مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) ١ - ٥].
(انْفَطَرَتْ) انشقت، (البحار فُجِّرَتْ) فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالمالح، وزال البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحرًا واحدًا. وروى أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار، فتصير مستوية، وهو معنى التسجير عند الحسن. وقرئ: (فجرت) بالتخفيف، وقرأ مجاهد: فجرت على البناء للفاعل والتخفيف، بمعنى: بغت لزوال البرزخ نظرًا إلى قوله تعالى: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لأنّ البغي والفجور أخوان. بعثر وبحثر بمعنى، وهما مركبان من البعث والبحث مع راءٍ مضمومةٍ إليهما. والمعنى: يحثت وأخرج موتاها. وقيل: لبراءة المبعثرة؛ لأنها بعثرت أسرار المنافقين.
[(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) ٦ - ٨]
فإن قلت: ما معنى قوله: (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)؟ وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به،
_________________
(١) سورة ﴿انفَطَرَتْ﴾ مكية، وهي تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به؟)، يعني: أن قوله: ﴿مَا غَرَّكَ﴾: إنكار
[ ١٦ / ٣٢٣ ]
_________________
(١) الغرور، ووجود الغرور حُكم يصح ترتبه على وصف الكرم؛ لأنه مناسب، فكيف أنكره؟ يدل على المناسبة حديث عليٍّ ﵁ مع غلامه. وأجاب أن وصف الكرم في الآية مُقيد مقرون بقوله: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، ومعناه: أنه تكرم على الإنسان بأن أخرجه من العدم إلى الوجود أولًا، ثم تفضل عليه ثانيًا بأن مكنه من العمل، وعرضه للثواب والعقاب، ليعرف حق تلك النعمة ويشكر ربه، فلما قصر فيه وغفل عنه أنكر عليه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (الَّذِي خَلَقَكَ﴾، يعني: من حق الإنسان أن لا يغتر بهذا الكرم، بل يجتهد في العمل ويقابل تلك النعمة بالشكر ولا يقول: قد أحسن الله إليّ حيث أوجدني من العدم، كذلك يحسن إليَّ إذا أنا مِتُّ فيغفر لي، وهو المراد من قوله: "اغترارًا بالتفضل الأول". وحاصله: أنه تعيير وتوبيخ، وليس بإطماع، فقوله: "وبتفضله" عطف على "بتكرم الله"، و"حتى": غاية "أن لا يغتر". وقوله: "أن يتفضل": مفعول "يطمع"، و"اغترارًا": علة لقوله: "حتى يطمع أن يتفضل عليه بالثواب". وقوله: "فإنه مُنكر"، مسبب عن قوله: "إن حق الإنسان أن لا يغتر"، إلى آخره. وقوله: "وقيل: للفضيل" جواب عن سؤال مقدر، يعني: إذا كان القيد ما ذكرت، فكيف قيده فُضيل بالستور المرخاة. وأجاب: أن كلامه مبني على الاعتراف بالقصور لا على الاعتذار؛ لأن فُضيلًا كان يغلب عليه الخوف، وأنشد صاحب "المطلع" لمحمد بن السماك في المعنى: يا كاتم الذنب أما تستحي [و] الله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا قال صاحب "الانتصاف": "هذه جعجعة فارغة، فالآية في الكفار لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ
[ ١٦ / ٣٢٤ ]
_________________
(١) تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، وتخليدهم حق ولكن ليس واجبًا على الله، ويجوز عقلًا أن لا يُخلد الكافر وأن يدخله الجنة لولا ورود السمع، فالله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد". وقلت: الحق العموم في الآية كما ذهب إليه المصنف. وقال الإمام: "في الإنسان قولان، أحدهما: أنه الكافر، لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، والثاني: أنه متناول لجميع العُصاة، وهو الأقرب؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ". وقلت: والنظم يساعد عليه، وذلك أن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، كالاعتراض بين قرينتي الجمع والتقسيم. فإن قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، عام اشتمل على الفُجار والأبرار، وقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، تقسيم تضمن معنى التفريق، فإنه تعالى لما بين أحوال القيامة بانفطار السماء وانتثار الكواكب وانفجار الأبحر والبعث عن القبور، ثم إطلاع كل نفس: برها وفاجرها على عملها، خيرها وشرها، نبه جنس الإنسان عن رقدة الغفلة وسنة الجهالة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ﴾، يعني: أيها الغافل، وراءك هذا الخطب الجسيم والخطر العظيم، وأنت قد اغتررت بما تكرم عليك ربك حيث خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، فاشتغلت بذلك عن التزود لدار القرار، وأخلدت إلى دار الغرور، ولما كان مؤدى هذه الغفلة، الاغترار إلى الذهول عن المستقر الأصلي، نزله منزلة التكديب بيوم الدين، حتى أضرب عنه بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، وهذا كما ترى من حال المتمادي في أمور الدنيا من المتسمين بالإسلام، إذا سمع شيئًا من أمر الآخرة تقبض واشمأز لغاية انهماكه في لذات العاجلة. ونظيره في تهديد المطففين: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤]، جعلهم
[ ١٦ / ٣٢٥ ]
وإنما يغتر بالكريم، كما يروى عن على ﵁ أنه صاح بغلام له كرّاتٍ فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟ قال: لثقتي بحلمك وأمنى من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
قلت: معناه أنّ حق الإنسان أن لا يغتر بتكرم الله عليه، حيث خلقه حيًا لينفعه، وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعد ما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها، أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب، اغترارًا بالتفضل الأوّل، فإنه منكرٌ خارجٌ من حد الحكمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ لما تلاها: «غرّه جهله»، وقال عمر ﵁: غرّه حمقه وجهله، وقال الحسن: غره والله شيطانه الخبيث، أي: زين له المعاصي وقال له: افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلًا وهو متفضلٌ عليك آخرًا، حتى ورطه، وقيل للفضيل ابن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك: "ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"ماذا تقول؟ قال أقول: غرتني ستورك المرخاة. وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر، وليس باعتذارٍ كما يظنه الطماع،
_________________
(١) أسوأ حالًا من الكفار؛ لأنه تعالى أثبت للكفار ظنًا في قوله: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] ونفاه عنهم. قال القاضي: " ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه؟ وذكر ﴿الْكَرِيمِ﴾ للمبالغة في المنع عن الاغترار، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم، وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام؟ وعن الاشتغال بما به يغُرُه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت، فربك كريم لا يُعذب أحدًا ولا يُعاجل بالعقوبة. وللدلالة على أن كثرة كرمه، تستدعي الجِدَّ في الطاعة لا الانهماك في المعصية اغترارًا بكرمه. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾، صفة ثانية مقررة للربوبية، مبنية للكرم، منبهة على أن من قدر على ذلك أولًا، قدر عليه ثانيًا". قوله: (كما يظنه الطماع)، قيل: "ما": مصدرية، والضمير في "يظنه" يعود إلى الظن،
[ ١٦ / ٣٢٦ ]
ويظن به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم: إنما قال: (بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرّني كرم الكريم. وقرأ سعيد بن جبير: (ما أغرّك) إما على التعجب، وإما على الاستفهام؛ من قولك: غرّ الرجل فهو غارّ: إذا غفل، من قولك: بيتهم العدوّ وهم غارّون، وأغرّه غيره: جعله غارًا. (فَسَوَّاكَ) فجعلك سويًا سالم الأعضاء، (فَعَدَلَكَ) فصيرك معتدلًا متناسب الخلق من غير تفاوتٍ فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، ولا بعض الشعر فاحمًا وبعضه أشقر. أو جعلك معتدل الخلق تمشى قائما لا كالبهائم. وقرئ: (فعدلك) بالتخفيف، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى المشدّد، أي: عدل بعض أعضائك ببعضٍ حتى اعتدلت. والثاني: (فَعَدَلَكَ) فصرفك؛ يقال: عدله عن الطريق يعنى: فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقةً حسنةً مفارقةً لسائر الخلق. أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات
_________________
(١) أي: ليس باعتذار مثل ظن الطماع ذلك الظن، كما في قولك: عبد الله أظنه منطلق، أي: أظن الظن، منطلق. ولا يجوز أن تكون موصولة، والعائد الضمير؛ لأنه يلزم اقتصار الظن على أحد مفعوليه، وهو غير جائز. وأما ما ذكر في مواضع من هذا الكتاب أن أحد مفعولي حسب محذوف، فهو فيما إذا كان الفاعل والمفعول شيئًا واحدًا في المعنى، كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾ [النور: ٥٧]، وقد صرح بهذا الشرط في كتابه، حيث قال: "الأصل: لا تحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك، أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر الاتنين عن ذكر الثالث". قوله: (وقُرئ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف)، الكوفيون، والباقون: بالتشديد.
[ ١٦ / ٣٢٧ ]
(ما) في (ما شاءَ) مزيدة، أي: ركبك في أيّ صورةٍ اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلقة في الحسن والقبح والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه.
فإن قلت: هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟
قلت: لأنها بيانٌ لعدلك.
فإن قلت: بم يتعلق الجار؟
قلت: يجوز أن يتعلق بركبك على معنى: وضعك في بعض الصور ومكنك فيه، وبمحذوف أي: ركبك حاصلًا في بعض الصور؛ ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق بعدلك، ويكون في «أيّ» معنى التعجب، أي فعدلك في صورةٍ عجيبة، ثم قال: ما شاء ركبك. أي ركبك ما شاء من التراكيب، يعنى تركيبًا حسنًا.
_________________
(١) قوله: (هلا عُطفت هذه الجملة؟)، أي: قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، أي: لِمَ لَمْ يقل: ففي أي صورة، أو: فركَّبك في أي صورة؟ كما عطف ما قبلها، أي: قوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. قوله: (ويجوز أن يتعلق بعَدَلَك)، عطف على قوله: "يجوز أن يتعلق بـ ﴿رَكَّبَكَ﴾ "، وعلى الأول إما صلة له وضمن "ركب" معنى "وضع"، أو حال من المنصوب فيه، وعلى التقديرين الجملة بيان للجملة الأولى، وعلى الوجه الثاني ﴿مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ بيان، فإنه لما قيل: ﴿فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ على التعجب، والتنكير للتفخيم، قيل: ما ذلك التعديل المفخم العجيب الشأن، وأجيب: لا يحيط الوصف بذلك، فإنه كما شاء الله ركبك، ولا يعلم ذلك إلا هو. قال صاحب "الكشف": ﴿مَّا﴾ صلة زائدة، و﴿شَاءَ﴾: في موضع الجر صفة لـ ﴿صُورَةٍ﴾، و﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾: صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾، أي: عدلك وركبك في أي صورة شاء، فحُذف لكون
[ ١٦ / ٣٢٨ ]
[(كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِرامًا كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) ٩ - ١٢].
(كَلَّا) ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به، وهو موجب الشكر والطاعة، إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. ثم قال: (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أصلا وهو الجزاء، أو دين الإسلام. فلا تصدّقون ثوابًا ولا عقابًا وهو شر من الطمع المنكر
_________________
(١) الجملة الثانية بيانًا للأولى. وقال: وقيل: ما: شرطية، وشاء: في موضع الجزم، وركبك: جواب الشرط، ولا يكون الجار على هذا صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾؛ لأنه يقال: إن تضرب زيدًا أضرب عمرًا، لا يجوز تقديم "عَمرًا" على إن، فوجب أن تكون ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾: صلة مُضمر، ولا تكون من صلة "عدلك"؛ لأنه استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فعلى هذا، في كلام المصنف إشكال؛ لأنه جعله من صلة عدلك في الوجه الأخير. والجواب: التقدير: فعدلك فيما يقال في حقه: أي صورة ما شاء ركبك. قوله: (﴿كَلَّا﴾ ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله)، يعني: ﴿كَلَّا﴾: ردع، لما دل عليه قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. وقوله: إلى عكسهما، متعلق بقوله: "والتسلق به". وقوله: "وهو موجب الشكر والطاعة"، حال، أي: انتهوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به إلى الكفران والمعصية، والحال أن التسلق بكرم الله ﷿ موجب الشكر والطاعة. قوله: (وهو شر من الطمع المنكر)، يعني: في قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ كما سبق، ففيه ترَقٍّ من الأهون إلى الأغلظ. قال القاضي: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: "إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم". الراغب: "بل هاهنا التصحيح الثاني وإبطال الأول، كأنه قيل: ليس هنا ما يقتضي أن يغرهم به تعالى، ولكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه".
[ ١٦ / ٣٢٩ ]
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) تحقيق لما يكذبون به من الجزاء، يعنى أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيمٌ لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، ويجازى به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة. وفيه إنذارٌ وتهويلٌ وتشويرٌ للعصاة ولطفٌ للمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدّها من آية على الغافلين!
[(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) ١٣ - ١٦].
(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) كقوله: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) [المائدة: ٣٧]، ويجوز أن يراد: يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك،
_________________
(١) قوله: (تحقيق لما يكذبون به من الجزاء)، بيان "ما"، أي أن قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾، يقرر أن المراد بالدين هو الجزاء لا دين الإسلام، لأن الحفظة لا يكتبون الجزاء، فيكون قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾: حالًا مقررة لجهة الإشكال، وإليه الإشارة بقوله: إنكم تكذبون بالجزاء، والكاتبون عليكم أعمالكم. قوله: (وتشوير للعصاة)، الجوهري: "شورت الرجل فتشور، أي: أخجلته فخجل". قوله: (﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧])، قال في تفسيره: " ﴿هُمْ﴾ دلت على قوة أمرهم فيما أسند إليهم، لا على الاختصاص" بناء على مذهبه. والوجهان اللذان ذكرهما هاهنا، ذكرهما فرارًا من معنى الاختصاص الذي يؤدي إليه مذهب أهل الحق ولا محيد له عنه؛ لأن إيلاء الضمير حرف النفي يدل على أن الكلام في الفاعل، لا في الفعل، والمسألة متفق عليها، وقد استقصيناها في البقرة.
[ ١٦ / ٣٣٠ ]
يعني: في قبورهم، وقيل: أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات: حال الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحال الآخرة التي يجازى فيها، وحال البرزخ وهو قوله: (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ).
[(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) ١٧ - ١٩].
يعنى أن أمر يوم الدين بحيث لا ندرك دراية دارٍ كنهه في الهول والشدّة، وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه، والتكرير لزيادة التهويل، ثم أجمل القول في وصفه فقال: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) أي: لا تستطيع دفعًا عنها ولا نفعًا لها بوجه، ولا أمر إلا لله وحده. من رفع فغلى البدل من (يوم الدين)،
_________________
(١) قوله: (يعني: في قبورهم)، والواو على هذا: للعطف، فيقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، أي: إنهم الآن ليسوا بغائبين عن الجحيم، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وعلى الأول: للحال. قوله: (إن أمر يوم الدين بحيث لا تُدرك دراية دار)، وعن بعضهم: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا للاستبعاد، والاستفهام في "ما" للاستنكار، وجعل ذلك مستبعدًا مستنكرًا. قوله: (ولا أمر إلا لله وحده)، الأمر: واحد الأمور، لا واحد الأوامر، قال الواحدي عن قتادة: "ليس أحد يقضي شيئًا أو يضع شيئًا إلا رب العالمين"، ولذلك عقب المصنف قوله: ولا أمر إلا لله وحده، قوله: أي: لا يستطيع دفعًا عنها ولا نفعًا لها بوجه. قوله: (من رفع فعلى البدل)، ابن كثي وأبو عمرو، والباقون: بنصبها.
[ ١٦ / ٣٣١ ]
أو على: هو يومٌ لا تملك. ومن نصب فبإضمار يدانون؛ لأنّ الدين يدل عليه، أو بإضمار اذكر. ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكنٍ وهو في محل الرفع.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ "إذا السماء انفطرت" كتب الله له بعدد كل قطرةٍ من السماء حسنة وبعدد كل قبرٍ حسنةً».
_________________
(١) قوله: (لإضافته إلى غير متمكن)، قال الزجاج: "هو مبني على الفتح لإضافته إلى قوله: ﴿لَا تَمْلِكُ﴾؛ لأن ما يُضاف إلى غير المتمكن قد يُبني على الفتح وإن كان في موضع رفع أو جر"، والله تعالى أعلم. تمت السورة بعون الله وتوفيقه والحمد لله رب العالمين * … * … *
[ ١٦ / ٣٣٢ ]