سورة ﴿حم * عسق﴾
مكية، وهي ثلاث وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١ - ٥]
قرأ ابن عباس وابن مسعود ﵄: حم سق
_________________
(١) ـ سورة ﴿حم * عسق﴾ مكية، وهي ثلاث وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (قرأ ابن عباس وابن مسعود: "حم سق"): قال الزجاج: "المصاحف فيها العين ثابتة"، وقال ابن جني: "روى محبوب، عن إسماعيل، عن الأعمش، عن ابن مسعود: "حم سق"، وهذا مما يؤكد أن يكون الغرض من هذه الفواتح كونها فواصل بين السور، ولو
[ ١٤ / ٥ ]
﴿كَذلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ﴾ أي: مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ يعني: أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى: أن الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده من الأوّلين والآخرين، ولم يقل: "أوحي إليك"، ولكن على لفظ المضارع، ليدل على أن إيحاء مثله عادته.
وقرئ: "يوحى إليك"، على البناء للمفعول
_________________
(١) ـ كانت أسماء الله تعالى لما جاز تغيير شيء منها، وأما نحو: جبرائيل وميكائيل، فإنها أسماء أعجمية، فبعدت عن كلامهم، فاجترأت عليها، وتلعبت بها، وكان ابن عباس أيضًا يقرؤها كذلك". قوله: (أي: مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب): والأول على أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: يوحي إليك مثل ذلك الوحي، والثاني على أن يكون مفعولًا به، والمشار إليه: ﴿حم * عسق﴾، لأنه اسم للسورة، ولذلك قال: "إن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور". قال أبو البقاء: "وفيه وجهان: أحدهما: أن ﴿كَذَلِكَ﴾ مبتدأ، و﴿يُوحِي﴾ الخبر. والثاني: أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ نعتًا لمصدر محذوف، أي: وحيًا مثل ذلك". قوله: (على لفظ المضارع؛ ليدل على أن إيحاء مثله عادته): أشار إلى أن دلالته للاستمرار، فهو على منوال قوله: "فلان يقري ويحمي الحريم"؛ في مقام المدح، أراد: أن ذلك دأبه وعادته، لا الإخبار. قوله: (وقرئ: "يوحي إليك" على البناء للمفعول): قرأها ابن كثير، والباقون: على البناء للفاعل. ؟
[ ١٤ / ٦ ]
فإن قلت: فما رافع اسم الله على هذه القراءة؟ قلت: ما دلّ عليه ﴿يوحي﴾، كأن قائلًا قال: من الموحي؟ فقيل: الله، كقراءة السلمي: "وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ أولادِهم شركاؤهم" على البناء للمفعول ورفع شركائهم، على معنى: زينه لهم شركاؤهم. فإن قلت: فما رافعه فيمن قرأ "نوحي" بالنون؟ قلت: يرتفع بالابتداء.
و﴿العَزِيزُ﴾ وما بعده: أخبار، أو ﴿الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾: صفتان، والظرف خبر.
قرئ: ﴿تَكَادُ﴾ بالتاء والياء. و"ينفطرن"، و﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾،
_________________
(١) ـ قوله: (كأن قائلًا قال: من الموحي؟ فقيل: الله): فإن قلت: في أمثال هذا السؤال: إنما يعيدون الفاعل مع الفعل ليقع المرفوع فاعلًا لفعل محذوف، كما فعل أبو البقاء وقال: "و﴿اللهُ﴾ فاعل لفعل محذوف، كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله"، وقدروا في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]: من يسبح؟ فأجيب: رجال، أي: يسبح رجال. وكذا في قوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]: من زينه؟ فأجيب: زينه لهم شركاؤهم، فما له أوقع السؤال: من الموحي؛ ليجاب: الله، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الموحي الله؟ وأجيب: أن هذا التقدير إنما نشأ من الفعل المضارع ودلالته على الاستمرار كما مر، فأوجب ذلك أن يجاء في السؤال بما يجاب عنه بالدوام، ويمكن أن يقال: أن تلك الأمثلة السؤال فيها عن فاعل مجهول، بخلافه في هذا المقام، فإنه لما قيل: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ لم يخف على أحد أن الموحي من هو؟ فلا يكون السؤال عن تعيين الموحي، بل ليجاب بما ينبئ عن المدح والتعظيم، ومن ثم قرن اسم الذات بذكر صفات تتضمن معنى الجلال والكبرياء، ثم عقب بالتنزيه البليغ. لله در المصنف ولطيف عباراته، ولو قال: "من يوحي؟ " لفات كل هذه الفوائد. قوله: (وقرئ: ﴿تَكَادُ﴾ بالتاء والياء): بالياء التحتانية: نافع والكسائي، والباقون: بالتاء. و"ينفطرن" بالنون: أبو بكر وأبو عمرو، والباقون: بالتاء الفوقانية. ؟
[ ١٤ / ٧ ]
وروى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة: "تتفطرن" بتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر، روي في "نوادر" ابن الأعرابي: "الإبل تشممن". ومعناه: يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه مجيئه بعد ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. وقيل: من دعائهم له ولدًا، كقوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠].
فإن قلت: لم قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾؟ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة: فوق السماوات، وهي: العرش، والكرسي
_________________
(١) ـ قوله: (قراءة غريبة): لأن جمع المؤنث الغائب إنما يكون بالياء التحتانية لا بالتاء، قال: "الوجه في مثل هذا تأكيد التأنيث، كتأكيد الخطاب في قولك: أرأيتك؟ وقال: الشاذ على وجوه: شاذ عن القياس، وشاذ عن الاستعمال مع موافقة القياس، وشاذ عنهما جميعًا، وهذا من قبيله". قوله: (يدل عليه مجيئه بعد ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾): يعني: قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن معناه: أن السماوات يتفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه أن الآية بجملتها مبنية لمعنى العظمة والعلو في قوله: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾، ولذلك ترك العاطف. وثانيهما: أن المعنى: تكاد السماوات يتفطرن من دعائهم له ولدًا وشريكًا، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٩١]، يؤيده مجيء قوله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ بعده. وأما إيراد قوله: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فلأنهم استوجبوا بمقالتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا، ولكن صرف ذلك عنهم؛ لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦]، وعلى هذا: الآية واردة للتنزيه بعد إثبات المالكية التامة والعظمة والكبرياء. ؟
[ ١٤ / ٨ ]
وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾، أي: يبتدئ الانفطار من جهتهنّ الفوقانية. أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذين تحت السماوات، فكان القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهنّ.
ونظيره في المبالغة قوله عزّ وعلا: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]، فجعل الحميم مؤثرًا في أجزائهم الباطنة. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: من فوق الأرضين.
فإن قلت: كيف صح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار أعداء الله؟ وقد قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١]، فكيف يكونون لاعنين مستغفرين لهم؟ قلت: قوله: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يدل على جنس أهل الأرض، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم،
_________________
(١) ـ قوله: (وصفوف الملائكة المرتجة): قال في "الفائق": "رج الشيء فارتج: حركه فتحرك"، الجوهري: "ارتج البحر وغيره: اضطرب"، و"بالتسبيح" متعلق بقوله: "المرتجة"، وهي صفة للصفوف: قوله: (أو لأن كلمة الكفر جاءت): هذا الجواب مبني على الوجه الثاني من تفسير سبب الانفطار. قوله: (ونظيره في المبالغة قوله عز وعلا: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: ذكر فيه تأثير الصب في الأجزاء الباطنة، وترك بيان تأثيره في موضع الصب، وهو "رؤوسهم"؛ ليؤذن به أن الموضع الذي ليس موقعًا للصب كذلك، فما بال الموضع الذي وقع فيه الصب؟
[ ١٤ / ٩ ]
فيجوز أن يراد به هذا وهذا. وقد دل الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله، وهم المؤمنون، فما أراد الله إلا إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، وحكايته عنهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب به الاستغفار، فما تركوا للذين لم يتوبوا من المصدقين طمعًا في استغفارهم، فكيف للكفرة؟ !
ويحتمل أن يقصدوا بالاستغفار: طلب الحلم والغفران في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والمراد: الحلم عنهم، وأن لا يعاجلهم بالانتقام، فيكون عامًّا.
فإن قلت: قد فسرت قوله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ بتفسيرين، فما وجه طباق ما بعده لهما؟ قلت: أما على أحدهما: فكأنه قيل: تكاد السماوات ينفطرن هيبة من جلاله، واحتشامًا من كبريائه، والملائكة الذين هم ملء السبع الطباق،
_________________
(١) ـ قوله: (ألا ترى إلى قوله سورة المؤمن: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [غافر: ٧]؟): يريد: أن هذا المطلق مجمول على ذلك المقيد، انظر كم ركب معاسف؟ ! خص هذا العام بقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾، وقد خص ذلك بقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾، فرجع المعنى إلى قوله: ويستغفرون لمن تاب عن المعاصي. والوجه: أن يحمل هذا الاستغفار على عموم المجاز، كما سبق في سورة المؤمن. قوله: (بتفسيرين): وهو أن السماوات يتفطرن من علو شأن الله، وقيل: من دعائهم له ولدًا.
[ ١٤ / ١٠ ]
وحافون حول العرش صفوفا بعد صفوف يداومون -خضوعًا لعظمته- على عبادته وتسبيحه وتحميده، ويستغفرون لمن في الأرض خوفًا عليهم من سطواته.
وأما على الثاني فكأنه قيل: يكدن ينفطرن من إقدام أهل الشرك على تلك الكلمة الشنعاء، والملائكة يوحدون الله وينزهونه عما لا يجوز عليه من الصفات التي يضيفها إليه الجاهلون به، حامدين له على ما أولاهم من ألطافه التي علم أنهم عندها يستعصمون مختارين غير ملجئين، ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرؤا من تلك الكلمة ومن أهلها، أو يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب مع وجود ذلك فيهم، لما عرفوا في ذلك من المصالح، وحرصًا على نجاة الخلق، وطمعًا في توبة الكفار والفساق منهم.
[﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٦]
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ جعلوا له شركاء وأندادًا، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب على أحوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء، وهو محاسبهم عليها ومعاقبهم، لا رقيب عليهم إلا هو وحده، ﴿وَما أَنْتَ﴾ يا محمد بموكل بهم ولا مفوض إليك أمرهم، ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر فحسب.
[﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ٧]
ومثل ذلك ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾، وذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها؛
_________________
(١) ـ قوله: (يستعصمون مختارين): قيل: الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنهم في عصمة، ويجتهدون في الاستزادة. قوله: (وذلك): إشارة إلى المعنى الآية قبلها، وهي قوله: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، كأنه صلوات الله عليه -على ما هو دأبه وعادته- يحرص على إيمان المشركين،
[ ١٤ / ١١ ]
من أنّ الله هو الرقيب عليهم، وما أنت برقيب عليهم، ولكن نذير لهم، لأنّ هذا المعنى كرره الله في كتابه في مواضع جمة، والكاف مفعول به لـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾، و﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال من المفعول به، أي: أوحيناه إليك وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حدّ الإنذار. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر ﴿أَوْحَيْنَا﴾، أي: ومثل ذلك الإيحاء البين المفهم أوحينا إليك قرآنًا عربيًا بلسانك.
﴿لِتُنْذِرَ﴾ يقال: أنذرته كذا، وأنذرته بكذا، وقد عدي الأوّل، أعني: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ - إلى المفعول الأوّل، والثاني -وهو قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ - إلى المفعول الثاني، ﴿أُمَّ الْقُرى﴾ أهل أمّ القرى، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ من العرب، وقرئ: لينذر بالياء والفعل للقرآن.
_________________
(١) ـ فجيء بقوله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ إنكارًا عليه، وبنى عليه هذا النفي والإثبات للتشديد فيه، يعني: أمثال هؤلاء المصرين ليس في وسعك وقدرتك أن تهديهم، والله وحده هو القادر على ذلك، والذي عليك هو الإنذار فقط. أما قوله: (وهو قرآن عربي لا لبس عليك فيه): فمعناه: أن القرآن مملوء من هذا النوع من الإنكار، وبين فيه بيانًا شافيًا لا يخفى عليك معناه؛ لأنه بلسانك عربي، وأنت تسلك فيه مسلك التورية والإيهام، ولا تترك الحرص البتة، وعلى مثل هذه التورية والمبالغة قد نص المصنف في قوله تعالى: ﴿أن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وقوله صلوات الله عليه: "سأزيد على السبعين". قوله: (وقد عدي الأول -أعني: ﴿لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى﴾ - إلى المفعول الأول، والثاني -وهو قوله: ﴿وتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ - إلى المفعول الثاني): فكأن التقدير: لتنذر أم القرى بما يجب أن تنذر به، ولتنذر أم القرى بيوم الجمع. ؟
[ ١٤ / ١٢ ]
﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يوم القيامة، لأنّ الخلائق تجمع فيه. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، وقيل: يجمع بين الأرواح والأجساد. وقيل: يجمع بين كل عامل وعمله. و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له.
قرئ: ﴿فَرِيقٌ﴾ ﴿وَفَرِيقٌ﴾ بالرفع والنصب؛ فالرفع على: منهم فريق، ومنهم فريق، والضمير للمجموعين، لأن المعنى: يوم جمع الخلائق، والنصب على الحال منهم، أي: متفرّقين، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤].
فإن قلت: كيف يكونون مجموعين متفرّقين في حالة واحدة؟ قلت: هم مجموعون في ذلك اليوم مع افتراقهم في داري البؤس والنعيم، كما يجتمع الناس يوم الجمعة متفرّقين في مسجدين، وإن أريد بالجمع: جمعهم في الموقف، فالتفرّق على معنى مشارفتهم للتفرّق.
[﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٨]
﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي: مؤمنين كلهم على القسر والإكراه، كقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]،
_________________
(١) ـ روي عن المصنف أنه قال: " ﴿لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا﴾ عام في الإنذار بأحوال الدنيا والآخرة، ثم خص بقوله: ﴿وتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾، أي: يوم القيامة، زيادة في الإنذار وبيانًا لعظم أهوال يوم القيامة؛ لأن الإفراد بالذكر يدل على هذا". وقلت: ولهذا أعاد ذكر الإنذار، وهو قريب من أسلوب قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. قوله: (قرئ: ﴿فَرِيقٌ﴾ و﴿فَرِيقٌ﴾ بالرفع والنصب): أي: فريق في الجنة وفريق في السعير، أو: فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير، فالرفع مشهور، والنصب شاذ. ؟
[ ١٤ / ١٣ ]
وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، والدليل على أنّ المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان: قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ﴾ -بإدخال همزة الإنكار على المكره دون فعله- دليل على أنّ الله وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره.
_________________
(١) ـ قوله: (والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان: قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾): وقلت: الدليل عليه لا له؛ لأنه تقرر عند علماء المعاني أن مثل هذا التركيب يفيد حصول الفعل قطعًا، لكن الكلام في الفاعل: أنه هل هو رسول الله ﷺ أم الله ﷿؟ فدلت همزة الإنكار على نفي أن يكون الفاعل رسول الله ﷺ، فيختص بالله، فيكون الإكراه موجودًا. أما قضية النظم: فإن الكلام في قوله: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ سيق لنهي رسول الله ﷺ عن شدة الحرص على إيمان قوم اتخذوا من دون الله أولياء، ونزل لذلك منزلة مدع أنه وليهم ونصيرهم، وهو الوكيل على غرس الإيمان في قلوبهم، حتى رد بقوله: ﴿ومَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، وعلل ذلك بقوله: ﴿ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآية، يعني: أن ذلك لأجل أن المشيئة ما تعلقت بإيمانهم، ولم يرد الله أن يدخلهم في رحمته، فوضع "الظالمون" موضع ضمير المتخذين من دون الله أوليا؛ ليؤذن بأن الشرك ظلم عظيم، وذلك الذي منع عن النصرة والتوكيل عليهم، وذلك الذي أبعدهم من رحمته الواسعة، وكان أصل الكلام: ولكن يدخل من يشاء في غضبه. فوضع موضعه ﴿والظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾؛ غضبًا على أولئك المتخذين من دونه أولياء، وسخطًا على سوء صنيعهم؛ فاللام في ﴿والظَّالِمُونَ﴾ للعهد. ويجوز أن يكون للجنس، فيدخلوا فيه دخولًا أوليًا. وما يدل على التقابل: قول المصنف: "ألا ترى وضعهم في مقابلة "الظالمين"؟ "، يعني: دل وضع ﴿مَن يَشَاءُ﴾ في مقابلة "الظالمين" على أن ذلك المطلق مقيد بما يقابل هذا المعين، وما ؟
[ ١٤ / ١٤ ]
والمعنى: ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعًا على الإيمان، ولكنه شاء مشيئة حكمة، فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون، ليدخل المؤمنين في رحمته -وهم المرادون بـ ﴿مَن يَشَاءُ﴾، ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة "الظالمين"؟ -، ويترك الظالمين بغير ولى ولا نصير في عذابه.
[﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٩]
معنى الهمزة في ﴿أَمِ﴾ الإنكار، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ هو الذي يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه المولى والسيد،
_________________
(١) ـ يدل على الحمل على أولئك المتخذين: قول القاضي: "ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد؛ إذ الكلام في الإنذار"، ومما يكشف أن الكلام فيهم كشفًا تامًا: قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾، ألا ترى كيف أضرب عن الكلام السابق، وأنكر اللاحق، على سبيل التقرير بـ"أم" المنقطعة المتضمنة لـ"بل" والهمزة، وأعاد ذكر ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، يعني: دع الاهتمام بشأنهم وطمع الإيمان منهم، أليسوا الذين اتخذوا من دون الله أولياء، وهو الولي الحقيقي القادر على كل شيء، وعدلوا إلى الجماد الذي هو غير قادر على شيء؟ ! وأما قوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ الآية: فمعترضة لتوكيد مضمون الآيتين، يدل عليه قول المصنف: "وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حد الإنذار"، فظهر من تقدير النظم أن الأصل: يدخل من يشاء في رحمته، ويدخل من يشاء في غضبه، وأن الله تعالى شاء إيمان بعض وكفر بعض، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قوله: (ويترك الظالمين): منصوب؛ عطف على "ليدخل"، ويروى: "أي: ويترك"؛ مرفوعًا على أنه تفسير لقوله: "وضعهم في مقابلة الظالمين". ؟
[ ١٤ / ١٥ ]
والفاء في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ جواب شرط مقدّر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا وليًا بحق، فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه، ﴿وَهُوَ يُحْيِ﴾ أي: ومن شأن هذا الولي أنه يحيى ﴿الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ وليًا دون من لا يقدر على شيء.
[﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ١٠]
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ حكاية قول رسول الله ﷺ للمؤمنين، أي: ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين، فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين: فحكم ذلك المختلف فيه مفوّض إلى الله،
_________________
(١) ـ قوله: (والفاء في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾ جواب شرط مقدر): قلت: قضية الإضراب عن الكلام السابق -كما مر- تقتضي التعقيب، فيدخل مدخولها في حيز الإنكار، كأنه قيل: بل اتخذوا من دون الله أولياء، عقيب العلم بأن ليس الولي إلا الله، بدليل تعريف الخبر بالجنس الحقيقي، وتوسيط ضمير الفصل المؤذن بالتخصيص، وعطف ﴿وهُوَ يُحْيِي المَوْتَى﴾ عليه، وعليه النظم الفائق كما مر. قوله: (ومن شأن هذا الولي الذي يحيي): إشارة إلى معنى الاستمرار في ﴿يُحْيِي﴾، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، أي: من شأنه الضيافة والحماية. قوله: (فهو الحقيق بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء): أتى بالفاء ليؤذن بالترتيب، يعني: كما رتب على إنكار الاتخاذ قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾ بالفاء، رتب إثبات اختصاص الولاية بالله على الوصف المناسب، وهو القدرة الكاملة بإحياء الموتى، والشاملة بأنه على كل شيء قدير، تعريضًا بأن أولياءهم ليسوا من معنى الولاية في شيء. ؟
[ ١٤ / ١٦ ]
وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين، ﴿ذلِكُمُ﴾ الحاكم بينكم هو ﴿اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في ردّ كيد أعداء الدين، ﴿وَإِلَيْهِ﴾ أرجع في كفاية شرهم.
وقيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ فيه وتنازعتم ﴿مِن شَيْءٍ﴾ من الخصومات، فتحاكموا فيه إلى رسول الله ﷺ، ولا تؤثروا على حكومته حكومته غيره، كقوله: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل آية، واشتبه عليكم، فارجعوا في بيانه إلى المحكم من كتاب الله، والظاهر من سنة رسول الله ﷺ. وقيل: وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى علمه، فقولوا: الله أعلم، كمعرفة الروح، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
فإن قلت: هل يجوز حمله على اختلاف المجتهدين في أحكام الشريعة؟ قلت: لا، لأنّ الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول ﷺ): قيل: فيه بحث؛ لأن المختار جوازه، كما اجتهد أبو بكر ﵁ بحضوره ﷺ، وقال: "لا ها الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله". وكما اجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، ومنه قول معاذ: "أجتهد رأيي". قال الإمام: "كما منع الله رسوله صلوات الله عليه أن يحمل الكفار على الإيمان، كذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معه في الخصومات والمنازعات، واحتج نفاة القياس به، فقالوا: إما أن ؟
[ ١٤ / ١٧ ]
_________________
(١) يكون المراد منه: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه مستفاد من نص الله عليه أو من القياس على ما نص عليه، والثاني باطل؛ لأنه يقتضي أن تكون كل الأحكام مبنية على القياس، فتعين الأول. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: فحكمه معروف من بيان الله، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟ وأجيب عنه: بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف؛ لقوله: ﴿ومَا اخْتَلَفْتُمْ﴾، والرجوع إلى القياس مما يقوي الاختلاف، فوجب الرجوع إلى النصوص". وقلت: أما حديث أبي بكر ﵁: فإن قوله: "لا ها الله إذن، لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه"، مسبوق بقوله صلوات الله عليه: "من قتل قتيلًا فله سلبه"؛ على ما روى الشيخان ومالك وأبو داود، وأن أبا قتادة لما سمع هذا النص قام وطلب الشهود وأقر الخصم، ثم قال ﵁ ما قال. وأما حكم سعد بن معاذ: فإنه إنما قتل لما أمره صلوات الله عليه أن يحكم، ووافق حكمه حكم الله، أما أولًا: فما رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: "فنزلوا -أي: بنو قريظة- على حكمه صلوات الله عليه، فرد الحكم إلى سعد"، وأما ثانيًا: فما روى الشيخان أيضًا وأبو داود عن أبي سعيد: "فقال ﷺبعدما قال سعد: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم-: قضيت بحكم الله"، وربما قال: "بحكم الملك". وأما قول معاذ: "أجتهد رأيي": فمعناه: إذا غبت عن حضرتك إلى اليمن. ؟
[ ١٤ / ١٨ ]
_________________
(١) والحق القول بالتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أن فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]، ولما روى البخاري ومسلم عن أنس وابن عمر: أن عمر قال: "وافقت ربي في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة، فقلت: "عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن"، فنزلت كذلك". وفي رواية ابن عمر: "وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر". وروينا عن البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي عن ابن عمر: "لما توفي عبد الله ابن أبي، جاء ابنه عبد الله، وساق الحديث إلى قوله: "سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ " إلى قوله: "فصلى عليه رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآية". وأما قضية تأليف النظم: فإنه تعالى لما نهى رسوله صلوات الله عليه عن الحرص على إيمان القوم، وأضرب عن ذلك الكلام، وقرر أن الولاية مختصة بالله تعالى دون غيره، أمره بأن يقرر لهم هذا المعنى، وتعقبه بقوله: ﴿ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ﴾، أي: في أمر من الأمور، سواء كان هذا الاختلاف أم غيره، فحكمه راجع إلى الله، وهو يجازيكم عليه، وعليه توكلي وإنابتي. فجيء باسم الإشارة الدال على أن ما يرد عقيبه حقيق بمن قبله لاتصافه بتلك الصفات الثابتة، وهي كونه هو الولي دون غيره، وكونه هو يحيي ويميت، وكونه على كل شيء قدير، وكونه ؟
[ ١٤ / ١٩ ]
[﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١١]
﴿فاطِرُ السَّماواتِ﴾ قرئ بالرفع والجر؛ فالرفع على أنه أحد أخبار ﴿ذَلِكُمْ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف، والجرّ على: فحكمه إلى الله فاطر السماوات، و﴿ذلِكُمُ﴾ إلى ﴿أُنِيبُ﴾: اعتراض بين الصفة والموصوف.
﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ خلق لكم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسكم من الناس ﴿أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا﴾ أي: خلق من الأنعام أزواجًا. ومعناه: وخلق للأنعام أيضًا من أنفسها أزواجًا، ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم،
_________________
(١) ـ أن ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إليه، ثم عقب هذا الحكم بالصفات الكاملة؛ من قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ إلى آخر ما يتصل به. قوله: (﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ قرئ بالرفع والجر): الرفع هي المشهورة، والجر شاذة. قوله: (﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم): النهاية: "ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا: إذا خلقهم. وكأن الذرء مختص بخلق الذرية". الراغب: "الذرية: أصلها الصغار من الأولاد، وإن كانت تقع على الصغار والكبار معًا في المتعارف، ويستعمل في الواحد والجماعة، وأصلها الجمع، قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، وفيها ثلاثة أقوال: قيل: هو من: ذرأ الله الخلق، فترك همزه، كروية وبرية. وقيل: أصله: ذروية. وقيل: هو فعلية، من الذر، نحو: قمرية". ؟
[ ١٤ / ٢٠ ]
والذر، والذرو، والذرء: أخوات، ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجًا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. والضمير في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين.
فإن قلت: ما معنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ في هذا التدبير؟ وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول: للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
_________________
(١) ـ قوله: (مغلبًا فيه المخاطبون العقلاء على االغيب مما لا يعقل): أوقع "العقلاء" وصفًا للمخاطبين، وجعل "مما لا يعقل" بيانًا "للغيب" حالًا منه، والمعنى: غلب الخطاب مع العقلاء في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ على الغيب مما لا يعقل في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ومِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾، وقال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾. قوله: (من الأحكام ذات العلتين): عن بعضهم: العلتان هنا: العقل والخطاب، الانتصاف: "الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين، أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطبًا أو غائبًا. والثاني: مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب، فالأول لتغليب العقل، والثاني لتغليب الخطاب". وقال صاحب "التقريب": ﴿فِيهِ﴾ في هذا التدبير، وهو جعلهم أزواجًا للتوالد، و"كم" للمخاطبين والأنعام، فغلب العقلاء المخاطبين للعقل والمخاطبة. ويمكن أن يقال: أن الضمير المؤنث في قوله: "وهي من أحكام ذات العلتين" راجع إلى التذرية في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أو للصنعة، أي: هذه الصنعة من باب الأحكام ذات العلتين، إحدى العلتين: جعل الناس أزواجًا، والثانية: جعل الأنعام أزواجًا، ولهذا ؟
[ ١٤ / ٢١ ]
_________________
(١) صرح بقوله: "وخلق للأنعام أيضًا من أنفسها أزواجًا"، والمعلول ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾؛ لأنه جملة مستأنفة واردة على بيان الموجب، فلما توجه العلتان عليها أوجب تغليب المخاطبين من العقلاء على الغيب مما لا يعقل؛ ليستقيم المعنى، المعنى: دبر ذلك التدبير العجيب ليتكاثر توالد الحيوان وتناسله. وفي جعل "حتى" -في قوله: "حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل"- غاية لقوله: "أن جعل للناس والأنعام أزواجًا"، وكذا في سؤاله: "هلا قيل: يذرؤكم به؟ " -أي: بسببه-: إشعار بأن الجعلين المعبرين بالتدبير هما السبب في الذرء، وقريب منه قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. فإن قلت: فما قولك في كلام صاحب "المفتاح": ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ خطابًا شاملًا للعقلاء والأنعام؛ مغلبًا فيه المخاطبون على الغيب، والعقلاء على ما لا يعقل"، فإنه على خلاف ما عليه كلام المصنف؟ قلت: يمكن حمله على تغليب مركب، وعلى تغليبين، والثاني يأباه المقام؛ إذ القول بالتغليبين يؤدي إلى أن الأصل أن يقال: يذرؤكم ويذرؤهم ويذرؤها ويذرؤكن، لكن الأصل: يذرؤكم ويذرؤها، لا غير؛ لأن "كم" في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾: هو "كم" الذي في ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ بعينه، لكن غلب ها هنا على الغيب في ﴿ومِنَ الأَنْعَامِ﴾، فإذن ليس في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ إلا تغليب واحد، ولهذا قال: "الضمير في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يرجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام"، ووصف "المخاطبون" بـ"العقلاء"، ثم علق به قوله: "على الغيب مما لا يعقل". ؟
[ ١٤ / ٢٢ ]
قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك، فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه، وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر. ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون: إيفاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: "ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته"، والقصد إلى طهارته وطيبه.
_________________
(١) ـ قوله: (لا تخفر الذمم): قال: "خفره: أجاره، وأخفره: أزال الخفرة، وهي الذمة". قوله: (قد أيفعت لداته): الأساس: "يفعت الجبل: صعدته، وأيفع الغلام، وغلام يافع، وغلمان يفعة وأيفاع". الجوهري: "لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة". قوله: (وفي حديث رقيقة): ذكر ابن الجوزي في كتاب "الوفا": أن رقيقة بنت صيفي ابن هاشم كانت لدة عبد المطلب، قالت: "تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأدق ؟
[ ١٤ / ٢٣ ]
_________________
(١) العظم، فبينا أنا نائمة إذا هاتف يهتف: يا معشر قريش، أن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه، وهذا إبان نجومه، فحيهلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلًا منكم وسيطًا عظامًا جسامًا أبيض، أوطف الأهداب، سهل الخدين، أشم العرانين، فليتخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجل، فليستنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليرتقوا أبا قبيس، فليستسق الرجل، وليؤمن، فغثتم ما شئتم. فقصصت رؤياي، فما بقي أبطحي إلا قالوا: هذا شيبة الحمد، وتنامت إليه الرجال من قريش، فاستووا بذروة الجبل، فقام عبد المطلب، ومعه رسول الله ﷺ غلام قد أيفع، فقال: اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت معلم غير معلم، ومسؤول غير مبخل، هذه عبداؤك وإماؤك يشكون إليك سنيهم، أذهبت الخف والظلف، اللهم فأمطر غيثًا مغدقًا، فما زالوا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه". هذا مختصر من كلامه. ؟
[ ١٤ / ٢٤ ]
فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: "ليس كالله شيء"، وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد: وهو نفي المماثلة عن ذاته.
ونحوه قوله ﷿: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، فإنّ معناه: بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسط لها، لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئًا آخر، حتى أنهم استعملوها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له.
ولك أن تزعم أنّ كلمة التشبيه كرّرت للتأكيد،
_________________
(١) ـ قوله: (لم يقع فرق بين قوله: "ليس كالله شيء"، وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها): يعني: أصل المعنى الواحد، لكن في الكناية فضل مبالغة ليس في التصريح، وذلك أنهم إنما يسلكون هذه الطريقة عند وجود صفات كمال يشاهدونها في تلك الذات، فيقدرون لها من يشاركها في تلك الفضائل، ويجعلونها عامًا، ويثبتون لهذا المقدر ما يريدون إثباته لهذا الذات، ليلزم إثباته لهذا الذات بالطريق البرهاني، نحو: مثلك لا يبخل، فظهر من هذا أن ليس من شرط هذه الطريقة وجود ذلك المثل في الخارج، نحوه قول القبعثرى للحجاج: "مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب"، إذ لو قصد به إثبات النظير والشبيه، لكان بالذم أشبه من المدح، وإليه الإشارة بقوله: "استعمل هذا فيمن له مثل، ومن لا مثل له". وها هنا الضمير في "مثله" راجع إلى الله في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ﴾، بعد إجراء تلك الصفات عليه، فكأنه قيل: ليس مثل هذه الذات المستجمعة لتلك الصفات الكاملة شيء. قوله: (ولك أن تزعم كلمة التشبيه كررت للتأكيد): هذا قول الزجاج، قال أبو البقاء: "الكاف زائدة، و"مثله" خبر ﴿لَيْسَ﴾، أي: ليس مثله شيء، ولو لم تكن زائدة لأفضى ؟
[ ١٤ / ٢٥ ]
_________________
(١) إلى المحال؛ إذ المعنى أن له مثلًا، وليس لمثله مثل، فإذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو، مع أن إثبات المثل لله محال. وقيل: "المثل" زائدة، أي: ليس كهو شيء، كما في قوله: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وهو قول بعيد". الانتصاف: "القول بأن الكاف زائدة مردود؛ لما فيه من الإخلاص بالمعنى؛ لأن التأكيد يصلح أن يكون في النفي، وها هنا التأكيد وقع في حصول التشبيه، فإذن إهمال تأكيد المماثلة أقوى في هذا المعنى من تأكيدها، ونفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة، إذ لا يلزم من نفي مماثلة محققة نفي أصل المماثلة، بخلاف عكسه، والكاف حيث وردت إنما تؤكد المماثلة لا النفي، فليس تنظير الآية بشطري البيتين مستقيمًا، والوجه الأول أصح، ولذلك قال: (ولك أن تزعم) ". وقلت: الجواب عن قول أبي البقاء: "فإذا كان له مثل، فلمثله مثل، وهو هو": لا يلزم أن يكون هو هو؛ لأن أرباب البيان ربما يجعلون الغرض في التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، فيفرض له مثل بهذا الطريق، ثم يفرض لهذا المفروض مثل آخر كذلك، فيسلط عليه النفي ؟
[ ١٤ / ٢٦ ]
_________________
(١) لينتفي المثل عن الله ﷾ بالطريق الأولى، ولعل مراد صاحب "الانتصاف" بقوله: "نفي المماثلة المهملة أبلغ من نفي المماثلة المؤكدة" هذا. الراغب: "المثل: أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن "الند" يقال لما يشارك في الجوهر، و"الشبه" يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط، و"المساوي" يقال فيما يشاركه في الكمية فقط، و"الشكل" يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، و"المثل" عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وأما الجمع بين الكاف والمثل: فقد قيل: ذلك لتأكيد النفي، تنبيهًا على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف، فنفى بـ"ليس" الأمرين جميعًا، وقيل: "المثل" هاهنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيهًا على أنه وإن وصف بكثير مما يوصف به البشر فليست تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر. ؟
[ ١٤ / ٢٧ ]
كما كرّرها من قال:
وصاليات ككما يؤثفين
_________________
(١) ـ وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، أي: لهم الصفات الذميمة، وله الصفات العلى، وقد منع الله تعالى عن ضرب الأمثال، بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ثم نبه أنه قد يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز لنا أن نقتدي به، فقال: ﴿أن اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، ثم ضرب لنفسه مثلًا فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] الاية، وفي هذا تنبيه على أنه لا يجوز أن نصفه بصفة مما يوصف به البشر إلا بما وصف به نفسه". قوله: (وصاليات ككما يؤثفين): بعده: لا يشتكين عملًا ما أبقين قبله: لم يبق من آي بها يحلين غير حطام ورماد كنفين وغير ود جاذل أو ودين الكنف: القدر الصغير، أثفيت القدر: إذا وضعتها على الأثافي، وأثفيتها: إذا جعلت له أثافي. قوله: (يؤثفين): أراد: يثفين، فأخرج على الأصل، مثله قوله: فإنه أهل لأن يؤكرما
[ ١٤ / ٢٨ ]
ومن قال:
فأصبحت مثل كعصف
[﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٢]
وقرئ: "ويقدّره".
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فإذا علم أنّ الغنى خير للعبد أغناه، وإلا أفقره.
[﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١٣]
_________________
(١) ـ الجاذل: المنتصب مكانه لا يبرح. أي: رب نساء صاليات بالنار، كالأثفية، وشبههن بالأثفية -وهي الحجر المنصوب للقدر- لدوامهن على الكانون، واسوداد ثيابهن من الدخان، والكاف الأولى حرف الجر، والثانية اسم، كررت كلمة التشبيه للتأكيد. قوله: (فأصبحت مثل كعصف مأكول): أوله: بالأمس كانوا في رخاء مأمول ؟
[ ١٤ / ٢٩ ]
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلمًا، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
ومحل ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ إما نصب؛ بدل من مفعول ﴿شَرَعَ﴾ والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين. ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]، ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ عظم عليهم وشق عليهم، ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من إقامة دين الله والتوحيد،
_________________
(١) ـ العصف: ما على الحب من التبن، وما على ساق الزرع من الورق اليابس. قوله: (﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ دين نوح ومحمد ومن بينهما): يعني: رتب الكلام بالابتداء والاختتام والتوسط وجيء بأول من مهد به الشريعة، ثم بمن ختم به الشريعة، ووسط المتوسطين، وعدل من "أوصينا" إلى ﴿أَوْحَيْنَا﴾، وأتى بكاف الخطاب ليؤذن بالفرق بين توصيتهم وتوصيته. قوله: (ونحوه قوله تعالى: ﴿أن هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾): أي: نحو قوله: ﴿أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، قال محيي السنة: "بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة، وترك الفرقة والمخالفة". وقلت: مثله قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية. ؟
[ ١٤ / ٣٠ ]
﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾ يجتلب إليه ويجمع، والضمير للدين؛ بالتوفيق والتسديد، ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ من ينفع فيهم توفيقه ويجرى عليهم لطفه.
[﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ١٤]
﴿وَما تَفَرَّقُوا﴾ يعني: أهل الكتاب بعد أنبيائهم ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ أن علموا أنّ الفرقة ضلال وفساد، وأمر متوعد عليه على ألسنة الأنبياء، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهي عدة التأخير إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ حين افترقوا؛ لعظم ما اقترفوا، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ، ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان.
وقيل: كان الناس أمّة واحدة مؤمنين بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان، فلما مات الاباء اختلف الأبناء فيما بينهم، وذلك حين بعث الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين، وجاءهم العلم، وإنما اختلفوا للبغي بينهم.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ يجتلب [إليه] ويجمع): أي: إلى الدين، أخذه من الجباية، وهو جلب الخراج، لا من الاجتباء، كما قال محيي السنة: "يصطفي الله من عباده من يشاء"؛ لأنه جعله من باب الجمع، فإن قوله: ﴿أن أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا﴾، معناه: الإقامة على الجماعة، وترك الفرقة، وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ﴾، وقوله: ﴿يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾ بيان لمن دخل فيها ومن خرج منها، فتأويل ﴿يَجْتَبِي إلَيْهِ﴾: بـ"يجمع إلى الدين": أظهر معنى، و"يصطفي": أدق مغزى؛ لأن اصطفاء الله أولياءه يدل على اجتماعهم على التوحيد، وعدم الاختلاف في أصول الدين، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، كما أن إشراك أعداء الله يدل على التعدد والتفرقة، لاسيما وقد ضم معه ﴿كَبُرَ﴾، ولهذا لما دعوا إلى التوحيد ؟
[ ١٤ / ٣١ ]
وقيل: وما تفرّق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله ﷺ، كقوله: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هم المشركون؛ أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل.
وقرئ: "ورّثوا"، و"ورثوا".
[﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ١٥]
﴿فَلِذلِكَ﴾ فلأجل التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبًا، ﴿فَادْعُ﴾ إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القديمة، ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ المختلفة الباطنة، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ بأي كتاب صحّ أنّ الله أنزله، يعني: الإيمان بجميع الكتب المنزلة، لأنّ المتفرقين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، إلى قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١].
_________________
(١) ـ قالوا متعجبين: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا أن هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، وقال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩]. وفي إسناد "الاجتباء" إلى ذاته ﷿، وإسناد ﴿كَبُرَ﴾ إلى "ما تدعو": إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وفيه: أن أهل السنة والجماعة ممن اجتباه الله إلى دينه، وهداه إليه. قوله: (وقيل: وما تفرق أهل الكتاب): جعل الضمير في قوله: ﴿ومَا تَفَرَّقُوا﴾ أولًا وآخرًا لأهل الكتاب، وفي الوجه الثاني: للناس بعد الطوفان، والظاهر الثني؛ لأن هذا الضمير ؟
[ ١٤ / ٣٢ ]
_________________
(١) وما في قوله: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾: واحد، يعني: أمرت الأمم القديمة والحديثة على اتفاق الكلمة وإقامة دين الله والتوحيد وعد الاختلاف والتفرق، وما تفرق الناس إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم. ثم استطرد بذكر أهل الكتاب واختلافهم بمبعث النبي ﷺ في قوله: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، ولذلك غيرت العبارة وجيء بـ"إن" الدالة على التوكيد. وهذا التفسير موافق لقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾؛ لأن المعنى: ولأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعبًا، فادع إلى الاتفاق والائتلاف على الدين الحنيفية القديمة، واستقم عليها. هذا ما دل عليه تأويل المصنف، لكن الظاهر أن "ذلك" إشارة إلى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ وما يتصل به من قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، أي: ولأجل ذلك التوصية التي شوركت مع وإبراهيم وموسى وعيسى، ولأجل ذلك الأمر بالإقامة، والنهي عن التفرق، فادع إلى التوحيد وإقامة الدين والثبات عليه، واستقم أنت عليه أيضًا، يدل عليه قوله: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾، فالمدعو غليه عام في أهل الكتاب والمشركين وفي المذكورات. وفي قوله: ﴿آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ تعريض باليهود وبقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، وجاء مستطردًا، كما جاءت الآية السابقة مستطردة فيهم، وعليه كلام الواحدي حيث قال: "ذلك: إشارة إلى ما وصي به الأنبياء ﵈ من التوحيد"، وقال: " ﴿ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: أهل الكتاب". ؟
[ ١٤ / ٣٣ ]
﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي، ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي: لا خصومة؛ لأنّ الحق قد ظهر وصرتم محجوجين به، فلا حاجة إلى المحاجة. ومعناه: لا إيراد حجة بيننا، لأنّ المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته، ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ يوم القيامة، فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم، وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور الحق وقيام الحجة والإلزام.
فإن قلت: كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما فعل؛ من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلت: المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة.
[﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ١٦]
﴿يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون في دينه، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ما استجاب له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردّوهم إلى دين الجاهلية، كقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل: من بعد ما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام داحِضَةٌ باطلة زائلة.
_________________
(١) ـ قوله: (المراد محاجزتهم في مواقف المقاولة، لا المقاتلة): الجوهري: "المحاجزة: الممانعة، وقد تحاجز الفريقان"، يعني: يمكن الجمع بين الدليلين، قال القاضي: "ليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأسًا، حتى يكون منسوخًا بآية القتال"، وقال محيي السنة: " ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ﴾: بمعنى: لا خصومة بيننا وبينكم، نسختها آية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة". ؟
[ ١٤ / ٣٤ ]
[﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ١٧ - ١٨]
﴿أَنْزَلَ الْكِتابَ﴾ أي: جنس الكتاب وَالْمِيزانَ والعدل والتسوية، ومعنى إنزال العدل: أنه أنزله في كتبه المنزلة، وقيل: الذي يوزن به، ﴿بِالْحَقِّ﴾: ملتبسًا بالحق مقترنًا به بعيدًا من الباطل، أو بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة، أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك،
_________________
(١) ـ وقلت: ويمكن أن يقال: أن الدليل على أن الكلام في إيراد المقاولة دون المقاتلة ترتب قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ واسْتَقِمْ﴾ على قوله: ﴿ومَا تَفَرَّقُوا إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، ثم التعقيب بقوله: ﴿والَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وقال محيي السنة: " ﴿الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ يخاصمون في دين الله نبيه. وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتكم من بعد". قوله: (وقيل: الذي يوزن به): أي: يجوز أن يكون إنزاله الميزان يأمر به، ويجوز أن يراد إنزاله حقيقة. عن بعضهم: روي أن آدم ﵇ أنزل بالباسنة، وهي اسم جامع لآلات الصنائع. ؟
[ ١٤ / ٣٥ ]
﴿السَّاعَةَ﴾ في تأويل البعث، فلذلك قيل: ﴿قَرِيبٌ﴾، أو: لعل مجيء الساعة قريب.
فإن قلت: كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟ قلت: لأنّ الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط، فكأنه قيل: أمركم الله بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه، ويزن أعمالكم، ويوفي لمن أوفى، ويطفف لمن طفف.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿السَّاعَةَ﴾ في تأويل البعث): قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ على معنى الزمان، أو على معنى البعث، أو على النسب، أي: ذات قرب". قوله: (فكأنه قيل: أمركم [الله] بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه): يعني: دل توسيط "الميزان" بين "إنزال الكتاب" و"مجيء الساعة" على أن الحكمة في إنزال الكتاب العدل والتسوية، كما أن الحكمة في إتيان الساعة القضاء بالحق، إذ ليس الدين والشريعة سوى الاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط، كما قال: ﴿فَادْعُ واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، وليس وضع القيامة إلا ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وإليه الإشارة في الآية التي نحن بصددها ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾. وأما قضية النظم: فإنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه وسلامه بأن يدعو الزائغين المائلين عن الحق الذين اختلفوا وتفرقوا إلى الاجتماع والاستقامة، وأدمج فيه معنى أن ؟
[ ١٤ / ٣٦ ]
المماراة: الملاجة؛ لأنّ كل واحد منهما يمرى ما عند صاحبه، ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ من الحق، لأنّ قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها، ولشهادة العقول على أنه لا بدّ من دار الجزاء.
[﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ١٩]
﴿لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ برّ بليغ البرّ بهم، قد توصل برّه إلى جميعهم، وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه، وهم أحد من كلياته وجزئياته.
_________________
(١) ـ الداعي إلى الحق والاستقامة إنما يتم أمره في الدعوة إذا كان مستقيمًا في نفسه قال: ﴿واسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، وفصل الدعوة بقوله: ﴿وقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ إلى آخره، ثم أتى بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الكِتَابَ﴾ الآية، على الاستئناف بيانًا لحكمه المأمور به، وجعلها كالتخلص غلى ذكر عنادهم، وهو استعجالهم الساعة، والله أعلم. قوله: (لأن كل واحد منهما بمري ما عند صاحبه): الأساس: "ماريته مماراة: جادلته ولاججته، وتماروا، ومعناه: المحالبة، كأن كل واحد يحلب ما عند صاحبه". الراغب: "المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، قال ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ [الحج: ٥٥]، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، والامتراء والممارة: المحاجة فيما فيه مرية، قال تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، وأصل ذلك من: مريت الناقة؛ إذا مسحت ضرعها للحلب". قوله: (بر بليغ البر بهم، قد توصل بره إلى جميعهم) إلى آخره: وفي كل من القيود فائدة: أما "بر": فمستفاد من معنى "اللطف"؛ الأساس: "لطفت بفلان: رفقت به، وأنا ألطف به: إذا
[ ١٤ / ٣٧ ]
فإن قلت: فما معنى قوله ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد توصل برّه إلى جميعهم؟ قلت: كلهم مبرورون، لا يخلو أحد من برّه، إلا أنّ البرّ أصناف،
_________________
(١) ـ أريته مودة ورفقًا"، وقوله: "بليغ البر": فمن بناء "فعيل"، وقوله: "توصل بره إلى جميعهم": فمن إضافة "العباد" -وهو جمع- إلى ضمير "الله"، فيفيد الشمول والاستغراق، وقوله: "وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد": فمأخوذ من معنى الدقة في اللطف، الأساس: "شيء لطيف، وكلام لطيف، وفلان لطيف لاستنباط المعاني، وتلطف بفلان: احتلت له حتى اطلعت على أسراره". والقول الجامع فيه: ما ذكره حجة الإسلام في "شرح أسماء الله الحسنى": "إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح على سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل، واللطف في الإدراك، تم معنى "اللطيف"، ولا يتصور كمال ذلك إلا في ﷿". وقال الإمام: "الله لطيف البر، يظهر آثار بره في عباده من حيث لا يعلمون، ويمضي مصالحهم بإحسانه من حيث لا يحتسبون". فمعنى قول المصنف: "توصل من كل واحد": توصل بره مبتدئًا من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه وهم أحد، وقوله: "من كلياته وجزئياته": حال من المستتر في "توصل". الجوهري: "توصل إليه: أي: تلطف في الوصول إليه". قوله: (ما معنى قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟): يعني: دل قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أن بره توصل إلى جميع العباد، وقوله: ﴿يَرْزُقُ﴾ حكم ترتب على ذلك الوصف، فينبغي الشمول أيضًا، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ينافيه. ؟
[ ١٤ / ٣٨ ]
_________________
(١) ـ وأجاب بما لخصه صاحب "التقريب": "إنما خص الرزق، والكل مرزوقون؛ لأنه قد يختص أحد بنعمة، وغيره بأخرى، فالعموم لجنس البر، والخصوص لنوعه". وقال الإمام: "أصل الإحسان والبر عام في حق كل العباد بحسب الحياة والعقل والفهم والمال والولد والجاه، وإعطاء ما لابد منه من الرزق، ودفع أكثر الآفات والبليات، وأما مراتب العطية فمتفاوتة مختلفة". وقال الواحدي: "الله لطيف حفي بار رفيق بأوليائه وأهل طاعته. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر، لا يهلكهم جوعًا، يدل على هذا قوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾، فكل من يرزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح، فهو ممن يشاء الله أن يرزقه". وقلت: كأن الظاهر مع الواحدي، وعليه ينتظم ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ويلتئم ما قبله ٠ وهو حديث القيامة- بما بعده من قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ الآية، وتقرير ذلك: أن حمل "عباده" على من خصهم الله بالكرامة، وجعلهم من أوليائه من المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية: هو الظاهر؛ لأن الإضافة إضافة تشريف، وعليه أكثر استعمال التنزيل، منها قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]، ومنها: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، ومنها قوله في هذه السورة الكريمة: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٦]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ ؟
[ ١٤ / ٣٩ ]
_________________
(١) جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]، فيحمل اللطف على منح الهداية وتوفيق الطاعة، وعلى الكمالات الأخروية، والكرامات السنية، واستعمال الرزق في ذلك كاستعماله في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٨]. ويعضده ما رواه السلمي عن سيد الطائفة قدس الله روحه: اللطيف: "من نور قلبك بالهدى، وربي جسمك بالغذا، وأخرجك من الدنيا بالإيمان، ويحرسك من نار اللظى، ويمكنك حتى تنظر وترى، هذا لطف اللطيف، بالعبد الضعيف"، تم كلامه. فينطبق على هذا ترتب الحكم على الوصف، أي: إنه لما يلطف في حق عباده المؤمنين دون الذين غضب عليهم بمحض مشيئته؛ لأنه قوي على أن يختص برحمته وكرامته من يشاء من عباده، عزيز غالب لا يمنعه عما يريده أحد، كما قال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، فيكون وزان الآية مع قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾، وزان قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] مع قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. وحينئذ لا يرد هذا السؤال الذي ذكره، ولا ما أورده على قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وهو: "قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم، فإن كان المبسوط لهم يبغون، فلم بسط لهم؟ وإن كان المقبوض عنهم يبغون، فقد يكون البغي بدون البسط … "، لأن هذا -كما مر- في حق المؤمنين المصطفين من عباده، وينصره التذييل بقوله: ﴿إِنَّهُ ؟
[ ١٤ / ٤٠ ]
وله أوصاف، والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير، فيطير لبعض العباد صنف من البر لم يطر مثله لآخر، ويصيب هذا حظ له وصف ليس ذلك الوصف لحظ صاحبه، فمن قسم له منهم ما لا يقسم للآخر فقد رزقه، وهو الذي أراد بقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾، كما يرزق أحد الأخوين ولدًا دون الآخر، على أنه أصابه بنعمة أخرى لم يرزقها صاحب الولد.
﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ الباهر القدرة الغالب على كل شيء، ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيع الذي لا يغلب.
_________________
(١) ـ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، ووضع المظهر -وهو ﴿بِعِبَادِهِ﴾ - موضع القمر، أي: إنه خبير بأحوال عباده المكرمين، بصير بما يصلحهم وما يرديهم، وإليه ينظر ما ورد عن رسول الله ﷺ: "إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، أخرجه الترمذي عن قتادة. وعن البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها". قوله: (فيطير لبعض العباد): استعار للنصيب وإصابته لمن قدر له: الطيران سانحًا وبارحًا، فسلك بهم مسلكهم، كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. ؟
[ ١٤ / ٤١ ]
[﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ٢٠]
سمى ما يعمله العامل مما يبغي به الفائدة والزكاء حرثًا على المجاز، وفرق بين عملي العاملين؛ بأن من عمل للآخرة وفق في عمله، وضوعفت حسناته، ومن كان عمله للدنيا أعطي شيئًا منها، لا ما بريده ويبتغيه، وهو رزقه الذي قسم له وفرغ منه، وماله نصيب قط في الآخرة. ولم يذكر في معنى عامل الآخرة: وله في الدنيا نصيب، على أن رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة؛ للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله، وفوزه في المآب.
[﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢١]
معنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾ التقرير والتقريع، وشركاؤهم: شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا،
_________________
(١) ـ قوله: (وما له نصيب قط): هذه المبالغة نشأت من أن "نصيبًا" نكرة، وقد نفيت على سبيل الاستغراق. قوله: (معنى الهمزة في ﴿أَمْ﴾: التقرير والتقريع): يريد: أن ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ منقطعة، فيها معنى: "بل" والهمزة، ولابد من سبق كلام إخبار أو إنشاء يضرب عنه، حتى يقرر ما بعده، وما سبق هو قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، يدل عليه قوله: "وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين"، سماه دينًا مشاكلة أو تهكمًا، أي: اتل عليهم ما شرع لهم من الدين الذي شرعه الله، ووصى به الأنبياء المتقدمة، وآذن بالتمسك به، وقررهم -على سبيل التقريع- ما هم عليه من الدين الذي شرعت لهم الشياطين. ؟
[ ١٤ / ٤٢ ]
لأنهم لا يعلمون غيرها، وهو الدين الذي شرعت لهم الشياطين، وتعالى الله عن الإذن فيه والأمر به، وقيل شركاؤهم: أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله، فتارة تضاف إليهم لهذه الملابسة، وتارة إلى الله، ولما كانت سببٍا لضلالتهم وافتتانهم: جعلت شارعة لدين الكفر، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، أو: ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم.
وقرأ مسلم بن جندب: "وأنّ الظالمين" بالفتح عطفًا له على ﴿كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾، يعني: ولولا كلمة الفصل وتقدير تعذيب الظالمين في الآخرة، لقضي بينهم في الدنيا.
[﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ٢٢ - ٢٣]
﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة، ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين خوفًا شديدًا أرق قلوبهم،
_________________
(١) ـ قوله: (عطفًا له على ﴿كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾): و"الكلمة": فسر أولًا بالقضاء السابق، فالمعنى: لولا القضاء والقدر لقضي بينهم، والفرق بين القضاء والقدر قد مضى بيانه، وفسر ثانيًا بالعدة بأن الفصل يكون يوم القيامة، فالمعنى: لولا العدة وتقرير التعذيب، فالعطف قريب من العطف البياني بالواو. قوله: (﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين خوفًا شديدًا): فإن ؟
[ ١٤ / ٤٣ ]
﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من السيئات، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ يريد: ووباله واقع بهم، وواصل إليهم لا بدّ لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا. كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها، وأنزهها. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ منصوب بالظرف، لا بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾.
_________________
(١) ـ قلت: إذا كان معنى الخوف: غم يلحق الإنسان لتوقع مكروه، فكيف الجمع بينه وبين قوله: ﴿وهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾؟ قلت: قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ استحضار لصورة حال الظالمين في مشاهدة السامع؛ لينظر إلى تلك الحالة العجيبة الشأن، وهو أنهم خائفون مشفقون يحاولون الحذر حين لا ينفهم الحذر، لأن الخائف إذا استشعر بما يتوقع منه المكروه، وأخذ في الدفع؛ ربما تخلص منه، ومن ترك الحذر حتى إذا ألم به المحذور زاول الدفع؛ كان مظنة للتعجب منه والتعجيب، وإليه ينظر قول الشاعر: أتت وحياض الموت بيني وبينها وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل وهو المراد بقوله: "لابد لهم منه، أشفقوا أو لم يشفقوا". قوله: (كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها): لأن الإضافة تنبئ عن امتياز الروضة عن الجنة، ثم تعقيبها بقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وإردافها بقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ يشعر بمزيد ذلك الامتياز. قوله: (﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ منصوب بالظرف لا بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾): عن بعضهم؛ لأن المعنى: على أن ما يزيدونه على سبيل العموم مطلقًا كائنًا ما كان حاصل لهم عند ربهم، أي: حاصل لهم من الله، ولو نصب بـ ﴿يَشَاءُونَ﴾ تصير مشيئتهم مقيدة بـ ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾، فلا يبقى العموم فيما يريدون، ويحتمل حصول ذلك عند غير ربهم، وهو عكس المعنى. وقلت: لا ريب أن أهل السعادة صنفان: المقربون وأصحاب اليمين، فإذا أريد بأولئك أصحاب اليمين كان على ما قيل، وأما إذا أريد به المقربون فلا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. ؟
[ ١٤ / ٤٤ ]
_________________
(١) ـ وروينا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما"، أخرجه أبو داود والترمذي. وفي "الجامع": "أنعم فلان النظر في الأمر: إذا بالغ في تدبره والفكر فيه وزاد فيه، وأحسن فلان إلى فلان وأنعم؛ أي: أفضل وزاد في الإحسان، وكذا هذا، أي: هما منهم، وزادا في هذا الأمر، وتناهيا فيه إلى غايته". وقلت: لعله مأخوذ من النعومة، قال في "الأساس": "دقه دقًا نعما، وأنعم دقه، فإذا عملت عملًا فأنعمه: فأجده، وأحسن فلان وأنعم: وأجاد وزاد على الإحسان"، فمعنى: أنعم النظر: أدق، فلا يذهب إذن إلى العمل بالمفهوم، كقوله تعالى: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. وفي تخصيص ﴿رَوْضَاتِ﴾ -كما قال: "كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها"-: إيماء إلى هذا المعنى. وقال في "فاطر": "وقرئ "جنة عدن" على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين"، ولذلك عقب بقوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾، أي: أولياءه -كما مر مرارًا-، ويحصل من هذا التقدير قرب المعمول من عامله، ومعنى القرب والزلفى عند الله لعباده العاملين، والجملة خبر ثان لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وفي "الكواشي": الوقف الكافي على ﴿الجَنَّاتِ﴾. ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، فعلى هذا تكون الجملة مستأنفة. ؟
[ ١٤ / ٤٥ ]
قرئ: ﴿يبشر﴾، من: بشره، و"يبشر" من: أبشره، و"يبشر"، من: بشره، والأصل: ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده، فحذف الجار، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ٤١]، ثم حذف الراجع إلى الموصول، كقوله تعالى: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده.
روي: أنه اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسأل على ما يتعاطاه أجرًا؟
فنزلت الآية.
﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ يجوز أن يكون استثناء متصلًا، أي: لا أسألكم أجرًا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجرًا في الحقيقة، لأنّ قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة. ويجوز أن يكون منقطعًا، أي: لا أسألكم أجرًا قط، ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم.
فإن قلت: هلا قيل: إلا مودّة القربى، أو: إلا المودة للقربى؟ وما معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾؟ قلت: جعلوا مكانًا للمودة ومقرًا لها،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿يُبَشِّرُ﴾): نافع وعاصم وابن عامر: ﴿يُبَشِّرُ﴾ بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة، والباقون: بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففة. روى أنه قال: المتعدي ثلاثة، وهو الذي في المتن، والمطاوع خمسة: بشر وأبشر وتبشر واستبشر. قوله: (ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده): المشار إليه ﴿رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ﴾ الآية. قوله: (أو: ذلك التبشير): فالمشار إليه: "الذي يبشره"، نحو: هذا أخوك، والعائد إلى الموصول أيضًا محذوف، ولكن لا يقدر الجار. ؟
[ ١٤ / ٤٦ ]
كقولك: لي في آل فلان مودّة؛ ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد: أحبهم وهم مكان حبي ومحله، وليست ﴿فِي﴾ بصلة للمودّة، كاللام إذا قلت: إلا المودّة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودّة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها.
والقربى: مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى: قرابة. والمراد في أهل القربى. وروى أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: «عليّ وفاطمة وابناهما» ويدل عليه ما روى عن علي ﵁: شكوت إلى رسول الله ﷺ حسد الناس لي، فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة؟ أوّل من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا» وعن النبي ﷺ: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب، ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه عليها غدًا إذا لقيني يوم القيامة».
وروي: أنّ الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس -أو ابن عباس-: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأتاهم في مجالسهم،
_________________
(١) ـ قوله: (وليست ﴿فِي﴾ بصلة): أي: ﴿فِي القُرْبَى﴾ ليس بظرف لغو، بل هو ظرف مستقر حال من ﴿المَوَدَّةَ﴾، و﴿فِيهَا﴾ مبالغة. قوله: (أن تكون رابع أربعة): عن بعضهم: رابع أربعة، أي: واحد أربعة، قال: رابع الثلاثة: غيرها، وهو الذي ربعهم، أي: كملهم أربعة. ورابع أربعة: أحدهم، كقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠]. ؟
[ ١٤ / ٤٧ ]
فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " «أفلا تجيبونني. قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت الآية".
_________________
(١) ـ قوله: (يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله) الحديث: من رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: "إن رسول الله ﷺ لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا مثل ما أصاب الناس، فقام رسول الله ﷺ يخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي؟ ويقولون: الله ورسوله أمن، فقال: ألا تجيبونني؟ فقالوا: الله ورسوله أمن، قال: أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: جئتنا طريدًا فآويناك، وشريدًا فنصرناك، وكان من الأمر كذا وكذا"، الحديث. وأما شكاية العباس إلى رسول الله ﷺ: فهو ما روى الترمذي عن علي ﵁: "أن العباس دخل على رسول الله ﷺ مغضبًا، فقال له رسول الله ﷺ: ما أغضبك؟ فقال: يا رسول الله، أرى قومًا من قريش يتلاقون بينهم بوجوه مسفرة، فإذا لقونا لقونا بغير ذلك، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، وقال: والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل إيمان حتى يحبكم لله ورسوله، ثم قال: أيها الناس، من آذى عمي فقد آذانيـ فإنما عم الرجل صنو أبيه". ؟
[ ١٤ / ٤٨ ]
وقال رسول الله ﷺ: «من مات على حب آل محمد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورًا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبًا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنًا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة.
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرًا، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».
وقيل: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله ﷺ وبينهم قربى، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، نزلت. والمعنى: إلا أن تودوني في القربى،
_________________
(١) ـ قوله: (يزف إلى الجنة)، النهاية: "زففت العروس أزفها؛ إذا أهديتها إلى زوجها". قوله: (مكتوب بين عينيه): عن بعضهم: "بين عينيه": خبر مقدم على المبتدأ، و"مكتوب" مبتدأ، كأنه قال: مكتوب "آيس من رحمة الله" بين عينيه. والظاهر أنه سهو، بل "بين عينيه" ظرف "مكتوب"، و"مكتوب": خبر مقدم، والجملة حال من ضمير "جاء". قوله: (وقيل: لم يكن بطن من [بطون] قريش) إلى آخره: يوافقه ما روينا عن البخاري عن ابن عباس: "سئل عن قوله تعالى: ﴿إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت، أن رسول الله ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم". ؟
[ ١٤ / ٤٩ ]
أي: في حق القربى أومن أجلها، كما تقول: الحب في الله والبغض في الله، بمعنى: في حقه ومن أجله، يعني: أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى، ولا تؤذوني ولا تهيجوا عليّ.
وقيل: أتت الأنصار رسول الله ﷺ بمال جمعوه وقالوا: يا رسول الله، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا، وتعروك نوائب وحقوق، ومالك سعة، فاستعن بهذا على ما ينوبك، فنزلت، وردّه.
وقيل: ﴿الْقُرْبى﴾: التقرب إلى الله تعالى، أي: إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقرّبكم إليه بالطاعة والعمل الصالح. وقرئ: "إلا مودّة في القربى".
﴿مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾: عن السدّي: أنها المودّة في آل رسول الله ﷺ، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ ومودّته فيهم، والظاهر: العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودّة في القربى؛ دل ذلك على أنها تناولت المودّة تناولًا أوّليًّا، كأنّ سائر الحسنات لها توابع.
_________________
(١) ـ قوله: (وأنت ابن أختنا): لأن آمنة أم رسول الله ﷺ كانت من الأنصار من بني زهرة. قوله: (والظاهر العموم في أي حسنة كانت): فعلى هذا ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ إلى آخره: تذييل، وعلى الأول: تتميم. ؟
[ ١٤ / ٥٠ ]
وقرئ: يزد، أي: يزد الله. وزيادة حسنها من جهة الله: مضاعفتها، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقرئ: "حسنى"، وهي مصدر كالبشرى. الشكور في صفة الله: مجاز للاعتداد بالطاعة، وتوفية ثوابها، والتفضل على المثاب.
[﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢٤]
﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التوبيخ، كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى الافتراء، ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى وأفحشها، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ فإن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفتري عليه الكذب، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التوبيخ): أقول: لابد من تقديم كلام يصح أن يضرب عنه، وهو قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وبيانه: أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه بأن يتلو عليهم قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، وساق الكلام إلى أن انتهى إلى الإضراب الأول، فأضرب عن الأمر بالتلاوة إلى السؤال على سبيل التقرير والتهكم، وأجرى عنان الكلام حتى بلغ إلى مقام الإضراب الثاني، فوبخهم على أمر آخر أعظم من الأول، وهو نسبة الافتراء إلى أكرم خلق الله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾، أي: يتفوهون بهذه العظيمة؛ أن محمدًا شرع من تلقاء نفسه هذا الذي تلا عليكم وسماه دينًا، وذكر أن الله آذن به الأنبياء أن يتمسكوا به ويوصوا أممهم به، وهذا معنى قوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. ؟
[ ١٤ / ٥١ ]
وهذا الأسلوب مؤدّاه استبعاد الافتراء من مثله، وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. ومثال هذا: أن يخوّن بغض الأمناء، فيقول: لعل الله خذلني، لعل الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب، وإنما يريد استبعاد أن يخوّن مثله، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم.
ثم قال: ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بوحيه أو بقضائه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]، يعني: لو كان مفتريًا كما تزعمون لكشف الله افتراءه، ومحقه، وقذف بالحق على باطله فدمغه.
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا الأسلوب مؤداه استعباد الافتراء من مثله): وهو أنه تعالى وبخهم على الافتراء -المؤدي إلى إيجاب الختم والطبع الذي هو من صفة أبعد خلق الله وألعنهم- على مثل أكرم خلق الله وأحبهم إليه، هيهات، وآدم ومن دونه تحت لوائه. هذا هو معنى الاستبعاد الذي صرح به، ومعنى المثلين في قوله: "في مثل حالهم" و"الافتراء من مثله". وعن بعضهم: "وفي هذا تذكير لنعم الله بذكر إحسانه إليه وفضله له بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم على أولئك بما ختم على قلوبهم"، انتهى كلامه. ثم جيء بقوله: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ﴾ إلى آخره؛ تذيلًا للكلام وتتميمًا لمعنى الاستعباد، أي: ليس من شأنه صلوات الله عليه ذلك، ولا من عادة الله، إلا محو الباطل وإثبات الحق، ولا من صفات هذا الكتاب الكريم أن يحوم الافتراء حوله، وأنه من كلمات الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيه تعريض بافترائهم، وأنهم المختوم على قلوبهم، وأنهم أخس خلق الله وأنذلهم وأبعدهم من رحمة الله، أولئك كالأنعام بل هم أضل. لله رده! ما ألطف بيانه، وما أدق نظره! ولو لم يكن في كتابه إلا هذا التلويح لكفاه مزية وفضلًا. ؟
[ ١٤ / ٥٢ ]
ويجوز أن يكون عدة لرسول الله ﷺ بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب، ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مردّ له من نصرتك عليهم، إنّ الله عليم بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك.
وعن قتادة: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي، يعني: لو افترى على الله الكذب لفعل به ذلك، وقيل: ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾: يربط عليه بالصبر، حتى لا يشق عليك أذاهم.
فإن قلت: إن كان قوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ﴾ كلامًا مبتدأ غير معطوف على ﴿يختم﴾، فما بال الواو ساقطة في الخط؟ قلت: كما سقطت في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ [الإسراء: ١١]، وقوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، على أنها مثبتة في بعض المصاحف.
_________________
(١) قوله: (ويثبت الحق الذي أنت عليه بالقرآن وبقضائه): فإن قلت: لم خالف بين العبارتين، فجاء في الوجه الأول بـ"أو" حيث قال: "بوحيه أو بقضائه"، وفي الثاني بالواو حيث قال: "بالقرآن وبقضائه"؟ قلت: على الأول: الكلام تذييل وبيان لعادة الله الجارية في إثبات الحق ومحق الباطل فيما غبر من الزمان وفيما يترقب منه، وكان لا يخلو ذلك من أحد هذين الأمرين، وعلى هذا الوجه: عدة لحبيب الله صلوات الله عليه، والجملة حال مقررة لمزيد التوبيخ، والمقام اقتضى الجمع بينهما، لاسيما وقد تحقق في الواقع ذلك. قوله: (إن كان قوله: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ البَاطِلَ﴾ كلامًا مبتدأ): يعني: و﴿يَخْتِمْ﴾ مجزوم جواب للشرط، ﴿ويَمْحُ﴾ أيضًا قد سقط منه الواو علامة الجزم، فيكون معطوفًا عليه، وأنت جعلته كلامًا مبتدأ؟ وأجاب: أن الواو ساقطة خطأ لا معنى، قال أبو البقاء: " ﴿يَخْتِمْ﴾ جواب للشرط، ﴿ويَمْحُ﴾ مرفوع مستأنف وليس من الجواب؛ لأنه يمحو الباطل من غير شرط، وسقطت الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملًا على اللفظ". ؟
[ ١٤ / ٥٣ ]
[﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ٢٥]
يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه؛ فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه، ومعنى "قبلته عنه": عزلته عنه وأبنته عنه. والتوبة: أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب؛ بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود، لأنّ المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب، وإن كان فيه.
_________________
(١) ـ وروى محيي السنة عن الكسائي نحو ما ذكره المصنف، ومما يقوي أنه مرفوع: عطف قوله: ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ عليه، وهو مرفوع. قوله: (والعزم على أن لا يعاود، لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب): أي: يجعلهما غرضًا في عدم المعاودة. قوله: (وإن كان فيه): أي: في المرجوع عنه أو الواجب (لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه): قيل: في قوله: "لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب"ن وقوله: "أن يرجع عن القبيح": إشارة إلى مذهبه؛ لأن أكثرهم قالوا: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض غير صحيحة، قال أبو هاشم: لو تاب عن ذلك القبيح لكونه قبيحًا وجب أن يتوب عن كل القبائح، وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه، بل لغرض آخر لم تصح توبته. وعند أهل السنة: التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض صحيحة. وقال الشيخ أبو عبد الله الأنصاري: "التوبة ثلاثة أشياء: الندم والاعتذار والإقلاع". وقلت: الندم: إنما يكون على ما فات في الزمان الماضي، فيرجع عنه بالقلب، لأن التوبة سعي من مساعي القلب، وهو تنزيهه عن القبائح، وإليه الإشارة بقوله: "أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما". ؟
[ ١٤ / ٥٤ ]
لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه.
وروى جابر: أن أعرابيًا دخل مسجد رسول الله ﷺ، وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي ﵁: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب: الندامة، ولتضييع الفرائض: الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ عن الكبائر إذا تيب عنها،
_________________
(١) ـ والاعتذار: هو التلافي لما فات في الحال بقضاء الواجب؛ أن كان من حق الله بأداء الفرائض، ورد المظالم أن كان من حق العباد، فلابد من التقصي على طريقه، أي: يجتهد على طريقة التخلص منه بأي وجه أمكن؛ أن كان المظلوم في قيد الحياة: فالتفصي عنه بأن يرد عليه أو يستحل منه، وإن مات يردها على ورثته، وإن لم يقدر فيتصدق عنه، وإلا فيدعو له ويستغفر. والإقلاع: هو أن يعزم على ألا يعاود إلى الذنب، وهو يتعلق بالمستقبل، ويمكن أن يحمل قوله: "أن لا يعاود؛ لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب" على أنه لا تصح التوبة إذا رجع عن القبيح محاباة أو خوفًا من الناس أو ضعفًا حصل في بدنه، فلا يكون توبة، ولو قال: "تعظيمًا لله وحذارًا من سخطه" لكان أولى؛ لأنه دخل في كلامه: ما إذا رجع عنها طالبًا للثناء والمدحة والرياء والسمعة. قوله: (من التفصي على طريقه): الأساس: "وقع فيما لا يقدر على التفصي منه، وليتني أتفصى من فلان؛ أي: أتخلص منه وأباينه". وقدر صاحب "المطلع": "لم يكن بد من التفصي عنه بطريقة". قوله: (﴿ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ عن الكبائر إذا تيب عنها): وقلت: إذن لا فرق بين "يقبل ؟
[ ١٤ / ٥٥ ]
وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء، أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته.
[﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ٢٦]
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يستجيب لهم، فحذف اللام كما حذف في قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣]، أي: يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلًا، أو: إذا دعوه استجاب دعاءهم، وأعطاهم ما طلبوا، وزادهم على مطلوبهم.
_________________
(١) ـ التوبة" وبين "يعفو عن السيئات"؛ لأن قبول التوبة ليس إلا العفو عن السيئات، بل المعنى: من شأنه قبول التوبة عن عباده إذا تابوا، والعفو عن سيئاتهم محض رحمته أو بشفاعة شافع، قال الإمام: "إنه تعالى تارة يعفو بواسطة التوبة، وأخرى يعفو ابتداء من غير توبة". قوله: (قرئ بالتاء والياء): حفص وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته): يعني: ﴿ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ جاء تذييلًا للسابق، فإن قوله: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ دل على أن العفو تعلق بالسيئات المتوب عنها، فلابد من وجود سيئات غير متوب وغير معفو عنها، فاتصل قوله: ﴿ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ بهما بحسب الثواب والعقاب، وفيه تعسف. وقال القاضي: " ﴿ويَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ فيجازي ويجاوز عن إتقان وحكمة"، أي: يجازي التائب ويجاوز عن غير التائب، وصدورهما عنه ﷿ عن إتقان منه وحكمة، وإن لم ندرك ذلك بعقولنا، فلا اعتراض لأحد عليه. ؟
[ ١٤ / ٥٦ ]
وقيل: الاستجابة فعلهم، أي: يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ هو ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ على ثوابهم، وعن سعيد بن جبير: هذا من فعلهم: يجيبونه إذا دعاهم، وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]، ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
[﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ٢٧]
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الاستجابة فعلهم): قال أبو البقاء: "على هذا: ﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع، أي: ينقادون له". وقلت على الوجه الأول: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عطف على ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، فتشتمل الآيتان على أصناف المكلفين؛ الموافقين منهم والمخالفين، فإن المؤمن: إما عاص أو غير عاص، والأول: تائب أو غير تائب، والكافر من صنف المخالفين، وقد بين في الآيتين ما لكل من الأصناف، ومعاملة الله مع كل فريق من قبول التوبة والعفو والاستجابة والعذاب. وعلى الوجه الثاني: ﴿ويَسْتَجِيبُ﴾ عطف على مجموع قوله: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، وقوله: ﴿ويَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ عطف على مقدر هو مسبب عن قوله: ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، على منوال قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥]، أي: عملًا به وعرفًا حق النعمة وقالا: الحمد لله، فالمعنى: ويستجيبون لله بالطاعة حين دعاهم، فيستجيب لذلك دعاءهم، ويوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِه﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. ؟
[ ١٤ / ٥٧ ]
﴿لَبَغَوْا﴾ من البغي؛ وهو الظلم، أي: لبغى هذا على ذاك، وذاك على هذا، لأنّ الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة، ومنه قوله ﵊: «أخوف ما أخاف على أمّتي زهرة الدنيا وكثرتها»، ولبعض العرب:
وقد جعل الوسمي ينبت بيننا وبين بني رومان نبعًا وشوحطا
_________________
(١) ـ ومن هذا المقام أجاب السيد الجليل إبراهيم بن أدهم عن قول السائل: ما بالنا فلا نجاب؟ بقوله: "لأنه دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ". وإلا فالاستجابة في هذا الوجه استجابة المؤمن لله تعالى بالطاعة إذا دعاه إليها. قوله: (أخوف ما أخاف على أمتي) الحديث: من رواية البخاري ومسلم والنسائي عن أبي سعيد قال: "جلس رسول الله ﷺ، وجلسنا حوله، فقال: أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها. فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ " الحديث بطوله ذكرناه. قوله: (وقد جعل الوسمي) البيت: سمي المطر وسيمًا؛ لأنه يسم الأرض بالنبات، و"النبع": شجر يتخذ منه القسي، و"الشوحط": يتخذ منه السهام، يعني: أنهم إذا أمطروا وأخصبوا، فتذكروا الذحول، وطلبوا الأوتار. وفي هذا البيت من حسن التعليل ما بلغ غايته، فكأن المطر أنبت لهم آلة الحرب من القسي والسهام. ؟
[ ١٤ / ٥٨ ]
يعني: أنهم أحيوا فحدّثوا أنفسهم بالبغي والتفانن.
أو من البغي؛ وهو البذخ والكبر، أي: لتكبروا في الأرض، وفعلوا ما يتبع الكبر من الغلو فيها والفساد. وقيل: نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى، قال خباب بن الأرت: فينا نزلت، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع، فتمنيناها.
﴿بِقَدَرٍ﴾ بتقدير، يقال قدره قدرًا وقدرًا، ﴿خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فيقدّر لهم ما هو أصلح لهم وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط، كما توجبه الحكمة الربانية، ولو أغناهم جميعًا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا.
فإن قلت: قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم، فإن كان المبسوط لهم يبغون، فلم بسط لهم؟ وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد يكون البغي بدون البسط، فلم شرطه؟ قلت: لا شبهة في أنّ البغي مع الفقر أقل،
_________________
(١) ـ قوله: (أحيوا)، الجوهري: "أحيا القوم؛ إذا صاروا في الحيا والخصب". قوله: (التفاتن): وهو التقاتل والتهارج. قوله: (وهو البذخ)، الجوهري: "البذخ: الكبر، وقد بذخ -بالكسر- وتبذخ: إذا تكبر وعلا". قوله: (لا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل): هذا الجواب متكلف، والسؤال قوي. وعلى ما فسرنا الآية عند قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]: السؤال غير وارد، والذي يشد من عضده هاهنا قول المصنف: "قيل: نزلت في قوم من أهل الصفة"، وعليه تفسير محيي السنة، وذكر أيضًا حديثًا طويلًا، وفي آخره: "وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك". ؟
[ ١٤ / ٥٩ ]
ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه، فلو عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن.
[﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٢٨]
قرئ: ﴿قَنَطُوا﴾ بفتح النون وكسرها، ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وعن عمر ﵁ أنه قيل له: اشتدّ القحط وقنط الناس، فقال: مطروا إذن. أراد هذه الآية. ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء، كأنه قال: ينزل الرحمة التي هي الغيث، وينشر غيرها من رحمته الواسعة.
﴿الْوَلِيُّ﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود على ذلك، يحمده أهل طاعته.
[﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ٢٩]
﴿وَما بَثَّ﴾ يجوز أن يكون مرفوعًا ومجرورًا يحمل على المضاف إليه أو المضاف.
_________________
(١) ـ قوله: (والإحجام عنه): النهاية: "أحجم القوم: نكصوا وتأخروا"، وهو مطابق لقوله: "للإقدام على البغي". قوله: (﴿قَنَطُوا﴾ بفتح النون وكسرها): بالفتح: السبعة، والكسر: شاذ. قوله: (ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء): فعلى هذا: هو من عطف العام على الخاص، فيكون قوله: ﴿وهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ تذييلًا للقرينتين على طريقة الجمع، أي: هو المتولي للغيث ونشر سائر الرحمة، وله الحمد على هذا الإحسان، وله الثناء والمحمدة على كل الأفضال. قوله: (على المضاف إليه أو المضاف): أي: ومن آياته خلق السماوات وخلق ما بث فيهما، ومن آياته ما بث فيهما، ويمكن أن يقال: ومن آياته بث ما فيهما، على أن "ما" مصدرية، والمضاف إليه محذوف. ؟
[ ١٤ / ٦٠ ]
فإن قلت:
لم جاز ﴿فِيهِما مِنْ دابَّةٍ﴾ والدواب في الأرض وحدها؟ قلت: يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور، وإن كان ملتبسًا ببعضه، كما يقال: بنو تميم فيهم شاعر مجيد أو شجاع بطل، وإنما هو في فخذ من أفخاذهم، أو فصيلة من فصائلهم، وبنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله نويس منهم. ومنه قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الملح.
ويجوز أن يكون للملائكة ﵈ مشي مع الطيران، فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسي. ولا يبعد أن يخلق في السماوات حيوانًا يمشى فيها مشى الأناسي على الأرض، سبحان الذي خلق ما نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق.
_________________
(١) ـ قوله: (في فخذ من أفخاذهم): النهاية: "أول العشيرة: الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ". قوله: (ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران): الانتصاف: "إطلاق الدابة على الأناسي بعيد من عرف اللغة، فكيف بالملائكة؟ والأول أصح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فدل هذا على اختصاص الدواب بالأرض". وقال صاحب "الإنصاف": ذكر الزمخشري في قوله: ﴿بَثَّ﴾ قولين: أحدهما: أنه معطوف على ﴿فَأَحْيَا﴾، أي: فأحيا وبث فيها من كل دابة، لأن الماء سبب حياة الحيوان، إذ به ينبت العشب الذي به حياتهم، فعلى هذا لا حجة لصاحب "الانتصاف" في الآية، إذ المراد ذكر الماء وما حصل منه من النبات وحياة الحيوان. والثاني: أن يعطف على ﴿أَنْزَلَ﴾، فيكون ؟
[ ١٤ / ٦١ ]
﴿إِذَا﴾ تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، ومنه ﴿إِذَا يَشاءُ﴾، وقال الشاعر:
وإذا ما أشاء أبعث منها آخر اللّيل ناشطًا مذعورًا
[﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ * وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٣٠ - ٣١]
_________________
(١) ـ فيه بعض التمسك، وإن كان تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداهن لاسيما إذا كان ضميرًا يعود على اسم جامد، فقوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود على ﴿الْأَرْضِ﴾، ولم يخالف في مفهوم الاسم الجامد إلا أبو بكر الدقاق، فلا تبنى الحجة على مثل هذا الجرف الهاوي". وقلت: لابد من اعتبار بث الملائكة في السماوات؛ لأن مقام العظمة والكبرياء والقدرة التامة ونفاذ المشيئة يوجب التهاون والتحقير، كأنه قيل: وما بث فيهما من كل متحرك ذي روح، وكثيرًا ما تستعمل لفظة "ما" -التي لغير ذوي العقول- فيهم تحقيرًا، ولتتميم هذا المعنى عبر عن إتيان الأمر الواقع الجازم وقوعه، بل الواجب لوعده، وهو القيامة، بقوله: ﴿وهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾، قال محيي السنة: "المراد بجمعهم: الجمع يوم القيامة". قوله: (﴿إِذَا﴾ تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي): يعني: إذا كان بمعنى الوقت ﴿إذَا يَشَاءُ﴾ أي: في أي وقت يشاء. وأما: "إذا ما أشاء أبعث منها" البيت: "الناشط": الثور الوحشي الذي يخرج من بلد إلى بلد لشيء خافه، وهو يعدو أشد العدو، والضمير في "منها" للناقة، و"المذعور": المخوف، ؟
[ ١٤ / ٦٢ ]
في مصاحف أهل العراق: ﴿فَبِما كَسَبَتْ﴾ بإثبات الفاء على تضمين «ما» معنى الشرط، وفي مصاحف أهل المدينة: «بما كسبت» بغير فاء، على أنّ «ما» مبتدأة، و"بما كسبت" خبرها من غير تضمين معنى الشرط، والآية مخصوصة بالمجرمين، ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض، فأمّا من لا جرم له؛ كالأنبياء والأطفال والمجانين، فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره، فللعوض الموفى والمصلحة.
_________________
(١) ـ و"من" -في "منها"-: تجريدية، نحو: هيجت من فلان أسدًا، جرد الشاعر من الناقة شيئًا يسمى ناشطًا مذعورًا. والبيت لكعب بن زهير. قوله: (في مصاحف أهل العراق: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾): قال صاحب "التيسير": "قرأ نافع وابن عامر: "بما كسبت أيديكم" بغير فاء، والباقون: ﴿فَبِمَا﴾ "، قال الزجاج: "بالفاء أجود للمجازاة"، قال أبو البقاء: "من حذف الفاء حمله على قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] "، ثم قال: "حذف الفاء من الجواب حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي"، ويجوز أ، تجعل "ما" بمعنى "الذي" في هذا المذهب، وفيه ضعف. قوله: (فأما من لا جزم له كالأنبياء) إلى آخره: على تقدير سؤال، أي: إذا كانت الآية مخصوصة بالمجرمين، وأن ما أصابهم من مصيبة فبما كسبت أيديهم، فما لنا نرى الأنبياء والأطفال تصيبهم مصائب ولا جرم لهم؟ فأجاب: أن ذلك لأجل الأعواض، أي: يعوضهم في الآخرة العوض التام، أو يكون بناء لمصالح دينية، على ما عرف من مذهبه. ؟
[ ١٤ / ٦٣ ]
وعن النبي ﷺ: «ما من اختلاج عرق، ولا خدش عود، ولا نكبة حجر، إلا بذنب، ولما يعفو الله عنه أكثر».
_________________
(١) ـ الانتصاف: "عند هذه يبلس القدرية، فإنهم حملوا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦] على التائب، وذلك لا يمكن هاهنا، وذلك لا يمكن هاهنا؛ لأنه قد بعض العفو، أي قال: ﴿عَن كَثِيرٍ﴾، فإن كان تائبًا وجب العفو عن جميع ذنوبه، وغلا وجب الأخذ بالجميع بزعمه، فدل على أن العفو راجع غلى المشيئة، وقول الزمخشري: "إن الآلام لها أعواض"، فهو يريد وجوبها على الله، وقد أخطأ فرعًا وأصلًا؛ لأن المعتزلة وإن أخطأت في إيجاب العوض، لم يقولوه في الأطفال والمجانين، فإن القاضي أبا بكر ألزمهم قبح إيلام الأطفال والبهائم، وقال: لا أعواض لها، وليس مرتبًا على استحقاق سابق، وهذا الإلزام إنما يتم بموافقتهم له". قوله: (ما من اختلاج عرق) إلى قوله: (ولما يعفو الله عنه أكثر): روى الترمذي عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ: ﴿ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ الآية". وروى نحوه أحمد بن حنبل عن علي ﵁. ؟
[ ١٤ / ٦٤ ]
وعن بعضهم: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأنّ ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وعن آخر: العبد ملازم للجنايات في كل أوان، وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه، لأنّ جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب، ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أوّل خطوة.
وعن علي ﵁ وقد رفعه: «من عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة، ومن عوقب في الدنيا لم تثن عليه العقوبة في الآخرة»، وعنه ﵁: «هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن».
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين ما قضي عليكم من المصائب، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ من متول بالرحمة.
_________________
(١) ـ قوله: (وجناية الطاعة من وجوه): منها: لا تخلو قط من نوع خلل فيها، ومنها: حصول الثواني، والتقصير في الأداء، ومنها: إعواز حضور القلب المطلوب منها، ومنها: شوائب الرياء التي هي أطعمها، ومنها: ما يلحقها من استعظام النفس والترفع. قوله: (وعن علي ﵁، وقد رفعه) الحديث: من رواية الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن علي ﵁: "ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله؟ حدثنا بها رسول الله ﷺ؛ ﴿ومَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، وسأفسرها لك يا على: ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، والله أعظم أن يعود بعد عفوه". قوله: (من متول بالرحمة): قيد ﴿وَلِيٍّ﴾ بـ"الرحمة" لما قيد ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بـ"المصائب"؛ ؟
[ ١٤ / ٦٥ ]
[﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * إِنْ يَشَا يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٣٢ - ٣٤]
(الْجَوارِي): السفن. وقرئ: ﴿الجَوَارِ﴾، ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ كالجبال، قالت الخنساء:
كأنّه علم في رأسه نار
_________________
(١) ـ لأن قوله: ﴿ومَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ الآية: كالتقرير لإثبات معنى العفو لله تعالى في قوله تعالى: ﴿ويَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، أي: أن الله لشمول رحمته وعميم لطفه يعفو لكم عن كثير من المصائب، لأنكم لا قدرة لكم أن تفوتوا ما قضي عليكم من المصائب، ولا لكم أيضًا من دونه متول بالرحمة يرحمكم إذا أصابكم مصيبة، ولا ناصر غيره ينصركم منه، ولهذا جاء عن علي ﵁: "هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن". قوله: (وقرئ: ﴿الْجَوَارِ﴾): بغير ياء؛ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. قوله: (كأنه علم في رأسه نار): قبله: وإن صخرًا لمولانا وسيدنا وإن صخرًا إذا نشتو لنحار أغر أبلج تأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار تمدح أخاها تقول: إذا دخل الشتاء والشدة ينحر الإبل للأضياف. "الأبلج": الطليق الوجه في المعروف، قولها: "في رأسه نار": تتميم لقولها: "كأنه علم". ؟
[ ١٤ / ٦٦ ]
وقرئ: "الرياح"، ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ بفتح اللام وكسرها؛
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "الرياح"): نافع، والباقون: بالتوحيد. الانتصاف: "يقولون: أن "الريح" لم ترد في القرآن إلا عذابًا، بخلاف "الرياح"، وهذه الآية تحرم الإطلاق، لأنها هاهنا نعمة ورحمة، وسكونها شدة على أصحاب السفن، ولا ينكر أن الغالب في ورودها مفردة ما ذكروا، وكذا في قوله ﷺ: "اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا": بناء على الأغلب". قال صاحب "الإنصاف": "وكذلك جاء في القراءات السبعة: (الله الذي أرسل الريح)، (وهو الذي يرسل الريح)، والمراد بها: التي تثير السحاب". قوله: (﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ بفتح اللام وكسرها): بالفتح: السبعة، والكسر: شاذ. قال ابن جني: "الكسر قراءة قتادة، وهي على: ظللت أظل؛ كفررت أفر، والمشهور فيها: فعلت أفعل؛ ظللت أظل، وأما ظللت أظل: فلم يمرر بنا، لكن قد مر نحو هذا: ضللت أضل، وضللت أضل، ولم يقرأ قتادة إلا بما روي، وأقل ما في هذا أن يكون قد سمع لغة". ؟
[ ١٤ / ٦٧ ]
من: ظل يظل ويظل، نحو: ضل يضل ويضل، ﴿رَواكِدَ﴾ ثوابت لا تجري، ﴿عَلى ظَهْرِهِ﴾ على ظهر البحر، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على بلاء الله، ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمائه، وهما صفتا المؤمن المخلص، فجعلهما كناية عنه، وهو الذي وكل همته بالنظر في آيات الله، فهو يستملي منها العبر.
﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ يهلكهن، والمعنى: أنه إن يشأ يبتلي المسافرين في البحر بإحدى بليتين؛ إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على متن البحر، ويمنعهن من الجري، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكهن إغراقًا بسبب ما كسبوا من الذنوب، ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ منها.
فإن قلت: علام عطف ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾؟ قلت: على ﴿يُسْكِنِ﴾، لأنّ المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها.
_________________
(١) ـ قوله: (وهما صفتا المؤمن): قال الإمام: "المؤمن لا يخلو من أن يكون في السراء والضراء، فإن كان في الضراء: كان من الصابرين، وإن كان في السراء: كان من الشاكرين"، روى محيي السنة في "المصابيح" عن النبي ﷺ قال: "عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". قوله: (فجعلهما كناية عنه): ونحوها قولك: الإنسان حي مستوي القامة عريض الأظفار. وأقول: حسن موقع هذه الكناية في هذا المقام: أن مواجب الصبر والشكر لم تتبين في سائر الحالات ظهوره في حالتي الركوب في البحر والخروج منه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] الآيات. قوله: (يستملي منها العبر)، الجوهري: "استمليت الكتاب: سألته أن يمليه علي". ؟
[ ١٤ / ٦٨ ]
فإن قلت: فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه؟ قلت: معناه: أو إن يشأ يهلك ناسًا وينج ناسًا على طريق العفو عنهم. فإن قلت: فمن قرأ "وَيَعْفُو"؟ قلت: قد استأنف الكلام.
[﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٣٥]
فإن قلت: فما وجوه القراءات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ﴾؟ قلت: أما الجزم فعلى ظاهر العطف، وأما الرفع فعلى الاستئناف، وأما النصب فللعطف على تعليل محذوف،
_________________
(١) ـ قوله: (فما وجوه القراءات الثلاث في ﴿وَيَعْلَمَ﴾؟): الرفع: قراءة نافع وابن عامر، والنصب: الباقون، والجزم: شاذ. أما الجزم: فعلى ظاهر العطف، فيكون التشريك بينهما في المسببية، وأما الرفع: فهو ما ذكره ابن الحاجب: إما أن يقصد إلى عطف الجملة على موضع الجزم المتقدم، باعتبار كونها جملة، لا باعتبار عطف مجرد الفعل، فعلى هذا يكونان أيضًا مشتركين في المسببية، أو يكون إخبارًا بوقوع ذلك، لا على تشريك بينه وبين ما قبله. وهو المراد من قول المصنف: "فعلى الاستئناف". وقلت: مرجع الاستئناف أيضًا إلى التعليل، وتفويض استفادته إلى الذهن، وهذا البحث قريب مما في "المفصل": " ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]: بالنصب غلى إضمار "أن"، والرفع على الاشتراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الابتداء"، في "الإقليد": أن أردت الابتداء قدرت: "أو هم يسلمون"، فالمعنى: أن المؤمنين هم المتولون للقتال، وسيجيء الكلام فيه مستقصى. ؟
[ ١٤ / ٦٩ ]
تقديره: لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، منه قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ﴿[مريم: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: ٢٢].
وأما قول الزجاج: النصب على إضمار "أن"، لأنّ قبلها جزاء؛ تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك؛ جزمًا، ففيه نظر؛ لما أورده سيبويه في "كتابه"، قال: "واعلم أنّ النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف، وهو نحو من قوله:
وألحق بالحجاز فأستريحا
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ﴾): يعني: في "مريم"، وتقديره: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. قوله: (﴿وَلِتُجْزَى﴾): أي: في "الجاثية"، تقديره: وخلق السماوات والأرض ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس. قوله: (وألحق بالحجاز فأستريحا): أوله: سأترك منزلي لبني تميم نصب "ألحق" وهو ضعيف؛ لأنه ليس في جواب الأشياء الستة. ؟
[ ١٤ / ٧٠ ]
فهذا يجوز، وليس بحدّ الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلًا، لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأوّل فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه"، انتهى.
ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحدّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها "كتابه"، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة.
_________________
(١) ـ قوله: (وليس بحد الكلام ولا وجهه): قيل: أراد بالحد: الجواز، وبالوجه: الحسن، ويمكن أن يراد بالحد: الثابت المقرر والمؤصل، وبالوجه: ما يحمل عليه شيء لمشابهته له. قوله: (لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون في الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه، أجازوا): يعني: أن فعل الجزاء يشبه الإنشائيات في أنه غير ثابت إلا أن يثبت الشرط، فجاز لهذا أن يجاب بما تجاب به الأشياء الستة، لأنها ليست بثباته، لكن على ضعفه. وأما البيت: فهو خبر محض، فلا يجوز، اللهم إلا أن يقال: أن قوله: "سأترك" فعل مضارع، والمضارع أيضًا غير ثابت كالتمني والترجي، فلذلك جاز أن ينتصب "ألحق"، وقيل: التقدير: "وشأني أن ألحق"، فحذف المبتدأ، وقيل في قوله سيبويه: "إن النصب بالفاء والواو" إلى آخره: بحث؛ لأن المراد بالضعيف في مثل هذا الموضع قلة وروده في كلام الفصحاء، ونحن نقول: إذا ورد مثله في كلام الله المجيد فالوجه أن يتمسك به، ويجعل قويًا، فإنه المعيار والمهيمن على جميع الكتب. ؟
[ ١٤ / ٧١ ]
فإن قلت: فكيف يصح المعنى على جزم "وَيَعْلَمَ" قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور؛ هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين.
﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ من محيد عن عقابه.
[﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣٦]
"ما" الأولى ضمنت معنى الشرط، فجاءت الفاء في جوابها، بخلاف الثانية، عن علي ﵁: اجتمع لأبي بكر ﵁ مال، فتصدق به كله في سبيل الله والخير، فلامه المسلمون، وخطأه الكافرون، فنزلت.
_________________
(١) ـ قوله: (فكيف يصح المعنى على جزم "ويعلم"؟): يعني: يرجع معنى الجزم إلى قوله: "ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يعلم الذين يجادلون في آياتنا"، فما معناه؟ وأجاب: بأن معناه التحذير، وتقريره أن يقال: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام، أن يشأ يهلك المؤمن العاصي بسبب عصيانه، ويعف عن كثير، لشمول رحمته وعميم لطفه، وإن يشأ ينتقم من الكافر بكفره، ويجازيه على صرف آيات الله المنبثة في الآفاق على اختلاف أنواعها وحيًا ونظرًا عن مواقعها، ولكن أمهل لصبره وحمله، فكما عبر عن المؤمن بقوله: ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، عبر عن الكافر بقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾، نعم جاء ذكر الكافر مستطردًا لذكر العاصي وعصيانه، لأن "يعفو عن كثير" في الآيتين: وارد في حق المؤمنين، -كما مر- والله أعلم. قوله: ("ما" الأولى ضمنت معنى الشرط): من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع في الحياة الدنيا، فجاءت الفاء في جوابها، وأما "ما" الثانية: فموصولة مبتدأ، والخبر ﴿خَيْرٌ﴾، المعنى: وما استقر عند الله من الثواب في العقبى خير للمؤمنين المتوكلين المجتنبين كبائر الإثم ؟
[ ١٤ / ٧٢ ]
[﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ٣٧]
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده. ومعنى ﴿كَبائِرَ الْإِثْمِ﴾ الكبائر من هذا الجنس، وقرئ: "كبير الإثم"، وعن ابن عباس: كبير الإثم هو الشرك. ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول حلوم الناس، والمجيء ب ﴿هُمْ﴾، وإيقاعه مبتدأ، وإسناد ﴿يَغْفِرُونَ﴾ إليه: لهذه الفائدة، ومثله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
[﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ٣٨]
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ نزلت في الأنصار، دعاهم الله ﷿ للإيمان به وطاعته، فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وأتموا الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام وقبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة، إذا كان بهم أمر اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم،
_________________
(١) ـ الكاظمين الغيظ المستجيبين لربهم. هذا هو الذي عناه بقوله: " ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ﴾ عطف على ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك ما بعده". قوله: (لا يغول الغضب أحلامهم)، الجوهري: "كل ما اغتال الإنسان فأهلكه: فهو غول، و"الغضب غول الحلم"؛ لأنه يغتاله ويذهب به". قوله: (وكانوا قبل الإسلام إذا كان بينهم أمر اجتمعوا وتشاوروا): يريد: أن قوله: ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ جملة اسمية عطفت على الفعلية، وعطفت عليها الفعلية، فآذن بأن مضمونها مستمر منهم، وهو دأبهم وعادتهم قبل استجابتهم لربهم، وقبل إقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله؛ لاستحداثهم إياها بعد المشورة. وفيها أيضًا حمل المصدر على الأمر والشأن للمبالغة، أي: أمرهم وشأنهم ذو مشورة، أو ذات مشورة، أو عينها، وفيها أن أمورهم مبينة على الرشد والصلاح لما تقرر أنه ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم. ؟
[ ١٤ / ٧٣ ]
أي: لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم، والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور.
ومعنى قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي: ذو شورى، وكذلك قولهم: ترك رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁ الخلافة شورى.
[﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ٣٩]
_________________
(١) ـ قوله: (والشورى: مصدر، كالفتيا): الجوهري: "استفتيت الفقيه فأفتاني، والاسم: الفتيا والفتوى". الراغب: "المشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من: شرت العسل وأشرته: استخرجته. والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه". قوله: (ترك رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁): وكان من حديثه على ما جاء في "التاريخ الكامل": "أن عمر ﵁ لما طعن، قيل له: استخلف، فقال: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته وقلت لربي أن سألني: سمعت نبيك يقول: "إنه أمين هذه الأمة"، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته وقلت لربي أن سألني: سمعت نبيك يقول: "إن سالمًا شديد الحب لله"، فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، ما أردت بهذا، ويحك؟ كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته؟ ولا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها لأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، أن كان خيرًا فقد أصبنا منه، وإن كان شرًا فقد صرف عنا، حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا، لا وزر ولا أجر إني لسعيد، ؟
[ ١٤ / ٧٤ ]
هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا
_________________
(١) ـ أنظر؛ فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني: أبا بكر ﵁-، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني: رسول الله ﷺ -، ولن يضيع الله دينه. فخرجوا، ثم راحوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهدًا، فقال: لقد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أولي رجلًا هو أجرؤكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي ﵁، فرهقتني غشية، فرأيت رجلًا دخل جنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة، فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب [على] أمره، فما أردت أن أتحملها حيًا ميتًا، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال لهم رسول الله ﷺ: "إنهم من أهل الجنة"؛ علي وعثمان وسعد والزبير وطلحة وعبد الرحمن، فليختاروا منهم رجلًا، فإذا ولوا رجلًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه"؛ إلى آخر القصة. فإن قلت: أي الأمرين أولى؟ قلت: الذي اختاره ﵁، ولعل نظر رسول الله ﷺ في ترك الأمر شورى إلى أن الأمر نبوة لا ملك، وأن أمته أخيار إنما يختارون ما هو الدين ورضا الله، دون هوى الأنفس، ألا ترى إلى رسول الله ﷺ بم قابل الشورى في قوله: "إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها"، وفي الآية إيماء إلى هذا المعنى، والله أعلم. قوله: (هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم، ولا يعتدوا): يعني: دل التركيب على مزيد اختصاصهم بالانتصار، وذلك لمجيء الضمير وإيقاعه مبتدأ، وإسناد ؟
[ ١٤ / ٧٥ ]
وعن النخعي: أنه كان إذا قرأها قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. فإن قلت: أهم محمودون على الانتصار؟ قلت: نعم، لأنّ من أخذ حقه غير متعد حدّ الله وما أمر به، فلم يسرف في القتل إن كان ولي دم، أو رد على سفيه، محاماة على عرضه وردعًا له، فهو مطيع، وكل مطيع محمود.
[﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٤٠]
كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة، لأنها تسوء من تنزل به،
_________________
(١) ـ ﴿يَنتَصِرُونَ﴾ عليه، ومثله ﴿وإذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وعليه قول الشاعر: جلوس في مجالسهم رزان وإن ضيف ألم فهم خفوف ويبعد أن يجعل من باب تقوى الحكم، لأنه إذا قيل: هم يغفرون البتة، فهم أنهم لا يتجاوزون إلى الانتصار، وإذا قيل: هم ينتصرون قطعًا، فهم: أنهم لا يغفرون البتة. وقال القاضي: " ﴿هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ على ما جعله الله لهم كراهة التذلل، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفصائل، وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإن الاقتصار على الغفران ينبئ عن العجز، والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلب مذموم". وقلت: مثله قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، فهو من باب التكميل. قوله: (كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة؛ لأنها تسوء من تنزل به): وقلت: بل تسوء المجازي؛ لأن القصد هو تحريض العفو والتجاوز، فسمي الجزاء بالسيئة تهجينًا، فهو من باب "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، لا من باب المشاكلة، وذلك أنه تعالى لما أثبت للذين آمنوا ؟
[ ١٤ / ٧٦ ]
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨]، يريد: ما يسوءهم من المصائب والبلايا، والمعنى: أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال: أخزاك الله، قال: أخزاك الله.
﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء، كما قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم، وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء، خصوصًا في حال الحرد والتهاب الحمية، فربما كان المجازى من الظالمين وهو لا يشعر.
_________________
(١) ـ وعلى ربهم يتوكلون صفتين، وأن حالهم تارة إذا ما غضبوا هم يغفرون، وأخرى إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، أرشدهم إلى خير الفضيلتين وأولى الحسنتين، فقال: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، ولهذا ختم الآيات بقوله: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾، أي: لمن معزومات الأمور، ومن شيم أولي العزم من الرسل. النهاية: "العزم يجيء لمعنيين؛ بمعنى الجد والصبر، وبمعنى الفرائض". قوله: (فربما كان المجازي من الظالمين وهو لا يشعر): وقلت: فعلى هذا يكون قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ اعتراضًا، والفاء مانعة منه، ويمكن أن يقال: أن المجازي لما نسب إلى المساءة في قوله: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ -كما تقرر-، والمسيء في هذا المقام مفسد لما في البين، بدليل قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، علل مفهوم ذلك بقوله: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، كأنه قيل: من أخرج نفسه بالعفو والإصلاح من الانتساب إلى السيئة والإفساد: كان مقسطًا-أي: سالبًا عن نفسه القسط، أي: الجور-، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فوضع موضعه: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وهو كما قال: "عدة مبهمة". ومن اشتغل بالمجازاة، وانتسب إلى السيئة، وأفسد ما في البين، وحرم على نفسه ذلك الأجر الجزيل: كان ظالمًا على نفسه ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. ؟
[ ١٤ / ٧٧ ]
_________________
(١) ـ وقريب منه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم: ٤٤ - ٤٥]، قال ﵀: "وتكرير ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وترك الضمير إلى الصريح؛ لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح، وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس". ويمكن أن يحمل كلام المصنف على هذا المعنى، وذلك أنه استشهد بقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وهو قد عقب قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقد ذكر أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها، ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك. فإن قلت: فعلى هذا كيف يلتئم قوله: ﴿ولَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ بما قبله، فإنه تعالى رفع عنهم كل جرح وضيق بتنكير ﴿سَبِيلٍ﴾؛ لشيوعه، فضلًا عن الظلم؟ قلت: تلك الآية واردة في شأن المظلوم، وإرشاد له إلى مكارم الأخلاق، وإيثار طريق المرسلين كما سبق، وهذه خطاب للولاة والحكام وتعليم فعل ما ينبغي فعله، بدليل قوله: ﴿إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ … أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، حيث أعاد "السبيل" المنكر بالتعريف، وعلق به ﴿يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، وفسره بقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ويعضده تفسير الإمام: "أي: ما عليهم من سبيل لعقوبة ومؤاخذة؛ لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار، وفائدته: ما ذهب إليه الشافعي ﵁: أن سراية القود مهدرة؛ لأن الشرع أذن للمنتصر بالقطع، سواء سرى أو لم يسر". ؟
[ ١٤ / ٧٨ ]
وعن النبي ﷺ: "وإذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم. قال: فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله".
[﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤١ - ٤٢]
﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، وتفسره قراءة من قرأ: "بعد ما ظلم"، ﴿فَأُولئِكَ﴾ إشارة إلى معنى "مِنْ" دون لفظه، ﴿مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ للمعاقب ولا للعاتب والعائب.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ يبتدئونهم بالظلم، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون.
[﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٤٣]
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ على الظلم والأذى، ﴿وَغَفَرَ﴾ ولم ينتصر وفوّض أمره إلى الله، ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ منه ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وحذف الراجع لأنه مفهوم، كما حذف من قولهم: "السمن منوان بدرهم".
ويحكى: أن رجلًا سب رجلًا في مجلس الحسن،
_________________
(١) ـ وأما قوله: ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾: فتعليم للولاة طريق الحكم، يعني: أن صاحب الحق إذا عدل من الأولى، وانتصر من الظالم، فلا سبيل لكم عليه؛ لما قد رخص له ذلك، وإذا اختار الأفضل فلا سبيل لكم على الظالم؛ لأن عفو المظلوم من عزم الأمور، فتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. قوله: (ويحكي: أن رجلًا سب رجلًا مثله): أورد الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" ؟
[ ١٤ / ٧٩ ]
فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها -والله- وفهمها إذ ضيعها الجاهلون. وقالوا: العفو مندوب إليه.
ثم الأمر قد ينعكس في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبًا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى. وعن النبي ﷺ ما يدل عليه، وهو أن زينب أسمعت عائشة بحضرته، وكان ينهاها فلا تنتهي،
_________________
(١) ـ عن أبي هريرة: "أن رجلًا شتم أبا بكر ﵁، والنبي ﷺ جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر ﵁، قال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال: إنه كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان". قوله: (عقلها والله) أي: عمل بها. الأساس: "عقل فلان بعد الصبا، أي: عرف الخطأ الذي كان عليه". قوله: (وهو أن زينت أسمعت عائشة) ﵄: روينا عن أبي داود عن ابن عون قال: قالت عائشة ﵂: "دخل على رسول الله ﷺ، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئًا، فقلت بيدي حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: سبيها. فسبتها، فغلبتها"، الحديث. "أسمعت": أي: سبت، يقال: أسمع فلان فلانًا؛ إذا سبه، قال تعالى: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]؛ أي: غير مسبوب. ؟
[ ١٤ / ٨٠ ]
فقال لعائشة: «دونك فانتصرى».
[﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ٤٤]
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ومن يخذل الله، ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه.
[﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ * وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ٤٥ - ٤٦]
﴿خاشِعِينَ﴾ متضائلين متقاصرين مما يلحقهم ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾، وقد يعلق ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، ويوقف على ﴿خَاشِعِينَ﴾.
_________________
(١) ـ الجوهري: "للخصومة قحم، أي: تقحم بصاحبها على ما يريده". قوله: (دونك): أي: خذي، الجوهري: "يقال في الإغراء بالشيء: دونكه، وقال تميم للحجاج: أقبرنا صالحًا -وكان قد صلبه-، فقال: دونكموه". ويوقف على ﴿خَاشِعِينَ﴾، وفي "الكواشي": يعرضون على النار خاشعين ذليلين، لا وقف هاهنا أن علقت ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾، وتقف على ﴿الذُّلِّ﴾، ويكون حسنًا أن استأنف ما بعد، وإن نصبته حالًا فلا أحبه، وتقف على ﴿خَاشِعِينَ﴾ أن علقت ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾. نحوه في "المرشد". ؟
[ ١٤ / ٨١ ]
﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل في نظره إلى المحاب. وقيل: يحشرون عميًا فلا ينظرون إلا بقلوبهم، وذلك نظر من طرف خفي، وفيه تعسف.
﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾، ويكون قوله المؤمنين واقعًا في الدنيا، وإما أن يتعلق بـ"قال"، أي: يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة.
[﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ ٤٧]
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ من صلة ﴿لَا مَرَدَّ﴾، أي: لا يرده الله بعد ما حكم به،
_________________
(١) ـ قوله: (كما ترى المصبور)، المغرب: "يقال للرجل إذا شدتيداه ورجلاه وأمسكه رجل آخر حتى يضرب عنقه: قتل صبرأ، ومنه: "نهى عن المصبورة"، وهي البهيمة المحبوسة على الموت". قوله: (وإما أن يتعلق بـ"قال"): والمعنى على الأول: أيها الناظر تراهم يعرضون على النار خاشعين من الذل، وقد صدق فيهم قول المؤمنين في الدنيا: أن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وهاهنا وجه ثالث، وهو أن يتعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾، والقول واقع في القيامة، واختصاص ذكر القيامة للتهويل، وأن هذا الخسار لا خسار بعده، خسار ضربة لازب، يؤيده قوله: ﴿أَلا إنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾، لأنه تذييل. قوله: (﴿مِنَ اللهِ﴾: من صلة ﴿لَا مَرَدَّ﴾): يجوز بالكسر وبالضم، والكسر أظهر من الضم في الموضعين. ؟
[ ١٤ / ٨٢ ]
أو من صلة ﴿يأتِي﴾، أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على ردّه، والنكير: الإنكار، أي: ما لكم من مخلص من العذاب، ولا تقدرون أن تنكروا شيئًا مما اقترفتموه ودوّن في صحائف أعمالكم.
[﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ ٤٨]
أراد بـ"الإنسان": الجمع لا الواحد؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، ولم يرد إلا المجرمين، لأن إصابة السيئة بما قدّمت أيديهم إنما تستقيم فيهم، والرحمة: النعمة من الصحة والغنى والأمن، والسيئة: البلاء من المرض والفقر والمخاوف، والكفور: البليغ الكفران، ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، والمعنى: أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها.
_________________
(١) ـ قوله: (ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم): فالتعريف في "الإنسان" الأول: للعهد، وفي الثاني: للجنس، والقرنية الدالة على العهد قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، والمغيبون: الكفار المخاطبون؛ لترتب قوله: ﴿فَإنْ أَعْرَضُوا﴾ على قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم﴾، فهو من إقامة المظهر موضع المضمر؛ للإشعار بتصميمهم على الكفران، والإيذان بأنهم لا يرعوون مما هم فيه. وأفرد الضمير في ﴿فَرَحٍ﴾، وجمع في ﴿وإن تُصِبْهُمْ﴾، وعم في ﴿َإنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ﴾، لمفهوم واحد على الترقي في معنى: ليس ببدع من هذا الإنسان المعهود: الإصرار؛ لأن هذا ؟
[ ١٤ / ٨٣ ]
[﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ٤٩ - ٥٠]
لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدّها، أنبع ذلك أنّ له الملك، وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد، ويهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه مشيئته، فيخص بعضًا بالإناث، وبعضًا بالذكور، وبعضًا بالصنفين جميعًا، ويعقم آخرين، فلا يهب لهم ولدًا قط.
فإن قلت: لم قدّم "الإناث" أوّلًا على "الذكور" مع تقدّمهم عليهنّ، ثم رجع فقدّمهم، ولم عرف "الذكور" بعد ما نكر "الإناث"؟ قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته،
_________________
(١) ـ الجنس موسوم بكفران النعم، فجعل ذم "الإنسان" الثاني المطلق دليلًا على ذم هذا المقيد، ولذلك قال: "ليسجل". قوله: (لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها، أتبع ذلك أن له الملك): شرع في بيان النظم، ولم يبين، وإنما المراد أن ليس موجب إذاقة النعمة من الله الفرح والبطر والأشر، بل هي موجبة للحمد والشكر لموليها، كما ليس إصابة السيئة منه تعالى سببًا للكفران، بل للإنابة والرجوع إلى منيلها، لأن له الملك والملكوت، وله التصرف في ملكه ما يشاء كيف يشاء، وليس على الإنسان إلا الشكر عند الآلاء، والصبر عند البلاء، وإليه الإشارة بقوله: "لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان". قوله: _لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى) إلى آخره: قال صاحب "التقريب": وفيه بحث، إذ يمكن معارضته بأن الآية السابقة ذكر فيها الرحمة مقدمة على البلاء، فناسب هذا تقديم الذكور على الإناث، لا يقال: سياق الكلام أنه فاعل ما لا يشاؤه الإنسان، فكان ذكر ما لا يشاؤه الإنسان -وهو الإناث- أهم، فيكون أحق بالتقديم؛ لأنا نقول: السياق أنه لا يفعل ما يشاؤه الإنسان، لا أنه يفعل ما لا يشاؤه الإنسان. ؟
[ ١٤ / ٨٤ ]
_________________
(١) فإن قلت: إنه فاعل ما يشاؤه، وقد شاء تقديم الإناث. قلت: شاء لحكمة أولا لحكمة؟ فإن كان الثاني سقط أصل سؤال حكمة تقديم الإناث، وإن كان الأول كفت تلك الحكمة لتقديم الإناث، بدون هذا التطويل والتحمل. والأولى أن يقال: قدم الإناث توصية برعايتهن لضعفهن، لاسيما وقد كانوا قريبي العهد بالوأد. وقال الزجاج: "ويجعل ما يهبه من الولد ذكرانًا وإناثًا، أي: يقرنهم، وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان"، فالتقدير: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إنَاثًا﴾ يعني: البنات ليس معهن ذكر، ﴿ويَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ يعني: البنين ليس معهم أنثى، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وإنَاثًا﴾ أي: يولد لرجل ذكور وإناث، ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا ولد له. وقال القاضي: " ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ﴾ بدل من ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ بدل البعض من الكل، والمعنى: يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة، يهب لبعض إما صنفًا واحدًا ذكرًا أو أنثى، أو الصنفين معًا، ويعقم آخرين، ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو المحافظة على الفواصل، ولذلك عرف الذكور"، وذكر الوجهين اللذين في "الكشاف" أيضًا. وقلت: أما قضية النظم: فإن قوله: ﴿ِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْض﴾ وارد على نمط الآيات السابقة، وهي: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ [الشورى: ٢٨]، ﴿ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولما ذكر بث الحيوان، وأراد أن يبين كيفية البث قدم استبداده بالملك، واستقلاله بالملكوت، ثم ثنى بأنه خالق لما يشاء، فاعل لما يريد، له التصرف في ملكه ما يشاء كيف ؟
[ ١٤ / ٨٥ ]
وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث لأنّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء، وأخر الذكور، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم -وهم أحقاء بالتقديم- بتعريفهم، لأن التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرّف أن تقديمهنّ لم يكن لتقدّمهنّ، ولكن لمقتض آخر، فقال: ﴿ذُكْرانًا وَإِناثًا﴾، كما قال: ﴿إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩].
وقيل: نزلت في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، حيث وهب لشعيب ولوط إناثًا، ولإبراهيم ذكورًا، ولمحمد ذكورًا وإناثًا، وجعل يحيى وعيسى عقيمين.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد، ﴿قَدِيرٌ﴾ على تكوين ما يصلحهم.
[﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٥١]
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ﴾ وما صح لأحد من البشر، ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا﴾ على ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي، وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام،
_________________
(١) ـ يشاء، ثم ثلث بقوله: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ﴾، فترقى من ذلك العام إلى ذكر الإناث، ثم إلى إفراد الذكور، ثم إلى جمعهما، فلا يدخل في الكلام إرادة الإنسان وكراهته. وأما قوله: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: كالاستدراك وتتميم معنى الاستبداد، ولذلك غير العبارة إلى ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشَاءُ﴾، ثم ذيل الكل وعلله بقوله: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؛ ليكون ذريعة إلى ذكر فضل من فضائل هذا النوع من المخلوق، ومنتهى كماله وغاية درجاته؛ ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا﴾ ليؤذن بأن المقصود من الخلق: البث والدعوة إلى الله والتوجه إليه والعبادة له، وختم السورة بذكر أفضلهم وأكملهم وأشرفهم صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. قوله: (إما على طريق الوحي، وهو الإلهام): الراغب: "أصل الوحي: الإشارة السريعة، ؟
[ ١٤ / ٨٦ ]
كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم ﵇ في ذبح ولده. وعن مجاهد: أوحى الله الزبور إلى داود ﵇ في صدره، قال عبيد بن الأبرص:
وأوحى إلي الله أن قد تأمّروا بإبل أبي أوفى فقمت على رجل
أي: ألهمني وقذف في قلبي.
وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام،
_________________
(١) ـ إما بالكلام رمزًا وتعريضًا، وإما بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح والكتابة، ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه: وحي، وذلك أضرب حسب ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ الآية، وذلك إما برسول مشاهد يرى ذاته ويسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ في صورة معينة، وإما بسماع كلام من غير معاينة؛ كسماع موسى ﵇ كلام الله، وإما بإلقاء في الروع، كما قال ﷺ: "إن روح القدس نفث في روعي"، وإما بإلهام نحو: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وإما بتسخير؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أو بمنام؛ كما قال ﷺ: (انقطع الوحي وبقيت المبشرات: رؤيا المؤمن) ". و"أوحى" في البيت: يقول: ألهمني الله تعالى أن قومًا استولوا وغصبوا إبل أبي أوفى، وصاروا أمراء عليها، فقمت بجد واجتهاد في مددهم لأردها عليهم، ويروى: "تأجروا". قوله: (وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام)، الانتصاف: "الحق أن ؟
[ ١٤ / ٨٧ ]
من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاته غير مرئي، وقوله: ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾: مثل، أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه، وهو من وراء الحجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وإما على أن يرسل إليه رسولًا من الملائكة، فيوحي الملك إليه، كما كلم الأنبياء غير موسى. وقيل: وحيًا كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملائكة.
﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ أي: نبيًا، كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم.
و﴿وَحْيًا﴾ و"أن يرسل": مصدران واقعان موقع الحال، لأنّ "أن يرسل" في معنى: إرسالًا. و﴿مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: ظرف واقع موقع الحال أيضًا -كقوله: ﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] والتقدير: وما صح أن يكلم أحدًا إلا موحيًا، أو مسمعًا من وراء حجاب، أو مرسلًا.
_________________
(١) ـ كلام الله قديم، سمعه موسى، وسمعه نبينا صلوات الله عليهما، والحجاب المذكور باعتبار المخلوق لا باعتبار الخالق، ويستنبط من هذه الآية أن من حلف ألا يكلم فلانًا، فراسله حنث؛ لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام". وقال القاضي: "معنى: ﴿إلاَّ وحْيًا﴾: كلامًا خفيفًا يدرك بسرعة، ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة، وهو أعم من المشافهة، كما روى في حديث المعراج، وكما اتفق لموسى ﵇ في الطور، وقي قوله: ﴿أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ دليل على جواز الرؤية، لا على امتناعها". قوله: (والتقدير: وما صح أن يكلم أحدًا إلا موحيًا، أو مسمعًا من وراء حجاب، أو مرسلًا): ها هنا سؤالان: أحدهما: أن قضية الترقي من الأدنى إلى الأعلى أن يكون قوله: ﴿أَوْ ؟
[ ١٤ / ٨٨ ]
ويجوز أن يكون ﴿وَحْيًا﴾، موضوعًا موضع: كلامًا، لأنّ الوحي كلام خفي في سرعة، كما تقول: لا أكلمه إلا جهرًا وإلا خفاتًا، لأنّ الجهر والخفات ضربان من الكلام، وكذلك "إرسالًا"، جعل الكلام على لسان الرسول بمنزلة الكلام بغير واسطة، تقول: قلت لفلان كذا، وإنما قاله وكيلك أو رسولك. وقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ معناه: أو إسماعًا من وراء حجاب.
ومن جعل ﴿وَحْيًا﴾ في معنى: أن يوحي، وعطف ﴿يُرْسِلَ﴾ عليه،
_________________
(١) ـ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ مؤخرًا عن قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، لأن المكالمة والرؤيا حصلت من وراء حجاب، وإنه أرفع منزلة من المراسلة، ولذلك مدح موسى ﵇ بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وسماه "كليمًا". وثانيهما: ما فائدة تغيير العبارات؟ وقلت -والعلم عند الله-: يمكن أن يقال: إنه لو حمل الوحي على ما قاله القاضي: " ﴿إلاَّ وحْيًا﴾: كلامًا خفيًا ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة، كما روي في حديث المعراج، وهو المشافهة"، المعني بقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩]، لحصل منه التنزل، ولظهر منه الرمز في تقليل العبارات وخفي التلويحات، مرتبة غب مرتبة، بحسب قلة الوسائط وكثرتها، وما اجتمعت تلك المراتب الثلاث إلا لسيدنا صلوات الله عليه، حيث قال: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ الآية. والله أعلم بأسرار كلامه. قوله: (ومن جعل ﴿وَحْيًا﴾ في معنى: أن يوحي): قال الزجاج: "قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ بالنصب؟ فقال: هو محمول على أن سوى في هذه التي في قوله: ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، لما يلزم منه أن يقال: ما كان لبشر أن يرسل الله رسولًا، وذلك غير جائز، والمعنى: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يرسل، ويجوز الرفع في ؟
[ ١٤ / ٨٩ ]
على معنى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ أي: إلا بأن يوحي أو بأن يرسل، فعليه أن يقدر قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ تقديرًا يطابقهما عليه، نحو: أو أن يسمع من وراء حجاب.
وقرئ: "أو يرسل رسولًا فيوحي" بالرفع؛ على: أو هو يرسل، أو بمعنى: مرسلًا، عطفًا على ﴿وَحْيًا﴾ في معنى: موحيًا.
_________________
(١) ـ "يرسل" على معنى الحال أي: موحيًا أو مرسلًا، وذلك كلامه، ومثل "أن يرسل" بالنصب: قول الحصين بن حمام المري: ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع أو أسوءك علقما" وقال صاحب "الكشف": "من" -في ﴿مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾ -: تتعلق بمضمر، والتقدير: إلا موحيًا أو مكلمًا من وراء حجاب، فهو معطوف على ﴿وَحْيًا﴾، و"وحي": مصدر في موضع الحال، ولا تتعلق "من" بقوله: ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، لأنه قبل حرف الاستثناء، فلا يعمل فيما بعده، مع أنه جوز تعلقه به؛ لأنه ظرف، والظرف يعمل فيه الوهم، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ في تقدير: أو أن يرسل، وهو عطف على "وحي"، أي: إلا وحيًا أو إرسال رسول، ولا يكون عطفًا على ﴿أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾، لأنه فاسد. قال مكي: "لأنه يلزمه نفي الرسل أو نفي المرسل إليهم". قوله: (وقرئ: "أو يرسل رسولًا فيوحي" بالرفع): قرأها نافع. ؟
[ ١٤ / ٩٠ ]
وروي: أنّ اليهود قالت للنبي ﷺ: "ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيًا، كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال: لم ينظر موسى إلى الله، فنزلت". وعن عائشة ﵂: "من زعم أنّ محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"، ثم قالت: "أو لم تسمعوا ربكم يقول" فتلت هذه الآية.
﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن صفات المخلوقين، ﴿حَكِيمٌ﴾ يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة؛ إما إلهامًا، وإما خطابًا.
[﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٥٢ - ٥٣]
_________________
(١) ـ قوله: (وعن عائشة ﵂): روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂: "من زعم أن محمدًا رأى فقد كذب"، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ﴾، وسيجيء الكلام فيه في "النجم" أن شاء الله تعالى. قوله: (﴿إنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن صفات المخلوقين، ﴿حَكِيمٌ﴾ تجري أفعاله على موجب الحكمة): يعني: هذه الفاصلة تعليل لما سبق، أي: ما صح لأحد من البشر أن يكلمه الله إلا على هذه الأوجه، والمعنى: كما أنه عز شأنه على عن أن يكون جنابه مشرع كل أحد، كذلك حكيم لا يصل إلى بيداء حكمته في إرسال الرسل وهم كل متوهم، ومن ثم نودي أفضل خلق الله وأكرمهم عليه بقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ ولَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾، قال القاضي: " ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، يكلم تارة بوسط، وتارة بغير وسط، إما عيانًا أو من وراء حجاب". ؟
[ ١٤ / ٩١ ]
﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنا﴾ يريد: ما أوحي إليه، لأن الخلق يحيون به في دينهم، كما يحيى الجسد بالروح.
فإن قلت: قد علم أن رسول الله ﷺ ما كان يدري ما القرآن قبل نزوله عليه، فما معنى قوله: ﴿وَلَا الْإِيمانُ﴾، والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده، ويجب أن يكونوا معصومين من ارتكاب الكبائر، ومن الصغائر التي فيها تنفير، قبل المبعث وبعده، فكيف لا يعصمون من الكفر؟
قلت: الإيمان اسم يتناول أشياء، بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل، وذاك ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي، ألا ترى أنه قد فسر الإيمان في قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بالصلاة، لأنها بعض ما يتناوله الإيمان.
﴿مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ من له لطف، ومن لا لطف له، فلا هداية تجدي عليه.
﴿صِراطِ اللَّهِ﴾ بدل، وقرئ: "لتهدى"، أي: يهديك الله. وقرئ: "لتدعو".
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ ﴿حم * عسق﴾ كان ممن تصلي عليه الملائكة، ويستغفرون لهـ ويسترحمون له».
_________________
(١) ـ قوله: (الإيمان اسم يتناول أشياء): قال محيي السنة: " ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ ولا الإيمَانُ﴾: يعني: شرائع الإيمان ومعالمه، وأهل الأصول على أن الأنبياء مؤمنون قبل الوحي، وكان النبي ﷺ قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم تتبين له شرائع دينه". وقال ابن الجوزي: "لم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار بالله؛ لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له مع شركهم. وقال ابن قتيبة: لم تزل العرب على بقايا من دين إسماعيل، من ذلك الحج والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات ؟
[ ١٤ / ٩٢ ]
_________________
(١) المحارم بالقرابة والصهر، فكان رسول الله ﷺ على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم تلك". الانتصاف: "معتقد الزمخشري: أن فعل الطاعات من الإيمان، حتى يخرج تاركها ومرتكب الكبيرة من الإيمان، فظن أن هذه الآية حجة له، إذ لو كان لمجرد التوحيد والتصديق لما انتفى عن النبي ﷺ قبل المبعث، لكونه مصدقًا قبل المبعث، فوجب حمل الإيمان المنفي على التصديق وفعل الطاعات التي لم تتحقق قبل النبوة. وجوابه: أن التصديق إنما يعنى به الإيمان عنه قبل الوحي". قال مكي: " ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ﴾: "ما" الأولى: نفي، والثانية: استفهام، رفع بالابتداء، و﴿الكِتَابُ﴾ الخبر، والجملة في موضع نصب بـ ﴿تَدْرِي﴾ ". تمت السورة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه حامدًا ومصليًا على رسول الله. * * * ؟
[ ١٤ / ٩٣ ]