاستئناس؟ قال: "يتكلم
_________________
(١) ـ قوله: (على مستأنسٍ وحد). تمامه في "المطلع": كأن رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنسٍ وحد قال الأصمعي: زال النهار، أي انتصف، وبنا، بمعنى: علينا، الجليل: شجرٌ له خوصٌ مثل خوص النخل، وذا الجليل: موضعٌ فيه ذلك الشجر، والمستأنس: الذي يرفع رأسه هل يرى شبحًا أو شخصًا. حد: منفرد، يقال: وحدٌ ووحدٌ مثل فردٌ وفرد. وقيل: المستأنس: الذي يخاف الأنيس، شبه جمله بحمار وحش مر سريعًا خائفًا مما رآه. الانتصاف: ويجوز على بعدٍ، يكون معنى الآية: حتى تعلموا أن فيها إنسانًا، استفعل من الأنس، والأول أظهر، وعدل على المجاز تأديبًا للمخاطبين ببيان ثمرة الاستئذان من ميل النفوس، والتنفير عن xxxx بتقدير عدم الاستئذان. قوله: (وعن أبي أيوب الأنصاري) الحديث رواه ابن ماجه عنه. وأما حديث أبي موسى فرواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي سعيدٍ. هذا الذي ذكره المصنف مختصرٌ منه، ومفهوم الحديث يمكن أن ينزل في الوجوه كلها على البدل. قوله: (ما الاستئناس)، أي ما المسنون في باب الاستئناس شرعًا، لقول جبريل عليه
[ ١١ / ٥٥ ]
الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة، يتنحنح، يؤذن أهل البيت". والتسليم: أن يقول: السلام عليكم، أَأَدخل؟ ثلاث مرات، فإن أدن له وإلا رجع.
وعن أبي موسى الأشعري: أنه أتى باب عمر، فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالها ثلاثًا ثم رجع، وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الاستئذان ثلاثًا".
واستأذن رجلٌ على رسول الله - ﷺ -، فقال: أأَلج؟ فقال - ﷺ - يقال لها: روضة: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن أن يستأذن، قولي له يقول: السلام عليكم، أأدخل"، فسمعها الرجل، فقالها، فقال: "ادخل". وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتًا غير بيته: حييتم صباحًا، وحييتم مساءً، ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحافٍ واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل، وكم من بابٍ من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك، إذ رعف عليك الباب بواحدٍ من غي استئذانٍ ولا تحيةٍ من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله - ﷺ -، ولكن أين الأذن الواعية؟ !
وفي قراءة عبد الله: (حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا). وعن ابن عباسٍ وسعيد بن جبير: إنما هو (حتى تستأذنوا)، فأخطأ الكاتب. ولا يعول على هذه الرواية. وفي قراءة أبي: (حتى تستأذنوا). ﴿ذَلِكُمْ﴾ الاستئذان والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تحية
_________________
(١) ـ السلام لرسول الله - ﷺ -: ما الإيمان؟ أي: ما الذي يؤمن به؟ قوله: (رعف عليك الباب بواحد)، الأساس: يقال: رعف فلانٌ بين يدي القوم، واسترعف: تقدم، ومن المجاز: بينا نحن نذكرك رعف بك الباب. وما في الكتاب متضمنٌ بمعنى: سبق وغلب. أي: غلب الباب تقدمًا، يقال: رعف عليك، أي: سبق، مستعارٌ من رعاف الدم، ورواعف الخيل: سوابقها، ورواعف الدمع: بوادره.
[ ١١ / ٥٦ ]
الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن، واشتقاقه من الدمار، وهو الهلاك، كأن صاحبه دامر، لعظم ما ارتكب. وفي الحديث: "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر".
وروي: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -. أأستأذن على أمي؟ قال: "نعم"، قال: إنها ليس لها خادمٌ غير، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: "أتحب أن تراها عريانةً؟ " قال الرجل: لا. قال: "فاستأذن". ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أنزل عليكم، أو: قيل لكم هذا، إرادة أن تذكروا وتتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان.
[﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٢٨].
يحتمل ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ من الآذنين ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحدًا من أهلها ولكم فيها حاجةٌ فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها، وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنا شرع لئلا يوقف على الأحوال التي
_________________
(١) ـ قوله: (من سبقت عينه استئذانه فقد دمر)، النهاية: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر"، وفي روايةٍ: "من سبق طرفه استئذانه فقد دمر عليهم"، أي: هجم ودخل بغير إذن، وهو الدمار: الهلاك لأنه هجومٌ بما يكره. والمعنى: أن إساءة المطلع مثل إساءة الدامر. قوله: (أأستأذن على أمي؟)، الحديث، أخرجه مالكٌ عن عطاء بن يسار. قوله: (ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحدًا من أهلها)، هذا الوجه أخص من الأول من وجهين، أحدهما: قوله: "أحدًا من أهلها"، وثانيهما: "ولكم فيها حاجةٌ".
[ ١١ / ٥٧ ]
يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلابد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب. ﴿فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين، لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصًا إذا كانوا ذوي مروءة ومرتاضين بالآداب الحسنة. وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهية، وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها: من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد ﵀، ما قرعت بابًا على عالمٍ قط. وكفى بقصة بني أسدٍ زاجرةً وما نزل فيها من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]. فإن قلت: هل يصح أن يكون xxxx: وإن لم يؤذن لكم وأمرتم بالرجوع فامتثلوا ولا تدخلوا مع كراهتهم؟ قلت: بعد أن جزم النهي عن الدخول مع فقد الإذن وحده
_________________
(١) ـ قوله: (هل يصح أن يكون المعنى: وإن لم يؤذن لكم وأمرتم بالرجوع فامتثلوا ولا تدخلوا)، السؤال متوجهٌ على تفسيره قوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ بمعنى "لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب"، على أن الأمر بمعنى النهي لدلالة قوله: "وإذا نهي عن ذلك" ليطابق قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾. يعني: قد علم من ذلك التفسير أن الأمر محمولٌ على النهي، للمطابقة، فهل يصح إجراءه على ظاهره وأن يقال: وأمرتم بالرجوع فارجعوا، أي: فامتثلوا؟ وأجاب: أن نعم، لأن قوله: ﴿فَارْجِعُوا﴾ مذكورٌ بعد قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، ولا يلتبس أن المراد بالرجوع النهي عن الدخول لاسيما قيام القرينة معه، وهو فقد الإذن، فيكون الأمر بالرجوع بعد النهي عن الدخول من باب قوله تعالى. ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [هود: ٨٥]. قوله: (فقد الإذن وحده)، قالوا: "وحده" منصوبٌ على الظرفية عند الكوفيين، وعلى المصدر عند البصريين. في كل حالٍ إذا قلت: رأيته وحده، فكأنك قلت: أو حدته برؤيتي
[ ١١ / ٥٨ ]
من أهل الدار حاضرين وغائبين، لم تبق شبهةٌ في كونه منهيًا عنه مع انضمام الأمر بالرجوع إلى فقد الإذن. فإن قلت: فإذا عرض أمرٌ في دار، من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره؟ قلت: ذلك مستثنًى بالدليل.
أي: الرجوع أطيب لكم وأطهر، لما فيه من سلامة الصدور والبعد من الريبة، أو: أنفع وأنمى خيرًا. ثم أوعد المخاطبين بذلك بأنه عالمٌ بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه.
[﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ ٢٩].
استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها: ما ليس بمسكونٍ يمنها، وذلك نحو: الفنادق- وهي الخانات- والربط وحوانيت البياعين. والمتاع: المنفعة، كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع. ويروى: أن أبا بكرٍ ﵁ قال: يا رسول الله، إن الله تعالى قد أنزل عليك آيةً في الاستئذان، وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت. وقيل:
_________________
(١) ـ إيحادًا، فوضعت وحده مكانه، أي لم أر غيره. وقال أبو العباس: يحتمل أيضًا أن يكون الرجل منفردًا في نفسه، كأنك قلت رأيته منفردًا، ثم وضعت وحده موضعه. قوله: (فإذا عرض أمر) إلى أخره، جوابه محذوفٌ، أي: فما حكمه؟ قوله: (مستثنى بالدليل)، ولو: الضرورات تبيح المحظورات، وفي كلام الفقهاء: مواضع الضرورة مستثناةٌ من قواعد الشرع. قوله: (وأنمى خيرًا)، أنمى أرفع، لميت الشيء على الشيء. رفعته عليه، ونميت الحديث إلى فلانٍ: أسندته ورفعته xxxx
[ ١١ / ٥٩ ]
الخربات يتبرز فيها. والمتاع: التبرز. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيدٌ للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
[﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ٣٠].
﴿مِنْ﴾ للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. وجوز الأخفش أن تكون مزيدةً، وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفروج؟ قلت: دلالةً على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وأسوقهن وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضان، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين! وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه.
_________________
(١) ـ قوله: (وجوز الأخفش أن تكون مزيدةً، وأباه سيبويه)، لأن "مِنْ" عنده تزاد في النفي خاصةً لتأكيده وعمومه، ولذلك جاز: ما جاءني من أحد، وما من رجلٍ عندي، لإفادة تأكيد التعميم فيما تدخل عليه، ولم يجز: ما من زيدٍ قائمٌ، ولا: ما زيدٌ من قائم، لتعذر معنى العموم فيهما، وعن الأخفش: زيادته تأكيدٌ في الإيجاب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤]، ووجهه: أنه جاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فإن لم يحمل على الزيادة جاء التناقض، وليس بمستقيم، لكونه محتملًا أيضًا غير ما ذكر كما مضى في موضعه. قوله: (وكفاك فرقًا أن أبيح النظر)، يريد: أن الحكم يقع بالأصالة على المستثنى منه، ثم إذا أخرج منه شيءٌ يكون ذلك الأمر ضروريًا، لأنه على خلاف الأصل، فإذًا الأصل
[ ١١ / ٦٠ ]
ويجوز أن يراد: مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء. وعن
_________________
(١) ـ حفظ الفرج لئلا يشارك البهائم، ورفع اللوم عن لأمرٍ عارضي، وهو بقاء النسل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، ولا كذلك النظر، فإن العيون خلقت للنظر وندبت إليه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، والمنع منه للضرورة، والوقوع في الفتنة، ولذلك نزلت آية الحجاب بعد الإباحة. قوله: (ويجوز أن يراد: مع حفظها)، جوابٌ آخر عن السؤال، وفاعل "أن يراد" قوله: "حفظها على الإبداء" أي: يجوز أن يراد من الآية حفظ الفروج عن الإبداء، مع حفظها عن الإفضاء إلى الزنى، أي: كما يجب أن تحفظ الفروج عن الإفضاء إلى ما لا يحل، يجب أن تحفظ عن إبدائها للنظر إليها. كأنه قيل: قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم عن الإفضاء إلى ما لا يحل من الزنى، والإبداء إلى ما لا يحل من النظر إليها، وذلك من إيقاع الحفظ عليها مطلقًا، فدل على حفظها ما أمكن، والنظم يساعد هذا التأويل، لأن الكلام السابق حديثٌ في الاستئذان، وجل الغرض منه المحافظة على إبداء ما يفضي إلى ما لا يحل، وكذلك اللاحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ عطفٌ بالنهي عن إبداء مواقع الزين من الجسد على الأمر بإغضاء البصر تأكيدًا، ولما كان النهي عن إبداء الزين كنايةً عن إبداء مواقعها المفضي إلى ما لا يحل، كذلك كان النهي عن إبداء الفروج المؤدي إلى ما لا يحل كنايةً عن النهي عن الزنى. فإذًا النهي واردٌ على غض البصر عن الفروج لئلا يؤدي إلى ما لا يحل. وهو موافق لما قال الإمام: الظاهر العموم، وفي سائر ما حرم من الزنى والمس والنظر، على أنه لو أريد حظر النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الزنى، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣].
[ ١١ / ٦١ ]
ابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. ثم أخبر أنه ﴿خَبِيرٌ﴾ بأحوالهم، أفعالهم، وكيف يجيلون أبصارهم، وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم، فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذرٍ في كل حركةٍ وسكون.
[﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣١].
النساء مأموراتٌ- أيضًا- بغض الأبصار، ولا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته، وإن اشتهت غضت بصرها رأسًا، ولا تنظر من المرأة إلا مثل ذلك.
وغضها بصرها من الأجانب أصلًا أولى بها وأحسن.
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: المراد غض البصر عن الأجنبية، والأجنبية يحل النظر إلى بعضها كما ذكر. وأما الفرج فلا طريق إلى الحل أصلًا بالنسبة إلى الأجنبية، فلا وجه لدخول "من" فيه. وقال القاضي: يحفظوا فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، ولما كان المستثنى كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه، وقيد الغض بحرف التبعيض.
[ ١١ / ٦٢ ]
ومنه حديث ابن أم مكتوم، عن أم سلمة قالت: كنت عند النبي - ﷺ -، وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فدخل علينا، فقال: "احتجبا"، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال: "أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ". فإن قلت: لم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؟ قلت: لأن النظر يريد الزنى ورائد الفجور xxxx فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. الزينة: ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرًا منها، كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب: فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها، كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط: فلا تبديه إلا
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه حديث ابن أم مكتوم)، الحديث، رواه الترمذي، وأبو داود مع تغيير يسيرٍ فيه. قوله: (عن أم سلمة)، بيان الحديث ابن أم مكتوم، لا أنه يروى عنها. قوله: (لأن النظر بريد الزنى ورائد الفجور)، أخذه من قول الخماسي. وكنت إذا أرسلت xxxx رائدًا … لقلبك يومًا أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ … عليه، ولا عن بعضه أنت صابر قوله: (الفتخة)، الفتخة- بالتحريك-: حلقةٌ من فضةٍ لا فص فيها، فإذا كان فيها فصٌ فهو الخاتم، والدملوج: المعضد، وكذلك الدملج. والإكليل: شبه عصابةٍ مزينٌ بالجواهر، ويسمى التاج إكليلًا، والوشاح بنسج من أديم عريضًا، ويرضع بالجواهر، وتشده المرأة بين عاتقها وكشحيها.
[ ١١ / ٦٣ ]
لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها: للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر، لأن هذه الزين واقعةٌ على مواضع الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي: الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهي عن إبداء الزين نفسها، ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها، لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر
_________________
(١) ـ القرمل: ما تشده المرأة في شعرها. كلها من "الصحاح"، وقيل: الوشاح: قلادةٌ طويلةٌ تضع المرأة وسطها على عنقها ثم تخالف بين طرفيها على صدرها حتى تكون كهيئة لام ألف، ثم تديره على حقويها. قوله: (بدليل)، تعليلٌ، وهو قوله: "لملابستها"، أي: النظر إنما لا يحل إلى الزين، لملابستها تلك المواضع، يدل عليه جواز النظر إليها غير ملابسةٍ لها. وقوله: "كان النظر إلى المواضع"، جواب "إذا". وقوله: "لا مقال في حله"، خبر "أن"، والشرط والجزاء خبر "أن" الأولى، تقريره يشرع بأن هذه العبارة من باب الكناية، على نحو قول الشاعر: تبيت بمنجاةٍ من اللوم بيتها … إذا ما بيوتٌ حلت وقولهم: فلانٌ طاهر الحبيب نقي الذيل. وقال صاحب "الفرائد": هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل، فالمراد بالزينة: مواقعها، فيكون حرمة النظر إلى المواقع بعبارة النص، لا بدلالتها كما ذهب إليه، وعبارة النص أقوى من دلالته. اعلم أن عبارة النص كما حددها البزدوي: هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له، ودلالة النص: هو ما ثبت بمعنى النص لغةً لا اجتهادًا واستنباطًا، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٢]، لأنها معلومٌ بظاهرها وبمعناها، فلا يحتاج إلى إخراج معناه بالاجتهاد.
[ ١١ / ٦٤ ]
إليها غير ملابسةٍ لها لا مقال ف يحله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهدًا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها، ويتقين الله في الكشف عنها. فإن قلت: ما تقول في القراميل، هل يحل نظر هؤلاء إليها؟ قلت: نعم. فإن قلت: أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها؟ وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذي ما تحت السرة! قلت: الأمر كما قلت ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي، لأنه لا يقع إلا فوق اللباس، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلًا عن هؤلاء، إلا إذا كانت يصف لرقته، فلا يحل النظر إليه، فلا يحل النظر إلى القراميل واقعةً عليه. فإن قلت: ما المراد
_________________
(١) ـ ومال صاحب "الفرائد" إلى المجاز دون الكناية، وإلى أن اللفظ كلما كان أسهل متناولًا كان أقوى دلالةً، كما عليه الأصوليون، وذهب عنه إلى أن مال نفي الحال لإرادة نفي المحل إلى الكناية، وإثبات المقصود بطريق البرهان، ألا ترى كيف بالغ في قوله: "كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة". وأيضًا، إن الكناية لا تنافي الحقيقة، فيجوز أن يراد النهي عن إبداء ما يتزين به نفسه أيضًا محترزًا عن كسر قلوب الفقراء، بخلاف المجاز، ولهذا قال صاحب "الانتصاف": قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ يحقق أن إبداء الزينة مقصودٌ بالنهي. وأيضًا، لو أريد المحل دون الحال كما عليه إرادة المجاز للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزين الظاهر، وهذا باطلٌ، لأن كل بدن الحرة عورةٌ لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة، كالمعالجة وتحمل الشهادة، وإن كان هذا المعنى لا يساعد عليه قوله: "لم سومح مطلقًا في الزينة الظاهرة؟ ". قوله: (ورد الشعر)، عن بعضهم ورد الشعر: طال، يقال: فلانٌ وارد الأرنبة: إذا كان فيها طول. الأرنبة: طرف الأنف.
[ ١١ / ٦٥ ]
بموقع الزينة؟ ذلك العضو كله. أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟ قلت: الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة: الوجه موقع الكحل في عينيه، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربه، والغمرة في حديه، والكف والقدم موقعًا الخاتم وxxxx والخضاب بالحناء. فإن قلت لم xxxx مطلقًا في الزينة الظاهرة؟ قلت: لأن xxxx فيه حرج، فإن المرأة لا xxxx من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصًا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المتنبي في الطرقات، وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، يعني: إلا ما رجت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما xxxx في الزينة الخفية أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطر، إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في
_________________
(١) ـ قوله: (كما فسرت مواقع xxxx)، الذراع، والساق xxxx. قوله: (الوجه)، وهو مبتدأ، و"موقع الكحل في عينيه" جملةٌ من مبتدأ وخبر للمبتدأ الأول، والضمير في "عينيه" عائدٌ على الوجه، و"الخضاب" بالكسر، على أن المضاف محذوفٌ تقديره: الوجه موقع الخضاب xxxx في حاجبه وشاربيه، والوجه من موقع الغمرة في خديه. قوله: (والغمرة)، بضم العين وسكون الميم: طلاءٌ من الورس، وقد غمرت المرأة وجهها تغميرًا، أي: طلبت، وجهها ليصفو لونها في "الصحاح". قوله: (أولئك المذكورين). هو مرفوعٌ بقوله: "سومح"، و" الزينة الخفية": ظرفٌ لقوله: "سومح". قوله: (من الحاجة المضطرة)، قالوا: هو اسم فاعل، كقولهم: المغتاب- فض الله فمه- أكل لحم المغتاب، وبشرب دمه.
[ ١١ / ٦٦ ]
الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك. كانت جيوبهن واسعةً تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفةٌ، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها. ويجوز أن يراد بالجيوب: الصدور تسميةً بما يليها ويلابسها. ومنها قولهم: ناصح الجيب، وقولك: ضربت بخمارها على جيبها، كقولك: ضربت بيدي على الحائط، إذا وضعتها عليه. وعن عائشة: ما رأيت نساء خيرًا من نساء
_________________
(١) ـ قوله: (ناصح الجيب)، xxxx: النصح لغة: الخلوص، يقال: نصحته ونصحت له وعرفًا: هي الكلمة المعبر بها عن جملة إرادة الخبر للمنصوح له، فقوله: "ناصح الجيب" كناية عن xxxx xxxx xxxx مما يكدره من الغل والغش والحقد ونحوها. ومعنى xxxx والبلقين معانقهن العريضات الصفقات على صدورهن ليسترن بذلك صدورهن وما حولها من الشعور والأعناق يدل عليه قول ابن عباسٍ: تغطي بذلك شعرها وترائبها، وصدورها وسوالفها، وهي أعلى العنق، وإنما أمرن به، لأن جيوبهن كانت متسعة، ودل على الشمول والإحاطة قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾، لأنه كقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]. قوله: (وعن عائشة) الحديث، من رواية البخاري وأبي داود، عنها: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ الآية، شققن أكنف مروطهن فاختمرن بها. النهاية: xxxx من صول، وربما كان من خز أو غيره، والمرخل: الذي قد نقش فيه تصاوير الرجال.
[ ١١ / ٦٧ ]
الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدةٍ منهن إلى مرطها المرحل فصدعت منه صدعةً، فاختمرن، فأصبحن على رؤوسهن الغربان. وقرئ: (جيوبهن) بكسر الجيم لأجل الياء، وكذلك ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧]. قيل في ﴿نِسَائِهِنَّ﴾: هن المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابة.
عن ابن عباس: والظاهر أنه عني بنسائهن وما ملكت أيمانهن: من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والإماء والنساء، كلهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض. وقيل: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: هم الذكور والإناث جميعًا.
وعن عائشة: أنها أباحت النظر إليها لعبدها، وقالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وعن سعيد بن المسيب مثله، ثم رجع وقال: لا تغرنكم آية النور، فإن المراد بها الإماء.
وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصيًا كان أو فحلًا.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "جيوبهن")، قرأ نافعٌ وعاصمٌ وأبو عمروٍ وهشام: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بضم الجيم، والباقون: بكسرها. قوله: (وكذلك "بيوتًا غير بيوتكم")، قال الزجاج: من ضم فعلى أصل الجمع، بيتٌ وبيوت، مثل قلبٍ وقلوب، ومن كسر فللياء التي بعدها، وذلك عند البصريين رديءٌ جدًا، لأنه ليس في الكلام "فعولٌ" بكسر الفاء، والقراءة شاذة. قوله: (وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي)، ذكر محيي السنة في "المعالم": عبد المرأة محرمٌ لها، فيجوز له، إذا كان عفيفًا، النظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم، وهو ظاهر القرآن. وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة رضي الله
[ ١١ / ٦٨ ]
وعن ميسون بنت بحدلٍ الكلابية: أن معاوية دخل عليها ومعه خصي، فتقنعت منه، فقال: هو خصي. فقالت: يا معاوية، أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله؟ وعند أبي حنيفة ﵀: لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ينقل عن أحدٍ من السلف إمساكهم.
فإن قلت: روي: أنه أهدى لرسول الله - ﷺ - خصيٌ فقبله. قلت: لا يقبل فيما تعم به البلوى إلا حديثٌ مكشوف، فإن صح فلعله قبله ليعتقه، أو لسببٍ من الأسباب.
الإربة: الحاجة. قيل: هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم إلى النساء لأنهم بلةٌ لا يعرفون شيئًا من أمرهن. أو شيوخٌ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، أو بهم عنانة.
_________________
(١) ـ تعالى عنهما، وروى ثابتٌ عن أنس، أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ﵂ ثوبٌ إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذ غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامك". ورواه أبو داود في "سننه" قوله: (تعم به البلوى)، الجوهري: البلية والبلوى والبلاء واحد. الأساس: وقد بلى بكذا، وابتلى به، وأصابته بلوى، والعبارة كنايةٌ عن أمرٍ له خطر، لأن المراد إذا التبس به البلاء تحاماه الناس وهابوه فتتوفر الدواعي في الاهتمام به للاحتراز عنه، أي: لا يقبل في أمرٍ يهتم بشأنه إلا حديثٌ مشهور. قوله: (أو بهم عنانة)، الجوهري: رجلٌ عنين: لا يريد النساء، بين العنينية، وامرأةٌ عنينة: ٌ لا تشتهي الرجال. وهو فعيلٌ بمعنى مفعول، وعنن الرجل عن امرأته: إذا حكم القاضي عليه بذلك، والاسم منه العنة، ولم يذكر الجوهري عنانة. وفي حاشية "الصحاح"
[ ١١ / ٦٩ ]
وقرئ: ﴿غَيرَ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال، والجر على الوصفية.
وضع الواحد موضع الجمع، لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع،
_________________
(١) ـ بخط ابن حبيب: الصواب: العنين للذي لا ينتشر ذكره. وفي "المغرب": العنة على زعمهم: اسمٌ من العنين، وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء من عن: إذا حبس في العنة، وهي حظيرة الإبل، أو من: عن: إذا عرض، لأنه يعن يمينًا وشمالًا ولا يقصده، ولم أعثر عليها إلا في "الصحاح". وفي "البصائر" xxxx حيان التوحيدي: فلانٌ عنينٌ بين التعنين، ولا تقل: بين العنة، كما يقول الفقهاء، فإنه كمٌ مرذول. ووجدت بخط مولاي بهاء الدين: روي عن المصنف، أنه كتب في الحواشي: ذكر أبو حيان في كتاب"البصائر" عنينٌ بين التعنين والعنينة والعنينية، والعنانة والعنة كذبٌ على العرب، وأولادها بالاستعمال: العناد ولا يغرنك قول الفقهاء: بين العنة، فإنهم إنما يقولون ذلك لقة عنايتهم بلغة نبيهم. قوله: (وقرئ: ﴿غَيرَ﴾ بالنصب) أبو بكرٍ وابن عامر، والباقون: بالجر. قال الزجاج: أما ﴿غَيرَ﴾ فصفةٌ لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، لأن ﴿التَّابِعِينَ﴾ هنا ليس بمقصود به إلى قوم بأعيانهم، xxxx لكل تابع غير أولي إربة. وأما نصبها فعلى الاستثناء، أي لا يبدين زينتهن إلا للتابعين إلا أولي الإربة فلا يبدين زينتهن لهم. وإما على الحال، أي أو التابعين غير مريدين النساء، أي: في هذه الحال. قوله: (وضع الواحد) أي: xxxx ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾. قوله: (ويبين ما بعده)، أي: xxxx ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
[ ١١ / ٧٠ ]
ونحوه ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].
﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾: إما من ظهر على الشيء، إذا اطلع عليه، أي: لا يعرفون ما الغورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان، إذا قوي عليه، وظهر على القرآن: أخذه وأطاقه، أن لم يبلغوا أو أن القدرة على الوطء. وقرئ: (عورات) وهي لغة xxxx . فإن قلت: لم لم يذكر الله الأعمام والأحوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك، فقال: لئلا يصفها xxxx عند ابنه، والخال كذلك.
ومعناه: أن سائر القرابات بشترك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب xxxx وصفها لابنه وليس بمحرم. فيداني تصوره لها بالوصف نظره إليها. وهذا أيضًا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر. كانت المرأة تضرب الأرض برجلها، ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى، لتعلم أنها ذات طحالين.
وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. أوامر الله ونواهيه في كل بابٍ لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها إن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصيرٍ يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعًا xxxx والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "عورات")، في المطلع، "عوراتٌ" بالتحريك، لأنه الأصل في جمع "فعلة" بالسكون، إذا كان اسمًا، والشكوك في الجمع لمكان حرف العلة. قوله: (أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية)، يعني: كل من له قرابةٌ كابنه وأبوه يشترك معه في القرابة كالأخ، فإنه لما كان محرمًا، فابنه أيضًا محرمٌ، وأبوه كذلك، والأب، وابنه وأبوه إلا العم والخال، فإنهما لم يشتركا مع ابنيهما في المحرمية.
[ ١١ / ٧١ ]
وعن ابن عباس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية، لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. فإن قلت: قد صحت التوبة بالإسلام، والإسلام يجب ما قبله، فما معنى هذه التوبة؟ قلت: أراد بها ما يقوله العلماء: إن من أذنب ذنبًا ثم تاب عنه، يلزمه كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه وقرئ: (أيه المؤمنون) بضم الهاء، ووجهه: أنها كانت مفتوحةً، لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف، لالتقاء الساكنين، أتعبت حركتها حركة ما قبلها.
[﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣٢]
الأيام واليتامى: أصلهما: أيائم ويتائم، فقلبا، والأيم: للرجل والمرأة، وقد آم وآمت وتأيما: إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "أيه المؤمنون")، قرأها ابن عامر، وفي الزخرف: "أيه الساحر"، وفي الرحمن: (أيه الثقلان) بضم الهاء في الوصل في الثلاثة، والباقون: بفتحها. ووقف أبو عمرو والكسائي عليهن: "أيها" بالألف، ووقف الباقون بغير ألف. قال أبو علي: وهذا لا يتجه، لأن آخر الاسم الهاء هاهنا، لأنه آخر الكلمة، لجاز ضم الميم في اللهم، لأنه آخرها. والعذر ما ذكره المصنف: "أنها كانت مفتوحةً" إلى آخره، وعن بعضهم: أنها تكتب في ثلاثة مواضع من التنزيل بلا ألف.
[ ١١ / ٧٢ ]
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي … وإن كنت أفتى منكم- أتأيم
وعن رسول الله - ﷺ -: "اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم والقرم"، والمراد: أنكحوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاٌ من غلمانكم وجواريكم.
وقرئ: (من عبيدكم). وهذا الأمر للندب، لما علم من أن النكاح أمرٌ مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ذلك، وعند أصحاب الظواهر: النكاح واجب.
_________________
(١) ـ قوله: (فإن تنكحي أنكح)، البيت. أفتى: أفعل من الفتى، أي: أقرب إلى الشباب، و"أتأيم": جزاء الشرط، "وإن كنت أفتى منكم": جملةٌ معترضةٌ. يقول: أوافقك في حالتي التزوج والتأيم، وإن كنت أفتى منك. قوله: (من العيمة والغيمة)، النهاية: العيمة بالعين المهملة: شدة شهوة اللبن، وقد عام يعام ويعيم عيمًا. والغيمة بالغين المعجمة: شدة العطش. و"الكزم" بالزاي والتحريك: شدة الأكل، والمصدر ساكنٌ، وقيل: هو البخل، من قولهم: هو أكزم البنان، أي: قصيرها، كما يقال: جعد الكف، وقيل: هو أن يريد الرجل المعروف ولا يقدر على الشيء. والقرم: شدة شهوة اللحم حتى لا يصبر عنه. قوله: (وهذا الأمر للندب)، قال القاضي: لما نهى عما عسى يفضي إلى السفاح المخل بالنسبة المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع، بعد الزجر عنه مبالغةً فيه، أمر بالنكاح الحافظ له، والخطاب للأولياء والسادة. وفيه دليلٌ على وجوب تزويج المولية والمملوك، وذلك عند طلبهما، وإشعارٌ بأن المرأة والعبد لا يستبدان به، إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى.
[ ١١ / ٧٣ ]
ومما يدل على كونه مندوبًا إليه: قوله - ﷺ -: "من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وهي النكاح"، وعنه: "من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليسا منا"، وعنه: "إنا نوج أحدكم عج شيطانه: يا ويله، عصم ابن آدم مني ثلثي دينه"، وعنه: "يا عياض، لا تزوجن عجوزًا ولا عاقرًا، فإني مكاثر والأحاديث فيه عن رسول الله - ﷺ - والآثار كثيرة.
_________________
(١) ـ وقلت: ويمكن أن يقرر بأن الأمر هاهنا للوجوب، فإنه تعالى لما نهى المؤمنين من الرجال والنساء عما يوقعهم في السفاح من إرسال النظر الذي هو رائد القلب، وأمرهم بغض الأبصار على المبالغة ولم xxxx من تفصيل ذلك إلا وأطنت فيه، أقبل على الأولياء والسادة بالأمر بالنكاح خوف xxxx والفساد، وأزال المانع وأزاح العلة، وهو خوف الفقر، يعني: إن كان المانع ذلك فالله واسع فهو يغنيهم من فضله إن شاء عليهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فانكحوا أنتم ولا xxxx ثم وجه الخطاب إلى الطالبين وأمرهم بالاستعفاف، يعني: لا تلحوا أنتم أيضًا على xxxx بالطلب وأنتم فقراء محاويج، بل اطلبوا من أنفسكم العفة، واحملوها على العفاف حتى xxxx الله من فضله، ثم حض إرشاد العبيد والإماء بما هو أصلح لأمورهما من الاستقلال بأنفسهما ثم التزوج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ الآية، وسيجيء عن قريبٍ من سلام لصاحب "الانتصاف" ما يشد بعضد هذا البيان، فنعم ما قال المصنف وما أحسن ما رتب هذه الأمور. قوله: (من أحب فطرتي)، أي xxxx عليه النهاية: في حديث حذيفة: "على غرير فطرة محمدٍ - ﷺ - "، أراد دين الإسلام xxxx هو منسوبٌ إليه. قوله: (من كان له ما يتزوج فلم يتزوج فليس منا)، الانتصاف: هذا يدل على الوجوب، كقوله: "من غشنا فليس منا"، "ومن شهر السلاح فليس منا".
[ ١١ / ٧٤ ]
وربما كان واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. وعن النبي - ﷺ -: "إذا أتى على أمتي مئةٌ وثمانون سنةً فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال"، وفي الحديث: "يأتي على الناس زمانٌ لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة". فإن قلت: لم حص الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين من الأرقاء لهم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأود في الأثرة والمودة، فكانوا مظنةً للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم، وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك. أو أريد بالصلاح: القيام بحقوق النكاح. ينبغي أن تكون شريطة الله غير منسيةٍ في هذا الموعد ونظائره، وهي مشيئته، ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة وما كان مصلحة،
_________________
(١) ـ قوله: (في الأثرة)، الأساس هو أثيري: الذي أوثره وأقدمه، وله عندي أثرة. قوله: (شريطة الله)، الأساس: شرط عليه كذا واشترط، وهذا شريطتي، وقد تشرط فلانٌ في عمله تنوق وتكلف شروطًا ما هي عليه. قوله: (ينبغي أن تكون شريطة الله غير منسيةٍ في هذا الموعد)، يعني: في قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي نظائره نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣ - ٤]، والآيتان وإن كانتا مطلقتين في الظاهر لكنهما مقيدتان بالشريطة، أي: بمشيئة الله تعالى ﷿، فلذلك قد يتخلف الغنى عن التقوى، وعن النكاح في بعض الصور. والحاصل أن الآيتين وإن كانتا مطلقتين في الوعد، لكنهما محمولتان على المقيد، وهو: إما دليل العقل فكما ذكره: "ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة، وما كان مصلحةً"، وإما دليل النص فكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]، ومن نسى الشريطة، أي: القيد إذا سمع ظاهر الآيتين انتصب معترضًا إذا كان فقيرًا وما استغنى، يقول: ما بالي اتقيت، أو تزوجت فما استغنيت، وإذا كان غنيًا وافتقر يقول: ما بالي افتقرت؟ هذا تقرير كلام
[ ١١ / ٧٥ ]
ونحوه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقد جاءت الشريطة منصوصةً في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ
_________________
(١) ـ المصنف، لكن الآية ليست بمطلقة، بل هي مقيدةٌ بقوله: ﴿عَلِيمُ﴾ كما قال: "ولكنه عليمٌ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر". قال صاحب "الانتصاف": شرط المصلحة على قاعدته، فحجر واسعًا من رحمة الله تعالى، واحتجاجه عليه لا له، فإن الآية شرط فيها المشيئة لا المصلحة. وهاهنا نكتةٌ، وذلك أنا رأينا من يتزوج فلا يحصل له الغنى، ووعد الله تعالى صدقٌ فلابد من شرطٍ مضمر، فهم يضمرون المصلحة، ونحن نضمر المشيئة، فمن لم يغنه الله تعالى بعد تزوجه فهو ممن لم يشأ غناه. فإن قيل: فكذلك العزب، فإن غناهم معلقٌ بالمشيئة، وليس هذا كإضمار المشيئة في الغفران للعاصي، فإن الغفران شريطة التوحيد، وله ارتباطٌ بالمشيئة، فإذا تاب غير الموحد لا يغفر له حتمًا، والموحد مقيدٌ بالمشيئة، وهاهنا لا يقال: غير الناكح لا يغنيه الله. فجوابه: أنه قد تكرر في الطباع المساكنة إلى الأسباب أن العيال سببٌ في الفقر، وعدمه سبب توفر المال، فأريد قطع هذا التوهم المتمكن بأن الله تعالى قد ينمي المال مع كثرة العيال التي هي في الوهم سببٌ لقلة المال، وقد يحصل الإقلال مع العزوبة، والواقع يشهد له، فدل على أن ذلك الارتباط الوهمي باطلٌ، وأن الغنى والفقر بفعل الله مسبب الأسباب، ولا يقف إلا على المشيئة، فإذا علم الناكح أن النكاح لا يؤثر في الإقتار لم يمنعه من الشروع فيه، ومعنى الآية حينئذٍ: أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل الله، فعبر عن النفي كونه مانعًا من الغنى بوجوده معه. ومنه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ظاهره أمرٌ بالانتشار عند انقضاء الصلاة، فالمراد تحقيق زوال المانع، وأن الصلاة إذا قضيت فلا مانع من الانتشار، فعبر عن نفي الانتشار بما يقتضي تقاضي الانتشار مبالغة.
[ ١١ / ٧٦ ]
مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضًا بعزبٍ كان غنيًا فأفقره النكاح، وبفاسقٍ تاب واتقى الله وكان له شيءٌ ففني وأصبح مسكينًا.
وعن النبي - ﷺ -: "التمسوا الرزق بالنكاح". وشكا إليه رجلٌ الحاجة، فقال "عليك بالباءة"، وعن عمر ﵁: عجبٌ لمن لا يطلب الغنى بالباءة!
ولقد كان عندنا رجلٌ رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته، فقال: كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أرزق ولدًا، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيرًا، فلما تتاموا ثلاثة صب الله على الخير صبًا، فأصبحت إلى ما ترى. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: غنىٌ ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
_________________
(١) ـ قوله: (رازح الحال)، الأساس: بعيرٌ رازحٌ: ألقى نفسه من الإعياء. وقيل: هو الشديد الهزال وبه حراكٌ، ومن المجاز: رزحت حاله، وله حالٌ رازحة. قوله: (بكر ولدي)، أي: أوله، ما هذا الأمر منك ببكرٍ ولا بثني، أي: لا بأولٍ ولا ثان. وحاجةٌ بكرٌ هو أول حاجةٍ رفعت. "تتاموا ثلاثةً" مبالغةٌ في التمام، رجلٌ تميمٌ، وامرأةٌ تامة الخلق: وثيقاه، واجتمعوا فتتاموا عشرةً، وجعلته لك تمًا، أي: بتمامه، كل ذلك من "الأساس". قوله: (لا يرزؤه إغناء الخلائق)، الأساس: ما رزأته شيئًا مرزئةً ورزأً: ما نقصته، وفعل كذا من غير مرزئة، أي: غير نقصانٍ وضرر. قوله: (ولكنه ﴿عَليِمُ﴾ يبسط الرزق لمن يشاء)، هذا الاستدراك يؤذن بأن قوله: ﴿عَليِمُ﴾ تكميل لقوله: ﴿وَاسِعُ﴾، كقوله: حليمٌ إذا ما الحلم زين أهله … مع الحلم في عين العدو مهيب
[ ١١ / ٧٧ ]
[﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣٣].
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾: وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالبٌ من نفسه العفاف وحاملها عليه. ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: استطاعة تزوج.
ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال.
﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ترجيةً للمستعفين وتقدمة وعدٍ بالتفضل عليهم بالغنى،
_________________
(١) ـ قوله: (وظلف النفس)، الأساس: ظلف نفسه: كفها عما لا يحل. قال ربيعة بن مقروم: وظلفت نفسي من لئيم المأكل قوله: (كان المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه)، أي: جرد من نفسه شخصًا غيره، وطلب منه العفاف. قوله: (أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال)، ومعنى هذين الوجهين قريبٌ من معنى الوجهين في ﴿طَوْلًا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، في الشافعية فسرته بالزيادة في المال، والحنفية بعدم ملك فراش الحرة. يؤيد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فالنكاح على هذا على زنة "فعال" للآلة: المطلع: هو مثل الهوام والحزام: اسمٌ لما يقام ويحزم به.
[ ١١ / ٧٨ ]
ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفًا اسم في استعفافهم، وربطًا على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فصله أولى بالإعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويبعد من مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ وقوعٌ على الابتداء، أو منصوبٌ بفعل مضمر يفسر، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. كقولك: زيدًا xxxx، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة، كالعتاب والمعاتبة، وأن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق.
_________________
(١) ـ قوله: (ليكون انتظار ذلك أن تأميله] لطفًا لهم في استعفافهم)، يعني في إيقاع الغنى غايةً للأمر بالاستعفاف فائدتا xxxx إحداهما: ليوطن المستعفف نفسه على الإمساك على الإمساك عن النكاح ولا يستعجل قبل xxxx لئلا يورط، فيما يفضحه من كثرة العيال وقلة المال، فتكون الترجية لطفًا له. وثانيهما أنه تعلل لما رتب الأمر بالاستعفاف على قوله: ﴿يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ آذن أن فضله أولى الإعفاء، لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعرٌ بالعلية، وكأنه قيل: استعفوا إلى أن يغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف xxxx، لأن قوله: استعفوا إلى أن يغنيكم الله من فضله، ففي كلامه لف xxxx، لأن قوله: "ليكون انتظار ذلك وتأميله" متعلل بقوله: "ترجيةً للمستعفين". وقوله: (وليظهر بذلك)، xxxx تقدمة وعدٍ بالفضل، قوله: (وعزفها عن الطموح) النهاية: وفي حديث حارثة "عزفت نفسي عن الدنيا"، أي: xxxx وكرهتها، ويروى: "عرفت نفسي" بضم التاء، أي: منعتها وصرفتها، وطمح بصره إليه، أي. امتد وعلا، ومنه طمحت عيناه إلى السماء.
[ ١١ / ٧٩ ]
ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو: كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت على العتق. ويجوز عند أبي حنيفة ﵀ حالًا ومؤجلًا، ومنجمًا وغير منجم، لأن الله ﷿ لم يذكر التنجيم، وقياسًا على سائر العقود. وعند الشافعي ﵀: لا يجوز إلا مؤجلًا منجمًا، ولا يجوز عنده بنجمٍ واحد، لأن العبد لا يملك شيئًا، فعقده حالًا منعٌ من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلًا. ويجوز عقده على مالٍ قليل وكثير، وعلى خدمةٍ معلومة، وعلى عملٍ معلوم مؤقت، مثل: حفر بئرٍ في مكانٍ بعينه معلومة الطول والعرض، وبناء دارٍ قد أراه آجرها وجصها وما تبنى به. وإن كاتبه على قيمته: لم يجز. فإن أداها: عتق، وإن كاتبه على وصيف: جاز، لقلة الجهالة، ووجب الوسط. وليس له أن يطأ المكاتبة. وإذا أدى عتق، وكان ولاؤه لمولاه، لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له. وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن: ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب.
وعن عمر ﵁: هي عزمةٌ من عزمات الله. وعن ابن سيرين مثله،
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياسًا على سائر العقود)، قال القاضي: واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالة ضعيفٌ، لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها، كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل. قوله: (على وصيف)، الجوهري: الوصيف: الخادم، غلامًا كان أو جاريةً. يقال: وصف الغلام: إذا بلغ الخدمة، فهو وصيف بين الوصافة. قوله: (وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء)، قال القاضي: لأن الكتابة معاوضةٌ تتضمن الإرفاق، فلا تجب كغيرها.
[ ١١ / ٨٠ ]
وهو مذهب داود. ﴿خَيْرًا﴾: قدرةً على أداء ما يفارقون عليه. وقيل: أمانةً وتكسبًا. وعن سلمان أن مملوكًا له ابتغى أن يكاتبه، فقال: أعندك مالٌ؟ قال: لا، قال: أفتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس! ﴿وَآَتُوهُمْ﴾ أمرٌ للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، كقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، عند أبي حنيفة وأصحابه. فإن قلت: ل يحل لمولاه إذا كان غنيًا أن يأخذ ما تصدق به عليه؟ قلت: نعم، وكذلك إذا لم تف الصدقة بجميع البدل وعجز
_________________
(١) ـ قوله: (وهو مذهب داود)، هو داو بن علي الأصفهاني، وهو الذي يرجح الاستصحاب على القياس وهو من أصحاب الظواهر. قوله: ﴿خَيْرًا﴾: قدرةً على أداء ما يفارقون عليه)، وفي الحاشية: صادرته، وفارقته على مال، أي: صدر هذا وتفارقا عليه. والأظهر أن التقدير على أداء ما تقع الفرقة عليه من مالٍ أو خدمةٍ عمل. الأساس: ومن المجاز: وقفته على مفارق الحديث، أي: على وجوهه الواضحة. قوله: (قلت: نعم، وكذلك إذا لم تفق الصدقة)، إلى آخره، قيل: عند الشافعي ﵁ أنه إذا رق المكاتب، أو أعتق من غير جهة الكتابة، غرم المدفوع إليه، إلا أن يتلف المال قبل العتق، وإنما وجب الرد إذا لم يعتق المكاتب لو عتق من غير جهة الكتابة، لأنه علم من طريق التبين أن ما صرف إلى المكاتب لم يقع الموقع حينئذ، إذ لم يترتب عليه الغرض المطلوب، وبهذا يظهر أن قياس ذلك على الصدقة التي اشتريت من الفقير غير صحيح. وكذا إلحاقه بحديث بريرة، فإنه لم يحدث هنالك ما يظهر به بطلان صرف الصدقة إلى من صرفت إليه.
[ ١١ / ٨١ ]
عن أداء الباقي، طاب للمولى ما أخذه، لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد المكاتبة، كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها أو هبت له، ومنه قوله - ﷺ - في حديث بريرة: "هو لها صدقةٌ ولنا هدية". وعند الشافعي ﵁: هو إيجابٌ على الموالي أن يحطوا لهم من مال الكتابة، وإن لم يفعلوا أجبروا. وعن علي ﵁: يحط له الربع. وعن ابن عباس ﵄: يرضخ له من كتابته شيئًا، وعن عمر ﵁: أنه كاتب عبدًا له يكنى أبا أمية، وهو أول عبدٍ كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم، فدفعه إليه عمر وقال: استعن به على مكاتبتك. فقال: لو أخرته إلى آخر نجم. قال: أخاف أن لا أدرك ذلك. وهذا عند أبي حنيفة على وجه الندب، وقال: إنه عقد معاوضة، فلا يجبر على الحطيطة، كالبيع. وقيل: معنى ﴿وَآَتُوهُمْ﴾: أسلفوهم. وقيل: أنفقوا عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. وهذا كله مستحب. وروي: أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوكٌ يقال له: الصبيح، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى، فنزلت.
كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبي رأس
_________________
(١) ـ قوله: (في حديث بريرة)، وحديثها على رواه البخاري ومسلمٌ ومالكٌ، عن عائشة ﵂، قالت: تصدق على بريرة بلحم، فقال رسول الله - ﷺ -: "هو لها صدقةٌ ولنا هدية" وفي أخرى لمسلم: أن النبي - ﷺ - أتي بلحم بقرٍ فقيل: هذا ما تصدق به على بريرة، فقال: "هو لها صدقةٌ ولنا هدية". قوله: (يساعين على مواليهن)، النهاية: المساعاة: الزنى، وكان الأصمعي يجعلها في الإماء دون الحرائر، لأنهن كن يسعين لمواليهن فيكسبن بضرائب كانت عليهن، يقال: ساعت الأمة: إذا فجرت، وساعاها فلانٌ: إذا فجر بها، وهو مفاعلةٌ من السعي، فأبطل الإسلام ذلك، ولم يلحق النسب بها، وعفا عما كان منها في الجاهلية ممن ألحق بها. قوله: (وكان لعبد الله بن أبي)، الحديث من رواية مسلم وأبي داود، عن جابر، أن جاريةً
[ ١١ / ٨٢ ]
النفاق ست جوار: معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله - ﷺ -، فنزلت. ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، وفي الحديث: "ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي". والبغاء: مصدر البغي. فإن قلت: لم أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟ قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وآمر الطيعة المواتية
_________________
(١) ـ لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها أميمة، كان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الآية. قوله: (وفي الحديث: "ليقل أحدكم: فتاي")، روى الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي هريرة: "لا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي فتاتي غلامي". قوله: (لم أقحم قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟)، يريد أن النهي عن إكراههن مطلق، فلم قيده بقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾؟ وذلك يوهم أن النهي عن الإكراه ينتفي إذا لم توجد إرادة التحصن وهو ليس بمراد، وهذا مبنيٌ على أن المعلق بلفظ ﴿إِنْ﴾ على الشيء، يعدم عندهم عدم المعلق به بشهادة إجماع إهل اللغة أن كلمة ﴿إِنْ﴾ للشرط، والشرط هو ما ينتفي الحكم عند انتفائه. وأجاب أن الإكراه إنما يتصور إذا أردن التحصن، وإذا أردن البغاء، فلا إكراه إذن، على أن كلمة ﴿إِنْ﴾ الدالة على الشك وخلو الجزم مؤذنةٌ بأنهن كن راغباتٍ في الزنى. الانتصاف: لم يذكر جوابًا شافيًا، وعندي أنه للإيقاظ، لأن السامع ينبغي أنه يحترز من هذه الرذيلة وإن لم يكن زاجرٌ شرعيٌ، إشعارًا بأن أمته خيرٌ منه، ولولا هذا لما قوي الزاجر النفسي، وقلت: ويقوي هذا التأويل التعريض في قراءة ابن عباس: لهن غفورٌ رحيم.
[ ١١ / ٨٣ ]
للبغاء لا يسمى مكرهًا، ولا أمره إكراهًا. وكلمة ﴿إِنَّ﴾ وإيثارها على "إذا" إيذانٌ بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبةٍ وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم، أو: لهن، أو: لهم ولهن، إن تابوا وأصلحوا.
_________________
(١) ـ وقال الإمام: ومن الناس من ذكر فيه جوابًا آخر وهو: أن في الغالب أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب، كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق، ولما كان الغالب في حال الشقاق قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، والقصر لا يختص بحال الخوف، لكن أجراه على سبيل الغالب. قوله: (لهم، أو لهن، أو: لهم ولهن)، يريد أن ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مطلقٌ، والقرينة الدالة على التقييد ﴿وَلَاتُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، فيجوز أن يقيد بالمكرهين إذا تابوا وبالمكرهات، أو بكليهما جميعًا، وقلت: يجوز أن يتركا على إطلاقهما فيدخلوا فيه دخولًا أوليًا، قال القاضي: الثاني أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعودٍ: من بعد إكراههن لهن غفورٌ رحيمٌ، ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمةٍ فلا حاجة إلى المغفرة، لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات، ولذلك حرم على المكره القتل ووجب عليه القصاص. وقلت: فعلى هذا: في قوله: فإن الله من بعد إكراههن لهن" وعيدٌ شديد، وتهديدٌ عظيمٌ للمكره، وذلك الغفران والرحمة تعريضٌ، ويؤيد إيراد الجزاء على سنن الإخبار، والإطناب بذكر ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ يعني انتبهوا أيها المكرهون، أنهن مع كونهن مكرهاتٍ بنحو القتل وإتلاف العضو، يؤاخذن على ما أكرهن لولا أن الله غفورٌ رحيمٌ فيتجاوز عنهن، فكيف
[ ١١ / ٨٤ ]
وفي قراءة ابن عباس: (لهن غفورٌ رحيم).
فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة- من إكراهٍ بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو، من ضربٍ عنيفٍ أو غيره- حتى تسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة.
[﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣٤].
(مبينات): هي الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت في معاني الكلام والحدود. ويجوز أن يكون الأصل مبينًا فيها فاتسع في الظرف.
_________________
(١) ـ بمن يكرههن؟ مثله قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٢]. قوله: (وفي قراءة ابن عباس: "لهن غفورٌ رحيم")، قال ابن جني: وقرأها سعيد بن جبير، وقال: "لَهُنَّ": متعلق بـ "غفور"، لأنه أدنى إليها، ولأن "فعولًا" أقعد في التعدي من فعيل. ويجوز أن يتعلق بـ "رحيم"، لأجل حرف الجر إذا قدر خبرًا بعد خبر، ولم يقدر صفةً لـ "غفور"، لامتناع تقدم الصفة على موصوفها، والمعمول إنما يصح وقوعه حيث يقع عامله، وليس الخبر كذلك، وأيضًا، يحسن في الخبر، لأن رتبة الرحمة أعلى من رتبة المغفرة، ولأن المغفرة مسببةٌ عنها، فكأنها مقدمةٌ معنى وإن تأخرت لفظًا. هذا تخليص كلام ابن جني. قوله: (فاتسع في الظرف)، أي: أجري مجرى المفعول به، كقوله: ويومٍ شهدناه، أي: آياتٍ مبينات فيها الأحكام والحدود.
[ ١١ / ٨٥ ]
وقرئ بالكسر، أي: بينت هي الأحكام والحدود، جعل الفعل لها على المجاز، أو من: بين، بمعنى: تبين، ومنه المثل: قد بين الصبح لذي عينين. ﴿وَمَثَلًا مِنَ﴾ أمثال من (قبلكم)، أي: قصةً عجيبةً من قصصهم، كقصة يوسف ومريم، يعني: قصة عائشة ﵂.
﴿وَمَوْعِظَةً﴾: ما وعظ به في الآيات والمثل، من نحو قوله: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٢]، ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦]، ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧].
[﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣٥].
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بالكسر)، ابن عامرٍ وحمزة وحفصٌ والكسائي في الموضعين هنا وفي "الطلاق"، والباقون: بالفتح. قوله: (جعل الفعل لها على المجاز)، كقوله: إذا ردعا في القدر من يستعيرها؟ قوله: (قد بين الصبح لذي عينين)، قال الميداني: "بين" هاهنا بمعنى: تبين، يضرب للأمر الذي يظهر كل الظهور. قوله: (ما وعظ به في الآيات والمثل)، يريد أن قصة عائشة ﵂ مثل قصة
[ ١١ / ٨٦ ]
نظير قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ و﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾: قولك: زيدٌ كرمٌ وجود، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده. والمعنى: ذو نور السماوات، وصاحب نور السماوات، ونور السماوات والأرض الحق، شبهه
_________________
(١) ـ يوسف ومريم في أنهما بما قرفا، فكانا بريئين منه، وكانت أيضًا موعظةً للمؤمنين في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لما أدمج فيها ذلك الأدب الحسن، وفيها قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ وأكثرها مواعظ وسائر آيات السور من نحو: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، وغير ذلك، وهذه الآية عامةٌ لكن يدخل فيها هذه المعاني دخولًا أوليًا. قوله: (نظير قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ و﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾: قولك: زيدٌ كرمٌ وجود، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده، يريد: أن نسبة ارتباط هذه الجمل بعضها مع بعض، كنسبة ارتباط الجملتين في المثال، وكذا حمل الخبر على المبتدأ في الآية كحمله في المثال. فإن قلت: المثال ذو جملتين، والآية ذات جمل ثلاث؟ قلت: إذا جعل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى أخرها يتصل به مبينًا لما سبق، فإن البيان والمبين متحدان في الاعتبار، ثم استؤنف بقوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ لينطبق عليه المثال، فإن قوله: ينعش الناس بكرمه مثل قوله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾، وحين لم يفتقر كرمٌ وجودٌ إلى البيان تركه. قوله: (ينعش الناس بكرمه)، أي: يرفعهم ويصلح حالهم. وأصله: من نعشة العاثر، وفي بعض الأدعية المأثورة: يا ناعش الضعيف، يا مغيث اللهيف، ويا منتهي رغبة الوضيع والشريف. قوله: (ونور السماوات والأرض الحق)، أي: المراد بالنور: الحق، يدل عليه قوله: "شبهه بالنور"، أي: شبه الحق بالنور، والمراد بالحق: كونهما دليلين على وجود فاطرهما، وعظمة مبدعهما، وكمال قدرة منشئهما، قال الله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] أي: ما خلقته إلا حقًا. ويؤيده قوله:
[ ١١ / ٨٧ ]
بالنور في ظهوره وبيانه، كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]: أي: من الباطل إلى الحق.
وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين: إما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضئ له السماوات والأرض. وإما أن يراد أهل السماوات والأرض، وأنهم يستضيئون به.
_________________
(١) ـ "شبهه بالنور في ظهوره وبيانه"، أي: جعله مبينًا ودليلًا على وحدانيته، ومآل المعنى: الله جاعلهما دليلين على وحدانيته، كما نقل عن بعضهم: الله مدلول السماوات والأرض. ولما احتاج الاستدلال بهما إلى الذهن الثاقب، والفكر الصائب الذي لا يلويه الباطل يمينًا وشمالًا، جعل المشبه به في كوةٍ، ليؤذن أن المستضيء به إنما ينتفع إذا انتصب محاذيًا له قبلًا إياه، وكذلك المستدل ينبغي أن يكون على الصراط المستقيم، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وإليه الإشارة بقوله: "ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يمينًا وشمالًا". فإن قلت: تفسيره لقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بقوله: "للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته" غير مطابقٍ لقوله: "إن المصباح إذا كان في مكانٍ متضايقٍ كالمشكاة، كان أضوأ له، وأجمع لنوره"، بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبث فيه وينتشر والواجب الموافقة بين ما يجتمع فيه المشبه والمشبه به من المعنى؟ قلت: إنما يكون كذلك أن لو كان وجه الشبه سعة الإشراق وفشوه، وإنا الوجه فرط الضياء وقوة الإنارة. والحاصل أن شبه نور الله الفاشي في قوة ظهوره بالنور المستفاد من المصباح الذي هو في المشكاة، والمراد بالفشو والانتشار: كثرة الدلائل وظهور آثار وحدانيته في الملكوت. قوله: (وإما أن يراد أهل السماوات والأرض)، وهو ينظر إلى تأويل ابن عباس على ما رواه محيي السنة عنه: الله هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الإمام: الله هادي أهل السماوات والأرض، قول
[ ١١ / ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ابن عباس والأكثرين. وقال أيضًا: القول بأن المراد بالنور: الهدى هو المختار، لأنه مطابقٌ لما قبله، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾. وأقول- والعلم عند الله-: إن هذه الآية مما خاض فيها العارفون والنحارير من العلماء، وبلغت أقوالهم مبلغًا عظيمًا، وكلٌ تكلم على مقدار بضاعته، وجاء بما في وسعه وطاقته ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]. هذا، وإن من جبلة من أفنى عمره في تحصيل صناعةٍ أن تتحرك أريحيته إذا ما لاحت له من تلك الصناعة لمعهٌ، ومما تصديت له، وأفنيت فيه صالح عمري معرفة الفصاحتين، ومراعاة الموافقة بين الطلبتين، أعني المقام والكلام، وكثيرًا ما كانت تصدم القريحة معاني هذه الآية إذا حاولت لاقتداح زندها، وانتشاق زبدها مع ما يندبني إليه أخص إخواني في الدين وأخلص أخداني في طلب اليقين، ولما اعتقدت أن التجاسر على كلام الله المجيد، والتجاسر له والتشمير للخوض فيه، مع قلة البضاعة، من أعظم ما يلزم المرء من الغرامة، كنت أقدم رجلًا وأوخر أخرى إلى أن وافق لتحريك القلم شدة الغرام، فاضطرت إلى إبراز هذه الصبابة من تلك الضبابة، فإن صادفها الحق فهو المرام، وإلا فإني أستغفر الله على ما بدا مني أولًا وآخرًا. أقول: الواجب على مقتني صناعة البلاغة تعيين المقام، وتحرير الكلام، لتنقيح المرام. وتحرير ما نحن فيه: أن نبين أولًا أن النور ما هو؟ وما يقتضيه المقام من التأويل، فإذا تعين ذلك ينظر بعد ذلك في حقيقة هذا التشبيه، فإنه من أي قبيلٍ هو؟ أمن المركب العقلي أو الوهمي، أو الحسي، أم من المفرق الحسي أو العقلي، وعلى تقدير كونه مفرقًا فالمشبهات المقدرة ما هي؟ وما التي يجب تصحيحها حتى تقابل بالمذكورات؟ وتنصيصها من أعظم الشؤون، والتقصي من ذلك لا يستتب إلا بعون الله تعالى وتوفيقه، وإلا بلطفه وتسديده. فالكلام مرتبٌ على مطلبين:
[ ١١ / ٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المطلب الأول: في الكشف عن حقيقة هذه النور: والقول الجامع فيه ما أورده القاضي في "تفسيره" واختصره من كلام الإمامين: حجة الإسلام، والإمام فخر الدين، ولخصه: النور في الأصل: كيفيةٌ تدركها الباصرة أولًا، وبوساطتها تدرك سائر المبصرات ثانيًا، كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، ويوافقه تفسير أهل اللغة: النور: الضياء. وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيدٌ كرمٌ أي: ذو كرم، أو على تجوز، وهو على وجوهٍ: أ- منور السموات والأرض، لأن الله تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء. ب- مدبرهما، من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم، لأنهم يهتدون به في الأمور. ج- موجدهما، فإن النور ظاهرٌ بذاته، مظهرٌ لغيره، وأصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم، والله تعالى موجودٌ بذاته، موجدٌ لما عداها. د- الذي به يدرك، أو يدرك أهلها، ومن ثم أطلق النور على الباصرة لتعلقها به، أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ثم على البصيرة، لأنها أقوى إدراكًا، فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل، ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها، وهي إذن من سبب يفيضها عليه، وهو الله تعالى، أو بتوسط من الملائكة والأنبياء. ويقرب منه قول ابن عباس: هادي من فيهما، فهم يهتدون بنوره. وقلت: قول ابن عباس من واد، وهذا من واد، فإن لو حبر الأمة من وادي طور سيناء، وهذا من وادٍ يهيم فيه ابن سيناء، فإن معنى قوله: الله هادي العالمين ومبين ما
[ ١١ / ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ يهتدون به ويتخلصون من ظلمات الكفر والضلالات وورطات الزيغ والجهالات بوحي ينزله، ونبي يبعثه. وقد تقرر أن التأويل الذي عليه التعويل ما ساعد عليه النظم. وروينا عن محيي السنة في "المعالم" أنه قال: التأويل صرف الآية إلى معنى محتملٍ موافقٍ لما قبلها ولما بعدها غير مخالفٍ للكتاب والسنة، من طريق الاستنباط. وعلى مقتضى هذه القضية وجب النظر في هذه الآية إلى السباق والسياق، أما السباق فكما قال الإمام: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، وبيانه أنها جاءت رابطةً لقصة براءة ساحة حجاب رسول الله - ﷺ - أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄ بقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كما فسره المصنف، وتخلصًا منها إليه، وقد كرر هذا المعنى في هذه السورة الكريمة مرارًا ترجيعًا إلى ما هو مهتمٌ به وتخلصًا إلى ما ينبغي أن يشرع فيه. منها: قوله تعالى في فاتحة السورة: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ومن ثم جاء في هذا المقام مفصولًا استئنافًا على بيان الموجب، امتنانًا على المنزل عليهم، كأنه قيل: إنما أنزل الله إليكم هذه الآيات ومثلًا من الذين خلوا من قبلكم وموعظةً للمتقين، لأنه هادي أهل السموات وأهل الأرض بإنزال الآيات البيانات والكتاب المنير المشتمل على ما تأتون به وتذرون، ففيه مع الامتنان تعظيم شأن الرسول - ﷺ -، حيث استشهد لبراءة حجابه بمثل هذه الآية الكريمة الجامعة، وفي جعل تلك الآية تخلصًا لهذه، وإنها من الجوامع المحتوية على الأمهات، فإن قوله: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ يشتمل على جميع ما يستحق أن يبين من أصول الدين وفروعه. وقوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ منبئٌ عن أحوال سائر الأمم الخالية، والرسل الماضية، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ منبئةً عن جميع الآيات المنذرات والمبشرات. واختصاص المتقين، لأنهم الجامعون بين ما يجب أن يؤتى به، ويتحرز منه، دلالةٌ بينةٌ على صحته ما ذهبنا إليه. ثم
[ ١١ / ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ في الانتقال من ضمير التعظيم إلى اسم الذات والحضرة الجامعة خطبٌ جليل وخطرٌ خطير وإيذانٌ بأن تلك الهداية أيضًا جامعةٌ لما يناط به أمور الدين من بعثة الرسل وإنزال الكتب وغير ذلك. وأما السياق فإن قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ جاء مفصولًا للاستئناف، وبيان أن الله يختص بتلك الهداية من يشاء من خواص حضرته، وأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ جاء مقابلًا لهذه الآيات، والمعنى: أن أعمالهم الصالحة التي لم تكن مقتبسةً من مشكاة النبوة ضائعةٌ، ألا ترى كيف أوقع قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ تنبيهًا على أن الكافر كان فاقد ذلك النور عند عمله؟ " وقال محيي السنة: أراد بالظلمات: أعمال الكفار، وبالبحر اللجي: قلبه، وبالمموج يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب: الطبع والرين على قلبه. وقلت: قوله: " ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ مقابلٌ لقوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، ولهذا ختمها بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. وعن الإمام: قال الأصحاب: إنه تعالى لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهايةٍ من الجلاء والظهور عقبها بأن قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: " ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ مظهرًا أن المراد بالنور: الهاية بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، شبهها في ظهورها في نفسها والبيان والجلاء، وفي كونها مبينًا لغيرها مما يناط به أمر الدين بالنور، لأنه ظاهرٌ في نفسه، مظهرٌ لغيره. والمطلب الثاني: في الكشف عن حقيقة التمثيل. قال القاضي: وقد ذكر في معنى التمثيل وجوهٌ: أ- تمثيلٌ للهدى الذي دل عليه الآيات البينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة.
[ ١١ / ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ب- تشبيه الهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح. ج- تمثيلٌ لما نور الله به قلب المؤمن- من المعارف والعلوم- بنور المشكاة المنبث فيها مصباحها، ويؤيده قراءة أبي: "مثل نور المؤمن". د- تمثيل ما منح الله به عباده من القوى الدراكة الخمس المترتبة التي ينوط بها المعاش والمعاد، وهي: الحساسة التي تدرك المحسوسات والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، والعاقلة التي تدرك بها الحقائق الكلية، والمفكرة التي تؤلف المعقولات لتنتج منها علم ما لا يعلم، والقوة القدسية التي تنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء، المعنية بقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] بالأشياء المذكورة في الآية، وهي المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، فإن الحساسة كالمشكاة، لأن محلها كالكوى، ووجها إلى الظاهر، ولا تدرك ما وراءها، وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب، وضبطها للأنوار العقلية، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات. والعاقلة كالمصباح، لإضاءتها بالإدراكات الكلية، والمعارف الإلهية. والمفكرة كالشجرة المباركة، لتأديها إلى ثمرات لا نهاية لها. والزيتونة المثمرة للزيت الذي هو مادة المصابيح، التي لا تكون شرقيةً ولا غربيةً، لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفةً في القبيلين، منتفعة من الجانبين، والقوة القدسية كالزيت، فإنها لضيائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكرٍ ولا تعليم. وقلت: الوجه الأول: من التشبيه المركب العقلي، لأن الوجه مأخوذٌ من الزبدة
[ ١١ / ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والخلاصة، ولهذا قال في جلاء مدلولها: وإليه ميل المصنف في الوجه الأول، حيث قال: "ونور السموات والأرض الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه"، وقال أيضًا: "صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة"، فجعل الوجه الإضاءة، ألا ترى كيف اعتبر الزبدة بقوله: "هذا الذي شبهت به الحق نورٌ متضاعفٌ" إلى آخره؟ والوجه الثاني: من المركب الوهمي، حيث تصور في المشبه الحالة المنتزعة من المشبه به، وهي قوله: من حيث إنه محفوفٌ بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم. والوجه الثالث: من التشبيه المفرق الذي يتكلف فيه للمشبه أشياء متعددةٌ مناسبةٌ لما في المشبهات بها، لكنه مبنيٌ على أصول الحكماء، والمقام ينبو عنه كما ترى. والوجه الرابع الذي عليه قراءة أبي أقرب، وللمقصود أدعى، ولكن يفتقر إلى فضل تقرير، وذلك أنه لما تقرر في المطلب الأول أن المراد بالنور: الهداية بوحي ينزله ورسولٍ يبعثه، فالواجب أن لا يتجاوز عن حديث الوحي والموحى إليه، فالمشبهات المناسبة صدر الرسول - ﷺ - وقلبه، واللطيفة الربانية فيه والقرآن نفسه وما يتأثر منه القلب عند استمداده، فهذه مراتب خمسٌ مفيضةٌ ومستفيضةٌ على ترتيب فيض الله على العباد، ومن أراد الوصول فهذه السبيل، وإلا فـ ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. وأما التفصيل فإنه شبه صدره صلوات الله عليه بالمشكاة، لأنه كالكوى ذو وجهين فمن وجه يقتبس النور من القلب المستنير، ومن آخر يقتبس ذلك النور المقتبس على الخلق، وذلك لاستعداده بانشراحه مرتين: مرةً في صباه وأخرى عند إسرائه، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، هذا تشبيهٌ صحيحٌ قد اشتهر عند جماعةٍ من المفسرين.
[ ١١ / ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ روى محيي السنة عن كعب: هذا مثلٌ ضربه الله لنبيه - ﷺ -: المشكاة: صدره، والزجاجة: قلبه، والمصباح فيه: النبوة، توقد من شجرةٍ مباركةٍ هي شجرة النبوة. وروى الإمام عن بعضهم: أن المشكاة: صدر محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه، والزجاجة: قلبه، والمصباح: ما في قلبه من الدين. وفي "حقائق السلمي" عن أبي سعيد الخراز: المشكاة: جوف محمدٍ، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي فيه. ومنه خطبة "المصابيح": من مصابيح خرجت عن مشكاة التقوى. وشبه قلبه صلوات الله عليه بالزجاجة المنعوتة بالكوكب الدري لصفائه وإشراقه، وخلوصه من كدورة الهوى، ولوث النفس الأمارة، وانعكاس نور اللطيفة إليه. وشبهت اللطيفة القدسية المزهرة في القلب بالمصباح الثاقب. روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ - "القلوب أربعةٌ: قلبٌ أجرد، فيه مثل السراج يزهر". وفيه: "أما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره". الحديث، وأورده شيخنا الإسلام أبو حفصٍ السهر وردي قدس الله تعالى سره في "العوارف" مستشهدًا لما سنح له في المعنى الروح والقلب والنفس:
[ ١١ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ولهذا المعنى سماه الله تعالى سراجًا في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، أي: سراجًا يستضاء به في ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره أنوار البصائر، وشبه نفس القرآن بالشجرة المباركة لثبات أصلها، وتشعب فروعها، وتأديها إلى ثمراتٍ لا نهاية لها. قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥] الآية. وروى محيي السنة عن الحسن وابن زيد: الشجرة المباركة شجرة الوحي، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾: تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ وقيل: هي شجرة النبوة. وقال صاحب "إنسان العين": الشجرة: القرآن لا كذبٌ ولا هزء، يكاد يطرب السامع نظمه قبل فهمه، وشبه ما يستمده نور قلبه صلوات الله عليه وسلامه من القرآن وابتداء تقويه منه بالزيت الصافي، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فكما جعله سبب توقده منه في قوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ جعل ضوءه مستفادًا من انعكاس نور اللطيفة إليه في قوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، والمعنى ما ذكر في "إنسان العين": يكاد سر القرآن يظهر للخلق قبل دعوة النبي - ﷺ - به، وفيه مسحةٌ من معنى قوله: رق الزجاج ورقت الخمر … فتشابها وتشاكل الأمر فكانها خمرٌ ولا قدحٌ … وكأنها قدحٌ ولا خمر ومنه وصفت بكونها لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ، قال الحسن: ليست هذه من أشجار الدنيا، ولو كانت في الدنيا لكانت شرقيةً أو غربيةً، وإنما هو مثلٌ ضربه الله لنوره. رواه محيي السنة. أو نأخذ في مشرع آخر، وهو أن يشبه القرآن بالمصباح على ما سبق، ونفسه الزكية
[ ١١ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الطاهرة صلوات الله على صاحبها بالشجرة لكونها ثابتةً من أرض الدين، متشعبةً فروعها إلى سماء الإيمان، متدليةً أثمارها إلى فضاء الإخلاص والإحسان، وذلك لاستقامتها بمقتضى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] غير مائلةٍ إلى طرفي الإفراط والتفريط، ألا ترى إلى قول الحسن: جعل الله الدين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾. ويشبه ما محض من تلك الثمرات بعد التصفية التامة للتهيئة، وقبول تلك الأنوار بالزيت الصافي، لوفور قوة استعدادها للاستضاءة، وهي الدهنية القابلة للاشتعال، ومن ثم خصت شجرة الزيتون لأن لب ثمرتها الزيت الذي تشتعل به المصابيح، وخص هذا الدهن لمزيد إشراقه مع قلة الدخان، يكاد زيت استعداه صلوات الله وسلامه عليه، لصفائه وذكائه، يضيء ولو لم يمسه نور القرآن. روى محيي السنة، عن محمد بن كعبٍ القرظي: تكاد محاسن محمدٍ صلوات الله عليه تظهر للناس من قبل أن أوحي إليه. قال ابن رواحة: لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ … كانت بداهته تنبيك عن خبر وفيه: أن قلبه المطهر يشرق من نور القرآن، ومشكاة صدره تهدي الناس إلى السبيل السوي بواسطة استقامة نفسه الزكية على الصراط المستقيم وتهيئتها لقبول تلك الأنوار، وفيه مسحةٌ من معنى قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وفي "حقائق السلمي": مثل نوره في [قلب] عبده المخلص [كمشكاة]، والمشكاة: القلب، والمصباح: النور الذي قذف فيه، والمعرفة تضيء في قلب العارف بنور التوفيق في مصباح النور، توقد من شجرةٍ مباركةٍ تضيء على شخص مبارك تتبين أنوار باطنه على آداب ظاهره، وحسن معاملته، زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية، جوهرةٍ صافيةٍ لا لها حظٌ في الدنيا ولا في
[ ١١ / ٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الآخرة، لاختصاصها بموالاة العزيز الغفار وتفردها بالفرد الجبار. قال الواسطي: نفسٌ خلقها الله فسماها شجرةً مباركةً وقال: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا دنيويةٍ ولا أخروية، جذبها إلى قربه، وأكرمها بضيائه، يكاد ضياء روحها يتوقد ولو لم يسمع كتابًا ولم يدعه نبيٌ. وقال الجنيد: لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ: لا هي مائلةٌ إلى الدنيا ولا راغبةٌ في الآخرة، ولكنها فانية الحظ من الأكوان. وقلت: وعند هذا نمسك عنان القلم وننادي بلسان الاضطرار: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] فإن قلت: لم زعمت أن التشبيه من المفرق؟ قلت: التكرير فيه يستدعي ذلك، لأنها من باب الترديد، وهو: تكرير المعنى لتعليق الزائد عليه تقريرًا واعتناءً، قال: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها … لو مسها حجرٌ مسته سراء فقيل: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ ثم قيل: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، وقيل: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ ثم قيل: ﴿فِيهَا﴾ أي: في المشكاة: وقيل: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ثم أعيد المصباح، وقيل: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ ثم أعيد الزجاجة، وشبهت بالكوكب الدري لينبه به على كمال إشراق اللطيفة، يعني: إذا بلغ إشراق الزجاجة المستفيضة إلى هذه الغاية فما ظنك بالمصباح المفيضة ونورها؟ وكذا ﴿زَيْتُونَةٍ﴾: تكريرٌ لمعنى الشجرة لإناطة ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بها. قال أبو البقاء: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدلٌ من ﴿شَجَرَةٍ﴾. و﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾: تكريرٌ مع البيان لما أجمل من معنى الزيت في قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وأما النور المتضاعف في قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فنور صدره - ﷺ -،
[ ١١ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ونور قلبه، ونور اللطيفة ونور القرن، وهذا التكرير والتقرير والمتممات توقفك على استقلال كل مرتبةٍ في معنى الإضاءة والاستضاءة، وأن التشبيه من باب التفريق، لا من باب أخذ الزبدة ولا التمثيل، وإلا فالظاهر أن يقال: مثل نوره كمصباح في زجاجةٍ في مشكاة، وإنما لم يقل: كمشكاةٍ فيها زجاجةٌ فيها مصباح على الترتيب السابق، فإن الكوة حاويةٌ للزجاجة وهي المصباح، ليلوح به إلى أن المطلوب المصباح، وأن الزجاجة تابعةٌ، وأن المقصود من القلب ذلك النور المقذوف فيه ولولاه لكان مضغةً لا يعبأ بها، ومن ثم جعل فاقدة فاقد القلب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولاحتجاب ذلك الهدى بهذه الحجب النورانية، ولكل منها ظهرٌ وبطنٌ، وحدٌ ومطلعٌ قلما يهتدي إليه إلا من اتبع رضوانه سبل السلام ليهديه إلى صراطٍ مستقيم، وفي قوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ الإشعار بأن هذه تقريباتٌ وتلويحاتٌ بحسب الاستعدادات، وأن بيان نوره الحقيقي لا يسعه نطاق التحرير، لكن الله بعلمه الواسع يعلم حقيقته والله بكل شيء عليم. وما أحسن طباق هذا التأويل مع قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، فقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ الآية، لكونهما للامتنان على المنزل إليهم، والتنبيه على عظم شأن هذه النعمة لتتلقى بالشكر الواجب. وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وأما قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية، فعطفٌ على سبيل التفسير على قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾، وفي إيقاع ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ مفعولًا
[ ١١ / ٩٩ ]
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ كصفة مشكاة، وهي الكوة في الجدار غير النافذة ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: سراجٌ ضخمٌ ثاقب ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ أراد قنديلًا من زجاج شاميٍّ أزهر. شبهه في زهرته بأحد الدراري من الكواكب، وهي المشاهير، كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيلٍ ونحوها. ﴿يُوقَدُ﴾ هذا المصباح ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: ابتداء ثقوبه من شجرة الزيتون، يعني: رويت ذبالته بزيتها. ﴿مُبَارَكَةٍ﴾: كثيرة المنافع. أو: لأنها نبتت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. وقيل: بارك فيها: أي: هذه الأرض، حيث دفن فيها سبعون نبيًا، منهم إبراهيم. وعن النبي - ﷺ -: "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به، فإنه
_________________
(١) ـ ليهدي، وجعله موصولًا، صلته ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ وجعل ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ مفعولًا فيه، و﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ هي المشكاة، والزجاجة والمصباح والشجرة أسرارٌ أدناها الإشعار بأن السالك لا ينفعه سلوكه إذا لم يخلص فيه، ولم يتبع رضوان الله تعالى، ولما أن متابعة الرضوان، وسلوك سبل السلام سببٌ لهداية الله إياه، أوقعه مفعولًا ليؤذن أن شكر تلك النعمة الخطيرة لا يحصل إلا بمتابعةٍ رضوان الله في سلوك سبل السلام، وأن شكره استزادةٌ لنعمةٍ أخرى أجل منها، ولتقييد تلك الهداية المطلقة، أعني: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، بهذه الهداية المفسرة المعللة، ويقيد الرضوان وسبل السلام المطلقتان بتلك الاستقامة المقيدة بالمجازاة لمشكاة الأنوار، فظهر بهذا التقرير الموافقة بين قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] وقوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيل)، ولم يذكر بقية السيارة، وهي: زحل وعطاردٌ والشمس والقمر، وذكر سهيلًا على انه ليس منها، لأنه أراد الكواكب المشهورة عند العرب، وإليه الإشارة بقوله: "وهي المشاهير"، وسهيلٌ من الأسماء التي جاءت مصغرةً كالثريا والكعيب والكميت.
[ ١١ / ١٠٠ ]
مصحةٌ من الباسور". ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: منبتها الشام. وأجود الزيتون: زيتون الشام. وقيل: لا في مضحًى ولا مقنأة، ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها، وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها. قال رسول - ﷺ -: "لا خير في شجرةٍ في مقنأة، ولا نباتٍ في مقنأة، ولا خير فيهما في مضحًى". وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعًا، فهي
_________________
(١) ـ قوله: (مصحةٌ من الباسور)، النهاية: وفي الحديث: "الصوم مصحةٌ"، يروى بكسر الصاد وفتحها، وهي مفعلةٌ من الصحة: العافية. الجوهري: الباسور، بالسين والصد جميعًا: علةٌ تحدث في مآق العين يسقي فلا ينقطع، وقد تحدث أيضًا في حوالي المقعدة. قوله: (ولا مقنأة)، المقنأة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس. النهاية: وفي حديث شريك: أنه جلس في مقنوءةٍ له، أي: موضع لا تطلع عليه الشمس، وهي المقنأة أيضًا، وقيل: هما مهموزان. قوله: (وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط)، في "المطلع": هذا كما يقال: فلانٌ لا مقيمٌ ولا مسافر، إذا كان يقيم ويسافر، يريد أنه ليس بمنفردٍ بإقامةٍ ولا سفر، قال الفرزدق: بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم … ولم تكثر القتلى به حين سلت يعني: شاموا سيوفهم، وأكثروا بها القتلى. هذا القول اختيار الزجاج.
[ ١١ / ١٠١ ]
شرقية وغربية. ثم وصف الزيت بالصفاء والوبيص، وأنه لتلألؤه ﴿يَكَادُ﴾ يضيء من غير نار. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي: هذا الذي شبهت به الحق نورٌ متضاعفٌ قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتى لم يبق مما يقوي النور ويزيده إشراقًا ويمده بإضاءةٍ بقيةٌ، وذلك أن المصباح إذا كان في مكانٍ متضايق- كالمكشاة- كان أضوأ له وأجمع لنوره، بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبث فيه، وينتشر، والقنديل أعون شيءٍ على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه. ﴿يَهْدِي اللَّهُ﴾ لهذا النور الثاقب ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده، أي: يوفق لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه، ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يمينًا وشمالًا. ومن لم يتدبر فهو كالأعمى الذي سواءٌ عليه جنح الليل الدامس، وضحوة النهار الشامس. وعن علي ﵁: (النور نور السماوات والأرض)، أي: نشر فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو: نور قلوب أهلها به. وعن أبي بن كعب: (مثل نور من آمن به). وقرئ: ﴿زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ بالفتح والكسر، و﴿دُرِّيٌّ﴾ منسوبٌ إلى الدر، أي: أبيض متلألئ. و(دُرِّيّءٌ) بوزن
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ بالفتح والكسر)، قال بان جني: قرأ نصر بن عاصم بفتح الزاي فيهما، وفيها ثلاث لغاتٍ: بالفتح والضم والكسر. قوله: (و﴿دُرِّيٌّ﴾)، أبو عمرو والكسائي: بكسر الدال والمد والهمزة، وأبو بكرٍ وحمزة: بضم الدال والهمز، والباقون: بضم الدال وتشديد الياء من غير همز. قال ابن جني: قرأ قتادة والضحاك: "دري" مخففةً، وسعيد بن مسيبٍ وغيره: "دُرِّيّء" مفتوحة الدال مشددة الراء مهموزةً، وهذه الأخيرة قراءةٌ غريبةٌ، وذلك أن "فعيلًا" بالفتح وتشديد العين عزيزٌ، وإنما حكى منه السكينة، بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد. وقال الزجاج: والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في "دُرِّيّء"، لأنه ليس في كلام
[ ١١ / ١٠٢ ]
سكيت، يدرأ الظلام بضوئه، و(دُرِّيءٌ) كمريق، و(دُرِّيءٌ) كالسكينة، عن أبي زيد، و(توقد) بمعنى: تتوقد، والفعل للزجاجة، و﴿يُوقَدُ﴾، و(توقد) بالتخفيف، و(يوقد)
_________________
(١) ـ العرب شيءٌ على "فعيل" بضم الفاء وتشديد العين، ولكن الكسر جيدٌ بالهمز على وزن "فعيل" من النجوم الدراري التي تدور، أي: ينحط ويسير متدافعًا، وجاز أن يكون دري بغير همز مخففًا، ولا يجوز أن يضم الدال ويهمز، لأنه ليس في الكلام فعيلٌ. روي عن أبي عبيدٍ أنه قال: أنا أرى له وجهًا، وهو أنه "دروءً" على "فعول" من: درأت، كسبوح، استثقل الضمات، فرد بعضها إلى الكسر كـ ﴿عِتِيًّا﴾. وفي "اللباب" و"فعيلٌ" غريبٌ ليس له نظيرٌ إلا مريقٌ والعلية، لأنه من: علا يعلو وكذلك السرية عند بعضهم، حكاها أبو علي. وقال الزجاج: مثال ﴿دُرِّيٌّ﴾: فعليٌ، منسوبٌ إلى الدر، من فتح الدال فقال: "دريٌ" كان له أن يهمز ولا يهمز، فمن همز أخذه من: درأ الكواكب يدرأ: إذا تدافع منقضًا، ومن كسر فإنما أصله الهمز فخفف وبقيت كسرة الدال على أصلها. قوله: (كمريق)، وهو حب العصفر والقرطم بالضم والكسر. الأساس: ثوب متمرق مصبوغٌ بالمريق، وهو العصفر. وأنشد في السكينة: تظنينني أقبل سكينةً … هيهات لا أقبل غير العتاق قوله: (و"توقد" بمعنى: تتوقد)، ابن كثيرٍ وأبو عمرو: "توقد"، بالتاء الفوقانية، وفتح الواو والدال والقاف مشددًا، وأبو بكرٍ وحمزة والكسائي: بالتاء مضمومةً وإسكان الواو وضم الدال مخففًا. والباقون: كذلك إلا أنهم قرؤوا بالياء.
[ ١١ / ١٠٣ ]
بالتشديد، و(يوقد) بفتح الياء وحذف التاء، لاجتماع حرفين زائدين، وهو غريب، و(يمسسه) بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي، والضمير فاصل.
_________________
(١) ـ قوله: (و"يوقد" بفتح الياء وحذف التاء)، قال ابن جني: قرأها السلمي والحسن وقتادة وغيرهم. وهي مشكلةٌ، لأن أصله: يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، والقياس في هذا إذا كانا مثلين نحو: تفكرون وتذكرون، فكره اجتماع مثلين زائدين، فحذف الثاني للخفة، وليس في "يتوقد" مثلان، لكنه شبه حرف مضارعةٍ بمثله، يعني الياء بالتاء لكونهما زائدتين، كما شبهت التاء والنون في تعد، ونعد بالياء في يعد فحذفت الواو معهما كما حذفت في يعد، ونحوٌ من هذا قراءة ﴿نُجِّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وهو يريد ﴿نُنْجِ﴾ فحذفت النون الثانية، وإن كانت أصليةً، شبهها لاجتماع المثلين بالزائدة، فشبه هاهنا أصلٌ بزائدٍ لاتفاق اللفظين، كما شبه هنا حرف مضارعةٍ بحرف مضارعةٍ لا للاتفاق، بل لأنهما جميعًا زائدتان. قوله: (و"يمسسه" بالياء)، قال ابن جني: وهي قراءة ابن عباس، وإنما حسن للفصل، ولأن التأنيث غير حقيقي، وإذا جاز في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] مع علامة التأنيث فيها فهو مع النار أمثل. وأما قولهم: نعم المرأة فإنما جاز وإن كان التأنيث حقيقيًا، ولا فصل من قبل إرادة الجنس، لأنها فاعل نعم، والأجناس على الشياع والتنكير، وإذا أضمر الفاعل في فعله وهو مؤنثٌ لم لم يحسن تذكير فعله حسنه إذا كان مظهرًا، فإن قولك: قام هندٌ أعذرُ من قولك: هندٌ قام، من قبل أن الفعل منصبغٌ بالفاعل المضمر فيه أشد من انصباغه به إذا كان مظهرًا، لأن أصل وضع الفعل: على التذكير. فإذا قلت: هندٌ قام، فالتذكير الآتي مخالفٌ للتأنيث السابق، فالنفس تعافه بأول استماعه، وقولك: قام هندٌ، فالنفس تقبل التذكير أو استماعه إلى أن يأتي التأنيث.
[ ١١ / ١٠٤ ]
[﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٣٦ - ٣٨].
﴿فِي بُيُوتٍ﴾: متعلقٌ بما قبله، أي كمشكاةٍ في بعض بيوت الله، وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت، أو بما بعده، وهو ﴿يُسَبِّحُ﴾، أي: يسبح له رجالٌ في بيوت. وفيها تكرير، كقولك: زيدٌ في الدار جالسٌ فيها، أو بمحذوف، كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آَيَاتٍ﴾ [النمل: ٢٧]، أي: سبحوا في بيوت. والمراد ب الإذن: الأمر. ورفعها: بناؤها، كقوله: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨]، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وعن ابن عباس: هي المساجد، أمر الله أن تبني. أو: تعظيمها والرفع من قدرها. وعن الحسن: ما أمر الله أن ترفع بالبناء، ولكن بالتعظيم.
و﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أوفق له، وهو عامً في كل ذكر. وعن ابن عباس: وأن يتلى
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فِي بُيُوتٍ﴾: متعلقٌ بما قبله، أي: كمشكاةٍ في بعض بيوت الله)، فإذن زيد في التشبيه تصوير بيوتٍ مخصوصة، فزيد في تفصيله، وهو على المفرق يزاد على الصدور المنشرحة المشبهة بالمشكاة الأبدان الزكية الطاهرة من أوضار الذنوب، النقية من الأدناس البشرية، كأبدان الأنبياء والأولياء المشبهة بالبيوت التي أذن الله أن ترفع. قال القاضي: ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة، إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبار وحدةٍ ولا كثرة. قوله: (أو تعظيمها)، عطفٌ على "بناؤها". قوله: (و﴿﴿يُذْكَرَ فِيهَا [اسْمُهُ]﴾ أوفق له، وهو عامٌ في كذل ذكر)، أي: أوفق للتعظيم
[ ١١ / ١٠٥ ]
فيها كتابه. وقرئ: (يسبح) على البناء للمفعول، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿لَهُ﴾ ﴿فِيهَا﴾ ﴿بِالْغُدُوِّ﴾.
_________________
(١) ـ من رفع البناء، قال القاضي: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا﴾ عامٌ فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله، والمباحثة في أحكامه، و﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾، أي: يصلون". قوله: (وقرئ: "يسبح" على البناء للمفعول)، ابن عامرٍ وأبو بكر، والباقون: على البناء للفاعل. قوله: (ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿لَهُ﴾ ﴿فِيهَا﴾ ﴿بِالْغُدُوِّ﴾، فحينئذٍ يجيء الكلام فيما يتصل بالفعل جزءًا وما ينفصل عنه فضلةٌ، ويتفرغ عليه معنى الاهتمام فيما قدم وأخر ومعنى الإسناد المجازي، فالوجوه ثلاثةٌ، والاعتبارات تسعةٌ، أحدها: أن تجعل الباء في ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ مزيدةً، ويسند الفعل إلى أوقات الغدو والآصال على الإسناد المجازي، لأن الله في الحقيقة هو المسبح، ولكن المسبحين لاهتمامهم بالتسبيح، وأن أوقاتهم مستغرقةٌ فيه، لا يفترون آناء الليل وأطراف النهار، كما قال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾، كأنها مسبحة. ويؤيده قوله: "على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحةً، والمراد ربها". ومنه قولك: زيدٌ نهاره صائم، وليله قائم، لكثرة صيامه بالنهار، وقيامه بالليل، فالتقديم إذن في الفضلات، لأن الأصل تقديم المسند إليها عليها، وتقديم المفعول فيه على المفعول له، لأن الغايات سابقةٌ في القصد، لاحقةٌ في الوجود، فقدم ﴿لَهُ﴾ لإرادة مزيد الاختصاص، كأنه قيل: يسبح أوقاته لأجله، وكرامةً لوجهه الكريم، لا لشيءٍ آخر. ويفيد تقديم ظرف المكان على الزمان- على أن الفعل أشد اتصالًا بالزمان لكونه جزأه- شدة العناية بإيثار تلك الأمكنة التي رفعت لذكر الله تعالى وتسبيحه. فهذه اعتباراتٌ أربعةٌ: اعتبار الإسناد، وتقديم المفعول له على المفعول فيه، وعلى ما أقيم مقام الفاعل، وتقديم ظرف المكان على الزمان.
[ ١١ / ١٠٦ ]
و﴿رِجَالٌ﴾: مرفوعٌ بما دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾، وهو يسبح له، و: (تسبح) بالتاء وكسر الباء. وعن أبي جعفر بالتاء وفتح الباء، ووجهها: أن يسند إلى أوقات الغدو والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة، والمراد ربها، كصيد عليه يومان، والمراد وحشهما. والآصال: جمع أصل، وهو العشي. والمعنى: بأوقات الغدو، أي:
_________________
(١) ـ وثانيها: أن تجعل اللام في ﴿لَهُ﴾ مزيدةً ويسند الفعل إلى الله تعالى بالحقيقة، فالتقديم حينئذٍ في الظرفين على ما سبق، اعتباران: اعتبار الإسناد الحقيقي، وتقديم ظرف المكان على الزمان. وثالثهما: أن تجعل "في" في ﴿فِيهَا﴾ مزيدةً ويسند الفعل إلى ضمير البيوت على المجازي، وفي ذلك أن المسبحين لشدة عنايتهم بالعكوف في بيوت الله وملازمتهم لها للذكر فيها، واختصاص الصلاة بها كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾، كأن البيوت مسبحةٌ، والمراد ربها، واللام في ﴿لَهُ﴾ بمعنى: لأجل، وتقديمه على ما سبق لمزيد الاختصاص، وأن إكرام الديار لساكنها، فالاعتبارات ثلاثة. والله تعالى أعلم. قوله: (و﴿رِجَالٌ﴾: مرفوعٌ بما دل عليه ﴿يُسَبِّحُ﴾، قال الزجاج: المعنى على أنه لما قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قيل: من يسبح؟ فقيل: يسبح له رجال. قوله: (كصيد عليه يومان)، قيل: الضمير للفرس، وقيل: للمركوب، واليومان: مصيدٌ فيهما، والأوقات مسبحٌ فيها، فهو من قبيل الاتساع في الظروف، كقوله: ويومٍ شهدناه سليمًا وعامرًا قوله: (والمعنى: بأوقات الغدو)، قال القاضي: و"الغدو" مصدرٌ أطلق للوقت، ولذلك حسن اقترانه بـ "الآصال".
[ ١١ / ١٠٧ ]
بالغدوات. وقرئ: (والإيصال)، وهو الدخول في الأصيل. يقال: آصل، كأظهر وأعتم. التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، فإما أن يريد: لا يشغلهم نوعٌ من هذه الصناعة، ثم خص البيع، لأنه في الإلهاء أدخل، من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعةٌ رابحة- وهي طلبته الكلية من صناعته- ألهته ما لا يلهيه شرى شيءٍ يتوقع فيه الربح في الوقت الثاني، لأن هذا يقينٌ وذلك مظنون، وإما أن يسمى الشرى تجارةً، إطلاقًا لاسم الجنس على النوع، كما تقول: رزق فلانٌ تجارةً رابحة، إذا اتجه له بيعٌ صالح أو شرى. وقيل: التجارة لأهل الجلب، تجر فلانٌ في كذا: إذا جلبه. التاء في "إقامة" عوضٌ من العين الساقطة للإعلال، والأصل: إقوام: فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، فأسقطت، ونحوه:
وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
_________________
(١) ـ قوله: (ثم خص البيع)، أي: التجارة، جنسٌ تحته أنواعٌ من الشرى والبيع وغيرهما، فخص البيع بالذكر، كما خص جبريل في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله: "وهي طلبته الكلية من صناعته" اعتراضٌ بين إ ذا وجوابه. قوله: (وقيل: التجارة لأهل الجلب)، لمن يجلب الأمتعة من بلدٍ إلى بلدٍ للبيع. الأساس: جلب الشيء واجتلبه، والجلب مرزوقٌ، واشتر من الجلب، فعلى هذا: لا حاجة إلى ذكر الشرى، فإنه إنما يجلب للبيع لا للشرى. قوله: (التاء في "إقامة" عوض)، قال الزجاج: أصلها: أقومت الصلاة إقومًا، ولكن قلبت الواو ألفًا، فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما، لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقامًا، وأدخلت الهاء عوضًا من المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة. قوله: (وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا)، صدره:
[ ١١ / ١٠٨ ]
وتقلب القلوب والأبصار: إما أن تتقلب وتتغير في أنفسها، وهو أن تضطرب من الهول والفزع وتشخص، كقوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، وإما أن تتقلب أحوالها وتتغير فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعًا عليها لا تفقه، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عميًا لا تبصر. ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: أحسن جزاء أعمالهم، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]، والمعنى: يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفًا ويزيدهم على الثواب تفضلًا. وكذلك معنى قوله: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: المثوبة الحسنى وزيادة عليها من التفضل.
وعطاء الله ﷿: إما تفضل، وإما ثواب، وإما عوض،
_________________
(١) ـ إن الخليط أجدوا البين فانجردوا أي: مضوا وأسرعوا. والخليط بمعنى المخالط، والمراد به الجمع، وعد الأمر، أي: العدة. قوله: (والمعنى: يسبحون ويخافون)، يريد أن قوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ صفةٌ بعد صفةٍ لرجال، والصفة الأولى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: تسبيح الله لقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾، فذكر الله مظهرٌ وضع موضع المضمر. قوله: (وكذلك معنى قوله: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، يعني: كما أن الزيادة في هذه الآية من الفضل، كذا يجب أن تفسر الزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، لأن المطلق محمولٌ على المقيد، إذا كانا عن سبب واحد، ولأنه إذا لم يذكر المزيد فوجب أن يكون من جنس المزيد عليه وإن كان من غير جنسه، فلابد من الذكر، كقولك: أعطاني فلانٌ دينارًا وزيادةً، إذا كانت الزيادةُ من جنس الدينار، ولا تقول: أردت بالزيادة الثواب فيبطل تفسير الزيادة بالرؤية كما هو مذهب أهل السنة، ولم يعلم أن الكل من فضله: الجزاء، والزيادة، والرؤية، وغير ذلك، وتفسير الزيادة بالرؤية واردٌ عن الصادق المصدوق كما سبق بيانه. قوله: (وعطاء الله تعالى إما تفضلٌ وإما ثوابٌ وإما عوض)، فالتفضل على ما سبق.
[ ١١ / ١٠٩ ]
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾ ما يتفضل به ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، فأما الثواب فله حساب، لكونه على حسب الاستحقاق.
[﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٣٩].
السراب: ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماءٌ يجري. والقيعة: بمعنى القاع، أو جمع قاعٍ، وهو المنبسط المستوي من الأرض، كجيرةٍ في جار.
وقرئ: (بقيعات) بتاء مموطة، كديماتٍ وقيمات، في ديمةٍ وقيمة. وقد جعل
_________________
(١) ـ في سورة النحل عن بعض العدلية هو: إيصال منفعةٍ خالصة إلى الغير من غير استحقاقٍ يستحق بذلك حمدًا وثناءً ومدحًا وتعظيمًا، ووصفٌ بأنه محسنٌ مجملٌ، وإن لم يفعله لم يستوجب بذلك مدحًا وذمًا. والثواب هو: الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن. قوله: (﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾ ما يتفضل به ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، يعني: ﴿يَرْزُقُ﴾ مطلقٌ يجب أن يقدر بأحد المذكورين: الجزاء أو التفضل، والأول ممتعٌ، لأنه بمعنى الثواب، والثواب له حسابٌ، فلا يقال فيه: بغير حساب، فبقي أن يقيد بالثاني، ويقال: والله يرزق ما يتفضل به بغير حساب. قوله: ("بقيعات" بتاء مموطة)، أي: ممدودة، قال ابن جني: "قيعاتٌ" بالتاء: جمع قيعة، كديمةٍ وديمات وقيمةٍ وقيمات، ويجوز أن يكون جمع قاعٍ، كنارٍ ونيرة، وجارٍ وجيرة، ومثله أخٌ وإخوة، لأن أخًا عندنا فعلٌ، وحكى عبد الله بن إبراهيم قال: سمعت
[ ١١ / ١١٠ ]
بعضهم (بقيعاةٍ) بتاءٍ مدورة، كرجلٍ عزهاة. شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر، بسرابٍ يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه
_________________
(١) ـ [مسلمة] يقرأ: كسراب بقيعاة، بالألف والهاء بعدها، نحو: فعلٍ وفعلاة، كرجل عزهٍ وعزهاة: الذي لا يقرب النساء واللهو. قوله: (بسراب يراه الكافر)، متعلقٌ بقوله: "شبه ما يعمله"، يعني: شبه الأعمال الصالحة ممن لا إيمان له، وهو يحسب أنها تنفعه ثم يخيب في العاقبة، بسرابٍ يراه الكافر، إلى آخره. إنما قيد المشبه به برؤية الكافر وجعل أحواله ما يلقاه يوم القيامة، ولم يجعلها مطلقًا، لأنه تعالى قيده بقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، لأنه من تتمة أحوال المشبه به، وهذا الأسلوب أبلغ، لأن خيبة الكافر أدخل، وحصوله على أمرٍ خلاف ما يأمله أعرق، ونحوه في التشبيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٧]، فإن الكافرين الظالمين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية، بخلاف مطلق الحرث، كذلك هاهنا. وما أدلة من قاطع على بطلان مذهب الفلاسفة، ومن يريد الهداية من غير المتابعة، فإنه يتوهم أن ما هو عليه من متابعة الوهم هو الحق البحت، فإذا تبين له في الخاتمة بطلانه، ووجد الله عنده، يعرف حينئذٍ: أفرسٌ تحته أم حمار؟ وقد غلب على مقتني يعلم المعقول الذين أضلهم الوهم المعلول الانتباه في آخر عهدهم، والتبري عنه في خاتمة أمرهم لما عرفوا أنه كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً. الراغب: الحسبان: أن يحكم لأحد نقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله فيحسبه، ويعقد ع ليه الأصبع، ويكون بمعرض أن يعتريه فيه شكٌ، ويقارب ذلك الظن، لكن الظن أن يخطر النقيضين بباله فيغلب أحدهما على الآخر. قوله: (بالساهرة)، الجوهري: يقال: الساهور: ظل الساهرة، وهي وجه الأرض، ومنه
[ ١١ / ١١١ ]
عطش يوم القيامة، فيحسبه ماءً، فيأتيه فلا يجد ما رجاه، ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنهم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣]، و﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام.
[﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٤٠]
اللجي: العميق الكثير الماء، منسوبٌ إلى اللج، وهو معظم ماء البحر. وفي ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع فيه. ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مبالغةٌ في: لم يرها، أي: لم يقرب أن يراها فضلًا عن أن يراها. ومثله قول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد … رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي: لم يقرب من البراح، فما باله يبرح! شبه أعمالهم أولًا في فوات نفعها وحضور
_________________
(١) ـ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، قال: هي الأرض البيضاء المستوية، سيمت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عينٌ ساهرةٌ: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة. قوله: (فيعتلونه)، الأساس: عتله: إذا أخذ بتلبيبه فجره إلى حبس أو نحوه ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧]. قوله: (وهم الذين قال الله فيهم)، يعني: من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق، ويعمل الأعمال الصالحة، وفسرت الآية في موضعها بأن قيل: عملت ونصبت في أعمالٍ لا يجدي عليها في الآخرة. قوله: (إذا غير النأي المحبين) البيت، الرسيس: الشيء الثابت الذي لزم من بقية
[ ١١ / ١١٢ ]
ضررها بسرابٍ لم يجده من خدعه من بعيدٍ شيئًا، ولم يكفه خيبةً وكمدًا أن لم يجده شيئًا كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، ولا تقتل ظمأه بالماء. وشبهها ثانيًا في ظلمتها وسوادها، لكونها باطلةً، وفي خلوها عن نور الحق بظلماتٍ متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، ثم قال: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة الباطل لا نور له.
وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات، لأن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل، أو كونهما مترقبين، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]،
_________________
(١) ـ هوًى أو سقمٍ في البدن. يبرح: أي: يزول، يقال: برح برحًا: إذا زال من موضعه، ومنه: لا أبرح كذا أي: لا أزال. قوله: (ومن لم يوله- أي: لم يعطه- نور توفيقه وعصمته ولطفه فهو في ظلمة الباطل)، يريد: أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، ظاهره: أن من لم يخلق الله تعالى فيه الإيمان والعمل الصالح ليس له إيمانٌ ولا عملٌ، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، لأنه تذييلٌ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ إلى آخره. ولما لم يوافق مذهبه، عدل من التصريح إلى التلويح وقال: "ومن لم يوله نور توفيقه" فيكون المضاف إليه محذوفًا والجملة كما هي مع الحذف كنايةً عن عدم إيمانهم وعملهم الصالح، لأن الإلطاف لازم الإيمان، والعمل الصالح. قوله: (أو كونهما مترقبين)، نصب عطفٍ على "الإيمان والعمل"، أي: الإلطاف إما أن يكون لازمًا للإيمان والعمل الصالح أو لازمًا لترقب حصولهما. وقال صاحب "التقريب": التقدير: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته فما له من نور: لا نور لطف التوفيق الذي يسبق الإيمان والعمل الصالح المترقبين، ولا نور العصمة الذي يردف ويلحق الإيمان والعمل الحاصلين. وقلت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٥] استشهادٌ لقوله: "إن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل"، لأن الهداية هي الدلالة، ولذلك فسره في موضعه بقوله: "لنزيدنهم هدايةً إلى سبيل الخير وتوفيقه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
[ ١١ / ١١٣ ]
وقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]؟ وقرئ: (سحاب ظلماتٍ) على الإضافة. و(سحابٌ ظلماتٍ)، برفع "سحابٌ)، برفع "سحابٌ" وتنوينه وجر "ظلماتٍ" بدلًا من "ظلماتٍ" الأولى.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٤١ - ٤٢].
﴿صَافَّاتٍ﴾: يصففن أجنحتهن في الهواء. والضمير في ﴿صَافَّاتٍ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله، وكذلك في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ والصلاة: الدعاء. ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ
_________________
(١) ـ زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٠] "، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] دلٌ على أن إضلال الله تعالى مسبوقٌ بظلمهم. وقال في تفسيره: إن مشيئة الله تعالى تابعةٌ لحكمته، من إضلال الظالمين وخلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم، وكل ذلك تكلفاتٌ وتعسفاتٌ عن الطريق السوي. قوله: (والضمير في ﴿عَلِمَ﴾ لـ ﴿كُلٌّ﴾ أو لله تعالى، وكذلك في ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، قال صاحب "التقريب": إذا عاد ضمير ﴿عَلِمَ﴾ إلى الله تعالى فليعد الأخيران إلى "كلٌّ"، لئلا يخلو المبتدأ عن عائدٍ إليه، إلا أن يقدر منه. وقلت: الضمير إذا كان لـ ﴿كُلٌّ﴾، كان قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تكميلًا لإرداف العظمة الكاملة والقدرة التامة صفة العلم الشاملة، وإذا كان لله تعالى كان تذييلًا لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ثم الآية بجملتها مع ما يتلوها من الآيات المشتملة على دلائل الآفاق والأنفس مستطردةٌ لذكر التسبيح في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾، ثم قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ جيء به تكريرًا وترجيعًا لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ الآية، ليتخلص منه إلى نوع آخر من قبائح رأس النفاق وذويه.
[ ١١ / ١١٤ ]
وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٤٣ - ٤٤].
﴿يُزْجِي﴾: يسوق. ومنه: البضاعة المزجاة: التي يزجيها كل أحدٍ لا يرضاها. والسحاب يكون واحدًا، كالعماء، وجمعًا كالرباب.
ومعنى تأليف الواحد: أنه يكون قزعًا فيضم بعضه إلى بعض. وجاز بينه وهو واحدٌ، لأن المعنى: بين أجزائه، كما قيل في قوله:
بين الدخول فحومل
والركام: المتراكم بعضه فوق بعض.
_________________
(١) ـ قوله: (والسحاب يكون واحدًا كالعماء)، قال أبو زيد: هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال. والرباب: السحاب الأبيض، الواحد: ربابة. القزع: قطعٌ من السحاب رقيقة، الواحد: قزعة. الراغب: أصل السحب: الجر، كسحب الذيل، ومنه السحاب إما لجر الريح له، أو لانجراره في مره. والسحاب: الغيم فيه ماءٌ، أو لم يكن، ولهذا يقال: سحابٌ جهام. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، وقد يذكر السحاب، ويراد بها الظل والظلمة على طريق التشبيه: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [الآية: ٤٠]. يقال: سحابٌ مركوم، أي: متراكم، والركام: ما يلقى بعضه على بعض، والركان يوصف به الرمل والجيش، ومرتكم الطريق: جادته التي فيها ركمةٌ، أي: أثرٌ متراكم. قوله: (كما قيل في قوله: بين الدخول فحومل)، أوله: قفا نبك من ذكري حبيبٍ ومنزل … بسقط اللوى بين الدخول فحومل
[ ١١ / ١١٥ ]
والودق: المطر. ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: من فتوقه ومخارجه، جمع خلل، كجبالٍ في جبل. وقرئ: (من خلله)، ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد، و(يكاد سنا) على الإدغام، و(برقه) جمع برقة، وهي المقدار من البرق، كالغرمة واللقمة، و(برقه) بضمتين للإتباع، كما قيل في جمع فعلة، فعلات، كظلمات، (وسناء برقة) على المد المقصور، بمعنى الضوء،
_________________
(١) ـ قال ابن الأنباري: الدخول، وحومل، والمقراة: منازل كلاب. اعلم أن الفاء في "فحومل" هي المانعة من دخول "بين" على "حومل". قال الأصمعي: لا يقال: رأيتك بين زيدٍ فعمرو، بالفاء وقال الفراء: معناه: بين أهل الدخول، فأهل حومل. وذهب المصنف إلى أن كلًا من الدخول وحومل مكانٌ ذو قطع متجاورات، فالبين داخلٌ على كل واحدٍ منهما على التأويل، أي: بين أماكن الدخول فأماكن الحومل. وقال الزجاج: جاز: ما زلت أدور بين الكوفة، ولم يجز أدور بين زيدٍ حتى تقول: وعمرو، لأن الكوفة اسمٌ يتضمن أمكنةً كثيرة، فكأنك قلت: ما زلت أدور بين طرق الكوفة. قوله: (والودق: المطر)، الراغب: الودق: قيل: ما يكون خلال المطر كأنه غبار. وقد يعبر به عن المطر كما في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، ويقال لما يبدو في الهواء عند شدة الحر: وديقة. قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد)، قرأ كلهم إلا ابن كثيرٍ وأبا عمروٍ: "يكاد سنا"، على الإدغام: السوسي عن أبي عمرو. قوله: (و"سناء برقه")، قال ابن جني: هي قراءة طلحة بن مصرف. السناء ممدودًا: الشرف، يقال: رجلٌ ظاهر النبل والسناء، والسنا مقصورًا: الضوء، وعليه قراءة الكافة.
[ ١١ / ١١٦ ]
والممدود بمعنى العلو والارتفاع، من قولك: سني، للمرتفع، و(يذهب بالأبصار) على زيادة الباء، كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، عن أبي جعفر المدني. وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته وظهور أمره، حيث ذكر تسبيح من في السماوات والأرض وكل ما يطير بين السماء والأرض، ودعاءهم له، وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه وما يحدث فيه من أفعاله حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب الذي يكاد يخطف أبصارهم، ليعتبروا ويحذروا، ويعاقب بين الليل والنهار، ويخالف بينهما بالطول والقصر، وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده وثباته، ودلائل مناديةٌ على صفاته، لمن نظر وفكر وتبصر وتدبر. فإن قلت: متى رأى
_________________
(١) ـ ويجوز أن يكون الممدود للمبالغة في قوة ضوئه وصفائه، كقولك: هذا ضوءٌ كريم، أي: هو في غاية قوته وإنارته، فلو كان إنسانًا لكان كريمًا شريفًا. قوله: (على زيادة الباء)، قال الزجاج: لم يقرأ بها غير أبي جعفرٍ المدني، ووجهها في العربية ضعيفٌ، لأن العرب تقول: ذهبت به وأذهبته. والمصنف ذهب إلى أنها للتأكيد، وقد نقلنا في سورة المؤمنين عن الحريري جواز الجمع بين حرفي التعدية، وعليه قراءة من قرأ: "تنبت بالدهن"، بضم التاء. قوله: (وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته)، هذا إشارةٌ إلى المذكور من ابتداء قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾، وتلك الدلائل تسبيح من في السموات وتسبيح الطير، ودعاؤهم، وتسخير السحاب، وقسمة رحمته بين خلقه يصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وإراءته وسناه بحيث يخطف أبصارهم، وتقليبه الليل والنهار بالطول والقصر. قوله: (وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده [وثباته]، ودلائل مناديةٌ على صفاته)، يعني: وجود هذه الأشياء يدل على وجود مبدعها وخالقها، لأن الممكن لابد له
[ ١١ / ١١٧ ]
رسول الله - ﷺ - تسبيح من في السماوات ودعاءهم، وتسبيح الطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال بردٍ في السماء، حتى قيل له: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؟ قلت: علمه من جهة إخبار الله إياه بذلك على طريق الوحي. فإن قلت: ما الفرق بين ﴿مَنْ﴾ الأولى والثانية والثالثة في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾، ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾، ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾؟ قلت: الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة للبيان. أو الأوليان للابتداء، والآخرة للتبعيض. ومعناه: أنه ينزل البرد من السماء من جبالٍ فيها، وعلى الأول مفعول ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾. فإن قلت: ما معنى ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾؟ قلت: فيه معنيان، أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبال بردٍ كما خلق في الأرض جبال حجر. والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال، كما
_________________
(١) ـ من موجدٍ يوجده، وكونها واقعةً على صفاتٍ عجيبةٍ غريبة تدل على علم منشئها، وحكمة مفطرها، ولذلك قال: "لمن نظر وفكر وتبصر" على النشر. قوله: (علمه من جهة إخبار الله تعالى … على طريق الوحي)، قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: علمه بالمكاشفة، وبنور زائد على نور العقل، أو بإرادة الله تعالى إياه كما أرى إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥]. قوله: (والثالثة للبيان)، قال القاضي: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾: بيانٌ للجبال، والمفعول محذوفٌ، أي: ينزل مبتدئًا من السماء من جبالٍ فيها من برد. قوله: (أن يريد الكثرة بذكر الجبال)، قال القاضي: أي: من قطعٍ عظام تشبه الجبال في عظمها، وقيل: المراد بالسماء المظلة، وفيها جبالٌ من بردٍ كما في الأرض جبالٌ من حجر، وليس في العقل قاطعٌ يمنعه.
[ ١١ / ١١٨ ]
يقال: فلانٌ يملك جبالًا من ذهب.
[﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤٥]
وقرئ: (خلق كل دابة). ولما كان اسم الدابة موقعًا على المميز وغير المميز، غلب المميز فأعطي ما وراءه حكمه، كأن الدواب كلهم مميزون، فمن ثم قيل: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، وقيل: ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ في الماشي على بطنٍ والماشي على أربع قوائم. فإن قلت: لم نكر الماء في قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؟ قلت: لأن المعنى: أنه خلق كل دابة من نوعٍ من الماء
_________________
(١) ـ قوله: (فمن ثم قيل)، تفريع لما بعده على ما قبله، يعني: ضمن قوله: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ معنى التغليب، ولذلك أتى بضمير العقلاء وضم معه من المختص بالمميزين، ولولا إرادة التغليب لم يستقم قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي﴾ إلى آخره. وتلخيصه أن الأول مجملٌ في إرادة التغليب، فبين بالثاني المراد منه، كما أن قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قرينةٌ دالةٌ على إرادة التغليب في ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٠]، ولو حمل على باب قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]، وجمعه بالواو والنون لجاز، لأن الكلام لما كان مسوقًا لإظهار قدرة الله وكمال حكمته، وأن هذه الأشياء دلائل دالةٌ مرشدةٌ على ذلك، أجري عليها ما كان مجري على العقلاء، ومن ثم قدم الماشي على البطن على الماشي على القدمين وعلى الأربع، لأن الأول أدل على القدرة، والثاني من الثالث. قوله: (لأن المعنى أنه خلق كل دائبةٍ من نوع من الماء)، تلخيص الجواب: أن التنكير إما للإفراد نوعًا، فإنه تعالى خلق كل نوع من أنواع الدواب من ماءٍ مختص بذلك النوع، فخلق نوع الإنسان من ماءٍ مختص به، وخلق الفرس من ماءٍ مختص به، وعلى هذا، وإما للإفراد شخصًا، فإنه تعالى خلق كل دابةٍ من ماءٍ مخصوصٍ بها وهو النطفة، ثم اختلفت هذه
[ ١١ / ١١٩ ]
مختص بتلك الدابة، أو: خلقها من ماءٍ مخصوص، وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة، فمنها هوام، ومنها بهائم، ومنها ناس، ونحوه قوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]. فإن قلت: فما باله معرفًا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]؟ قلت: قصد ثم معنى آخر، وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقةٌ من هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط، قالوا: خلق الملائكة من ريحٍ خلقها من الماء، والجن من نارٍ خلقها منه، وآدم من ترابٍ خلقه منه. فإن قلت: لما جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟ قلت: قدم ما هو أعرف في القدرة، وهو الماشي بغير آلة مشيٍ من أرجلٍ أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع. فإن قلت: لم سمي الزحف على البطن مشيًا؟ قلت: على سبيل الاستعارة، كما قالوا في
_________________
(١) ـ النطفة بحسب اختلاف الدواب. وقال القاضي: هذا على تنزيل الغالب منزلة الكل، إذ من الحيوانات ما يتولد لا من نطفة. قوله: (قصد ثمة معنًى آخر)، يعني: قصد هاهنا إلى معنى الإفراد شخصًا أو نوعًا كما سبق، فنكر الماء وقصد ثمة إلى معنى الجنس وأن حقيقة الماء مبدأ كل شيءٍ حي فعرفه، وأشار إلى صاحب "المفتاح" حيث قال: أي: وجعلنا مبدأ كل شيءٍ حي هذا الجنس الذي هو جنس الماء. وقال صاحب "الانتصاف": وتحرير الفرق أن الأولى: بين أن القدرة خلقت من واحدٍ أشياء مختلفةً، والثانية: القصد فيها خلق الأشياء المتفقة من جنس الماء المختلف، فالأولى: إخراج مختلفٍ من متفق، والثانية: إخراج متفقٍ من مختلف. قوله: (على سبيل الاستعارة)، أي: استعير للزحف على البطن المشي، جعله المصنف
[ ١١ / ١٢٠ ]
الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر، ويقال: فلانٌ لا يتمشى له أمر. ونحوه استعارة الشفة مكان الجحفلة، والمشفر مكان الشفة، ونحو ذلك، أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين.
[﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤٦ - ٤٧]
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى القائلين: آمنا وأطعنا. أو إلى الفريق المتولي منهم، فمعناه على الأول: إعلامٌ من الله بأن جميعهم منتفٍ عنهم الإيمان، لا الفريق
_________________
(١) ـ من قبيل الاستعارة، حيث قال: "كما قالوا في الأمر المستمر، قد مشى هذا الأمر"، لكن قوله: "استعارة الشفة مكان الجحفلة"، ينبئ أنه ليس من قبيل الاستعارة، لأنه عند صاحب "المفتاح" مجازٌ مرسلٌ خالٍ عن الفائدة. قال: كما استعمل المرسن في أنف إنسان، وأنه موضوعٌ لمعنى الأنف مع قيد أن يكون مرسونًا، وإنما كان خاليًا عن الفائدة، لأن المرسن والأنف كالمترادفين. والحق أن ما في الآية من المجاز المرسل لا الاستعارة. قوله: (الجحفلة)، الجوهري: للحافر كالشفة للإنسان. قوله: (فمعناه على الأول: إعلام)، إذا قدر ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى القائلين ﴿آَمَنَّا﴾ يكون ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبة، إيذانًا بارتفاع درجة كفر الفريق المتولي منهم، وانحطاط درجة أولئك، وعلى أن يكون إشارةً إلى الفريق المتولي منهم يكون ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: كيف يدخولن في زمرة المؤمنين الذين يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يعرضون، ويتجاوزون عن الفريق المؤمنين، ويرغبون عن تلك المقالة؟ وهذا بعيدٌ عن العاقل المميز. يؤيد هذا التأويل سؤال الإمام: فإن قيل: كيف حكي عن كلهم أنهم يقولون: آمنا، ثم حكي عن فريقٍ منهم التولي، وكيف يصح أن يقول في جميعهم: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾؟
[ ١١ / ١٢١ ]
المتولي وحده. وعلى الثاني: إعلامٌ بأن الفريق المتولي لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيمانًا، إنما كان ادعاءً باللسان من غير مواطأة القلب، لأنه لو كان صادرًا عن صحة معتقدٍ وطمأنينة نفس: لم يتعقبه التولي والإعراض. والتعريف في قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ دلالةٌ على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت، وهم الثابتون المستقيمون على الإيمان، الموصوفون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥].
[﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ٤٨ - ٤٩].
معنى ﴿إلى الله ورسوله﴾: إلى رسول الله، كقولك: أعجبني زيدٌ وكرمه، تريد: كرم زيد. ومنه قوله:
غلسته قبل القطا وفرطه
_________________
(١) ـ وجوابه المشار إليه بقوله: "أولئك الذين تولوا"، لا الجملة الأولى، ولو رجع إلى الأولى، ولو رجع إلى الأولى يصح أيضًا. وأما معنى تكرير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ فإنه من باب الترجيع والشروع في مشرعٍ آخر من ذكر المنافقين وأحوالهم. قوله: (معنى ﴿إلى الله ورسوله﴾: إلى رسول الله)، أي: ذكر "الله" هنا تمهيدٌ لذكر رسول الله - ﷺ -، وإشعارٌ بإظهار مكانته - ﷺ -، يؤيده إفراد الضمير في قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ وقوله: ﴿يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾. قوله: (غلسته قبل القطا وفرطه)، أوله في "المطلع": ومنهلٍ من الفلا في أوسطه
[ ١١ / ١٢٢ ]
أراد: قبل فرط القطا. روي: أنها نزلت في بشرٍ المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله، والمنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، ويقول: إن محمدًا يحيف علينا.
وروي: أن المغيرة بن وائلٍ كان بينه وبين علي بن أبي طالب ﵁ خصومةٌ في ماءٍ وأرض، فقال المغيرة: أما محمدٌ فلست آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني وأن أخاف أن يحيف علي. ﴿إِلَيْهِ﴾: صلة ﴿يَاتُوا﴾، لأن "أتى" و"جاء" جاءا معديين بـ "إلى"، أو يتصل بـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾، لأن في معنى: مسرعين في الطاعة، وهذا أحسن لتقدم صلته ودلالته على الاختصاص.
والمعنى: أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحت، يزورون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق، لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حقٌ على خصمٍ أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذهم لهم ما ذاب لهم في ذمة الخصم.
_________________
(١) ـ الغلس: ظلمة الليل، والتغليس: السير بغلس، والفرط: جمع الفارط كالركع والراكع وهو السابق إلى الماء قبل الواردة ليهيئ لهم الدلاء. قوله: (الحق المر)، أي: الحكم الذي يلحقهم بسماعه مرارةٌ في أفواههم، وهو كنايةٌ عن الكراهة. النهاية: قال شريحٌ لجماعةٍ أرادوا أن يحلفوا على شيء "لتركبن منه مرارة الذقن" أي: ما يمر في أفواهكم وألسنتكم التي بين أذقانكم. قوله: (البحت)، أي: الخالص، "يزورون" أي: يعدلون عنه ويميلون. قوله: (وإن ثبت لهم حقٌ على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك)، دل على الحصر تقديم صلة ﴿مُذْعِنِينَ﴾ عليه. قوله: (ما ذاب لهم)، أي: ما وجب. الأساس: ومن المجاز: ذاب لي عليه حقٌ: ثبت
[ ١١ / ١٢٣ ]
[﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ ٥٠].
ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه. ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا يخافون أن يحيف
_________________
(١) ـ ووجب، ويقال لمن أنضج حاجة إنسانٍ وأتمها: أذاب حاجته. ومن قول المنصور لابن عمران: بلغني أنك لبخيلٌ، فقال: ما أجمد في حقٌ، ولا أذوب في باطل. قوله: (ثم أبطل خوفهم حيفه)، يريد أنه تعالى أراد أن يبين أن صدودهم عن رسول الله - ﷺ - إذا كان الحق عليهم كان باطلًا فجاء بالتقسيم، أي: لا يخلو أن نشأ ذلك الصدود عن نفاقهم وكفرهم، فإنهم لا يصدقونه في شيء، أو عن عدم ثباتهم في الإيمان ورسوخهم فيه فيرتابون فيه وفي أحكامه، أو عرفوا أنه يحكم بالحق وهم يريدون الباطل، فجيء بقوله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ إضرابًا عما أثبته "بل" في ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ﴾. قال القاضي: بل إضرابٌ عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم الأول. ووجه التقسيم: أن امتناعهم إما أن يكون لخلل فيهم، أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققًا عندهم أو متوقعًا، وكلاهما باطلان، أما الأول فظاهرٌ، وأما الثاني فلأن منصب نبوته، وفرط أمانته يمنعه، فتعين الأول، وظلمهم يعم خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف. وفسر القاضي قوله: ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ بقوله: بأن رأوا منك تهمةً، فزال يقينهم بك. وهذا معنى قوله: "أو مرتابين في أمر نبوته".
[ ١١ / ١٢٤ ]
عليهم، لمعرفتهم بحاله، وإنما هو ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ويتم لهم جحوده، وذلك شيءٌ لا يستطيعونه في مجلس رسول الله - ﷺ -، فمن ثم يأبون المحاكمة إليه.
[﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥١].
وعن الحسن: (قول المؤمنين) بالرفع، والنصب أقوى، لأن أولى الاسمين بكونه اسمًا لـ "كان" أو غلهما في التعريف، و﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أو غل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير، بخلاف (قول المؤمنين)، وكان هذا من قبيل "كان" في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦].
_________________
(١) ـ وقلت: الحق أن "بل" إضرابٌ عن نفس التقسيم، يعني: دع التقسيم، فإنهم هم الكاملون في الظلم الجامعون لتلك الأوصاف على الكمال، فلذلك صدوا عن حكومتك، يدل عليه إتيان اسم الإشارة، والخطاب، وتعريف الخبر بلام الجنس، وتوسيط ضمير الفصل، والله تعالى أعلم. قوله: (والنصب أقوى)، قال ابن جني: والرفع قراءة علي ﵁ والحسن، والنصب قراءة الجماعة. وهو أقوى، لأن من شرط اسم كان أن يكون أعرف من خبرها، وقوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ أعرف من: ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، لأن "أن" وصلتها تشبه المضمر من حيث إنه لا يجوز وصفها، كما لا يجوز وصف المضمر، والمضمر أعرف، ومثله: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [الأعراف: ٨٢]. وقال صاحب "المطلع": أن يقولوا أوغل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير، بخلاف قول المؤمنين، لأنه يحتمل أن يختزل عنه الإضافة فبقي منكرًا. قوله: (وكان هذا من قبيل "كان") أي: لفظة "كان" هنا من قبيل "كان" في قوله:
[ ١١ / ١٢٥ ]
وقرئ: (ليحكم) على البناء للمفعول. فإن قلت: إلام أسند (يحكم) ولابد له من فاعل؟ قلت: هو مسندٌ إلى مصدره، لأن معناه: ليفعل الحكم بينهم، ومثله: جمع بينهما، وألف بينهما. ومثله ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمن قرأ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ منصوبًا، أي: وقع التقطع بينكم. وهذه القراءة مجاوبةٌ لقوله: ﴿دُعُوُا﴾.
_________________
(١) ـ ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، أي: بمعنى: ما يصح وما ينبغي وما يستقيم، قال صاحب "المطلع": إنما صح واستقام أن يقول المؤمنون: سمعنا وأطعنا، ولهذا قال الفراء في معناه: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. والتحقيق في هذا التركيب ما ذكره صاحب "الانتصاف". قال: فائدة دخول "كان" المبالغة في نفي الفعل الداخل هو عليه بتعديد جهة نفيه عمومًا باعتبار الكون وخصوصًا باعتبار خصوصية الفعل بعد ما كان، فهو نفيٌ مرتين. وقال القاضي: من عادته تعالى إتباع ذكر المبطل ذكر المحق، والفصل لنفي ما أثبت فيهم عن غيرهم والتنبيه على ما ينبغي يبعد إنكاره لما لا ينبغي. قوله: (وهذه القراءة مجاوبةٌ لقوله: ﴿دُعُوُا﴾، يعني: أن المدعو إليه في الآية: الله تعالى ورسوله صلوات الله عليه، و﴿لِيَحْكُمَ﴾ على القراءة المشهورة: مسندٌ إلى ضمير الرسول - ﷺ - وحده، فاحتيج- للتجاوب بين الكلامين- إلى أن يقال: إن ذكر الله تمهيدٌ، كقولك: أعجبني زيدٌ وكرمه. وأما إذا قرئ: "ليحكم"، مجهولًا، وأسند إلى المصدر، يعم الحاكم فيقع التجاوب بينهما ولم يفتقر إلى ذلك التأويل.
[ ١١ / ١٢٦ ]
[﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٥٢].
قرئ: (ويتقه) بكسر القاف والهاء مع الوصل وبغير وصل، وبسكون الهاء، وبسكون القاف وكسر القاف وكسر الهاء. شبه تقه بكتف فخفف، كقوله:
قالت سليمي: اشتر لنا سويقا
ولقد جمع الله سبحانه في هذه الآية أسباب الفوز.
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: "ويتقه" بكسر القاف والهاء مع الوصل)، قرأها نافعٌ وابن كثيرٍ وابن ذكوان والكسائي وخلفٌ، وبغير وصل: قالون عن نافعٍ وعن هشامٍ رواية، وبسكون الهاء: أبو عمرو وأبو بكرٍ وخلادٌ، وسكون القاف وكسر الهاء: حفص. قال صاحب "المطلع": قراءة العامة: "ويتقهي" بياءٍ ملفوظةٍ بعد الهاء، وهو الأصل فيما إذا تحرك الحرف قبل الهاء كما في يؤده ويؤته. وروي عن نافع بكسر الهاء ولا يبلغ بها الياء، لأن حركة ما قبل الهاء ليست تلزم، ألا ترى أنه اختير حذف الياء في ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ في الرفع مثل عليه؟ وقرأ أبو عمرو: "ويتقه" ساكنة الهاء، وذلك أن ما يلحق هذه الهاء من الواو ومن الياء زائدٌ، فرد إلى الأصل وحذف الزيادة. وقرأ حفصٌ ساكنة القاف مكسورة الهاء. قال ابن الأنباري: وهو على لغة من يقول: لم أر زيدًا، ولم أشتر طعامًا ولم يتق زيدًا، يسقطون الياء منه للجزم، ثم يسكنون ما قبلها، قال: ومن يتق فإن الله معه … ورزق الله مؤتابٌ وغاد قوله: (قالت سليمى: اشتر لنا سويقا)، تمامه: وهات خبز البر أو دقيقا شبه المنفصل بالمتصل فصار نزل فلذا خفف. قوله: (ولقد جمع الله في هذه الآية أسباب الفوز)، يعني: الفاء في ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ
[ ١١ / ١٢٧ ]
وعن ابن عباس ﵁ في تفسيرها: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في فرائضه ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في سننه ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل. وعن بعض الملوك: أنه سأل عن آيةٍ كافية، فتليت له هذه الآية.
[﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥٣].
جهد يمينه: مستعارٌ من جهد نفسه: إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها.
وعن ابن عباسٍ ﵁: من قال: بالله، فقد جهد يمينه. وأصل: "أقسم جهد اليمين": أقسم يجهد اليمين جهدًا، فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه
_________________
(١) ـ الْفَائِزُونَ﴾ جزائيةٌ، مؤنةٌ بأن ما بعدها مسببةٌ عما قبلها، مما تضمنه الشرط من طاعة الله وطاعة رسوله، والخشية والتقوى، هي جامعةٌ لعموم أحوال المكلف، فإن الواجب عليه في الآن هو فيه طاعة الله وطاعة رسوله، وخشية الله على ما مضي، إن فرط منه تقصيرٌ فيتداركه، وتقوى الله فيما يستقبل من ترك ما يجب عليه أن يذره، والإتيان بما يجب عليه إتيانه، كما أشار إليه حبر الأمة، فعم الأوقات بأسرها والأفعال بأجمعها، من فعل ما ينبغي، وترك ما لا ينبغي، ولذلك قيل: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، أي الكاملون في الفوز بمباغيهم ومطالبهم. ثم الآية كما هي تذييلٌ لما سبق، وتعريضٌ بالمؤمنين الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وبالمنافقين الذين يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، إلى قوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآيات، بأن الأولين هم الفائزون بمباغيهم، والآخرين هم الدامرون الخاسرون، فالآية من الجوامع. قوله: (أقسم يجهد اليمين جهدًا)، هو كقولك: فلانٌ جهد نفسه، أي: يستفرغ طاقته، وكأن لليمين وسعًا وطاقةً وهو يجهد في استفراغه منها، وإليه الإشارة بقوله: "جهد يمينه" مستعارٌ من جهد نفسه، النهاية: جهد الرجل في الشيء: إذا جد فيه وبالغ، ومنه الجهاد، وهو استفراغ ما في الوسع والطاقة من قولٍ أو فعل. والاجتهاد: بذل الوسع في طلب أمر.
[ ١١ / ١٢٨ ]
مضافًا إلى المفعول، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: جاهدين أيمانهم. و﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خبر مبتدإٍ محذوف، أو مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: أمركم والذي يطلب منكم طاعةٌ معروفةٌ معلومة لا يشك فيها
_________________
(١) ـ الراغب: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم، والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة، ويقال: جهدت رأيي وأجهدته: أتعبته بالفكر، والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. وأقسم: أي: حلف، وأصله من القسامة، وهو أيمانٌ تقسم على أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حلف. وقسيم الوجه، أي: صبيحة، والقسامة: الحسن، وأصله من القسمة، كأنما أوتي كل موضع نصيبه من الحسن ولم يتفاوت، وقيل: إنما قيل: مقسم، لأنه يقسم بحسنه الطرف، ولا يثبت في موضع دون موضع. قوله: (أي: أمركم والذي يطلب منكم)، إلى آخره، هذه الوجوه يجمعها معنيان بحسب تفسير "المعروفة" وذلك أن المنافقين كانوا يبالغون في الإقسام بأنك إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا خرجنا، فقيل لهم: طاعةٌ معروفة، أي: معروفةٌ بالفعل لا يشك فيها أنها طاعةٌ معروفةٌ بأنها القول دون الفعل، فإذا فسرت بالفعل احتمل أن يكون خبر مبتدأٍ محذوفٍ كما قال أولًا: أمركم والذي يطلب منكم طاعةٌ معروفةٌ معلومةٌ لا يشك فيها، كطاعة الخلص من المؤمنين، فإنهم إذا استنفروا إلى الجهاد خرجوا من ديارهم وأموالهم من غير ريثٍ ولا إقسام، أو مبتدأٌ خبره محذوف، بأن يقال: طاعةٌ معروفةٌ، أي: بالفعل أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، فقوله: "بكم" متعلقٌ بالأمثل والأولى على التنازع، وإذا فسرت بالقول وبما عرف منهم ومن أمثالهم أنها طاعةٌ بالقول دون الفعل، كان خبر مبتدأٍ محذوف، فيقال طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ بأنها بالقول دون الفعل. واختيار الزجاج الوجه الثاني من التقرير الأول، حيث قال: طاعةٌ معروفةٌ أمثل، أي: أمثل من قسمكم
[ ١١ / ١٢٩ ]
ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمانٌ تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها. أو: طاعتكم طاعةٌ معروفة بأنها بالقول دون الفعل. أو طاعةٌ معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة.
وقرأ اليزيدي: (طاعةً معروفةً) بالنصب على معنى: أطيعوا طاعةً ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيءٌ من سرائركم، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.
[﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥٤].
صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم.
_________________
(١) ـ بما لا تصدقون فيه، وفي الكلام دليلٌ عليه، لأنه قال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ والله ﷿ من وراء ما في قلوبهم، فقال: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال: ويجوز: "طاعةً معروفةً" على معنى: أطيعوا طاعةً معروفةً، لأنهم أقسموا إذا أمروا أن يطيعوا، فقيل: أطيعوا طاعةً معروفةً، ولا أعلم أحدًا قرأ بها، فإن لم ترو فلا تقرأ. قوله: (صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب)، قال صاحب "التقريب": عدل عن الغيبة في ﴿أَقْسَمُوا﴾ إلى الخطاب في ﴿تَوَلَّوْا﴾، يريد أن قوله: فإن تولوا ليس من تتمة كلام الرسول - ﷺ - المأمور به أن يبلغ إليهم من قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، بل هو تعقيبٌ لأمر الله رسوله ومتصلٌ بما قبله. المعنى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم قل كذا وكذا، فإن تولوا أيها المخاطبون فإن عليه ما حمل وعليكم ما حملتم. والظاهر أنه تعالى أمر رسوله - ﷺ - بأن يقول لهم: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تخاف مضرتهم، فكأن أصل الكلام: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليك ما حملت، وعليهم ما حملوا، بمعنى:
[ ١١ / ١٣٠ ]
يريد: فإن تتولوا فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضرر عائدان إليكم، وما الرسول إلا ناصحٌ وهاد، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفعٌ في قبولكم، ولا عليه ضررٌ في توليكم. والبلاغ: بمعنى التبليغ، كالأداء: بمعنى التأدية. ومعنى ﴿الْمُبِينُ﴾: كونه مقرونًا بالآيات والمعجزات.
[﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ
_________________
(١) ـ فما يضرونك شيئًا، وإنما يضرون أنفسهم، على الماضي والغيبة في ﴿تَوَلَّوْا﴾ فصرف الكلام إلى المضارع، والخطاب في تتولوا بحذف إحدى التاءين، بمعنى فما ضررتموه، وإنما ضررتم أنفسكم لتكون المواجهة بالخطاب أبلغ في تبكيتهم، ولما لم يكن هذا التفاتًا محضًا، لأن الالتفات هو: الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى، بل هو عدولٌ من صيغةٍ إلى صيغة، قال أولًا: "صرف الكلام" وثانيًا: "على طريقة الالتفات"، ونحو هذا المعنى مر في البقرة عند قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وفي كلام الواحدي ما يؤيد هذا التقرير، والله تعالى أعلم. قوله: (من الخروج عن الضلالة): بيانٌ لـ "نصيبكم"، ولولا البيان لكان "نصيبكم" استعارةً على الخروج من الضلالة إلى الهدى، وقوله: "أحرزتم" حينئذٍ كالترشيح لهذا التشبيه، شبه هذا المعنى بالنصب الوافي من أنصباء القداح، وهو المعلى، كأنه قيل: أحرزتم القدح المعلى.
[ ١١ / ١٣١ ]
خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٥٥].
الخطاب لرسول الله - ﷺ - ولمن معه. و﴿مِنْكُمْ﴾: للبيان، كالتي في آخر سورة الفتح. وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم فيها
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿مِنْكُمْ﴾: للبيان، كالتي في آخر سورة الفتح)، يعني: في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وقلت: الظاهر أن الخطاب عامٌ، و"من" للتبعيض كما مر في قوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧٣] في أحد وجهيه، نص عليه في موضعه، وذلك أن قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ إلى آخر قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وسطٌ بين المعطوف وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ والمعطوف عليه وهو قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ على ما قدره كالاعتراض لما سبق أن أصل الكلام: قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تخف معرتهم، فينبغي أن يجري الكل على سننٍ واحد، وأن يقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تعرضوا عن طاعتهما فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله تعالى، وإن أطعتموهما تهتدوا. ثم بين ما للمهتدين منهم بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ إلى آخره، أي: أحرزتم نصيبكم في الدنيا والعقبى، أما في الدنيا فإن الله وعد الذين آمنوا منكم، أي: الذين اعتصموا بحبل الله والتزموا صحبة رسول الله - ﷺ - الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدين وإبدال الخوف بالأمن. وأما في العقبى فإن من عمل الصالحات من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول، فإن الله سوف يرحمه رحمةً مطلقةً لا يكتنه كنهها ولا يقادر قدرها، ولهذه الفائدة أخر المعطوف عن المعطوف عليه. فإن قلت: هل في توسيط ﴿مِنْكُمْ﴾ بين ﴿آَمَنُوا﴾ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هنا، وفي تأخيره عنهما في الفتح من فائدة؟ قلت- والعلم عند الله-: التأخير دل على أن وعد الله تعالى بالمغفرة والأجر العظيم مسببان عن أيمانهم المقارن بالأعمال الصالحات معًا، لأن الاتصاف
[ ١١ / ١٣٢ ]
خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن
_________________
(١) ـ بالإيمان والعمل الصالح في الظاهر مناسبٌ لأن يكون علةً للمغفرة والأجر العظيم، وتوسيطه دل على أن الإيمان هو الأصل في الاعتبار، وأن الأعمال كالتابعة له، فتأثير العمل الصالح في الاستخلاف دون تأثيره في إثبات المغفرة والأجر العظيم، ونحوه في الاعتبار قوله تعالى: ﴿إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أخر إسماعيل عن المفعول، ليدل على أن إبراهيم ﵇ كان الأصل في العمل، وإسماعيل ﵇ كالتابع له، ولو قدمه لم يكن كذلك. ومن ثم اختلف العلماء، قال الإمام: جمهور الفقهاء والمتكلمين اتفقوا على أن الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ هل يبطل الإمامة أولًا؟ قلت: والذي عليه الأحاديث الصحيحة: لا، روينا عن مسلم والترمذي، عن وائل ابن حجرٍ قال: سأل سلمة بن يزيد رسول الله - ﷺ - قال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم، ويمنعوننا حقنًا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثالثة، فجذبه الأشعث فقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم". وعن مسلم والدرامي عن عوف بن مالكٍ ﵁، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ألا ومن ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فيكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من الطاعة"، فعلى هذا لا يجوز الطعن في الخلفاء بعد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم. قوله: (حين أورثهم مصر)، إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا
[ ١١ / ١٣٣ ]
يمكن الدين المرتضى، وهو دين الإسلام، وتمكينه: تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك: أن النبي - ﷺ - وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل: ما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه ونضع السلاح؟ ! فقال - ﷺ -: "لا تغبرون إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليس فيه حديدة"، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا
_________________
(١) ـ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] يريد جهات أرض مصر الشرقية والغربية. قوله: (وتوطيده)، الجوهري: وطدت الشيء أطده وطدًا، أي: أثبته وثقلته، والتوطيد مثله. قوله: (وأن يؤمن سربهم)، النهاية: يقال: فلانٌ آمنٌ في سربه- بالكسر- أي: نفسه. وفلانٌ واسع السرب، أي: رخي البال، وفي الحديث: "من أصبح آمنًا في سربه"، ويروى بالفتح، وهو المسلك والطريق. قوله: (لا تغبرون)، الجوهري: غبر الشيء يغبر، أي: بقي، والغابر: الباقي. والغابر: الماضي، وهو من الأضداد. قوله: (محتبيًا ليس فيه حديدة)، عبارةٌ عن غاية الأمن ورخاء البال. الحبو: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب ويجمعها مع ظهره، ويشده عليها، والحديث المشهور عن عدى في هذا المعنى يشهد له قوله: "بعد"، أي بعد فتح جزيرة العرب بلاد المشرق والمغرب.
[ ١١ / ١٣٤ ]
ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، ثم خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعم وفسقوا، وذلك قوله - ﷺ -: "الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم يملك الله من يشاء الله من يشاء فتصير ملكًا، ثم تصير بزيرى: قطع سبيل، وسفك دماء، وأخذ أموالٍ بغير حقها". وقرئ: (: ما استخلف) على البناء للمفعول، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد.
فإن قلت: أين القسم المتلقي باللام والنون في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾؟ قلت: هو محذوف، تقديره: وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم، أو: نزل وعد الله في تحققه بمنزلة القسم، فتلقي بما يتلقى به القسم، كأنه: أقسم الله ليستخلفنهم. فإن قلت: ما محل ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؟ قلت: إن جعلته استئنافًا: لم يكن له محل، كأن قائلًا قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون! فقال: يعبدونني. وإن جعلته حالًا عن وعدهم، أي: وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم: فمحله النصب. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: يريد كفران النعمة، كقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢]. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ﴾
_________________
(١) ـ قوله: (ثم تصير بزيزى)، النهاية: وفي حديث أبي عبيدة: أنه "سيكون نبوةٌ ورحمةٌ كذا وكذا، ثم يكون بزيزى وأخذ أموالٍ بغير حق"، والبزيزى بكسر الباء وتشديد الزاي الأولى والقصر: السلب والتغلب، من بزه ثيابه وابتزه: إذا سلبه إياها، و"قطع سبيل" نصبٌ، إما عطف بيانٍ لقوله: "بزيزى" أو بدلٌ منه. ونحوه رواه الإمام أحمد بن حنبل عن سفينة، وليس في روايته "بزيزى". قوله: (هو محذوفٌ تقديره: وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم)، قال الزجاج: إنما جاءت اللام لأن: وعدته بكذا أو كذا، ووعدته لأكرمنه، بمنزلة: قلت، لأن الوعد لا ينعقد إلا بقول.
[ ١١ / ١٣٥ ]
الْفَاسِقُونَ﴾ أي: هم الكاملون في فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة العظيمة وجسروا على غمطها. فإن قلت: هل في هذه الآية دليلٌ على أمر الخلفاء الراشدين؟ قلت: أوضح دليل وأبينه، لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.
_________________
(١) ـ قوله: (وجسروا على عظمها)، أي: اجترأوا على تحقيرها وازدرائها. قوله: (لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم)، والظاهر أن "هم" الأول فصلٌ، والثاني خبر "إن" فيفيد تخصيص المسند بالمسند إليه، أي: هذه الأوصاف منحصرةٌ فيهم، ومختصةٌ بهم لا تتعدى إلى غيرهم. ولعمري هم الذين اقتبسوا الدين والتقوى والتقوى من مشكاة النبوة، وكل الناس عيالهم فيه، ومنهم انتشر نور الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وهم الذين يستحقون أن يقال فيهم: هم القوم كل القوم للدين والتقى … وناهيك بالقوم الذين هم هم أي: هم الأخيار والأشراف كما عرفت. كقول الحريري: قد باعت الأسباط قبـ … لي يوسفًا وهم هم وقد يجيء للذم، قال: رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع … فقلت- وأنكرت الوجوه- هم هم أي: هم الأعداء. رفوني: أي: سكنوني بعدم الخوف. قال الإمام: وجه الاستدلال أن هذا خطابٌ مع جماعة الحاضرين في حضرة الرسالة صلوات الله على صاحبها بإيصال الخلافة إليهم، وأن يمكن لهم دينهم المرضي، وأن يبدلهم بعد الخوف أمنًا، ولا يمكن حمل هذا إلا على هؤلاء الربعة، لأن من ادعى الروافض إمامته ما كانوا متمكنين من إظهار دينهم وما زال الخوف عنهم، بل كانوا أبدًا في التقية والخوف،
[ ١١ / ١٣٦ ]
[﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٥٦].
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفٌ على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وليس ببعيدٍ أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصلٌ وإن طال، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. وكررت طاعة الرسول، تأكيدًا لوجوبها.
_________________
(١) ـ فوجب حملها على ما ذكرنا، لأنهم كانوا عندنا متمكنين من إظهار دينهم غير خائفين. وقال: وفيه دليلٌ على صحة النبوة بالإخبار عن الغيب على ما هو به، وخلافة الخلفاء الراشدين، إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه، أي: العمل الصالح لغيرهم بالإجماع. قوله: (وليس ببعيدٍ أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصلٌ …، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه)، أي: الحق المغايرة، لا أن لا يقع بينهما فاصل. وقال صاحب " التقرير": لأن طول الفصل يحقق المغايرة المطلوبة والمعطوف عليه، يريد أن الواجب أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه المغايرة، وعند القرب لا يتحقق ذلك، فإن المجاورة مظنة الاتصال بخلاف المضاف والمضاف إليه، فإن شدة اتصالهما مانعةٌ من دخول فصلٍ بينهما، ولهذا تكلموا في قراءة ابن عامر: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بنصب الأولاد وجر الشركاء، على أن للفصل والتأخير فوائد، منها: الإشعار بأن الجملة المتخللة وهو ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ الآية، مما هو يهتم بشأنه، وأنها متصلةٌ بما يتعلق بالمعطوف عليه وهو ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ كما سبق. قال القاضي: ولا يبعد عطف ذلك على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، فإن الفاصل وعدٌ على المأمور به. ومنها: أن في تأخير المعطوف عن قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ إعلامًا بنوع اتصالٍ به، وبيانه ما مر أيضًا، وهو: إن أطعتم وآمنتم فقد أحرزتم نصيبكم في الدنيا والعقبى.
[ ١١ / ١٣٧ ]
[﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَاوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٥٧].
وقرئ: (لا يحسبن) بالياء، وفيه أوجه: أن يكون ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هما المفعولان. والمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أحدًا يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك. وهذا معنًى قويٌ جيد.
_________________
(١) ـ ومنها: التوكيد، لأنه لو لم يؤخر لم يحتج إلى إناطة أطيعوا الرسول به، فإنه على منوال قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]. ومنها: الإيذان بشرف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ومحلهما عند الله، وأنهما أما العبادات، وبعدهما مرتبةً عن سائر العبادات والطاعات، لأن العطف من باب عطف جبريل على الملائكة، ومن ثم رتب الأول بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وعلى الثاني بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قوله: (وقرئ: "لا يحسبن" بالياء)، ابن عامرٍ وحمزة، والباقون: بالتاء الفوقانية. قوله: (هما المفعولان)، أحدهما أحدًا، معجزين. وثانيهما: الأرض لتقدير الاستقرار، وإنما جاز وصف أحدًا بالجمع وإيقاعه موقع المبتدأ، لكونه نكرةً في سياق النفي، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] صفةً لأحد، لأنه عامٌ، وعلى الثاني والثالث: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لغو ﴿مُعْجِزِينَ﴾. قوله: (وهذا معنى قويٌ جيد)، وفيه التفاتان، لأنه تعالى لما التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ على ما سبق، عاد إلى الغيبة وإقامة المظهر موضع المضمر، أي: لا يحسبن البعداء من الذين كفروا بنزع طاعة الله ورسوله عن عنقهم أحدًا يحميهم في الأرض من الاستئصال حتى
[ ١١ / ١٣٨ ]
وأن يكون فيه ضمير الرسول، لتقدم ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيءٍ واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث، وعطف قوله: ﴿وَمَاوَاهُمُ النَّارُ﴾ على ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾، كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله، ومأواهم النار. والمراد
_________________
(١) ـ يطمعوا في مثل ذلك، فإن الله لا يعجزه أحدٌ، فيقهرهم في الدنيا بالاستئصال، ويخزيهم في الآخرة بعذاب النار. وينصر هذا التأويل قوله: "والمراد بهم المقسمون جهد أيمانهم"، وأما أن الوجه الأول أحسن من الثاني، وهم أن يكون فاعل "يحسبن" رسول الله - ﷺ -، لتقدم ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، فلأنه على هذا لا يحسن ذلك الحسن، إذا قيل: التفاتٌ من خطابهم بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بمعنى: أن أولئك البعداء إنما يمتنعون عن الطاعة لما حسبوا أن لهم ناصرًا ينصرهم ويمنعهم من عذابنا حين لم يطيعونا، وأما كونه أقوى منه، فإن نفي الحسبان وإثبات العجز لهم على سبيل الكناية، كما قال: "لا يحسبن الذين كفروا أحدًا يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا في مثل ذلك" أقوى من نفي الحسبان عن رسول الله - ﷺ - وإثبات العجز لهم تصريحًا. وأما كونه أحسن من الثالث، فلأن نفي الحسبان وإثبات العجز لهم تصريحًا أحط من إثبات العجز لهم كنايةً. وأما كونه أقوى منه، فلأنه لا يحتاج حينئذٍ إلى حذف أحد المفعولين من باب حسبت، وإلى العذر بجوازه كما قال، لأنه ضعيف. قوله: (وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا)، قال الزجاج: المعنى: لا يحسبن الذين كفروا إياهم معجزين، كما تقول: زيدٌ حسبته قائمًا، تريد: حسب زيدٌ نفسه قائمًا، وهذا في باب ظننت تطرح فيه النفس، يقال: ظننتني أفعل، ولا يقال: ظننت نفسي أفعل، ولا يجوز ضربتني، ليستغنى عنها بضربت بنفسي. قوله: (وعطف قوله: ﴿وَمَاوَاهُمُ النَّارُ﴾ على ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والظاهر
[ ١١ / ١٣٩ ]
بهم: المقسمون جهد أيمانهم.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥٨].
أمر بأن يستأذن العبيد. وقيل: العبيد والإماء والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ في اليوم والليلة: قبل صلاة الفجر، لأنه وقت قيامٍ من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة، وبالظهيرة، لأنها وقت وضع الثياب للقائلة، وبعد صلاة العشاء، لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاق بثياب
_________________
(١) ـ لا يصح عطف الإخباري على الإنشائي، ولهذا أوله وقال: "كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار"، وقال صاحب النظم: الثاني معطوفٌ على مضمر، أي لا يحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل مقدورٌ عليهم ومحاسبون ومأواهم النار، هذا يقرب إلى ما قدرناه فيه فيقهرهم في الدنيا بالاستئصال، ويخزيهم في الآخرة بعذاب النار. قوله: (أمر بأن يستأذن العبيد)، قال القاضي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمُ﴾ رجوعٌ إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام، وغيرها، والوعد عليها، والوعيد عن الإعراض عنها، والمراد به خطاب الرجال والنساء، غلب فيه الرجال، وليس في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ ما ينافي قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] فينسخه، لأنه في الصبيان والمماليك، وذلك في الأحرار البالغين.
[ ١١ / ١٤٠ ]
النوم. وسمى كل واحدة من هذه الأحوال عورةً، لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها.
والعورة: الخلل. ومنها: أعور الفارس، وأعور المكان، والأعور: المختل العين. ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات، وبين وجه العذر في قوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: أن بكم وبهم حاجةً إلى المخالطة والمداخلة: يطوفون عليكم للخدمة،
_________________
(١) ـ قوله: (وأعور الفارس)، وهو إذا بدا فيه موضع خلل الضرب قال: له الشدة الأولى إذا القرن أعورا الراغب: العورة: سوءة الإنسان، وذلك كنايةٌ، وأصله من العار، لما يلحق في ظهوره من العار، أي: المذمة، ولذلك سمي النساء عورةً، ومن ذلك: العوراء: للكلمة القبيحة، وعورت عينه عورًا، وعارت عينه عورًا وعورتها، وعنه استعير: عورت البئر، وقيل للغراب: أعور لحدة نظره وذلك لعكس المعنى، لذلك قال الشاعر: وصحاح العيون يدعون عورا والعور والعورة: شقٌ في الشيء، كالثوب والبيت ونحوه، قال تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: متخرقةٍ ممكنة لمن أرادها، ومنه يقال: فلانٌ يحفظ عورته، أي: خلله، وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: نصف النهار، وآخر النهار، وبعد العشاء الآخرة. وقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يبلغوا الحلم والمعاورة. قوله: (وبين وجه العذر في قوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، قال القاضي: أي: هم طوافون، وهو استئنافٌ لبيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة، وفيه
[ ١١ / ١٤١ ]
وتطوفون عليهم للاستخدام، فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت، لأدى إلى الحرج. وروي: أن مدلج بن عمروٍ- وكان غلامًا أنصاريًا- أرسله رسول الله - ﷺ - وقت الظهر إلى عمر ﵁ ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر: لوددت أن الله ﷿ نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي - ﷺ -، فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.
وهي إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر. وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي مرشد،
_________________
(١) ـ دليلٌ على تعليل الأحكام. قوله: (نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا)، قيل: "لا" مزيدةٌ لتأكيد النهي، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] حملهم على ذلك أن عدم الدخول لا يجوز أن يكون منهيًا، والمنهي الدخول، ومن ثم طرحها صاحب "المطلع" وقال: أن يدخلوا علينا. قلت: الوجه أن يقدر مضافًا ويكون مفعولًا له لقوله: "نهى آباءنا"، أي: لوددت أن الله ﷿ نهى هؤلاء عما هم عليه من الفعل القبيح إرادة أن لا يدخلوا علينا إلا بالإذن، ويجوز أن يكون مفعولًا له لقوله: لوددت، على تقدير اللام، يعني: لوددت أن ينهى لئلا يدخلوا علينا إلا بإذن، وحذف اللام مع "أن" جائز، وإن لم يكن فعلًا لفاعل الفعل المعلل، بخلافه في غيرها. قوله: (نزلت في أسماء بنت [أبي] مرثد)، بالثاء المثلثة، ويروى: "أبي مرشد" بالشين المعجمة، وفي "الاستيعاب" بالشين المعجمة.
[ ١١ / ١٤٢ ]
قالت: إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحافٍ واحد. وقيل: دخل عليها غلامٌ لها كبير في وقتٍ كرهت دخوله، فأتت رسول الله - ﷺ -، فقال: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالٍ نكرها. وعن أبي عمرٍو: (الحلم) بالسكون. وقرئ: "ثلاث عوراتٍ) بالنصب بدلًا عن ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: أوقات ثلاث عورات. وعن الأعمش: (عورات) على لغة هذيل.
فإن قلت: ما محل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾؟ قلت: إذا رفعت ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ كان ذلك في محل الرفع على الوصف. المعنى: هن ثلاث عورات مخصوصةٌ بالاستئذان.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ثلاث عورات" بالنصب)، حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون: بالرفع. قوله: (أي: أوقات ثلاث عورات)، روى صاحب "المطلع"، عن صاحب النظم: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ بمعنى: ثلاثة أوقات، لأنها لو كانت على ظاهرها لوجب أن يكون الأمر واقعًا على ثلاث دفعات، فإذا جاوزها ارتفع الأمر، فيجوز الدخول بعدها، ويدل على أن المراد الأوقات قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ فإنها مفسرةٌ لقوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾. قوله: (وعن الأعمش: "عورات"، على لغة هذيل)، قالوا: إن كل "فعلةٍ" إذا كانت ساكنة الحشو صحيحةً تحرك في الجمع عينها إذا كانت اسمًا، وإن كانت صفةً فتسكن، وإن كان عينها معتلًا فتسكن أيضًا، اسمًا كان أو صفةً، إلا على مذهب هذيل، فإنهم يحركونها. وقال الزجاج: والإسكان أكثر، لثقل الحركة على الواو، يقال: طلحةٌ وطلحات، وجمرةٌ وجمرات، ويجوز في لوزة: لوزاتٌ، والأجود بالسكون.
[ ١١ / ١٤٣ ]
وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلامًا مقررًا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال
_________________
(١) ـ قوله: (وإذا نصبت- أي: "ثلاث عوراتٍ"- لم يكن له محل)، فإن قلت: ما هذا الاختصاص؟ لم لا يجوز أن يكون محل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ نصبًا على أن يكون وصفًا لـ "ثلاث عوراتٍ"، وهو بدلٌ من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ وأن يكون جملةً مؤكدةً إذا قدر: هن ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾، على الابتداء والخبر؟ قلت: لهذا السؤال تصدى صاحب "التقريب" للتقرير بأن قال: إن حكم رفع الحرج وراءها مقصودٌ في نفسه، فإذا وصف به "ثلاث عوراتٍ" نصبًا، وهو بدلٌ من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ كان التقدير: ليستأذنكم في ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان، ويدفعه وجوهٌ مستفادةٌ من علم المعاني، أحدها: اشتراط تقدم علم السامع بالوصف، وهو منتف، إذ لم يعلمه إلا من هذا. وثانيها: جعل الحكم المقصود وصفًا للظرف، فيصير غير مقصود. وثالثها: أن الأمر بالاستئذان في المرات الثلاث حاصلٌ وصفت بأن لا حرج وراءها أو لم توصف، فيضع الوصف. وأما إذا وصف المرفوع به فيزول الروافع، لأنه ابتداء تعليم، أي: هن ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان، وصفةٌ للخبر لا للظرف، ولم يتقيد أمر الاستئذان به، فليتأمل فإنه دقيقٌ جليل. تم كلامه. وقلت: الذي عندي- والله أعلم-: أن ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ إذا قرئ مرفوعًا كان خبر مبتدأٍ محذوفٍ، والجملة مقررةٌ لمعنى ما سبق فيصح جعل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ صفةً، لأن الجملة كما هي برمتها كلامٌ مقررٌ لمعنى ما سبق على طريقة الطرد والعكس لدلالة الكلام الأول على الأمر بالاستئذان في الأوقات المخصوصة بالمنطوق، ودلالة هذا الكلام عليه بالمفهوم، لأن رفع الجناح في غير هذه الأوقات يؤذن بثبوت الجناح في تلك الأوقات، وإليه الإشارة بقوله: "هن ثلاث عوراتٍ مخصوصةٍ بالاستئذان"، وإذا جعل "ثلاث عوراتٍ" وحده بدلًا من قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ظرفًا مثله مبينًا لما قصد فيه من المعنى، وهو إظهار كمال الكراهة في الدخول بغير الاستئذان، لأن لفظ ﴿عَوْرَاتٍ﴾ أدل في الكراهة من السابق، نحوه قال الشاعر: أقول له ارحل لا تقيمن عندنا … وإلا فكن في السر والجهل مسلما
[ ١١ / ١٤٤ ]
خاصةً. فإن قلت: بم ارتفع ﴿بَعْضُكُمْ﴾؟ قلت: بالابتداء، وخبره ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾، على معنى: طائفٌ على بعض، وحذف، لأن ﴿طَوَّافُونَ﴾ يدل عليه. ويجوز أن يرتفع بـ "يطوف" مضمرًا لتلك الدلالة.
[﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا كَمَا اسْتَاذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٥٦].
﴿الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: يريد:
_________________
(١) ـ وجاء قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ مقررًا لذلك بالمفهوم صح واستقام وحصل أيضًا الطرد والعكس، وإليه أشار بقوله: "وكان كلامًا مقررًا للأمر بالاستئذان"، وأما إذا وصف المبدل بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ ولا ارتياب أن الصفة المخصصة مبينةٌ للمراد من الموصوف، فيكون المقصود من إجراء الكلام رفع الحرج من الدخول في غير الأوقات المذكورة، لا الأمر بالاستئذان في الأوقات المخصوصة، لأن البدل هو المقصود بالذكر، وكان خلفًا من القول، لأن المقصود الأولى: الاستئذان في الأوقات المخصوصة، ورفع الحرج في غير الأوقات تابعٌ له، لقول عمر ﵁: لوددت أن الله ﷿ نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي - ﷺ - وقد أنزلت عليه هذه الآيات، فظهر من هذا أن تأسيس صاحب "التقريب" كلامه على قوله: "أن حكم رفع الحرج مقصودٌ في نفسه" ضعيفٌ، وبناءه عليه الوجوه واهٍ. والله أعلم. قوله: (﴿الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك)، يريد ﴿مِنْكُمُ﴾ للبيان، فإن الأطفال يشمل الأحرار والمماليك فبين بقوله: ﴿مِنْكُمُ﴾ ليختص بالأحرار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَاذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ ويحتمل أن تكون اتصاليةً، قال القاضي: واستدل به من أوجب الاستئذان للعبد البالغ على سيدته، وجوابه: أن المراد بهم: المعهودون الذين جعلوا قسيمًا للمماليك فلا يندرجون فيهم.
[ ١١ / ١٤٥ ]
الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال، أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا﴾ الآية [النور: ٢٧]، والمعنى: أن الأطفال مأذونٌ لهم في الدخول بغير إذنٍ إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك، ثم خرجوا من حد الطفولة بأن يحتملوا أو يبلغوا السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كما الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. وهذا مما الناس منه في غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة. وعن ابن عباس: آيةٌ لا يؤمن بها أكثر الناس: آية الإذن، وإني لأمر جارتي أن تستأذن علي. وسأل عطاء: أأستأذن
_________________
(١) ـ قوله: (ذكروا من قبلهم)، يعني: لابد للظرف الذي وقع صلةً للذين من متعلق، فإذا جعلت القرينة قوله: وإذا بلغ الأطفال، فالمعنى: الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وإذا جعلت سياق الآيات فالمعنى: الذين ذكروا من قبلهم، أي: في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [النور: ٥٨]. قوله: (أن يفطموا)، الأساس: ومن المجاز: فطمته عن عادة السوء، ولأفطمنك عما أنت عليه. وفي الحديث" "الإمارة حلوة الرضاع مرة الفطام". قوله: (وإني لآمر جارتي)، أي: زوجتي. الجوهري: امرأة الرجل: جارته، قال الأعشى: أجارتنا بيني فإنك طالقه وتمامه: فإن أمور الناس غادٍ وطارقه
[ ١١ / ١٤٦ ]
على أختي؟ قال: نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية. وعنه: ثلاث آياتٍ جحدهن الناس: الإذن كله، وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فقال ناس: أعظمكم بيتًا، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]. وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم.
وعن الشعبي: ليست منسوخةً، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان. وعن سعيد بن جبير: يقولون: هي منسوخة، ولا والله ما هي منسوخة، ولكن الناس تهاونوا بها. فإن قلت: ما السن التي يحكم فيها بالبلوغ؟ قلت: قال
_________________
(١) ـ قوله: (أعظمكم بيتًا)، النهاية: بيت الرجل: داره وقصره وشرفه، قال العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي - ﷺ -: حتى احتوى بيتك المهيمن من … خندق علياء تحتها النطق أراد شرفه في أعلى خندق بيتًا، والمهيمن: الشاهد، أي: الشاهد بفضلك، والنطق: جمع نطاق، وهي أعراضٌ من جبالٍ بعضها فوق بعض، أي: نواح وأوساطٌ منها، شبهت بالنطق التي يشد بها أوساط الناس ضربه مثلًا في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته وجعلهم تحته بمنزلة أوساط الجبال، يقول: حتى احتوى شرفك الشاهد على فضلك أعلى مكانٍ من نسب خندق. قوله: (الله المستعان)، وهي كنايةٌ عن عجزه عن إقامة المعروف والنهي عن المنكر، لتغير الزمان وفساد الإخوان.
[ ١١ / ١٤٧ ]
أبو حنيفة: ثماني عشرة سنةً في الغلام، وسبع عشرة في الجارية، وعامة العلماء على خمس عشرة فيهما. وعن علي ﵁: أنه كان يعتبر القامة، ويقدره بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره … وسما فأدرك خمسة الأشبار
واعتبر غيره الإنبات.
وعن عثمان ﵁: أنه سئل عن غلام، فقال: هل اخضر إزاره؟
_________________
(١) ـ قوله: (ما زال مذ عقدت يداه)، البيت، يرثي الفرزدق يزيد بن المهلب. وسما: أي: علا وبلغ. الرفعة. وأدرك أي: لحق، ويحتمل أن يراد بخمسة الأشبار: ارتفاع قامته، وأن يراد بها القبر. قال: عجبًا لأربع أذرع في خمسةٍ … في جوفه جبلٌ أشم كبير يقول: لم يزل مذ عقد إزاره، أي: بلغ سن التمييز، ولبس السراويل إلى أن ارتفع، وبلغ مبلغ الرجال، أو إلى أن مات ودفن في خمسة أشبارٍ من الأرض، كان أميرًا، والاستشهاد على المعنى الأول، وبعده: يدني خوافق من خوافق تلتقي … في ظل معتبط الغبار مثار الخوافق: الرايات، وإنما يريد به: كان يقود الجيوش إلى الجيوش ويحضر الحروب، ومعتبط الغبار: يريد مكانًا لما يقاتل فيه قبله، ولم ينزله غبارٌ حتى أثاره. قوله: (هل اخضر إزاره؟)، أي: نبت شعر عانته؟ أسند الاخضرار إلى الإزار على المجاز، لأنه مما اشتمل عليه الإزار.
[ ١١ / ١٤٨ ]
[﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٦٠].
القاعد: التي قعدت عن الحيض والولد، لكبرها. ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يطمعن فيه. والمراد بالثياب: الثياب الظاهرة، كالملحفة والجلباب: الذي فوق الخمار، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: غير مظهرات زينةً، يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، أو: غير قاصداتٍ بالوضع
_________________
(١) ـ قوله: (القاعد: التي قعدت عن الحيض)، الأساس: قعد عن الأمر: تركه، وقعد له: اهتم به، ونخلةٌ قاعدة: لم تحمل. قال ابن السكيت رحمه الله تعالى: لم تدخلها الهاء لاختصاصها بالمرأة، فإذا أردت القعود بمعنى الجلوس قلت: قاعدةٌ، وقيل: القاعد: على طريق النسبة، كالحائض والطامث، وجمعت على فواعل، لأن التاء مقدرةٌ فيها، لأن الصفة إذا كانت مدكرةً لا تجمع على فواعل، والفوارس: شاذ. قوله: (والجلباب: الذي فوق الخمار)، النهاية: الجلباب: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب. قوله: (يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، قلت: فعلى هذا التعريف متعين ليشير به إلى ما عهد، لكن هذا مطلقٌ وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد إذا كان عن سببٍ واحدٍ ليصح ما قال. ومعنى ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: قاصداتٌ بالوضع التبرج، على تضمين التبرج معنى القصد بوساطة الباء، فحينئذٍ يكون معناه: غير قاصداتٍ بالوضع إظهار ما يجب إخفاؤه من الزينة فيتفق المعنيان. الانتصاف: لم يذكر الزمخشري أن هذا التركيب من أي بابٍ هو؟ وعندي أنه من باب: على لا حبٍ لا يهتدى بمناره
[ ١١ / ١٤٩ ]
التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه. والاستعفاف من الوضع خيرٌ لهن. لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب، بعثًا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: تكلف إظهار إخفاؤه، من قولهم: سفينة بارج: لا غطاء عليها. والبرج: سعة العين، يرى بياضها محيطًا بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلا أنه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. وبدا وبرز بمعنى: ظهر، من أخوات: تبرج وتبلج، كذلك.
[﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَاكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٦١].
كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهن وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبةٌ في ذلك، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج، وكرهوا أن يكون أكلًا بغير حقٍّ، لقوله
_________________
(١) ـ أي: لا منار فيه فيهتدى به. كذا هاهنا لا زينة لهن فيتبرجن بها، وإذا كان استعفاف هؤلاء خيرًا لهن فما ظنك بذوات الزينة؟ وأبلغ من ذلك جعله عدم وضع الثياب من القواعد من الاستعفاف، إيذانًا بأن وضع الثياب لا مدخل له في العفة، هذا في القواعد، فكيف بالكواعب؟ وقلت: وهذا معنى حسنٌ دقيق.
[ ١١ / ١٥٠ ]
تعالى: ﴿وَلَا تأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فقيل لهم: ليس على الضعفاء ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ - يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين- حرجٌ في ذلك.
وعن عكرمة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة، فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا. وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم، لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم، ولأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله وهو لا يشعر، والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحةٍ تؤذي أو جرح يبض أو أنفٍ يذن، ونحو ذلك. وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرجون. حكي عن الحارث بن عمرو:
_________________
(١) ـ قوله: (يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم)، يريد أن أنفسكم في الآية عبارةٌ عن أمثال الرجل في عقله القرابة، كما قال: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في الوجه. روى محيي السنة عن مجاهدٍ: وكان أهل الزمانة يدخلون على الرجل لطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت من سماه الله تعالى في هذه الآية، وكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام، ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره؟ فأنزل الله هذه الآية. قوله: (قزازة)، الجوهري: التقزر: التنطس والتباعد من الدنس. وقد تقزز من أكل الضب وغيره، وهو رجل قز بالضم، والفتح والكسر لغات. قوله: (أو جرحٍ يبض، أو أنفٍ يذن)، الجوهري: بض الماء يبض: إذا سال قليلًا قليلًا. الذنين: مخاطٌ يسيل من الأنف، والذنان بالضم: مثله.
[ ١١ / ١٥١ ]
أنه خرج غازيًا وخلف مالك بن زيدٍ في بيته وماله، فلما رجع رآه مجهودًا، فقال: ما أصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء، لم يحل أن آكل من مالك، فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرجٌ فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.
وهذا كلامٌ صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرجٌ في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدةٍ منهما منفيٌ عنها الحرج. ومثال هذا: أن يستفتيك مسافرٌ عن الإفطار في رمضان، وحاجٌ مفردٌ عن تقديم الحلق على النحر، فقلت: ليس على المسافر حرجٌ أن يفطر، ولا عليك يا حاج، أن تقدم على النحر. فإن قلت: هلا ذكر الأولاد! قلت: دخل ذكرهم تحت قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾، لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه. وفي الحديث: "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه". ومعنى ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم، ولأن الولد أقرب ممن عدد من القرابات، فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة: كان الذي هو أقرب منهم أولى.
فإن قلت: ما معنى ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؟
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا كلامٌ صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرجٌ في القعود عن الغزو)، أي: يصح العطف لاشتراكهما في نفي الحرج. وذلك أن من شرط العطف أن يشتركا في اتحاد تصور من تصوراتهما، يعني: في عطف قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ على ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ بعدُ، لكون رفع الحرج عن الأعمى سببه غير السبب الذي يأكل من تلك البيوت، لكن إذا نظر إلى أن الجملتين يجمعهما معنى نفي الحرج يصح العطف، روى محيي السنة عن الحسن أنه قال: نزلت رخصةً لهؤلاء في التخلف عن الجهاد. وقال: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ كلامٌ منقطعٌ عما قبله.
[ ١١ / ١٥٢ ]
قلت: أموال الرجل إذا كان له عليها قيمُ ووكيل يحفظها: له أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته.
وملك المفاتح: كونها في يده وحفظه. وقيل: بيوت المماليك، لأن مال العبد لمولاه. وقرئ: (مفتاحه). فإن قلت: فما معنى ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾؟ قلت: معناه: أو بيوت أصدقائكم. والصديق يكون واحدًا وجمعًا، وكذلك الخليط والقطين والعدو، يحكى
_________________
(١) ـ قوله: (أموال الرجل إذا كان له عليها قيم)، أي: "ما" عبارةٌ عن الأموال، وما وكلتم بحفظه فهو عطفٌ على "بيوت"، و"من": لابتداء الغاية، والمعنى: ليس عليكم جناحٌ أن يبتدئ أكلكم من شيءٍ تقومون بحفظه من بستانٍ أو ما أشبه، فيباح أكل ثمرة البستان ولبن الماشية. وملك المفتاح كنايةٌ عن كون الشيء تحت يدي الشخص وتصرفه على الوجه الآتي، وهو قوله: "وقيل: بيوت المماليك"، ﴿مَا مَلَكْتُمْ﴾: عطفٌ على المضاف إليه، و"ما" استعملت في العقلاء على إرادة الوصفية، وهي الملكة والمملوكية. قوله: (وقرئ: "مفتاحه")، قال ابن جني: وهي قراءة قتادة، وهو جنسٌ وإن كان مضافًا، وقد جاء قولهم: قد منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها. قوله: (والصديق يكون واحدًا وجمعًا)، أي: المراد بـ ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ هنا الجمع، الانتصاف: قال الزمخشري في سر إفراده في ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]: أفرده دون الشافعين تنبيهًا على قلة الأصدقاء، فإن الإنسان قد يحتمي له ويشفع من لا يعرفه، ويجوز أن يراد الإفراد، ويكون ذلك سره. والصديق هو: الذي يوافقك في سره وعلنه. الجوهري: الصداقة: الخلة، والمصادقة: المخالة. رجلٌ صديق. والقطين: الخدم، وقطين الدار: حسن السكن، وقيل: القطين: جمعٌ، مثل غازٍ وغزي، وعازبٍ وعزيب. قال زهير:
[ ١١ / ١٥٣ ]
عن الحسن: أنه دخل داره وإذا حلقةٌ من أصدقائه وقد استلوا سلالًا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورًا، وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم. يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائبٌ فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورًا بذلك. وعن جعفر بن محمد: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.
وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، فقالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١].
_________________
(١) ـ رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم … قطينًا لهم حتى إذا أنبت البقل قوله: (فتهللت أسارير وجهه)، الجوهري: السرر: جمع أسرار الكف والجبهة، وهي خطوطها، وجمع الجمع أسارير. قوله: (وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه)، وروى حجة الإسلام في "الأحياء": جاء فتحٌ الموصلي إلى منزل أخٍ له، وكان غائبًا، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه، وأخرج حاجته، فأخبرت الجارية مولاها فقال: إن صدقت فأنت حرةٌ لوجه الله تعالى، سرورًا بما فعل. قوله: (وطرح الحشمة)، أبو زيد: حشمت الرجل وأحشمته بمعنى، وهو أن يجلس إليك فتؤذيه وتغضبه. ابن الأعرابي: حشمته: أخجلته، والاسم الحشمة، وهو الاستحياء، والغضب أيضًا.
[ ١١ / ١٥٤ ]
وقالوا: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك، قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل، كمن قدم إليه طعامٌ فاستأذن صاحبه في الأكل منه. ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ أي: مجتمعين أو متفرقين. نزلت في بني ليث بن عمرٍو من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، فربما قد منتظرًا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورةً. وقيل: في قومٍ من الأنصار: إذا نزل بهم ضيفٌ لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت لتأكلوا فبدئوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينًا وقرابةً ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: ثابتةً بأمره، مشروعةً من لدنه. أو: لأن التسليم والتحية طلب سلامةٍ وحياةٍ للمسلم عليه والمحيي من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب، لأنها دعوة مؤمنٍ لمؤمن يرجى بها من الله زيادة
_________________
(١) ـ قوله: (أكل ضرورةً)، تمسكًا بما روي: "شر الناس من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده". والوعيد إنما يتوجه لمن باشر الخصال الثلاث دون الإفراد بالأكل، كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] الآية. وعن بعضهم: في الآية دليلٌ على جواز المناهدة وهي المعاطاة والمناهضة، وهو أن يشتري أحدهم لحمًا والآخر خبزًا. وإليه الإشارة بقوله: "وقالوا إذا دل ظاهر الحال على رضي المالك". قوله: (أو: لأن التسليم والتحية طلب سلامة)، فعلى هذا ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ صلةٌ لها، ومن ثم قال: "والمحيا من عند الله". وقال القاضي: فإنها طلبٌ للحياة، وهي من عنده. وعلى الأول كان ظرفًا مستقرًا صفةً لتحية، ولهذا قال: "مشروعةً من لدنه".
[ ١١ / ١٥٥ ]
الخير وطيب الرزق. وعن أنس قال: خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين- وروي: تسع سنين- فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيءٍ كسرته: لم كسرته؟ وكنت واقفًا على رأسه أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: "ألا أعلمك ثلاث خصالٍ تنتفع بها؟ " قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال: "متى لقيت من أمتي أحدًا فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين". وقالوا: إن لم يكن في البيت أحدٌ فليقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وعن ابن عباس: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وانتصب ﴿تَحِيَّةً﴾ بـ "سلموا"، لأنها في معنى تسليمًا، كقولك: قعدت جلوسًا.
_________________
(١) ـ قوله: (عن أنسٍ قال: خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن أنسٍ قال: خدمت النبي عشر سنين، والله ما قال لي: أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ: لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا؟ وفي رواية لمسلم: خدمت تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا، ولا عاب علي شيئًا قط. قوله: (صلاة الأبرار الأوابين)، روينا عن مسلم، عن زيد بن أرقم أن رسول الله - ﷺ - خرج على أهل قباء وهم يصلون، فقال: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". النهاية: الأوابين: جمع أواب، وهو الكثير الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة، وقيل: هو المطيع.،قيل: المسبح، يريد صلاة الضحى عند ارتفاع النهار وشدة الحر. قال القاضي: كرر الله قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ﴾ ثلاثًا لمزيد التأكيد، وتفخيم الأحكام المختتمة به، وفصل الأوليين بما هو المقتضى لذلك، وهذا بما هو المقصود منه، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: الحق والخير في الأمور.
[ ١١ / ١٥٦ ]
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ لِبَعْضِ شَانِهِمْ فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦٢].
أراد ﷿ أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه إذا كانوا معه على أمرٍ جامع، فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بـ ﴿إِنَّمَا﴾، وإيقاع "المؤمنين" مبتدأً مخبرًا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم
_________________
(١) ـ قوله: (كالتشبيب له)، النهاية: في حديث أم معبدٍ: فلما سمع حسان شعر الهاتف شب يجاوبه أي: ابتدأ في جوابه، من تشبيب الكتب، وهو الابتداء بها، والأخذ فيها، وليس من التشبيب في الشعر وهو ترقيقه بذكر النساء، يريد أن قوله: ﴿آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تمهيدٌ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه، وأصله: إنما المؤمنون الذين إذا كانوا معه، فجعله تمهيدًا لهذا المعنى تفخيمًا له، وتعظيمًا لمجلس رسول الله - ﷺ -، وأنه من باب الإيمان بالله ورسوله. قوله: (وإيقاع "المؤمنين" مبتدأ)، يعني: عرف المبتدأ تعريف جنس، وأوقع الخبر معرفًا موصولًا مشتملًا على صلةٍ فيها ذكر الإيمانين على منوال: أنا أبو النجم وشعري شعري فالمعنى: المؤمنون هم الذين اتصفوا بما يستحقون أن يسموا مؤمنين حقًا، ولما كان ذكر الإيمان بالله ورسوله توطئةً لذكر ما بعده، رجع المعنى إلى: إنما المؤمنون: الكاملون الذين استحقوا أن يسموا مؤمنين هم: الذين إذا كانوا معه في أمرٍ جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ..
[ ١١ / ١٥٧ ]
عقبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا، حيث أعاده على أسلوبٍ آخر، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وضمنه شيئًا آخر، وهو: أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرض بحال المنافقين وتسللهم لواذًا. ومعنى قوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ﴾: لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له؟ والأمر الجامع: الذي يجمع له الناس، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك
_________________
(١) ـ قوله: (عقبه بما يزيده توكيدًا [وتشديدًا]، حيث أعادته على أسلوبٍ آخر)، يعني: لما أراد أن يكرر هذا المعنى توكيدًا وتقريرًا، أعاد المعنى وقلبه، فجعل معنى ما تضمن به المسند مسندًا إليه، وما تضمن به المسند إليه مسندًا، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. فأفاد الأول حصر المؤمنين في المستأذنين، والثاني عكسه، تعريضًا بحال المنافقين، وتسللهم لواذًا، كما قال: "وما اكتفى بذلك، بل أوقع أولئك خبرًا، وعقبه ذكر الإيمانين، ليؤذن بأن أولئك محقوقون بأن يسموا مؤمنين لما اكتسبوا من صفة الاستئذان، واجتنبوا من التسلل الذي هو من صفة المنافقين، وإليه الإشارة بقوله: "جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين". قوله: (ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم؟)، يعني: لابد من قيد: "ويأذن لهم"، لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ﴾ مترتبٌ عليه بالفاء، ومعلقٌ به إذنه. قوله: (فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز)، وهو يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون إسنادًا مجازيًا، لأن صاحب الأمر يجمع الناس لأمره وشأنه، فوصف بصفة من هو بسببه، وثانيهما: أن يكون استعارةً مكنية، حيث شبه بإنسانٍ خطيرٍ يجمع الناس لشأنه، نحوه قيل في قوله: ﴿وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ﴾. الراغب: الجمع: ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أي: على أمرٍ له خطرٌ اجتمع لأجله الناس، فكأن
[ ١١ / ١٥٨ ]
نحو مقاتلة عدو، أو تشاورٍ في خطب مهم، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تماسح في حلف، وغير ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه. وقرئ: (أمرٍ جميع). وفي قوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ أنه خطبٌ جليل لابد لرسول الله - ﷺ - فيه من
_________________
(١) ـ الأمر نفسه جمعهم، ويقال للمجموع: جمعٌ وجميعٌ وجماعةٌ، والجماع يقال في أقوام متفاوتة، وأجمعت كذا أكثر ما يقال فيما يكون جميعًا يتوصل إليه بالفكرة، نحو: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وجميعٌ، وأجمع وأجمعون يستعمل لتأكيد الاجتماع على الأمر، وأما أجمعون فوصف به المعرفة، ولا يجوز نصبه على الحال، نحو قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، ﴿وَاتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف: ٩٣]، وأما جميع فقد ينصب على الحال نحو قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، ومسجد الجامع، أي: الأمر الجامع أو الوقت الجامع، واستجمع الفرس جريًا، وضربه بجمع كفه: إذا جمع أصابعه وضربه. قوله: (أو تماسح في حلف)، التماسح: إما باليد كالمبايعة، أو بما يؤكد به الحلف، كما روى صاحب "النهاية" أن بني عبد منافٍ أخرجت جفنةً مملوءةً طيبًا فوضعتها لأحلافهم، وهم أسدٌ وزهرة وتيمٌ، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيدهم فيها، وتعاقدوا. هذا هو المراد من كلام المصنف. قوله: (أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه)، عطفٌ على "الأمر الجامع: الذي يجمع له الناس"، وعلى هذا الناس يجتمعون له من غير تطلب، نحو الأعياد والجمعة، أو نحو نزول نازلةٍ وحادثة، ولهذا قال في الوجه الأول: "يجمع له الناس". قوله: (وقرئ: "أمرٍ جميع")، المطلع: جميعٌ: بمعنى جامع، أو مجموعٌ له. قوله: (وفي قوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾، يعني: في تخصيص هذا اللفظ
[ ١١ / ١٥٩ ]
ذوي رأي وقوة، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته، فمارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه، ويشعث عليه رأيه، فمن ثم غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، مع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله: ﴿لِبَعْضِ شَانِهِمْ﴾. وذكر الاستغفار للمستأذنين: دليلٌ على أن الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه. وقيل: نزلت في حفر الخندق، وكان قومٌ يتسللون بغير إذن.
وقالوا: كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم: يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلةٍ من النوازل ولا يتفرقون عنهم. والأمر في الإذن مفوض إلى الإمام: إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن، على حسب ما اقتضاه رأيه.
[﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦٣].
إذا احتاج رسول الله - ﷺ - إلى اجتماعكم عند لأمرٍ فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي. أو: لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمى بعضكم بعضًا، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، ولا تقولوا: يا محمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض والتواضع. ويحتمل: لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم كبيركم، وفقيركم غنيكم، يسأله حاجةً فربما أجابه وربما
_________________
(١) ـ مدمج معنى خطر الأمر وصعوبته، لأن اجتماع أمثالهم لا يكون في أمرٍ هين، وفي تعقيب ذلك بالاستغفار تتميمٌ لمعنى الكراهة منه صلوات الله عليه في إذنه في قوله: ﴿فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ لما عسى أن يأذن وهو غير مسامح فيه، وإليه الإشارة بقوله: "إن الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب".
[ ١١ / ١٦٠ ]
رده، فإن دعوات رسول الله - ﷺ - مسموعةٌ مستجابة. ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾: ينسلون قليلًا قليلًا. ونظير تسلل: تدرج، وتدخل.
واللواذ: الملاوذة، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا. يعني: ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. و﴿لِوَاذًا﴾ حال، أي: ملاوذين. وقيل: كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيأذن له، فينطلق الذي لم يؤذن له معه. وقرئ: (لواذًا) بالفتح. يقال: خالفه إلى الأمر، إذا ذهب إليه دونه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]،
_________________
(١) ـ قوله: ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾: [ينسلون] قليلًا قليلًا)، الراغب: سل الشيء من الشيء: نزعه، كسل السيف من الغمد، وسل الشيء من البيت على سبيل السرقة، وسل الولد من الأب، ومنه قيل للولد: سليلٌ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، أي: من الصفو الذي يسل من الأرض، قيل: السلالة: كنايةٌ عن النطفة تصور دونه صفو ما يحصل منه، والسل: مرضٌ ينزع به اللحم والقوة، وقد أسله الله. قوله: (واللواذ: الملاوذة)، وأنشد صاحب "المطلع" قول الطرماح: تلاوذ من حر كأن أواره … يذيب دماغ الضب، فهو خدوع أوار الشمس والنار: حرها. خدع الضب في جحره: دخل. قال الفراء: لواذًا: مصدر لاوذ، ولو كان مصدرًا للذت لكان لياذًا، كما تقول: قمت إليك قيامًا وقاومتك قوامًا. الراغب: ﴿لِوَاذًا﴾ من قولهم لاوذ يلاوذ: إذا استتر به، أي: يستترون فيلتجؤون بغيرهم، واللوذ: ما يطيف بالجبل.
[ ١١ / ١٦١ ]
وخالفه عن الأمر، إذا صد عنه دونه.
ومعنى ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين، وهم المنافقون، فحذف المفعول، لأن الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه
_________________
(١) ـ قوله: (خالفه إلى الأمر)، قال: خالفته إلى الماء: إذا وردته وصدر عنه، وخالفته عن الماء: إذا صدرت عنه وورد هو. قوله: (فحذف المفعول، لأن الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه)، يعني: ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ متضمنٌ معنى يصدون، ولذلك عدي بعن وصد متعد يستدعي مفعولًا به، وهو ما قدره "دون المؤمنين" وترك ذكره، لأن الغرض تقبيح أمر المخالف، وتعظيم أمر المخالف عنه، فذكر الأهم، وترك ما لا اهتمام به، فدون بمعنى: قدام، كقول الأعشى: تريك القذى من دونه وهي دونه والأمر واردٌ على عموم المجاز، ولذلك قال: "عن طاعته ودينه"، قال القاضي: يخالفون أمره بترك مقتضاه، ويدينون سمتًا خلاف سمته، واستدل به على أن الأمر للوجوب، فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتضٍ لأحد العذابين. وقال ابن الحاجب: عدى ﴿يُخَالِفُونَ﴾ بـ "عن" لما في المخالفة من معنى التباعد والحيد، كأنه قال: الذي يحيدون عن أمره بالمخالفة، وهو أبلغ من إذا قيل: يخالفون أمره، وقد استدل به على أن الأمر يقتضي الوجوب، لما تضمنته الآية من الوعيد على المخالفة، فإن قلت: الآية متضمنةٌ للأمر بالحذر لمن يخالف، وحذر المخالف العذاب لا يفيده بعد المخالفة لحصول السبب المقتضي له، وقبلها لا يحذر عذابًا؟ قلت: المعنى:
[ ١١ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فليحذر الذين وقعت منهم المخالفة ذلك، فيستدركوا ما فعلوه بالتوبة، والرجوع إلى الله تعالى فيكون ذلك سببًا لدفع العذاب عنهم. تم كلامه. وقال محيي السنة في "المعالم": ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، قيل: معناه: يعرضون عن أمره، وينصرفون عنه بغير إذنه. وقلت: هذا هو التفسير الذي عليه التعويل، ويساعد عليه النظم والتأويل، لأن الأمر حينئذ بمعنى الشأن، واحد الأمور، وبيانه: أن ما قبله حديثٌ في الأمر الجامع، وهو الأمر الذي يجمع له الناس، ومدح من لزم مجلس رسول الله - ﷺ - ولم يذهب عنه، وذم من فارقه بغير الإذن، والاستغفار في حق من فارق بالإذن، لأن قوله تعالى: ﴿فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ يؤذن أن القوم ثلاث فرق: المأذون في الذهاب بعد الاستئذان، والمتخلف عنه، ثم المتخلف إما أن يدوم في مجلسه ولم يذهب، وهم السابقون الكاملون، أو يتسلل لواذًا، وهم المنافقون، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ مترتبٌ على القسم الثالث على سبيل الوعيد، والفعل المضارع يفيد معنى الدأب والعادة، وقد أقيم المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق علةً لاستحقاقهم فتنة الدارين. وروى الإمام عن الأخفش، أن "عن": صلةٌ، وقال غيره: معناه: يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته، فدخلت "عن" لتضمين المخالفة معنى الإعراض، كذا في "الوسيط" و"المطلع". وأما استدلال الأصوليين بهذه الآية على وجوب الأمر فهو إ نما يصح ويتم إذا جعل قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ تذييلًا للآيتين جميعًا، ويراد بالأمر ما يشمل
[ ١١ / ١٦٣ ]
الضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ لله سبحانه، أو للرسول - ﷺ -، والمعنى: عن طاعته ودينه. ﴿فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ في الدنيا، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. وعن ابن عباس: ﴿فِتْنَةٌ﴾: قتل. وعن عطاء: زلازل وأهوال. وعن جعفر بن محمد: يسلط عليهم سلطانٌ جائر.
[﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦٤].
أدخل ﴿قَدْ﴾، ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن "قد" إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى "ربما"، فوافقت "ربما" في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله:
فإن تمس مهجور الفناء فربما … أقام به بعد الوفود وفود
ونحوه قول زهير:
أخي ثقةٍ لا تهلك الخمر ماله … ولكنه قد يهلك المال نائله
والمعنى: أن جميع ما في السماوات والأرض مختصةٌ به خلقًا وملكًا وعلمًا،
_________________
(١) ـ الأمرين معًا: الشأن، والطلب، كما آذن به كلام المصنف وأشرنا إليه. أما معنى الشأن فقد أومأ الله ﷿ إليه بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾، وأما معنى الطلب فقد أشير إليه بقوله: ﴿فَاذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. قوله: (فإن تمس مهجور الفناء)، البيت، الوفود: طلاب الحاجات. يقول: إن مت وصرت مهجور الساحة، فربما ازدحمت الوفود فيما مضى من حياتك على بابك.
[ ١١ / ١٦٤ ]
فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟ وسينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم، وسيجازيهم حق جزائهم.
والخطاب والغيبة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يجوز أن يكونا جميعًا للمنافقين على طريق الالتفات. ويجوز أن يكون ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ عامًا، ﴿يُرْجَعُونَ﴾ للمنافقين. والله أعلم.
عن رسول الله - ﷺ -: "من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسناتٍ بعدد كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مضى وفيما بقي".
_________________
(١) ـ قوله: (فكيف تخفى [عليه] أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟)، هذا معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ لأنه قال فيه: "وهم المنافقون"، وهذا أيضًا يقوي بيان النظم السابق. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ عامًا)، أي: في المنافقين والمؤمنين، أما في المؤمنين وأحوالهم فمن قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، وأما في المنافقين وخبثهم فمن قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فيكون تسليةً ووعدًا بالنسبة إلى المؤمنين، وتهديدًا بالنسبة إلى المنافقين، وتخويفًا في الدنيا، ووعيدًا في العقبى خاصًا في حق المنافقين، لأن قوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يأبى أن ينزل على المؤمنين، ولذلك غير التغليب في الخطاب بأنتم إلى الغيبة في ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾. تمت السورة والله الموفق للصواب * * *
[ ١١ / ١٦٥ ]