مكية، وهي ست وثمانون، وقيل: ثمان وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ ١ - ٢]
(صاد) على الوقف، وهي أكثر القراءة، وقرئ بالكسر والفتح؛ لالتقاء الساكنين، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: الله لأفعلن، بالنصب، أو بإضمار حرف القسم، والفتح في موضع الجر، كقولهم: الله لأفعلن،
_________________
(١) ـ سورة ص مكية، وهي ست وثمانون آية، وقيل: ثمان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وقرئ بالكسر والفتح)، قال الإمام: قرأ الحسن: بكسر الدال لالتقاء الساكنين، وعيسى بن عمر: بنصبها وبحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم: "الله لأفعلن"، وأكثر القراء على الةقف؛ لأن الأسماء العارية عن العوامل تذكر موقوفة الأواخر. قوله: (أو بإضمار حرف القسم)، عطف على قوله: "بحذف حرف القسم"، والفرق
[ ١٣ / ٢٢٦ ]
بالجر، وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث؛ لأنها بمعنى السورة، وقد صرفها من قرأ: (صاد) بالجر والتنوين على تأويل الكتاب والتنزيل. وقيل فيمن كسر: هو من المصاداة؛ وهي المعارضة والمعادلة، ومنها الصدى؛ وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه: عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه. فإن قلت: قوله: ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي
_________________
(١) ـ بين الحذف والإضمار: أن المحذوف متروك أصلًا فلا يكون فيما يقوم مقامه أثر منه، والمضمر بخلافه. روي عن المصنف: "أقسمت" يعمل في اسم "الله" بواسطة الباء إذا كسرت، وإذا فتحت فقد حذفت وصار " أقسمت" عاملًا في الاسم من غير واسطة. فإن قلت: هذا يخالف ما سبق في "البقرة" أن انتصابها بفعل مضمر نحو: "اذكر"، لا أنه مقسم بها، وانتصب قولهم: "الله لأفعلن" على حذف حرف الجر، إلى آخر السؤال، ويمكن أن يقال: إن المصنف قفا ها هنا أثر الزجاج، فإنه قال: وقيل: إنها قسم، و﴿والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ عطف عليها، المعنى: أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر. تم كلامه. ولأنه لم يمنع الجواز هناك ولكن ذكر ما لزم منه الاستكراه، بل ذكر ما يدل على أن هذا أيضًا وجه حيث قال: والأوجه أن يقال: ذاك نصب. قوله: (وقيل فيمن كسر: هو من المصاداة)، قال ابن جني: المأثور عن الحسن: بكسر الدال من المصاداة، أي: عارض عملك بالقرآن. قال أبو علي: هو فاعل من الصدى، وليس فيه أكثر من جعل "الواو" بمعنى الباء في غير القسم. وقال الزجاج: المعنى: صاد القرآن بعملك، من قولك: صادى يصادي؛ إذا قابل وعادل، يقال: صاديته؛ بمعنى: قابلته.
[ ١٣ / ٢٢٧ ]
عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ كلام ظاهره متنافر غير منتظم، فما وجه انتظامه؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز، كما مر في أول الكتاب، ثم أتبعه القسم محذوف الجواب؛ لدلالة التحدي عليه، كأنه قال: ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون ﴿ص﴾ خبر مبتدأ محذوف، على أنها اسم للسورة، كأنه قال: هذه صاد، يعني: هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور بالسخاء والله؛ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمت بـ ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إنه لمعجز، ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق، و﴿شِقَاقٍ﴾ لله ورسوله، وإذا جعلتها مقسمًا بها
_________________
(١) ـ قوله: (ظاهره متنافر غير متنظم)، يعني: لم يذكر المقسم عليه ملم يبين المضرب عنه. وفي كلامه سوء أدب، ولذلك قال الإمام: وفيه إشكالان: أحدهما: أن هنا مقسما به وليس له مقسم عليه، وثانيهما: ﴿بَلِ يقتضي رفع حكم ثبت وإثبات ما يناقضه، فأين ذلك هنا؟ قوله: (وكذلك إذا أقسم بها)، أي: كذلك يكون"صاد" اسما للسورة. وحاصل الجواب: أن"صاد" إذا كان تعدادًا للحروف: إما للإيقاظ وقرع العصا، أو تقدمة لدلائل الإعجاز كان ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ إنشاء قسم والجواب محذوف. وإذا كان اسمًا للسورة: إما أن يكون خبر مبتدأ محذوف أو مقسم بها، و﴿بَلِ﴾ اسمًا للحروف أو خبر مبتدأ محذوف، وكان ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ اسمًا للسورة لما يلزم من جعلها اسمًا للسورة وجعل القرآن اسمًا لها عطف الشيء على نفسه فنذهب إما: إلى عطف العام على الخاص أو: إلى الأسلوب التجريدي، والواو متعينة للعطف؛ لئلا يجتمع قسمان على مقسم به واحد كما سبق. قوله: (ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾ واستكبار عن الإذعان)، عن بعضهم: هو كما يقال: فلان عفيف جواد، بل قومه استخفوا به.
[ ١٣ / ٢٢٨ ]
وعطفت عليها ﴿والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾؛ جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها، ومعناه: أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ذي الذكر، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل. والذكر: الشرف والشهرة، من قولك: فلان مذكور، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]؛ أو الذكرى والموعظة، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع وغيرها، كأقاصيص
_________________
(١) ـ الراغب: فائدة ﴿بَلِ﴾ ها هنا تصحيح ما قبله وإبطال ما بعده. فإنه دل بقوله: ﴿والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أن القرآن مقر للتذكير وأن امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعًا للذكر بل لتعززهم ومشاقتهم. قوله: (ولا تريد بالنسمة غير الرجل)، فيكون من عطف الشيء على نفسه لكن هو من باب التجريد؛ جرد من الرجل آخر مثله متصف بصفة البركة، وعطفه عليه كأنه غيره وهو هو، قال في قوله تعال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: ٤٨]، أي آتيناهما الفرقان وهو التوراة وأتينا به ضياء وذكرًا حيث أتى بالباء التجريدية في التفسير نحو: رأيت بك أسدًا. قوله (أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين)، الراغب: الذكر تارة يقال ويراد به: هيئة للنفس بها يتمكن الإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإجرازه، والذكر اعتبارًا باستحضاره. وتارة يقال لحضور الشيء: القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكر بالقلب وذكر باللسان، وكل منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان؛ بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له ذكر. فمن الذكر باللسان قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقوله: ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، فقد قيل: الذكر هاهنا وصف للنبي ﷺ كما أن "كلمة" وصف لعيسى ﵇ من حيث إنه ﷺ بشر به في الكتب المتقدمة فيكون قوله: "رسولًا" بدلًا منه.
[ ١٣ / ٢٢٩ ]
الأنبياء والوعد والوعيد. والتنكير في ﴿عِزَّةٍ وشِقَاقٍ﴾؛ للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرئ: (في غرة) أي: في غفلة عما يجب عليهم من النظر وأتباع الحق.
[﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا ولاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ ٣]
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾: وعيد لذوي العزة والشقاق، ﴿فَنَادَوْا﴾: فدعوا واستغاثوا، عن الحسن: (فنادوا بالتوبة). و"لات": هي"لا" المشبهة بـ"ليس"، زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على"رب"، و"ثم" للتوكيد، وتغير بذلك حكمها؛ حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا أحد مقتضييها: إما الاسم وإما الخبر، وامتنع بروزهما
_________________
(١) ـ ومن الذكر عن النسيان: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، ومن الذكر بالقلب واللسان معا: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، و﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قوله: (و"لات": هي لا المشبهة بـ"ليس")، قيل: مذهب البصريين أن "لات" بمعنى: "ليس" والكوفيين أنها لنفي الجنس، وهذا أولى لكثرتها في الاستعمال، وبمعنى: "ليس" إنما يكون في الشعر، فوجب أن يكون يحمل ما في القرآن على الشائع لا على القليل. وحجة البصريين أن تاء التأنيث من خواص الفعل فوجب أن تكن المشبهة بالفعل، وإلحاق التاء في التي لنفي الجنس بعيد. قوله: (لم تدخل إلا على الأحيان)، قيل: إنما اختصت بها لما في دخولها على غيرها من إلباس؛ لأن "لا" ليست لنفي الحال صريحًا فيختص دخولها على الأحيان، بخلاف "ليس" لأنها أينما وقعت؛ وقعت لنفي الحال فلا يختص بالأحيان. قوله: (إلا أحد مقتضييها: إما الاسم وإما الخبر)، على حسب اختلاف القراءتين في ﴿حِينَ﴾: النصب والرفع، فمن نصب فتقديره: "ولات الحين حين مناص"، ومن رفع فتقديره: "ولات حين مناص حاصلًا لهم".
[ ١٣ / ٢٣٠ ]
جيمعًا، وهذا مذهب الخليل وسيبوية. وعند الأخفش: أنها "لا" النافية للجنس، زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان. و﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ منصوب بها، كأنك قلت: ولا حين مناص لهم. وعنه: أن ما ينتصب بعده بفعل مضمر، أي: ولا أرى حين مناص ويرتفع بالابتداء، أي: ولا حين مناص كائن لهم، وعندهما أن النصب على: ولات الحين حين مناص، أي: وليس الحين حين مناص؛ والرفع على: ولات حين مناص؛ حاصلًا لهم. وقرئ: (حين مناص) بالكسر، ومثله قول أبي زبيد الطائي:
طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن لات حين بقاء
فإن قلت: ما وجه الكسر في "أوان"؟ قلت: شبه بـ"إذ" في قوله:
وأنت إذ صحيح
_________________
(١) ـ قوله: (وعندهما)، أي: عند الخليل وسيبويه. قال الزجاج: أما من نصب فعلى أنها عملت عمل"ليس". المعنى: وليس الوقت حين مناص. ومن رفع بها جعل ﴿حِينَ﴾ اسم "ليس" وأضمر الخبر، على معنى: ليس حين منجى لنا، ومن خفض جعلها مبنية مكسورة لالتقاء الساكنين، والمعنى: ليس حين مناصنا، فلما قال: "ولات أوان" جعله على معنى: "ليس أواننا"، فلما حذف المضاف إليه بنى على الوقف ثم كسر لالتقاء الساكنين، والكسر شبيه بالخطأ عند البصريين. قوله: (أن لات حين بقاء) أي: "إبقاء"، وضع "البقاء" موضع "الإبقاء"، كالعطاء يوضع موضع الإعطاء. قوله: (شبه بـ"إذ" في قوله: وأنت إذ صحيح)، أوله في "المطلع": نهيتك عن طلابك أم عمرو بعاقبة قبله:
[ ١٣ / ٢٣١ ]
في أنه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين؛ لأن الأصل: ولات أوان صلح. فإن قلت: فما تقول في ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من مناص- لأن أصله: حين مناصهم- منزلة قطعه من حين؛ لاتخاذ المضاف والمضاف إليه، وجعل تنوينه عوضًا من الضمير المحذوف، ثم بني الحين لكونه مضافًا إلى غير متمكن. وقرئ: (ولات) بكسر التاء على البناء، كجير. فإن قلت: كيف يوقف عليها بالتاء، كما تقف على الفعل الذي تتصل
_________________
(١) ـ جمالك أيها القلب الجريح ستلقى من تحب فتستريح أي: نهيتك عن طلابك إياها بذكر سوء عاقبة الهوى وأنت إذ ذاك، أي: زمان النهي، صحيح القلب فلم تقبل نصحي، ولم تنته بنهي، فلا حيلة بعده، فحذف ذلك ووضع التنوين موضعه، فكسر المفتوح تشبيها بـ"إذ"؛ لأنه زمان مثله فحذف منه المضاف إليه. قوله: (لكونه مضافًا إلى غير متمكن) قيل: الضمير في"لكونه" راجع إلى "المناص"، لا إلى ﴿حِينَ﴾ ضرورة كون المناص في "مناصهم" مضافًا إلى الضمير وهو غير متمكن، ولك أن تجعل الضمير للحين؛ لأن قطع المضاف إليه كقطع المضاف، وإضافته إلى المبني كإضافته. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن الإضافة إلى المضمر لا توجب بناءه كغلامك، وأما "إذ" فبناؤه لإضافته إلى الجملة فيستبقى بناؤه بعد حذفها. قوله: (كجير) معناه: حقًا، كذا جاءت في كلامهم مكسورًا. قوله: (يوقف عليها بالتاء) قال أبو علي في "الإغفال": ينبغي أن يكون الوقف بالتاء؛ لأنه لا خلاف في أن الوقف على الفعل بالتاء، والحرف أشبه بالفعل منه بالاسم من حيث إن الفعل كان ثانيًا والاسم أولًا، فالحرف أشبه منه بالأول، وأيضًا إذا كانت هذه
[ ١٣ / ٢٣٢ ]
به تاء التأنيث. وأما الكسائي فيقف عليها بالهاء، كما يقف على الأسماء المؤنثة. وأما قول أبي عبيد: إن التاء داخلة على حين: فلا وجه له. واستشهاده بأن التاء ملتزقة بـ"حين" في الإمام: لا متشبث به، فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط. والمناص: المنجا والفوت، يقال: ناصه ينوصه؛ إذا فاته. واستناص: طلب المناص. قال حارثة بن بدر:
_________________
(١) ـ التاء في بعض اللغات تترك تاء في الأسماء كما حكاه سيبويه عن أبي الخطاب وكما أنشده أبو الحسن: بل جوز تيهاء كظهر الحجفت فأن تترك في الحرف ولا تقلب أجدر. قوله: (واستشهاده بأن التاء ملتزقة بـ ﴿حِينَ﴾ في الإمام: لا متشبث به)، وأنشد صاحب "المطلع": العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون تحين ما من مطعم قال المصنف: وإنما لم تغير لأنه لو أطلق لأدى إلى أمر عظيم، فربما غيروا ما لا يجوز تغييره.
[ ١٣ / ٢٣٣ ]
غمر الجراء إذا قصرت عنانه بيدي استناص ورام جري المسحل
[﴿وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٤ - ٥]
﴿مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾: رسول من أنفسهم، ﴿وقَالَ الكَافِرُونَ﴾ ولم يقل: وقالوا؛ إظهارًا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافرون المتوغلون في الكفر، المنهمكون في الغي، الذين قال فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، وهل ترى كفرًا أعظم وجهلًا أبلغ من أن يسموا من صدقه الله بوحيه كاذبًا، ويتعجبوا من التوحيد، وهو الحق الذي لا يصح غيره، ولا يتعجبوا من الشرك، وهو الباطل الذي لا وجه لصحته؟ ! روي: أن إسلام عمر ﵁ فرح به المؤمنون فرحًا شديدًا، وشق على قريش، وبلغ منهم، فاجتمع خمسة وعشرون نفسًا من صناديدهم، ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت
_________________
(١) ـ قوله: (غمر الجراء) البيت، أي: كثير المجاراة، واستناص: طلب النوص، أي: الفوت، و"المسحل" حمار الوحش. يصف فرسًا. الراغب: ناص إلى كذا: التجأ إليه، وناص عنه: ارتد، ينوص نوصًا، والمناص: الملجأ. قوله: (ومشوا إلى أبي طالب)، الحديث من رواية الإمام أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عباس، قال: مرض أبو طالب، فجاءت قريش وجاءه النبي ﷺ وعند أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه من الجلوس فيه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: "أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية" قال: كلمة واحدة؟ ! فقال: "يا عم قولوا: لا إله إلا الله" فقالوا: إلهًا واحدًا؟ ! ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق، فنزل فيهم القرآن.
[ ١٣ / ٢٣٤ ]
ما فعل هؤلاء السفهاء- يريدون: الذين دخلوا في الإسلام- وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول الله ﷺ، وقال: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله ﷺ: "ماذا يسألونني؟ " قالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال ﵇: "أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ " فقالوا: نعم وعشرًا، أي: نعطيكها وعشر كلمات معها، فقال: "قولوا: لا إله إلا الله"، فقاموا، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؟ ! أي: بليغ في العجب. وقرئ: (عجاب) بالتشديد، كقوله تعالى: ﴿مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] وهو أبلغ من المخفف، ونظيره: كريم وكرام وكرام. وقوله: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ مثل قوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] في أن معنى الجعل التصيير في القول على سبيل الدعوى والزعم، كأنه قال: أجعل الجماعة واحدًا في قوله؛ لأن ذلك في الفعل محال.
_________________
(١) ـ قوله: (أجعل الجماعة واحدًا في قوله)، أي: سمى الآلهة إلها واحدًا، فالجعل بمعنى: التصيير في القول، وبمعنى: التسمية؛ لأن هذا المعنى في الفعل محال لا يقدر أحد أن يجعل الجماعة إنسانًا واحدًا. قال الإمام بعدما نقل كلام المصنف، أقول: إن منشأ التعجب من وجهين: أحدهما: أن القوم ما كانوا أصحاب نظر واستدلال، بل كانت أوهامهم تابعةً للمحسوسات، فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا يفي قدرته وعلمه بحفظ الخلائق، قاسوا الغائب على الشاهد، فكذلك المجسمة فإنهم يقولون: لما كان كل موجود في الشاهد يجب أن يكون جسمًا متحيزًا يجب في الغائب، وكذا قول المعتزلة فإنهم يقولون: إن الأمر الفلاني قبيح منا فيجب أن يكون قبيحًا من الله تعالى. والثاني. أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا مطبقين في الشرك، توهموا أن كونهم
[ ١٣ / ٢٣٥ ]
[﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ * ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ٦ - ٧]
﴿الْمَلَأُ﴾: أشرف قريش، يريد: وانطلقوا عن مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله ﷺ بالجواب العتيد، قائلين بعضهم لبعض: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد، ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الأمر ﴿لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي: يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه، وما أراد الله كونه فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد بنا، فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد، أي: يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه. و﴿أَنْ﴾ بمعنى أي: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا معنى
_________________
(١) ـ على هذه الحال محال أن يكونوا مبطلين ويكون الإنسان الواحد محقا، فلعمري لو كان التقليد حقا لكانت هذه الشبهة لازمة. قوله: (أو إن دينكم لشيء يراد)، تبعه الإمام في الوجود الثلاثة. فإن قيل: مقتضى النظم أن يكون المشار إليه المشي والصبر على آلهتهم، أي: هذا هو المطلوب الآن، ومن ثم عقبوه بقوله: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ إذا لو قيل: إن هذا لشيء يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه لم يستقم ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾؟ أجيب: أن هذا القول صدر عنهم من الحسد، كما نص عليه المصنف، ألا يرى كيف أردفوه بقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي: القرآن؛ لأن القوم معاندة. قوله: (وتغلبوا عليه)، الأساس: غلبته على الشيء: أخذته منه، وهو مغلوب عليه. ويقال: أيغلب أحدكم أن يصاحب الناس معروفًا؟ أي: أيعجز؟ قوله: (لأن المنطلقين عن مجلس التقاول) يعني: الواجب أن يجعل ﴿أَنْ﴾ مفسرة؛ لأن ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ متضمن لمعنى القول على العادة المألوفة، وإنما قلنا: المألوفة؛
[ ١٣ / ٢٣٦ ]
القول. يجوز أن يراد بالانطلاق: الاندفاع في القول، وأنهم قالوا: امشوا، أي: اكثروا واجتمعوا، من: مشت المرأة؛ إذا كثرت ولادتها، ومنه: الماشية؛ للتفؤل، كما قيل لها: الفاشية، قال رسول الله ﷺ: "ضموا فواشيكم". ومعنى ﴿وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾: واصبروا على عبادتها والتمسك بها؛ حتى لا تزالوا عنها. وقرئ: (وانطلق الملأ منهم امشوا) بغير ﴿أَنِ﴾ على إضمار القول. وعن ابن مسعود: (وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا). ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: في ملة عيسى التي هي آخر الملل؛ لأن النصارى يدعونها وهم مثلثة غير موحدة. أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا. أو: ما سمعنا بهذا كائنا في الملة الآخرة، على أن يجعل ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ حالًا من ﴿هَذَا﴾، ولا يعلقه بـ ﴿مَا سَمِعْنَا﴾ كما في الوجهين. والمعنى: أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا من الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله. ما ﴿هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ أي: افتعال وكذب.
_________________
(١) ـ ليعلم أن ليس المراد أن"انطلق" متضمن معنى القول، نحو "إني أحمد إليك فلانًا"، ولا يجوز أيضًا أن يقدر القول بأن يقال: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ قائلين: أن امشوا؛ لأن ﴿أَن﴾ المفسرة دافعة لذلك. قال المصنف في قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]: أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يوسط بينهما حرف التفسير، لا نقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله. وقلت: لأن المفسرة تقتضي سبق المبهم لتوضحه وتبين أن المعني به القول، والقول لا يفتقر إلى البيان. قوله: (كما في الوجهين)، يعني: الظرف كان معلقًا بقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ على أن يراد بالملة الآخرة ملة عيسى، أو قريش على أن يراد بها الملة المتجددة، وهي: ما جاء بها رسول الله ﷺ، يكون حالًا من اسم الإشارة أي: ما سمعنا أن يتجدد مثل هذه في الملة الآخرة؛ لأن الظرف حينئذ مستقر وبيان لاسم الإشارة وعلى الأولين كان لغوًا.
[ ١٣ / ٢٣٧ ]
[﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ * جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ ٨ - ١١]
أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤسائهم وينزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بينهم. ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من القرآن، يقولون في أنفسهم: إما وإما. وقولهم: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ كلام مخالف لاعتقادهم فيه يقولونه على سبيل الحسد. ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ بعد، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ، يعني: أنهم لا
_________________
(١) ـ قوله: (فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد)، يريد أن الاضراب الثاني متعلق بالكلامين بمعنى: لما وبخهم أولًا على ما بهم من الحسد وما تغلي به صدورهم على رسول الله ﷺ بما اختص بشرف النبوة من بينهم، ثم على الشك فيما لا شك فيه ولا يحوم حوله، جاء بتوبيخ أغلط منهما أي: بل لم يذوقوا عذابي بعد، وإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الحسد والشك. والظاهر أن قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ متصل بفاتحة السورة، أي: بـ ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾؛ لأنهما حديثان في الذكر. ومن قوله: ﴿وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ﴾ إلى ههنا حديث في النبوة، فيكون ﴿بَلِ﴾ إضرابًا عما أثبت في الإضراب السابق كأنه لما قيل: أقسمت بـ ﴿ص والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، أن صدقه ظاهر وحقيقته مكشوف ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾: في عناد واستكبار عن الإذعان لذلك، وفي شقاق لله ولرسوله، ثم عقب بقوله: ﴿وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ مستطردًا، وبين تعجبهم بقوله: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ بناء على التقليد، ثم بقوله: ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ بناء على الحسد، فهم من ذلك: أنهم مترددون في أنفسهم في أن القرآن: إما حق وإما باطل كما قال: يقولون في أنفسهم: إما وإما، فحين نظروا إلى نظمه وإعجازه قالوا: حق، وحين نظروا إلى التقليد إلى أنهم أحق به منه قالوا: هو باطل، فأضرب الله تعالى عن إثبات العزة والشقاق بقوله:
[ ١٣ / ٢٣٨ ]
يصدقون به إلا يمسهم العذاب مضطرين إلى تصديقه. ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني: ما هم بمالكي خزائن الرحمة حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا، ويتخيروا للنبوة بعض صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد ﵇. وإنما الذي يملك الرحمة وخزانها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب المصيب
_________________
(١) ـ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، وحين كان بناء الشك على شبهة ركيكة ومقدمة واهية لا تقاوم ذلك اليقين، أضرب عنه بقوله: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾.ثم جيء بإضراب آخر على أسلوب غير الأول وهو قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. وقال الزجاج: وجه اتصال ﴿أَمْ﴾ عندهم بقوله: ﴿أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ هو: أنهم لما حسدوا النبي ﷺ بما آتاه الله من فضل النبوة أعلم الله تعالى أن الملك له، والرسالة إليه يصطفي من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزل الرحمة على من يشاء. وقلت: إلى معنى هذا الترقي ينظر قول من قال: ألا قل لمن ظل لي حاسدًا أتدري على من أسات الأدب؟ أسأءت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب قوله: (ويترفعوا بها عن محمد صلوات الله عليه)، الجوهري: الرفع: خلاف الوضع، رفعته فارتفع، ورفع رفعة، أي: ارتفع قدره. قوله: (العزيز القاهر على خلقه)، المتصرف في ملكه كيف يشاء، ليس لأحد أن يمنعه من ذلك يهب لمن يشاء ما يشاء، ولذلك أردف بقوله: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ﴾. وأما معنى المبالغة في ﴿الْوَهَّابِ﴾: فراجع إلى خطر الموهبة وعظمها، وهي: النبوة. هذا أنسب مما قال: " ﴿الْوَهَّابِ﴾: الكثير المواهب" إلى آخره. وفيه: أن النبوة ليست بمكتسبة، بل هي موهبة ربانية يختص بها من يشاء من عباده، وأن يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدالته اعتزال خفي.
[ ١٣ / ٢٣٩ ]
بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدله، كما قال ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم رشح هذا المعنى فقال: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها رب العزة والكبرياء؟ ! ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال: فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة، وكانت عندهم الحكمة التي يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوة دون من لا تحق له ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾: فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله، وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون، ثم خسأهم خسأة عن ذلك بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الأَحْزَابِ﴾ يريد: ما هم إلا جند من الكفار
_________________
(١) ـ قوله: (ثم رشح)، أي: ربي، الجوهري: فلان يرشح للوزارة، أي: يربي ويؤهل لها، ومنه الترشيح في الاستعارة. وخلاصته: أنه ترقى من لإضراب الأول وتمم ما أفاده من المبالغة، فإن قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ﴾ أفاد تقريرًا بأن الله العزيز الوهاب وضع عندهم خزائنه وأمرهم أن يقسموها على من أرادوا، فإن قوله: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ﴾ دل على: اتصافهم بصفة الربوبية واستقلالهم بالمالكية تهكمًا، انظر إلى هذا التغليظ في شأن الحاسد وحسده. قوله: (فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه)، الانتصاف: الاستواء المنسوب إلى الله ليس مما يتوصل إليه بالصعود في المعارج، فليس استواؤه اسقرارًا، بل لما خلق الله الخلق فعل فيه فعلًا سماه استواء، وعبارة الزمخشري ها هنا ليست بجتدة. وقلت: ما أحسن عبارته لو تأمل فيه! قوله: (ما هم إلا جند من الكفار)، هذا يشعر بأن ﴿مَا﴾ مزيدة، والتنكير للتفخيم، وفيها معنى الاستعظام، لكن حاصل الكلام ودلالة المقام مؤذنان بالتحقير، وإليه الإشارة
[ ١٣ / ٢٤٠ ]
المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب، فلا تبال بما يقولون، ولا تكترث لما به يهذون. و﴿مَّا﴾ مزيدة، وفيها معنى الاستعظام، كما في قول امرئ القيس:
وحديث ما على قصره
إلا أنه على سبيل الهزء. و﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك.
_________________
(١) ـ بقوله: "إلا أنه على سبيل الهزء" قال أبو البقاء: قوله تعالى: ﴿جُندٌ﴾ مبتدأ، و﴿مَّا﴾ مزيدة، و﴿هُنَالِكَ﴾ نعت، و﴿مَهْزُومٌ﴾ الخبر. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفًا لـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، و﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿جُندٌ﴾ وأن يتعلق بـ ﴿مَهْزُومٌ﴾، وأن يكون نعتًا لـ ﴿مَهْزُومٌ﴾. قوله: (وحديث ما على قصره)، أي: حديث عظيم على قصره، وهو مستشهد للاستعظام، وفي بعض الحواشي عن المنصف: أوله: وحديث الركب يوم هنا يريد اليوم الأول. قال الأصمعي: يوم معروف وما حسبوا، أي: هو لنا سار على قصره، كأنه قال: وحديث، أي: حديث يعمني بالحسن، ولو حذف ﴿مَّا﴾ اختل هذا المعنى، والتنكير وإن أفاد تعظيمًا لكن الشياع المستفاد من ﴿…﴾ كالنص على هذا المعنى. قوله: (من الانتداب)، الأساس: تكلم فانتدب له فلان؛ إذا عارضه، وندب لكذا، أو إلى كذا، فانتدب له. قوله: (لست هنالك)، أي: ليس هذا مما يليق بأمثالك؛ لأنك أحط منزلة من أن
[ ١٣ / ٢٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ تباشره. ومنه حديث الشفاعة في الصحيحين وقول الأنبياء: "لست هناكم" ومنه حديث النبيذ: "تعدي طوره"، أي: جاوز حده وحاله الذي يخصه. ذكره صاحب"النهاية" فظهر أن ﴿هُنَالِكَ﴾ هنا كناية عن تحقير شأنهم، ولهذا قال: ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانيداب لمثل ذلك القول العظيم، يعني: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، والذي يستدعي هذا التفسير مراعاة النظم؛ لأن قولهم ذلك اقتضى أن يقال فيهم: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾ وأن يرفع من قدرهم إلى أوج أعلى عليين تهكما ثم يحط إلى حضيض أسفل السافلين استخفافًا، وعلى الأول الإشارة بقوله: "يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه" وإلى الثاني بقوله: "ثم خسأهم خسأةً"، أي: زجرهم زجر الكلب. فإن قلت: قوله: (﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم" كيف يلتئم مع قوله: "ما هم إلا جند من الكفار المتجرئين على رسول الله مهزوم مكسور عما قريب"، وكان الهزم والكسر يوم بدر، وذلك يقتضي أن يكون المشار إليه يوم بدر، على أن المفسرين صرحوا به؟ قال الواحدي: المشار إليه بقوله ﴿هُنَالِكَ﴾: يوم بدر ومصارعهم. وقال الإمام: قيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق. والأصوب عندي: يوم فتح مكة؛ لأنهم حينئذ انهزموا في موضع تكلموا فيه بهذه الكلمات. قلت: إلالتئام على تأويله سهل؛ لأنه قال: هؤلاء الحمقى الذين وضعوا أنفسهم فيما هم ليسوا من أهله تراهم مهزومين مكسورين عن قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية؟ ! ولا تكترث بقولهم ولا تبال بهم، فجعل الانتداب لمثل ذلك القول علة للهزم لا ينافي إرادة الهزم يوم بدر مثلًا.
[ ١٣ / ٢٤٢ ]
[﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ * ومَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ ١٢ - ١٥]
﴿ذُو الأَوْتَادِ﴾ أصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده، قال:
والبيت لا يبتنى إلا على عمد ولا عمادً إذا لم ترس أوتاد
فاستعير لثبات العز والملك واستقامة الأمر، كما قال الأسود:
في ظل ملك ثابت الأوتاد
وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار: طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وتد من حديد، ويتركه حتى يموت. وقيل: كان يمده بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات. وقيل: كانت له أوتاد وحبال يلعب
_________________
(١) ـ قوله: (والبيت لا يبتنى)، البيت، "لم ترس": لم تثبت، وكل ثابت فهو راس. قوله: (في ظل ملك ثابت الأوتاد)، قبله: ماذا أؤمل بعد آل محرق تركوا منازلهم وآل إياد؟ جرت الرياح على مقر ديارهم فكأنهم كانوا على ميعاد ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد فإذا النعيم وكل ما يلهى به يومًا يصير إلى بلًى ونفاد "غنوا" أي: أقاموا. قوله: (يشبح المعذب)، الأساس: شبح الإهاب: مده بين الأوتاد، وشبحه بين العقابين.
[ ١٣ / ٢٤٣ ]
بها بين يديه. ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم هم الذين وجد منهم التكذيب. ولقد ذكر تكذيبهم أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها: بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدًا منهم فقد كذبوهم جميعًا. وفي تكرير التكذيب، وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا وبالاستثنائية ثانيًا، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص: أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد
_________________
(١) ـ قوله: (هم هم)، يعني: أن المشار إليه بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ السابق وهو جنس الأحزاب، يدلك عليه وجوه: أحدها: قوله: "من الكفار المتحزبين على رسل الله"، و"من" للتبعيض. وثانيها: قوله: "ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه بها"، بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل. وثالثها: قوله: "ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب"، أي: الأحزاب المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَوْمُ نُوحٍ وعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ ولما أن أسماء الإشارة تقتضي أن يكون المشار إليه محسوسًا أو في حكم المحسوس، قال لاستحضارهم بالذكر أو لأنهم كالحضور عند الله. قال صاحب"الانتصاف": كرر لفظ الأحزاب في الموضعين؛ تنبيهًا على أن الأولين والآخرين من واد واحد في التحزب على الأنبياء. قوله: (في الجملة الخبرية)، وهي: ﴿أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ﴾ لم يرد بها الخبرية التي في مقابلة الطلبية؛ لأن الجملة الاستثنائية أيضًا خبرية، بل يراد بها مطلق الإخبار عن المعنى الواقع، فإنه في مقابلة الاستثنائي.
[ ١٣ / ٢٤٤ ]
العقاب وأبلغه. ثم قال: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: أهل مكة، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب؛ لاستحضارهم بالذكر، أو لأنهم كالحضور عند الله. والصيحة: النفخة، ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ - وقرئ بالضم- ما لها من توقف مقدار فواق؛ وهو ما بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع. يعني: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً﴾ [النحل: ٦١] وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد، من:
_________________
(١) ـ قوله: (أي: فوجب لذلك أن أعاقبهم)، يريد أن الفاء في قوله: ﴿إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ جزاء شرط محذوف، وتقديره: أن هؤلاء الجند المهزوم من أهل مكة هم من جملة الأحزاب، وحكمهم حكمهم في أنهم لما كذبوا الرسل استوجبوا العقاب. قوله: (لاستحضارهم بالذكر)، كما الفرزدق في قوله: أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أحضرهم في مشاهدة جرير، ثم أشار إليهم كما يشار إلى المحسوسين. قوله: (وقرئ بالضم)، حمزة والكسائي: "فواق" بضم الفاء، والباقون: بفتحها. قال محيي السنة: فرق بعضهم بين الفتح والضم، قال الفراء وأبو عبيدة: الفتح بمعنى الراحة والإفاقة، كالجواب من الإجابة، من إفاقة المريض. والضم ما بين الحلبتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب. وقيل أيضًا: هما مستعاران من الرجوع؛ لأن اللبن يعود إلى الضرع بين الحلبتين، وإفاقة المريض رجوعه إلى الصحة، وعليه قول ابن عباس.
[ ١٣ / ٢٤٥ ]
أفاق المريض؛ إذا رجع إلى الصحة. وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها، يريد: أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد.
[﴿وقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ﴾ ١٦]
القط: القسط من الشيء؛ لأنه قطعة منه. من قطة؛ إذا قطعه. ويقال لصحيفة الجائزة: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بهما قوله تعالى: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب الذي وعدته، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧]، وقيل: ذكر رسول الله ﷺ وعد الله المؤمنين الجنة؛ فقالوا على سبيل الهزء: عجل لنا نصيبنا منها. أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها.
[﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إنَّهُ أَوَّابٌ * إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ * والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ * وشَدَدْنَا مُلْكَهُ وآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطَابِ﴾ ١٧ - ٢٠]
فإن قلت: كيف تطابق قوله: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ وقوله: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ حتى عطف أحدهما على صاحبه؟ قلت: كأنه قال لنبيه ﵇: اصبر على ما يقولون، وعظم أمر معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود؛ وهو أنه نبي من أبياء الله تعالى قد أولاه ما أولاه من النبوة والملك؛ لكرامته عليه وزلفته لديه، ثم زل زلة فبعث إليه الملائكة ووبخه عليها، على طريق التمثيل والتعريض، حتى فطن لما وقع فيه، فاستغفر وأناب، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم وغمه الواصب، ونقش جنايته
_________________
(١) ـ قوله: (القط: القسط من الشيء)، واشتقاق القط من: قططت، أي: قطعت، وكذلك النصيب إنما هو القطعة من الشيء، والقطع والقطعة بمعنى: المقطوع، غير أن القطع غلب في الليل.
[ ١٣ / ٢٤٦ ]
في بطن كفه حتى لا يزال مجددًا للندم عليها، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ أو قال له ﷺ: اصبر على ما يقولون، وصن نفسك وحافظ عليها أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم، واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقي من توبيخ الله وتظليمه ونسبته إلى البغي ما لقي. ﴿ذَا الأَيْدِ﴾: ذا القوة في الذين المضطلع بمشاقه وتكاليفه؛ كان على نهوضه بأعباء النبوة والملك يصوم يومًا ويفطر يومًا، وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل. يقال: فلان أيد، وذو آد. وإياد كل شيء: ما يتقوى به. ﴿أَوَّابٌ﴾: تواب رجاع إلى مرضاة الله. فإن قلت: ما دلك على أن الأيد القوة في الدين؟ قلت: قوله تعالى: ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ لأنه تعليل لذي الأيد، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾: ووقت الإشراق؛ وهو حين تشرق الشمس، أي: تضيء ويصفو
_________________
(١) ـ قوله: (أو قال له ﷺ: ﴿اصْبِرْ﴾)، جواب آخر، فعلى الأول"واذكر" محمول على الذكر اللساني، وعلى هذا على القلبي. الجوهري: وذكرت الشيء بعد النسيان: ذكرته بلساني وبقلبي. قوله: (المضطلع)، الجوهري: فلان مضطلع بهذا الأمر، أي: قوي عليه، مفتعل، من الضلاعة. قوله: (قوله تعالى ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾؛ لأنه تعليل لذي الأيد)، لأن ﴿ذَا الأَيْدِ﴾ يحتمل أن يكون في الجسم لقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]. وأن يكون في الدين، فلما جيء بقوله: ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أعلم أن المراد: القوة في الدين. قال صاحب"التقريب": وفيه نظر؛ إذ الأواب مطلق أيضًا كالأيد. قلت: مطلق من حيث نفسه، لكن مقيد بالنسبة إلى الموصوف؛ لأن النبي ﷺ إذا وصف به دل على أنه رجاع إلى الله تعالى.
[ ١٣ / ٢٤٧ ]
شعاعها، وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها، يقال: شرقت الشمس، ولما تشرق. وعن أم هانئ: دخل علينا رسول الله ﷺ، فدعا بوضوء، فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى، فال: "يا أم هانئ، هذه صلاة الإشراق". وعن طاووس، عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟ قالوا: لا، فقرأ: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ﴾، وقال: كانت صلاةً يصليها داود ﵇. وعنه: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية: وعنه لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى طلبتها فوجدتها في هذه الآية: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ﴾. وكان لا يصلي صلاة الضحى، ثم صلاها بعد. وعن كعب: أنه قال لابن عباس: إني لا أجد في كتب الله صلاة بعد طلوع الشمس، فقال: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله تعالى. يعني هذه الآية.
ويحتمل أن يكون من: أشرق القوم؛ إذا دخلوا في الشرق- ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣]، وقول أهل الجاهلية: أشرق ثبير-
_________________
(١) ـ قوله: (وعن أم هانئ)، عن البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما حدثنا أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت أن النبي ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثماني ركعات. قوله: (ويحتمل أن يكون من: أشرق القوم؛ إذا دخلوا في الشرق)، وهو الشمس. الانتصاف: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ ظرف بلا إشكال، فلو حمل"الإشراق" على الدخول في الشروق لكان مصدرًا لا ظرفًا؛ لأنه فعل المظروف، وعلى الأول وإن كان مصدرًا إلًا أنه ظرف؛ لأنه فعل الشمس، وهو يستعمل ظرفًا كالطلوع والغروب. وقوله: (أشرق ثبير)، الجوهري، أشرق ثبي، كيما نغير، أي: نسرع للنحر، وثبير: جبل بمكة، وقال: أغار؛ أي: شد العدو وأسرع.
[ ١٣ / ٢٤٨ ]
ويراد وقت صلاة الفجر؛ لانتهائه بالشرق. و﴿يُسَبِّحْنَ﴾: في معنى مسبحات على الحال. فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسبحات؟ قلت: نعم، وما اختير ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على مسبحات إلا لذلك؛ وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء وحالًا بعد حال، وكأن السامع محاضر تلك الحال يسمعها تسبح. ومثله قول الأعشى:
_________________
(١) ـ قوله: (لانتهائه بالشروق)، أي: إنما سمي صلاة الفجر باعتبار ما يؤول إليه. وقوله: "ويراد وقت صلاة الفجر"، متصل بقوله: "إذا دخلوا في الشرق"، وما بينهما اعتراض. قوله: (وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء)، قال صاحب" الانتصاف": قال سحنون: إذا قال: "أنا محرم يوم كذا" بصيغة اسم الفاعل يكون محرمًا عند وجود التعليق، ولا كذلك بصيغة المضارع، إذا قال: "أنا أحرم يوم كذا" لا يكون محرمًا حتى يجدد الإحرام. واختلف المتأخرون من أصحابنا في معنى قول سحنون في اسم الفاعل: يكون محرمًا يوم يفعل، فمنهم من قال: أراد القول فينشئ إحرامًا، ومنهم من قال: يكون محرمًا بالعليق الأول. ومالك سوى بين اسم الفاعل والفعل. ولما كان حشر الطير دفعة واحدةً أدل على القدرة لم يكن لاستعمال الفعل وجه. قال صاحب" الإنصاف": تأمل ما قاله صاحب الانتصاف فليس فيه إلا نقل فرع على مذهب مالك لا يمس بالآية، ثم اختار أن مذهب مالك يخالف ما جاء من بديع الآية، فليت شعري أراد الرد على فصاحة الآية أو رد على إمامه الذي يقلده فيما يفتي به؟ ! وقلت- والله أعلم-: فرق بين مسألة الإحرام وبين ما في التنزيل؛ لأن ما في التنزيل معدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ﴾. إخبار عما مضى، فالمطابق مسبحات و﴿مَحْشُورَةً﴾، ولهذا قال: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ في معنى: "مسبحات" وإنما عدل في
[ ١٣ / ٢٤٩ ]
إلى ضوء نار في يفاع تحرق
_________________
(١) ـ الأول لحكاية الحال الماضية واستحضار في نظر السامع فيشاهد حدوث التسبيح من الجبال شيئًا بعد شيء ويتعجب من تلك القدرة الربانية على ما سبق في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]. أتي بالمضارع بين الماضيين للاستحضار وللاستعجاب؛ إذ لو قيل: "فأثارت" و"مسبحات" لم يكن من هذا المعنى في شيء. و﴿مَحْشُورَةً﴾ على ما هي عليه أدل على القدرة، ولو عدل إلى خلاف المقتضى لكان خلفًا وغير سديد، وليت شعري من تكلم فيما لا دربة له فيه وتقدم على التأمل فلا يتأمل كلامه، وظهر أن كلام إمام المسلمين جاء مستطردًا وهو أجدر بالقبول؛ لأن العامي لم يقصد هذا المعنى، ورميه على عمياء- والله أعلم-. قوله: (إلى ضوء نار في يفاع تحرق)، أوله: لعمري لقد لاحت عيون كثرة وبعده: تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق اللبان- بكسر اللام-: لبن المرأة خاصة. تقاسما: تحالفا. بأسحم داج: ظرف، أي: في ليل داج أقسما أن لا يتفرقا. رضيعي لبان: حال، وقيل: خبر ثان ونصب على المدح، وهذا أوجه، و"عوض"- بسكون الواو-: الأبد، يضم وبفتح بغير تنوين، وهو للمستقبل من الزمان، كما أن"قط" للماضي؛ لأنك تقول: عوض لا أفارقك، ولا تقول: عوض ما فارقتك. اليفاع: الجبل المرتفع. تحرق، أي: الحطب؛ لأن الجواد منهم كان يوقد النار على الموضع المرتفع لتجتمع إليه كل من رآها من بعيد.
[ ١٣ / ٢٥٠ ]
ولو قال: "محرقة": لم يكن شيئًا. وقوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة ﴿يُسَبِّحْنَ﴾؛ إلا أنه لما لم يكن في الحشر ما كان في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئًا بعد شيء، به اسمًا لا فعلًا؛ وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير يحشرن، على أن الحشر يوجد من حاشرها شيئًا بعد شيء والحاشر هو الله ﷿؛ لكان خلفًا، لأن حشرها جملة واحدة أدل على القدرة. وعن ابن عباس ﵁: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبحت، فذلك حشرها. وقرئ: (والطير محشورة) بالرفع. ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾: كل واحد من الجبال والطير لأجل داود- أي: لأجل تسبيحه- مسبح؛ لأنها كانت تسبح بتسبيحه. ووضع" الأواب" موضع المسبح: إما لأنها كانت ترجع التسبيح، والمرجع رجاع؛ لأنه يرجع إلى فعله رجوعًا بعد رجوع؛ وإما لأن الأواب- وهو التواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته- من
_________________
(١) ـ قوله: (ولو قال: "محرقة"لم يكن شيئًا)، معناه: لم يكن عدولًا من الظاهر فلا يكون فيه لطف؛ لأن قوله: "لقد لاحت" يقتضي محرقة، فلم يفد حدوث التحريق والإيقاد شيئًا بعد شيء ولا استحضار تلك الحالة في مشاهدة السامع. قوله: (خلفًا)، أي: من حيث اختلال حسن المعنى، الجوهري: الخلف: الرديء من القول، يقال: سكت ألفًا ونطق خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بالخطأ. قوله: (أدل على القدرة)، قال: كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، قيام رجل واحد. قوله: (ووضع"الأواب" موضع المسبح)، يعني: أصل الكلام: كل من الجبال والطير لأجل تسبيح داوود مسبح، فقيل: ﴿أَوَّابٌ﴾؛ لأن كل مرجع للتسبيح راجع إليه، كما أن كل مكذب للحق كاذب، وإنما عدل منه إلى الأواب لنكته وهي: إما أن يكون كناية
[ ١٣ / ٢٥١ ]
عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه. وقيل: الضمير لله، أي: كل من داود والجبال والطير لله أواب، أي: مسبح مرجع للتسبيح. ﴿وشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾: قويناه، قال تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص: ٣٥]، وقرئ: (شددنا) على المبالغة. قيل: كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مستلئم يحرسونه. وقيل: الذي شد الله به ملكه وقذف في قلوب قومه الهيبة: أن رجلًا ادعى عنده على آخر بقرةً، وعجز عن إقامة البينة، فأوحي إليه في المنام: أن اقتل المدعى عليه، فقال: هذا منام، فأعيد الوحي في اليقظة، فأعلم الرجل، فقال: إن الله ﷿ لم يأخذني بهذا الذنب، ولكن بأني قتلت أبا هذا غيلةً، فقتله، فقال الناس: إن أذنب أحد ذنبًا أظهره الله عليه فقتله؛ فهابوه. ﴿الْحِكْمَةَ﴾: الزبور وعلم الشرائع. وقيل: كل كلام وافق الحق فهو
_________________
(١) ـ عن الترجيع في التسبيح من"الأوب": الرجوع، أو عن كثرة التسبيح؛ لأن الأواب أي: التواب من عادته أن يكثر التسبيح، ولو ترك على ظاهره لم يعلم ذلك، ولو قيل: كل له كالأواب أي: التواب على التشبيه لم يفهم منه المقصود صريحًا. قوله: (مستلئم): أي: دارع، و"اللأم": جمع"لأمة"، وهس: الدرع، واستلأم: إذا لبس لأمته. قوله: (أن رجلًا ادعى عنده)، خبر"الذي شدد الله به ملكه". وقوله: "أظهره الله عليه"، جواب للشرط، و"فقتله" من تتمة الجواب، والفاء في"فهابوه" نتيجة الكلام، أي: الذي شدد الله به ملكه وقذف في قلوب قومه الهيبة هذه القضية، فلذلك هابوه، وإليه ينظر قول المتنبي: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم قوله: (غيلة)، الغيلة: الاسم من الاغتيال. الجوهري: الغلية هو: أن يخدع صاحبه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله
[ ١٣ / ٢٥٢ ]
حكمه. الفصل: التمييز بين الشيئين. وقيل للكلام البين: فصل، بمعنى المفصول، كضرب الأمير؛ لأنهم قالوا: كلام ملتبس، وفي كلامه لبس. والملتبس: المختلط، فقيل في نقيضه: فصل، أي: مفصول بعضه من بعض، فمعنى فصل الخطاب: البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه. ومن فصل الخطاب وملخصه: أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل، فلا يقف في كلمة الشهادة على المستثنى منه، ولا يتلو قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] إلا موصولًا بما بعده، ولا ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ﴾ حتى يصله بقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ونحو ذلك، وكذلك مظان العطف وتركه، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل، كالصوم والزور، وأردت بفصل الخطاب: الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والصواب والخطأ، وهو كلامه في القضايا والحكومات، وتدابير الملك والمشورات. وعن علي بن أبي طالب ﵁: هو قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وهو من الفصل بين الحق والباطل، ويدخل فيه قول بعضهم: هو قوله: "أما بعد"؛ لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد. ويجوز أن يراد الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل، ومنه ما جاء في صفة كلام رسول الله ﷺ: فصل؛ لا نزر ولا هذر.
_________________
(١) ـ قوله: (في صفة كلام رسول الله ﷺ: فصل، لا نزر ولا هذر)، وروينا عن الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: " ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام فصل يحفظه من جلس إليه". وعنها: " كان كلام رسول الله ﷺ كلام فصل، يعيه كل من سمعه". أخرجه أبو داود. الحديثان يوفقان التفسير الأول، وقيل: الكلام البين فصل.
[ ١٣ / ٢٥٣ ]
[﴿وهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ * إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنَا إلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ ٢١ - ٢٢]
كان أهل زمان داود ﵇ يسأل بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته
_________________
(١) ـ وقال صاحب"النهاية": في صفة كلامه صلوات الله عليه: "فصل؛ لا نزر ولا هذر"، أي: بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل. وقال في حديث أم معبد: "لا نزر ولا هذر"، أي: لا قليل ولا كثير، وقد هذر يهذر هذرًا- بالسكون- فهو هذر وهذار ومهذار، أي: كثير الكلام، والاسم: الهذر بالتحريك. وقال الجوهري: النزر: القليل التافه، وعطاء منزور، أي: قليل. قوله: (يسأل بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته)، روى محيي السنة عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كان ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته. قال أهل التفسير: كان مباحًا، غير أن الله تعالى لم يرض له ذلك؛ لأنه كان رغبة في الدنيا وازديادًا للنساء، وقد أغناه الله تعالى بما أعطاه من غيرها. وروى أيضًا حديث الطير الذهب عن السدي والكلبي ومقاتل والحسن، والله أعلم بحقيقة الحال، وما في"الكشاف" أولى بأن يقال. قال صاحب"المطلع" بعدما حكى القولين: والذي يؤيد هذا القول قوله تعالى: ﴿وعَزَّنِي فِي الخِطَابِ﴾ أي: غلبني في مخاطبتنا إياها. وقال الإمام: قد دل أول الكلام وآخره على مدح داوود ﵇، فلو دل وسطه على مقابحه ومعايبه لخرج عن النظام.
[ ١٣ / ٢٥٤ ]
فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها، وقد روينا: أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له: أوريا، فأحبها، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده، ففعل، فتزوجها وهي أم سليمان، فقيل له: إنك مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلًا ليس له إلا امرأة واحدة النزول، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود، فآثره أهلها، فكان ذنبه أن حطب على خطبة أخيه المؤمن، مع كثرة نسائه. وأما ما يذكر، أن داود ﵇ تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب إن آبائي قد ذهبوا بالخير كله، فأوحي إليه: إنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها: قد ابتلي إبراهيم بنمروذ، وذبح ولده، وإسحاق بذبحه وذهاب بصره، ويعقوب بالحزن على يوسف. فسأل الابتلاء، فأوحي إليه: إنك لمبتلى في يوم كذا، فاحترس. فلما حان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب، فمد يده ليأخذها لابن له صغير، فطارت، فامتد إليها، فطارت فوقعت في كوة، فتبعها، فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطى بدنها، وهي امرأة أوريا، وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا،
_________________
(١) ـ قوله: (وقد روينا: أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك)، روينا في"صحيح البخاري" عن ابن عوف قال: "آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالًا فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني على السوق" الحديث. قوله: (البلقاء)، هو موضع، قال ﵀: سمعت أعرابيًا يقول: أرضها بلد الزعفران
[ ١٣ / ٢٥٥ ]
وهو صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت، وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، ففتح الله على يديه وسلم، فأمر برده مرة أخرى، وثالثةً، حتى قتل، وأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته. فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين فضلًا عن بعض أعلام الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور: أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مئة وستين، وهو حد الفرية على الأنبياء. وروي: أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق، فكذب المحدث به، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترًا على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته ﵇ ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب. فإن قلت: لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح؟ قلت: لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به، كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنًا من قلبه، وأعظم أثرًا فيه، وأجلب لاحتشامه
_________________
(١) ـ من أرض الشام قال: هي مدينة الكنعانيين، وكان اسم ملكهم: بالق، فقلب اسمه على بلده. قوله: (وأجلب لاحتشامه)، الجوهري: أبو زيد: حشمت الرجل وأحشمته بمعنًى، وهو أن يجلس إليك فتؤذيه وتغضبه. ابن الأعرابي: حشمته: أخجلته. وأحشمته، أغضبته. واحتشمته واحتشمت منه بمعنى.
[ ١٣ / ٢٥٦ ]
وحيائه، وأدعى إلى التنبه على الخطأ فيه من أن يبادره به صريحًا، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة. ألا ترى إلى الحكماء كيف أوصوا في سياسة الولد إذا وجدت منه هنة منكرة أن يعرض له بإنكارها عليه ولا يصرح، وأن تحكى له حكاية ملاحظة لحاله إذا تأملها استسمج حال صاحب الحكاية فاستسمج حال نفسه، ذلك أزجر له؛ لأنه ينصب ذلك مثالًا لحاله ومقياسًا لشأنه، فيتصور قبح ما وجد منه بصورة مكشوفة، مع أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب الحشمة. فإن قلت: فلم كان ذلك على وجه التحاكم إليه؟ قلت: ليحكم بما حكم به من قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤] حتى يكون محجوجًا بحكمه ومعترفًا على نفسه بظلمه. ﴿وَهَلْ
_________________
(١) ـ قوله: (وأدعى إلى التنبه على الخطأ فيه من أن يبادره صريحًا)، وقلت: وهو نوع من باب الاستدراج وإرخاء العنان. قال صاحب "الانتصاف": نبه الزمخشري على مجيء الإنكار على طريق التمثيل، فإن التعريض داع إلى التأمل، وفيه أن اجتناب المهاجرة بالإنكار أبقى للحشمة. قوله: (ليحكم بما حكم به) إلى قوله: (حتى يكون محجوجًا بحكمه)، الانتصاف: أي: جاء على وجه المحاكمة ليحكم بقوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ فتقوم عليه الحجة. قوله: ﴿أَخِي﴾ فإن الأخوة بصداقة أو دين أو شركة تمنع الاعتداء. وقوله: (﴿فِي الْخِطَابِ﴾)، أي: في المخاطبة، أي: أتاني بما لا أقدر على رده من الجدال، أو من الخطبة، أي: خطب فأوثر عليً، وهو مصدر المفاعلة؛ لأن الخطبة صدرت من كل واحد منهما، ولم يكن في المثل المضروب خطبة من مالكها إلا تقديرًا، "أو" أما في قصة داوود فهو ممكن، وجواب الزمخشري الذي يأتي ليس بجيد على ما ستراه.
[ ١٣ / ٢٥٧ ]
أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ ظاهره الاستفهام، ومعناه: الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد، والتشويق إلى استماعه. والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع؛ كالضيف، قال الله تعالى: ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]؛ لأنه مصدر في أصله، تقول: خصمه خصمًا، كما تقول: ضافه ضيفًا. فإن قلت: هذا جمع، وقوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ تثنية، فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى ﴿خَصْمَانِ﴾: فريقان خصمان، والدليل عليه قراءة من قرأ: (خصمان بغى بعضهم على بعض)، ونحوه قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص: ٢٣]، وهو دليل على اثنين؟ قلت: هذا قول البعض المراد بقوله: ﴿بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. فإن قلت: فقد جاء في الرواية: أنه بعث إليه ملكان. قلت: معناه: أن التحاكم كان بين ملكين، ولا يمنع ذلك أن يصحبهما آخرون. فإن قلت: فإذا كان التحاكم بين اثنين كيف سهاهم جميعًا خصمًا في قوله: ﴿نَبَأُ الخَصْمِ﴾ و﴿خَصْمَانِ﴾؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم صحت التسمية به. فإن قلت: بم انتصب ﴿إَذْ﴾؟ قلت: لا يخلو: إما أن ينتصب
_________________
(١) ـ قوله: (ظاهره الاستفهام، معناه: الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة)، وذلك أن هذه القصة إن كانت معلومة للسامع فيكون في الاستفهام بعث له وتحريض على إشاعتها وإعلام الناس بها، أي: كأنك ما علمتها حيث تخفيها ولا يؤدي حقها من الإذاعة، وإن لم تكن معلومة كان تأنيبًا على التقاعد عن استعلامها وتشويقًا إلى استماعها. قوله: (والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع)، قال الزجاج: الخصم: مصدر، تقول: خصمته أخصمه خصمًا، فما كان من المصادر وقد وصفت به الأسماء: فتذكيره وتأنيثه وتوحيده وجمعه جائز.
[ ١٣ / ٢٥٨ ]
بـ ﴿أَتَاكَ﴾، أو بـ ﴿نَبَاُ﴾، أو بمحذوف؛ فلا يسوغ انتصابه بـ ﴿أَتَاكَ﴾؛ لأن إتيان النبأ رسول الله ﷺ لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود، ولا بالنبأ؛ لأن النبأ الواقع في عهد داود لا يصح إتيانه رسول الله ﷺ، وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها: لم يكن ناصبًا؛ فبقي أن ينتصب بمحذوف، وتقديره: وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. ويجوز أن ينتصب بـ ﴿الْخَصْمِ﴾؛ لما فيه من معنى الفعل. وأما ﴿إِذْ﴾ الثانية فبدل من الأولى. ﴿تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ﴾: تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور: الحائط المرتفع، ونظيره في الأبنية: تسنمه؛ إذا علا سنامه، وتذراه: علا ذروته. روي: أن الله تعالى بعث إلى ملكين في صورة إنسانين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس، فتسورا عليه المحراب، فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: إن داود ﵇ جزأ زمانه أربعة أجزاء: يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء، ويومًا للاشتغال بخواص أموره، ويومًا يجمع بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم؛ فجاؤوه في غير يوم القضاء، ففزع منهم؛ ولأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه. ﴿خَصْمَانِ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن خصمان. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: ولا تجر. وقرئ: (ولا تشطط)، أي: ولا تبعد عن الحق.
_________________
(١) ـ قوله: (ولا بالنبأ؛ لأن النبأ الواقع في عهد داود لا يصح إتيانه رسول الله ﷺ)، قال القاضي: ويجوز أن يتعلق ﴿إِذْ﴾ بالنبأ، على أن المراد به: الواقع في عهد داود ﵇، وأن إسناد "أتى: إليه على حذف مضاف، أي: أتى قصة نبأ الخصم، و﴿إِذْ﴾ الثانية: يدل من الأولى أو: ظرف لـ ﴿تَسَوَّرُوا﴾. قوله: (وقرئ: "ولا تشطط")، قال ابن جني: هي قراءة أبي رجاء وقتادة؛ بفتح التاء وضم الطاء، يقال: شط يشط ويشط، إذا بعدـ، وأشط: إذا بعد، وعليه قراءة العامة: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾، أي: ولا تبعد، وهو من: الشط: الجانب، ومعناه: أخذ جانبي الشيء وترك
[ ١٣ / ٢٥٩ ]
وقرئ: (ولا تشطط)، (ولا تشاطط)، وكلها من معنى الشطط؛ وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق. و﴿سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: وسطه ومحجته، ضربه مثلًا لعين الحق ومحضه.
[﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وعَزَّنِي فِي الخِطَابِ﴾ ٢٣] ﴿أَخِي﴾ بدل من ﴿هَذَا﴾ أو خبر لـ ﴿إِنَّ﴾. والمراد أخوة الدين، أو أخوة الصداقة والألفة، أو أخوة الشركة والخلطة؛ لقوله تعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، وكل واحدة من هذه الأخوات تدلي بحق مانع من الاعتداء والظلم. وقرئ: (تسع وتسعون) بفتح التاء، و(نعجة) بكسر النون، وهذا اختلاف اللغات، نحو: نطع ونطع،
_________________
(١) ـ وسطه، كما قيل: تجاوز، وهو من الجيزة، وهي جانب الوادي، كما قيل: تعدى، وهو من: عدوة الوادي، أي: جانبه. وأنشدوا: لئن غبت عن عيني وشطت بك لنوى فأنت الذي في القلب حطت رواحله قوله: (تدلي بحق مانع)، المغرب: أدليت الدلو: أرسلتها في البئر، ومنه: أدلى بالحجة، أحضرها. وفلان يدلي إلى الميت بذكر، أي: يتصل. قوله: (وقرئ: "تسع وتسعون" بفتح التاء): قال ابن جني: قرأها الحسن، وقد كثر عنهم مجيء الفعل والفعل بمعنى واحد، نحو: الشكر والشكر، ولا يبعد ذلك في التسع لا سيما وقد تجاوز العشر. وقرأ الحسن والأعرج: "نعجة" بكسر النون.
[ ١٣ / ٢٦٠ ]
ولقوة ولقوة. ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ ملكنيها. وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي.
﴿وَعَزَّنِي﴾: وغلبني. يقال: عزه يعزه. قال:
قطاة عزها شرك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح
يريد: جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أرده به. وأراد بالخطاب: مخاطبة المحاج المجادل. أو أراد: خطبت المراة وخطبها هو فخاطبني خطابًا، أي: غالبني في الخطبة فغلبني؛ حيث زوجها دوني. وقرئ: (وعازني) من المعازة؛ وهي المغالبة. وقرأ أبو حيوة: (وعزني) بتخفيف الزاني؛ طلبًا للخفة، وهو تخفيف غريب، وكأنه قاسه على نحو: ظلت، ومست. فإن قلت: ما معنى ذكر النعاج؟ قلت: كان تحاكمهم في نفسه تمثيلًا وكلامهم تمثيلًا؛ لأن التمثيل أبلغ في التوبيخ؛ لما ذكرنا، وللتنبيه على
_________________
(١) ـ قوله: (ولقوة)، الجوهري: اللقوة: داء في الوجه. واللقوة: الناقة السريعة اللقاح. واللقوة: العقاب. واللقوة- بالكسر-: مثله. قوله: (قطاة عزها)، البيت. قبله. كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامرية أو يراح قوله: ("وعزني" بتخفيف الزاي)، روى صاحب "الكشف" عن عاصم وقال: حمله الرازي على أنه مثل: رب ورب، وما أشبهه من تخفيف المضاعف. قوله: (كان تحاكمهم في نفسه تمثيلًا وكلامهم تمثيلًا)، سئل: ما معنى ذكر النعاج؟ أي: ما موقعه في التمثيل؟ أجاب: بأنه تتميم لمعنى التمثيل؛ لأن تحاكمهم كان في نفسه تمثيلًا
[ ١٣ / ٢٦١ ]
أنه أمر يستحيا من كشفه، فيكنى عنه كما يكنى عما ستسمج الإفصاح به، وللستر على داود ﵇، والاحتفاظ بحرمته. ووجه التمثيل فيه: أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المئة فطمع في نعجة خليطه، وأراده على الخروج من ملكها إليه، وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده، والدليل عليه قوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، وإنما خص هذه القصة؛ فيها من الرمز إلى الغرض بذكر النعجة. فإن قلت: إنما تستقيم طريقة التمثيل إذا فسرت الخطاب بالجدال، فإن فسرته بالمفاعلة من الخطبة: لم تستقم. قلت: الوجه مع هذا التفسير أن أجعل النعجة استعارة عن المرأة، كما استعاروا لها الشاة في نحو قوله:
_________________
(١) ـ أي: تعريضًا وتورية، وكلامهم أيضًا تعريض وتورية، فجيء بقوله: ﴿نَعْجَةً﴾ تتميمًا لتلك التورية؛ لأن التعريض أبلغ في التوبيخ، وإنما قلنا: إن المراد بالتمثيل التعريض؛ لأنه فسر التمثيل به فيما سبق من قوله: "لم جاءت على طريق التمثيل والتعريض دون التصريح"، فعطف التعريض عليه على سبيل البيان، ولأن المعنى عليه. قوله: "لما ذكرنا"، أي: في قوله: " إن التأمل إذا أداه إلى الشعور بالمعرض به كان أوقع في نفسه" إلى قوله: "وأدعى إلى التنبيه على الخطإ فيه". وقوله: "وللتنبيه على أنه أمر يستحيا منه" عطف على قوله: "لأن التمثيل أبلغ". قوله: (وأراده على الخروج)، الأساس: أراده على الأمر، حمله عليه. والإضافة في"ملكها" إلى المفعول. قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن الممثل به قصة رجل له نعجة واحدة، ولخليطه تسع وتسعون التصريح بذكر الخلطاء في قوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾؛ لأن ظاهر قوله: ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ الآية، ليس فيه معنى الخلطة.
[ ١٣ / ٢٦٢ ]
يا شاة ما قنص لمن حلت له
فرميت غفلة عينه عن شاته
وشبهها بالنعجة من قال:
_________________
(١) ـ قوله: (يا شاة ما قنص لمن حلت له)، آخره: حرمت علي وليتها لم تحرم الشعر لعنترة، قال الزوزني: "ما" صلة زائدة، والشاة كناية عن المرأة، يقول: يا هؤلاء اشهدوا شاة قنص لمن حلت له، فتعجبوا من حسنها وجمالها فإنها قد حازت أتم الجمال، والمعنى: هي حسناء جميلة مقنعة لمن كلف وشغف بحبها، ولكنها حرمت علي وليتها حلت. قال الأنباري: القنص: الصيد. والشاة منصوب على النداء، أي: شاة من اقتنصها فقد غنم، واللام صلة"قنص"، لمن حلت له: لمن قدر عليها، وحرمت علي: لم أقدر؛ لأنها من قوم أعداء. قوله: (فرميت غفلة عينه عن شاته)، تمامه الأعشى: فأصبت حبة قلبها وطحالها أي: قصدت غفلته عن امرأته. طحالها، أي: أصبت طحالها، ولا يجوز خفضه؛ لأن الطحال لا حبة له. والبيت بتمامه أنشده الزجاج.
[ ١٣ / ٢٦٣ ]
كنعاج الملا تعسفن رملًا
لولا أن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ يأباه،
_________________
(١) ـ قوله: (كنعاج الملا تعسفن رملا)، أوله: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى بعده: قد تنقبن بالحرير وأبديـ ن عيونًا حور المداعج نجلا التهادي: أن يمشي بين الاثنين معتمدًا عليها لضعفه. والملا: الصحراء الواسعة. أي: هؤلاء النسوة يمشين مشي نعاج الوحش إذا وقعت في الرمل. قوله: (لولا أن ﴿الْخُلَطَاءِ﴾ يأباه)، يعني إن فسر الخطاب بالمفاعلة من الخطبة، وأجريت النعاج على حقيقتها لم يستقم؛ لأن الخطبة إنما تكون في التزوج والتزويج، فهي غير مناسبة للنعجة الحقيقية، وإن حملت النعاج على النساء استعارة أباه ذكر الخلطاء؛ لأن الخلطة غير مناسبة في النساء الحلائل، فالوجه أن يقطع ذكر الخلطاء عن التمثيل؛ ليكون تمثيلًا آخر مستقلًا فيصح. وقلت: وكذا يأباه إذا جعل التسبيه تمثيليًا، ويجرى الخطاب على مخاطبة المحاج المجادل وتترك النعاج على حقيقتها؛ لأن الوجه حينئذ أمر توهمي منتزع من أمور جمة، وقد لمحت الخلطة في الممثل به، ومن ثم قال الواحدي: ظن داود أنهما شريكان فلذلك قال: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]. وإذا لمح في المشبه به يجب أن يلمح في المشبه أيضًا. وقال صاحب"المفتاح": والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظور فيه إلى التأمل الصادق من ذوي بصيرة
[ ١٣ / ٢٦٤ ]
إلا أن يضرب داود الخلطاء ابتداءً مثلًا لهم ولقصتهم.
فإن قلت: الملائكة ﵈ كيف صح منهم أن يخبروا عن أنفسهم بما
_________________
(١) ـ ناقدة ورؤية ثاقبة لالتباسه في كثير من المواضع بالعقلي الحقيقي لاسيما المعاني التي ينتزع منها، فربما انتزع من ثلاثة فأورث الخطأ لوجوب انتزعه من أكثر، ولعل الظاهر أن يجعل التشبيه من المركب العقلي؛ لأن الوجه حينئذ هو الزبدة والخلاصة من المجموع، وهو إظهار البغي والظلم وتقبيح أمر الباعي والظالم، فلا يدخل في المعنى الخلط، وإن شئت فجرب هذا من قول المصنف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، الآية. فإنه حين جعل الوجه عقليا قال: ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله كمثل جنة، وحين جعل الوجه وهميًا قال: أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضاعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية عند الله زائدة في زلفاهم، وعلى هذا قوله بعد هذا: "وقيل: إن الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما، إما كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرًا" إلى آخره. الانتصاف: إذا جعل تمثيلًا كان الذي سبق إلى فهم داود منه ظاهره في النعاج والشاة، ثم انتقل عنه إلى فهم تمثيله بحاله، وعلى الاستعارة يكون قد فهم التحاكم في النساء ثم استشعر أنه المراد. قوله: (إلا أن يضرب داود الخلطاء ابتداءً ومثلًا لهم)، يعني: يصح جعلها مستعارًا إذا جعل قوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]، تذييلًا للكلام على سبيل التمثيل، كقول الحطيئة:
[ ١٣ / ٢٦٥ ]
لم يتلبسوا منه بقليل ولا كثير ولا هو من شأنهم؟ قلت: هو تصوير للمسألة وفرض لها، فصورها في أنفسهم وكانوا في صورة الأناسي، كما تقول في تصوير المسائل: زيد له أربعون شاة، وعمرو له أربعون، وأنت تشير إليهما، فخلطاها وحال عليها الحول، كم يجب فيها؟ وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد. وتقول أيضًا في تصويرها: لي أربعون شاةً ولك أربعون فخلطناها، وما لكما من الأربعين أربعة ولا ربعها. للحسناء الجميلة. والمعنى: وصفها بالعراقة في لين الأنوثة وفتورها، وذلك أملح لها وأزيد في تكسيرها وتثنيها، ألا ترى إلى وصفهم لها بالكسول والمكسال، وقوله:
فتور القيام قطيع الكلام
_________________
(١) ـ ولست بمستبق أخًا لا تلمه على شعت أي الرجال المهذب؟ وإليه الإشارة بقوله: "قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء". قوله: (وأنت تشير إليهما)، أي: تقول: هذا، وتشير إلى زيد زعمرو. قوله: (وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد)، قال الجوهري: أي: لا قليل ولا كثير. عن الأصمعي: السبد من الشعر، واللبد من الصوف. كناية عن المعز، واللبد عن الضأن. قوله: (بالكسول والمكسال)، الجوهري: الكسل، التثاقل عن الأمر. وامرأة مكسال: لا تكاد تبرح مجلسها، وه مدح له، مثل: "نؤوم الضحى". قوله: (فتور القيام قطيع الكلام)، تمامه: لعوب العشاء إذا لم تنم بعده: تبز النساء بحسن الحديث ودل رخيم وخلق عمم
[ ١٣ / ٢٦٦ ]
وقوله:
تمشي رويدًا تكاد تنغرف
_________________
(١) ـ قطيع الكلام: أي: لينه وضعفه. تبز؛ أي: تغلب وتسبق. والدلال: الغنج والشكل. وخلق عمم؛ أي: تام. قوله: (تمشي رويدًا تكاد تنعرف)، أوله: ما أنس سلمى غداة تنصرف ويروى: "تنغرف" بالغين المعجمة، الغرف: غرفك الماء باليد، فرس غراف: كثير الأخذ بقوائمه. وصفها بالأناة والتؤدة وأنها تكاد تنغرف من الأرض بوطئها إياها، يقال: عرفت الشيء فانعرف- بالعين المهملة- أي: قطعته فانقطع. قال قيس بن الخطيم في معناه: تنام عن كبر شأنها فإذا قامت رويدًا تكاد تنعرف قال صاحب" الانتصاف": قوله: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ﴾، أورده لتقليل ما عنده وحقارته، فكيف وصف ما عنده بالحسن الذي يوجب عذر خصمه في طلبه؟ ولذلك جاءت القراءة المشهورة بحذف ذلك، أي: "أنثى".
[ ١٣ / ٢٦٧ ]
[﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وقَلِيلٌ مَّا هُمْ وظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ رَاكِعًا وأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٢٤ - ٢٥]
﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ جواب قسم محذوف. وفي ذلك استنكار لفعل خليطه، وتهجين لطعمه. والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقد ضمن معنى لإضافة فعدي تعديتها، كأنه قيل بإضافة ﴿نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ على وجه السؤال والطلب. فإن قلت: كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه؟ قلت: ما قال ذلك: ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه، لكنه لم تحك في القرآن؛ لأنه معلوم. ويروى: أنه قال: وهذا، أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مئةً، فقال داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى طرف الأنف والجبهة، فقال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحدًا، فعرف ما وقع فيه. والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، الواحد: خليط، وهي الخلطة، وقد غلبت في الماشية؛ والشافعي ﵀ يعتبرها، فإذا كان الرجلان خليطين في ماشية بينهما غير مقسومة، أو لكل
_________________
(١) ـ وقلت: قد مر أن مثل هذه الزيارة قرينة لبيان إرادة المقصود من اللفظ، فذكره ها هنا لمزيد تحقير ما عنده فيكون تتميمًا للمعنى الذي في جانب المشبه والمبالغة في الظلم كما سبق، ويؤيده قوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]، حيث صرح بذكر النعجة والنعاج. قوله: (على وجه السؤال والطلب)، أي: السؤال سؤال مطالبة ومغالبة، لا سؤال خضوع وتفضل؛ إذ لو كان كذا لم يكن معارة.
[ ١٣ / ٢٦٨ ]
واحد منهما ماشية على حدة إلا أن مراحهما ومسقاهما وموضع حلبهما والراعي والكلب واحد والفحولة مختلطة: فهما يزكيان زكاة الواحد؛ فإن كان لهما أربعون شاةً فعليهما شاة، وإن كانوا ثلاثةً ولهم مئة وعشرون لكل واحد أربعون؛ فعليهم واحدة كما لو كانت لواحد. وعند أبي حنيفة: لا تعتبر الخلطة، والخليط والمنفرد عنده واحد، ففي أربعين بين خليطين: لا شيء عنده، وفي مئة وعشرين بين ثلاثة: ثلاث شياه. فإن قلت: فهذه الخلطة ما تقول فيها؟ قلت: عليهما شاة واحدة، فيجب على ذي النعجة أداء جزء من مئة جزء من الشاة عند الشافعي ﵀، وعند أبي حنيفة لا شيء عليه. فإن قلت: ماذا أراد بذكر حال الخلطاء في ذلك المقام؟ قلت: قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة، وأن يكره إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسف على حالهم، وأن
_________________
(١) ـ قوله: (إلا أن مراحهما)، المغرب: أراح الإبل: ردها إلى المرح، وهو موضع إراحة الإبل والبقر والغنم، وفتح الميم خطأ. قوله: (ماذا أريد بذكر حال الخلطاء)، أي: ما فائدة التذييل بقوله: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾؟ فأجاب: أن فيها فوائد: إحداها: أن يكون موعظة للسامع بأن يرغب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لقوله: ﴿وقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وثانيتها: أن يكون لطفًا للخلطاء المعتدين فينزجروا عن الاعتداء. وثالثتها: أن يكون تسلية للمظلوم. قوله: (مع التأسف على حالهم)، من شأن الخلطاء وعادتهم أن يعتدوا إلا من عصمه الله.
[ ١٣ / ٢٦٩ ]
يسلي المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأن له في أكثر الخلطاء أسوة. وقرئ: (ليبغي) بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة، وحذفها، كقوله:
اضرب عنك الهموم طارقها
وهو جواب قسم محذوف؛ و: (ليبغ) بحذف الياء، اكتفاءً منها بالكسرة. و﴿مَّا﴾ في ﴿وقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام. وفيه تعجب من قلتهم. وإن أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها، من قول امرئ القيس:
وحديث ما على قصره
وانظر هل بقي له معنى قط. لما كان الظن الغالب يداني العلم، استعير له.
_________________
(١) ـ قوله: (اضرب عنك الهموم طارقها)، تمامه: ضربك بالسيف قونس الفرس أي: "اضربن" فحذفت النون الخفيفة، و"طارقها": بدل من" الهموم" بدل البعض، و"قونس" موضع ناصية الفرس، أي: ادفع طوارق الهموم عن نفسك عند غشيانها، كما يضرب قونس الفرس عند الإقبال. قوله: (للإبهام)، قال أبو البقاء: ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ص: ٢٤]، استثناء من الجنس، والمستثنى منه بعضهم، و﴿مَا﴾ زائدة، ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، و"قليل" خبره. وقيل: التقدير وهم قليل منهم. قوله: (استعير له)، أي: استعير الظن موضع العلم لتلك العلاقة، والاستعارة يجوز أن تكون لفظيةً ومعنوية، وإنما كان بمعنى العلم؛ لإيقاعه على"إنما" المشتملة على مضاعفة التأكيد، وتعقيب ظنه بعد ذلك بالاستغفار من غير مهلة، وتسميته بالظن لسبقه بالأمارات
[ ١٣ / ٢٧٠ ]
ومعناه: وعلم داود وأيقن ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: أنا ابتليناه لا محالة بامرأة أوريا: هل يثبت أم يزل؟ وقرئ: (فتناه) بالتشديد للمبالغة، و: (أفتناه)، من قوله:
لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت
و(فتناه) و(فتناه)، على أن الألف ضمير الملكين. وعبر بالراكع عن الساجد؛
_________________
(١) ـ الظاهرة على وقوعه في الفتنة من تسور الخصماء المحراب وفزعه منهم ثم تمثيلهم حالته بحالة الخلطاء وحكمه على أحد الخصمين بالظلم، والله أعلم. قوله: (وقرئ: "فتناه" بالتشديد)، قال ابن جني: هي قراءة عمر بن الخطاب ﵁، وأما "فتناه" فهي قراءة قتادة وأبي عمرو في رواية عبد الوهاب، وعن بعضهم "فتناه" على وزن ضرباه و"فتناه" على وزن: فرقاه. وأنكر الأصمعي أفتنت- بالألف- يقال: فتنته المرأة وأفتنت: إذا دلهته وأحبها. قوله: (لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت)، تمامه: سعيدًا فأمسى قد قلى كل مسلم بعده: وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المنمنم وأراد به سعيد جبير: نمنم الشيء نمنمة، أي: رقشه وزخرفه، وثوب منمنم، أي: موشى. قوله: (وعبر بالراكع عن الساجد)، أي: كنى بالراكع عن الساجد لما بين الركوع
[ ١٣ / ٢٧١ ]
لأنه ينحني ويخضع كالساجد، وبه استشهد أبو حنيفة وأصحابه في سجدة التلاوة، على أن الركوع يقوم مقام السجود. وعن الحسن: لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع، ويجوز أن يكون قد استغفر الله لذنبه وحرم بركعتي الاستغفار والإنابة، فيكون المعنى: وخر للسجود راكعًا، أي: مصليًا؛ لأن الركوع يجعل عبارة عن الصلاة. ﴿وَأَنَابَ﴾: ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والتنصل. وروي: أنه بقي ساجدًا أربعين يومًا وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو ما لا بد منه، ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه، ولم يشرب ماءً إلا وثلثاه دمع، وجهد نفسه راغبًا إلى الله
_________________
(١) ـ والسجود من الانحناء والخضوع، ولما بينهما من المناسبة. استشهد أبو حنيفة في سجدة التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود، قال صاحب التقريب: وفيه نظر؛ لأنه بعد تعبيره به عن الساجد لا يبقى الاستشهاد، لعله استشهد بإطلاق الآية. وقلت: لا إطلاق؛ لأن الركوع مقيد بالخرور الذي هو السقوط، فلا يحمل على مجرد الركوع. وفي "الروضة"، قال أصحابنا: يستحب أن يسجد في ﴿ص﴾ خارج الصلاة، ولو سجد في الصلاة جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته، وإن كان عامدًا بطلت على الأصح. قوله: (حرم)، أي: دخل في التحريمة، يقال: أحرم بالصلاة وحرم، ومنه: تكبيرة التحريم. قوله: (والتنصل)، هو: الاعتذار والتبرؤ من الذنب، ويروى: بالتنقل، يقال: انتقل من الشيء، انتفى منه. قوله: (ولا يرقأ دمعه)، أي: لا يسكن. الجوهري: يقال: رقأ الدمع يرقأ رقأ ورقورًا؛ سكن، وكذلك الدم.
[ ١٣ / ٢٧٢ ]
تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك، واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له: إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. وروي: أنه نقش خطيئته في كفه؛ حتى لا ينساها. وقيل: إن الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما: إما كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرًا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري، والثاني: معسرًا ما له إلا امرأة واحدة، فاستنزله عنها، وإنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين، وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته.
[﴿يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ٢٦]
﴿خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ أي: استخلفناك على الملك في الأرض، كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها. ومنه قولهم: خلفاء الله في أرضه.
و﴿جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير. ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾
_________________
(١) ـ قوله: (وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته)، الانتصاف: قصد الزمخشري في كلامه كله: تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء، فأجرى هذه الآية على ظاهرها، وجعل الذنب عجلته في الحكم؛ لأن الباعث عليها التهاب الغضب للحق، وهو أخف من الأول، ويؤيده وصيته داود ﵇ بعد ذلك بقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوَى﴾ [ص: ٢٦]، فما جرت الوصية بذلك إلا والذي صدر منه من هذا النوع. والمختار: أن الأنبياء منزهون عن الصغائر، والتماس المخلص لمثل هذه القضية هو الحق الأبلج والسبيل الأنهج.
[ ١٣ / ٢٧٣ ]
أي: بحكم الله تعالى؛ إذا كنت خليفته ﴿وَلَا تَتَّبِعِ﴾ هوى النفس في قضائك وغيره، مما تتصرف فيه من أسباب الدين والدنيا ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ الهوى فيكون سببًا لضلالك ﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾: عن دلائله التي نصبها في العقول، وعن شرائعه التي شرعها وأوحى بها. و﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ متعلق بـ ﴿نَسُوا﴾، أي: بنسيانهم يوم الحساب، أو بقوله: ﴿لَهُمْ﴾، أي: لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم؛ وهو ضلالهم عن سبيل الله.
وعن بعض خلفاء بني مروان: أنه قال لعمر بن عبد العزيز، أو للزهري: هل سمعت ما بلغنا؟ قال: وما هو؟ قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا تكتب عليه معصية. فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء؟ ثم تلا هذه الآية.
[﴿ومَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٢٧]
﴿بَاطِلًا﴾: خلقًا باطلًا، لا لغرض صحيح وحكمة بالغة. أو: مبطلين عابثين، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وتقديره: ذوي باطل، أو عبثًا، فوضع باطلًا موضعه،
_________________
(١) ـ قوله: (أي: بحكم الله إذ كنت خليفته)، يريد: أن الأمر بالحكم بالعدل بعد ذكر ﴿إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ مشعر بأن وصف الخلافة يقتضي الحكم بالعدل، ولذلك رتب الحكم في التنزيل بالفاء على جعله خليفة. قوله: (﴿فَيُضِلَّكَ﴾ الهوى)، عن بعضهم: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ منصوب على الجواب، وقيل: مجزوم عطفًا على النهي، وفتحت اللام لالتقاء الساكنين. قوله: (خلقًا باطلًا، لا لغرض صحيح)، قال القاضي: أي: خلقًا باطلًا لا حكمة فيه.
[ ١٣ / ٢٧٤ ]
كما وضعوا ﴿هَنِيئًا﴾ [النساء: ٤] موضع المصدر، وهو صفة، أي: ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ولكن للحق المبين؛ وهو أن خلقنا نفوسًا أودعناها العقل والتمييز، ومنحناها التمكين، وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف، وأعددنا لها عاقبةً وجزاءً على حسب أعمالهم. و﴿ذّلِكَ﴾ إشارة إلى خلقها باطلًا. والظن: بمعنى المظنون، أي: خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا. فإن قلت: إذا كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما بدليل قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] فبم جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة؟ قلت: لما كان إنكارهم للعبث والحساب والثواب والعقاب، مؤديًا إلى أن خلقها عبث وباطل، وجعلوا كأنهم يظنون ذلك، ويقولونه؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها، فمن جحده فقد جحد الحكمة
_________________
(١) ـ قوله: (كما وضعوا ﴿هَنِيئًا﴾ موضع المصدر وهو: صفة) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وهما صفتان أقيمتا مقام المصدر. قوله: (أن خلقنا نفوسًا)، إلى قوله: (ثم عرضناها للمنافع العظيمة) إلى آخره. قال الإمام: الآية تدل على صحة القول بالحشر والنشر؛ لأنه تعالى خلق الخلق إما للإضرار، أو للانتفاع، أو لا لهذا ولا لهذا، والأول: لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضًا: باطل؛ للعبث، فلم يبق إلا الثاني، فالانتفاع إما دنيوي أو أخروي، والأول باطل، والدليل المشاهدة ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، ولما بطل هذا ثبت القول بوجود حياة أخروية، فكل من أنكر الحشر والنشر كان شاكًا في حكم الله في خلق السماوات والأرض، وهو المراد من قوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، والدليل عليه قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، فإنها كالتفصيل لذلك المجمل، وإلى هذا المعنى ينظر قول المصنف: لأنه الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها، فمن جحده فقد جحد الحكمة من أصلها، إلى آخره.
[ ١٣ / ٢٧٥ ]
من أصلها، ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره، وكان إقراره بكونه خالقًا كلا إقرار.
[﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢٨]
﴿أَمْ﴾ منقطعة، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد: أنه لو بطل الجزاء - كما يقول الكافرون- لا ستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد، واتقى وفجر، ومن سوى بينهم كان سفيهًا ولم يكن حكيمًا.
[﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٢٩]
وقرئ: (مباركًا)، و(ليتدبروا) على الأصل، و(لتدبروا) على الخطاب. وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلو، لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحتلبها، ومهرة نثور لا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله: حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفًا، وقد- والله- أسقطه كله؛ ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل، والله ما هو بحفظ
_________________
(١) ـ قوله: (لم يحل)، من: حلوته بكذا فحلي به، أي: أعطيته فتناول، ومنه " حلوان الكاهن" لعطائه. قوله: (لقحة درور)، الجوهري: اللقوح واللقاح- بالكسر-: الإبل بأعيانها، الواحدة: لقوح، وهي: الحلوب، والمهر: ولد الفرس، والأنثى: مهرة. والنثور: الكثيرة الولد.
[ ١٣ / ٢٧٦ ]
حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوزعة، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين.
[﴿ووَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ * إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ * فَقَالَ إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْنَاقِ﴾ ٣٠ - ٣٣]
وقرئ: (نعم العبد) على الأصل، والمخصوص بالمدح محذوف. وعلل كونه ممدوحًا بكونه أوابًا رجاعًا إليه بالتوبة، أو مسبحًا مؤوبًا للتسبيح مرجعًا له؛ لأن كل
_________________
(١) ـ قوله: (ولا الوزعة)، أي: المانعين عن النواهي. الأساس: أوزعته: مانعته، والشيب وازع، ولابد للناس من وزعة؛ من كففة عن الشر والبغي، ووزع نفسه عن الجهل والهوى. قال: إذا لم أزع نفسي من الجهل والصبا لينفعها علمي فقد ضرها جهلي قوله: (من القراء المتكبرين)، أي: الذين ليسوا بحكماء، أي: فقهاء، ولا يمنعون الناس عن الشر عملًا بالقرآن. روي أن الحسن تعلم القرآن وهو ابن ثنتي عشرة سنة، لا حروفه فحسب، ولكن ما تعلم آية إلا وقد عرف تأويلها وجميع ما فيها من كل دقيق وجليل بقدر وسعه، فهو القراء الحقيقي. قوله: (أوابًا رجاعًا إليه بالتوبة)، هو الوجه الأول، وقوله: "أو مسبحًا مؤويًا للتسبيح"، هو الوجه الثاني في قوله تعالى: ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]. قال: وضع ﴿أَوَّابٌ﴾ موضع المسبح؛ لأن الأواب- وهو: التواب الكثير الرجوع إلى الله تعالى- من عبادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه، والفرق بين هذه الآية والسابقة أن
[ ١٣ / ٢٧٧ ]
مؤوب أواب. والصافن: الذي في قوله:
ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقيل: الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل: هو المتخيم، وأما الصافن فالذي يجمع بين يديه. وعن النبي ﷺ: "من سره أن يقوم الناس له صفونًا فليتبوا مقعده من النار"، أي: واقفين كما خدم الجبابرة. فإن قلت: ما معنى وصفها بالصفون؟
_________________
(١) ـ ﴿أَوَّابٌ﴾ في تلك الآية لا يجوز أن يجري على ظاهره؛ لإسناده إلى غير العقلاء، فلا بد من التأويل، بخلافه هاهنا، فإن الوجه الأول جار على حقيقته. قوله: (ألف الصفون)، البيت. يقال: ألف هذا الفرس القيام على ثلاث قوائم وسنبك الرابعة. "كسيرًا": منصوب بـ"ما يزال"، وقيل: حال من الضمير في "مما يقوم"، أي: كأنه من جنس ما يقوم على ثلاث قوائم في حال كونه كسير القائمة الأخرى. قوله: (هو المتخيم)، كأنه القائم على أربع قوائم سواء، روى صاحب " االمغرب" عن ابن الأعرابي: أن الخيمة عن العرب لا تكون إلا من أربعة أعواد، ثم تسقف. الأساس: ومن المجاز: خيمت البقر، أقامت في مواضعها لا تبرح، تخيمت الريح في الثوب. فقوله: "هو المتخيم" خبر "الذي يقوم"، وخبر " الصافن" المتقدم في قوله: "وأما الصافن فالذي يجمع يديه". الراغب: الصفن: الجمع بين الشيئين ضامًا بعضهما إلى بعض، يقال: صفن الفرس قوائمه، قال تعالى: ﴿الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] والصفن: الوعاء الذي يجمع الخصية. والصفن: دلو مجموع بحلقة. قوله: (من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار)، "صفونًا" بالنون،
[ ١٣ / ٢٧٨ ]
قلت: الصفون لا يكاد يكون في الهجن، وإنما هو في العراب الخلص. وقيل: وصفها بالصفون والجودة؛ ليجمع لها بين الوصفين المحمودين: واقفة وجارية، يعني: إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنةً في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعًا خفافًا في جريها. وروي: أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين، فأصاب ألف فرس. وقيل: ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل: خرجت من البحر لها أجنحة، فقعد يومًا بعدما صلى الأولى على كرسيه واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي، وتهيبوه فلم يعلموه، فاغتم لما فاته، فاستردها وعقرها مقر بالله، وبقي مئة، فما في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها. وقيل: لما عقرها أبدله الله خيرًا منها؛ وهي الريح تجري بأمره.
فإن قلت: ما معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾؟ قلت: ﴿أَحْبَبْتُ﴾: مضمن معنى
_________________
(١) ـ الحديث، من رواية أبي داود عن أبي مجلز، قال: خرج معاوية على ابن عامر وعلى ابن الزبير، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". وعند الترمذي، قال: خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". قوله: (في الهجن)، الجوهري: الهجنة في الناس من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك، كان الولد هجينًا. قوله: (والجودة)، في"المطلع": الجياد: جمع جواد، وهو: الشديد الحضر من الخيل، ومصدره: الجودة- بالضم-، وفي العمل: الجودة- بالفتح-، ويقال: جاد الفرس يجود جودة، وجاد الرجل جوادًا. والجودة: مصدر الجيد من كل شيء.
[ ١٣ / ٢٧٩ ]
فعل يتعدى ب"عم"، كأنه قيل: أنبت حب الخير عن ذكر ربي. أو: جعلت حب الخير مجزئًا أو مغنيًا عن ذكر ربي. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب"التبيان": أن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: لزمت، من قوله:
مثل بعير السوء إذ أحبا
_________________
(١) ـ قوله: (أنبت)، أي: جعلته نائبا، قال الزجاج: معنى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ آثرت حب الخير على ذكر الله ﷿. الأساس: "استحبوا الكفر على الإيمان" آثروه عليه. وقال صاحب"الفرائد": ذهب جماعة من العلماء إلى أن ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "آثرت"، وأن ﴿عَنْ﴾ بمعنى: "على" وجعلوا ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "استحببت"، وقد جاء بمعنى الإيثار فو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣]، أي: يؤثرونها؛ الإيثار من لوازم الإحباب فيجوز أن يضمن الإحباب معناه ويعدى تعديته، ولكن ﴿عَنْ﴾ بمعنى: "على" فيه بعد. وقال أبو البقاء: ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ هو مفعول به ﴿أَحْبَبْتُ﴾؛ لأن مصدر ﴿أَحْبَبْتُ﴾ الإحباب، ويجوز أن يكون مصدرًا محذوف الزيادة. وقال صاحب"الفرائد": التقدير: أحببت الخير، أي: إحبابًا، ثم أضيف إلى المفعول. قوله: (مثل بعير السوء إذ أحبا)، أوله: تبًا لمن بالهون قد ألبا قبله: كيف قريت شيخك الأزبا لما أتاك بائسًا قرشبا؟ "تبًا" من التباب، وهو الهلاك، أي: أقام ولزم. "أحبا"، من: أحب البعير؛ بالحاء
[ ١٣ / ٢٨٠ ]
وليس بذاك. والخير: المال، كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. والمال: الخيل التي شغلته. أو: سمي الخيل خيرًا كأنها نفس الخير؛ لتعلق الخير بها، قال رسول الله ﷺ: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم: "ما وصف لي رجل فرأيته
_________________
(١) ـ المهملة: إذا وضع ركبتيه على الأرض بحيث لا يرفع بالضرب، ومنه اشتاق المحبة، قوله: "قرشبًا": أي: يابسًا فحلًا. قال صاحب"المطلع": أحب، إذا لزم المكان، مردود؛ لأنها لغة غريبة لا تليق بفصاحة القرآن، مع ما فيه من إخلاء الكلمة عن الفائدة، أي: عن هذا الذي عناه المصنف بقوله: "ليس بذاك"، ولهذا لم يذكره في"الأساس" أصلًا، وإن ذكره الجوهري في"الصحاح" وأنشد المصراع، وقال: الإحباب، البروك. أبو زيد، يقال: بعير محب، وقد أحب إحبابًا، وهو: يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال أبو البقاء: قال أبو علي: أحببت بمعنى: جلست، من إحباب البعير، وهو بروكه، و﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] مفعول له مضاف إلى المفعول. وقال صاحب"الفرائد": لا يبعد أن يفسر ﴿أَحْبَبْتُ﴾ بمعنى: "لزمت" لاستلزم الإحباب اللزوم؛ لأن من أحب شيئًا لزمه، وقال: و﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ على هذا نصب على الحال، أي: لزمت الأرض لحب الخير معرضًا عن ذكر ربي. قوله: (الخيل معقود بنواصيها الخير)، الحديث من رواية مسلم عن جرير، قال: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرس بأصبعه وهو يقول: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر والغنيمة". قوله: (وقال في زيد الخيل حين وفد عليه)، روى صاحب"الاستيعاب": هو زيد بن مهلهل بن زيد الطائي، قد مر على النبي ﷺ في وفد طيء سنة تسع، سماه رسول الله ﷺ
[ ١٣ / ٢٨١ ]
إلا كان دون ما بلغني، إلا زيد الخيل" وسماه زيد الخير. وسأل رجل بلالًا رضي الله
_________________
(١) ـ زيد الخير، وقال: "ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون صفته، غيرك". وكان شاعرًا محسنًا خطيبًا لسنا شجاعًا كريمًا، وكذا في" جامع الأصول". وروى الأنباري في" النزهة": أن الزمخشري لما قدم بغداد للحج جاءه الشيخ الشريف ابن الشجري مهنئًا بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف: كانت مساءلة الركبان تخبرني عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري وقال: وأستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صغر الخبر الخبر ولم ينطق الزمخشري، فلما فرغ الشريف قال: إن زيد الخيل دخل على النبي ﷺ، فحين بصر بالنبي ﷺ رفع صوته بالشهادتين، فقال رسول الله ﷺ: "يا زيد الخيل، كل رجل وصف لي وجدته دون الصفة إلا أنت، فإنك فوق ما وصفت لي وكذلك أنت، ودعا له وأثنى عليه". قوله: (وسماه زيد الخير)، وضع موضع"الخيل": ﴿الْخَيْرِ﴾، فحصل منه ما قصده وكل فضل؛ لأنه أجمع منه لاشتماله عليه وعلى كل فضيلة، وعليه جواب بلال عن قول الرجل: "أردت الخيل، وأنا أردت الخير" فإن الرجل سأل: من السابق في الطراد؟ أجاب عنه بالسابق في الخيرات تمليحًا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وتنبيها على أن السبق الذي يعتنى بشأنه وينبغي أن يسأل عنه هذا لا ذاك كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتِ﴾ [البقرة: ١٨٩].
[ ١٣ / ٢٨٢ ]
عنه عن قوم يستبقون: من السابق؟ فقال: رسول الله ﷺ. فقال له الرجل: أردت الخيل. فقال: وأنا أردت الخير. والتواري بالحجاب: مجاز في غروب الشمس عن تواري الملك. أو المخبأة بحجابها. والذي دل على أن الضمير للشمس: مرور ذكر العشي، ولا بد للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر. وقيل: الضمير للصافنات، أي: حتى توارت بحجاب الليل، يعني الظلام. ومن بدع التفاسير: أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه. ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾: فجعل يمسح مسحًا، أي: يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، يعني: يقطعها. تقول: مسح علاوته؛ إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب؛ إذا قطع أطرافه بسيفه. وعن الحسن: كسف عراقيبها وضرب أعناقها. أراد بالكسف: القطع، ومنه: الكسف في ألقاب الزحاف في العروض. ومن قاله بالشين المعجمة: فمصحف. وقيل:
_________________
(١) ـ قوله: (المخبأة بحجابها)، الأساس: خبأت الجارية، وجارية مخبأة، والنساء مخبآت، وامرأة خبأة تخنس بعد الاطلاع. قوله: (وقيل: الضمير للصافنات)، قال الإمام: هذا أولى؛ لأن بقاءه ﵇ مشتغلًا بالخيل حتى تغرب الشمس وتفوت صلاته ذنب عظيم، فالواجب عليه التضرع بالابتهال لا التهور والتحير بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٢٣]، وإذا قلنا: إن الضمير يعود إلى ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ لا يلزم منه فوت الصلاة، وغايته أن الأولى استغراق الأوقات في ذكر الله من الاشتغال بأمر الدنيا، فترك الأولى وتحسر لذلك، وأمر بالقطع على أن رجوع الضمير حينئذ إلى المذكور القريب وعلى الأول إلى المقدر البعيد. قوله: (تقول: مسح علاوته)، الجوهري: العلاوة رأس الإنسان ما دام في عنقه، يقال: ضرب علاوته، أي: رأسه. قوله: (المسفر)، أي: المجلد والوراق. الجوهري: السفر- بالكسر-: الكتاب، والجمع: الأسفار.
[ ١٣ / ٢٨٣ ]
مسحها بيده استحسانًا لها وإعجابًا بها. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾؟ قلت: بمحذوف، تقديره: قال: ردوها علي، فأضمر وأضمر ما هو جواب له، كأن قائلًا قال: فماذا قال سليمان؟ لأنه موضع مقتض للسؤال اقتضاءً ظاهرًا؛ وهو اشتغال نبي من أنبياء الله بأمر الدنيا، حتى تفوته الصلاة عن وقتها. وقرئ: (بالسؤوق) بهمز الواو لضمتها، كما في أدؤر. ونظيره: الغؤور، في مصدر غارت الشمس. وأما من قرأ: (بالسؤق) فقد جعل الضمة في السين كأنها في الواو للتلاصق، كما قيل: مؤسى. ونظير ساق وسوق: أسد وأسد. وقرئ: (بالساق) اكتفاءً بالواحد عن الجميع؛ لأمن الإلباس.
[﴿ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ ٣٤]
_________________
(١) ـ قوله: (مسحها بيده استحسانًا)، وفي "المعالم": هو قول ضعيف. وقال الزجاج: مسح أعناقها وسوقها بالماء بيده، وإنما قال ذلك قوم؛ لأن قتلها كان عندهم منكرًا، وليس ما يبيحه الله تعالى منكرًا. قوله: (بمحذوف تقديره "قال")، يعني: متعلقة لفظة "قال"، وهي مع المقول جواب عن سؤال مقدر يقتضيه المقام؛ لأن اشتغال مثله من أنبياء الله بأمر الدنيا بعيد، فكأنه ﵇ لما قال: ﴿إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ اتجه لسائل أن يقول: فماذا قال سليمان بعد هذا؟ فأجيب: قال ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فأضمر القول وأضمر سؤال السائل. فقوله: "وأضمر ما هو جواب له"، معناه: أضمر في الكلام ما المحذوف جواب له. قوله: (وأما من قرأ: "بالسؤق")، المطلع: وقرئ: "بالسؤوق" على "فعول"، بهمز الواو وبضمها، كما في: "أجوه" في: "وجوه"، ومنهم من يقرأ: "بالسؤق" مهموز، كما في: "مؤسى" بالهمز.
[ ١٣ / ٢٨٤ ]
قيل: فتن سليمان بعدما ملك عشرين سنه، وملك بعد الفتنة عشرين سنة. وكان من فتنته: أنه ولد له ابن، فقالت: الشياطين: إن عاش لم ننفك من السخرة، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك، فكان يغذوه في السحابة، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتا، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه، فاستغفر ربه وتاب إليه. وروي عن النبي ﷺ: "قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون"، فلذلك قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾. وهذا ونحوه مما لا بأس به. وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان، فالله أعلم بصحته؛ حكوا: أن سليمان بلغه خبر صيدون، وهي مدينة في بعض الجزائر، وأن بها ملكًا عظيم الشأن لا يقوى عليه لتحصنه بالبحر، فخرج إليه تحمله الريح، حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وأصاب بنتًا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهًا، فاصطفاها لنفسه، وأسلمت، وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها
_________________
(١) ـ قوله: (فما راعه)، أي: ما دخل في روعه، أي: قلبه، أي: ما شعر به، ومنه الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي". قوله: (قال سليمان: لأطوفن الليلة)، الحديث بتمامه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة. قوله: (فلم يحمل إلا امرأة)، صح " يحمل" بالياء التحتانية، أي: فلم يحمل شيء، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ١١].
[ ١٣ / ٢٨٥ ]
حزنًا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها، فكستها مثل كسوته، كانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن له كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك، فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد، فجلس عليه تائبًا إلى الله متضرعًا، وكانت له أم ولد يقال لها: أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه عندها يومًا، وأتاها الشيطان صاحب البحر، وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس، واسمه صخر؛ على صورة سليمان، فقال: يا أمينة خاتمي! فتختم به وجلس على كرسي سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وغير سليمان عن هيئته، فأتى أمينة لطلب الخاتم، فأنكرته وطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف، فإذا قال: أنا سليمان، حثوا عليه التراب وسبوه، ثم عمد إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك أربعين صباحًا عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلن: ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. وقيل: بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن. ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر، وابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان، فبقر بطنها فإذا هو الخاتم، فتختم به ووقع ساجدًا، ورجع إليه ملكه، وجاب صخرةً لصخر فجعله فيها، وسد عليه بأخرى ثم أوثقهما بالحديد والرصاص وقذفه في البحر. وقيل: لما افتنن كان يسقط الخاتم في يده لا يتماسك فيها، فقال له آصف: إنك لمفتون بذنبك والخاتم لا يقر في يدك، فتب إلى الله ﷿. ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله،
_________________
(١) ـ قوله: (وكان ملكه في خاتمه)، أي: ما دام الخاتم في يده كان ملكًا مطاعًا. قوله: (الماس)، عن بعضهم: الألف واللام فيه للتعريف؛ من ماس الحديد؛ الذي يقطع به ويثقب الحديد به. قوله: (ولقد أبى العلماء المتقنون قبوله)، أي: قبول ما يروى، وقالوا: هذا من أباطيل
[ ١٣ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ اليهود، هكذا في "المطلع" أيضًا، وقال محيي السنة: هذه القصة عن آخرها ذكرها محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه، ولعمري إنها قريبة مما رويناه عن الأئمة البخاري ومسلم والترمذي، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: "إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس هو صاحب الخضر، فقال: كذب عدو الله" الحديث. وروى محيي السنة: أن وزيره آصف أقام في ملكه يسير بسيرته أربعة عشر يومًا، وسليمان هارب إلى ربه يستغفر لذنبه إلى أن رد الله ملكه، وقال: وهو الجسد الذي قال الله تعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]، وروي أيضًا أن سليمان قال يومًا: "لأطوفن الليلة". وساق الحديث إلى قوله: "فما خرج منهن إلا شق مولود، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه فذلك قوله: ﴿وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. ثم قال: وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه هو الصخر الجني. قال الإمام: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر أن يتشبه بصورة الأنبياء لزم عدم الوثوق بشيء من الشرائع. وثانيها: أنه لو قدر أن يعامل النبي بهذه المعاملة فغيره أولى، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. وثالثها: كيف يليق بحكمة الله أن يسلط الشيطان على غشيان نسائه؟ ! العياذ بالله هذه فرية ليس فيها مرية. ورابعها: كيف يأذن نبي الله على عبادة الصنم؟ وخامسها: أن تفسير ألقاء الجسد على الكرسي بالولد لنفسه لمرض شديد ألقاه الله
[ ١٣ / ٢٨٧ ]
وقالوا: هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل، وتسليط الله إياهم على عباه حتى يقعوا في تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن: قبيح، وأما اتخاذ التماثيل: فيجوز أن تختلف فيه الشرائع، ألا ترى إلى قوله: ﴿مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣]؟ وأما السجود للصورة: فلا يظن بنبي الله أن يأذن فيه، وإذا كان بغير علمه: فلا عليه. وقوله: ﴿وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ ناب عن إفادة معنى إنابة الشيطان منابه نبوًا ظاهرًا.
[﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ﴾ ٣٥]
قدم الاستغفار على استيهاب الملك؛ جريًا على عادة الأنبياء والصالحين في تقديمهم أمر دينهم على أمور ديناهم. ﴿لَا يَنبَغِي﴾: لا يتسهل ولا يكون. ومعنى ﴿مِن بَعْدِ]﴾: دوني. فإن قلت: أما يشبه الحسد والحرص على الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله ما لا يعطيه غيره؟ قلت: كان سليمان ﵇ ناشئًا في بيت الملك والنبوة ووارثًا لهما، فأراد أن يطلب من ربه معجزةً، فطلب على حسب إلفه ملكًا زائدًا على المماليك زيادةً خارقة للعادة
_________________
(١) ـ عليه أو ابتلاه بتسليط خوف أو توقع بلاء، فصار لذلك كالجسد الضعيف الملقى على الكرسي أولى من تفسيره بتسليط عفريت مارد؛ لأن العرب تقول في الضعيف الزمن: إنه لحم على وضم، وجسد بلا روح. هذا هو المراد من قول المصنف: "وألقينا على كرسيه جسدًا ناب عن إنابة الشيطان منابه نبوًا ظاهرًا"، وفي الوجوه التي نسبت إلى الإمام تصرف واختصار، وأشبه الأقاويل في إلقاء الجسد، هو شق الولد؛ لأنه مؤيد بما رويناه عن الأئمة المتقين. قوله: (فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب إلفه ملكًا زائدًا على الممالك زيادة خارقة للعادة)، قالوا: إنما طلب الملك من بين سائر المعجزات؛ لما أن الغالب
[ ١٣ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ في زمنه ﵇ الملك، فطلب مثل ذلك ليكون حجة؛ لأن معجزة كل نبي كانت من جنس الغالب في زمانه، كالسحر في زمن موسى ﵇، فتحداهم بالعصا واليد البيضاء. والطب في زمن عيسى ﵇، فتحداهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى. والفصاحة في زمن نبينا صلوات الله عليه، فتحداهم بأقصر سورة من كلام ذي العزة والكبرياء. وأما الزيادة الخارقة للعادة من حيث تسخير ما لم يسخر للإنس، فقد روى محيي السنة عن مقاتل بن حيان: كان سليمان ملكًا، ولكنه أراد بقوله: ﴿لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، تسخير الرياح والطير والشياطين، بدليل ما بعده. وروى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] فرددته خاسئًا. وأما من حيث تسخير الملوك، فهو ما ذكر الفقيه أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في"تاريخه": أن سليمان ﵇ ورث ملك أبيه في عصر كيخسر وبن شباوش وسار من الشام إلى العراق، فبلغ خبره كيخسرو، فهرب إلى خراسان، فلم يلبث قليلًا حتى هلك، ثم سار سليمان إلى مرو، ثم إلى بلاد الترك فوغل فيها، وجاز بلاد الصين، ثم عطف إلى أن وافى بلاد الفرس فنزلها أيامًا، ثم عاد إلى السام فوافى تدمر وكانت مطنه، ثم أمر ببناء المقدس، فلما فرغ منه سار إلى تهامة ثم إلى صنعاء وتفقد الطير، وكان من حديثه مع صاحبة صنعاء ما ذكره الله تعالى، وغزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة وإفرنجة ونواحيها. والله أعلم بحقيقة الحال،
[ ١٣ / ٢٨٩ ]
بالغة حد الإعجاز؛ ليكون ذلك دليلًا على نبوته قاهرًا للمبعوث إليهم، وأن يكون معجزةً حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله: ﴿لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾. وقيل: كان ملكًا عظيمًا، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقيل: ملكًا لا أسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي، كما سلبته مرة وأقيم مقامي غيري. ويجوز أن يقال: علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك العظيم مصالح في الدين، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة استيهابه، فأمره أن يستوهبه إياه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة التي علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده. أو أراد أن يقول: ملكًا عظيمًا، فقال: ﴿لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾، ولم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته، كما تقول: لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال، وربما كان للناس أمثال ذلك، ولكنك تريد تعظيم ما عنده. وعن الحجاج: أنه قيل له: إنك حسود، فقال: أحسد مني من قال: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾. وهذا من جرأته على الله وشيطنته، كما حكي عنه: طاعتنا أوجب من طاعة الله؛ لأنه شرط في طاعته فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأطلق طاعتنا فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
[﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * والشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغَوَّاصٍ * وآخَرِينَ
_________________
(١) ـ قوله: (وأطلق طاعتنا فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وروي عن المصنف: نسي الحجاج شرطًا آخر، وهو أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فشرط أن يكون من المؤمنين، وه لم يكن من المؤمنين، يريد أن"من" في ﴿مِنْكُمْ﴾ للاتصال، كقوله: "من غشنا فليس منا". وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، كالطوق في عنقه؛ لأنه قيد للمطلق، أي: فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين فارجعوا إلى الكتاب والسنة.
[ ١٣ / ٢٩٠ ]
مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وإنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٣٦ - ٤٠]
قرئ: ﴿الرِّيحَ﴾، و(الرياح)، ﴿رُخَاءً﴾: لينة طيبة لا تزعزع. وقيل: طيعة له لا تمتنع عليه، ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: حيث قصد وأراد. حكى الأصمعي عن العرب: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا، ورجعا. ويقال: أصاب الله بك خيرًا. ﴿وَالشَّيَاطِنَ﴾ عطف على ﴿الرِّيحَ﴾، و﴿كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ بدل من ﴿وَالشَّيَاطِنَ﴾، ﴿وَآخَرينَ﴾: عطف على ﴿كُلِّ﴾ داخل في حكم البدل، وهو بدل الكل من الكل: كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ، وهو أول من استخرج الدر من البحر، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. وعن السدي: كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغللين في الجوامع. والصفد القيد، وسمي به العطاء؛ لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي ﵁: من برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك. وقول القائل: غل يدًا مطلقها، وأرق رقبة معتقها. وقال حبيب:
إن العطاء إسار
_________________
(١) ـ قوله: (قريء: ﴿الرِّيحَ﴾، وهي المشهورة، و"الرياح": شاذة. قوله: (في الجوامع)، الجوهري: الجامعة: الغل؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق. قوله: (والصفد: القيد، وسمي به العطاء)، قال الزجاج: الأصفاد، هي: السلاسل من الحديد، وكل ما شددت به شدًا وثيقًا بالحديد وغيره فقد صفدته، وكل ما أعطيته عطاء جزيلًا فقد أصفدته، كأنك أعطيته ما ترتبطه به. قوله: (إن العطاء إسار)، أوله لأبي تمام حبيب بن أوس:
[ ١٣ / ٢٩١ ]
وتبعه من قال:
ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا
وفرقوا بين الفعلين؛ فقالوا: صفده: قيده، وأصفده: أعطاه، كوعده وأوعده، أي: ﴿هَذَا﴾ الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة ﴿عَطَاؤُنَا﴾، ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾، يعني: جمًا كثيرًا لا يكاد يقدر على حسبه وحصره، ﴿فَامْنُنْ﴾ من المنة؛ وهي العطاء،
_________________
(١) ـ هممي معلقة عليك رقابها مغلولة إن العطاء إسار الإسار: القيد، وهو مصدر أيضًا، يقال: أسرت الرجل أسرًا وإسارًا، والرواية في ديوانه: "إن الوفاء إسار" يقول: أحسنت إلي فصيرني إحسانك أسيرًا لك. قبله: أيامنا مصقولة أطرفها بك والليالي كلها أسحار ومودتي لك لا تعار بلى إذا ما كان تامور الفؤاد يعار التامور: القلب، يقول: لا أعير مدتك سواك، كما أني لا أعير قلبي ودمي. قوله: (وتبعه)، أي: المتنبي أخذ من هذا قوله: وقيدت نفسي في ذراك محبة ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا الذرة- بالفتح- كل ما استترت به، يقال: أنا في ظل فلان وفي ذراه، أي: في كنفه. قوله: (﴿عَطَاؤُنَا﴾، ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾)، قدم ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ على ﴿فَامْنُنْ﴾ ليشير إلى أن ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ متعلق بـ ﴿عَطَاؤُنَا﴾، والفاء في ﴿فَامْنُنْ﴾ للتفصيل أو جزاء شرط محذوف، و﴿أَوْ﴾ للإباحة والتخيير، ولذلك قال: "مفوضًا إليك التصرف فيه". وعن بعضهم: ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حال من ﴿عَطَاؤُنَا﴾ أي: هذا عطاؤنا واسعًا؛ لأن الحساب بمعنى: الكافي.
[ ١٣ / ٢٩٢ ]
أي: فأعط منه ما شئت ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ مفوضًا إليك التصرف فيه. وفي قراءة ابن مسعود: (هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب)؛ أو: هذا التسخير عطاؤنا، فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، وأمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب، أي: لا حساب عليك في ذلك.
[﴿واذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وشَرَابٌ * ووَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ * وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ ولا تَحْنَثْ إنَّا وجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٤١ - ٤٤]
﴿أَيُّوبَ﴾ عطف بيان، و﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال منه، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾: بأني مسني؛ حكايةً لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسه؛ لأنه غائب. وقرئ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وفتحها مع سكون الصاد، وبفتحهما، وضمهما، فالنصب والنصب: كالرشد والرشد، والنصب: على أصل المصدر والنصب: تثقيل نصب، والمعنى واحد؛ وهو التعب والمشقة. والعذاب: الألم، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب. وقيل: الضر في البدن، والعذاب في ذهاب الأهل والمال. فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه الله على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحًا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن
_________________
(١) ـ قوله: (أو هذا التسخير عطاؤنا)، وعلى هذا ﴿بَغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حال من الضمير في ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ والمعنى: غير محاسب عليك، و﴿أَوْ﴾ للتنويع، ومن ثم أتى بالواو بدله، ويجوز الإباحة. قوله: (وقرئ: ﴿بِنُصْبٍ﴾ بضم النون وفتحها)، المشهورة: بضم النون وسكون الصاد، والبواقي: شواذ. قوله: (وقد نكبه)، الجوهري: النكبة: واحدة نكبات الدهر، تقول: أصابته نكبة،
[ ١٣ / ٢٩٣ ]
أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت: لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببًا فيما مسه الله به من النصب والعذاب؛ نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك؛ حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه: من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل. وروي: أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان: إن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين. وذكر في سبب بلائه: أن رجلًا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه ولم يعزه. وقيل: أعجب بكثرة ماله. ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: حكاية ما أجيب به أيوب، أي: اضرب برجلك الأرض. وعن قتادة: هي أرض الجابية، فضربها، فنبعت عين فقيل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وشَرَابٌ﴾ أي: هذا ماء تغتسل به وتشرب منه، فيبرأ باطنك وظاهرك، وتنقلب ما بك قلبة. وقيل: نبعت له عينان، فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله. وقيل: ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها، ثم باليسرى فنبعت باردة فشرب منها. ﴿رَحْمَةً مِّنَّا وذِكْرَى﴾ مفعول لهما. والمعنى: أن الهبة كانت للرحمة له
_________________
(١) ـ ونكب فلان فهو منكوب. والجابية: مدينة الشام، وقيل: فيها جباب كثيرة كانت في إقطاع إلى تمام. قوله: (أي: هذا ماء تغتسل به)، الراغب: غسلت الشيء: أسلت عليه الماء فأزلت درنه، والغسل: الاسم، والغسل: ما يغسل به، والاغتسال: غسل البدن، والمغتسل: موضع يغتسل فيه. قوله: (ما بك قلبة)، الأساس: قلبة: داء يتقلب منه على فراشه.
[ ١٣ / ٢٩٤ ]
ولتذكير أولي الألباب؛ لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء وعاقبة الصابرين، وما يفعل الله بهم. ﴿خُذْ﴾ معطوف على ﴿ارْكُضْ﴾. والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن عباس: قبضة من الشجر، كان حلف في مرضه ليضربن امرأته مئةً إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها؛ لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها، وهذه الرخصة باقية. وعن النبي ﷺ: أنه أتي بمخدج، قد خبث بأمة، فقال: "خذوا عثكالًا فيه مئة شمراخ فاضربوه بها ضربة". ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المئة، إما أطرافها قائمةً، وإما أعراضها مبسوطةً مع وجود صورة الضرب. وكان السبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبةً في حاجة فخرج صدره. وقيل: باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب إذا قام. وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدةً فأرد عليكم مالكم وأولادكم، فهمت بذلك فأدركتها العصمة، فذكرت ذلك له، فحلف. وقيل: أوهمها الشيطان أن أيوب إذا شرب الخمر برأ، فعرضت له بذلك. وقيل: سألته أن يقرب للشيطان بعناق. ﴿وَجَدْنَاهُ صّابِرًا﴾: علمناه صابرًا. فإن قلت: كيف وجده صابرًا وقد شكا إليه ما به واسترحمه؟ قلت: الشكوى إلى الله عز وعلا لا تسمى جزعًا، ولقد قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وكذلك شكوى العليل إلى الطبيب؛ وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني العافية
_________________
(١) ـ قوله: (بمخدج)، أي: ضعيف ناقص البدن. النهاية: الخداج، النقصان، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوانه وإن كان تام الخلق. "العثكال": العذق، وكل غصن من أغصانه شمراخ، وهو الذي عليه البسر. قوله: (ويجب أن يصيب) إلى آخره، وقيل: الصواب لا يجب، بل إن أصابه ثقل الجميع بأن ينكس عليه الشمراخ كفى.
[ ١٣ / ٢٩٥ ]
وطلبها، فإذا صح أن يسمى صابرًا مع تمني العافية وطلب الشفاء، فليسم صابرًا مع اللجأ إلى الله تعالى، والدعاء بكشف ما به، ومع التعالج ومشاورة الأطباء، على أن أيوب ﵇ كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم كما كان يوسوس إليه أنه لو كان نبيًا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به؛ وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. ويروى: أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يهبني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسيًا ومعي جائع أو عريان؛ فكشف الله عنه.
[﴿واذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ * إنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ ٤٥ - ٤٧]
﴿إبْرَاهِيمَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ﴾: عطف بيان لـ ﴿عِبَادَنَا﴾، ومن قرأ: (عبدنا) جعل ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على (عبدنا)؛ وهي: إسحاق ويعقوب، كقراءة ابن عباس: ﴿وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي؛ غلبت، فقيل في كل عمل: هذا مما عملت أيديهم،
_________________
(١) ـ قوله: (ولم يهبني)، من الهبة والروع وهو كناية عن التعظيم والإعجاب، قال الشاعر: بدا فراع فؤادي حسن منظره قوله: (ومن قرأ: "عبدنا")، وهو ابن كثير. قوله: (جعل ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ وحده عطف بيان)، قال مكي: فيكون إبراهيم داخلًا في العبودية والذكر، ﴿وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ﴾ داخلان في الذكر لا غير، وهما داخلان في العبودية بغير هذه الآية.
[ ١٣ / ٢٩٦ ]
وإن كان عملًا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمال جذمًا لا أيدي لهم وعلى ذلك ورد قوله عز وعلا: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ﴾ يريد: أولي الأعمال والفكر، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات، ولا يستبصرون؛ في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم. وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما. وقرئ: (أولي الأيادي) على جمع الجمع. وفي قراءة ابن مسعود: (أولي الأيد) على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة. وتفسيره بالأيد- من التأييد- قلق
_________________
(١) ـ قوله: (وتفسيره بالأيد- من التأييد- قلق)، يريد قول الزجاج: ومن قرأ: "أولي الأيد" بغير ياء، فمعناه: من التأييد والتقوية على الشيء، وإنما كان قلقًا؛ لأنه لا يلائم الأبصار. قال: الأبصار: جمع البصر، وهي الجارحة، والمراد ها هنا البصيرة، فإذا لم يجعل ﴿الْأَيْدِي﴾ جمع اليد المراد بها العمل لم يتطابقا لفظًا ولا معنى، ولأن التأييد من أفعال الله تعالى وهو لفظه وتوفيقه. وقال ابن جني: وهي قراءة الحسن والثقفي والأعمش، ويحتمل أن يراد بها ﴿الْأَيْدِي﴾ على قراءة العامة، فحذف الياء تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، فيراد القوة في إطاعة الله، والعمل بما يرضيه، لقراءته بالأبصار، أي: البصر بما يحظى عند الله، فـ ﴿الْأَيْدِي﴾ على هذا جمع اليد التي هي القوة، كقولك: له يد في الطاعة وقدم في المتابعة، فالمعنيان واحد، وهو: البصيرة والنهضة في طاعة الله تعالى. وقال الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين فلما جعلوا اليد عبارة هن القوة، أغرق فيه وجعل اليمين عبارة عنها؛ لأنها أقوى من الشمال، ويحتمل أن يراد بها النعمة والتأييد، هذا خلاصة كلام ابن جني.
[ ١٣ / ٢٩٧ ]
غير متمكن ﴿أَخْلَصْنَاهُم﴾: جعلناهم لنا خالصين ﴿بِخَالِصَةٍ﴾: بخصلة خالصة لا شوب فيها، ثم فسرها بـ ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتقاء الكدورة عنها. وقرئ على الإضافة. والمعنى: بما خلص من ذكرى الدار،
_________________
(١) قوله: ثم فسرها ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]، أو شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء، هذا كقوله في إبدال ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ﴾ [الفاتحة: ٧]، الإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، إلى آخره. وقال الزجاج وأبو البقاء: يجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ بدلًا من"خالصة". وقال القاضي: المعنى أن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه، وذلك في الآخرة، وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقية، والدنيا معبر. وأضاف نافع"خالصة" إلى ﴿ذِكْرَى﴾ للبيان. وقال أبو البقاء: والإضافة من باب إضافة الشيء إلى ما يبينه لأن الخالصة قد تكون ذكرى وغير ذكرى، والخالصة مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: بإخلاصهم ذكرى الدار، وقيل: بمعنى خلوص، فالإضافة إلى الفاعل، أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار. وعن بعضهم: "خالصة" اسم فاعل، تقديره: بخالص ذكرى الدار، أي: خالص أن يشاب بغيره، وقرئ بتنوين"خالصة"، فيجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع نصب مفعول"خالصة"، أو على إضمار: أعني، وأن يكون في موضع رفع فاعل"خالصة"، أو على تقدير: في ﴿ذِكْرَى﴾. والمصنف اختار أن يكون مضافًا إلى المفعول له، لقوله: "إنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر".
[ ١٣ / ٢٩٨ ]
على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير. ومعنى ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: ذكراهم الآخرة دائبًا، ونسيانهم إليها ذكر الدنيا. أو: تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، وتزهيدهم في الدنيا، كما هو شأن الأنبياء وديدنهم. وقيل: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم. فإن قلت: ما معنى ﴿أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ﴾؟ قلت: معناه: أخلصناهم بسبب هذه الخصلة، وبأنهم من أهلها. أو: أخلصناهم بتوفيقهم لها، واللطف بهم في اختيارها. وتعضد الأول قراءة من قرأ: (بخالصتهم). ﴿المُصْطَفَيْنَ﴾: المختارين من بين أبناء جنسهم.
_________________
(١) ـ قوله: (ونسيانهم إليها)، ضمن النسيان معنى: الضم، يعني: معنى ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم الآخرة منضمًا إليها نسيان ذكر الدنيا، أي: هم مستغرقون في ذكر الآخرة مشتغلون بها عن ذكر الدنيا. قوله: (وقيل: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ الثناء الجميل في الدنيا)، قال أبو البقاء: إضافة "الذكرى" إلى" الدار" في المعنى ظرف، أي: ذكرهم في الدار الدنيا، وهو: إما مفعول به على السعة نحو: "يا سارق الليلة"، أو على حذف حرف الجر نحو: "ذهبت الشام". وقال الجوهري: الذكر والذكرى نقيض النسيان، وذكرت الشيء بعد النسيان وذكرته بلساني وبقلبي، والذكر: الصيت والثناء. فقول المصنف: "ومعنى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ ذكراهم الآخرة دائبًا" مبني على أن الذكرى نقيض النسيان، لقوله: "ونسيانهم إليها ذكرى الدنيا". وقوله: "أو تذكيرهم الآخرة" على أنها من الذكر اللساني، لقوله: "هو شأن الأنبياء وديدنهم". وقوله: " الثناء الجميل في الدنيا" على أن"الذكرى": الصيت والثناء. قوله: (وتعضد الأول)، أي: على تكون التاء للسببية، والمعنى: أنهم من أهلها، أي: هذه الخصلة لهم وحقهم، وتضاف إليهم كما أضيفت في هذه القراءة لا أن تكون
[ ١٣ / ٢٩٩ ]
و﴿الْأَخْيَارِ﴾ جمع خير، أو: خير على التخفيف؛ كالأموات في جمع ميت أو ميت.
[﴿واذْكُرْ إسْمَاعِيلَ والْيَسَعَ وذَا الكِفْلِ وكُلٌّ مِّنَ الأَخْيَارِ﴾ ٤٨]
﴿والْيَسَعَ﴾ كأن حرف التعريف دخل على يسع. وقرئ: (والليسع)، كأن حرف التعريف
دخل على ليسع، فيعل من اللسع. والتنوين في ﴿وكُلٌّ﴾ عوض من المضاف إليه، معناه: وكلهم من الأخيار.
[﴿هَذَا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرَابٍ * وعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ٤٩ - ٥٢]
﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا نوع من الذكر؛ وهو القرآن. لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه، وهو باب من أبواب التنزيل، ونوع من أنوعه، وأراد أن يذكر على عقبه بابًا آخر؛ وهو
_________________
(١) ـ بتوفيقهم، أي: أخلصناهم بتوفيقنا إياهم لها، ويعضد الوجه الثاني قوله: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي والأَبْصَارِ﴾ لما وصفوا بأنهم أولو الأعمال والفكر، علل بأن ذلك من توفيق الله وتسديده، ولو قيل: إنهم أولو الأعمال والفكر وأصحاب البصائر والنظر؛ لأنًا اخلصناهم لنا بسبب هذا الذكر والفكر، لم يحسن ذلك الحسن. قوله: (وقرئ: "والليسع")، قرأها حمزة والكسائي، ودخول حرف التعريف عليه نحو قولهم: رأيت الوليد بن اليزيد في "الموضح".
[ ١٣ / ٣٠٠ ]
ذكر الجنة وأهلها؛ قال: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾، ثم قال: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر، ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيت وكيت؛ والدليل عليه: أنه لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار؛ قال: ﴿هَذَا وإنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ [ص: ٥٥]. وقيل: معناه: هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدًا. وعن ابن عباس ﵁: هذا ذكر من مضى من الأنبياء. ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ معرفة لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١]، وانتصابها على أنها عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾. ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها ما في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ من معنى الفعل. وفي ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير "الجنات"، و﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، كقولهم:
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: معناه: هذا شرف)، ﴿هَذَا﴾ مبتدأ و﴿ذِكْرٌ﴾ خبر، فالمناسب أن الذكر إذا أريد به القرآن يكون بمعنى التذكير والشرف، وإذا أريد به ذكر من مضى من الأنبياء يكون بمعنى الذكر المتعارف على ما مضى في قوله: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قوله: (لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾)، يعني: أن "عدنًا" علم، بدليل وصفه بالموصوف. قوله: (وفي ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير "الجنات"، و﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير)، قال أبو البقاء: أما ارتفاع ﴿الأَبْوَابُ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو فاعل ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، والعائد محذوف، أي: مفتحة لهم الأبواب منها. والثاني: هي بدل من الضمير في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، وهو ضمير "الجنات" و﴿الأَبْوَابُ﴾ غير أجنبي منها؛ لأنها من الجنة وقد يقال: "فتحت الجنة" يراد أبوابها ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩]، وقيل: إن من شرط إعمال الصفة أن يكون في السبب دون الأجنبي. والثالث: كالأول إلا أن الألف واللام بدل من الهاء العائدة، وفيه بعد، وهو قول الكوفيين.
[ ١٣ / ٣٠١ ]
ضرب زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال. وقرئ: (جنات عدن مفتحة)
_________________
(١) ـ وقال الزجاج: ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ﴾ منها، أجود من أن تجعل الألف واللام بدلًا من الضمير لأن معنى اللام ليس من الضمير في شيء، ولأن الحرف لا يبدل من الاسم. وقال أبو علي في "الإغفال": لا يخلو الألف واللام من أن يكون للتعريف أو بدلًا من الضمير، كما في قوله: حسن الوجه، فلو كان الثاني لوجب أن يكون في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير ﴿جَنَّاتٍ﴾ كما في قولنا: مررت برجل حسن الوجه، ضمير الرجل، بدليل قولنا: مررت بامرأة حسنة الوجه، ولو كان في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير " الجنات" لوجب أن تنتصب ﴿الأَبْوَابُ﴾، كقوله: الشعرى رقابًا والعقور كلبًا، ولا يرتفع؛ لا متناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد على وجه الاشتراك، فما لم ينتصب دل على خلو الضمير، فإذا لم يكن مثل "حسن الوجه"، فلا تكون اللام إلا للتعريف فيحتاج حينئذ ألى ضمير يرجع إلى الموصوف لنحو "منها" و﴿فِيهَا﴾، هكذا ينبغي أن يرد قولهم، لا كما قال الزجاج: إن معنى اللام ليس من الضمير في شيء، فإنه يجبيء في معناه، كما في "حسن الوجه" لقولهم: الحسن الوجه، والحسن وجهه، فأدخلوا اللام في المعنيين كما أدخلوا فيه الضمير، ألا تراهم: إن التنوين بدل من المضاف إليه ويقولون: الضارب زيد. وقال أبو علي أيضًا: يجوز أن يكون ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدلًا من الضمير الذي في ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، كقولك: جاءني القوم بعضهم؛ لأن الأبواب من الجنة؟ قوله: (ضرب زيد اليد والرجل)، روي عن المصنف أنه قال: الجار مع المجرور في حكم الظرف، كأنه قيل: جنات عدن استقرت للمتقين حال كونها مفتحة لهم الأبواب، ﴿الأَبْوَابُ﴾: بدل الاشتمال، واليد والرجل: بدل البعض من الكل، فإنما يستشهد به من حيث إنه ليس فيه ضمير راجع إلى زيد، كما أنه ليس في ﴿الأَبْوَابُ﴾ ضمير راجع إلى "الجنات"، قال أبو علي: من قدر: "مفتحة أبوابها"، إن أراد إفهامها المعنى فإنه لا بد من تقدير شيء ليرجع إلى الموصوف فيستقيم، وإن أراد أن الألف واللام في ﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير؛ فغير مستقيم.
[ ١٣ / ٣٠٢ ]
بالرفع، على أن (جنات عدن) مبتدأ، و(مفتحة) خبره، أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي: هو جنات عدن هي مفتحة لهم. كأن اللدات سمين أترابًا؛ لأن التراب مسهن في وقت واحد، وإنما جعلن على سن واحدة؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت. وقيل: هن أتراب لأزواجهن، أسنانهن كأسنانهم.
[﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسَابِ * إنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ ٥٣ - ٥٤]
قرئ: ﴿تُوعَدُونَ﴾ بالتاء والياء ﴿لِيَوْمِ الحِسَابِ﴾: لأجل يوم الحساب، كما تقول: هذا ما تدخرونه ليوم الحساب، أي: ليوم تجزى كل نفس ما عملت.
[﴿هَذَا وإنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ
_________________
(١) ـ وقال ابن الحاجب: وفي ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ ضمير "الجنات"، و﴿الأَبْوَابُ﴾ بدل من الضمير؛ بدل الاشتمال كما تقول: فتحت الجنة أبوابها، والأبواب منها فحذف الضمير للعلم به، كما تقول: ضرب زيد الرأس والظهر. وقال أبو البقاء: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من المجرور في ﴿لَهُمْ﴾، والعامل ﴿مُّفَتَّحَةً﴾، ويجوز أن يكون حالًا من "المتقين"، لأنه قد أخبر عنهم قبل الحال، وقيل: هو حال من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ وقد تقدم على العامل. قوله: (كأن اللدات سمين أترابًا)، الجوهري: لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة، وهما لدان والجمع: لدات ولدون، وقولهم: هذه، أي: لدتها. وهن أتراب. قوله: (قرئ: ﴿تُوعَدُونَ﴾ بالتاء والياء)، بالياء التحتانية: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بالتاء.
[ ١٣ / ٣٠٣ ]
وغَسَّاقٌ * وآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ القَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ ٥٥ - ٦١]
﴿هَذَا﴾ أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر. ﴿فَبِئْسَ المِهَادُ﴾، كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم، أي: هذا حميم فليذوقوه. أو: العذاب هذا فليذوقوه، ثم ابتدأ فقال:
_________________
(١) ـ قوله: (﴿هَذَا﴾، أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر)، أي: ﴿هَذَا﴾ إما خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، والأول من فصل الخطاب دون الثاني، وقوله تعالى: ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من "شر"، و﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حال، والعامل فيه الاستقرار في قوله: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ وقيل: التقدير: يصلونها جهنم، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه. قوله: (أي: هذا حميم فليذوقوه)، ذكر فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: ﴿هَذَا﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوب بفعل مضمر على شريطة التفسير. قال مكي: قيل: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ خبر ﴿هَذَا﴾ ودخلت الفاء للتنبيه الذي في ﴿هَذَا﴾، ويجوز أن يكون ﴿هَذَا﴾ في موضع نصب بـ"يذوقوا" والفاء زائدة، كقولك: هذا زيد فاضربه، ولولا الفاء لكان الاختيار النصب؛ لأنه أمر فهو بالفعل أولى. وقال صاحب "الكشف": جوز أبو علي أن يكون ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، والخبر ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ صفة لـ ﴿حَمِيمٌ﴾ وليس بنوع آخر، فيكون قوله: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ عنده اعتراضًا، كما تقول: زيد- فافهم- رجل صالح. قال أبو علي: هو مثل قول الشاعر:
[ ١٣ / ٣٠٤ ]
هو ﴿حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. أو: هذا فليذوقوه، بمنزلة ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] أي: ليذوقوا هذا فليذوقوه. والغساق: بالتخفيف والتشديد: ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين؛ إذا سال دمعها. وقيل: الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده.
وقيل: لو قطرت قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق. وعن الحسن ﵁: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى، إن الناس أخفوا الله طاعةً فأخفى لهم ثوابًا في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وأخفوا معصيةً فأخفى لهم عقوبة. (وأخر): ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق من مثله في الشدة والفظاعة. ﴿أَزْوَاجٌ﴾:
_________________
(١) ـ خولان فانكح فتاتهم حمله سيبويه على أن "خولان" حملة، وكأنه قال: هؤلاء خولان، فالمعنى على هذا: أنبه- أو أشير- إلى الذي توعدوه من قبل وعرفوه حق معرفته ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾. قوله: (والغساق: بالتخفيف والتشديد)، بالتشديد: حفص وحمزة والكسائي. الراغب: الغساق: ما يقطر من جلود أهل النار. قوله: ("وأخر": ومذوقات أخر)، قال مكي: و﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ صفة لـ ﴿آخَرُ﴾ و﴿أَزْوَاجٌ﴾ الخبر، والهاء في ﴿شَكْلِهِ﴾ يعود على المعنى، أي: وآخر من شكله ما ذكرنا،
[ ١٣ / ٣٠٥ ]
أجناس. وقرئ: ﴿وَآخَرُ﴾: أي: وعذاب آخر، أو: مذوق آخر. و﴿أَزْوَاجٌ﴾: صفة لـ ﴿وَآخَرُ﴾؛ لأنه يجوز أن يكون ضروبًا، أو صفة للثلاثة، وهي: حميم، وغساق، وآخر. ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ وقرئ: (من شكله) بالكسر، وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير. ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾: هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي: دخل النار في صحبتكم وقرانكم. والاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها. والقحمة: الشدة. وهذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض، أي: يقولون هذا. والمراد بالفوج: أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾: دعاء منهم على أتباعهم. تقول لمن تدعو له: مرحبًا، أي: أتيت رحبًا من البلاد لا ضيقًا، أو: رحبت بلادك رحبًا، ثم تدخل عليه "لا" في دعاء السوء. و﴿بِهِمْ﴾ بيان للمدعو عليهم، ﴿إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. وقيل: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾: كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم، و﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ كلام الرؤساء. وقيل: هذا كله كلام الخزنة. ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به، وعللوا ذلك بقولهم:
_________________
(١) ـ وقيل: يعود على الحميم، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا، أي: ولهم آخر، ومن ﴿شَكْلِهِ﴾ و﴿أَزْوَاجٌ﴾ صفتان، ومن قرأ: ﴿آخَرَ﴾ بالتوحيد رفعه بالابتداء أيضًا، و﴿أَزْوَاجٌ﴾ مبتدأ ثان، و﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ خبر الأزواج، والجملة خبر "آخر". ويجوز أن يكون "آخر" معطوفًا على ﴿حَمِيمٌ﴾، و﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ نعت له، و﴿أَزْوَاجٌ﴾ يرتفع بالجار، ولا يحسن أن يكون ﴿أَزْوَاجٌ﴾ خبرًا عن " آخر"؛ لأن الجمع لا يكون خبرًا عن الواحد. قوله: (وأما الغنج فبالكسر لا غير)، يعني: "الشكل" بالفتح، والكسر: المثل، وأما الذي بمعنى الغنج فبالكسر لا غير. الجوهري: الشكل؛ بالفتح: المثل، وبالكسر: الدل، يقال: امرأة ذات شكل. قوله: (﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾)، ﴿مِرْحَبًا بِهِمْ﴾ دعاء منهم. وقال أبو البقاء: ﴿لا مَرْحَبًا﴾
[ ١٣ / ٣٠٦ ]
﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، والضمير للعذاب أو لصليهم. فإن قلت: ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ قلت: المقدم هو عمل السوء، قال الله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠ - ٥١]، ولكن الرؤساء لما كانوا السبب فيه بإغوائهم، وكان العذاب جزاءهم عليه؛ قيل: ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، فجعل الرؤساء هم المقدمين، وجعل الجزاء هو المقدم، فجمع بين مجازين؛ لأن العاملين هم المقدمون في الحقيقة لارؤساؤهم، والعمل هو المقدم لا جزاؤه. فإن قلت: فالذي جعل قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ من كلام الخزنة ما يصنع بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾
_________________
(١) ـ يجوز أن يكون مستأنفًا وأن يكون حالًا، أي: هذا مقولًا له: ﴿لا مَرْحَبًا﴾، و﴿مَرْحَبًا﴾ منصوب على المصدر، أو على المفعول، أي: لا تسمعون مرحبًا. وقوله تعالى: ﴿مَّعَكُمْ﴾ يجوز أن يكون حالًا من الضمير في ﴿مُقْتَحِمٌ﴾ أو من ﴿فَوْجٌ﴾؛ لأنه قد وصف، ولا يجوز أن يكون ظرفًا لفساد المعنى، ولا يجوز أن يكون نعتًا ثانيًا. قوله: (فجمع بين مجازين)، المجاز الأول في الإسناد: (هم)؛ لأن المقدمين هم الأتباع، فجعل الرؤساء هم المقدمين، ولما كانوا السبب في الإغراء أسند الفعل إليهم. والثاني: العمل هو المقدم، فجعل المقدم الجزاء، وهو من إطلاق اسم المسبب على السبب. قوله: (فالذي جعل قوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ من كلام الخزنة ما يصنع بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾؟) يعني: قد سبق أن الرؤساءإذا قالوا لأجل الأتباع: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ دعاء عليهم، صح أن يجيبهم الأتباع بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ وإذا كان ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ كلامًا للخزنة فكيف يكون هذا جوابًا لهم؟ وأجاب: أن الأتباع إذا سمعوا من الخزنة هذا الدعاء أقبلوا على رؤسائهم قائلين: يا رؤساء السوء أنتم أحق به منا لإغوائكم إيانا.
[ ١٣ / ٣٠٧ ]
والمخاطبون - أعني رؤساءهم- لم يتكلموا بما يكون هذا جوابًا لهم؟ قلت: كأنه قيل: هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا؛ لإغوائكم إيانًا وتسببكم فيما نحن فيه من العذاب، وهذا صحيح كما لو زين قوم لقوم بعض المساوئ فارتكبوه، فقيل: للمزينين: أخزى الله هؤلاء ما أسوأ فعلهم! فقال المزين لهم للمزينين: بل أنتم أولى بالخزي منا؛ فلولا أنتم لم نرتكب ذلك. ﴿قَالُوا﴾ هم الأتباع أيضًا: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفًا، ومعناه: ذا ضعف، ونحوه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وهو أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين، كقوله ﷿: ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وجاء في التفسير: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ [ص: ٦١]: حيات وأفاعي.
_________________
(١) ـ قوله: (فقيل للمزينين)، يروى بكسر الياء وفتحها، فتقدير الفتح: المزين لهم، أي: الذين زين الفعل لهم، و"لهم" صلته بنزع الخافض، وهذا أوفق للمستشهد له؛ لأن الذين قيل في حقهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وهم الأتباع كالمزينين، أي: المزين لهم، وهم الذين قالوا للرؤساء: ﴿لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، والمتبوعون كالمزينين؛ بالكسر. قوله: ﴿قَالُوا﴾ هم الأتباع أيضًا)، أي: القائلون لقوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ هم الأتباع أيضًا. قال أبو البقاء: ﴿مَن قَدَّمَ﴾ هي بمعنى: "الذي"، و﴿فَزِدْهُ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون ﴿مَنْ﴾ نصبًا، أي: فزد من قدم. وقلت: فعلى هذا يكون منصوبًا على شريطة التفسير، والأتباع لما كافحوا الرؤساء بقولهم: ﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ وصلوا به متضرعين: ربنا فزد من قدم لنا هذا، ثم عطفوا عليه ﴿فَزِدْهُ﴾ أي: زيادة غب زيادة من غير انقطاع. قوله: (كقوله: ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨])، يعني: وصف العذاب بالضعف في الآيتين على معنى: مضاعفًا، وذا ضعف، وفي الآية الثالثة بين ضعفين
[ ١٣ / ٣٠٨ ]
_________________
(١) بقوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ ليدل على أن المراد بالضعف: أن يزاد على عذابه مثله؛ لأن القصة واحدة، وأنه من كلام الأتباع للرؤساء. وقيل: بل الصواب أن تقول: إذا زيد عليه ضعفه يصير أضعافًا لا ضعفيه، فإن ضعف الشيء مثلاه، وضعفيه ثلاثة أمثاله، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ وإذا زاد على عذابهم ضعفًا فيكون قد أتاهم ضعفين فتطابق قوله في موضع آخر: ﴿رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ونحمد الله على التوفيق لاستخراج المعاني الدقيق. وقلت: نظير هذا البحث ذكره صاحب" المغرب"، وقد ذكرناه ولا باس أن نعيده ها هنا، قال: روى أبو عمرو عن أبي عبيدة في قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] قال: معناه: جعل الواحد ثلاثة أي: تعذب ثلاثًا أعذبة. وأنكره الأزهري وقال: هذا هو الذي يستعمله الناس في كلامهم ومتعارفهم، وإنما الذي قال الحذاق: إنما تعذب مثلي عذاب غيرها؛ لأن الضعف في كلام العرب: المثل إلى ما زاد، وليست تلك الزيادة بمقصورة على مثلين فيكون ما قال أبو عبيدة صوابًا، وبهذا علم أن ما قاله الفقهاء غير مرضي، ألا ترى كيف صرح بقوله يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين، أي: مثلين؟ الراغب: الضعف: من الألفاظ المتضايفة كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعدًا. والضعف: مصدر، والضعف: اسم، كالمثنى والثني، فضعف المثنى هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد ومثله نحو أن يقال: ضعف العشرة فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قيل: أعطه ضعفي واحد، فإن ذلك يقتضي الواحد ومثليه وذلك ثلاثة؛ لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافًا، فإذا لم يكن مضافًا فقلت: الضعفين، قيل: ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلا منهما يزاوج الآخر
[ ١٣ / ٣٠٩ ]
[﴿وقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ ٦٢ - ٦٣]
﴿وقَالُوا﴾ الضمير للطاغين، ﴿رِجَالًا﴾ يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه لهم، ﴿مِّنَ الأَشْرَارِ﴾: من الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى؛ ولأنهم كانوا على خلاف دينهم، فكانوا عندهم أشرارًا. ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾ مثل قوله: ﴿كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ﴾؛ وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم. وقوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ له وجهان من الاتصال؛ أحدهما: أن يتصل بقوله: ﴿مَا لَنَا﴾ أي: ما لنا لا نراهم في النار؟ كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها؟ قسموا أمرهم
_________________
(١) ـ فيقتضي ذلك اثنين لأن كلا منهما يضاعف الآخر فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف إذا أضيف الضعفان إلى واحد فيثلثهما، نحو: ضعفين الواحد. قوله: (لا يؤبه لهم)، أي: لا يبالى بهم. الأساس: لا يؤبه به، وما أبهمت له. قوله: (﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ قرئ بلفظ الإخبار)، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿مِّنَ الأَشْرَارِ * اتَّخَذْنَاهُمْ﴾ بوصل الألف، وإذا ابتدؤوا كسروها. والباقون: بقطعها في الحالين مستفهمين. قوله: (وتأنيب لها، الجوهري: أنبه تأنيبًا، عنفه ولامه. وقال: التأنيب، التوبيخ، حقيقته أنه مأخوذ من الإناب وهو: المسك، مكأنه بالتوبيخ بزيل عنه الطيب والإناب، فإنه يقدح فيه ويعد عليه العيوب والجنايات. قوله: (قسموا أمرهم) أي: قسم الطاغون أمر الرجال بين أن يكونوا من أهل الجنة
[ ١٣ / ٣١٠ ]
بين أن يكونوا من أهل الجنة، وبين أن يكونوا من أهل النار، إلا أنه خفي عليهم مكانهم. والوجه الثاني: أن يتصل بـ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾، إما أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة على معنى: أي: الفعلين فعلنا بهم: الاستسخار منهم، أم ازدراءهم وتحقيرهم، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم؟ على معنى أنكار الأمرين جميعًا على أنفسهم. وعن الحسن: كل ذلك قد فعلوا: اتخذوهم سخريًا، فزاغت عنهم أبصارهم محقرةً لهم. وإما أن تكون منقطعة بعد مضي ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ على الخبر أو الاستفهام،
_________________
(١) ـ وبين أن يكونوا من أهل النار، فعلى هذا: المناسب أن يكون ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾ إخبارًا صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾. قوله: (تعلو عنهم)، أي: تحقرهم. الأساس: اعل عني: تنح عني، وعال عن الوسادة واعل عنها، قال: فيا حب ليلى اعل عني قتلتني وأعقب بإنسان صحيح مكانيا قوله: (على الخبر أو الاستفهام)، التعريف في"الخبر" للعهد، و"الاستفهام" للعهد والمعهود قوله: " ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًا﴾، قرئ بلفظ الإخبار"، إلى قوله: "وبهمزة الاستفهام"، أما المعنى على الخبر فإنهم أخبروا عن أنفسهم وسوء صنيعهم بالمسلمين من الاستهزاء والسخرية على سبيل الندم والتحسر، ثم أضربوا عن الإخبار بالأخذ في الإنكار وتأنيب أنفسهم، يعني: لم يكن موضع الإخبار؛ بل هو موضع الإنكار، أزاغت أبصارنا وكلت أفهامنا حيث ازدرينا بهم واستسخرنا منهم؟ فهو كقولك: إنها لإبل أم شاء، وأما على الاستفهام: فإنهم أنكروا أولًا على أنفسهم الاستسخار منهم ثم أضربوا عنه وأنكروا على أنفسهم أبلغ من ذلك، أي: دع ذلك، أزاغت أبصارنا وكلت أفهامنا حيث خفي عنا مكانهم وأنهم على الحق المبين ونحن على الباطل وما تبعناهم؟ فهو كقولك: أزيد عندك؟ أم عندك عمرو؟ فالمثالان في الكتاب نشر لقوله: "على الخبر أو الاستفهام".
[ ١٣ / ٣١١ ]
كقولك: إنها لإبل أم شاء؟ و: أزيد عندك أم عندك عمرو؟ ولك أن تقدر همزة الاستفهام محذوفةً فيمن قرأ بغير همزته؛ لأن ﴿أَمْ﴾ تدل عليها، فلا تفترق القراءتان: إثبات همزة الاستفهام وحذفها. وقيل: الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لصناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما، والرجال: عمار وصهيب وبلال وأشباههم. وقرئ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم والكسر.
[﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ٦٤]
﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الذي حكينا عنهم ﴿لَحَقٌّ﴾ لا بد أن يتكلما به، ثم بين ما هو فقال: هو ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾. وقرئ بالنصب على أنه صفة لـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس. فإن قلت: لم سمي ذلك تخاصمًا؟ قلت: شبه
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ لصناديد قريش)، عطف على قوله: " ﴿وَقَالُوا﴾ الضمير للطاغين"، فعلى هذا يلزم الإضمار قبل الذكر وحذم النظم، ولا يجوز أن يختص قوله: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ بصناديد قريش؛ لأنه في مقابل قوله: ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو عام. قوله: (وقرئ: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بالضم والكسر)، بالضم: نافع وحمزة والكسائي، والباقون: بالكسر. قوله: (لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس)، هذا مناقض لقوله في"المفضل": اسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه الألف واللام. قال صاحب" التقريب": ﴿تَخَاصُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكَ﴾، لا صفة لاسم الإشارة؛ إنما يوصف بما فيه الألف واللام. وقال ابن الحاجب: إنما التزم وصف باب ﴿هَذَا﴾ بذي اللام للإبهام، يعني: أن المبهم يدل على الحضور والتعيين، ولم يدل على حقيقة الذات التي أشير به إليها، فلا بد أن يذكر بعده ما يدل على حقيقة الذات، ولا طريق له إلا وصفه به،
[ ١٣ / ٣١٢ ]
تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك؛ ولأن قول الرؤساء: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، من باب الخصومة، فسمي التقاول كله تخاصمًا؛ لأجل اشتماله على ذلك.
_________________
(١) ـ فوصفه بما يدل على خصوصية الذات، قبل وصفه بما يدل على معنى الذات، هو القياس، والأسماء الدالة على حقيقة الذوات هي أسماء الأجناس لا العلم ونحوه، وتعريفها باعتبار معناها في نفسها إنما هو باللام. قال بعض المغاربة: وذلك أن اللام معرفة لحقيقة الذات بخلاف الإضافة، فإن تأثيرها في اختصاص حقيقة الذات بالمضاف إليه وذلك بعد تعرف حقيقة الذات. وقلت: هاهنا سيء آخر، وهو الفصل بين اسم الإشارة وصفته بالخبر، وهو غير جائز. وقال صاحب"المقتبس": ومن المسائل في هذا النحو لا يجوز أن تقول: مررت بهذا يوم الجمعة الرجل، ويجوز: مررت بزيد يوم الجمعة العاقل، والفرق: أن اتصال الصفة بالمبهم أشد من اتصالها بسائر الموصوفات؛ لأن اسم الإشارة واسم الجنس كالشيء الواحد من جهة أن المقصود بهما جميعًا ما يقصد من الأسماء، ومنه امتنع: مررت بهذين العاقل والطويل، وجاز: مررت بالزيدين العاقل والطويل؛ لأن صفة غير اسم المبهم ليست في الامتزاج كالمبهم، قالوا: ولذلك لم يجز أيضًا نحو قولك: مررت بهذا ذي المال؛ لأن ذلك يؤدي إلى جعل ثلاثة أشياء شيئًا واحدًا، وإنه مرفوض. ومما مثلوا أيضًا لا تقول: لقيت هذا والخطوب كثيرة الرجل، وقريب من الفصل الأول في شرح الركني. قوله: (ولأن قول الرؤساء: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ وقول أتباعهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ من باب الخصومة)، الانتصاف: هذا يوافق التخاصم؛ لأن الخصومة من الجبهتين، خلافًا لمن قال: إن الكلام الأول من كلام خزنة جهنم، والثاني من كلام الأتباع؛ لأن الخصومة حينئذ من أحد الفريقين. والجواب ما سيجيء في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
[ ١٣ / ٣١٣ ]
[﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ ومَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ ٦٥ - ٦٦]
﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ما ﴿أَنَا﴾ إلا رسول ﴿مُنذِرٌ﴾: أنذركم عذاب الله للمشركين، وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله، وأن يعتقد أن لا إله إلا الله ﴿الوَاحِدُ﴾ بلا ند ولا شريك ﴿القَهَّارُ﴾ لكل شيء، وأن الملك والربوبية له في العالم كله، وهو ﴿العَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب إذا عاقب العصاة، وهو مع ذلك ﴿الغَفَّارُ﴾ لذنوب من
_________________
(١) ـ قوله: (﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ﴿أَنَا﴾ إلا رسول ﴿مُنذِرٌ﴾)، يعني: هذه الآية متعلقة بأول السورة، فإنه تعالى لما أقسم بقوله: ص، إن القرآن حق، وإن محمدًا صلوات الله عليه لصادق، ثم أنكر على مشركي مكة عزتهم وشقاقهم وقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: ٤]، وتعجبهم من كونه منذرًا وأن الإله واحد، وعد قبائحهم وعنادهم وحسدهم، ثم استهزأ بهم بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ ثم خسأهم وأنهم جند ما هنالك مهزوم من جنس الأحزاب الخالية الذين كذبوا رسلهم فأهلكهم الله، وفصل ذكر الأنبياء مسليًا لحبيبه صلوات الله عليه ومستصبرًا له، كل ذلك تمهيدًا للأمر بالإنذار والبشارة والدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وتوطئة له، فقال: ﴿قُلْ إنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ ويدل عليه قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وإنما قرن مع"المنذر" الرسول في الوجه الأول دون الثاني؛ لأن المنذر إذن كناية عن كونه رسولًا، فلا يكون رسولًا إلا أن يكون منذرًا ومبشرًا، ولهذا عطف قوله: "وأقول لكم: إن دين الحق توحيد الله" على"أنذركم"، وفسره بقوله: "وأن يعتقد أن لا إله إلا الله" إلى قوله: "وهو مع ذلك الغفار لذنوب من التجأ إليه"، وعلى الوجه الثاني: "المنذر" مجرى على حقيقته. وقوله: "ما أعلم" إشارة إلى إطلاق لفظ ﴿مُنذِرٌ﴾ وإبهامه لتفخيم أمر ما ينذر به، وقوله: "أنا أنذر عقوبة من هذه صفته" عطف تفسيري وتقييد للمطلق، والحاصل أن قوله: ﴿ومَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللَّهُ﴾ في التنزيل على الوجهين عطف على مضمر يقدر بحسب تفسير قوله: ﴿مُنذِرٌ﴾ وينصر الوجه الأول قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: "من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد".
[ ١٣ / ٣١٤ ]
التجأ إليه. أو: قل لهم: ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته، فإن مثله حقيق بأن يخاف عقابه، كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه.
[﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ * إن يُوحَى إلَيَّ إلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٦٧ - ٧٠]
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أنبأتكم به- من كوني رسولًا منذرًا، وأن الله واحد لا شريك له- نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ثم احتج لصحة نبوته بأن ما ينبئ به عن الملإ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، فعلم أن ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله. ﴿إن يُوحَى إلَيَّ إلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ أي: لأنما نذير. ومعناه: ما يوحى إلى إلا للإنذار، فحذف
_________________
(١) ـ قوله: (أي: لأنما أنا نذير)، هذا إذا قرئ: ﴿أَنَّمَا﴾ بالفتح، وهي المشهورة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون على نزع الخافض وإفضاء الفعل، والقائم مقام الفاعل في: ﴿يُوحَى﴾ الظرف، والمعنى: ما يوحى من أمر من الأمور إلا لأنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك. وثانيهما: أن يكون ﴿أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾ هو القائم مقام الفاعل و﴿إلَيَّ﴾ ظرف، والوحي على هذا بمعنى: الأمر، ولهذا قال: "ما أومر إلا بهذا الأمر"، فقوله: "وحده وليس إلى غير ذلك" معنى: ﴿أَنَّمَا﴾؛ لأن في الكلام حصرين كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦]. فإن قلت: فما هذا الحصر؟ كأنه صلوات الله عليه لم يوح إليه إلا لاختصاص النذارة أولم يؤمر إلا باختصاص الإنذار، كما قال: "وليس إلى غير ذلك"؟ قلت: المخاطبون مشركون، وكان الذي ينكرون عليه صلوات الله عليه الإنذار والدعوة إلى التوحيد، كما مضى من مفتتح السورة إلى أن بلغ إلى قوله: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ فما أوثر اختصاص
[ ١٣ / ٣١٥ ]
اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه. ويجوز أن يرتفع على معنى: ما يوحى إلى إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك، أي: ما أومر إلا بهذا الأمر وحده، وليس غير ذلك. وقرئ: (إنما) بالكسر على الحكاية، أي: إلا هذا القول؛ وهو أن أقول لكم: إنما أنا نذير مبين، ولا أدعي شيئًا آخر. وقيل: النبأ العظيم: قصص آدم ﵇ والإنباء به من غير سماع من أحد. وعن ابن عباس: القرآن. وعن الحسن: يوم القيامة. فإن قلت: بم يتعلق ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؟ قلت: بمحذوف؛ لأن المعنى ما كان لي من علم بكلام الملإ الأعلى وقت اختصامهم. و﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. فإن قلت: ما المراد بالملإ الأعلى؟ قلت: أصحاب القصة: الملائكة وآدم وإبليس؛ لأنهم كانوا في السماء، وكان التقاول بينهم. فإن قلت: ما كان التقاول بينهم، إنما كان بين الله تعالى وبينهم؛ لأن الله سبحانه هو الذي قال لهم وقالوا له، فأنت بين أمرين
_________________
(١) ـ الإنذار إلا لاختصاص من المنذرين وبذا أمرهم، وكان الواجب قلع الشرك وإزالة ما ينبغي إزالته، فإذا أزيل ذلك وبدل بالإيمان والأعمال الصالحة جاز أن يبشروا، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢]، كأنه قال صلوات الله عليه: ما يوحى الآن في شأنكم إلا لأن أنذركم. قوله: (فأنت بين أمرين)، أي: أمرين ممتنعين؛ لأنك إذا قلت: الملأ الأعلى: الملائكة، والخصومة: هي المقاولة التي جرت بينهم وبين الله في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، إلى آخره، يدل عليه قوله ها هنا: ﴿إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ فلا يصح معنى ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، لأن الاختصام ليس بين الملائكة، بل بينهم وبين الله تعالى، وإن جعلت ﴿اللهُ﴾ من قبيل الملأ الأعلى التغليب فقد أبعدت المرمى. وأجاب بما يلزم إسناد ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ أن يكون حقيقة ومجازًا معًا، وهو ضعيف كما علم، والأولى أن لا يجعل ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ بدلًا من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، بل يكون منصوبًا
[ ١٣ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ بإضمار "اذكر" ويفسر المخاصمة بما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي عن معاذ ابن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: "إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فتعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ﵎ في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت لبيك يا ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثًا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين المكروهات، قال: ثم فيم؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. فقال رسول الله ﷺ: إنها حق، فادرسوها ثم تعلموها". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا صحيح. وبه فسر محيي السنة الآية وصاحب"المطلع" أيضًا. وقال التوربشتي: ومعنى اختصام الملائكة: تفاوضهم في فضل كل واحد من الجنسين، أعني الدرجات والكفارات، ويحتمل أن يكون المراد منه: اغتباط الملائكة بني آدم بهذه الفضائل لاختصاصهم بها وتقاولهم في فضل البشر، والسبب الموجب لذلك مع تهافتهم في الشهوات، ثم قال: والاختصام الذي في الآية والذي في الحديث يحتمل أنما في قضية واحدة، ويحتمل أن كل واحد في قضية، أما الأول فقد ذهب إليه بعض أهل العلم من
[ ١٣ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المفسرين والمحدثين، وقد ذكروا الحديث في تفسير الآية، غير أنهم لم يبينوا وجه التناسب، وهو يسير على من يسره الله، وهو أن الملائكة لما استقروا الأوضاع البشرية فلم يهتدوا إلى وجه الحكمة في تكريم آدم بسجودهم، نبأهم الله عما أيدوا به من الدرجات والكفارات، ثم قال: والأظهر أن نقول: الاختصاص في الآية غير ما في الحديث، وذلك أن ما في الآية هو تقاول الملائكة في أمر السجود، وقد أمر الله نبيه بأن يحتج على منكري نبوته بما أوحى إليه من قصة الملائكة وآدم؛ ليكون دليلًا على نبوته، أما الحديث فإنه إخبار عما كوشف به في المنام، ومما يدل على التغاير أن في الآية نفى عن النبي ﷺ العلم باختصام الملائكة، وفي الحديث لم ينف هو عن نفسه علم الاختصام، وإنما نفى عنه علم ما كان الملائكة يختصمون فيه، مما يدل عليه أيضًا كشف الآية عن اختصام قد مضى، وإخبار النبي ﷺ عن اختصام لم يمض، إذ قال له ربه: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ تنبيها على أن حال الاختصام باقيه. وأيضًا إن السورة مكية، والحديث يدل على أن الرؤيا أريها صلوات الله عليه بالمدينة. أما الجواب عن قوله: "إن تقاول الملائكة في أمر السجود"، وقوله: "وأما الحديث فإنه إخبار عما كوشف بها في المنام"، فإن هذا مبني على أن قوله: ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ بدل من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقد بينا ضعفه، على أن البدل فيه ما ينافي الخصومة وهو الفاء في ﴿فَسَجَدَ﴾ فإنها فصيحة، كأنه قيل: فسواه الله ونفخ فيه فسجد الملائكة، فآذنت بسرعة الامتثال وأنه ﵇ كما وجد لم يتوقف سجودهم عن الوجود مدحًا لهم عليه بالإذعان لأمر الله، فلو توهم التوقف كان ذمًا لهم، كما ذم إبليس بقوله: ﴿إلاَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ فضلًا عن المقاولة في المأمور به، وأيضًا لو كان قوله: ﴿إذْ قَالَ﴾ بدلًا من ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ لكان الظاهر أن يقال: إذ قال ربي للملائكة؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى﴾، وليس المقام مما يقتضي الالتفات. وعن قوله: "إن النفي في الآية غير النفي في الحديث؛ لأن نفي الاختصام غير، ونفي ما
[ ١٣ / ٣١٨ ]
إما أن تقول: الملأ الأعلى هؤلاء، وكان التقاول بينهم، فلم يكن التقاول بينهم؛ وإما أن تقول: التقاول كان بين الله وبينهم؛ فقد جعلته من الملإ الأعلى. قلت: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك، وكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط، فصح أن التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ الأعلى. والمراد بالاختصام: التقاول، على ما سبق.
_________________
(١) ـ فيه الاختصام غير"، فإن غايته أن ما في الآية مبهم وما في الحديث مؤقت، فيكون الحديث مفسرًا للآية، على أن لابد من التفسير، ولذلك جعل المصنف ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا منه. وعن قوله: "كشف الآية عن اختصام قد مضى، والخبر عن اختصام لم يمض"، فإن ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ في الآية وارد على حكاية الحال الماضية، فيدل على استمرار الخصومة واستحضارها في مشاهدة السامع فيما مضى وقتًا فوقتًا، وفيما سيجيء حالًا فحالًا. وعن قوله: "السورة مكية، والحديث مدني"، فإن هذا النقل موقوف على بيان الرواية وصحتها على أنه يجوز أن يكون الله ﷾ نبهه صلوات الله عليه في مكة على اختصام الملائكة واغتباطهم لبني آدم وما فيهم من الفضائل مجملًا، ثم نبهه ثانيًا في المدينة مفصلًا، والله أعلم بحقيقة الحال. وأما بيان النظم فإنه تعالى لما أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يقول: ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولًا منذرًا وأن الله واحد لا شريك له وقهار ومالك للعالمين وعزيز غفار، وأدمج فيه معنى العبادة، وأنه تعالى ما خلق الخلق إلا ليعبد ويعرف، وأراد أن يعظم ذلك أمر نبيه صلوات الله عليه بأن يعظمه ثانيًا ويقول: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى﴾ أي: بفضل هذا واختصاصه ببني آدم واختصام الملائكة فيه واغتباطهم للبشر، وما أمروا بالسجود لآدم إلا لتلك الكرامات والفضائل، إلا أن الله تعالى أعلمني بالوحي وأمرني بالدعوة فيه والإنذار لمن امتنع منه، فيكون قوله: ﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ مستطردًا لحديث الخصومة في فضائل البشر؛ لما فيه من التكرمة لآدم من كونه مسجودًا للملائكة، والله أعلم.
[ ١٣ / ٣١٩ ]
[﴿إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ (٧١) فَإذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلاَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ ٧١ - ٧٤]
فإن قلت: كيف صح أن يقول لهم: ﴿إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل؟ قلت: وجهه: أن يكون قد قال لهم: إني خالق خلقًا من صفته كيت وكيت، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم. ﴿فَإذَا سَوَّيْتُهُ﴾: فإذا أتممت خلقه وعدلته، ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾: وأحييته وجعلته حساسًا متنفسًا ﴿فَقَعُوا﴾: فخروا.
"كل": للإحاطة. و﴿أَجْمَعُونَ﴾: للاجتماع، فأفادا معًا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد، وأنهم سجدوا جميعًا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات.
فإن قلت: كيف ساغ السجود لغير الله؟ قلت: الذي يسوغ هو السجود لغير الله
_________________
(١) ـ قوله: (فأفادا معًا أنهم سجدوا عن آخرهم … وأنهم سجدوا جميعًا في وقت واحد)، قال صاحب"الفرائد": يشكل ما ذكر بقوله حكايةً عن إبليس: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ورأيت في بعض الحواشي عن الشيخ عبد القاهر: أن زعم من زعم أن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ للاجتماع خطأ؛ لأنه صح أن يقال: ناظرت علماء الشرق أجمعين، ولم تكن المناظرة بالاجتماع في وقت واحد، ويمكن أن يقال: إذا كان ﴿أَجْمَعُونَ﴾ بدون الكل أفاد التأكيد المجرد، وهو أن لا يخرج أحد من الفعل، فلم يكن الاجتماع في وقت واحد، بل الاجتماع في الفعل، وإذا كان مع الكل، فالكل للإحاطة، والأجمعون للاجتماع في وقت واحد. وبيانه: أن اللام في الملائكة للاستغراق دخلت على صيغة الجمع فتفيد الشمول، ثم أكد بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ لدفع توهم غير الشمول والإحاطة، فأردف بقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ولا بد له من فائدة زائدة، وحاصله أن سبيل ﴿أَجْمَعُونَ﴾ سبيل المظهر إذا وضع موضع المضمر، لاسيما دلالة الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ على ما سبق، على أن مطلق الأمر في هذا المقام لا يفيد إلا الفور.
[ ١٣ / ٣٢٠ ]
على وجه العبادة، فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل، إلا أن يعرف الله فيه مفسدة فينهى عنه. فإن قلت: كيف استثني إبليس من الملائكة وهو من الجن؟ قلت: قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾، ثم استثني كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلًا. ﴿وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾ أريد: وجود كفره ذلك الوقت وإن لم يكن قبله كافرًا؛ لأن"كان" مطلق في جنس الأوقات الماضية في، فهو صالح لأيها شئت. ويجوز أن يراد: وكان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله.
[﴿قَالَ يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ٧٥ - ٧٦]
فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟ قلت: قد سبق لنا أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه، فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي تباشر بغيرهما، حتى
_________________
(١) ـ قوله: (لأن"كان" مطلق في جنس الأوقات الماضية)، روى الزجاج عن أبي العباس أن"كان" لقوته على معنى المضي عبارة عن كل فعل ماض، ثم قال الزجاج: إن"كان" هو على باب سائر الأفعال؛ إلا أن فيه إخبارًا عن الحال قيما مضى، إذا قلت: كان زيد عالمًا، فقد أنبأت أن حاله فيما مضى من الدهر هذا، وإذا قلت: سيكون عالمًا، فقد أنبأت أن حاله سيقع فيما يستقبل، فهما عبارتان عن الأفعال والأحوال. قوله: (فغلب العمل باليدين على سائر الأعمال)، الراغب: لما كانت اليد العاملة يختص بها الإنسان- وهي أعظم جارحة- نفعًا، بل عامة المنافع راجعة إليها حتى لو توهمناها مرتفعة ارتفع بها الصناعات التي بها قوام العالم كالبناء والحوك والصوغ والكتابة، صارت مستعارة في القوى جميعا والمنافع كلها، حتى قيل: فلان يد فلان، إذا قواه. وقيل
[ ١٣ / ٣٢١ ]
قيل في عمل القلب: هو مما عملت يداك، وحتى قيل لمن لا يدي له: "يداك أو كتا وفوك نفخ"، وحتى لم يبق فرق بين قولك: هذا مما عملته، وهذا مما عملته يداك.
ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِنَا﴾ [يس: ٧١] و: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؟
_________________
(١) ـ للنعمة: يد؛ لما صارت معينةً للمعطي إعانة يده، وحتى صارت مستعارةً في الله تعالى. قوله: (يداك أو كتا وفوك نفخ)، قال الميداني: قال المفضل: أصله أن رجلًا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زق قد نفخ فيه، فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث برجل، فقال له: يداك أو كتا. يضرب لمن يجني على نفسه الحين. وقال المصنف في " المستقصى": أصله أن شابًا انتهى إلى جوار يستقين بالقرب، فكان يلاعبهن وينفخ في بعض القرب ثم يوكيه، فقتله بعض إخوانهن غيرة، فأخبر أخ المقتول بملاعنتهن، فقال ذلك، فضرب للجاني على نفسه. قوله: (فما معنى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، الفاء للتسبيب، يعني إذا كان معنى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ العمل وكونه مخلوقًا لله، فما وجه اختصاصه في هذا المقام؟ وخلاصة الجواب: أن ذلك الأمر كان ابتلاءً محضًا للملائكة وإبليس في أنهم هل يؤثرون النص على القياس أو يرجحون القياس؟ بدليل التمثيل بالوزير والملك، فالملائكة مع جلالتهم آثروا النص فامتثلوا لأمر الله تعظيمًا له وإجلالًا لخطابه، وإبليس مع ضعته آثر القياس، حيث قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فقيل له على سبيل القول بالموجب: هب أنه كان مخلوقًا من تراب فهلا نظرت إلى أمري فسجدت ولم تنظر إلى تلك العلة فلم تمتنع؟ وإليه الإشارة بقوله: "لم تركته مع وجود هذه العلة"، فقوله: "من السجود" بيان"ما
[ ١٣ / ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ تركته"، يعني: ذكر لإبليس السجود مع تلك العلة ووبخه عليها في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ هذا تطويل وإخفاء للشمس بالطين لحب المذهب، فإنه تعالى علل إنكاره عليه بعدم السجود بهذه العلة التي تدل عل تكرمة المسجود له، بدليل قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ ثم إيراد اللعين ذلك القياس الفاسد حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فكيف يجعل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ متضمنا لهذا، وقد جعل جوابًا للإنكار. قال صاحب" الانتصاف": أطال الزمخشري فارًا من معتقدين: أحدهما: أن اليدين من صفات الذات أثبتها السمع، هذا مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي، وأبطلا حمل اليدين على القدرة، بأن اليدين تثنية، وقدرة الله واحدة، وأبطلا الحمل على النعمة، فإن نعم الله لا تحصى. وأما غيرهما من أهل السنة كإمام الحرمين وغيه فاختار الحمل على النعمة والقدرة، أجاب عما ذكراه بنعمة الدنيا والآخرة، وبهذا يتحقق فضله على إبليس إذ لم يخلق لنعمة الآخرة، وقد يراد بالتثنية التعظيم. والمعتقد الثاني: أن النبي ﷺ أفضل من الملك، والزمخشري شديد التعصب فيه، فلا جرم مثل قصة آدم في انحطاط رتبته ببعض سقاط الحشم مثالًا لآدم الذي هو عنصر الأنبياء، وأقام لإبليس عذره وصحح اعتقاده في أنه أفضل من آدم، وإنما غلطه من جهة أنه لم يجعل نفسه أسوة الملائكة مع علمهم بأن آدم ﵇ ساقط المنزلة، والمراد ضد ما ذكره الزمخشري وهو: تعظيم معصية إبليس إذ لم يعظم من كرمه الله عليه وخلقه بيديه؛ وذلك تعظيم لا تحقير، وفي حديث الشفاعة يقولون: "أنت آدم خلقك الله بيديه وأسجد لك ملائكته" وذلك كله تعظيم آدم وخصائصه، وقلت: كذلك في محاجة موسى وآدم.
[ ١٣ / ٣٢٣ ]
قلت: الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم، واستنكف منه: أنه سجود لمخلوق، فذهب بنفسه، وتكبر أن يكون سجوده لغير الخالق، وانضم إلى ذلك أن آدم مخلوق من طين، وهو مخلوق من نار، ورأى للنار فضلًا على الطين؛ فاستعظم أن يسجد لمخلوق مع فضله عليه في المنصب، وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر به أعز عباده عليه وأقربهم منه زلفى، وهم الملائكة، وهم أحق بأن يذهبوا بأنفسهم عن التواضع للبشر الضئيل، ويستنكفوا من السجود له من غيرهم، ثم لم يفعلوا وتبعوا أمر الله وجعلوه قدام أعينهم، ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له؛ تعظيمًا لأمر ربهم وإجلالًا لخطابه- كان هو مع انحطاطه عن مراتبهم حرى بأن يقتدي بهم يقتضي أثرهم، ويعلم أنهم في السجود لمن هو دونهم بأمر الله، أوغل في عبادته منهم في السجود له؛ لما فيه من طرح الكبرياء وخفض الجناح، فقيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته بيدي- لا شك في كونه مخلوقًا- امتثالًا لأمري وإعظامًا لخطابي كما فعلت الملائكة؟ فذكر له ما تركه من السجود مع ذكر العلة التي تشبث بها في تركه، وقيل له: لم تركته مع وجود هذه العلة، وقد أمرك الله به؟ يعني: كان عليك أن تعتبر أمر الله ولا تعتبر هذه العلة، ومثاله: أن يأمر الملك وزيره أن يزور بعض سقاط الحشم، فيمتنع اعتبارًا لسقوطه، فيقول له: ما منعك أن تتواضع لمن لا يخفى علي سقوطه؟ يريد: هلا اعتبرت أمري وخطابي وتركت اعتبار سقوطه! وفيه: أني خلقته بيدي، فأنا أعلم بحاله، ومع ذلك أمرت الملائكة بأن يسجدوا له لداعي حكمة دعاني إليه: من إنعام عليه بالتكرمة السنية، وابتلاء للملائكة، فمن أنت حتى يصرفك عن السجود له ما لم يصرفني عن الأمر بالسجود له؟ ! . وقيل: معنى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾: لما خلقت بغير واسطة. وقرئ: (بيدي)، كما قرئ: ﴿بِمُصْرِخِيِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، و: (بيدي) على التوحيد. ﴿مِنَ الْعَالِينَ﴾: ممن علوت وفقت،
_________________
(١) ـ قوله: (ممن علوت وفقت)، "من" في "ممن علوت" موصلة، وصلته "علوت"، فسر
[ ١٣ / ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ به؛ لأن أصله"أستكبرت أم علوت؟ " فأريد مزيد الإنكار عليه، فقيل: أستكبرت أم كنت الذي علوت؟ كما نقل عن سيبويه: أنت الذي يفعل، على الخطاب، ثم لمزيد التوبيخ جمعه وأدخله في زمرة العالين وقال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ فوضع ﴿مِنَ الْعَالِينَ﴾ موضع"الذي علوت"، كقوله تعالى ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]، أي: قال، وقولك: فلان من العلماء، أي: عالم، إيذانًا بأن له مساهمة معهم في العلم وأن الوصف كاللقب المشهود له، وإنما قلنا: إن الأصل ذلك؛ لأنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦١]، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]، أبلغكم صفة ﴿رَسُولٌ﴾ وجاز وإن كان الرسول لفظه لفظ الغائب؛ لأن الرسول واقع خبرًا عن ضمير المتكلم فكان في معناه، فعلم أن أصله: لكني أبلغكم رسالات ربي، فأدخل: ﴿رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توطئةً وتمهيدًا المزيد الإيهام والتعظيم. ومن الأسلوب ما روينا في حديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ: "لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". أخرجه مسلم والبخاري. أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره لأنه ﵁ بيدي به بسالته، وأنه ممن لا يخفى حالة على أحد في شجاعته، ولو قيل: أنا الذي سمته أمه حيدرة؛ لكان أخبر عن شخص ما بينه وبين المخاطب عهد، وأنه مسمى بهذا الاسم، فقال: أنا ذلك المسمى فاعرفه، لكن عدل إلى قوله: "سمتني" لتلك النكتة، وإن شئت أن تعرف أن الموصولات مقحمة للتفخيم جرب ذوقك في الحديث الذي رويناه: "وقل: أنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي":
[ ١٣ / ٣٢٥ ]
فأجاب بأنه من العالين حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. وقيل: أستكبرت الآن، أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين؟ ومعنى الهمزة: التقرير. وقرئ: (استكبرت) بحذف حرف الاستفهام؛ لأن ﴿أَمْ﴾ تدل عليه. أو بمعنى الإخبار. هذا على سبيل الأولى، أي: لو كان مخلوقًا من نار لما سجدت له؛ لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني؛ لأنه من طين، والنار تغلب الطين وتأكله، وقد جرت الجملة الثانية من الأولى- وهي: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ﴾ - مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه في البيان والإيضاح.
[﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإنَّكَ رَجِيمٌ * وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٧٧ - ٧٨]
﴿مِنْهَا﴾: من الجنة. وقيل: من السماوات. وقيل: من الخلقة التي أنت فيها؛ لأنه كان يفتخر بخلقته، فغير الله خلقته فاسود بعدما كان أبيض، وقبح بعدما كان حسنًا، وأظلم بعدما كان نورانيًا. والرجيم: المرجوم، ومعناه: المطرود، كما قيل له: المدحور
_________________
(١) ـ وقل: أنا سمتني أمي حيدرة، وفي استشهاد سيبويه: أنت تفعل. لتجد صحة التركيب مع فقدان الذوق عند الحذف. قوله: (هذا على سبيل الأولى)، ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ في قوله: "فأجاب بأنه من العالين"، حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، يعني: هذا المذكور أولى من الجواب المطابق وهو قوله: ﴿مِنَ الْعَالِينَ﴾؛ لأنه جواب مع العلة، ولهذا قال: لو كان مخلوقًا من نار سجدت له؛ لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني؟ ولو أجاب على مقتضى الظاهر وقال: أنا من العالين، لم يفد هذه الفائدة، ويقرب أن يسمى جواب إبليس من الأسلوب الأحمق، ولهذا عقبه بقوله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾. قوله: (وأظلم بعدما كان نورانيا)، قال: هذا يدل على أنه لم يكن كافرًا حين كان من الملائكة، ولأن الله ﷾ لم يحك عنه إلا الاستكبار بأنه لم يسجد، وهذا دليل على أنه صار كافرًا حين لم يسجد.
[ ١٣ / ٣٢٦ ]
والملعون؛ لأن من طرد رمي بالحجارة على أثره. والرجم: الرمي بالحجارة. أو لأن الشياطين يرجمون بالشهب. فإن قلت: قوله: ﴿لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ كأن لعنة إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع؟ قلت: كيف تنقطع وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤]. ولكن المعنى: أن عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم الدين اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة، فكأنها انقطعت.
[﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * إلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ٧٩ - ٨١]
_________________
(١) ـ قوله: (اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة)، يريد: أن اللعنة في الدنيا هي الطرد والبعد، فهي مطلقة من العذاب، فينتهي هذا المطلق ذلك اليوم ثم يصير المطلق مقيدًا بالعذاب، ونحوه حديث عائشة ﵂: "إذا حاضت حرم الحجران"، ومعناه أن حرمه الدبر قبل الحيض منفردة، وإذا حاضت انضمت إلى حرمة الدبر حرمة القبل وانقطع انفراد حرمة الدبر. قال صاحب"الفرائد": سألني بعض الأكابر عن هذا فقلت: اللعنة: التبعيد عن رحمة الله تعالى، وتبعيد إبليس في كل زمان إلى يوم القيامة؛ لأن تبعيده بقدر إغوائه عباد الله وذلك إلى يوم القيامة؛ لأنه جاء يوم القيامة لم يكن له إغواء فبعده من رحمة الله في التزايد إلى يوم القيامة، فقبلوا هذا الجواب واستحسنوه. وقلت: هاهنا ثلاث عبارات: ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠]، وهو: يوم الجزاء، و﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، وهو يوم الحشر، و﴿يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [ص: ٨١]، وهو الوقت الذي فيه النفخة الأولى، ولا ارتياب أن إغواءه إنما ينتهي إلى آخر أيام التكليف وهو الوقت المعلوم، ولهذا لما طلب الإغواء إلى يوم البعث أجيب إلى يوم الوقت المعلوم، واختصاص يوم الدين؛ لأجل أن الجزاء والعذاب إنما يبتدأ منه، فصح قول المصنف.
[ ١٣ / ٣٢٧ ]
فإن قلت: ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم؟ قلت: الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى. ويومه: اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه. ومعنى ﴿الْمَعْلُومِ﴾: أنه معلوم عند الله معين، لا يستقدم ولا يستأخر.
[﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ٨٢ - ٨٣]
﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾: إقسام بعزة الله تعالى؛ وهي سلطانه وقهره
[﴿قَالَ فَالْحَقُّ والْحَقَّ أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٨٤ - ٨٥]
قرئ: (فالحق والحق) منصوبين؛ على أن الأول مقسم به، ك"الله" في:
إن عليك الله أن تبايعا
وجوابه: ﴿لأَمْلأَنَّ﴾، ﴿والْحَقَّ أَقُولُ﴾: اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه، ومعناه: ولا أقول إلا الحق. والمراد بالحق: إما اسمه عز وعلا الذي في قوله: ﴿أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، أو: الحق الذي هو نقيض الباطل؛ عظمه الله بإقسامه
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: "فالحق")، كلهم إلا حمزة وعاصمًا. قوله: (إن عليك الله أن تبايعا)، تمامه في"المطلع" من بيت الكتاب: تؤخذ كرها أو ترد طائعا كان شخص أخذ قهرًا بأن يبايع والياء، وقيل: إن عليك أن تبايع، أي: الواجب أو القسم عليك وحق الله أن تبايع فلانًا أخذت كرهًا لأجل ذلك، ثم بعد المبايعة ترد طوعًا، و"تؤخذ" بدل من"تبايع"، أي: بدل الفعل من الفعل كبدل الاسم من الاسم.
[ ١٣ / ٣٢٨ ]
به؛ ومرفوعين على أن الأول مبتدأ محذوف الخبر، كقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]، أي: فالحق قسمي لأملأن، والحق أقول، أي: أقول، كقوله:
كله لم أصنع
ومجرورين: على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه، كقولك: الله لأفعلن، و"الحق" أقول، أي: ولا أقول إلا "الحق" على حكاية لفظ المقسم به، ومعناه: التوكيد والتشديد. وهذا الوجه جائز في المنصوب والمرفوع أيضًا، وهو وجه دقيق حسن.
_________________
(١) ـ قوله: (كقوله: كله لم أصنع)، يعني: أن الضمير المنصوب محذوف للتخفيف، تقديره: لم أصنعه. أوله لأبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبًا كله لم أصنع "كله" لم ينصبه؛ ولأنه لو نصبه لكان ذلك إقرارًا منه بأنه قد صنع بعضه، ورفعه ليؤذن بأنه لم يصنع منه شيئًا قط، ففي أحدهما: سلب العموم، وفي الآخر: عموم السلب. قوله: (وهو وجه حسن دقيق)، أي: جعل الثاني حكاية عن الأول ومعربًا بإعرابه، فتقول على المجرور: فالله لأملأن جهنم. والحق أن القسم حق، وعلى المنصوب: فالله لأملان، والحق أن هذا القول حق، وعلى المرفوع: فالحق قسمي لأملأن. ﴿والْحَقَّ أَقُولُ﴾، أي: هو سنتي وعادتي، فعلى هذا لا يكون اعتراضًا بل يكون لمجرد التوحيد كالتكرير. فإن قلت: فسر على تقدير النصب معنى قوله: "الحق أقول" على الحصر بقوله: "ولا أقول إلا الحق" وهو جائز؛ لأنه مفعول قدم على عامله؟ وما وجهه على الجر؟
[ ١٣ / ٣٢٩ ]
وقرئ: برفع الأول وجره مع نصب الثاني، وتخريجه على ما ذكرنا.
﴿مِنْكَ﴾: من جنسك؛ وهم الشياطين، ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من ذرية آدم. فإن قلت: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد لماذا؟ قلت: لا يخلو أن يؤكد به الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، أو الكاف في ﴿مِنْكَ﴾ مع (من تبعك). ومعناه: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك منهم أحدًا. أو: لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم.
[﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ * إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ ٨٦ - ٨٨]
﴿عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ الضمير للقرآن، أو للوحي، ﴿ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾: من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعًا ولا مدعيًا ما ليس
_________________
(١) ـ قلت: إنه على القسم، والقسم في المعنى يفيد معنى الحصر والجزم في القول. قوله: (وتخريجه على ما ذكرنا)، فرفع الأول للابتداء، وجره للقسم، ونصب الثاني على أنه مفعول مقدم، والجملة معترضة. قوله: (ومعناه: لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين ﴿أَجْمَعِينَ﴾)، هذا على أن يكون ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيدًا للكاف مع ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فيرجع معنى التأكيد إلى التابع والمتبوع معًا، ولذلك قال: "لا أترك منهم أحدًا"، وقوله: "أو لأملأنها من الشياطين وممن يتبعهم من جميع الناس"، وعلى هذا يرجع معنى التأكيد إلى التابعين دون المتبوعين، ولذلك قال: "من جميع الناس، لا تفاوت في ذلك بين ناس وناس"؛ وإنما ترك توكيد الشياطين لما أن حال التابعين إذا بلغ إلى أن اتصل إلى أولاد الإنسان، فما بال المتبوعين؟ قوله: (وما عرفتموني قط متصنعًا)، يعنى: أن قوله: ﴿ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ليس
[ ١٣ / ٣٣٠ ]
عندي، حتى أنتحل النبوة وأتقول القرآن، ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾ من الله ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾: للثقلين أوحي إلي فأنا أبلغه. وعن رسول الله ﷺ: "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم". ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: ما يأتيكم عند الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وفشوه، من صحة خبره، وأنه الحق والصدق. وفيه تهديد.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة ﴿ص﴾ كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات، وعصمه أن يصر على ذنب صغير أو كبير".
_________________
(١) ـ بإعلام لهم، بل يستشهدهم ويذكرهم علمهم فيه بأن كما رأوه وعلموه ليس بمتكلف فيه. تمت السورة حامدًا الله ومصليًا على رسول الله * * *
[ ١٣ / ٣٣١ ]