مكية أربع وخمسون آيةً
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)] ١ - ٢ [
ما في السماوات والأرض كله نعمة من الله،
_________________
(١) سورة سبأ مكية، وهي أربع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (ما في السماواتِ والأرضِ كلُّه نِعمةٌ من الله تعالى)، وذلك لأنه مَسارحُ أنظارِ المُتفكِّرين، ومهابطُ أنوارِ ربِّ العالمين، ومنها مَقاماتُ عروجِ العارِفين، فحُقَّ لذلك أن يُحمَدَ ويُثنى عليه. وحينَ ذكَرَ الله ﷾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وصَفَ ذاتَه بأنه مالك هذه النِّعمةِ الجسيمة وأنها مِنه، عَلمْنا أنه المحمودُ على نِعَم الدنيا، ولمّا قرَنَ به ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾
[ ١٢ / ٤٩٥ ]
_________________
(١) وهو مَطلق لم يُعْلَمْ أنّ الحمْدَ لأيِّ شيءٍ هو لِما فيه من نعوتِ الكَمال أو لِما أنّ منه النعمةَ والإفضالَ، فقَيَّد بالنعمةِ لدلالةِ القرينةِ الأولى عليها، وآل المعنى إلى أنه المحمودُ على النعمةِ الدنيوية والمحمودُ على النعمةِ الأخروية. قال القاضي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا ونِعمةً، فله الحمْدُ في الدنيا لكمالِ قُدرتِه وعلى تمامِ نِعْمته، ولو الحمْدُ في الآخرةِ لأنَّ ما في الآخرةِ أيضًا كذلك، وليس هذا من عَطْفِ المُقيَّدِ على المُطلقِ، فإنّ الوصفَ بما يدلُّ على أنه المُنعِم بالنِّعمِ الدُّنيويةِ قَيَّد الحمْدَ بها، وتقديمُ الصلةِ للاختصاص، فإنّ النَّعمَ الدُّنيويَة قد تكونُ بوَساطةِ مَنْ يستحقُّ الحمْدَ لأجلِها ولا كذلك نِعَمُ الآخرة. وقلت: لعلّه أرادَ بالمُقيَّدِ الحَمدَ الثاني لأنه مُقَيَّدٌ بقَوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، والأولُ مُطلقٌ حيثُ لم يُذكَرْ معه «في الدنيا»، لكنَّ المصنِّفَ قَيَّدهُ بحَسبِ المُقابلة والعَطْفِ على نحوِ قول الشاعر: عَجِبْتُ لهم إذ يَقْتلونَ نفوسَهم … ومقتلُهم عند الوغى كان أعذَرا أي: يقْتلونَ نفوسُهم في السِّلْمِ بقرينةِ الوغى، بل قَيَّده بأنّه في الدنيا لأنَّ قولَه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يدلُّ على ذلك لقولِه: «ثُمَّ وصفَ ذاتَه بالإنعامِ بجميعِ النِّعَمِ الدُّنيوية»، وهذا عَيْنُ ما ذكَره القاضي، ولعله عَرَّضَ بغيرِ المُصنِّفِ. ويُمكنُ أن يُقال: إن كُلاًّ من الحَمْدَيْن مُقَيَّدٌ ومُطلقٌ بحَسبِ التقابُلِ، فالأولُ مُقيَّدٌ ومُطلقٌ بحَسبِ التقابُلِ، فالأولُ مُقيَّدٌ بما يُنبُئ عن التعليلِ وتَرتُّبِ الحُكمِ على الوصفِ. والثاني مُطْلقٌ منه، والثاني مُقَيَّدٌ بكَوْنهِ ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾، والأولُ مُطلَقٌ منه. وأما إطلاقُ الأولِ فلقِلَّةِ مبالاةٍ بالدنيا وتحقيرِ شأنِها، وإطلاقُ الثاني للإيذانِ بفَخامةِ شأنِه وأنّه مما لا يدخُلُ تحْتَ الوصفِ من الإفضالِ والإكرامِ وغيرِ ذلك.
[ ١٢ / ٤٩٦ ]
وهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجله، ولما قال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول: أحمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه. ولما قال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ) علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب. فإن قلت: ما الفرق بين الحمدين؟ قلت: أمّا الحمد في الدنيا فواجب؛ لأنه على نعمة متفضٍل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي الثواب. وأمّا الحمد في الآخرة فليس بواجب؛ لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها،
_________________
(١) ـ قوله: (بجميع النِّعم الدنيوية)، تأويلٌ لقولِه: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنه عبارةٌ عنِ العالَم، كما قالَ المصنِّفُ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]: «لا يخفى عليه شيءٌ في العالَمِ فعَبَّر عنه بالسماءِ والأرض». قولُه: (وأما الحمْدُ في الآخرةِ فليسَ بواجبٍ، لأنه على نعمةٍ واجبةِ الإيصالِ إلى مُستَحِقِّها)، محْضُ التَّقليد. ويردُّه ما روَيْناه عن البُخاريِّ ومُسلمٍ عن أبي هُريرةَ وجابرٍ قالا: قال رسولُ الله ﷺ: «قارِبوا وسَدِّدوا واعلَموا أنّه لن يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بعَمَلِه» قالوا: ولا أنْتَ يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلاّ أن يتَغمَّدني الله برَحْمتِه»، وفي روايةٍ أخرى لأبي هُريرَة: «لن يُدْخِلَ أحدًا مِنكم عَمَلُه الجنّة». الانتصاف: الحقُّ في الفَرْقِ بين الحمدَيْن: أنّ الأوّلَ عبادةٌ تُكَلَّفُ بها، والثاني لا تكليفَ إنّما هو في الآخرةِ كالأمورِ الجِبِلِّيةِ في الدنيا، كما جاءَ: «يُلِهَمون التسبيحَ كما يُلْهَمون النفس»، وإلا فكلا النّعمتَينْ فَضْل.
[ ١٢ / ٤٩٧ ]
وإنما هو تتمة سرور المؤمنين، وتكملة اغتباطهم: يلتذون به كما يلتذ من به العطاش بالماء البارد. (وَهُوَ الْحَكِيمُ) الذي أحكم أمور الدارين ودبرها بحكمته، (الْخَبِيرُ) بكل كائٍن يكون.
ثم ذكر مما يحيط به علمًا (ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ) من الغيث كقوله: (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ)] الزمر: ٢١ [، ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات، (وَما يَخْرُجُ مِنْها) من الشجر والنبات، وماء العيون، والفلز والدواب، وغير ذلك. (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ) من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق
_________________
(١) ـ وقيل: إنّ قولَه: «لأنه نعمةٌ واجبةُ الإيصال» ليس على إطلاقِه عندهم أيضًا، لأنّ ما يُعطي الله العبادَ في الآخرةِ ليس مقصورًا على الجزاءِ عنْدَهم بل بَعْضُ ذلك تَفَضُّلٌ وبعضُه أجْر. قوله: (تَتِمّةُ سُرور)، أي: يحمَدونه سُرورًا به لا تعبُّدًا فهو تتميمٌ للسرورِ، لأنّ مَنْ حصَلَ في نعيمٍ بعد مُقاساةِ الشدّةِ والتَّعبِ لا يخلو حالُه مِن تذكُّرِ تلك المقاساةِ، وإذا أخْطَرَهُ ببالِه ورأى ما عليه من الكرامةِ والنعيم يزيدُ سرورُه وابتهاجُه، فقولُهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] إشارةٌ إلى هذا المقام. ثمَّ إذا ذكر أنّ ذلك النعيمَ وتلكَ الكرامةَ دائمةٌ على وجهِ التعظيمِ وليسَ كنعيمِ الدنيا في أنّه في وَشْكِ الزَّوالِ وسُرعةِ الانفصالِ بل جُلُّها بالاستدراجِ يَزيدُ ذلك السرورُ والاغتباط، وقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ناظرٌ إلى هذا المطلوب. قولُه: (العُطاشُ بالماءِ البارد)، الجوهري: العُطاشُ: داءٌ يُصيبُ الإنسان يشربُ الماءَ لا يَروي. قوله: (ما هي له كِفات)، الجوهري: كَفَتُّ الشيءَ أكفُتُه كَفْتًا: إذا ضمَمْتَه إلى نفسِك والكُفاتُ: الموضعُ الذي يُكْفَتُ فيه شيءٌ أي: يُضَمُّ.
[ ١٢ / ٤٩٨ ]
والملائكة، وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ)] الذاريات: ٢٢ [. (وَما يَعْرُجُ فِيها) من الملائكة وأعمال العباد. (وَهُوَ) مع كثرة نعمه، وسبوغ فضله (الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) للمفرطين في أداء مواجب شكرها. وقرأ على بن أبى طالب ﵁: (ننزّل)، بالنون والتشديد.
[(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَاتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي
_________________
(١) قوله: (﴿وَهُوَ﴾ مَع كَثرةِ نِعَمِه)، يعني قوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ تَتْميمٌ لمعنى ما يَسْتلزمُه قولُه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخرهِ من الامتنانِ بمُوجبِ الحمْدِ من فَضائِله المُتكاثرةِ ومن التفريطِ فيما أوجبَ عليهم من الشُّكرِ على تلك النعمةِ الجَسيمة. أي: نَبَّه بهذا الإعلامِ على هَاذَيْن المعنَييْن، ثمَّ عقَّبه بهاذَيْن الوصفَيْن تتميمًا للمقصودِ، يعني: أنّ الله مع ما أولاهُم تلك النعمَ وشَهِدَ منهم ذلك التقصيرَ يزيدُ في تلكَ النِّعَمِ ويَغْفرُ لهم ذلك التفريط. فإن قُلْتَ: أليسَ من الظاهرِ أن يَفْصِلَ الآيةَ الأولى بقوله ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ لمّا اشتملَتْ على إيجابِ الحمْدِ على نِعمةِ الدارَيْن ليرحمَهم ويَغْفِرَ لهم ما أن عسى أن فرّطوا فيه. والآية الثانيةَ بقولهِ ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ لمُناسبةِ العلْمِ الحكمةَ والخِبْرة؟ قلتُ: بَلى ولكن خُولفَ ليتكاثرَ المعنى ويحصُلَ التتميمُ والتكميل، فدَلَّ انضمامُ الأولى بفاصلتِها الدالةِ على نوعٍ من العلمِ على معنى التكميل، وأنّ الله تعالى كما أنّه مُنْعِمٌ في الدارَيْن كذا يُحكِمُ أُمورَهما على وجْهٍ قويٍّ رَصين ويعلمُ ما يصدرُ عن العبادِ من تفاصيلِ الحمدَيْن ليَجْزِيَهُم بها على وجهِ الكمالِ والتمامِ، وانضمامُ الثانيةِ بفاصِلتِها آذَنَ بالتتميمِ الذي أشَرْنا إليه ولو أُجْرِيا على الظاهرِ لفاتَ أكثرُ تلك الفوائد. والله أعلمُ بأسرارِ كلامه.
[ ١٢ / ٤٩٩ ]
كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)] ٣ - ٤ [
قولهم: (لا تَاتِينَا السَّاعَةُ): نفى للبعث وإنكار لمجيء الساعة. أو استبطاء لما قد وعدوه من قيامها على سبيل الهزء والسخرية، كقولهم: (مَتى هذَا الْوَعْدُ)] يونس: ٤٨ [. أوجب ما بعد النفي بـ (بلى) على معنى: أن ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه مؤكدًا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله ﷿، ثم أمد التوكيد القسمي إمدادا بما أنبع المقسم به من الوصف بما وصف به، إلى قوله: (لِيَجْزِيَ)؛ لأنّ عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه، وشدّة ثباته واستقامته؛ لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبًا، وأبين فضلًا، وأرفع منزلةً، كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ. فإن قلت: هل للوصف الذي وصف به المقسم به وجه اختصاص بهذا المعنى؟ قلت: نعم وذلك أن قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، وأوّلها مسارعةً إلى
_________________
(١) قوله: (ثم أُعيدَ إيجابُه مؤكَّدًا بما هو الغايةُ في التوكيدِ والتشديدِ وهو التوكيدُ باليمين)، قال صاحب «الفرائد»: اقتضى المقامُ اليمينَ. لأنّ مَنْ أنكَر ما قيلَ له، فالذي وجبَ أن يُقالَ بعدَ ذلك إذا أُريدَ مُقتَرِنًا باليمين، وإلا كان خَطأً بالنظرِ إلى علم المعاني وإنْ كان صحيحًا بالنظرِ إلى العربيةِ والنحوِ، وما ذكَر مِنْ أنّ عَظمةَ المُقْسَم به تُؤْذِنُ بعَظمةِ الحالِ المُقْسَمِ عليه مُستقيم. فلو وُصِفَ بغَيرِ هذا الوصفِ مما يقتضي العظمةَ كان كذلك، وأما الوصفُ المذكورُ، فلأنَّ إنكارَهم البَعْثَ باعتبارِ أنّ الأجزاءَ المُتفرقةَ المُنْتشرةَ يمتنعُ اجتماعُها كما كانَ يدلّ عليه قولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤] فالوصْفُ بهذه الأوصافِ رَدٌّ لزَعْمِهم واستحالتِهم؛ وهو أنَّ مَنْ كان عِلْمُه بهذه المَثابَةِ كيفَ يَمْنتعُ ذلك منه؟ تَمَّ كلامُه وقد أحسَنَ وأجادَ ﵀. قولُه: (نَعمْ وذلك أنّ قيامَ الساعةِ مِن مشاهيرِ الغُيوب)، إلى آخره، قال صاحبُ «الفرائد»: لا شكَّ أنه لزِمَ منه أن يكونَ عالمًا بوَقْتِ قيامِ الساعةِ لأنّ مَنْ لا يَعْزُبُ عن
[ ١٢ / ٥٠٠ ]
القلب إذا قيل: (عالم الغيب)، فحين أقسم باسمه على إثبات قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة، ثم وصف بما يرجع إلى علم الغيب، وأنه لا يفوت علمه شيء من الخفيات، واندرج تحته إحاطته بوقت قيام الساعة -فجاء ما تطلبه من وجه الاختصاص مجيئًا واضحًا. فإن قلت: الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه، فهب أنه حلف لهم بأغلظ الأيمان، وأقسم عليهم جهد القسم، فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذبًا، كيف تكون مصححة لما أنكروه؟ قلت: هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة
_________________
(١) عِلْمِه شيءٌ لا يَعزبُ عن عِلْمهِ وقْتُ قيامِ الساعة. وأما الاختصاصُ الذي ذكرَ فلزومُه عن ذلك ممنوع. وقلت: دلّ على الاختصاص قولُهم: ﴿لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ﴾ فإنه إنكارٌ لما هو العُمْدَةُ في الإتيانِ بها من العِلمِ بِالكلِّياتِ والجُزئيات والقدرة على المقدوراتِ، فلما أُجيبَ ب ﴿بَلَى﴾ ضُمِّنَ إثباتُ ما نَفوْهما، فخُصَّ بإحدى العُمْدتَيْن لاختصاصِهما بالتهديدِ والوعيدِ للمُكذِّب. وعَمَّ ليدخُلَ فيه ما أُريدَ إثباتُه أوّلَ شيءٍ. والله أعلم. قولُه: (هذا لو اقتصَر على اليمين ولم يُتبِعْها الحجَّةَ القاطعة)، قال صاحبُ «الفرائد»: كلامُه مُشْعِرٌ بأنّ اليَمينَ لم تكُنْ مُصَحِّحة، فَوجودها وعَدَمُها سَواء في التصحيح، والتصحيحُ إنّما يكونُ بالحُجّةِ القاطعةِ بَعْدَها، فلزِمَ أن لا فائدةَ في اليمينِ هاهنا، وهذا ممّا لا سبيلَ إليه، وقد مرَّ إعادةَ ما قبلَ الإنكارِ لابُدّ مِنْ أن يكونَ مقترنًا بالقَسَمِ وإلاّ كانَ خطأٌ بحسب علْمِ المعاني، فلما أوجبت الحكمةُ الإعادةَ وجبَ اقترانُها بالقَسَمِ سواءٌ كان القَسَمُ مُصَحِّحًا لِما أنكروهُ أو غَيْرَ مُصَحِّح. وقلتُ: والعجَبُ مِنْ هاذَيْن الفاضْلَيْن كيف ذَهَلا عن جَدْوي هذه اليمينِ وجَليلِ عائِدتها في هذا المقام! فإنَّهم جَرَّبوه ﷺ ولم يُشاهدوا منه إلا الحقَّ ولم يَسْمعوا منه غَيرَ الصِّدْق، ولهذا سَمَّوْه بالأمين، وما كانَ تكذيبُهم إلاّ عن عِنادٍ ومُكابَرة وحَسَد. يدلُّ عليه
[ ١٢ / ٥٠١ ]
_________________
(١) ما أورَد في «الأنعام» عند قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] عن أبي جَهْل: والله إنّ محمدًا لصادق وما كذَب قَطّ ولكن إذا ذهبَ بنو قُصَيٍّ باللواءِ، إلى آخره، وفي «حم» عند قوله: ﴿أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] عن عُتبةَ بنِ رَبيعة: وقد عَلِمْتُم أنّ محمّدًا إذا قالَ شيئًا لم يكذِبْ قط، إلى غير ذلك، فأتى أوّلًا بالنصِّ القاطعِ المؤيَّدِ بالقَسَمِ المُقترنِ بالوصفِ المُناسبِ، وعَقَّبه بالبُرهانِ الساطعِ ليكونَ تقريرًا بعْدَ تقرير. وإنك أمعَنْتَ النظرَ وجَدْتَ جُلَّ الإقسامِ التنزيلي غيْرَ مُقْترنٍ بشَيءٍ من الحجَّةِ فكانَ ذِكْرُ الحُجَّةِ هاهنا كالتتميمِ للنصِّ والمتفرعِ عليه لا الأصل، وإنما اقتضى هذا التوكيدَ- وهو إتيانُ ﴿بَلَى﴾ وإعادةُ قَوْلِه ﴿لَتَاتِيَنَّكُمْ﴾ ثم الإقسامُ عليه، ثم إتباعُه بالوَصْفِ المُناسبِ ثم انضمامِ البُرهان مع ذلك- أنه تعالى هذه السورةَ الكريمةَ بذِكْرِ الحَمْدَيْنِ الجامْعَيْن لأمرِ الدارَيْن، فأوجبَ التكليفَ لعِلّةِ كَوْنِه مالكًا لِما في السماواتِ وما في الأرض، ورَتَّبَ عليه الحمْدَ في الآخرةِ على نِعْمةِ الثواب، فآذَنَ بأنَّ القَصْدَ في خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ليس إلا المعرفةُ والعبادة، ثم جَزاءُ المحسن العارف العابد وعقابُ المُسيء المعاندِ كقولهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ولهذا استُبْعدَ استبعادَ مَنْ يكفُرُ بذلك حيث عطف ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ﴾ على ما قَبْلَه، كقولِه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، فاقتضى المقامُ لذلك أن يُؤكّدَ الكلامُ بكُلِّ ما أمكَنَ من المُؤكِّدات، فجيءَ أولًا ب ﴿بَلَى﴾ تقريرًا، ثمَّ أعيدَ ما أنكروه تمهيدًا ثم أقسمَ عليه باسْمهِ ووُصِفَ بما يُناسبُ الجوابَ تنصيصا، ثم ختَم كلَّ ذلك بالبُرهانِ تتميمًا وإيذانًا بقُصورِ فَهْمِهم عن إدراكِ النصِّ القاطع، وينصُرُه قولُ الإمام: وعندي أن الدليلَ المذكورَ في قولِه: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ أظهرَ، وذلك
[ ١٢ / ٥٠٢ ]
البينة الساطعة، وهي قوله: (لِيَجْزِيَ)، فقد وضع الله في العقول، وركب في الغرائز وجوب الجزاء، وأن المحسن لا بدّ له من ثواب، والمسيء لا بد له من عقاب. وقوله: (لِيَجْزِيَ) متصل بقوله: (لَتَاتِيَنَّكُمْ تعليلًا له. قرئ: (لتأتينكم) بالتاء والياء. ووجه من قرأ بالياء: أن يكون ضميره للساعة بمعنى اليوم. أو يسند إلى (عالم الغيب)، أى: ليأتينكم أمره، كما قال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ)] الأنعام: ١٥٨ [وقال: (أوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)] النحل: ٣٣ [. وقرئ: (عالم الغيب)، و(علام الغيب): بالجر، صفة لـ"ربي". و(عالم الغيب)، و(عالم الغيوب):
_________________
(١) أنّه إذا كان عالمًا بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأجسامِ ويقدرُ على جمعها فالساعة ممكنة القيام، والصادق قد أخبر عنه فتكون واقعة، والله أعلم. قولُه: (﴿لَتَاتِيَنَّكُمْ﴾ بالتاءِ والياء)، بالتاءِ الفوقانية: العامة، وبالياء: شاذّة. قال ابن جنّي: روى هارونُ عن طُلَيْق قال: سمعتُ أشياخَنا يقرؤون: «ليأتينكم» بالياء. وجازَ التذكيرُ بعد قوله: ﴿لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ﴾ لأنّ المخوفَ منها إنما هو عقابُها والمأمولُ ثوابُها، فغُلِّبَ التذكيرُ الذي هو مَرْجُوٌّ ومَخوفٌ فذَكَّر، فإذا جازَ تأنيثُ المُذكَّرِ بالتأويلِ كانَ تذكيرُ المؤنَّثِ لغَلَبةِ التذكيرِ أحرى. قال تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] لأن بعضَها سَيَّارة أيضًا، وقالوا: ذهبَتْ أصابِعه لأنّ بعْضَها أُصْبَعٌ في المعنى. قوله: (وقُرئَ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾)، حمزةُ والكِسائيُّ: «عَلاَّمِ الغيبِ» بالألفِ بعد اللامِ، وخَفْضِ الميمِ على وَزِنِ فَعّال. والباقونَ: «عالم» بالألفِ بعد العَيْنِ على وزنِ «فاعلٍ»، ورَفَعَ الميمَ نافع وابن عامر، وخَفَضَها الباقون.
[ ١٢ / ٥٠٣ ]
بالرفع، على المدح. و(لا يعزب): بالضم والكسر في الزاى، من العزوب وهو البعد. يقال: روض عزيب: بعيد من الناس. (مِثْقالُ ذَرَّةٍ) مقدار أصغر نملة. (ذلِكَ): إشارة إلى (مثقال ذرّة). وقرئ: (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر): بالرفع على أصل الابتداء، وبالفتح على نفى الجنس، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، بالرفع والنصب، وهو كلام منقطع عما قبله. فإن قلت: هل يصح عطف المرفوع على (مثقال ذرّة)، كأنه قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر، زيادة لا لتأكيد النفي، وعطف المفتوح على (ذرّة) بأنه فتح في موضع الجر لامتناع الصرف، كأنه
_________________
(١) ـ قولُه: (﴿لَا يَعْزُبُ﴾ بالضّمِّ والكَسْر)، الكِسائيّ هنا وفي «يونَس»: بالكَسْر، والباقونَ: بالضمِّ. قولُه: (وقُرئَ ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾)، وهي مَشْهورة، والفَتْحُ شاذّة. قوله: (وبالفَتْح على نَفْي الجِنْس)، وفيه إشكالٌ، لأنّ قولَه تعالى: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ مُضارعٌ للمضافِ، نَحْوَ: لا خَيرًا منه. فلو كَان «لا» لنَفْيِ الجنْس لوجبَ فيه النصبُ كما نصَّ عليهِ في «المفصَّل»: لا خيرًا منه قائمٌ هنا، ويُمكنُ أنّه وضعَ الفَتْحَ موضِعَ النَّصْبِ على الكوفيِّ، كما وضعَ النصْبَ موضعَ الفتحِ في قولِه: «لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله بالرفعِ والنَّصب. قوله: (وهو كلامٌ مُنقطعٌ عما قبله)، قال القاضي: هو جُملةٌ مؤكدة لنفي العزوب، ورَفْعُه بالابتداءِ، ويُؤيِّده القراءةُ بالفتحِ على نَفْيِ الجنْس. قولُه: (هل يصحُّ عَطْفُ المرفوعِ على ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾)، إلى قوله: (عَطْف المفتوحِ على
[ ١٢ / ٥٠٤ ]
قيل: لا يعزب عنه مثقال ذرّة ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر؟ قلت: يأبى ذلك حرف الاستثناء، إلا إذا جعلت الضمير في (عَنْهُ) للغيب، وجعلت (الْغَيْبِ) اسمًا للخفيات قبل أن تكتب في اللوح؛ لأنّ إثباتها في اللوح نوع من البروز عن الحجاب، على معنى: أنه لا ينفصل عن الغيب شيء، ولا يزل عنه إلا مسطورًا في اللوح.
[وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)] ٥ [
وقرئ: (معجزين). و(أليم): بالرفع والجر. وعن قتادة: الرجز: سوء العذاب.
_________________
(١) ـ ﴿ذَرَّةٍ﴾؟) وقد قال بِهما أبو البقاء. قولُه: (يأبى ذلك حَرْفُ الاستثناء)، لأنّ الاستثناءَ حينئذٍ مُنقطع، فيكونُ التقديرُ: لا يعزُبُ عن عالمِ الغيبِ مثقالُ ذَرّةٍ ولا أصغَرُ من مثقالِ ذَرّة ولا أكبرُ منه، لكن ما في كتابٍ مُبينٍ يعزُبُ عنه. وإذا جعَلْتَ الضميرَ للغيبِ يصيرُ المعنى: ولا يعزُب، أي: لا ينفصلُ عن الغيب، أي: الخَفِيّات، مثقالُ ذَرّةٍ، ولا أصغرُ منه ولا أكبر، لكن في كتابٍ مُبينٍ يَعْزُبُ عنه، لأنّ ما في اللوحِ خارجٌ من الغَيبِ لِمَا يَطَّلِعُ فيه الملائكةُ المُقرَّبون. والمعنى على هذا: أنّ ما أظهَرهُ من علومهِ الت يتنفد الأبحرُ دونَ نفادِها بالنسبةِ إلى ما أخفاهُ كالقَطْرةِ بالنسبةِ إلى الأبحُرِ السبعة. قولُه: (وقُرئَ: «مُعَجِّزين»)، بالتشديد: ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْروٍ، والباقونَ: ﴿مَعَاجِزِينَ﴾ بالألفِ. و«أليمٌ» بالرفعِ: ابنُ كثير وحَفْصٌ، والباقونَ بالجرِّ. قال الزجاج: «معاجزين» بمَعْنى: مسابقين، ومُعَجِّزين: أنّهم يُعَجِّزونَ مَنْ آمنَ بها ويكون بمعنى: مُثَبِّطين.
[ ١٢ / ٥٠٥ ]
[وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)] ٦ [
(ويرى): في موضع الرفع، أى: ويعلم أولو العلم، يعنى أصحاب رسول الله ﷺ، ومن يطأ أعقابهم من أمّته. أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، مثل كعب الأحبار، وعبد الله ابن سلام ﵄. (الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ … الْحَقَّ): هما مفعولان لـ"يرى"، و(هو) فصل. ومن قرأ بالرفع جعل "هو" مبتدأ و"الْحَقَّ" خبرًا، والجملة في موضع المفعول الثاني. وقيل "يَرَى": في موضع النصب، معطوف على (لِيَجْزِيَ) أى: وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علمًا لا يزاد عليه في الإيقان، ويحتجوا به على الذين كذبوا وتولوا. ويجوز أن يريد: وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه الحق فيزدادوا حسرة وغما.
_________________
(١) قولُه: (﴿وَيَرَى﴾ في موضعِ الرفعِ)، أي: ابتداءُ كَلام. قولُه: (ومَنْ بطأُ أعقابَهم)، النهاية: في حديث عَمّارٍ: «أنّ رجلًا وشى به إلى عَمَرَ ﵁ فقال: اللهمَّ إن كان كذبَ فاجْعَله مُوطّأَ العَقِب» أي: كثيرَ الأتباع، دَعا عليه أن يكونَ سلطانًا أو ذا مالٍ فيَتْبعُه الناسُ ويَمْشون وراءَه فيَقعُ في التَّبِعة. قولُه: (ويجوزُ أن يُريدَ: وليعلمَ مَنْ لم يؤمِنْ)، عَطْفٌ على قَوْلِه: «وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة»، هذانِ الوجهانِ مَبْنيّانِ على أنّ ﴿يَرَى﴾ في موضعِ النصبِ، كما بنى على القولِ الأولِ الوجهَيْن، وهو أن يكونَ ﴿الْحَقَّ﴾ مفعولًا ثانيًا، على قراءةِ النَّصْب، والضميرُ المرفوعُ للفصلِ، وعلى قراءةِ الرفعِ الجملةُ سادَّةٌ مسَدَّ المفعولِ الثاني، قال أبو البقاء: فاعلُ «يهدي» ضَمير، ويجوزُ أن يكونَ ضميرَ اسمِ الله، ويجوزُ أن يُعْطَفَ على موضعِ الحقِّ فتكون «أن» محذوفةً، فيكونَ مفعولًا ثانيًا، ويجوزُ أن يكونَ في موضعِ اسمِ الفاعل، أي: ويَروْن المُنَزَّلَ حَقًّا وهاديا.
[ ١٢ / ٥٠٦ ]
_________________
(١) ـ فإن قُلتَ: كيفَ خَصَّ أحدَ التفسيرَيْن بقوله: «عِلمًا لا يُزادُ عليه في الإيقانِ»، والآخَر بقوله: «فيزدادوا حَسرْة وغمًّا»؟ قلتُ: لأنّ المرادَ بـ «يرى» ومفعولَيْه: حصولُ العلمِ بعد عَدَمِه، فإذا أًريدَ بأولي العِلمِ الأحبارُ الذين لم يُؤمنوا؛ كان المعنى: ويعلمُ الأحبارُ أنّ المُنزَّلَ حقٌّ حينَ لا ينفَعُهم سوى الحَسْرةِ والندامةِ، كقولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: يأتي تأويلُ الكتابِ وعاقبةُ أمرِه مِن تَبَيُّنِ صِدْقِه وظهورِ ما نَطقَ به من الوعدِ والوعيد، فإذا فَسَّرَ أُولي العلمِ بالمُؤمنين، يَنبغي أن يُقالَ: انقلبَ عِلْمُ اليقينِ إلى حَقِّ اليقين لحصُلَ فائدةُ مزيدِ العلم كما قال: «عِلمًا لا يُزادُ عليه في الإيقان». فإن قُلتَ: هل لاختصاصِ تفسيرِ أُولي العلمِ بالأحبارِ الذين لم يُؤمنوا على وجهِ إرادةِ النصبِ دونَ الرفعِ مِن فائدة؟ قلتُ: نعم، لأنّ هذا العطْفَ من قَبيلِ قولِه تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] في الاشتراكِ أو الابتداءِ، فإذا انتصبَ «يَرى» دخلَ في حَيِّزِ التعليلِ، وإذا ارتفعَ كانَت جُملةً مُستقلةً معطوفةً على جملةِ قولِه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَاتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى﴾ إلى آخرِ الآياتِ الثلاث، وحصولُ العِلْمِ حينئذٍ في الدنيا في الآخرةِ كما في وَجْهِ النَّصْب، فلا يحسُنُ التقابلُ بينَ المعطوفَيْن إلاّ على إرادةِ المؤمنينَ من أولي العلم، كأنه قيل: وقال الجَهَلةُ من الذين كفروا بآياتِ الله: لا تأتينا الساعةُ: وعَلِمَ الذين أوتوا العِلْمَ أنّ المُنزَّلَ حَقٌّ وما نطَقَ به من الوعدِ والوعيدِ صِدْقٌ، وإليه يَنْظُر قولُه ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. ومما يعضُدُ هذا التأويلَ عَطْفُ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ الآية على قولِه:
[ ١٢ / ٥٠٧ ]
[وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى الله كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)] ٧ - ٨ [
(الَّذِينَ كَفَرُوا): قريش. قال بعضهم لبعض: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ) يعنون محمدا ﷺ؛ يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب: أنكم تبعثون وتنشئون خلقًا جديدًا بعد أن تكونوا رفاتًا وترابًا، ويمزق أجسادكم البلى (كل ممزق)، أى: يفرقكم ويبدد أجزاءكم كل تبديد. أهو مفتٍر على الله كذبًا فيما ينسب إليه من ذلك؟ أم به جنون
_________________
(١) ﴿لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، على منوالِ قولهِ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وكقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤]، وقد وضع ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ موضعَ ضميرِ الذينَ كَفروا، لأنّ المعنى: ليأتينَّكم عالِمُ الغيْبِ ليُثيبَ المُؤمنين ويُعاقبَكم أيها الساعونَ في إبطالِ آياتِنا سَعيًا بليغًا، وفيه إشعارٌ بأنَّ منكرَ الحشرِ مكذِّبٌ لله وآياتِه المنزلةِ، ولذلك وردَ: «كَذّبني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك»، وأنه مستحقٌّ بأن يُنكَّلَ بما لا بَعْدَه من العذابِ والرِّجْزِ الأليم، أعاذنا الله من ذلك. قولُه: (يُحدّثكم بأعجوبةٍ من الأعاجيب)، دلّ على هذا المعنى تَسْميتُه صلواتُ الله عليه بـ «رجلٍ» وتنكيرُه؛ جعلوا القولَ بالإعادةِ من قَبيلِ شيءٍ غريبٍ وأمرٍ عجيب، ونَزّلوا قائلَه مَنْزِلةَ مَنْ لا يُعْرَف. قال صاحبُ «المفتاح»: كأنّهم لم يكونوا يعرِفونَ منه إلاّ أنّه رجُلٌ ما، وهو أشْهَرُ عندهم من الشمسِ، وهو من باب التجاهل. قولُه: (أهو مُفْتَرٍ) إلى قوله: (أم به جنون)، «أم» هذه يحتملُ أن تكونَ متّصلةً وأن تكونَ منقطعة. وعلى الأولِ ظاهرُ كلامِ الجاحظِ على ما رويَ أنّه احتجَّ بهذه الآيةِ على أنّ من الخبرِ
[ ١٢ / ٥٠٨ ]
_________________
(١) ما ليسَ بصادقٍ ولا كاذب، لأنهّم حصروا دعوى النبيِّ الرسالةَ في الافتراءِ وفي الإخبارِ حالَ الجنون، وليسَ إخبارُه حال الجنونِ كذِبًا لجَعْلِهم الافتراءَ مقابلًا له، ولا صِدْقًا لأنّهم لم يعتقدوا صِدْقَه، فثبتَ أنّ من الخبرِ ما ليس بصادقٍ ولا كاذب. وأجيب: أنّ الافتراءَ هو الكَذِبُ عن عَمْدٍ، فهو نوعٌ من الكذب، فلا يمتَنعُ أن يكونَ الإخبارُ حالَ الجنونِ نوعًا منه، وهو الكذِبُ لا عَنْ عَمْدٍ، فيكون التقسيمُ للخبرِ الكاذبِ لا للخبرِ مُطْلقًا. وقلتُ: هذا جوابٌ حسَنٌ لطيف لكنّ الأصلَ مَدْخولٌ فيه من وجهَيْن: أحدُهما: أنّ ورودَ الآيةِ في البعثِ والحشرِ لا في دعوى الرسالة بدليلِ السابقِ أي: قولهم ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧] واللاحق أي: قولُه ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٨]، ولذلك كان قولُ المصنّف: «من ذلك» بيانًا لقولِه: «ما يُنْسَبُ إليه»، والمشارُ إليه ما دلَّ عليه قولُه: «إنّكم تُبْعثونَ وتُنْشئونَ خَلْقًا جديدًا» إلى آخرهِ. وثانيهما: ظهورُ «أم» في كونِها مُنقطعةً لفظًا لاختلافِ مدخولَي الهمزة و«أم» لأنّ المعانِدين لمّا أخرجوا قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ مُخْرَجَ الطَّنْزِ والسخرية متجاهلين برسولِ الله ﷺ وبكلامِه من إثباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ، وعَقّبوهُ بقوله ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أضربوا عنه إلى ما هو أبْلغُ منه تَرقِّيًا من الأهون إلى الأغلظِ مِن نسبةِ الجنونِ إليه
[ ١٢ / ٥٠٩ ]
يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه؟ ثم قال سبحانه ليس محمٌد من الافتراء والجنون في شيء، وهو مبرأ منهما، بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجنّ الجنون وأشدّه إطباقًا على عقولهم. جعل وقوعهم في العذاب رسيلًا لوقوعهم في الضلال، كأنهما كائنان في وقت واحد؛ لأنّ الضلال لما كان العذاب من لوازمه وموجباته؛ جعلا كأنهما في الحقيقة مقترنان. وقرأ زيد بن علىّ ﵁: (نبيكم).فإن قلت: فقد جعلت الممزق مصدرا، كبيت الكتاب:
_________________
(١) أي: دعوا حديثَ الافتراءِ فإنّ هاهنا ما هو أطمُّ منه، لأنّ العاقلَ كيف يُحدِّثُ بإنشاءِ خَلْقٍ جديدٍ بعد الرُّفات والتراب، فإنَّ جُنونَه يُوهمُه ذلك ويُلقيه على لسانه. ولمّا كان التعويلُ على ما بعدَ الإضرابِ مِن إثباتِ الجنون أوْقعَ الإضرابَ الثاني ردًّا عليهم قولَهم، ونَفْيًا عنه صلواتُ الله عليه ما أثبتوا فيه من الجنون وإثباتًا له فيهم كما قال المصنِّف: «بل هؤلاءِ القائلون الكافرون بالبعثِ» إلى قوله: «أجنُّ الجنونِ وأشدُّه إطباقًا على عقولِهم» كأنّه قيل: لمّا قالوا: أهو مُفْتَرٍ على الله بل به جِنّة، أضْربَ عنه وقيل: بل القائلون بهم أشدُّ الجنون. فوَضعَ «القائلون» قولَه: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ على سبيلِ العُمومِ ليدخلوا فيه دخولًا أوّليًّا، وليُسَجِّلَ عليهم الجنونَ بالطريقِ البُرهاني، ووضع موضعَ: «بهم الجنون» قولَه: ﴿فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ وضعًا للسببِ موضعَ المُسَبَّب ليؤذِنَ بأنّ الإضلالَ أبْعدُ مِن ضَلالِ مُنكرِ البَعْثِ لأنّه مُبْطِلُ حِكْمةِ الله في خَلْقِ العالَم، ومكَذِّبُ الله تعالى في وَعْدِه ووعيدِه كما قال: «كذبني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك» الحديث، وجاهلٌ مُفرِطٌ في جَهْلِه حيث تعرَّضَ لسَخَطِ الله وإيقاعِ نَفْسِه في العذابِ السَّرْمَدِ. والله أعلم. قولُه: (رَسيلًا لوقوعِهم في الضلال)، الأساس: يقال: هو رَسيلُك في الغناء، أي: يُباريك في إرسالِك، ومن المجاز تقول: القَبيحُ سوءُ الذِّكْرِ رَسيلُه، وسوءُ العاقبةِ زَميلُه.
[ ١٢ / ٥١٠ ]
ألم تعلم مسرحي القوافي … فلاعيّا بهنّ ولا اجتلابا
فهل يجوز أن يكون مكانا؟ قلت: نعم. معناه ما حصل من الأموات في بطون الطير والسباع، وما مرّت به السيول فذهبت به كل مذهب، وما سفته الرياح فطرحته كل مطرح. فإن قلت: ما العامل في "إذا"؟
_________________
(١) قولُه: (ألم تَعْلَمْ مُسَرَّحيَ)، البيت: «مُسَرَّحي»: سرَّح القومُ الإبلَ: إذا أرسلوها في في المرعى. مُسَرَّحي، أي: تسريحي، فلا أعيا بهِنَّ إعياءً، ولا أجتَلِبُهُنَّ اجتلابًا، أي: انتحالًا. قولُه: (ما العاملُ في «إذا»؟)، قال الزجاج: في هذه الآيةِ نظرٌ لطيف، وهو أنَّ «إذا» في موضعِ نَصْبٍ بـ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ ولا يَعملُ فيها ﴿جَدِيدٍ﴾ لأنّ ما بعْدَ «أنّ» لأنّ ما بعْدَ «أنّ» لا يَعملُ فيما قَبْلَها. المعنى: هل ندلُّكم على رجلٍ يقولُ لكم: إنكم إذا مُزِّقتُم تُبعثون، ويجوزُ أن يكونَ العاملُ مُضمرًا يدلّ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. المعنى: هل ندلّكم على رجلٍ يقولُ لكم: إذا مُزِّقْتم بُعِثْتُم، إنكم في خَلْقٍ جديد كقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]. وقال أبو البقاء: لا يجوزُ أن يعملَ فيها ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ لأنّ «إذا» مُضافةٌ إليه. وقال الزجاج: «إذا» حينئذٍ بمنزلة «إنْ» الجزاء يعملُ فيها الذي يليها. قال قيس بن الخَطيم: إذا قَصُرَتْ أسيلفُنا كان وَصْلُها … خُطانا إلى أعدائنا فنُضارِبِ
[ ١٢ / ٥١١ ]
_________________
(١) المعنى: يكُنْ وصلُها. والدليلُ على ذلك جَزْمُ «فنُضارب». والكنايةُ في «وَصْلُها» للأسياف. المعنى: إذا يكونوا بحيث لا تَصِلُ أسيافُنا إليهم نحنُ نتقَدَّمْ إليهم ونُضاربْهم بها. قال السَّجاوَنْدي: عاملُ «إذا» محذوف، أي: «بُعِثْتُم» دلّ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، إذْ ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ إنّما يَعْملُ في «إذا» إذا كان كان مجزومًا بها، نحو: مَنْ تَضِربْ يَضْربْني، فإنّه إذا لم يُجْزَمْ بها كانت مُضافةً إلى الفعل، والمضافُ إليه لا يعملُ في المضاف، فالجزْمُ بـ «إذا» وإنْ جاءَ في الشِّعرِ ضرورةً لا يُحْمَلُ عليه القرآن. وروايةُ الجزمِ في الشعر: إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طولُها … خُطانا إلى أعدائنا فنُضاربِ وخَطّأه المَغْربيُّ لأنَّ القصيدةَ مرفوعةُ القوافي، وفيها: وقد عشتُ دهرًا والغواةُ صحابتي … أولئك خُلْصَانِي الذين أصاحبُ وفيها: وللمالِ عندي اليومَ راعٍ وكاتبُ ولا يجوزُ أن يَعْملَ في «إذا»: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾، لأنّ التنبئةَ قبلَ التمزُّق.
[ ١٢ / ٥١٢ ]
قلت: ما دلّ عليه: (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وقد سبق نظيره. فإن قلت: الجديد: فعيل، بمعنى فاعل أم مفعول؟ قلت: هو عند البصريين بمعنى فاعل، تقول: جد فهو جديد، كحد فهو حديد، وقلّ فهو قليل. وعند الكوفيين بمعنى: مفعول، من جده إذا قطعه. وقالوا: هو الذي جده الناسج الساعة في الثوب، ثم شاع. ويقولون: ولهذا قالوا: "ملحفة جديد"، وهي عند البصريين كقوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ)] الأعراف: ٥٦ [ونحو ذلك. فإن قلت: لم أسقطت الهمزة في قوله: (أَفْتَرى) دون قوله: (السحر)، وكلتاهما همزة وصل؟ قلت: القياس الطرح، ولكن أمرا اضطرّهم إلى ترك إسقاطها في نحو: (السحر) وهو خوف التباس الاستفهام بالخبر؛ لكون همزة الوصل مفتوحة كهمزة الاستفهام. فإن قلت: ما معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت: هو من الإسناد المجازى؛ لأنّ البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادّة، وكلما ازداد عنها بعدًا كان أضل. فإن قلت: كان رسول الله ﷺ مشهورًا علمًا في قريش،
_________________
(١) قولُه: (في الثوب)، مُتعلّقٌ بـ «قالوا». أي: قالوا في الثوب: جديد، لأنه هو الذي جَدَّه، أي: قَطَعهُ الناسجُ الساعةَ، ثم شاعَ هذا اللفظُ في كلِّ شيءٍ. ويقولون: كتابٌ جديد، وبيتٌ جديد، وغلامٌ جديد. قولهُ: (وهي -أي: المِلْحَفة جديدٌ- عند البصريين) في تأويلِ شيءٍ جديد، أي: ثوبٍ جديد، أو على تَشْبيهِه بفَعيلٍ الذي بمعنى مفعولٍ نحو: قتيلٍ وأسيرٍ كما شُبِّه ذلك به. فقيل: قُتَلاءُ وأسَراء، فإنّ فَعيلًا يُجْمَعُ على فُعَلاءَ، نَحْو: كريمٍ وكُرَماء، ورحيمٍ ورُحَماء. قولُه: (دونَ قوله ﴿السِّحْرُ﴾)، أي: في قولِه تعالى: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: ٨١] على الاستفهامِ في سورةِ يونس ﵇.
[ ١٢ / ٥١٣ ]
وكان إنباؤه بالبعث شائعًا عندهم، فما معنى قوله: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ) فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما يدل على مجهوٍل في أمٍر مجهول؟ قلت: كانوا يقصدون بذلك الطنز والسخرية، فأخرجوه مخرج التحلي ببعض الأحاجى التي يتحاجى بها للضحك والتلهي، متجاهلين به وبأمره.
[أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)] ٩ [
أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ﷿، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفًا، لتكذيبهم الآيات، وكفرهم بالرسول ﷺ وبما جاء به، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. (إِنَّ فِي ذلِكَ) النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما، وما يدلان عليه من قدرة الله (لَآيَةً)،
_________________
(١) قَولُه: (ببعضِ الأحاجي)، الجوهري: حاجَيْتُه فحَجوْتُه: إذا داعَيْتَه فَغَلبْتَه. والاسمُ: الأحْجِيَّةُ، وهي لُعبةٌ وأُغلوطة يتعاطاها الناسُ بينهم. قولُه: (أعَمُوا فلم ينظروا)، يريدُ أنّ همزةَ الإنكارِ الداخلةَ على قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من حيث التقدير داخلٌ على فعلٍ هو السَّبَبُ في الفعلِ المذكورِ، «وأمامَهم وخَلْفَهم» خبرانِ و«مُحيطتان بهم»: عَطْفُ بيانٍ له أو بَدَل. قوله: (من ملكوتِ الله)، أي: السماواتِ والأرض، لأن «من» بيان «ما» في «عمّا هم فيه». قولُه: (وما يدلاّن)، عطفٌ على الضميرِ المجرور، أي: والفكرِ فيما يدلاّن عليه، أو على «السماءِ والأرضِ»، وهو الأصوبُ.
[ ١٢ / ٥١٤ ]
ودلالة (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ): وهو الراجع إلى ربه، المطيع له؛ لأنّ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شيٍء من البعث ومن عقاب من يكفر به. قرئ: "يشأ" و"يخسف" و"يسقط" بالياء؛ لقوله تعالى: (أَفْتَرى عَلَى الله كَذِبًا)] سبأ: ٨ [. وبالنون لقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا). و(كسفا): بفتح السين وسكونه. وقرأ الكسائي: (يخسف بهم) بالإدغام، وليست بقوية.
[وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها
_________________
(١) قولُه: (على أنّه قادرٌ على كلِّ شيءٍ من البعثِ ومن عقابِ مَنْ يكفُرُ به)، مَتَعلِّقٌ بقوله: «ودلالة»، يريدُ أنّ قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ تذييلٌ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ وتعريضٌ بقلّةِ النظرِ في مُنكري البعثِ والحشرِ في آياتِ الله، وإليه الإشارةُ بقوله: «لأنّ المنيبَ لا يخْلو من النظرِ في آياتِ الله». وفيه الإشارةُ إلى بيانِ نظْمِ هذه الآية بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ لأنه كالتخلُّصِ منه إليه، لأنه منَ المُنيبين المتفكِّرين في آياتِ الله، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]. قال القاضي: قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ تذكيرٌ بما يُعاينوه مما يدلُّ على كمالِ قدرةِ الله تعالى وما فيه إزاحةُ استحالتِهم الإحياءَ حتى جَعلوه افتراءً وهُزوًا، وتهديدٌ عليهم. قولُه: «(يَشَا» و«يَخْسِفْ» و«يُسْقِط»، بالياءِ): حَمزةُ والكِسائي: ثلاثتُها بالياء. وأدغَم الكِسائيّ الفاءَ في الباء، والباقون: بالنونِ فيهنّ، وقرأ حَفْصٌ: ﴿كِسَفًا﴾ بفَتْح السينِ، والباقونَ بإسكانها. قولُه: «(يخْسِفْ بهم» بالإدغام، وليست بقوِيّة)، المُطْلع: لزيادةِ صوتِ الفاءِ على صوتِ الباءِ كما لا يجوزُ إدغامُ الراءِ في اللام.
[ ١٢ / ٥١٥ ]
شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)] ١٠ - ١٣ [
(يا جِبالُ) إمّا أن يكون بدلا من: (فَضْلًا)، وإمّا من: (آتَيْنا)، بتقدير: قولنا: يا جبال. أو: قلنا: يا جبال. وقرئ: (أوّبى) و(أوبى) من التأويب والأوب،
_________________
(١) قوله: (بتقديرِ: قولنا: يا جبالُ، أو قُلنا: يا جبالُ)، رُوِيَ «قَوْلنا» بالنَّصْبِ والجرِّ. الأوّلُ على تقديرِ أن يكونَ بدَلًا مِن ﴿فَضْلًا﴾ أي: ولقد آتينا دوادَ مِنّا قَوْلَنا: ﴿يَا جِبَالُ﴾، والثاني على أن يكونَ بَدَلًا مِن ﴿آتَيْنَا﴾ أي: ولقد قُلنا: يا جبالُ أوِّبي مع داود. قوله: (وقُرئَ: ﴿أَوِّبْي﴾ و«أُوبي»)، الأولى هي المشهورةُ، والثانية شاذة. الراغب: الأَوْبُ: ضَرْبٌ من الرجوعِ، لأنّ الأَوْبَ لا يُقال إلاّ في الحيوانِ الذي له إرادةٌ، والرجوعُ عام يُقالُ: آبَ أوْبًا وإيابًا ومآبًا. والأوّاب كالتوابِ وهو الراجعُ إلى الله تعالى من المعاصي وفعل الطاعات قال تعالى: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق: ٣٢]، ومنه قيلَ للتوبةِ أوْبَة. قولُه: (من التأويب والأوب)، قال صاحبُ «التقريب»: أي: رَجِّعي معه التسبيحَ أو: ارجِعي معه في التسبيح بترجيعِه. قلتُ: في كلامِ المصنّفِ إشعارٌ بأنّ مَرْجعَ معنى القراءتَيْن- وهو الرجوعُ معه في التسبيحِ- إلى واحد، وتعليلُه مُنْبِئٌ عنه؛ لأنّ الترجيعَ مستلزمٌ للرجوع. ذكَر في سورةِ «ص»: وضَعَ الأوّابَ موضِعَ المُسَبِّحِ لأنّها كانت تُرجِّعُ التسبيح والمُرَجِّعُ رَجَّاعٌ لأنّه يَرْجِعُ إلى فِعْلِه رجوعًا بعد رجوع، ولأنّه إذا رَجَّعَ الصوتَ أي: رَدَّده فقد رَجَعَ فيه أي: رجَعَ إلى ما
[ ١٢ / ٥١٦ ]
أي: رجعي معه التسبيح. أو: ارجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه، ومعنى تسبيح الجبال: أنّ الله ﷾ يخلق فيها تسبيحًا، كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح؛ معجزة لداود. وقيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها، والطير بأصواتها. وقرئ: (والطير) رفعًا ونصبًا عطفًا على لفظ الجبال ومحلها. وجوّزوا أن ينتصب مفعولًا معه،
_________________
(١) بدأَ منه. ويعضُدُه ما رَويْنا عن البخاريِّ ومُسلمٍ وأبي داودَ عن عَبدِ الله بنِ مُغَفَّل قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يومَ فَتْح مكّةَ على ناقتِه يقرأُ سورةَ الفتحِ، فرجَّع فيها، قال: ثُمَّ قرأَ مُعاويةُ يَحْكي قراءةَ ابنِ مُغفَّل فَقال: لولا أن يجتمِعَ الناسُ عليكُم لرجَّعْتُ كما رَجَّعَ ابنُ مُغفَّلٍ يحكي النبي ﷺ فقلتُ لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: اآ اآ اآ ثلاث مرات». النهاية: الترجيعُ: ترديدُ القراءةِ. وقيل: هي تقاربُ حروفِ الحركاتِ في الصوتِ. وقد حكى ابنُ مُغَفَّل تَرْجيعَه بمَدِّ الصوت في القراءة. وهذا إنّما حصلَ منه- والله أعلمُ- يوْمَ الفتحِ؛ لأنّه كان راكبًا فجَعلتِ الناقةُ تحرِّكه. قال مُحيي السنَّة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ سَبِّحي معه إذا سَبَّح، فقيل: هو تفعيلٌ من الإيابِ، وهو الرجوعُ، أي: رَجِّعي معه. قال القُتَيْبي: أصله من التأويبِ في السَّير، وهو أن يَسيرَ النهارَ كلَّه بالتسبيحِ معه. قوله: (﴿وَالْطَّيْرَ﴾ رفعًا ونَصْبًا)، والنَّصْبُ هي المشهورة والرّفعُ شاذّ. قوله: (وجَوّزوا أن ينتصِبَ مفعولًا معه) قال الزجّاج: ويجوزُ أن يكونَ «الطير» منصوبًا على معنى: مع، كما تقول: قَمْتُ وزيدًا أي: قَمْتُ مع زيدٍ، فالمعني: أوِّبي معَه ومعَ الطير.
[ ١٢ / ٥١٧ ]
وأن يعطف على (فضلا)، بمعنى: وسخرنا له الطير. فإن قلت: أى فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا)؛ تأويب الجبال معه والطير؟ قلت: كم بينهما! ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى؛ من الدلالة على عزّة الربوبية، وكبرياء الإلهية؛ حيث جعلت الجبال منزّلةً منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا؛ إشعارًا بأنه ما من حيواٍن وجماٍد وناطٍق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته. (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) وجعلناه له لينًا كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير ناٍر ولا ضرٍب بمطرقة. وقيل: لان الحديد في يده لما أوتى من شدّة القوّة. وقرئ: (صابغات) وهي الدروع الواسعة
_________________
(١) قولُه: (وأن يُعْطَفَ على ﴿فَضْلًا﴾، قال الزجاج: حكاهُ أبو عُبَيْدَة عن أبي عَمْرو بن العلاء، وهو كقولِه: علفتُها تِبْنًا وماءً باردا وإليه الإشارةُ بقوله: «وسَخَّرْنا له الطيرَ»، وعن بَعْضِهم: يجوزُ أن يكونَ منادًى كأنه قال: أدعو الجبالَ والطير. قوله: (كَمْ بينهما)، أي: مِنْ فَرْق. ونَحْوُه تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] بدَل: أماتَهم الله، وقولُه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] بدل: مَسخَهم قِردةً. وهو أمرٌ على سبيلِ التسخير، وفائدتُه غايةُ التأديب. قوله: (وناطقٍ وصامت)، تفسيرٌ لقولِه: «حيوانٍ وجماد». الراغب: النطقُ في التعارفِ: الأصواتُ المُقَطَّعةُ التي يُظهِرُها اللسانُ وتَعيها الآذانُ، ولا يُكادُ يقال إلاّ للإنسانِ، ولا يقال لغيرِه إلاّ على سبيلِ التَّبعِ، نَحْو: الناطقِ والصامتِ، فيُرادُ بالناطقِ: مالَه صَوْتٌ، وبالصامتِ: ما لاصَوْتَ له.
[ ١٢ / ٥١٨ ]
الضافية، وهو أوّل من اتخذها، وكانت قبل صفائح. وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف، فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء. وقيل: كان يخرج حين ملك بنى إسرائيل متنكرا، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه، فقيض الله له ملكًا في صورة آدمى فسأله على عادته، فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه، فريع داود، فسأله، فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغنى به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع. (وَقَدِّرْ): لا تجعل المسامير دقاقًا فتقلق، ولا غلاظًا فتفصم الحلق. والسرد: نسج الدروع. (وَاعْمَلُوا) الضمير لداود وأهله. (وَ) سخرنا (لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) فيمن نصب. ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع. وكذلك فيمن قرأ: (الرياح)، بالرفع. (غُدُوُّها شَهْرٌ):
_________________
(١) ـ قولُه: (الضافية)، الجوهري: الضُّفُوُّ: السبوغُ وثَوْبٌ ضافٍ أي: سابغ. قال الزّجاج: معنى السابغ: الذي يُغَطِّي كلّ ما تحْتَه حتى يفضُلَ عليه. عن بعضِهم: قولُه تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ «أنْ» مُفَسِّرة كأنه قيل: وأَلَنّا له الحديد، أي: اعمَلْ سابغات، وبمعنى: قُلْنا له: أن اعمَلْ سابغاتٍ، أو يكون في معنى: لأن يعمَلَ سابغاتِ، ويَصِل «أن» بلفظةِ الأمر، ونَظيرُه: أرْسِلْ إليه أنْ قُمْ إلى فُلان، أي: قال له: قُمْ أو يكون بمعنى: أرسِلْ إليه بأن يقومَ إلى فُلان. قولُه: (والسَّرْدُ: نَسْجُ الدُّروع)، قال الزجّاج: السردُ في اللغة: تَقْدِمَةُ شيءٍ إلى شيءِ تأتي به مُتّسِقًا بعْضُه في إثْرِ بعضٍ مُتتابعًا، ومنه قولُهم: سَرَد فلانٌ الحديث. قوله: (﴿و﴾ سَخَّرنا ﴿لِسُلَيْمانَ الرِيّحَ﴾ فيمَنْ نَصَب)، أبو بكرٍ: «الريحُ» بالرفعِ، والباقون: بالنصب. قال الزجاج: ومعنى الرفعِ: ثَبَتَ لسليمانَ الريحُ، وهو يؤولُ إلى
[ ١٢ / ٥١٩ ]
جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك. وقرئ: (غدوتها) و(روحتها). وعن الحسن ﵁: كان يغدو فيقيل بإصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل. ويحكى أنّ بعضهم رأى مكتوبًا في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه، غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله. القطر: النحاس المذاب من القطران. فإن قلت: ماذا أراد بـ (عين القطر)؟ قلت: أراد بها معدن النحاس، ولكنه أساله كما ألان الحديد
_________________
(١) ـ معنى: سَخَّرْنا الريحَ، كما إذا قُلْتَ: لله الحمدُ، فتأويلُه: استَقرّ لله الحمدُ، وهو يرجِعُ إلى معنى: أحمَدُ الله الحَمْد. قوله: (جَرْيُها بالغداةِ مَسيرةُ شَهْرٍ، وجَرْيُها بالعَشيٍّ كذلك)، قال مَكّي: مَسيرةُ غُدوِّها مَسيرةُ شهرٍ، وكذلك ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾. وإنّما احتيجَ إلى ذلك لأنَّ الغُدوَّ والرواحَ ليسا بالشهرِ وإنما يكونان فيه. وقال ابن الحاجبِ في «الأمالي»: الفائدةُ في إعادةِ لَفْظِ الشهرِ الإعلامُ بمقْدارِ زمنِ الغُدوِّ والرواحِ، والألفاظُ التي مُبيِّنةً للمقاديرِ لا يحسُنُ فيها الإضمارُ، ألا ترى أنك تقول: زِنَةُ هذا مِثقالٌ، فلا يحسُنُ الإضمارُ كما لا يحسُنُ في التمييزِ، وأيضًا فإنه لو أُضْمِرَ فالضميرُ إنما يكونُ لِما تقدَّم باعتبار خُصوصيتهِ، فإذا لم يكُنْ له وجبَ العدولُ عن المُضْمَرِ إلى الظاهر، ألا ترى أنّك إذا أكرَمْتَ رجلًا وكسَوْتَه لكانَتِ العبارةُ: أكرَمْتُ رجلًا وكَسَوْتُه. ولو أكرمتَ رجلًا وكسوْتَ غيره، لكانت العبارة: أكرَمْتُ رجلًا وكسَوْتُ رجلًا. فتبيَّن أنه ليسَ من جَعْلِ الظاهرِ موضِعَ المُضْمَر. قوله: (النحاسُ المُذاب من القَطَران)، وعن بَعْضِهم: صحَّ بفَتْحِ الطاءِ، وهو مصدر، وبالكسر مُشتَقٌّ منه.
[ ١٢ / ٥٢٠ ]
لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين؛ فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال: (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)] يوسف: ٣٦ [. وقيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام (بِإِذْنِ رَبِّه): بأمره. (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ): ومن يعدل (عَنْ أَمْرِنا) الذي أمرناه به من طاعة سليمان. وقرئ: (يزغ) من أزاغه. و(عذاب السعير): عذاب الآخرة. عن ابن عباس ﵄ وعن السدى: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجنى. لمحاريب: المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال، سميت محاريب؛ لأنه يحامى عليها ويذب عنها. وقيل: هي المساجد. والتماثيل: صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل في المساجد من نحاس
_________________
(١) الراغب: القُطْرُ: الجانبُ. وقَطَرْتُه ألقَيْتُه على قُطْرِه. وتَقَطَّر وقَع على قُطْرِه، وتَقَطَّر وقَع على قُطْرِه، وتَقاطر القومُ: جاءوا أرسالًا كالقَطْرِ، ومنه قِطارُ الإبلِ، والقَطِران بكَسْرِ الطاءِ ما يتقطَّر من الهِناء. قوله: (باسمِ ما آل إليه)، يعني: أصلُه: أسَلْنا له معدنَ القطرِ بأن جعَلْناه مِثْلَ الماء ينبع كما يَنْبع، ولما كان المآلُ إلى هذا قيلَ ابتداءً: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ تسميةً للشيءِ باسم ما يؤول إليه. قوله: (وقيل: كان يسيل)، أي: القطر. روى مُحيي السنة عن المفسرين: أُجْرِيَتْ له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن بأرض اليمن. قوله: (سُمِّيت مَحاريبَ لأنه يُحامي عليها ويُذَبّ عنها)، رُوِيَ عن المصنف أنه قال: يُقال: رجلٌ مِحْرَبٌ ومِحرابٌ، للكثيرِ الحروب كما يُقال: مكانٌ مِحْلالٌ لكَثْرة مَنْ يحل فيه. أنْشَدني الشيخ الأثيرُ لبعْضِ أهلِ الشام: قرنَ الشجاعةَ بالخضوعِ لربِّه … ما أحسَنَ المحرابَ في مِحْرابهِ
[ ١٢ / ٥٢١ ]
وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. فإن قلت: كيف استجاز سليمان ﵇ عمل التصاوير؟ قلت: هذا مما يجوز أن تختلف فيه الشرائع؛ لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب. وعن أبى العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرّما. ويجوز أن يكون غير صور الحيوان، كصور الأشجار وغيرها؛ لأنّ التمثال كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيواٍن وغير حيوان. أو تصوّر محذوفة الرؤوس. وروى: أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. والجوابى: الحياض الكبار، قال:
تروح على آل المحلّق جفنة … كجابية السّيح العراقىّ تفهق
لأنّ الماء يجبى فيها، أى: يجمع. جعل الفعل لها مجازًا، وهي من الصفات الغالبة
_________________
(١) ـ سُمِّي المحرابُ مِحرابًا لكَثْرة ما يُحامي عليه وَصْفًا للمكان بصفةِ صاحبه. قوله: (تروحُ على آل المُحلَّقِ)، البيت. مضى خبرُ المُحَلَّقِ وسَببُ قولِ الأعشى فيه في سورة «طه». تفهَقُ: تَمْتَلئ حتى تطفح. يقال: فَهِق الإناء بالكسر يَفْهَقُ فهقًا؛ إذا امتلأ حتى تصبب، وإنما الشَيْخَ لضَعْفِه، وأنه لا يجد الماء في كل وقت فإذا وجده افترصَ وملأ حوْضَه، قيل: أراد بالشيخ العِراقي كسرى. وفي «ديوان الأعشى» بالسين والحاءِ المهملتين، أي: الماءِ الجاري على وجه الأرض، وقيل: أراد به الفرات. وأما قول المصنف: «جعل الفعل لها» أي: «تروحُ» أُسْنِدَ إلى الجفنة، والظاهر أن الجابية اسمُ فاعل. الأصل مَجْبُوٌّ فيها فأسنده إلى الجابية مجازًا، كما قيل في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾ [النور: ٢] سماها زانيةً وإنما هي المزنيُّ بها.
[ ١٢ / ٥٢٢ ]
كالدابة. وقيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل. وقرئ: بحذف الياء اكتفاء بالكسرة. كقوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ)] القمر: ٦ [. (راسِياتٍ): ثابتات على الأثافى لا تنزل عنها لعظمها. (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ): حكاية ما قيل لآل داود. وانتصب (شُكْرًا) على أنه مفعول له، أى: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدّى على طريق الشكر. أو على الحال، أى:
شاكرين. أو على تقدير: اشكروا شكرا؛ لأن (اعملوا) فيه معنى اشكروا، من حيث أنّ العمل للمنعم شكر له. ويجوز أن ينتصب بـ (اعملوا) مفعولا به. ومعناه: إنا سخرنا لكم الجنّ يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرا، على طريق المشاكلة. و(الشَّكُورُ): المتوفر على
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة)، كلُّهم إلا ابنَ كثيرٍ وأبا عَمْرو ووَرْشًا. وقال الزجاج: كان الأصلُ الوقفَ بالياءِ إلا أن الكسرة تنوب عنها، وكانت بغير ألفٍ ولامٍ والوقفُ عليها بغير ياء، تقول: هذه جَوابٍ، فأدخلت الألف واللام، وترك الكلام على ما كان عليه قبل دخولهما. قوله: (ويجوزُ أن ينتصبَ بـ ﴿اعْمَلُوا﴾ مفعولًا به)، إلى قولِه: (طريقِ المشاكلة) يعني: كانَ أصلُ الكلام: اشكروا الله آلَ داود شكرًا، فأقيمَ مُقامَ «اشكروا»: ﴿اعْمَلُوا﴾؛ ليشاكل قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾. قال ابنُ الحاجب: يجوزُ أن يكونَ مفعولًا به، كأنَّ العملَ له تعلُّقٌ بالشكر، كما تقول: عملتُ كذا، فأَجْراه لذلك مُجرى المفعول به، ويجوز أن ينتصبَ على المصدرِ لأنه نوعٌ من العمل نَحْو: قعَدْتُ القُرْفُصاءَ، وإما عَمِلوا فقد تضمَّن ذلك شُكرًا لا يحتمل العملُ غيره، فيكون من باب ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ [النساء: ٢٤]. هذا الذي عَناه المصنّفُ بقوله:
[ ١٢ / ٥٢٣ ]
أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه؛ اعتقادًا واعترافًا وكدحًا، وأكثر أوقاته. وعن ابن عباس ﵄: من يشكر على أحواله كلها. وعن السدى: من يشكر على الشكر. وقيل: من يرى عجزه عن الشكر. وعن داود:
_________________
(١) ـ «إن العملَ للمُنْعمِ شُكْرٌ له». قوله: (قد شَغَل به قلْبَه ولِسانَه وجَوارحَه)، لفٌّ. وقولُه: «اعتقادًا واعترافًا وكَدْحًا» نَشْرٌ، وهو ينظرُ إلى قولِه في الفاتحة: «وأما الشكرُ فعلى النعمةِ خاصّةً وهو بالقلبِ واللسانِ والجوارح». الراغب: الشكرُ: تصوُّر النعمةِ وإظهارُها، وقيل: هو مقلوبٌ الكَشْر، أي: الكشف، ويُضادُّه الكفر، وهو نسيان النعمة وسترها، ودابّةٌ شَكور: مظهر بسِمَنِه إسداءَ صاحِبه. وقيل: أصلُه عَيْنٌ شَكْرى، أي: ممتلئة، فالشكرُ على هذا الامتلاءُ من ذِكْرِ المنعم. والشكرُ ثلاثةُ أضربُ: شُكرٌ بالقلبِ وهو تصوُّرُ النعمةِ، وشُكرٌ باللسانِ وهو الثناءُ على المُنْعِم، وشُكرٌ بسائرِ الجوارح وهو مكافأةُ النعمةِ بقَدْرِ استحقاقِه، وقولُه تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] قيل: انتصابُه على التمييزِ، أي: اعملوا ما تعملونَه شكرًا لله، وقيل: مفعول لقوله: ﴿اعْمَلُوا﴾، وذكَر ﴿اعْمَلُوا﴾ ولم يقُلْ: «اشكروا» ليُنبِّه على التزامِ الأنواع الثلاثة. قوله: (مَنْ يشكُرُ على الشكر)، وعليه قال: إذا كان شُكْري نعمةَ الله نعمةً … عليَّ له في مِثْلِها يجبُ الشكرُ فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفَضْلهِ … وإن طالتِ الأيامُ واتّسَع العُمْرُ إذا مسَّ بالنعاءِ عَمَّ سرورُها … وإن مَسَّ بالضراءِ أعْقَبهَا الأجْرُ
[ ١٢ / ٥٢٤ ]
أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتى ساعةٌ من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائٌم يصلى. وعن عمر ﵁: أنه سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلنى من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: إنى سمعت الله يقول: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)، فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر.
[فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَاكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ)] ١٤ [
قرئ: (فلما قضى عليه الموت). ودابة الأرض: الأرضة، وهي الدويبة التي يقال لها: السرفة، والأرض فعلها، فأضيفت إليه. يقال: أرضت الخشبة أرضًا. إذا أكلتها الأرضة. وقرئ بفتح الراء، من أرضت الخشبة أرضًا، وهو من باب فعلته ففعل، كقولك: أكلت القوادح الأسنان أكلًا. وأكلت أكلًا. والمنسأة: العصا؛ لأنه
_________________
(١) وهو أيضًا معنى قوله: «وقيل: مَنْ يرى عَجْزَه عن الشُّكرِ». قوله: (السُّرْفَة)، النهاية: دُويبّةٌ صَغيرةٌ تثقُبُ الشجرةَ وتتخذ بَيْتًا، يُضْرَبُ بها المثل، يقال: أصْنَعُ من سُرْفَة. الراغب: سُمِّيت بذلك لتصوُّرِ معنى الإسرافِ منها، يقال: سُرِفَتِ الشجرةُ فهيَ مَسْروفة. قولُه: (والأَرْضُ فِعْلُها)، أي: أكْلُها الخَشَبَ، يُشيرُ إلى أنَّ «الأَرْضَ» مصدر. قولُه: (بفتحِ الراء)، أي: في «دابةِ الأرَض» أي: من الباب الذي يكونُ مضمومَ العينِ متعدّيًا، ومكسورَ العين لازمًا، ولذلك قال: مِن: أرِضتِ الخشبةُ بالكَسْرِ. قوله: (أكلتِ القوادحُ الأسنانَ)، الجوهري: قَدحَ الدودُ في الأسنانِ والشجرِ قَدْحًا، وهو تآكلٌ يقع فيه، والقادحةُ الدّود.
[ ١٢ / ٥٢٥ ]
ينسأ بها، أى: يطرد ويؤخر. وقرئ بفتح الميم وبتخفيف الهمزة قلبًا وحذفًا، وكلاهما ليس بقياس، ولكن إخراج الهمزة بين بين هو التخفيف القياسي. و(منسأته) على مفعالة. كما يقال في الميضأة: ميضاءة. و(من سأته)، أى: من طرف عصاه، سميت بسأة القوس على الاستعارة. وفيها لغتان، كقولهم:
_________________
(١) ـ قولُه: (وقُرئ بفَتْحِ الميمِ وبتَخْفيفِ الهمزة قَلْبًا وحَذْفًا)، وفي «التيسيرِ»: نافعٌ وأبو عَمْرو: «منساته» بألفٍ ساكنةٍ بدلًا من الهمزةِ والبَدلُ مَسموع، وابنُ ذَكْوانَ: بهَمْزةٍ ساكنةٍ، ومثلُه قد يجيءُ في الشعرِ لإقامةِ الوزنِ، وأنشَد الأخفشُ الدمشقي: صريعُ خمرِ قامَ مِن وُكاتِه … كقومهِ الشيخِ إلى مِنْساتِه والباقونَ: بهَمْزةٍ مفتوحةٍ. وحَمْزةُ إذا وقفَ جَعَلها بَيْنَ بَيْنَ على أصله. قال ابنُ جِنِّي: المشهورُ ﴿مِنسَأَتَهُ،﴾ و«مِنْساتَه» بالهَمْزِ وبالبَدَلِ من الهمزِ، وهي العَصا، مِفْعَلَةٌ؛ من: نَسْأتُ الناقةَ والبعيرَ إذا زجَرْتَه. قال الفراء: هي من سِيَةِ القوس، وهي مَهْموزةٌ، ويجوزُ عند الفرّاءِ سِئة وسأة، وشَبَّههما بالقِحَةِ والقَحَةِ والضِّعَة والضَّعة، والتفسيرُ إنما هو على العصا لا سِيَةِ القوسِ، وهي من (ن سء) أو إن كانت السِّيَةُ والسأةُ من: نسَأتُ، فهي عَلَة، والفاءُ محذوفةٌ نحو العِدَةِ والزِّنةِ والضِّعة والقِحَة، وذلك مما فاؤه «واو» لا نون، ولم يَمْرُرْ بنا ما حَذِفَتْ نونُه وهي فاء، وسِيَةُ القوسِ: فِعَة، واللام محذوفة. وسُئل أبو عَمْروٍ عن تركِ همزة «مِنْساته» قال: وجدتُ لها في كتابِ الله تعالى أمثالًا ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧] و﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]، وكان أبو عَمْرو ويهمِزُ ثم تركَها. ويريدُ أنّ البريةَ من: برأَ الخلْقَ، فتركَ همْزَها تخفيفًا، و«الترُونَّ» أصلُه: تراءى. قولُه: (على الاستعارة)، أي: اللفظيةِ لا المعنوية، كما سيجيءُ في قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ومنه تسميةُ مطلَقِ الأنفِ للرسن.
[ ١٢ / ٥٢٦ ]
قحة وقحة. وقرئ: (أكلت منسأته). (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ) من: تبين الشيء؛ إذا ظهر وتجلى. و(أَنْ) مع صلتها بدل من (الجن) بدل الاشتمال، كقولك: تبين زيد جهله. والظهور له في المعنى، أى: ظهر أنّ الجن (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ)؛ أو: علم الجن كلهم علمًا بينًا بعد التباس الأمر على عامّتهم وضعفتهم، وتوهمهم أنّ كبارهم يصدّقون في ادعائهم علم الغيب؛ أو: علم المدّعون علم الغيب منهم عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب، وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما أريد
_________________
(١) قوله: (قِحَة وقَحَة)، الجوهري: وَقُحَ الرجلُ: إذا صار قليلَ الحياءِ، فهو وَقِحٌ ووَقاحٌ بيِّنُ القِحَة؛ بفَتْحِ القافِ وكسرها، والهاء عِوَضٌ من الواو وكذلك سِيَةُ القوسِ، وهي ما عُطِفَ من طرفَيْها، والجمعُ سِياتٌ، والهاءُ عِوَضٌ من الواو. قوله: (﴿أَن﴾ مع صلتها بدل من ﴿الْجِنُّ﴾)، وقيل: بدَلٌ من مُقدَّر وهو أمر؛ أي: تبيّن أمرُ الجنِّ، وعلى التقديرَيْن محلّه رَفْع. قوله: (والظهور له)، أي: للجهل في المعنى؛ يعني أسندَ تبيَّن الذي بمعنى ظَهر إلى زيدٍ، وفي المعنى الظهور للجهل لا لزيد، فجيء بزيد توطئة، وعليه قولُه: «ظَهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون» أي: ظَهر جَهْلُ الجنِّ للناس. قوله: (أو عَلِمَ الجنُّ)، عطْفٌ على «﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ من: تبيَّن الشيء»، يعني: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ يجوز أن يكون لازمًا وأن يكون متعدّيًا. الجوهري: تبيَّنَ الشيء، أي: ظَهر، وتبينتُه أنا، يتعدّى ولا يتعدّى. وإلى معنى اللازم أشار بقوله: «ظهرَ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمونَ الغيْبَ»، وعلى أن يكونَ متعديًا إذا جُعلَ التعريفُ في «الجن» للجنس كان المعنى كما قال: «أو علم الجنُّ كلُّهم علمًا بينًا» إلى آخره، وإذا جعل للعهد والمرادُ جِنّ سليمانَ فيكونَ من بابِ وَضْعِ المُظْهَر موضعَ المُضْمَرِ فيفيدُ بحَسبِ المَقام معنى التهكّم، وأن يقال: لو عَلِمَ المُدَّعون علْمَ الغيبِ عَجْزَهم كما تقول لمن يدَّعي معرفةَ الشيءِ وهو يعلَمُ جَهْلَه ثم يعجَزُ عنه: قد عَلِمَ المدعي أنه لا يقدِرُ على شيءٍ من هذه المسائل، والحالُ أنه لم يزل عالمًا به. قولُه: (عَجْزَهم وأنّهم لا يعلمونَ الغيب)، قيل تنازعَ فيه قولُه: «أو عَلِمَ الجنُّ كلُّهم»
[ ١٢ / ٥٢٧ ]
التهكم بهم كما تتهكم بمدّعى الباطل إذا دحضت حجته، وظهر إبطاله بقولك: هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل لذلك متبينًا. وقرئ: (تبينت الجن) على البناء للمفعول، على أن المتبين في المعنى هو: (أَنْ) مع ما في صلتها؛ لأنه بدل. وفي قراءة أبىّ: (تبينت الإنس). وعن الضحاك: (تباينت الإنس)، بمعنى: تعارفت وتعالمت. والضمير في (كانُوا) للجن في قوله: (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ)] سبأ: ١٢ [، أى: علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب؛ ما لبثوا. وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب). روى: أنه كان من عادة سليمان ﵇ أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها: لأى شيء أنت؟ فتقول: لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها، فقالت: نبت لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه
_________________
(١) وقوله: «وعلم المُدَّعون» أو يقول: هو معمولُ الثاني وحُذِفَ مفعولُ الأولِ لدلالةِ هذا عليه، ويؤيِّدُ الوجْهَ الأخيرَ قولُه: «وإن كانوا عالمينَ قبل ذلك بحالهم» إلى آخره. قوله: (على أن المتبيَّنَ في المعنى)، يعني ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ قرئ مجهولًا بناءً على أنّ المسندَ إليه «أن» مع ما في صلتِها، وذِكْرُ الجنِّ كالتوطئِة، ومَرْجِعُه إلى الوجْهِ الأول. قوله: (تَبيَّنتِ الإنس)، قال ابن جني: هي قراءةُ ابنِ عباسٍ والضّحاك وعليِّ بن الحسين ﵃، أي: تبينتِ الإنسُ أنّ الجنَّ لو عَلِموا بذلك ما لبِثوا في العذاب المُهين، ويدلُّ عليه ما رواه مَعبدٌ عن قَتادة قال: في مُصْحَفِ عبد الله: «تبيَّنتِ الإنسُ أنّ الجنَّ لو كانوا يعلمون ما لبثوا». قوله: (الخرّوبة)، النهاية: في حديثِ سليمانَ ﵇: كان يَنْبُت كلَّ يوم في مُصَلاه شجرةٌ فيسألها: ما أنت؟ فتقول: أنا شجرةُ كذا، أنبُت في أرضِ كذا، أنبُت في أرضِ كذا، أنا دَواءٌ من داء كذا،
[ ١٢ / ٥٢٨ ]
وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكى وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائٍط له وقال: اللهم عم عن الجن موتى، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب. لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموّهون على الإنس أنهم يعلمون العيب. وقال لملك الموت: إذا أمرت بى فأعلمنى، فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلى متكئًا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها؛ وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق، فمر به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر، فإذا سليمان قد خر ميتًا، ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوٍم وليلةٍ مقدارًا، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيًا، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنةً. وروى: أنّ داود ﵇ أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى ﵇،
_________________
(١) ـ فيأمرُ بها فتُقْطَع، ثم تُصَرُّ ويُكْتَبُ على الصُّرة اسمُها ودَواؤها، فلما كان في آخر ذلك نَبَتتِ الينبوتةُ، فقال: وما أنتِ؟ فقالت: أنا الخرُّوبة وسكتَت، فقال: الآن أعْلَم أنّ الله قد أذِن في خَرابِ هذا المسجد وذَهاب هذا المُلِكِ، فلم يَلْبَث أن مات. وقريب منه في «معالم التنزيل». قوله: (في موضعِ فُسطاطِ موسى ﵇)، الجوهري: الفُسطاطُ بيْتٌ من شَعَر، وفسطاطُ: مدينةُ مصر. والظاهرُ غيرُ ذلك. أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأنّ المشهورَ أنّ موسى ﵇ ما وصلَ إلى بيتِ المقدس ولا رآه. ويؤيِّدُه ما رواه المصنِّفُ في المائدة في
[ ١٢ / ٥٢٩ ]
فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه؛ وليبطل دعواهم علم الغيب. روى: أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها، فلم يجسر أحد بعد أن يدنو منه، وكان عمر سليمان ثلاثًا وخمسين سنةً؛ ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقى في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.
[لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)] ١٥ - ١٧ [
قرئ: (لِسَبَإٍ) بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفًا
_________________
(١) ـ قصتِه قال: رُوِيَ أنّ هارونَ ماتَ في التيه، ومات موسى بَعْدَه فيه بسَنة، ودخل يوشَعُ أريحا بعد موتِه بثلاثة أشهر. وروَيْنا في حديثِ قَبْضِ روحِه عن البخاريِّ ومُسلم والنَّسائي عن النبيِّ ﷺ: «فسألَ الله أن يُدْنِيَه من الأرضِ المُقَدَّسةِ رَمْيَة حجر» قال رسولُ الله ﷺ: «فلو كُنْتُ ثَمَّ لأرينُكُم قَبْرَه إلى جانبِ الطريقِ عند الكثيب الأحمر». قوله: (قُرئ: ﴿لِسَبَإٍ﴾ بالصرفِ ومَنْعِه)، البَزِّيُّ وأبو عَمْروٍ: بفَتْح الهمزةِ من غيرِ تنوين، وقُنْبُلٌ: بإسكانِها على نيّةِ الوقفِ، والباقونَ: بالخفْضِ مع التنوين. قال الزجّاج: مَنْ فَتحَ وتركَ الصرفَ فلجَعْلِه اسما للقبيلةِ ومَنْ صَرَفَه جعَله اسمًا لرجلٍ أو للحيِّ.
[ ١٢ / ٥٣٠ ]
و(مسكنهم): بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم. وقرئ: (مساكنهم). و(جَنَّتانِ): بدل من (آية). أو خبر مبتدإ محذوف، تقديره: الآية جنتان. وفي الرفع معنى المدح، تدل عليه قراءة من قرأ: (جنتين) بالنصب على المدح. فإن قلت: ما معنى كونهما آية؟ قلت: لم يجعل الجنتين في أنفسهما آيةً، وإنما جعل قصتهما وأنّ أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما لخمط والأثل؛ آية وعبرة لهم ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم. ويجوز أن تجعلهما آية،
_________________
(١) ـ قولُه: (و﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفَتْح الكاف وكَسْرِها)، حفْصٌ وحمزةُ: بإسكانِ السين وفَتْحِ الكافِ، والكسائيٌّ كذلك غير أنه يكسِرُ الكافَ، والباقونَ: بفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِ الكافِ وألفٍ بينهما. قال مَكِّي: مَنْ قرأَ بالتوحيدِ وفَتْحِ الكافِ جَعله مَصْدرًا ولم يجمَعْه وأتى به على القياس، لأن «فَعَلَ يَفْعَل» قياس مطرد بالفتح نَحْو المَقْعَدِ والمَدْخَلِ، وقيل: هو اسمٌ مُفردٌ للمكانِ يؤدِّي عن الجمعِ، ومَنْ كسَر الكافَ جعلَه اسمًا للمكانِ كالمسجدِ، وقيل: هو مَصْدرٌ خرَج عن الأصلِ كالمَطْلَع. قوله: (ويجوز أن تَجْعلَهما آية)، أي: علامةً دالّةً على الله وعلى قدرتهِ، فعلى الأولِ المضافُ محذوفٌ، وعلى الثاني هو مِثْلُ قولِه: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] قال: حالُهما بمَجْموعهما آيةٌ واحدة وهي ولادتُها إيّاهُ مِن غيرِ فَحْل. اعلَم أنّ في مثل هذه الآية يجوزُ أن ينتفعَ بها المكلَّفُ من حيثُ الاعتبارُ، فيَنْزجرُ ويَرْتدِعُ عن كُفرانِ نعم الله لئلا يُصيبَه بمثْلِ ما أصابهم أو من حيث القدرة الكاملة والإحسان إليه حيث ما ابتلاه بمثْلِ ما ابتلاهم، فيشكر الله عليه وهذا معنى قولهم: تجبُ سجدةُ الشكرِ عند
[ ١٢ / ٥٣١ ]
أي: علامة دالة على الله، وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره. فإن قلت: كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب قريةٍ من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت؟ قلت: لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامهما، كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال: (جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب)] الكهف: ٣٢ [. (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ): إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ولما قال: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ) أتبعه قوله: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) يعنى: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. وعن
_________________
(١) ـ اندفاعِ نِقمةٍ أو هُجومِ نعمةٍ، وإلى الأولِ الإشارةُ بقوله: «فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفرِ» وإلى الثاني بقوله: «وإحسانهِ ووجوبِ شكره». قوله: (لم يُرِدْ بَستانَيْن اثنَيْن فحَسْب)، أي: ﴿جَنَّتَانِ﴾ إما بَدلٌ من ﴿آيَةٌ﴾ أو خبرُ مبتدأٍ محذوف والجملةُ بَيان، وقولُه: ﴿لِسَبَإ﴾ اسمُ قبيلةٍ أو حيٍّ محمولٌ على ﴿آيَةٌ﴾ لأنها اسمُ ﴿كَانَ﴾ وينبغي أن يُحملَ ﴿جَنَّتَانِ﴾ على الكلِّ: إما باعتبارِ الجنس وما يُقال له: جَنّتان، وإليه الإشارةُ بقوله: «وإنّما أراد جماعتَيْن» إلى آخرِه، أو باعتبارِ أفرادِ الجنسِ وهو المرادُ مِن قَوْلِه: «أو أرادَ بُسْتانَيْ كُلِّ رجلٍ منهم وليسَ كذلك بساتينُ سائرِ البلادِ لسائرِ الناس»، فأدّى مآلُ المعنى إلى أنَّ أهلَ تلك البلادِ مُتْرَفين قاطبةً أصحابَ بساتين. قولُه: (أتْبَعَه)، فيه إشعارٌ بأنّ في التنزيل لفًّا ونَشْرًا، وأنّ وصْفَ البلدةِ بالطيِّبة ناظرٌ إلى قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وإليه أشارَ بقوله: «هذه البَلدةُ
[ ١٢ / ٥٣٢ ]
ابن عباس ﵄: كانت أخصب البلاد وأطيبها؛ تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل، فتعمل بيديها وتسير بين تلك الشجر، فيمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر. (طَيِّبَةٌ): لم تكن سبخة. وقيل: لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية. وقرئ: (بلدة طيبة وربا غفورا) بالنصب على المدح. وعن ثعلب: معناه: اسكن، واعبد. (الْعَرِمِ): الجرذ الذي نقب عليهم السكر؛ ضربت لهم بلقيس الملكة بسدّ ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقًا على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا قيل: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيًا يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم، فكذبوهم، وقالوا ما نعرف لله نعمة -سلط الله على سدّهم الخلد فنقبه من أسفله فغرقهم. وقيل: العرم: جمع
_________________
(١) ـ التي فيها رِزْقُكم بلدةٌ طيِّبة»، إلى قوله: «غفورٌ لمن شكر»، وإيذانٌ بأنّ شُكرَهم لم يكن وافيًا بتلك النعمة، وأنّه تعالى يرضى عنهم بقليلِ الشكرِ من كثيرِ النعمة. قوله: (اسْكُن واعبد)، أي: اسكُن بلدةً طَيبةً واعبُدْ ربًّا غَفورًا. قوله: (الجرْذ)، الجوهري: الجُرْذُ ضرْبٌ من الفأرِ والجمْعُ جُرْذان. والخُلْدُ أيضًا ضَرْبٌ من الجُرذانِ. قيل: سُمِّيَ خُلدًا لإقامتِه عند جُحره لعماه. الراغب: قيلَ: العَرِمُ الجُرْذُ الذَّكَر نُسِبَ إليه الفعل لأنه هو الذي نقبَ المَسْناةَ. وقال: العَرامة: شَراسةٌ وصُعوبةٌ في الخُلُقِ ويظهر بالفعل يقال: عَرِمَ فهو عارِم، وعَرِمَ تَخلَّقَ بذلك، ومنه: عُرام الجيش، وقولهُ تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٦] وقيل: العَرِمُ: المَسْناةُ. قوله: (والقار)، الجوهري: القارُ القِيرُ والقَارةُ: الأكَمَة، وجمعها: قار. قوله: (فحقنت)، الأساس: حَقَنَ اللبنَ في السِّقاء: جَمَعَه، وسَقاه الحَقينَ أي: اللبنَ المَحْقون.
[ ١٢ / ٥٣٣ ]
عرمة، وهي الحجارة المركومة. ويقال للكدس من الطعام: عرمة، والمراد: المسناة التي عقدوها سكرًا. وقيل: العرم اسم الوادي. وقيل: العرم المطر الشديد. وقرئ: (العرم) بسكون الراء. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد ﵉. وقرئ: (أكل) بالضم والسكون، وبالتنوين والإضافة. والأكل: الثمر. والخمط: شجر الأراك. وعن أبى عبيدة: كل شجر ذى شوك. وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعمًا من مرارة، حتى لا يمكن أكله. والأثل: شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عودًا. ووجه من نون: أن أصله: ذواتي أكل أكل خمط؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
_________________
(١) ـ قوله: (للكُدْسِ)، الأساس: كُدْسٌ من الطعام وأكداسٌ. ومنَ المجازِ: مررْتُ بأكداسٍ من الطعام، وتكَدَّستِ الخيلُ: اجتمعَتْ وركِبَ بعضُها بَعْضًا في سَيْرِها. قوله: (المُسَنّاة)، قيل: ما يُبنى للسيل ليَرُدَّ الماءَ. قوله: (عَقَدوها سِكْرًا)، الجوهري: السَّكَرُ: مصْدرُ أسكَرْتُ النّهرَ أسكُرُه سَكَرًا: إذا سدَدْتَه، والسِّكْرُ بالكَسْرِ: العَرِم. و«السِّكْرُ» في الكتابِ حالٌ مُقدَّرة نَحْوَ قولِه: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]. قوله: (وقُرئ أُكْلٍ، بالضمِّ والسكونِ والتنوينِ والإضافة)، قرأ أبو عَمْروٍ: بضَمِّ الكافِ مع الإضافة، وابنُ كثيرٍ: بالسكونِ مُنوّنًا، والباقون: بالضمِّ من غيرِ إضافة. وعَن بَعْضِهم: التقديرُ: أُكلِ ذي خَمْطٍ، وقيل: هو بدَلٌ منه، وجُعِلَ خَمْطًا أُكلًا لمُجاورتِه إيّاه وكَوْنِه سَببًا له. قوله: (ووجهُ مَن نوّن)، يعني: التنوينُ في ﴿أُكُلٍ﴾ مُشكل، إما أن يُجعلَ ﴿خَمْطٍ﴾ بدلًا منه على حذفِ مضافٍ، أو يذهب على تأويل الخمط الذي هو اسم الشجر بمعنى
[ ١٢ / ٥٣٤ ]
أو وصف الأكل بالخمط، كأنه قيل: ذواتي أكل بشع. ومن أضاف، وهو أبو عمرو وحده؛ فلأن أكل الخمط في معنى البرير، كأنه قيل: ذواتي برير. والأثل والسدر معطوفان على (أكل)، لا على (خمط)؛ لأن الأثل لا أكل له. وقرئ: (وأثلا وشيئا)، بالنصب عطفًا على (جنتين). وتسمية البدل جنتين؛ لأجل المشاكلة، وفيه ضرب من التهكم. وعن الحسن ﵀: قال السدر؛ لأنه أكرم ما بدلوا. وقرئ: (وهل يجازى)، (وهل نجازى) بالنون، (وهل يجازى) والفاعل الله وحده، (وهل يجزى) والمعنى: أن مثل هذا الجزاء لا يستحقه إلا الكافر،
_________________
(١) البَشِعِ ليصحّ الوصفُ به، قال الزجاج: كل نَبْتٍ أخذ طعمًا من مرارةٍ حتى لا يُمكِنُ أكلُه فهو بَشع. قوله: (في معنى البَرير)، النهاية: البَرير: ثَمرُ الأراك إذا اسوَدَّ وبلغَ، وقيل: هو اسمٌ له في كل حال. البرير: بالباءِ الموحَّدة والراءِ والياءِ المنقطعةِ من تحتُ نُقطتان والراء. قوله: (كأنه قيل: ذواتي بَريرٍ)، والإضافةُ للبيان، نحو: بابِ ساجٍ، والمضاف إليه بمعنى برير، ومِن ثَمَّ قال: «والأَثْلُ والسدرُ معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾» إذ لو عطف على ﴿خَمْطٍ﴾ لزمَ أن يكون لهما ثَمر ولا ثمرَ لهما. قال صاحبُ «الفرائد»: الأكُل الثمرُ، والخَمْطُ الأراك، والبرير ثَمَرُ الأراك فقولُه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ يساوي: ذواتَيْ بَرير، فأي فائدة في هذا التقدير، أي: تقدير تفسير الخمط بالأراك دونَ كل شجرٍ ذي شوك، فيقال: الفائدة مَزيدُ بيانٍ وتقدير وإظهار كمال بشاعة، والمَقامُ يَقْتضيه. قوله: (﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾)، حَفْصٌ وحمزةُ والكسائي: بالنونِ وكَسْرِ الزاي، ﴿إلاَّ الْكَفُورَ﴾ بالنصبِ، والباقونَ: بالياء وفَتْحِ الزاي، وبالرفع. قولُه: (والمعنى أنّ مثلَ هذا الجزاءِ لا يستحقُّه إلا الكافر)، ومعنى المثل مستفادٌ من
[ ١٢ / ٥٣٥ ]
_________________
(١) ـ إيقاع قولِه: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ تذييلًا لقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا﴾، وذلك في مثل هذه الموانع يُفيدُ المعنى الكلِّيَّ وهو العِلّيّةُ، وذلك أنه ورد عَقيبَ أوصافِ أُجْرِيَتْ على موصوفٍ، فآذن بأنَّ المذكورَ قبله مُستحَقٌّ بما بعده، أي: ذلك الجزاء لأجلِ اتصافه بتلك الصفات كما مر. قال صاحب «الفرائد»: قولُه: «إن مثل هذا الجزاء لا يستحقُّه إلا الكافر» صحيح، ولكن قوله: «وهو العقابُ العاجلُ» منظور فيه لأن المؤمن يبتلي بالعقاب العاجل أيضا فكيف وقد جاء في الحديث: «جَعل عذاب هذه الأمة في الدنيا»، وقال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقوله: «وليس لقائلٍ أن يقولَ» إلى آخرهِ منظورٌ فيه يعرف بالتأمل، والوجه أن يقال: وهل نجازي بمِثْلِ هذا الجزاء وهو السلب والتبديل إلا الذي بالغ في الامتناعِ من الشكرِ وكان في ضِمْنِ قوله: ﴿اَلْكَفُورَ﴾ دون «الكافر» أنه يعفو عن كَثيرٍ، ولا يُعاقبُ بمثْلِ هذا إلا الذي بلغَ هذا الحدَّ من الكُفر، فيلزَمُ أن يكونُ الكفورُ كافرًا، لأنّ المؤمنَ لا يكون امتناعُه من الشكرِ بهذه المَثابة. وقلت: ويمكنُ أن يُستنبطَ هذا المعنى من قولِه: «وقيل: المؤمن تُكَفَّرُ سيئاتُه بحسناتِه» إلى آخره، يعني: مِثلُ هذا الجزاء أي: العقابُ الذي يكونُ مجازاةً بجميعِ ما يَفعلُه من السوءِ لا يستحقُّه المؤمن، لأن المؤمنَ تُكفَّرُ سيئاتُه بحسناتِه، والكافرُ هو الذي يستحقّه لأن حسناته محبطة فيُجازي بجميعِ ما يفعلُه بجميعِ ما يفعلُه من السوء، فإذَن التعريفُ في قوله: «العقاب العاجل» للعهدِ، وهذا من قول الزجاج قال: هذا مما يسأل عنه ويقال: إنّ الله يُجازي الكفورَ وغير الكفور. وجوابُه: أن المؤمنَ يكفَّر عنه السيئات لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] والكافر يحبط عمله فيجازي بكل سوء يعمله لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].
[ ١٢ / ٥٣٦ ]
وهو العقاب العاجل. وقيل: المؤمن تكفر سيئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء، ووجه آخر: وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله: (جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا) بمعنى: عاقبناهم بكفرهم؛ قيل: (وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) بمعنى: وهل يعاقب؟ وهو الوجه الصحيح. وليس لقائل أن يقول: لم
_________________
(١) قوله: (أن الجزاء عام لكلٍّ مكافأةٍ)، أي: مشتركٌ في معنَييْن متضادَّيْن فاحتيجَ إلى تعيينِ المرادِ بالقرينةِ المُخصِّصة لَمّا قُرِنَ هاهنا بقولِه: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ تَعَيَّنَ المرادُ، ثم قيل: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ لكونِه تذييلًا، فيكون معناهُ معناه، وهو المراد من قوله بعد هذا: «لم يُرِدِ الجزاءَ العامّ وإنما أرادَ الخاصّ»، ومن قولِه: «ولا يجوزُ أن يرادَ العمومُ وليس موضعَه، ألا ترى أنّك لو قلتَ: جزَيْناهُم بما كفروا وهل نُجازي إلا الكافرَ والمؤمنَ لا يصحُّ»، فعلى هذا قوله: «وليسَ لقائلٍ أن يقول»: لا افتقارَ إليه، ولعلَّ مُرادَ صاحبِ «الفرائد» من قولِه: «ولقائل أن يقول: منظور فيه» هذا. ويمكن أن يكونَ أصلُ الكلام: فهل يُجازي إلا العاملُ، فَعَدلَ إلى «الكفورِ» ليشاكِلَ قولَه: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾. قوله: (وهو الوجه الصحيح)، مشعر بأن في الآية وجوهًا، لكنّ الصَحيح هذا، وفيه أن الوجْهَ الأولَ ليس بقويّ لاختصاصِ الجزاءِ والمجازاة فيه بالشرِّ دون الخير ابتداء. قال ابنُ جِنِّي: ذكر شيخُنا أبو علي: أنه كان أبو إسحاق يقولُ: جزيتُ الرجلَ في الخيرِ وجازيْتهُ في الشرِّ، واستدلَّ عليه بقراءةِ العامة: ﴿وهل يجازي إلا الكفور﴾، وقرأتُ على أبي عليٍّ عن أبي زيدٍ: لعمري لقد بَرًّ الضِّبابَ بنوه … وبعضُ البنين حُمَّة وسُعال جزَوْني بما ربَّيتُهم وحملتُهم … كذلك ما إنّ الخطوبَ دَوال وينبغي أن يكونَ أبو إسحاقَ يقول: يريدُ أنّك إذا أرسلتَهُما ولم تُعَدِّهما إلى المفعول الثاني كان كذلك، فإذا ذكرْتَه إشتركا، ألا ترى إلى قولِه:
[ ١٢ / ٥٣٧ ]
قيل: وهل يجازى إلا الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للكافر والمؤمن؟ لأنه لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل لا يجوز أن يراد العموم، وليس بموضعه. ألا ترى أنك لو قلت: جزيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلا
_________________
(١) جزاني الزُّهْدَ مانِ جَزاءِ سوء … وكُنْتُ المرءَ أُجْزي بالكَرامهْ وأما قراءةُ ابنِ جُنْدَبٍ: «وهل يُجْزي إلا الكفور» فوجْهُها: إذا كان الجزاءُ عن الحسنةِ عَشْرًا، فلذلك تَفضُّلٌ وليس جزاءً، وإنما الجزاءُ في تعادُلِ العملِ والحسابِ والثوابِ عنه، ولله دَرُّ جريرٍ حيث يقول: يا أم عمرو جزاك الله صالحة … رُدِّي عليّ فُؤادي كالذي كانا وروي مُحي السنّةِ عن مجاهدٍ: «يُجازي» أي: يعاقب، ويقال في العقوبة: نُجازي، وفي المثوبة: نَجْزي. وقال الفراء: المؤمنُ يُجزي ولا يُجازي، أي يُجزي الثوابَ بعَمَله ولا يُكافأُ بسيئاته. وروى الإمامُ عن بعضِهم: أنّ المُجازَاةَ في النقمةِ والجزاءَ في النعمة. ثم قال: قولُه: ﴿جَزَيْنَاهُم﴾ يدلُّ على أن «يَجْزي» يُستَعْمَلُ في النعمةِ أيضًا، ولعلّهم ذَهبوا إلى أنّ المجازاة مفاعلة، وهي في أكثرِ الأمرِ تُستعملُ بين اثنين بأخْذِ كلِّ واحدٍ جزاءَ حَقِّه من الآخَر، ولا يكون ذلك في النعمةِ، لا سيَّما من الله تعالى، لأن الله تعالى مبتدئُ النعم. وقلتُ: القولُ المُختارُ ما قال المصنِّف.
[ ١٢ / ٥٣٨ ]
الكافر والمؤمن؛ لم يصح ولم يسد كلاما، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحل، وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
[وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)] ١٨ - ١٩ [
(الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها): هي قرى الشام. (قُرىً ظاهِرَةً) متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين؛ أو راكبة متن الطريق، ظاهرة للسابلة، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم. (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) قيل: كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعًا ولا عطشًا ولا عدوًا، ولا يحتاج إلى حمل زاٍد ولا ماء. (سِيرُوا فِيها): وقلنا لهم: سيروا، ولا قول ثم، ولكنهم لما مكنوا من السير، وسويت لهم أسبابه؛ كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه. فإن قلت: ما معنى قوله: (لَيالِيَ وَأَيَّامًا)؟ قلت: معناه: سيروا فيها
_________________
(١) قوله: (ظاهرةٌ لأعيُنِ الناظرين)، النهاية: كتب عمر إلى أبي عبيدة ﵄: «فاظهَرْ بمَنْ معَك من المسلمين إليها» يعني: إلى الأرض، يعني: اخرُجْ بهم إلى ظاهرِ الأرضِ. عن بعضِهم: قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية عَطْفٌ على قوله ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾. قوله: (ما معنى قوله: ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾)، أي: السيرُ لا يكون إلا في هذَيْن الزمانَيْن، فما فائدة تَخْصيصهِما بالذكر؟ وأجاب بوجوهٍ ثلاثة: أحدُها: المراد بتخصيصِ الوقتَيْن عدمُ تفاوتِ الأمنِ باختلافِ الأوقات لأنّ بالليلِ والنهار يتبيَّنُ الاختلافُ. وعلى هذا الظاهرُ أن يكونَ الواو بمعنى «أو» قال في قولِه تعالى:
[ ١٢ / ٥٣٩ ]
إن شئتم بالليل، وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات. أو: سيروا فيها آمنين لا تخافون، وإن تطاولت مدة سفركم فيها، وامتدت أيامًا وليالي. أو: سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم، فإنكم في كل حيٍن وزمان، لا تلقون فيها إلا الأمن. قرئ: (ربنا باعد بين أسفارنا) و(بعد) و(يا ربنا)، على الدعاء. بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب، كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المنّ والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها، ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. وقرئ: (ربنا بعد بين أسفارنا)
_________________
(١) ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] الواو قد يجيء للإباحة نحو قولِك: جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين، ومِن ثَمَّ أتى بالجملة الشرطية في التفسير. وثانيهما: أن يُعَبَّر بذكرِهما عن طولِ الزمان وامتدادِ المدة من غير اعتبار شيء آخر. وثالثها: أن يراد امتداد الزمان لكن مقيد بأيام المخاطبين ولياليهم، فإنك إذا قلت لزيدٍ: صُمْ نهارًا وصَلِّ ليلًا، لم تُرِدْ إلا أيامَه ولياليه ما عاش، وفيه تعَسُّف. قوله: (قُرئَ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾)، ابنُ كثيرٍ وأبو عَمْرو هِشام: «بعِّد»، والباقون: ﴿بَاعِدْ﴾. قوله: (بَطِروا النعمة)، يقال: بَطِرْتَ عَيْشَكَ كما يقال: رَشَدْت أمرَك. وبَشِموا: البَشَمُ: التُّخمَة. الجوهري: بَشِمَ الفصيلُ سن كثرةِ شُرْبِ اللبن. قوله: (لو كانَ جَني جِنَانِنا)، أي: المُجْتني من الثمارِ التي جُنِيَتْ. قوله: (ربَّنا بَعُدَ بينُ أسفارنا)، قال ابن جني: قرأ ابنُ عباس ومحمدُ بن الحنفية وغيرُهما: «رَبُّنا بَعَّدَ بين أسفارِنا» بضَمّ الباء من «رَبّنا» على الخبرِ وفَتْحِ الباءِ والعينِ من «بَعَّدَ» ونَصْبِ «بَيْنَ». وقرأَ «بَعُدَ» بفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العين ورَفْعِ «بَيْنُ»: محمَّد بن السَّمَيْفَع وابنُ يَعْمَر
[ ١٢ / ٥٤٠ ]
و(بُعِّد بين أسفارنا) على النداء وإسناد الفعل إلى "بين" ورفعه به، كما تقول: سير فرسخان. و(بوعد بين أسفارنا). وقرئ: (ربنا باعد بين أسفارنا) و(بين سفرنا)، و(بعد) برفع "ربنا" على الابتداء، والمعنى خلاف الأوّل، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها؛ لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه. (أَحادِيثَ) يتحدّث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقًا اتخذه الناس مثلًا مضروبًا، يقولون: ذهبوا أيدى سبا، وتفرقوا أيادى سبا. قال كثير:
_________________
(١) وغيرُهما. وقَرأ: «رَبُّنا باعَدَ بين أسفارِنا»: ابن عباسِ والحسَنُ وغيرهما. أما «بَعِّدْ» و«باعِدْ» فإنَّ «بَيْنَ» منصوبٌ على المفعولِ به، لا على الظرف، لأنه يريدُ: بَعِّد وباعِدْ مسافَةَ أسفارِنا، ولا يريدُ: بَعِّدْ أو باعِدْ فيما بين أسفارِنا، بذلك عليه قِراءةُ مَنْ قَرأ «بَعُدَ بينُ أسفارنا» أي: بَعُدَ مدى أسفارنا، فرَفْعُه دليلُ كونِه اسمًا، ولأنّ «بعَّد» و«باعَد» فِعلانِ مُتعدِّيان، فمفعولُهما معهما. وكان شيخُنا أبو علي يذهبُ إلى أنّ أصلَ «بَيْن» مصدَر: بانَ يَبينُ بَيْنًا، ثم استُعْمِل ظرفًا اتّساعًا وتجوُّزًا، كمَقْدَمِ الحاجِّ، ثم استُعْملت واصلةً بين الشيئين وإن كانت في الأصلِ فاصلة، وذلك لأن جِهتَيْها وصلتا ما يُجاورهما: بهما، فصارت واصلةٌ بين الشيئين، وعليه قراءةُ من قرأ: «لقد تَقَطَّعَ بَينُكم» [الأنعام: ٩٤] بالرفعِ أي]: وَصْلُكم. قوله: (يتشاجَوْنَ على ربِّهم)، الأساس: شَجاه الهمُّ شَجْوًا، وأمرٌ شاجٍ: مَحْزن، وتشاجَتْ فُلانةُ على زوجها: تحازنَتْ عليه، يعني: يُدِلُّون. قوله: (يقولون: ذَهبوا أيدي سَبا)، وعن بَعْضِهم: المعنى: مِثْل أيدي سبا فتضمَّن المَثَلُ أنّ «أيدي سبا» وقع حالًا عن فاعلِ «ذَهبوا» وهو مَعرفة، لأنَّ إضافتَه حَقيقيّة. ومن حَقِّ الحالِ أن يكون نكرةً. والتقديرُ مُتَفرِّقين. وسَبا: مهموزٌ في الأصلِ غير أنه التُزِمَ التخفيفُ في
[ ١٢ / ٥٤١ ]
أيادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم … فلم يحل بالعينين بعدك منظر
لحق غسان بالشآم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان. (صَبَّارٍ) عن المعاصي (شَكُورٍ) للنعم.
[وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)] ٢٠ - ٢١ [
قرئ: (صدّق) بالتشديد والتخفيف، ورفع إبليس ونصب الظن، فمن شدّد
_________________
(١) هذا المثل، والأيادي: عبارةٌ عن التفرقةِ، أي: تَفرَّقوا في البلادِ، مِنْ قولِهم: أخذَ يَدَ البَحْرِ، أي: طلب طريقه. وقيل: أيادي سَبأ: أولادُ سبأ، لأنّ الأولادَ أعضادُهُ لتقوِّيه بهم. مضى قصَّتُهم في النملِ مُستوفيً. قوله: (أيادي سَبا يا عَزُّ)، البيت. تقديرُه: يا عَزَّةُ كنتُ بعْدَكم أياديَ سَبا، و«ما» مزيدةٌ أو للدوامِ. ويقال: حَلى الشيءُ في فَمي يحلو، وحَلِيَ بعَيْني وقَلْبي يَحْلي. قوله: (قُرئ: ﴿صَدَّقَ﴾ بالتشديد)، عاصمٌ وحمزةُ والكِسائي، وبالباقون: بالتخفيف. قال الزجّاج: صِدْقُه في ظَنِّه: أنّه ظَنَّ بهم أنه إذا أغْواهُم اتّبعوه، فوجَدَهم كذلك، فمَنْ شَدَّدَ نصَبَ «الظنَّ» لأنه مفعولٌ به، ومَنْ خَفَّف نَصَبه على معنى: صَدَقَ عليهِم في ظَنِّه. روى مُحيي السنّةِ عن ابنِ قُتيبة: أنّ إبليسَ لما سألَ النَّظِرةَ فأنْظَره الله تعالى قال: لأغوِينَّهم
[ ١٢ / ٥٤٢ ]
فعلى: حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقا؛ ومن خفف فعلى: صدق في ظنه، أو صدّق يظن ظنًا، نحو: فعلته جهدك؛ وبنصب "إبليس" ورفع "الظن"، فمن شدّد فعلى: وجده ظنه صادقًا، ومن خفف فعلى: قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم، يقولون: صدقك ظنك. وبالتخفيف ورفعهما على: صدق عليهم ظن إبليس، ولو قرئ بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في صدق، كقوله:
صدقت فيهم ظنوني
_________________
(١) ـ ولأُضِلَّنَّهم، ولم يكُنْ مستيقنًا وقْتَ هذه المقالةِ، إنما قالَه ظَنًّا، فلمّا اتَّبعوه وأَطاعوه صَدَّق عليهم ما ظَنَّه فيهم. قال ابنُ جني: «على» مُتعلِّقةٌ بـ ﴿صَدَّقَ﴾، كقولك: صَدَّقْتُ عليك فيما ظنتهُ بك، ولا يتعلَّقُ بالظن. قوله: (وبنَصْبِ «إبليس» ورَفْع «الظنِّ»)، قال ابنُ جني: المُخفَّفةُ قرأَها الزهري. والمعنى: أن إبليسَ كان سَوّلَ له ظنُّه شيئًا فيهم فصَدَّقه ظنُّه فيما كان عقدَ عليه معَهم من ذلك الشيء. قوله: (ورَفْعِهما)، قال أبو البقاء: ويُقرأُ برَفْعِهما بجَعْلِ الثاني بدَل اشتمال. قال الزجاج: هو كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ويجوز: «ولقد صَدَّق عليهم إبليسُ ظنُّه»، وقد قُرئ بهما على معنى: صَدَقَ ظنُّ إبليسَ اتباعُهم إياه. قوله: (صدّقَتْ فيهم ظنوني)، تمامه:
[ ١٢ / ٥٤٣ ]
ومعناه: أنه حين وجد آدم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته قال: إنّ ذرّيته أضعف عزمًا منه، فظنّ بهم اتباعه، وقال: (لأضلنهم)] النساء: ١١٩ [، (لأغوينهم)] ص: ٨٢ [. وقيل: ظنّ ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكة: أنه يجعل (فيها من يفسد فيها)] البقرة: ٣٠ [، والضمير في (عَلَيْهِمْ) وَ"اتَّبَعُوهُ" إمّا لأهل سبأ؛ أو لبنى آدم. وقلل المؤمنين بقوله: (إِلَّا فَرِيقًا)؛ لأنهم قليل بالإضافة إلى الكفار، كما قال: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)] الإسراء: ٦٢ [، (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ)] الأعراف: ١٧ [. (وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ) من تسليٍط واستيلاٍء بالوسوسة والاستغواء إلا لغرض صحيح وحكمة بينة؛ وذلك أن يتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها. وعلل التسليط بالعلم، والمراد ما تعلق به العلم. وقرئ: (ليعلم) على البناء للمفعول. (حَفِيظٌ): محافظ عليه، وفعيل ومفاعل متآخيان.
_________________
(١) ـ فدَتْ نفسي وما مَلَكْت يَميني … فوارسَ صَدَّقَتْ فيهم ظنوني «فَدَتْ» خبرٌ في معنى الدعاء، وتَضْعيفُ العينِ في «صَدَّقَتْ» للتكثيرِ، وفوارسُ- في جَمعِ فارسٍ-: شاذٌ، لأنّ فواعلَ إنما يكونُ جَمْعَ فاعلةٍ في صفاتِ ما يَعْقِلُ، دون فاعل. قولُه: (والضميرُ في ﴿عَلَيْهِم﴾ و«اتبعوه» إما لأهلِ سبأ أو لبني آدم)، فإن كان الأول فالكلامُ تَتِمَّةٌ للأول إما حالًا أو عَطْفًا، وإن كان الثاني فهو كالتذييلِ تأكيدًا له. قوله: (وقُلَّل المؤمنينَ بقولِه: ﴿إِلاَّ فَريقًا﴾ لأنهم قليلٌ بالإضافةِ إلى الكفار)، في «المطْلع»: هذا إذا جَعَلْتَ «مِنْ» للتبين، وإن جعَلْتَها للتبعيضِ فالمرادُ بالفريقِ: الخُلَّصُ من المؤمنين الذين لم يتبعوه فيما دعاهم إليه من المعاصي. قولُه: (وعُلِّلَ التسليطُ بالعلم، والمرادُ ما تَعلَّق به العلم)، المطْلع: وهو الإيمانُ والكفر، والمعنى: إلا لنعلمَ إيمانَ المؤمنِ بالآخرةِ ظاهرًا موجودًا، وكذلك كُفْرَ الكافرِ الذي هو في شكِّ منها، لأنَّ العلمَ بهما موجودَيْن هو الذي يتعلَّقُ به الجَزاء. قال القاضي: ﴿إلاَّ لِنَعْلَمَ﴾ إلاّ ليتعلَّقَ علْمُنا بذلك تعلُّقًا يترتَّبُ عليه الجزاءُ، أو ليتميَّزَ
[ ١٢ / ٥٤٤ ]
[قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)] ٢٢ [
(قُلِ) لمشركي قومك: (ادْعُوا الَّذِينَ) عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه كما تدعون الله، والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه. وانتظروا استجابتهم لدعائكم ورحمتهم كما تنتظرون أن يستجيب لكم ويرحمكم. ثم أجاب عنهم بقوله: (لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) من خير أو شر، أو نفع أو ضر فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ وَما لَهُمْ في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك، كقوله تعالى: (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)] الكهف: ٥١ [، وماله منهم من عوين يعينه على تدبير خلقه؛ يريد: إنهم على هذه الصفة من العجز والبعد عن
_________________
(١) ـ المؤمنُ من الشاكِّ، أو ليُؤمِنْ مَنْ قُدِّرَ إيمانُه ويَشُكَّ مَنْ قُدِّرَ ضلاله، والمرادُ من حصولِ العِلْمِ حصولُ مُتَعلَّقِه مُبالغة. وفي نَظْمِ الصِّلَتيْن نُكتةٌ لا تَخْفى. وقلتُ: لعلّ النكتةَ إيقاعُ الشكِّ في الصلة الثانية في مقابل الإيمان المذكور في الصلة الأولى، وأن لم يقُلْ: من هو مؤمنٌ بالآخرة ممن هو كافر بها، أو: من يوقن بالآخرة ممن هو في شكٍّ منها، ليؤذن بأن أدنى شك في الآخرة كفر، وأنَّ الكافرين لا يوقنون بالردِّ بل هم مُستقرُّون في الشك لا يتجاوزونَ إلى اليقين. قوله: (فيما يَعْروكم)، الجوهري: عراني هذا الأمر واعْتَراني: إذا غَشِيَك، وعروْتُ الرجلَ أعروهُ عروًا: إذا ألمَمْتُ به وأتيته طالبًا، وهو مَعْرُوٌّ. قوله: (ثُم أجابَ)، عَطْفٌ على قوله: «قل لمُشْركي مكة» أي: قال الله تعالى لنبيه ﷺ: قل لمشركي مكة، ثم أجاب. قوله: (في هذَيْنِ الجنسَيْن)، أي: السماواتِ والأرض، يعني: عدلَ عن ضميرِ الجمع نحو: «فيهنَّ» و«فيها» إلى التثنية لإرادة الجنسَيْن.
[ ١٢ / ٥٤٥ ]
أحوال الربوبية، فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى، ويرجوا كما يرجى؟ فإن قلت: أين مفعولا زعم؟ فإن قلت: أحدهما: الضمير المحذوف الراجع منه إلى الموصول. وأمّا الثاني: فلا يخلو إمّا أن يكون (مِنْ دُونِ الله)، أو (لا يَمْلِكُونَ)، أو محذوفًا. فلا يصح الأول؛ لأنّ قولك: هم من دون الله، لا يلتئم كلامًا، ولا الثاني؛ لأنهم ما كانوا يزعمون ذلك، فكيف يتكلمون بما هو حجة عليهم، وبما لو قالوه قالوا ما هو حق وتوحيد؟ فبقى أن يكون محذوفًا تقديره: زعمتموهم آلهةً من دون الله، فحذف الراجع إلى الموصول كما حذف في قوله: (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ الله)] الفرقان: ٤١ [استخفافا، لطول الموصول لصلته، وحذف "آلهة"؛ لأنه موصوف صفته: (مِنْ دُونِ الله)، والموصوف يجوز حذفه، وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوما، فإذن مفعولا "زعم" محذوفان جميعًا بسببين مختلفين.
[وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير)] ُ ٢٣ [
تقول: الشفاعة لزيد، على معنى أنه الشافع، كما تقول: الكرم لزيد، وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول: القيام لزيد، فاحتمل قوله: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) أن يكون على أحد هذين الوجهين، أى: لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن
_________________
(١) ـ قوله: (بسَبَبَيْنِ مختلفين)، أي: بسَببِ الاستحقاقِ وبسَبب إقامةِ الصفةِ مُقامَ الموصوف. قوله: (على أحدِ هذين الوجهين)، أي: اللام في ﴿أَذِنَ لَهُ،﴾ صلة للفعل، فيجوز أن يكون مثل اللام في قولك: الشفاعةُ لزيدٍ، على أنه الشافع فقولهُ: «من الشافعين» بيانٌ لقوله: ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وأن يكونَ مِثْلَ اللام من قولك: القيامُ لزيد، أي: قامَ أحدٌ كرامةً لزيدٍ على أنه المشفوعُ له، وقولُه: «أي: بشفيعه»، تفسيرٌ لقوله: ﴿لَهُ،﴾ في قولِه: ﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لا تَنْفَع الشفاعة إلا لشخص أذن لشفيعه أن يشفع له.
[ ١٢ / ٥٤٦ ]
له من الشافعين ومطلقة له. أو لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له، أى: لشفيعه؛ أو هي اللام الثانية في قولك: أذن لزيد لعمرو، أى لأجله، وكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)] يونس: ١٨ [. فإن قلت: بما اتصل قوله: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)، ولأى شيء وقعت (حتى) غاية؟ قلت: بما فهم من هذا الكلام من أنّ ثم انتظارًا للإذن وتوقعًا وتمهلًا وفزعًا من الراجين للشفاعة والشفعاء؛ هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من التربص، ومثل هذه الحال دلّ عليه قوله ﷿: (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا)] النبأ: ٣٧ - ٣٨ [. كأنه قيل: يتربصون ويتوقفون مليًا فزعين
_________________
(١) ـ ويجوز أن تكون هذه اللامُ بمعنى: لأجل، ولامُ الصلةِ مع متعلِّقِه محذوفًا، نَحْوَ قولك: أذن لزيد لعمرو، وإليه الإشارة بقوله: «وقع الإذنُ للشفيعِ لأجلِه». هذا هو الذي يقتضيهِ النظمُ، لأنَّ الذي هو سَوْقُ الكلامِ أن شركاءهم لا تنفَعُهم في الدنيا ولا يملكون مثقالَ ذَرةٍ من خيرٍ أو شَرٍّ أو نَفْعٍ أو ضُرٍّ فيها، ولا لهم تصرُّف ما، فعَبّرَ بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ عن العالم، أي في الدنيا، كما سبق في آل عمران، ولا ينفعهم في الآخرة، لأنه إن قُدِّرَ لهم نَفْعٌ فلا يكون إلا في الشفاعة، فجيء بقوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ تعريضًا بأنَّ أصنامَهم لا يَشْفعون لأنهم ليسوا في صَدَدِ أن يُؤذَنَ لهم. هذا هو المرادُ من قولِه: «وهو الوجْهُ- لأن فيه العلمَ بالشفيعِ والمشفوعِ له كليهما- وهذا تكذيبٌ لقولِهم ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾». قال أبو البقاء: واللام في ﴿لِمَنْ أَذِنَ لَهُ،﴾ يجوز أن يتعلّق بالشفاعة، لأنك تقول: شفَعْتُ له، وأن يتعلق بـ ﴿تَنفَعُ﴾. قوله: (هل يؤذن)، مُتعلِّقٌ من حيثُ المعنى بقولِه «راجين». قوله: (وتوقّفون مَلِيًّا)، وذلك أنَّ المقامَ مقامُ الهيبةِ والجلالِ لا سيَّما المشفوع له خائفٌ
[ ١٢ / ٥٤٧ ]
وهلين. (حتى إذا فزع عن قلوبهم)، أى: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن، تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا: (ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا): قال (الْحَقَّ)، أى: القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ: «فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة». وقرئ: (أذن له)، أى: أذن له الله، و(أذن له) على البناء للمفعول. وقرأ الحسن: (فزع) مخففًا، بمعنى فزع. وقرئ: (فزع) على البناء للفاعل،
_________________
(١) ـ والشافعُ راجٍ هل يُؤذَنُ له في الشفاعة أم لا؟ وضم مع ذلك «حتى» المعطيةَ لمعنى التدرُّج والغايةِ، وقوله: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ يؤذَنُ بالإمهالِ وطولِ الانتظارِ وكما نُشاهدُ من أحوال الجبابرةِ وملوكِ الزمان إذا ضُرِبَ لقضاءِ الشؤونِ، ولذلك استشهَد بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٢٩]. قوله: (وَهِلِين)، الجوهري: الوَهلةُ: الفزعةُ، والوَهَلُ بالتحريك: الفزَعُ، وقد وَهِلَ يَوْهَلُ فهو وَهِلٌ ومُسْتَوْهِل. قوله: (فَزَّعَتْهُ الشفاعةُ)، التفزيعُ: إزالةُ الفَزعِ، كالتمريضْ والتَّفريدِ، أي: أزالَ الفَزَعَ وكَشفَ عنه الفَزعَ. الراغب: الفزعُ: انقباضٌ ونِفارٌ يعتري الإنسانَ من الشيءِ المُخيف، وهو من جنسِ الفزع، ولا يقال: فَزِعْتُ من الله، كما يقال: خفتُ منه. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: أزيلَ، يقال: فزِعَ إليه: إذا استغاثَ به عند الفَزع، وفَزِع له: أغاثه. قوله: «(فَزَّعَ» على البناءِ للفاعلِ)، ابنُ عامرٍ، والباقون: على بناءِ المفعول. ومعنى ﴿فُزِّعَ﴾: كُشِفَ الفَزَعُ عن قلوبهم، و«فَزَّعَ»: كشَفَ الله الفَزَع. وقراءةُ «فُرِّغ» بالراءِ والغينِ
[ ١٢ / ٥٤٨ ]
_________________
(١) المعجمة ترجعُ إلى هذا المعنى لأنها فُرِّغَتْ من الفَزَع. قال الزجّاج: وتفسيرُ هذا: أنّ جبريلَ ﵇ لما نزل إلى النبي ﷺ بالوحِي ظَنَّتِ الملائكةُ أنه أنزل بشيء من أمرِ الساعة، ففَزِعت لذلك، فلما انكشَفَ عنها الفَزعُ قالوا: ماذا قال ربكم؟ سألَتْ: لأيِّ شيءٍ نزلَ جبريل؟ قالوا: الحقَّ. تَمَّ كلامه، وعليه كلامٌ أكثر المفسرين. ويعضُدُه ما روَيْناه عن البخاريِّ والترمذيِّ وابنِ ماجه عن أبي هريرة: أنّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمرَ في السماءِ ضربَت الملائكةُ أجنحتَها خُضعانًا لقولِه، كأنه سِلسلةٌ على صَفوانٍ، فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قال الذي قال: الحق وهو العليُّ الكبير». وعن أبي داودَ عن ابن مسعود قال: إذا تكلَّم الله ﷿ بالوَحْيِ سَمِعَ أهلُ السماء صَلْصلةً كجَرِّ السلسلةِ على الصَّفا، فيُصْعَقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيَهم جبريلُ، فإذا جاء جبريلُ فُزِّعَ عن قلوبهم، فيقولونَ: يا جبريلُ ماذا قال ربُّكم؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحقَّ الحقّ. فإن قلتَ: قد ظهرَ من هذه الرواياتِ أنّ الموصوفينَ بهذه الصفاتِ هم الملائكةُ، والذي ذهب إليه المصنِّف هم الشفعاءُ مُطلقًا، وأن هذه الحالةَ واقعةٌ يوْمَ القيامة لقولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، فإذَنْ ما معنى الغايةِ في «حتى»، وما وَجْهُ انطباقِه على الأحاديث الصحيحة؟ قلت -والله أعلم-: يُستخرَجُ معنى المُغَيَّا من المفهوم؛ وذلك أن المشركينَ لما ادّعَوا شفاعةَ الآلهةِ والملائِكة وأجيبوا بقَوْله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الْشَّفَاعَةَ﴾، ومعناه ما قال المصنف: قل لمَشركي مكّة: ادعوا الذين عبَدْتُم من دونِ الله
[ ١٢ / ٥٤٩ ]
وهو الله وحده، و(فرّع)، أى: نفى الوجل عنها وأفنى، من قولهم: فرغ الزاد، إذا لم يبق منه شيء. ثم ترك ذكر الوجل وأسند إلى الجار والمجرور، كما تقول: دفع إلىّ زيد، إذا علم ما المدفوع وقد يخفف، وأصله: فرغ الوجل عنها، أى: انتفى عنها وفنى. ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار والمجرور. وقرئ: (افرنقع عن قلوبهم)، بمعنى: انكشف عنها. وعن أبى علقمة: أنه هاج به المرار، فالتف عليه الناس، فلما أفاق
_________________
(١) ـ من الأصنامِ والملائكة وسَمَّيتموهُم باسمِه، والتجئوا إليهم، فإنهم لا يملكون مثقالَ ذرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض، ولا تنفع الشافعة من هؤلاء إلا الملائكة لكن مع الإذن والفزع العظيم وهم لا يشفعون إلا للمُرتضَيْن، فعبَّر عن الملائكة بقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية كناية، كأنه قيل: لا تنفعُ الشفاعةُ إلاّ ممّن هذا شأنُه ودأبُه، وأنه لا يثبت عند صَدْمةٍ من صدماتِ هذا الكتاب المُبين وعند سماعِ كلامِ الحقِّ، يعني: الذين إذا نُزّلَ عليهم الوحيُ يفزعون ويُصْعقون، حتى إذا أتاهم جبريلُ فُزِّعَ عن قلوبهم يقولون: ماذا قال ربّكم؟ فيقول: الحقَّ، فيقولون: الحقَّ الحقَّ. ونحوه في الأسلوبِ قوله تعالى ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ٩ - ١٠]. قال المصنِّف: «معنى ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إلى آخره: ليَنسُبُنَّ خَلْقَها إلى الذي وُصِفَ بهذه الأوصاف وقيل في حَقّه تلك النعوت». قولُه: (فَزَّعتُه الشفاعةُ)، أي أزالت الشفاعة عنه الفزع؛ أي إذْنُ الشفاعةِ، يدلُّ عليه قولُه: كَشِفَ الفَزَعُ بكلمةٍ يتكلَّم بها ربُّ العِزَّةِ في إطلاقِ الإذن. قوله: (وقُرئ: «افرُنقِعَ»)، قال ابن جنِّي: قال أبو عَمْرو الدّوري عن عيسى بن عُمر: أنه كان يقرأ «افرُنقِعَ عن قلوبهم».
[ ١٢ / ٥٥٠ ]
قال: ما لكم تكأكأتم علىّ تكأكؤكم على ذى جنة؟ ! افرنقعوا عنى. والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب «اقمطر» من حروف القمط، مع زيادة الراء. وقرئ: (الحق) بالرفع، أى: مقوله الحق. (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبىّ أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، وأن يشفع إلا لمن ارتضى.
[قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)] ٢٤ [
أمره بأن يقررهم بقوله: (مَنْ يَرْزُقُكُمْ)، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله؛ وذلك بالإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرن عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) حتى
_________________
(١) الجوهري: التكأكؤ: التجمُّع، وقال في بابِ العينِ وفَصْل الفاء: افرَنْقِعوا عني، أي: انكشفوا عني. واقمطَرَّ يومنا، أي: اشتد. أبو عُبَيْد: المُقْمَطِرُّ: المُجْتمِع. قَمَطَ الطائرُ أُنثاه يَقْمِطُها أي: يَسْفِدُها. والقُماطُ: حَبْلٌ يُشَدُّ به قوائم الشاة عند الذبحِ وكذلك ما يُشَدُّ به الصبيُّ في المهدِ. والمِرَّةُ: إحدى الطبائعِ الأربعِ. وهذه القصة رواها الجوهريّ عن عيسى بن عمر، وروى ابنُ جِنّي في «المُحْتسب» أيضًا عن أبي عَلْقمةَ النحوي كما رَواهُ المصنِّف، وفي آخرِها: قال بعضُ الحاضرين: إنّ شيطانَه يتكلَّمُ بالهندية. قوله: (ولأنهم إنْ تَفَوَّهوا)، عَطْفٌ على قوله: «لأن الذي تمكَّنَ في صدورهم».
[ ١٢ / ٥٥١ ]
قال: (فَسَيَقُولُونَ الله)] يونس: ٣١ [ثم قال: (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)] يونس: ٣٢ [فكأنهم كانوا يقرّون بألسنتهم مرّة، ومرّة كانوا يتلعثمون عنادًا وضرارًا وحذارًا من إلزام الحجة، ونحوه قوله عزّ وعلا: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا)] الرعد: ١٦ [. وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى
_________________
(١) ـ قوله: (فماذا بعدَ الحقِّ إلا الضلال)، يعني: أنهم لو تفوهوا بأن الله رازقهم لزِمَ أن يقال لهم: فما لكم تعبدون من يرزقكم؟ كما قيل لهم في تلك الآية التي مضمونها مضمون هذه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾. قوله: (يتلعثمون عنادًا)، أي: يتمكثون ويتكلَّمون. عن الجوهري. قوله: (وأمَرَه أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام)، قال صاحب «الانتصاف»: يعني: ألزَمهم الحجة من قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ﴾ إلى هذه الآية. وهذا الإلزامُ وإن لم يَزِدْ على إقرارِهم بألسنتهم لم يتقاصَرْ عنه؛ أمره أن يقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ وهذا من الكلام الذي يبادر كل سامع من موافقٍ أو مخالف أن يقول: قد أنصَفك خَصْمُك، وهذا أوْصَلُ إلى الغرض وأقطَعُ للشَّغَبِ وهو تفسيرٌ مُهَذَّبٌ وافتنان مستعذب، فلا يُنكَرُ على الفقهاء قولُهم في المجادَلاتِ: أحدُ الأمرَيْن لازمٌ، فهو غيرُ بعيدٍ من هذا الوادي. وقلتُ: إنه تعالى لما أمر حبيبَه ﷺ أولا بأن يُكافِحَهم ويُجيبَهم لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، ثم يسألهم بقوله: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ويتولى الإجابة والإقرارَ عنهم بنفسِه في قوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ ليؤذنَ أن الذي تمكّنَ في صدورِهم من العنادِ قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق، أمَره بأن يُرخيَ العِنانَ معهم ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ليناديَ على تماديهم في الضلال، وأنّهم مع علمهم بصحة ما جاء به بعد إقرارِهم به، مُنْغمسون في ضلالٍ ظاهرٍ مكشوفٍ، فالكلام من أوله
[ ١٢ / ٥٥٢ ]
هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)، ومعناه: وإنّ أحد الفريقين من الذين يتوحدون الرازق من السماوات والأرض بالعبادة، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة، لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من مواٍل أو مناٍف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أوصل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة، مع قلة شغب الخصم، وفلّ شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق منى ومنك، وإن أحدنا لكاذب. ومنه بيت حسان:
أتهجوه ولست له بكفء … فشر كما لخير كما الفداء
فإن قلت: كيف خولف بين حرفى الجرّ الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام
_________________
(١) ـ واردٌ على ترتيبٍ أنيقٍ ونظمٍ رَصين مشتملٍ على فوائدَ وإشاراتٍ، وهو من باب الترقِّي. قوله: (يتوحَّدون)، ويُروى: «يُوحِّدون»، يقال: توحَّد بكذا: اعترفَ به، وفلان توحَّدَ بكذا: إذا اعتزلَ وتفرَّد من الناس به، ومنه الأوْحَديُّ، أي: من الذين ينفرِدون بعبادةِ مَنْ يرزقُهم من السماء بإنزال الأمطار ومن الأرض بإنبات البركات. قوله: (بالهُوَينا)، النهاية: الهُوَينا: تصغيرُ الهونا؛ تأنيثُ الأهون، والهُونُ: الرِّفق واللين. قوله: (أتهجوه) البيت، قيل: لما أنشدَ حَسّانُ البيتَ مَنْ حضر: هذا أنصَفُ بيتٍ قالته العرب.
[ ١٢ / ٥٥٣ ]
مرتبك فيه لا يدرى أين يتوجه. وفي قراءة أبىّ: (وإنا أو إياكم إما على هدى أو في ضلال مبين).
[قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)] ٢٥ - ٢٦ [
هذا أدخل في الإنصاف، وأبلغ فيه من الأوّل؛ حيث أسند الإجرام إلى المخاطبين والعمل إلى المخاطبين، وإن أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن،
_________________
(١) قوله: (مرتبك)، الجوهري: ارتبكَ الرجلُ في الأمر، أي: تشبَّثَ فيه ولم يكَدْ يتخَلَّصُ منه. قوله: (وفي قراءةِ أبِّي: «وإنا أو في إياكم إما على هدى أو في ضلالٍ مبين»)، قال أبو البقاء: ﴿أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ معطوفٌ على اسمِ «إنّ»، والخبرُ مُكَرَّر كقولِهم: إنّ زيدًا وعَمْرًا قائم. واختلفوا في الخبر، قال سيبويه: المذكورُ للثاني والأولُ محذوفٌ وهو أولى من عَكْسِه، فعلى هذا يكونُ ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ خبرَ الأولِ و﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ معطوفًا عليه وخَبَرُ المعطوفِ محذوفٌ لدلالةِ المذكورِ عليه. والكلام على المعنى غيرِ الإعراب لأنَّ المعنى: إنا على هدى من غيرِ شكّ، وأنتم على ضلالةٍ على يقين، لكن خَلَطَه على افتنانِهم، كقولهم: أخزى الله الكاذبَ مِنّي ومنك. قوله: (هذا أدخَلُ في الإنصافِ، وأبلغُ فيه)، الانتصافُ: وذكرَ الإجرامَ المضافَ إلى النفسِ بصيغةِ الماضي التي تُعطي معنى التحقيق، وذكرَ العملَ المنسوبَ إلى الخصمِ بما لا يُعطي ذلك. قوله: (وإنْ أرادَ بالإجرام)، هذا شَرْطٌ لا يُذْكَرُ جَوابُه للمبالغةِ والجملةُ للحالِ أي: هذا أبلغُ من الأول، وإن أريدَ في الحقيقةِ بالإجرامِ الصغائرُ وبالعملِ الكفرُ لأنَّ في الظاهرِ أسندَ مُطلقَ الإجرام إلى المتكلِّم ومُطلقَ العملِ إلى المخاطَب.
[ ١٢ / ٥٥٤ ]
وبالعمل الكفر والمعاصي العظام. وفتح الله بينهم وهو حكمه وفصله: أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار.
[قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)] ٢٧ [
فإن قلت: ما معنى قوله: (أَرُونِيَ) وكان يراهم ويعرفهم؟ قلت: أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم؛ ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به. و(كَلَّا): ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة، كما قال إبراهيم ﵊: (أُفٍّ
_________________
(١) قوله: (أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى)، هذا كما يقول القائل لغيره إذا أفسد شيئًا: أرِني هذا الذي أفسَدْتَه لأُريك فسادَه. قوله: (وأن يُقايسَ على أعينهم)، فإن قُلْتَ: عَدّى «يُقايِسُ» بـ «على» فيما ليسَ بمَقيسٍ عليه، ثم عَدّاهُ في قولِه: «القياس إليه» بـ «إلى» وهو يُعَدّى بـ «على». قلت: هما حالانِ والمتعلِّقٌ محذوف، أما الأول فمعناه أن يُقاسَ الأصنامُ على الله تعالى ظاهرًا على أعينهم مكشوفًا كما في قوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ الأنبياء: ٦١] أي: مُعايَنًا مُسْتعليًا على الأعينِ استعلاءَ الراكبِ على المركوب، ومعنى الثاني ليُطلعَهم على إحالةِ القياس منتهيًا إليه، أي: مُحالٌ أن ينتهي قياسُ شيءٍ إلى الله تعالى وإلى صفاتِه، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيرًا. قوله: (و﴿كَلاَّ﴾ رَدْعٌ لهم عن مذهبهم بعد ما كَسره)، قال القاضي: ﴿قُلْ أَرُونِيَ﴾ استفسارٌ عن شُبهتِهم بعد إلزامِ الحجّةِ عليهم زيادة في تبكيتهم. وقلت: هذه قاعدةٌ شريفةٌ وأدبٌ جَميلٌ في آدابِ المجادلة وقَمْعِ شُبهةِ الخصم الألدِّ الأبِّي، فإنه ينبغي أنْ يُرْخى عِنانُ الكلامِ معه أولًا، ويُجاري معه على سَنَنٍ يَبعثُه على التفكرِ والنظرِ في أحوالِ نفسهِ ليعثُرَ حيثُ يراد تَبْكيتُه عند إيرادِ الحجةِ البالغة وعليه قولُ إبراهيم
[ ١٢ / ٥٥٥ ]
لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله)] الأنبياء: ٦٧ [بعد ما حجهم، وقد نبه على تفاحش
غلطهم وإن لم يقدروا الله حق قدره بقوله: (هُوَ الله الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات، وهو راجع إلى الله وحده، أوهو ضمير الشأن، كما في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)] الإخلاص: ١ [.
[وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)] ٢٨ [
(إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) إلا إرسالة عامةً لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج: المعنى: أرسلناك جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالًا من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة،
_________________
(١) ـ ﵇: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] بعد قوله: ﴿هَذَا رَبّي﴾ [الأنعام: ٧٨]. قوله: (وهو راجعٌ إلى الله)، أي: الضميرُ منهم راجعٌ إلى الله في الذهنِ، وجازَ لأنّ ما بعده يفسره، كما قال في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧] في «المؤمنين»: «هذا ضميرٌ لا يُعلمُ ما يعني به إلا بما يَتلوه، وأصلُه: إنِ الحيَاةُ إلا حياتنا الدنيا، ثم وضَع «هيَ» موضِعَ «الحياةِ»، لأنّ الخبرَ يدلُّ عليها، ومنه: هيَ العربُ تقولُ ما شاءَتْ». والفرقُ بين هذا الضميرِ وضميرِ الشأن أن الجملةَ بعد ضميرِ الشأن مُبَيِّنةٌ له وخبرُه هذا الضمير وَحْدَه مُفَسِّرٌ له، ولذلك قال: «هو راجعٌ إلى الله وَحْدَه»، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] في وجهٍ، وقولك: رُبَّه رجُلًا، ونحو هذا الضميرُ اسم في قولك: هذا أخوك، قال المصنِّف: «لا يكونُ «هذا» إشارةً إلى غيرِ الأخ». قوله: (وقال الزجاج المعنى: أرسلناكَ جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ، فقد جعله
[ ١٢ / ٥٥٦ ]
ومن جعله حالًا من المجرور متقدّمًا عليه فقد أخطأ؛ لأنّ تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار،
_________________
(١) ـ حالًا من الكاف). وأما حكايةُ كلامِه فإنه قال: معنى ﴿كَآفَّةً﴾: الإحاطةُ في اللغةِ، والمعنى: أرسلناكَ جامعًا للناسِ في الإنذارِ والإبلاغِ، وأُرسلَ ﷺ إلى العربِ والعجَم. وقال أبو البقاء: كأنه حالٌ من الكافِ، والهاءُ زائدةٌ للمبالغةِ، و﴿للناسِ﴾ مُتعلِّقٌ به، أي: وما أرسلناك إلا كافّةً للناسِ عن الكفر والمعاصي. وقال المالكي في «شرح التسهيل»: قولُ الزجاج باطلٌ لأنّه جعَل ﴿كَآفَّةً﴾ حالًا من مفرد، ولا يُعرَفُ ذلك في غيرِ محلِّ النزاع، وجَعَلَه مِن مُذَكَّرٍ مع كَوْنِه مُؤنّثًا، ولا يتأتى ذلك إلا بجَعْلِ تائِه للمبالغةِ، وبابُه مقصورٌ على السماعِ، ولا يتأتى غالبًا ما هي فيه إلا على أحدِ أمثلةِ المبالغةِ، كنَسّابةٍ وفَروقةٍ ومِهْدارة، وكافّة بخلافِ ذلك، فبَطل أن يكونَ منها لكونِها على فاعلة. فإن حُمِلت على رواية حملت على شاذّ الشاذّ، لأنّ إلحاقَ تاءِ المبالغةِ لأحدِ الأمثلةِ شاذّ، وإلحاقُه لما لا مُبالَغة فيه أشذّ. وأما الزمخشريّ فقد جعلَ ﴿كَآفَّةً﴾ صفةً، ولم يستعمله العربُ إلاّ حالًا، وليتَه إذْ أخرجَ «كافة» عن استعمالِ العرب سلكَ به سبيلَ القياسِ بل جعلَه لموصوفٍ محذوفٍ لم تستعمله العرب مفردًا ولا مقرونًا بصِفة؛ أعني: إرسالَه، وحَقّ الموصوفِ المُسْتغني بصفتِه أن يُعتادَ ذكْرُه مع صفتِه قبل الحذفِ ولا تصلح الصفة لغيره. قوله: (ومَنْ جعلَه حالًا من المجرور مُتقدِّما عليه فقد أخطأ، لأنّ تقدُّمَ حالِ المجرورِ عليه في الإحالةِ بمنزلةِ تقدُّمِ المجرورِ على الجار)، وقال ابن الحاجب: تقديمُ الحال على المجرور- إذا كان صاحبُ الحالِ هو المجرورَ- مختلفٌ فيه؛ فأكثرُ البصريِّين على منعِه، وكثيرٌ من النحويين على تجويزِه، ووجه الجواز: أنه حال عن معمولِ فعلٍ لفظيِّ فجاز التصرُّف فيه بالتقديمِ والتأخيرِ كسائرِ أحوالِ الأفعال.
[ ١٢ / ٥٥٧ ]
_________________
(١) ووجه المنع: أنه كَثُرَ الحالُ من المجرورِ في كلامِهم ولم يُسمَعْ من الفصحاءِ تقديمُه، ولأنّ حالَ المجرورِ صفةٌ لصاحبِها، وهي معمولة في المعنى بحَرْف الجر، إلا أنهم نصبوها لغرضِ الفصلِ بين الصفة والحال، وكما أن معمولَ الجارِّ لا يتقدَّم عليه ففَرْعُ مَعمولِ الجارِّ بأن لا يتقدَّم على الجارِّ أجدر. وقلت: ويمكن أن يُنزَّلَ قولُ المالكي منزلةَ الجواب عن هذين الاحتجاجَيْن، أعني قولَه: ومن أمثلةِ تقديمِ الحال على صاحبها إذا كان مجرورًا ما ذَكره أبو علي في «التذكرة»: زيدٌ خَيْرٌ منك خَيْرَ ما يكون، فجعل «خَيْرَ ما يكون» حالًا من الكافِ المجرورِ، ومن الأمثلة قول الشاعر: إِذَا المرءُ أعيَتهُ المروءةُ ناشئًا … فمطلبُها كَهْلًا عليه شديد أراد: فمَطْلَبُها عليه كهلًا شديدٌ، ومِن ذلك قولُ الآخر: تسلَّيْتُ طُرًّا عنكُمُ بعْدَ بَينِكم … بذِكراكُم حتّى كأنّكم عندي أراد: تسلَّيتُ عنكم طُرًّا. وربَّما قُدِّم الحالُ على صاحبِه المجرورِ وعلى ما يتعلَّقُ به الجارُّ، كقوله: غافلَا تعرِضُ المنيةُ للمر … ءِ فيُدْعي ولاتَ حينَ إباءِ أراد: تعرِضُ المنيةُ للمرءِ غافلًا. وإذا قد ثَبتَت دلائل السماعِ مستوفاة، فَلأُبَيِّن ضَعْفَ شُبَهِ المَنْعِ، فمِن ذلك: ادّعاءُ أنّ حقَّ الحال إذا عدي العامل لصاحبه بواسطة أن يعدي إليه بتلك الواسطة، فيقال للمدعي
[ ١٢ / ٥٥٨ ]
_________________
(١) ذلك: لا نسلم هذا الحق حتى يترتب عليه التزام التأخر تعريضًا، بل حقُّ الحالِ المُشَبَّهةِ بالظرفِ أن يستغني عن واسطة، على أن الحال أشدُّ استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدي بحرف الجر كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتشبيه والتمني. ومن الشُّبهِ لالتزامِ التأخير: إجراءُ الحالِ المجرورِ بالحرفِ مُجرى الحالِ المجرورِ بالإضافةِ، فيقال لصاحب هذه الشبهة: المجرورُ بالحرفِ كالأصلِ للمجرور بالإضافةِ، فلا يصلُحُ أن يحمل حال المجرور بحرف عليه لئلا يكون الفرع متبوعًا والأصل تابعًا، وأيضًا فالمضافُ بمنزلةِ موصولٍ والمضافُ إليه بمنزلة صلتِه، والحالُ منه بمنزلةِ جُزءِ صلَتهِ، فوجبَ تأخيره كما يجب تأخيرُ أجزاءِ الصِّلة، وحالُ المجرورِ بحَرْفٍ لا يُشْبِهُ جزء صلة، فأجيز تقديمُه إذ لا محذورَ في ذلك. ومن الشُّبَهِ: تَشْبيهُ بابِ: مررْتُ بهند جالسةً، ببابِ: زيدٌ في الدار متكئًا، فيقال: بين البابَيْن بَوْنٌ، فإنَّ «جالسةً» منصوبٌ بـ «مَرَرْتُ»، وهو فعل مُتصرِّفٌ لا يفتقر في نصبِ الحال إلى واسطة، كما لا يفتقرُ إليها في نصب ظرفٍ أو مفعولٍ له وحَرْفُ الجر الذي عدّاه لا عمل له إلا الجر، ولا جيءَ به إلا لتعديةِ: مررت، والمجرور به بمنزلة المنصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب، وأما «متكئًا» في المسألة الثانية فمنصوبٌ بـ «في» لتضمّنِها معنى الاستقرار وهي أيضًا رافعةٌ ضميرًا عائدًا على زيد، وهو صاحبُ الحالِ، فلم يَجُزْ لنا أن نقدِّمَ «مثكئًا» على «في» لأن العمل لها، وهي عاملٌ ضعيفٌ متضمِّنٌ معنى الفعلِ دون حروفِه، فمانعُ التقديم في نحوِ: زيدٌ في الدار متكئًا، غيرُ موجودٍ في نحو: مررْتُ بهندٍ جالسة، وإذا بطل قول الزجاج والزمخشري تَعيَّن القول بصحة أن يكونَ الأصل: وما أرسلناك إلا للناس كافة، فقَدَّم الحالَ على صاحبِها مع كونه مجرورًا، وهو مذهبُ أبي علي وابن كَيْسان، حكاه ابن بَرْهان، ويجوزُ غيرُه، وقال غيره: جَوَّزَ ابنُ كَيْسان وأبو علي الفارسي كون ﴿كَآفَّةً﴾ حالًا من المجرور باللامِ وهو ﴿لِلنَّاسِ﴾ من حيث إنّ العاملَ في الحالِ هو
[ ١٢ / ٥٥٩ ]
وكم ترى ممن يرتكب هذا بالخطأ، ثم لا يقنع به حتى بضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأوّل إلا بالخطإ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين.
[وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَاخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ)] ٢٩ - ٣٠ [
قرئ: (ميعاد يوم)، و(ميعاد يوم). و(ميعاد يوما). والميعاد: ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو هاهنا الزمان. والدليل عليه قراءة من قرأ: (ميعاد يوم) فأبدل منه اليوم. فإن قلت: فما تأويل من أضافه إلى (يوم)، أو نصب (يوما)؟ قلت: أما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: سحق ثوب، وبعير سانية. وأما نصب "اليوم" فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره: لكم ميعاد أعنى يومًا، أو أريد يومًا؛ من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يكون الرفع على هذا، أعنى التعظيم. فإن قلت: كيف انطبق هذا جوابًا على سؤالهم؟
_________________
(١) ـ الفعلُ، ولا يفتقرُ الفعلُ في عملهِ في الحال إلى الجارِّ، وإنما يفتقر إليه في عمله في المفعولِ به، فإذا جاز أن يعمل في الحال ما لا يعملُ في صاحبِ الحال كان أوْلى بالجواز. وقولُ القائل: المجرورُ لا يتقدَّمُ الجارَّ، فإنّما يلزَمُ هذا أنْ لو كان الجارُّ عاملًا في الحالِ، كقولك: قائمًا في الدار زيد، لا يجوز لكون الجار عاملًا في الحال، وقد ذكر بأن العامل هو الفعل فلذلك جاز. واعلم أن المالكي يُجوِّز تَعَدُّدَ العامل في الحال وصاحبها، وقد أسلفنا القول فيه في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] مستوفي. قوله: (وبعير سانية)، الجوهري: السانية: الناضجة، وهي الناقة التي يستقي عليها. قوله: (كيف انطبق هذا جوابا على سؤالهم؟)، يعني: أنهم سألوا عن وقت إرساء الساعة وأجيبوا عن أحوالِهم فيها، وتلخيصُ الجواب: أنه من الأسلوبِ الحكيم يعني: دَعوا السؤالَ عن وقت إرسائها، فإن كينونته لا بدَّ منه؛ بل سَلوا عن أحوالِ أنفسكم وكيف
[ ١٢ / ٥٦٠ ]
قلت: ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتًا لا استرشادًا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقًا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرًا عنه ولا تقدّمًا عليه.
[وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)] ٣١ [
الذي بين يديه: ما نزل قبل القرآن من كتب الله. يروى: أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول الله ﷺ في كتبهم، فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدّمه من كتب الله ﷿ في الكفر، فكفروا بها جميعا. وقيل: الذي بين يديه: يوم القيامة. والمعنى: أنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله تعالى، أوأن يكون لما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة، ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسوله ﵊ أو للمخاطب: (وَلَوْ تَرى) في الآخرة موقفهم
_________________
(١) ـ تكونون مبهوتين متحيرين فيها من هول ما تشاهدون، هذا ألَيقُ بحالِكم من أن تسألوا عنه. هذا المعنى وإن لم يعلم ظاهرًا من جواب المصنف لكن مآلُه إليه. قوله: (ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتًا لا استرشادًا)، قولُه: «إلا تعنُّتًا» استثناءٌ مفرّغٌ والمستثنى منه أعمُّ الأحوال، وهذا التركيبُ مثلُ قولك: ما زيدٌ إلا قائم لا قاعدٌ، وقد أباه صاحبُ «المفتاح»، مضى بيانُه غير مرة. قوله: (أو أن يكون لما دل عليه)، يجوز أن تكونَ «كانَ» ناقصةً، واسمُه ضميرَ الشأن، و«حقيقةُ» بالرفعِ مبتدأ، والخبر: «لما دلّ عليه»، والجملةُ مبينةٌ ضميرُ الشأن وخبر له، وأن تكون ناقصةً، وفاعلُها «حقيقة»، و«لما دل» متعلَّق بـ «حقيقة».
[ ١٢ / ٥٦١ ]
وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم؛ لرأيت العجب، فحذف الجواب. والمستضعفون: هم الأتباع، والمستكبرون: هم الرءوس والمقدّمون.
(قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَامُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)] ٣٢ - ٣٣ [
أولى الاسم -أعنى "نَحْنُ"- حرف الإنكار؛ لأنّ الغرض إنكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنهم أتوا من قبل اختيارهم، كأنهم قالوا: أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ممكنين مختارين. (بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ) بعد أن صممتم على الدخول في الإيمان، وصحت نياتكم في اختياره؟ بل أنتم منعتم أنفسكم حظها، وآثرتم الضلال على الهدى، وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهى، فكنتم مجرمين كافرين؛ لاختياركم لا لقولنا وتسويلنا. فإن قلت: "إذ" و"إذا" من الظروف اللازمة للظرفية، فلم وقعت (إذ) مضافًا إليها؟ قلت: قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره، فأضيف إليها الزمان،
_________________
(١) ـ قوله: (وهم يتجاذبون أطراف المحاورة)، ينظر إلى قول الشاعر: ولما قضَيْنا من مِنًى كلَّ حاجةٍ … ومَسَّح بالأركان من هو ماسح أخَذْنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا … وسالت بأعناقِ المطيِّ الأباطح أراد بأطراف الأحاديث ما يتعاطاه المُحبون وذوو الصبابة من التعريض والتلويح دون البيان والتصريح. قوله: (قد اتُّسِعَ في الزمان ما لم يُتَّسَعْ في غيرهِ، فأضيف إليها الزمان)، قال صاحب
[ ١٢ / ٥٦٢ ]
_________________
(١) «التقريب»: وإنما أضيف إلى «إن» لزومه الظرفية اتّساعًا بإضافة الظرف إليه، كما أضيف إلى الجُمَل نحو: حينَ جاءَ زيد. وقال صاحب «الفرائد»: لزومُ ظرفِيَّتهما إذا كنتا مُسْتعملتَيْن لحقيقتهما، فإذا استعملتا بمعنى آخر كان لهما حكم لفظ ذلك المعنى، وهنا المراد بعد مجيء الهدى لأن المراد من وقت الهدى لا وقته، وما ذكر ليس بجواب السؤال الذي ذكر، لأن لزوم الظرفية يأبى جواز ما ذكر. وقلت: كفى بقوله: «يُتَّسعُ فيها ما لم يُتَّسع في غيرِها» جاوبًا، وتقدير السؤال: أنْ «إذ» و«إذا» من الظروف اللازمة الظرفية، فكيف وقعت «إذ» هاهنا مجرورة مضافًا إليها. وأجاب: أنّ الظروفَ لا سيما الزمانيةَ يُتَّسعُ فيها ما لم يُتَّسع في غيرها، ويمكن أن يكون مراده: أنه «إذا» جُرِّدَتْ «إذ» عن معنى الظرفية وانسلخَتْ عنه رأسًا وصُيِّرَت اسمًا صِرْفًا فأضيفَ إليها، ألا ترى كيف وقعت مجرورة في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد وحينئذ ويومئذ، فإذن معنى الآية: أنحنُ صدَدْناكم عن الهدى بعد مجيئه إياكم، فليس فيه رائحةُ الظرفية. وعن صاحب «الضوء»: نصَّ سيبويه في «الكتاب» وأجاز: إذا يقومُ زيدٌ إذًا يقعُدُ عمرو، بمعنى: وقْتُ قيامِ زيدٍ وقتُ قعود عمرو، فارتفع إذا هاهنا مبتدأ وخبرًا، وأنشد: وبعد غد يا لهْفَ نفسيَ من غَد … إذا راح أصحابي ولست برائح قالوا: «إذا» هاهنا مجرور المحلِّ على البدَلية من «غد»، ولذلك حكموا عليه بأنه منصوبُ المحلّ بوقوع عليه في أوائل القصص، وهو «اذكر» مُضمَرًا أو ظاهرًا، نَحو ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.
[ ١٢ / ٥٦٣ ]
كما أضيف إلى الجمل في قولك: جئتك بعد إذ جاء زيد، وحينئذ، ويومئذ، وكان ذلك أوان الحجاج أمير، وحين خرج زيد. لما أنكر المستكبرون بقولهم: (أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ) أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا بقولهم: (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهار)، فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائبًا ليلًا ونهارًا، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد. ومعنى مكر الليل والنهار: مكركم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه. أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازى. وقرئ: (بل مكر الليل والنهار) بالتنوين ونصب الظرفين، و(بل مكرّ الليل والنهار) بالرفع والنصب، أى: تكرّون الإغواء مكرًّا دائبًا لا تفترون عنه؛ فإن قلت: ما وجه الرفع والنصب؟ قلت: هو مبتدأ أو خبر، على معنى: بل سبب ذلك مكركم أو مكرّكم، أو مكركم أو مكرّكم سبب ذلك. والنصب على: بل
_________________
(١) قوله: (ما وجه الرفع والنصب؟)، أي: في القراءتين، يعني: قراءة من قرأ «مَكْر» من المكر، ومن قرأ: «مكَرّ» من الكرور. وأجاب: إنه يجوز أن تكون «مكركم» خبرَ مبتدأ محذوف، والتقدير: سبب ذلك مكرُكُم أو مكرُّكم، أو مبتدأ خبرَه محذُوف، أي: مكركُم أو مكرّكم سبب ذلك. قال ابن جني: «بل مكرُّ الليل والنهار» قراءة أَبِّي، و«بل مكرٌ الليلَ والنهارَ» قراءة قتادة، وقرأ راشد «بل مكْرَ» بالنصب، وأما المكَرّ والكُرور أي: اختلاف الأوقات، فمَنْ رَفَعه فإما فِعْلٍ مضمرٍ دلَّ عليه قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ فإنه كالجواب له، أي: بل مكَرُ الليل والنهار في كرورهما، وإما على حذف الخبر، أي: مكر الليل والنهار صَدّنا، فمَنْ نصبه فعلى الظرف كقولك: زُرْتُكَ خفوقَ النجم، وهو متعلق بفعل محذوف، أي: صددتمونا في هذه الأوقات على هذه الأحوال.
[ ١٢ / ٥٦٤ ]
تكرّون الإغواء مكرّ الليل والنهار. فإن قلت: لم قيل: (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) بغير عاطف؛ وقيل: (وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)؟ قلت: لأن الذين استضعفوا مرّ أولا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأوّل. فإن قلت: من صاحب الضمير في (وَأَسَرُّوا)؟ قلت: الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله: (إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)] سبأ: ٣١ [. يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين. (فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، أى: في أعناقهم، فجاء بالصريح للتنويه بذمهم؛ وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال. وعن قتادة: أسروا الكلام بذلك بينهم. وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، وهو من الأضداد.
_________________
(١) قوله: (فعطف على كلامهم الأول)، أي: على قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، وفيه أن المستضعفين تكلموا بكلامَيْن، وأجابهم المستكبرون عن أحدهم دون الآخر لإفحامهم بقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى آخره، ثم كلا الفريقين مكَروا وأسرّوا الندامة حين لم ينفعهم الندم سرًّا. قوله: (يندم المستكبرون على ضلالهم)، يعني: الضمير في «أسرُّوا» راجع في قوله: ﴿إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ وإنما فسروا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ وهو ماض بقوله: «يندمون» وهو مضارع ليوافق قوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾، ولم يعكس لأنه حكاية للحال الآتية استحضارًا لصورة المجرمين وأنهم موقوفون عند ربهم راجعون بعضهم إلى بعض. قوله: (أسروا الندامة: أظهروها، [وهو] من الأضداد) عطف على قوله: «يندم المستكبرون»، فعلى الأول أضمر الفريقان الندامة وأخفوها مخافة التعبير، والثاني الوجه، لأن التعبير واقع وقد علم من قوله: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ذلك وقيل: أسرَّ إذا ثبت له الخفاء، وأسَرّه أزال عنه الخفاء ونظيره. أشكيتُه، أي: أثبتَّ له الشكاية أو أَزْلتُها عنه، وأنشد المصنِّف لنفسه:
[ ١٢ / ٥٦٥ ]
[وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)] ٣٤ - ٣٥ [
هذه تسلية لرسول الله ﷺ مما منى به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة وزخارفها، والتكبر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)] مريم: ٧٣ [، وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله ﷺ أهل
_________________
(١) شكوتُ إلى الأيام سوءَ صنيعِها … ومِن عَجَبٍ باكٍ تَشكّى إلى المُبكي فما زادني الأيام إلا شكايةً … وما زالتِ الأيامُ تُشكَى ولاتُشْكي الراغب: الندم: والندامة: التحسُّرُ من تغيُّرِ رأيٍ في أمر فائت، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، وأصله من منادمة الحزن له، والنديم والندمان والمنادم متقارب. وقال بعضهم: المنادمة والمداومة يتقاربان، وقال بعضُهم: الشّريبانِ سُمِّيا نديمَيْن لما يتعقب أحوالهما من الندامة على فعلهما. قوله: (مما مني به من قومه)، يقال: مَنْوتُه ومَنيتُه، أي: ابتَلَيتُه. قوله: (والاستهانةِ بهم من أجله)، أي: من أجل التكبر، قال القاضي: واستهانوا بمن لم يَحْظَ منها. ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ على مقابلة الجمع بالجمع، قوبل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِّن نَّذِيرٍ﴾ بقوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، ومن ثم طابقه قوله: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾. قوله: (وأنه لم يرسل)، عطف على قوله: «تسلية» على سبيل البيان.
[ ١٢ / ٥٦٦ ]
مكة، وكادوه بنحو ما كادوه به، وقاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم، ولولا أنّ المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم؛ فعلى قياسهم ذلك قالوا: (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ): أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم؛ نظرا إلى أحوالهم في الدنيا.
[قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)] ٣٦ [
وقد أبطل الله تعالى حسبانهم بأنّ الرزق فضل من الله يقسمه كما يشاء على حسب ما يراه من المصالح، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما وضيق عليهما، فلا ينقاس عليه أمر الثواب الذي مبناه على الاستحقاق. وقدر الرزق: تضييقه. قال تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)] الطلاق: ٧ [وقرئ: "يقدّر" بالتشديد والتخفيف.
(وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ)] ٣٧ - ٣٨ [
أراد: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم (بالتي تقربكم)، وذلك أنّ الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، ويجوز أن يكون "التي" هي التقوى، وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أى: ليست أموالكم بتلك الموضوعةِ
_________________
(١) قوله: «(يَقدِرُ» بالتشديد والتخفيف)، بالتخفيف: مشهورة، وبالتشديد: شاذة. قوله: (ويجوز أن يكون «التي» هي التقوى)، يعني: عبر عن التقوى بقوله: ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ كناية، كأنه قيل: وما أموالُكم ولا أولادُكم بالتقوى، لأن التقوى هي المقرِّبة عند الله زلفى وَحْدَها؛ يدل عليه قوله: «ليسَت أموالكم بتلك الموضوعة للتقريب» أي: وضعَ الشارعُ لفظة التقوى بإزاء معنى التقريب، كما أن صاحبَ اللغة وضعَ الألفاظَ
[ ١٢ / ٥٦٧ ]
للتقريب. وقرأ الحسن: (باللاتى تقرّبكم)؛ لأنها جماعات. وقرئ: (بالذي يقرّبكم)، أى: بالشيء الذي يقرّبكم. والزلفى والزلفة: كالقربى والقربة، ومحلها النصب، أى: تقرّبكم قربة، كقوله تعالى: (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا)] نوح: ١٧ [. (إِلَّا مَنْ آمَنَ) استثناء من «كم» في (تُقَرِّبُكُمْ)، والمعنى: أنّ الأموال لا تقرب أحدًا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدًا إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين، ورشحهم للصلاح والطاعة. (جزاء الضِّعْفِ): من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم: جزاء الضعف، ثم (جزاء الضعف). ومعنى (جزاء الضعف): أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرًا.
_________________
(١) للمعاني، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قال القاضي: أو أنها صفة موصوف محذوف، أي: ما أموالكم ولا أولادكم بالتقوى التي تقربكم عندنا زلفى. قوله: (﴿إِلاَّ مَنْ آمَنَ﴾ استثناء مِن «كم») قال الزجاج: موضعُ ﴿مَنْ﴾ نَصْبٌ بالاستثناء على البدل من الكاف والميم، أي: لا يُقَرِّبُ الأموالَ إلا مَنْ آمن وعمل بها في طاعة الله تعالى. وقال القاضي: ويجوز أن يكون مستثنى من ﴿أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ﴾ على حذف المضاف، أي: إلاّ مالَ من آمن وولد من آمن. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع رفع على الابتداء، أي: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، وما بَعْدَه خَبر. قوله: (ورشّحهم)، أيْ: ربّاهم وهَيّأهم.
[ ١٢ / ٥٦٨ ]
وقرئ: (جزاء الضعف)، على: فأولئك لهم الضعف جزاء، و(جزاء الضعف) على: أن يجازوا الضعف. و(جزاء الضعف) مرفوعان، "الضعف" بدل من "جزاء". وقرئ: (فِي الْغُرُفاتِ) بضم الراء وفتحها وسكونها، و(في الغرفة).
[قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)] ٣٩ [
(فَهُوَ يُخْلِفُهُ): فهو يعوّضه، لا معوّض سواه؛ إما عاجلًا بالمال، أو القناعة التي هي كنزلا ينفد؛ وإما آجلًا بالثواب الذي كل خلف دونه. وعن مجاهد: من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإنّ الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده، ثم يبقى طول عمره في فقر، ولا يتأولن: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)،
_________________
(١) قوله: (و«جزاءٌ الضعفُ» مرفوعان)، قال الزجاج: ويجوزُ رفعُ «الضِّعف» من جهتين: على معنى: فأولئك لهم الضِّعفُ، على أن يكون «الضعفُ» بدلًا من «جَزاء»، ويكونَ مرفوعًا على إضمارِ «هو»، كأنه لما قيل: ﴿فَأُولَائِكَ لَهُمْ جَزَاءُ﴾، كأن قائلًا قال: ما هو؟ فقال: هو الضعفُ، ويجوزُ النصب في «الضعف» على مفعول ما لم يسم فاعلُه، على معنى: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، والقراءة المشهورة: خفض «الضعف» ورفع «الجزاء». قوله: (قُرئَ: ﴿فِي الْغُرُفَاتِ﴾)، كُلَّهم إلا حمزة، فإنه قرأ: «في الغرفة» بسكون الراء. قوله: (ولا يَتأول) ويروي: (ولا يتأوّلنَّ ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾) أي: لا يصرفُه عن ظاهره ويقول: وما أنفقتم من شيء فإن الله يعوضه في الدنيا لأن «ما» شرط، وقولَه: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ جزاء، والآية واردة على سبيل الوعد على الإنفاق وأن الله لا يضيع أجر المحسنين على الإنفاق.
[ ١٢ / ٥٦٩ ]
_________________
(١) وفي «المعالم»: عن جابر بن عبد الله قال قال النبي ﷺ: «كلُّ معروفٍ صَدَقة، وكلَّ ما أنفق الرجل على نفسِه وأهله كتبَ له صَدقَة، وما وَقى به الرجل عِرْضَه كُتب له به صدَقة، وما أنفقَ المؤمنُ من نفقةٍ فعلى الله خَلَفُها ضامنًا إلا ما كانَ من نفقتِه في بُنيان أو في معصية الله». وفي الكواشي: «ما» شَرْطٌ نُصِبَ بقوله: ﴿أَنفَقْتُم﴾ و﴿مِن شَيْءٍ﴾، بيانه، وجواب الشرط الفاء بعد، أو بمعنى الذي مبتدأ، وخبره ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ،﴾ أي: فالله يعوضه هنا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، ثم بالثواب في العقبى، وفي الحديث: «من أيقنَ بالخلفِ جادَ بالعطية»، وفيه حكايةٌ عن الله تعالى: «أنفق أنفق عليك». وقلت: هذا هو الوجه، وعليه الوجه الأول، ولذلك أردفه بقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ تذييلًا للكلام، أي: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. ويؤيدُه ما روَيْنا عن البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يومٍ يصبحُ العبادُ فيه إلا وملكانِ ينزِلان فيقول أحدُهما: اللهم أعطِ مُنافقًا خَلَفا، ويقولُ الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تَلَفا». وعن الإمام أحمد بن حنبل عن أبي أمامة: قال أبو ذَرّ: يا نبي الله أرأيتَ الصدقةَ ماذا هي؟ قال: أضعاف مضاعفة وعند الله المزيد».
[ ١٢ / ٥٧٠ ]
فإن هذا في الآخرة. ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه. (خَيْرُ الرَّازِقِينَ) وأعلاهم رب العزة، لأن كل ما رزق غيره؛ من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله؛ فهو من رزق الله، أجراه على أيدى هؤلاء، وهو خالق الرزق، وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدنى وجعلني ممن يشتهى؛ فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهى.
[(يوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)] ٤٠ - ٤١ [
هذا الكلام خطاب للملائكة، وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر:
إيّاك أعني واسمعي يا جاره
_________________
(١) ـ والنظمُ أيضًا يساعدُ عليه، لأن الآية حث على الصدقةِ والإنفاقِ في سبيلِ الله، ولأنّ هذه الآيةَ تقريرٌ لمعنى قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَائِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ كما قال: «إن الأموال لا تقرب أحدًا إلا المؤمنَ الصالحَ الذي يُنفقُها في سبيلِ الله» فمعنى الآية: أن الله هو القابضُ الباسطُ، فلا تَخافوا النفقةَ في سبيلهِ، فإن الله خير الرازقين ولا يُضيعُ أجْرَ المحسنين. قوله: (الحمد لله الذي أوجدني). الجوهري: أوجده، أي: أغناه، يقال: الحمدُ لله الذي أوجَدني بعد فقر، وأوجدني بعد ضعف، أي: قَوّاني. قوله: (إياك أعني واسْمَعي يا جارَه) قال الميداني: أولُ من قال ذلك سَهْلُ بن مالك الفَزاري، وذلك أنه خرج يريد النعمان فمَرَّ ببعضِ أحياءِ طيّء، فسأل عن سَيّدِ الحيِّ فقيل: حارثة بن لأمٍ، فأمَّ فلم يُصبْهُ، فقالت له أُخته: انزِلْ في الرّحبِ والسَّعة، فنزل فأكرَمته وألطفَته، ثم خرجت من خِبائها. فرآها أجْمَلَ أهل دهرِها وألطَفهمَ وكانت عَقِيلَةَ قومِها وسيدة نسائها، فوقع في نفسه، فجلس يومًا بِفناء الخِباء يُنْشِدُ وهي تسمع: يا أختَ خَيْرِ البَدْوِ والحضارَهْ … كيفَ تَرَيْنَ في فتى فَزَارَهْ
[ ١٢ / ٥٧١ ]
ونحوه قوله عز وعلا: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ الله)] المائدة: ١١٦ [، وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا؛ فيكون تقريعهم أشدّ، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم؛ وهو أنه ألزم، ويكون اقتصاص ذلك لطفًا لمن سمعه، وزاجرًا لمن اقتص عليه. والموالاة: خلاف المعاداة. ومنها: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وهي مفاعلة من الولي، وهو القرب. كما
_________________
(١) أصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطارَهْ … إيَّاكِ أعْنِي واسْمَعي يا جَارَهْ فقالت له مجيبة: إنِّي أقُولُ يا فَتَى فَزَارَهْ … لا أبْتَغي الزَّوْجَ ولا الدَّعارَهْ ولا فِراقَ أَهْلِ هذِي الجَارَهْ … فارْحَلْ إلى أهْلِكَ باسْتِخارَهْ فاسْتَحَى الفتى، وقال: ما أردتُ منكرًا. قالت: صدَقْتَ. فكأنها اسْتَحْيَتْ من تسرُّعِها إلى تُهمَته، فارتحل إلى النعمان، فلما رجع نزلَ على أخيها، فتطلَّعت إليه وكانَ جميلًا. فأرسلت إليه: أنِ اخْطُبني، فخَطبها وتزوّجها، وسارَ بها إلى قومه. يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئًا آخر. قال أبو البقاء: «هؤلاء» مبتدأ، و﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ خبره، و﴿إِيَّاكُمْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يعبدون﴾ وفيه دلالة على جواز تقديم خبر «كان» عليها، لأن معمولَ الخبر بمنزلته. قوله: (اللهمّ والِ مَنْ والاه وعادِ من عاداه)، روينا في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» عن البراءِ بنِ عازبٍ وزيد بن أرقَم أنّ رسول الله ﷺ لما نزَل بغَديرِ خُمٍّ أخَذ بيد عليٍّ ﵁ فقال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، فقال: «اللهم من كُنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمَّ والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه» فلقيه عمر ﵁ فقال:
[ ١٢ / ٥٧٢ ]
أنّ المعاداة من العدواء، وهي البعد. والولي: يقع على الموالي والموالي جميعًا. والمعنى: أنت الذي نواليه من دونهم، إذ لا موالاة بيننا وبينهم. فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم؛ لأنّ من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك. (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ): يريدون الشياطين؛ حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. وقيل: صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. وقيل: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت، فيعبدون بعبادتها. وقرئ: (نحشرهم) و(نقول) بالنون والياء.
[(فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ)] ٤٢ [
الأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا يملك فيه أحد منفعةً ولا مضرّة لأحد؛ لأنّ الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارّون ويتنافعون. والمراد: أنه لا
_________________
(١) هنيئًا يا ابن أبي طالب، أصبَحْتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة. في «المطلع»: الوَليُّ: فَعيلٌ من الولايةِ، بمعنى المَوْلى والموالي جميعًا، الولي القُرْبُ من باب فعل يفعِلُ بكَسرِ العين في الماضي والمستقبل معًا من الشواذِّ، وولي الوالي البلَد، وولي البيعَ وغيره ولاية، فهما من الباب أيضًا. قوله: (من العُدَواء)، والعُدواء: بُعْدُ الدار، ومنها قولُ ذي الرمة: منها على عُدواء الدار تَسْتَقمِ قوله: (وقرئ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ و﴿نَقُولُ﴾ بالنون والياء)، بالنون: حفص، والباقون: بالياء.
[ ١٢ / ٥٧٣ ]
ضارّ ولا نافع يومئذ إلا هو وحده، ثم ذكر معاقبته الظالمين بقوله: (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) معطوفًا على (لا يَمْلِكُ).
[(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ)] ٤٣ [
الإشارة الأولى: إلى رسول الله ﷺ. والثانية: إلى القرآن. والثالثة: إلى الحق. والحق أمر النبوّة كله ودين الإسلام كما هو. وفي قوله: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وفي أن لم يقل: وقالوا، وفي قوله: (لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ)، وما في اللامين، من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وفي "لما" من المبادهة بالكفر -دليل على صدور الكلام عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمرّدون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن يذوقوه: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) فبتوا القضاء على أنه سحر، ثم بتوه على أنه بين ظاهر، كل عاقل تأمّله سمَّاه سحرا.
_________________
(١) ـ قوله: (وما في اللامين من الإشارة)، عطف تفسيري نحو: أعجبني زيدٌ وكرمُه، على قوله: «وفي قوله: وقال الذين كفروا» إلى آخره، يعني: أن اللامين في «الذين كفروا» وفي «الحقِّ» للعهد ومدخولهما أقيما مقام المضمرين، أما أوّلًا فإن قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يوجب الإضمار وأن يقال: قالوا، وأمّا ثانيًا: فإن قوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ يقتضيان أن يقال: لهما، وقد تقرر أن سلوك هذه الطريقة لا يكون إلا للإيذان بأن الأمرَ عظيم والخطبَ جَليل، وإليه الإشارة بقوله: «أولئك الكفرةُ المتمرِّدون بجُرأتهم على الله ومكابرتِهم لمثلِ هذا الحق النيِّر قالوا: إنْ هذا إلا سِحرٌ مُبين»، أما قوله: «قبل أن يذوقوه» فإشارة إلى دلالة لما جاءهم على المبادهة وقوله: «فبَتّوا القضاء» إشارة إلى معنى ما يعطيه «أن» و«إلا» من معنى الحصر، وقوله: «ثم بتوه على أنه بين ظاهر» إشارة إلى معنى ﴿هَذَا﴾ ولفظة ﴿مُّبِينٌ﴾.
[ ١٢ / ٥٧٤ ]
[(وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)] ٤٤ - ٤٥ [
وما آتيناهم كتبًا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك، ولا أرسلنا إليهم نذيرًا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، كما قال ﷿: (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ)] الروم: ٣٥ [. أو وصفهم بأنهم قوم أمّيون أهل جاهلية، لا ملة لهم وليس لهم، عهد بإنزال كتاب ولا بعثة رسول، كما قال: (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ)] الزخرف: ٢١ [فليس لتكذيبهم وجه متشبث، ولا شبهة متعلق، كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتب وشرائع، ومستندون إلى رسل من رسل الله. ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ) تقدّموهم من الأمم والقرون الخالية كما كذبوا، وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار، وقوّة الأجرام، وكثرة الأموال، فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكارى بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم به مستظهرون،
_________________
(١) قوله: (أو وصَفَهم بأنهم قومٌ أمِّيُّون)، عطف على قوله: «﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ فيها برهان» من حيث المعنى. اعلم أن وَصْفَ كُتبٍ بقوله: ﴿يَدْرُسُونَهَ﴾ يمكن أن يكون من قولك: ما عندي كتاب يقرأ، فهو نفي القراءة وحدها وأن عنده كتابًا إلا أنه لا يقرأ، أو نفيهما جميعًا وأن لا كتاب عنده ولا كونه مقروءًا، والوجهان اللذان قَرَّرهما من القبيل الثاني. قوله: (جاءَهم إنكاري بالتدمير)، يعني: قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقتضي هذا المقدر. صَرَّح القاضي به حيث قال: فحينَ كَذّبوا رُسلي جاءهم إنكاري بالتدمير فكيف كان نكيري فليحذر هؤلاء من مثله فتكونُ الفاء في ﴿فَكَيْفَ﴾ فصيحةً لأنها تقتضي هذا المقدَّر، والنكير والإنكارُ وتغييرُ المُنكر، ويجوز أن يُجعَل العذابُ من جنس الإنكار تنزيلا للفعل
[ ١٢ / ٥٧٥ ]
فما بال هؤلاء؟ وقرئ: (يدرّسونها) من التدريس، وهو تكرير الدرس. أو من درّس الكتاب، ودرّس الكتب: و(يدّرسونها)، بتشديد الدال: يفتعلون من الدرس. والمعشار كالمرباع، وهما: العشر والربع. فإن قلت: فما معنى: (فَكَذَّبُوا رُسُلِي) وهو مستغنى عنه بقوله: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)؟ قلت: لما كان معنى قوله: (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه؛ جعل تكذيب الرسل مسببًا
_________________
(١) ـ منزلة القولِ ادّعاءً نَحْوَ قولِه: تَحِيّةُ بينِهم ضَرْبٌ وجيع قوله: (وقرئ: «يُدرِّسونها»، من التدريس) قال ابن جني: وهي قراءة أبي حَيْوَة، وهو أقوى معنًى من ﴿يَدْرُسُونَهَا﴾ لأن افتعل بزيادة التاء أقوى من فعل، كما أن قوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] أقوى من: قادر. قوله: (وأقدموا عليه)، يعني: هو من أسلوبِ قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، فعلى هذا قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ جملة معترضة، لأن المراد منهم المشركون، فقُدم اهتمامًا وإيذانًا بأن إيرادَ هذا الكلام سبَبُه هؤلاء المكذّبون تهديدًا ووعيدًا، ويجوز أن لا تكون معترضةً، بل يكون قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ توطئة وتمهيدًا لقوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾، وينعطف قوله: ﴿فَكَذَّبُوا﴾ على ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ أي: وما بلغ هؤلاء المكذبون مِعْشارَ ما آتينا أولئك المكذبين السابقين من طول الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال، فكيف أقدموا على كفر أعظم وتكذيب أبلغ من أولئك، فكذبوا سيد الرسل لدلالة جميع الرسل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] ويجوز أن يكون من قبيل قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان: ٣٧] وإنما كذبوه وحده لأن الرسالة وصف جامع، فيلزم من تكذيبه تكذيبهم، وهذا الوجه أحسن من الاعتراض وأبلغ وللمقصود أدعى.
[ ١٢ / ٥٧٦ ]
عنه، ونظيره أن يقول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد ﷺ. ويجوز أن ينعطف على قوله: (وما بلغوا)، كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فتفضل عليه. (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ)، أى: للمكذبين الأوّلين، فليحذروا من مثله.
[(قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ)] ٤٦ [
(بِواحِدَةٍ): بخصلة واحدة، وقد فسرها بقوله: (أَنْ تَقُومُوا)، على أنه عطف بيان لها، وأراد بقيامهم: إما القيام عن مجلس رسول الله ﷺ، وتفرّقهم عن مجتمعهم عنده، وإما القيام الذي لا يراد به المثول على القدمين، ولكن الانتصاب في الأمر، والنهوض فيه بالهمة. والمعنى: (إنما أعظكم بواحدة) إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصًا، متفرّقين اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا، (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) في أمر محمد ﷺ وما جاء به. أمّا الاثنان فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى، ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر على جادة الحق وسننه. وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدٍل ونصفة، من غير أن
_________________
(١) قوله: (على أنه عطف بيان لها)، قال أبو البقاء: محلّ ﴿أَن تَقُومُوا﴾ جر؛ بَدلًا من ﴿وَاحِدَةٍ﴾، أو رفع على تقدير: هي أن تقوموا، أو نصب على تقدير: أعني. قلت: هذا التقدير أوفق لاختيار المصنف، وأدعي لاقتضاء المقام، لأن طلب الواحدة مقصودٌ أوّليٌّ في كلام المصنف وأرخى للعِنان. قوله: (وتفرُّقهم عن مُجتمعهم عنده)، قيل: «عنَده» حال من «مجتمعهم»، ولا يجوز أن يعمل فيه، لأنه اسم المكان لا يعمل.
[ ١٢ / ٥٧٧ ]
يكابرها، ويعرض فكره على عقله وذهنه، وما استقرّ عنده من عادات العقلاء، ومجارى أحوالهم. والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول؛ ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب. وأراهم بقوله: (ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) أن هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعًا، لا يتصدّى لا دعاء مثله إلا رجلان: إمّا مجنون لا يبالى باقتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز، بل لا يدرى ما الافتضاح وما رقبة العواقب. وإمّا عاقل راجح العقل، مرشح للنبوّة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدى على العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه، وقد علمتم أنّ محمدا ﷺ ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلًا، وأرزنهم حلمًا، وأثقبهم ذهنًا، وآصلهم رأيًا، وأصدقهم قولًا، وأنزههم نفسًا، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به؛ فكان مظنة لأن تظنوا به الخير، وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب، وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية، فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين. فإن قلت: (ما بِصاحِبِكُمْ) ثم يتعلق؟ قلت: يجوز أن يكون كلامًا مستأنفًا؛ تنبيهًا من الله ﷿
_________________
(١) قوله: (رِقْبَة العواقِب) أي: خوفها، الأساس: رَقَبه وراقبَه: حاذره، لأن الخائف يرقب العقابَ ويَتوقَّعُه. قوله: (بل عَلِمْتمُوه أرجحَ قريشٍ عقلًا، وأرزنَهم حلمًا، وأثْقَبَهم ذهنًا، وآصلَهم رأيًا، وأصدَقَهم قولًا، وأنزهَهم نفسًا، وجمَعهم لما يُحمَدُ عليه الرجالُ ويُمْدَحون به)، هذه المعاني كلها تلوحُ من الأسلوب الاستدراجي والكلام المنصف وتخصيص «صاحبكم» واقترانِه بـ ﴿جِنَّةٍ﴾، لله دَرّه ما أحسنَ بيانَه وما أعذبَ ألفاظَه وما أدقَّ مسالكَه، اللهمَّ أحسِنْ جَزاءه فيما يتعاطاه من هذا القبيل، وتجاوز عن فرَطاتِه من قَبيل التعصّب. قوله: (وآصلهم رأيًا)، هو من قولهم: هو أصيل الرأي، وقد أصَلَ أصالةً. قوله: (كلامًا مستأنفًا)، أي يكون ﴿مِّن جِنَّةٍ﴾ مبتدأ، والخبرُ ﴿بِصَاحِبِكُم﴾، وزِيدَت
[ ١٢ / ٥٧٨ ]
على طريقة النظر في أمر رسول الله ﷺ. ويجوز أن يكون المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة، وقد جوّز بعضهم أن تكون ما استفهامية. (بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) كقوله ﵊: «بعثت في نسم الساعة».
[(قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)] ٤٧ [
(فَهُوَ لَكُمْ): جزاء الشرط الذي هو قوله: (ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ)، تقديره: أىّ شيء سألتكم من أجر فهو لكم، كقوله تعالى: (ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ)] فاطر: ٢ [. وفيه معنيان، أحدهما: نفى مسألة الأجر رأسًا، كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني
_________________
(١) ـ «مِن» الاستغراقية لنَفْيِ ما يقال له جِنَّة، كأنهم لما سمعوا ذلك الكلام الذي يقطر منه معنى الإنصاف والانتصاف بخطب اتجه لهم أن يسألوا: أي شيء هذه الإقامة وهذا الخلوص، وهذا النظر الدقيق واستعمال الفكر؟ فقيل لهم: ذلك لاستعلامِ حالِ صاحبِكم واستكشافِ أمرِه لأنه تصدّى للأمرِ العظيمِ الذي تحتَه مُلْكُ الدنيا والآخرة، وفي إطلاق ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾ مبالغةٌ ليسَتْ في تقييِده. قوله: (بُعِثْتُ في نَسَمِ الساعة)، رَوينا عن الترمذي عن المستورد بِن شَدَّاد قال: قالَ رسولُ الله ﷺ: «بعثت في نَفَسِ الساعةِ فسَبقْتُها كما سبقَتْ هذه لهذه» لأصبَعَيْه السبابةِ والوسطى. النهاية: قيل: هو جَمْعُ نَسَمة، أي: بُعثت في ذَوي أرواحٍ خلَقهم الله قبلَ اقترابِ الساعة، كأنه قال في آخرِ البَشَرِ من بني آدم. الجوهري: نَسَمُ الريحِ: أولُها حين يُقبلُ بلينٍ قبل أن يشتدَّ، ومنه الحديث: «بُعِثتُ في نَسَم الساعة» أي: حينَ ابتدأت وأقبلَتْ أوائلها. قوله: (نَفْيُ مسألة الأجر رأسًا)، قيل: «رأسًا» حال، أي: في حال كون الأمر منفيًا منفردًا
[ ١٢ / ٥٧٩ ]
شيئًا فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئًا، ولكنه يريد به البت؛ لتعليقه الأخذ بما لم يكن. والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله تعالى: (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا)] الفرقان: ٥٧ [، وفي قوله: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)] الشورى: ٢٣ [؛ لأنّ اتخاذ السبيل إلى الله نصيبهم وما فيه نفعهم، وكذلك المودّة في القرابة؛ لأنّ القرابة قد انتظمته وإياهم. (عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): حفيظ مهيمن، يعلم أنى لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء.
[(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)] ٤٨ [
_________________
(١) ـ بحيث لا يشذُّ منه شيء، فلذلك يقال: هو بمعنى مجموعًا، يقال: ما تركتُه أصلًا ورأسًا، أي: بالكُلّية، ويجوز أن يكونَ مصدرًا، أي: نَفْيًا كُلّيًا، كأنه قيل: تَنبَّهوا فاعلموا أني أي شيء أسألكم عليه من الأجر فذلك الشيء حقكم وملككم، وليس لي في ذلك من حق، وأنا مقرٌّ بذلك معترفٌ به فهو أبلغ من لو قيل: ما أسألكم عليه من أجر، وهو المراد من قوله: «يريد به البتَّ والقَطع». قوله: (لتعليقِه الأخْذَ بما لم يكُنْ)، يعني: عَلَّق الجزاءَ وهو الأخذُ بما لم يكُن وهو الإعطاءُ، وهو أبلغُ من مجردِ قولك: ما أعطيتَني شيئًا، لأنه تقريرٌ للخصمِ وإقرارٌ منه بأنّه ما أعطاك شيئًا، لأن له أن يقول: كيفَ آخُذُ ما لم أعْطِك، فَينبغي الإعطاء بانتفاءِ الأخذ على البت. قوله: (والثاني: أن يريد بالأجر ما أراد في قوله: ﴿قُل لَّا أَسْئَلُكُمْ﴾)، يعني: إن كان أجري هدايَتكم وسلوكَ طريقِ الحقِّ فأنا أطلبُ منكم ذلك، وقد علِمْتُم أنّ نَفْعَ ذلك لا يعود إلاّ إليكم، وكذلك معنى الآية: الذي أسألكم من أجر هو إيمانُكم وهدايتُكم وقد عرفتُم أن نفع ذلك ليس إليّ، يدل عليه قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ فـ «ما» في قوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُم﴾ على الأول: شرطية، وعلى هذا: موصولة. قوله: (لأن القرابةَ قد انتظمته وإياهم)، يعني: أجري أن تَصِلوا الرحِمَ، وهذا المعنى غير مختص به، لأنه وإياهم سواء في هذا الحكم، لأن أقاربه أقاربهم ويرجعُ نفع ذلك إليهم.
[ ١٢ / ٥٨٠ ]
القذف والرمي: تزجية السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعاران من حقيقتهما لمعنى الإلقاء، ومنه قوله تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)] الأحزاب: ٢٦ [، (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)] طه: ٣٩ [. ومعنى (يَقْذِفُ بِالْحَقِّ): يلقيه وينزله إلى أنبيائه. أو: يرمى به الباطل فيدمغه ويزهقه. (عَلَّامُ الْغُيُوبِ): رفع محمول على محل "إن" واسمها، أو على
_________________
(١) ـ قوله: (تزجيةُ السَّهم ونحوِه)، قيل: التزجيةُ: دَفْعُ الشيءِ برفقٍ وهي غير مناسب للمقام؛ لأن فيه دفعَ الشيء بعنف. وفي «مجمل اللغة»: التزجية: دَفعُ الشيء كما تُزْجي البقرة ولدَها وتسوقه، والريحُ تُزجي السحابَ تسوقُه سَوْقًا رَفيقا. وكذا في «الصِّحاح» و«الأساس»، ولعلّ المصنِّف جعل التزجيةَ عامًّا ثم قيده بدفعٍ واعتماد. قوله: (ويُستعارانِ من حقيقتِهما لمعنى الإلقاء)، ونحوُه في المجاز: استعمالُ المَرْسن -وهو موضوعٌ للأنفِ فيه رَسَن- في مُطلقِ الأنف. قوله: (أو يَرْمي به الباطل فيدمَغُه ويُزهِقُه)، فعلى هذا: هو من الاستعارة المصرِّحةِ التحقيقية كما قال صاحب «المفتاح»: أصلُ استعمالِ القَذْف والدمغِ في الأجسامِ، ثم استعير القذفُ لإيرادِ الحقِّ على الباطل، والدامغُ لإذهابِ الباطلِ، فالمستعارُ منه حسيٌّ، والمستعارُ له عَقْلي، وقولُه: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ كما قَرّر تذييلٌ، لأنّ الآية الثانية مقررة للأولى، وعلى الأول تكميل، لأن الأولى إثباتٌ للحقِّ والثانية إزالةٌ للباطل، ويجوز أن يكون من باب الطرد والعكس. قولُه: (محمولٌ على محلٍّ «إنَّ» واسمِها)، قال مكي: مَنْ رفعَ جعلَه نعتًا لـ «ربّ» على الموضع، أو على البدل منه، أو على البدل من المضمر في ﴿يَقْذِفُ﴾، ونصَبه عيسى بن عُمر نعتًا لـ «ربٍّ» على اللفظ أو على البدلِ. ويجوزُ الرفعُ على أنه خبرٌ بعد خبرٍ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.
[ ١٢ / ٥٨١ ]
المستكن في (يقذف)، أو هو خبر مبتدأ محذوف. وقرئ: بالنصب صفة لـ (ربي)، أو على المدح. وقرئ: (الغيوب) بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت. والغيوب كالصيود، وهو الأمر الذي غاب وخفى جدا.
[(قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ)] ٤٩ [
والحىّ إمّا أن يبدئ فعلًا أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم: "لا يبدئ ولا يعيد" مثلًا في الهلاك. ومنه
_________________
(١) ـ وعن بعضِهم: لا يقالُ: لا يجوزُ البدليةُ لأنه يُفسدُ التركيبَ إذا حُذِفَ المُبدَلُ منه، لأن البدليةَ لا تستلزمُ جوازَ حَذْفِ البدل مطلقًا كما ذكر في «المفصّل». قوله: (وقُرئ: ﴿اَلْغُيُوبِ﴾ بالحركات الثلاث)، أبو بكرٍ وحمزة: بكسر الغَيْن حيثُ وقعَ، والباقونَ: بضَمِّها. قال الزجاج: الأجودُ الضمُّ. قيل: «الغِيوبُ» بالكسر والضمِّ: جمع غَيْبٍ، كالبيوتِ جَمْعُ بَيْت، وبالفَتْح: مُفردٌ كالضُّروب للمبالغة. قوله: (كالصّيود)، الجوهري: كَلْبٌ صَيود، وكلابٌ صِيدٌ وصُيُدٌ أيضًا. قولُه: «(لا يبدئُ ولا يُعيد» مثلًا في الهلاك)، قال بعضُهم: أي: هلَكَ، كما تقولُ: لا يأكلُ ولا يشربُ، أي: مات. وقال الواحدي: ما يُبدئ الباطلُ وما يُعيد، أي: ذهبَ الباطل ذهابًا لم يَبْقَ منه إقبالٌ ولا إدبار ولا إعادة. يريدُ أنّ هذا الكلامَ عن معنى الهلاكِ كنايةٌ عنه من غير نظرٍ إلى مفرداتِه، وإليه الإشارةُ بقوله: «وجاءَ الحقّ وهَلك الباطل».
[ ١٢ / ٥٨٢ ]
قول عبيد:
أقفر من أهله عبيد … فاليوم لا يبدي ولا يعيد
والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ)] الإسراء: ٨١ [وعن ابن مسعود ﵁: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاث مئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود نبعة ويقول: " (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا)] الإسراء: ٨١ [، (جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ) ". والحق: القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: السيف. وقيل: الباطل: إبليس، أى: ما ينشأ خلقًا ولا يعيده، المنشئ والباعث: هو الله تعالى. وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيرًا ولا
_________________
(١) قوله: (قولُ عَبيد)، وهو عَبيدُ بن الأبرصِ. أقْفَر: أي: خَلا من أهله وهلَك. وذلك أنّ المنذرَ بنَ ماءِ السماء كان مَلِكًا. وكان له يومٌ في السنة يذبَحُ فيه أوّلُ مَنْ يلقي، فاتّفق اليومَ إشرافُ عَبيدٍ فأمَر بقَتْله، فقيل له: امدَحْه، فقال: حالَ الجريضُ دونَ القَريض، فقال الملِك: أنشِدْنا قولك: أقفَر مِن أهله مَلْحوبُ … فالقُطَّبيّاتُ فالذنوب فقال: أقفَرَ من أهله عَبيد … فاليومَ لا يُبدي ولا يُعيد الجريضُ: الغُصَّةُ من الجَرْضِ وهو الريقُ يُغَصَّ به على هَمٍّ وحُزن، والقريضُ: الشِّعرُ، ومَلْحوبٌ: موضع، وكذلك القُطَّبيّاتُ والذَّنوب. قوله: (وعن ابن مسعودٍ)، الحديث رواه البخاريُّ ومُسلمٌ والترمذي، وليس في آخره هذه الآية. قوله: (أي ما ينشئ خلقا ولا يعيده)، الفاعلُ إبليسُ وما نافيةٌ والكلامُ مُجرًى على
[ ١٢ / ٥٨٣ ]
يعيده، أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: أىّ شيء ينشئ إبليس ويعيده، فجعله للاستفهام. وقيل للشيطان: الباطل؛ لأنه صاحب الباطل، أو لأنه هالك، كما قيل له: الشيطان، من شاط إذا هلك.
[(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)] ٥٠ [
قرئ: (ضللت) (أضلّ) بفتح العين مع كسرها. و"ضللت" "أضلّ"، بكسرها مع فتحها، وهما لغتان، نحو: ظللت أظلّ، وظللت أظلّ. وقرئ: (اضلّ) بكسر الهمزة مع فتح العين. فإن قلت: أين التقابل بين قوله: (فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي) وقوله: (فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)؟ وإنما كان يستقيم أن يقال: فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما
_________________
(١) التصريحِ لا الكناية كما في الوجهِ السابق وقال الزجاج: «ما» في موضعِ نصبٍ على معنى: وأيُّ شيء يُبدئُ الباطلُ وأيُّ شيءٍ يُعيد، والأجودُ أن يكونَ نَفْيًا على معنى: ما يُبدئُ الباطلُ وما يُعيد، والباطل إبليسُ؛ أي لا يبعَثُ الخَلْقَ ولا يخلُق، والله عزَّ الخالقُ الباعث. وقلت: الوجه هذا هو الأول لأنه تعالى لما قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي شأنه ﷿ أن يرمي بالحق الباطلَ فيُزْهِقَه قال صلوات الله عليه: «ثم ماذا أقول؟» قال: قل جاءَ الحقّ أي: الإسلامُ أو القرآن فزَهقَ الباطلُ والشيطان. قوله: (وقرئ: ﴿ضَلَلْتُ﴾ ﴿أَضِلُّ﴾ بفَتْح العين مع كسرها)، وهي المشهورة، و«ضَلِلْتُ» و«أضَلُّ» شاذّتان. في «المطْلع»: «ضَلَلْتُ» بفَتحِ اللام «أضِلُّ» بكسرِ الضادِ، و«ضَلِلْتُ» بكَسرِ اللام «أضل» بفَتْحِ الضاد، من باب: ضرب، وعلى نحو: ظَلِلْتُ أظَلَّ، وظَلَلْتُ أظَلّ، وإضَلّ: بكَسْر الهمزة مع فتحِ الضادِ، على لغةِ من يقول: إعلم.
[ ١٢ / ٥٨٤ ]
أهتدى لها، كقوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها)] فصلت: ٤٦ [، (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها)] الزمر: ٤١ [، أو يقال: فإنما أضل بنفسي؟ قلت: هما متقابلان من جهة المعنى؛ لأنّ النفس كل ما عليها فهو بها، أعنى: أن كل ما هو وبال عليها، وضار لها فهو بها وبسببها: لأن الأمّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عامّ لكل مكلف، وإنما أمر رسوله ﷺ
_________________
(١) ـ قوله: (أو يقال: فإنما أضل بنفسي)، يريد: أن التقابل الحقيقي هو أن يقابل «على» باللام كقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أو يُطابقَ بين البابَيْن ليكونَ المعنى: إن ضلَلْتُ فإنّما أضلُّ بسَببِ نفسي، فإن اهتَديتُ فإنّما أهتَدي بتَسديدِ الله بسَببِ وَحْيٍ يُنَزِّلُه عليّ. وتلخيصُ الجوابِ: أن المقصودَ أن يكون الكلام جامعًا لهذين المعنيين مع سلوكِ طريق الاختصار. والمعنى: أن ما على النفس من الوبال هو بسببها، وأنَّ مالها من النفع هو بسبب الله، فدل لفظ «على» في القرينة الأولى على معنى اللام في الثانية، والباءُ في القرينة الثانية على معنى السببية في الأولى، فإذن التقدير: قل إن ضللت فإنما أضل بسبب نفسي، وإن اهتديت فإنما أهتدي لنفسي بعون الله وبتوفيقه، فقوله: «لأنّ النفسَ كلُّ ما عليها فهو بها» تعليل لصحة تقدير الباء في القرينة الأولى، وقوله: «وما لها مما ينفعها فبهداية ربها» تعليل لاستقامة تقدير «لها» في الثانية، انظر إلى هذا النظر الدقيق. قوله: (وهذا حكم عام لكل مكلف)، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأنه إذا دخل تحته كان غيره أولى. وقال الإمام: فيه إشارةٌ إلى أنّ ضلالَ نفسي كضلالِكم لأنه صادرٌ من نفسي ووبالُه على نفسي، وأما اهتدائي فليس كاهتدائِكم بالنظرِ والاستدلالِ، وإنما هو بالوَحْيِ المنير. وقلت: هذا البيانُ يدلُّ على أنّ دَليل النقلِ أعلى وأفخَمُ من دليلِ العقل. وقال مُحيي
[ ١٢ / ٥٨٥ ]
أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله، وسداد طريقته كان غيره أولى به. (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) يدرك قول كل ضالّ ومهتد وفعله، لا يخفى عليه منهما شيء.
[(وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ)] ٥١ [
(وَلَوْ تَرى): جوابه محذوف، يعنى: لرأيت أمرًا عظيمًا وحالًا هائلة. و«لو» و«إذ» والأفعال التي هي (فزعوا) و(أخذوا) و"حيل بينهم"؛ كلها للمضى. والمراد بها الاستقبال؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه. ووقت الفزع: وقت البعث وقيام الساعة. وقيل: وقت الموت. وقيل: يوم بدر. وعن ابن عباس ﵄: نزلت في خسف البيداء، وذلك أنّ ثمانين ألفًا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم. (فَلا فَوْتَ): فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.
_________________
(١) السنة: إن كفارَ قريش كانوا يقولون: إنك قد ضَللْتَ حين تركْتَ دينَ آبائك، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي: إثْمُ ضَلالتي على نَفْسي، وإن اهتديت فبما يُوحى إلي من ربي من القرآن والحكمة. قوله: (نزلت في خَسْفِ البَيْداء)، روينا في «مسند أحمد بن حنبل» عن أم المؤمنين حفصة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «يأتي جيشٌ مِنْ قِبَلِ المشرقِ يريدونَ مكّة حتّى إذا كانوا بالبيداءِ خُسِفَ بهم» فقلت: يا رسولَ الله، فكيف بمَنْ كان منهم مُسْتكرهًا؟ قال: «يُصيبهم كلّهم ذلك ثم يَبْعَث الله ﷿ كل امرئ على نيته». قيل: كان ذلك في أيام ابن الزبير. والبيداءُ: بَيْداءُ أهل المدينةِ، ونحوًا منه رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وليس فيه ذكر أيام ابن الزبير.
[ ١٢ / ٥٨٦ ]
وقرئ: (فلا فوت). والأخذ من مكان قريب: من الموقف إلى النار إذا بعثوا، أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأُخِذُوا)؟ قلت: فيه وجهان: العطف على (فزعوا)، أى: فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم. أو على "لا فوت"، على معنى: إذا فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا. وقرئ: (وأخذ)، وهو معطوف على محل (لا فوت)، ومعناه: فلا فوت هناك، وهناك أخْذٌ.
_________________
(١) قوله: (والأخذُ من كان قريب)، قيل: هذا مبتدأٌ، والخبرُ: «من الموقفِ»، أي: الأخذُ من مكانٍ قريب هو الأخذُ من الموقف منتهيًا بهم إلى النار. قوله: (العطفُ على ﴿فَزِعُوا﴾)، أي: فَزعوا وأُخذوا فلا فَوْتَ لهم، أي: الفاءُ فيه معنى السببية، أي: حصَلَ فَزَعُهم وأخْذُنا إياهم فإذن فلا فَوْتَ لهم. لعلَّ هذا إشارةٌ إلى قول ابن جني أنه قال: ينبغي أن يكونَ ﴿وَأُخِذُوا﴾ في قراءةِ العامةِ معطوفًا على ما دلَّ عليه قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ أي: أُحيطَ بهم ووأُخِذوا، ولا يصحُّ أن يكونَ معطوفًا على ﴿فَزِعُوا﴾ لأنّه لا يُرادُ: ولو تَرى وَقْتَ فَزَعِهم وأخْذِهم، وإنما المرادُ: ولو تَرى إذ فَزعوا، فلم يفوتوا وأُخِذوا، فعَطفَ على ما فيه الفاءُ السببيةُ فيكونُ حُكْمُه حكْمَه. قوله: (وقُرئ: «وأخْذٌ» وهو معطوفٌ على محلِّ «لا فوت»)، قال الزجاج: ويجوزُ: «فلا فَوْتٌ»، ولا أعلم أحدًا قرأ بها، فإن لم تَثْبُتْ بها روايةٌ فلا تقرأَنَّ بها. قال ابن جني: «وأخْذٌ» قراءةُ طَلْحة بن مُصَرِّف، وفيه وَجْهان: أحدُهما: أنه مرفوعٌ بفعْلٍ مُضْمَرٍ يدلُّ عليه: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ أي: وأحاطَ بهم أخْذٌ من مكان قريب، وذكَر القُرْبَ لأنه ألزمُ، وثانيهما: أنهُ مُبتدأٌ وخَبرُه محذُوف، أي: هُناك أخْذٌ وإحاطةٌ بهم.
[ ١٢ / ٥٨٧ ]
[(وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ)] ٥٢ - ٥٤ [
(آمَنَّا بِهِ) بمحمد ﷺ؛ لمرور ذكره في قوله: (ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ)] سبأ: ٤٦ [. والتناوش والتناول أخوان؛ إلا أنّ التناوش تناول سهل لشيء قريب، يقال: ناشه ينوشه، وتناوشه القوم. ويقال: تناوشوا في الحرب، ناش بعضهم بعضا. وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا. مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة، كما يتناوله الآخر من قيس ذراع تناولًا سهلًا لا تعب فيه
_________________
(١) قوله: (﴿آمَنَّا بِهِ،﴾ بمحمدٍ صلوات الله عليه، لمرورِ ذكْرِه في قولهِ: ﴿مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ﴾)، إشارةٌ إلى بيانِ النظم، وذلك أن كُلاًّ من الآياتِ المُصدَّرة بـ «قل» من قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم﴾ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ﴾ ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ﴾ فيه تذكير بليغ ووعظٌ شافٍ كافٍ، فلما ختمت بقوله: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ - وفيه إيماءٌ إلى معنى المشاركةِ وأنَّ تلك النصيحةَ ما نفعَتْ فيهم- قيل له مسليًا والتفتَ إلى كُلِّ مَنْ يتأتّى منه النَّظَرُ مخاطبًا بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ لعِظم الأمرِ وفخامةِ الشأن، أي: ولو ترى أيها الناظرُ وَقْتَ فَزَعِهم وأخْذِهم فلا فَوْتَ لهم، ووقْتَ قولهم: آمنّا بمحمد، ﷺ فلا ينفعهُم إيمانُهم حينئذٍ، لرأيْتَ خطبًا جليلًا وأمرًا هائلًا. قوله: (مِن غَلْوة)، وهي مِقدارُ رمية. المغرب: مِن مُستعارِ المجاز: الغَلْوةُ مقدارُ رمية. وعن الليثِ: الفَرْسَخُ التامٌّ: خمسٌ وعشرونَ غلْوةً، يقال: غَلا بسَهْمه غَلْوًا، أو غالي به غلاءً: إذا رمى به أبعدَ ما قَدَر عليه.
[ ١٢ / ٥٨٨ ]
وقرئ: (التناؤش): همزت الواو المضمومة كما همزت في أجؤه وأدؤر. وعن أبى عمرو: التناؤش بالهمز: التناول من بعد، من قولهم: نأشت: إذا أبطأت وتأخرت. ومنه البيت:
تمنّى نئيشا أن يكون أطاعنى
أى: أخيرا. (وَيَقْذِفُونَ) معطوف على "قد كفروا"، على حكاية الحال الماضية، يعنى: وكانوا يتكلمون (بِالْغَيْبِ) ويأتون به (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ). وهو قولهم في رسول الله ﷺ: شاعر ساحر كذاب. وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي؛ لأنهم لم يشاهدوا منه سحرًا ولا شعرًا ولا كذبًا، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله؛ لأن أبعد شيء مما جاء به الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت الكذب والزور. وقرئ: (ويقذفون بالغيب)، على البناء للمفعول، أى: يأتيهم به شياطينهم ويلقنونهم إياه. وإن شئت فعلقه بقوله: (وَقالُوا آمَنَّا بِهِ) على أنه مثلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم: آمنا في
_________________
(١) قوله: (وقُرئَ: «التناؤش»)، الحَرَمِيان وابنُ عامرٍ وحَفْص: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بضَمِّ الواوِ، والباقونَ: بهَمْزِها. قوله: (تمني نئيشًا أن يكونَ أطاعني)، تمامُه في «المُطلع»: وقد حدثَتْ بعد الأمورِ أمورُ يقول: إنَّ صاحبي تمنّي آخرَ الأمرِ أن يكونَ أطاعَني فيما نصحْتُه مِنْ قَبْلُ، والحالُ أنْ قد حدثَتْ أمورٌ بعد أمورٍ دلّتْ على رَشادي وصِدْقِ رأيي. قوله: (وإن شِئْتَ)، عَطْفٌ على قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ معطوفٌ على (قد كفروا») أي: يكونُ حالًا من ضمير «قالوا»، أي: قالوا: آمنًا به، والحالُ أنَّهم يُرْمون مِن مكانٍ بعيد،
[ ١٢ / ٥٨٩ ]
الآخرة، وذاك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئًا من مكاٍن بعيٍد لا مجال للظن في لحوقه؛ حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائبًا عنه شاحطًا. والغيب: الشيء الغائب. ويجوز أن يكون الضمير للعذاب الشديد في قوله: (بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) وكانوا يقولون: (وما نحن بمعذبين)] سبأ: ٣٥ [، إن كان الامر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب، ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا، قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا؛ فهذا كان قذفهم بالغيب، وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة؛ لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف.
(ما يَشْتَهُونَ) من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة، أو من الردّ إلى الدنيا، كما حكى عنهم: (فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا)] السجدة: ١٢ [.
(بِأَشْياعِهِمْ): بأشباههم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم. (مُرِيبٍ): إما من أرابه، إذا أوقعه في الريبة والتهمة. أو من أراب الرجل، إذا صار ذا ريبةٍ ودخل فيها، وكلاهما مجاز؛ إلا أنّ بينهما فريقًا وهو أنّ المريب من الأول منقول ممن يصح أن يكون مريبًا من الأعيان إلى المعنى، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول: شعر شاعر.
_________________
(١) ويرومون ما حصولُه أبعد، وإليه الإشارة بقوله: «مثَّلَهُم في طلبِهم» إلى قوله: «بمَن يقذِفُ شيئًا مِن مكان بعيدٍ» وهو اتسعارةٌ تمثيلية. قوله: (ويجوزُ أن يكونَ الضمير)، عَطْفٌ على قوله: «آمنّا بمحمد ﷺ»، يعني الضميرُ إما راجعٌ إلى عذابٍ شديدٍ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أو إلى صاحبكم. قولهُ: (مُريبًا)، وذلك أنّ المُريبَ صِفةٌ للعاقلِ، لا يصحُّ وصْفُ الشكِّ به، فإمّا أن يُجْعلَ الشكّ كالإنسانِ على الاستعارةِ المكنية، ثم يُنْسَبَ إليه ما هو من خَواصِّ الإنسان
[ ١٢ / ٥٩٠ ]
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبىّ إلا كان له يوم القيامة رفيقًا ومصافحًا».
_________________
(١) بلازمه وهو الرَّيْبُ على سبيلِ الاستعارةِ التخييليةِ، وإليه الإشارةُ بقَوله: «إنّ المريبَ منقولٌ من الأعيانِ إلى المعنى» أو أن يُسْتعارَ الإسنادُ من صاحبِ الشكِّ ليكونَ من الإسنادِ المجازيِّ. تمتِ السورةُ بحَمْدِ الله وغُفرانه.
[ ١٢ / ٥٩١ ]