مكية، وهي تسع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)] ١ - ٩ [.
الهمز: الكسر، كالهزم. واللمز: الطعن؛ يقال: لمزه ولهزه طعنه،
_________________
(١) سورة الهمزة مكية، تسع آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (الهُمز: الكسر)، عن بعضهم: الهمز كالعصر باليد، [يقال]: همزت الشيء في كفي، ومنه: الهمز في الحروف. وهمز الإنسان: اغتيابه، يقال: رجل هامز وهماز وهُمزة.
[ ١٦ / ٥٦٨ ]
والمراد: الكسر من أعراض الناس والغض منهم، واغتيابهم؛ والطعن فيهم. وبناء (فعلة) يدل على أنّ ذلك عادة منه قد ضري بها. ونحوهما: اللعنة والضحكة، قال:
وإن أغيّب فأنت الهامز اللّمزه
_________________
(١) ـ قوله: (والغض منهم)، الجوهري: "وغض منه يُغض بالضم، أي: وضع ونقص من قدره". وعن غيره: منه غض الطرف والصوت: خفضهما، وغض الملامة: كفها. قوله: (وبناء فُعلة يدل على أن ذلك عادة منه)، الانتصاف: "ما أحسن مُقابلة الهُمزة واللُّمزة بالحُطمة، لأنه لما وسمه بهذه السمة، وبما يدل على الرسوخ والتمكن، توعد فيها بهذه الصفة ليحصل التعادل بين الفعل والجزاء". وقلت: فيه لطيفة أخرى من حيث التعادل، وهي أن الهمز فيه معنى الكسر من الأعراض، والحطم فيه معنى الكسر من الأضلاع، والنبذ فيه استحقار واستقلال، لأنه كان يزعم أنه من أهل الكرامة، قال في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠]: "شبههم استحقارًا لهم واستقلالًا لعددهم، بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر". روى الواحدي عن مقاتل: "هي تُحطم العظام، وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب". قوله: (وإن أُغَيب فأنت الهامز اللُّمزة)، قيل: أوله: تُدلي بودي إذا لاقيتني كذبًا
[ ١٦ / ٥٦٩ ]
وقرئ: (ويل للهمزة اللمزة)، وقرئ: (ويل لكل همزة لمزة) بسكون الميم، وهو المسخرة الذي يأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم. وقيل: نزلت في الأخنس ابن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة. وقيل: في أمية بن خلف. وقيل: في الوليد ابن المغيرة واغتيابه لرسول الله ﷺ وغضه منه.
ويجوز أن يكون السبب خاصًا والوعيد عامًا، ليتناول كل من باشر ذلك القبيح،
_________________
(١) وأنشد الزجاج لزياد الأعجم: إذا لقيتك عن سُخط تُكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللُّمزه ابن السِّكيت: "الكشر: التبسم، يقال: كشر الرجل وافتر وابتسم، كل ذلك تبدو منه الأسنان". قوله: (بالأوابد)، الأساس: "ومن المجاز: فلان مولع بأوابد الكلام، وهي غرائبه، وبأوابد الشِّعر، وهي التي لا تُشاكل جودة". قوله: (ويجوز أن يكون السبب خاصًا والوعيد عامًا)، روى الإمام عن الفراء أنه قال: "كون اللفظ عامًا، لا ينافي أن يكون المراد منه شخصًا معينًا، كما أن إنسانًا لو قال لك: لم أزرك أبدًا، فتقول: كل من لم يزرني لا أزوره، وهو المسمى في "أصول الفقه" بتخصيص العام بقرينة العُرف".
[ ١٦ / ٥٧٠ ]
وليكون جاريًا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإنّ ذلك أزجر له وأنكي فيه. (الَّذِي) بدل من كل، أو نصب على الذم. وقرئ: (جمع) بالتشديد، وهو مطابق لـ (عدده).
وقيل: (عَدَّدَهُ) جعله عدة لحوادث الدهر. وقرئ: (وعدده) أي: جمع المال وضبط عدده وأحصاه، أو جمع ماله وقومه الذين ينصرونه، من قولك: فلان ذو عدد وعدد: إذا كان له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم. وقيل: (وَعَدَّدَهُ) معناه: وعدّه على فك الإدغام، نحو: ضننوا.
_________________
(١) قوله: (وليكون جاريًا مجرى التعريض بالوارد فيه)، يعني: إذا كان الوارد منه الأخنس أو أمية أو الوليد، ويجاء باللفظ على العموم تعريضًا، كان أزجر له وأنكى فيه، إذ لم يصرح باسمه حتى يلبس لمن كافحه به جلد النمر، بل يبعثه على الفكر في أحوال نفسه، وأنه هل دخل في هذا العام أول الناس بما اغتاب به خير البرية ونقص من حقه؟ الأساس: "نكيت في العدو نكاية: إذا أكثرت الجراح فيهم، يقال: فلان قليل النكاية طويل الشكاية". قوله: (أو نصب على الذم)، قيل: يجوز أن يكون صفة لـ "كُل" لأنه معرفة، كما ذكر في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: أن ﴿مَّعَهَا سَائِقٌ﴾ محلها النصب على الحال من ﴿كُلُّ﴾، لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حُكم المعرفة. قوله: (ضننوا)، أي في قول الشاعر: مهلًا أعاذل هل جربت من خلقي أني أجود لأقوام وإن ضننوا
[ ١٦ / ٥٧١ ]
(أَخْلَدَهُ) وخلده بمعنى أي: طوّل المال أمله، ومناه الأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أنّ المال تركه خالدًا في الدنيا لا يموت، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض، عمل من يظن أن ماله أبقاه حيًا. أو هو تعريض بالعمل الصالح، وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم؛ فأما المال فما أخلد أحدًا فيه. وروى أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار، وقيل: عشرة آلاف.
_________________
(١) ـ فقوله: "وقيل: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾، معناه: وعده" عطف على قوله: " ﴿وَعَدَّدَهُ﴾، أي: جمع المال وضبط عدده" فعلى هذا: هو مفعول فعل محذوف على طريقة قوله علفتها تبنًا وماءً باردًا قوله: (أو يعمل)، عطف على قوله: "يحسب"، وقوله: "أو هو تعريض" عطف على قوله: "أي: طول المال أمله"، إلى آخره، من حيث المعنى. ولذلك غير العبارة؛ فهو وجهان على تقدير وجوه ثلاثة، وتقرير ذلك أن "يحسب" حال من الضمير في "جمع"، والحُسبان: إما حسبان الخلود في الدنيا، أو في النعيم أبدًا، كما قال القائل: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، وقال العاص بن وائل: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]. وعلى الأول: الحُسبان إما حقيقي؛ فهو المراد من قوله: "يحسب أن المال تركه خالدًا في الدنيا"، أو مجازي؛ فهو المعنى بقوله: "أو يعمل من تشييد البنيان"، كما قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩]. وعلى الثاني: في الآية تعريض.
[ ١٦ / ٥٧٢ ]
وعن الحسن: أنه عاد موسرًا فقال: ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت على كريم؟ قال: ولكن لماذا؟ قال: لنبوة الزمان، وجفوة السلطان، ونوائب الدهر، ومخافة الفقر. قال: إذن تدعه لمن لا يحمدك، وترد على من لا يعذرك. (كَلَّا) ردع له عن حسبانه.
_________________
(١) ثم المناسب على الأول أن يجعل ﴿الَّذِي﴾ بدلًا من ﴿كُلِّ﴾، لأن المعنى: ويل للذي جمع مالًا وعدده، وطول بعد ذلك أمله ووقع في الغرور، لأنه حسب أن ماله تركه خالدًا في الدنيا. وعلى الثاني أن يجعل نصبًا على الذم، لأن المعنى: ويل للطاعن الفاسق، أعني: الذي جرأه على الطعن والفسق، جمع المال والاعتماد على الرجال، ومع ذلك يحسب أن ماله يُخلده في النعيم، ﴿كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾؛ بل الذي يُخلد صاحبه في النعيم المقيم في الجنة، هو العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، فحينئذ يحصل من الوجهين نشر لما لف في قوله: "الذي: بدل من "كل"، أو نصب على الذم"، والله أعلم. قوله: (لم أفتد بها من لئيم)، أي: ما جعلت مالي فداءً لعرضي منه لأسلم من أذاه، وأنشد: أصون عرضي بمالي لا أُدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال قوله: (لنبوة الزمان)، الأساس: "نبا عني فلان: فارقني، وبيني وبينه نبوة، وهو يشكو نبوة الزمان وجفوته". قوله: (﴿كَلَّا﴾: ردع له عن حُسبانه)، قال الإمام: "أي ليس كما ظن أن المال والعدد يُخلِد، بل العلم والصلاح، قال علي ﵁: "مات خزان المال وهم أحياء والعلماء
[ ١٦ / ٥٧٣ ]
وقرئ: (لينبذان) أي: هو وماله. و(لينبذن)، بضم الذال، أي: هو وأنصاره، و(لينبذنه)، (فِي الْحُطَمَةِ) في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها. ويقال للرجل الأكول: إنه لحطمة. وقرئ: (الحاطمة) يعنى أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشد تألمًا منه بأدنى أذًى يمسه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه. ويجوز أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة. ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها. أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها.
_________________
(١) باقون ما بقي الدهر". أو حقًا لينبذن واللام جواب القسم، فدل على حصول القسم في ﴿كَلَّا﴾، وفي النبذ الإهانة والتحقير، لأنه كان يزعم أنه من أهل الكرامة". قوله: (ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد)، الراغب: "الفؤاد كالقلب، لكن يقال له فؤاد، إذا اعتبر فيه معنى التفؤد، أي: التوقد، يقال: فأدت اللحم: شويته، ولحم فئيد: مشوي. وتخصيص الأفئدة في قوله تعالى: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾، تنبيه على فرط تأثير له". قوله: (أو تُطالع على سبيل المجاز معادن مُوجبها)، وفي اختصاص لفظ "معادن" تلويح إلى عكس معنى قوله؟: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة"، ولما كانت أفئدة هؤلاء محل مقر الرجس والخبث من العقائد الفاسدة الموجبة للنار، وأُقر بدء إحراق كل أحد على قدر استحقاقه، قيل: تطالع على المجاز معادن مُوجبها. وفي "التيسير": قال أبو سعيد: إنها تعلم مقدار ما يستحق كل منهم من العذاب، لما كان في قلبه من الكفر والعقائد الفاسدة، من قولك: اطلع فلان على أمرنا، أي: وقف عليه، وعَلمَه، أي: جعلها الله بحيث
[ ١٦ / ٥٧٤ ]
(مُؤْصَدَةٌ) مطبقة. قال:
تحنّ إلى أجبال مكّة ناقتي … ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة
وقرئ: (في عمد) بضمتين، و(عمد)، بسكون الميم، و(عمد) بفتحتين. والمعنى: أنه يؤكد يأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد، فتؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقًا في استيثاق
_________________
(١) تحرق كل أحد على استحقاقه، لا تزيد ولا تنقص، كأنها وقفت على مبلغ استحقاقه، قال: ولما جاز وصفها بالتغيظ وبأنها تدعو من أدبر وتولى، جاز وصفها بهذا. قوله: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة)، الراغب: "الوصيدة: حجرة تجعل للمال في الجبل، يقال: أوصدت الباب وآصدته: أطبقته وأحكمته، قال تعالى: (﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾، وقرئ بالهمز". قوله: (وقرئ: "في عُمُد")، أبو بكر وحمزة والكسائي: بضمتين، والباقون: بفتحتين. قوله: (وتُمدد على الأبوا العُمُد)، قيل: على هذا: ﴿فِي عَمَدٍ﴾ حال من الضمير في ﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾، أعني العائد إلى الأبواب، وعلى قوله: "موثقين في عمد": حال من الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
[ ١٦ / ٥٧٥ ]
ويجوز أن يكون المعنى: أنها عليهم مؤصدة، موثقين في عمد ممدّدة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص، اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "الهمزة"، أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد وأصحابه».
_________________
(١) ـ قوله: (مثل المقاطر)، الجوهري: "المقطرة وهي الفلق، وهي خشبة فيها خروق تدخل فيها أرجل المحبوسين". وقلت: الوجه الأول مناسب لما روي أن الآية نزلت في أخنس بن شريق، أو أمية بن خلف، أو الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله؟؛ فإنه تعالى لما بين أن ﴿الْحُطَمَةِ﴾، هي النار التي تطالع معادن موجبها، أتبعه قوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾، أي: النار طالعت على استحقاق هؤلاء بسبب اغتيابهم خير البشر، فكانت عليهم مؤصدة مطبقة، فأكد يأسهم من الخروج، وتيقنهم بحبس الأبد. والثاني موافق لأن يراد بقوله: ﴿لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ العموم، وهو المشار إليه بقوله: "وهو المسخرة الذي يأتي بالأوابد والأضاحيك"، لأنه يطعن في أعراض الناس، كاللص الذي يسرق أموالهم؛ فعلى هذا، يلزم خلودهم في النار. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٥٧٦ ]