مكية وهي مئة وثلاثون وأربع آيات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى) [طه: ١ - ٤].
(طه) أبو عمرو فخم الطاء لاستعلائها. وأمال الهاء وفخمها ابن كثير وابن عامر على الأصل، والباقون أمالوهما. وعن الحسن ﵁: (طه)، وفسر بأنه أمر بالوطء، وأن النبي ﷺ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ
_________________
(١) ـ سورة طه مكيةٌ، وهي مئة ثلاثون وأربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (أبو عمرو فخم الطاء)، قال صاحب "التيسير": قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة فتحة الطاء والهاء، وورشٌ وأبو عمرو بإمالة الهاء خاصة، والباقون بفتحهما.
[ ١٠ / ١١٨ ]
الأرض بقدميه معا، وأن الأصل (طأ)، فقلبت همزته هاء، أو قلبت ألفا في (يطأ) فيمن قال:
لا هناك المرتع
ثم بنى عليه الأمر، والهاء للسكت. ويجوز أن يكتفى بشطرى الاسمين وهما الدالان بلفظهما
على المسلمين، والله أعلم بصحة ما يقال: إن «طاها»
_________________
(١) ـ قوله: (أو قُلبت في "يطأ")، أي: قُلبت الهمزة في "يطأ" ألفًا، وبنى الأمر عليه، كما قالوا في هنأك: لا هناك، وإذا بنى عليه الأمر فيكونُ: ط، كما يكون الأمر من "يرى": رَ، ثم ألحق هاء السكت فصار: طه. قوله: (لا هناك المرتع)، أوله: راحت بمسلمة البغالُ عشية … فارعي فزارة لا هناك المرتع الرواحُ: نقيضُ الغدو، لا هناك: دعاءٌ على الناقة من الهنو، أ]: لا هناك رعيُ هذا المرتع، راحت بمسلمة البغال، نحو: مر بفلانٍ فلانٌ، فزارةُ حي من الغطفان، يخاطب ناقته وقد رحل مسلمة بالبغال عشية، وقد فقد بنى فزارة، أي: ما مقامك هاهنا ورعيك مرعاها، فاقصدي بني فزارة ارعي مرعاها. قوله: (ويجوز أن يكتفى بشطري الاسمين)، أي: بنصف كل واحدٍ من الطاء والهاء، وقد سبق في فاتحة البقرة أنها أسماءٌ مسمياتها الحروف المبسوطة، فأسقطت الألفُ من كل واحد منهما، فقيل: (طه). عن نور الدين الحكيم: كأنه قصد بهذا الكلام الذب عن الحسن، فإنه أشهر القول بأن هذه السورة من السور الثمان والعشرين المبتدأ فيها بفواتح السور، فأراد أن يُدرج (طه) بالفواتح فقال: "يجوز أن يُكتفي بشطري الاسمين"، أي: بهذين الحرفين من طاها اللذين هما اسمان من الفواتح. قوله: (والله أعلمُ بصحة ما يقال)، وجهٌ آخر.
[ ١٠ / ١١٩ ]
في لغة عك في معنى: يا رجل، ولعل عكا تصرفوا في «يا هذا» -كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء- فقالوا في «يا»: «طا»، واختصروا (هذا) فاقتصروا على (ها)، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:
إنّ السّفاهة طاها في خلائقكم … لا قدّس الله أخلاق الملاعين
والأقوال الثلاثة في الفواتح: أعنى التي قدمتها في أول الكاشف عن حقائق التنزيل، هي التي يعوّل عليها الألباء المتقنون (ما أَنْزَلْنا) إن جعلت (طه) تعديدًا لأسماء الحروف على الوجه السابق ذكره فهو ابتداء كلام. وإن جعلتها اسما للسورة احتملت أن تكون خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ، و(الْقُرْآنَ) ظاهر أوقع موقع الضمير لأنها قرآن، وأن يكون جوابا لها وهي قسم. وقرئ: (ما نُزل
_________________
(١) ـ قوله: (في لغة عك)، الجوهري: وهو عكُّ بن عدنان. أخو معد. وهو اليوم في اليمن. قوله: (تصرفوا في "يا هذا")، أي: في لفظة "هذا"، فقلبوا حرف النداء طاء، واختصروا لفظة "هذا" بحذف الذال، وقالوا: "طا ها"، قال الواحدي: وأكثرُ المفسرين على أن معنى (طه): يا رجلُن يريد النبي ﷺ، وهو قولا لحسن وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ومجاهدٍ وابن عباس في رواية عطاء والكلبي، غير أن بعضهم يقول: هي بلسان الحبشة وبالنبطية والسريانية، ويقول الكلبي: بلغة عك، قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى، لأن الله لم يخاطب نبيه ﷺ بلسان غير قريش، وقد ذكر محيي السنة مختصرًا من هذا، والمصنفُ ما رضي بهذا القول، حيث قال: والله أعلمُ بصحة ما يقال. وقال: والأقوال الثلاثة في الفواتح هي التي يُعول عليها الألباءُ المتقنون. قوله: (و(الْقُرْآنَ) ظاهر أوقع موقع الضمير)، يعني: (طه) إذا كان اسمًا للسورة
[ ١٠ / ١٢٠ ]
عليك القرآن) (لِتَشْقى) لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]، والشقاء يجيء في معنى التعب. ومنه المثل: "أتعب من رائض مهر"، أى: ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا له: إنك شقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد ردّ ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
_________________
(١) ـ كان مبتدأ خبره: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، ولابد في الجملة إذا وقعت خبرا ًمن عائد، وهنا أقيم مقام العائد (الْقُرْآنَ)، وهو إما اسمٌ للسورة، فاستغنى عن الضمير به إشعارًا بالعلية وإيذانًا بأن ما هو رحمةٌ لك لا يكون إنزاله لشقاوتك، أو القرآن كله، فاكتفى عن الضمير بالعموم، كما في قول: نعم الرجل زيدٌ، في وجه، وقد أشار إلى الوجهين بقوله: لأنها قرآن. قوله: (والشقاء يجيء في معنى التعب)، قال تعالى: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) [طه: ١١٧]، أي: فتتعب، الأساس: ولم يزل في شقاء من امرأته في تعب، وما زلت تُشاقي فلانًا منذ اليوم مشاقاة تعاسره ويعاسرك. قوله: (أتعبُ من رائض مُهر)، قال الميداني: هو كقولهم: لا يعدم شقي مهرا، يريد أن معالجة المهارة شقاءٌ، لما فيها من التعب. قوله: (فأريد رد ذلك)، أي: قوله تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) رد لقول المشركين: إنك تشقى بتركك دين آبائك، وتعريضٌ بأنهم الأشقياء؛ لأن (طه) إذا جُعل اسمًا للسورة و(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) خبره، يكون "القرآن" من وضع المُظهر موضع المضمر لما ذكرنا، وللتفخيم تعظيمًا له، وأنه هو السُّلمُ في نيل كل فوزٍ وسعادة، ومن
[ ١٠ / ١٢١ ]
وروي أنه ﵊ صلى بالليل حتى اسمغدَّتْ قدماه، فقال له جبريل ﵇: أبق على نفسك فإن لها عليك حقا. أى: ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وكل واحد من (لِتَشْقى) و(تَذْكِرَةً) علة للفعل، إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط. فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن
_________________
(١) ـ حُرم فهو الشقي الخائب الخاسر، وإذا جُعل قسمًا، و(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) المُقسم عليه، دال أيضًا على شرفه، كقوله: وثناياك إنها إغريض من كون القسم والمقسم عيه من وادٍ واحد، فقوله: طوما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها" إشارةٌ إلى معنى التعريض. قوله: (حتى اسمغدت قدماه)، النهاية: وفي الحديث: أنه صلى حتى اسمغدت رجلاه، أي: تورمتا وانتفختا، واسمغد الجُرحُ: إذا ورم. قوله: (لتنهك نفسك)، الجوهري: نهكته الحمى: إذا جهدته وأضنته، وفدحه الدين: أثقله، وأمرٌ فادح: إذا عاله وبهظه. قوله: (لاستجماعه الشرائط)، "الشرائط"، بالرفع في بعض النسخ، وفي الحاشية عن المصنف: "لاستجماع الشرائط بغيرها"، هذا هو الصحيح، لما ذكر صاحب "المُغرب": استجمع السيلُ: اجتمع من كل موضع، واستجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يحبه، وهو لازمٌ كما ترى. وقولهم: استجمع الفرس جريًا: نصبٌ على التمييز، وأما قول الفقهاء مستجمعًا شرائط الجمعة، فليس يثبت. وأما قول الأبيودري:
[ ١٠ / ١٢٢ ]
أن تشقى، كقوله تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) [الحجرات: ٢]؟ قلت: بلى، ولكنها نصبة طارئة، كالنصبة في (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، وأما النصبةُ في (تذكرةً) فهي كالتي في ضربت زيدا؛ لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول
_________________
(١) ـ شآميةٌ تستجمع الشول حرجفٌ فكأنه قاسها على ما هو الغالب في الباب، أو سمعه من أهل الحضر فاستعمله. تم كلامه. ويمكن أن تُصحح الرواية بالرفع بأن يقال التقدير: لاستجماع الشرائط فيه، كقول الشاعر: ويوم شهدناه سليمًا وعامرًا قوله: (نصبة طارئة)، أي: في قوله تعالى: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: ٢]، يعني: كان من حقه دخولُ اللام لضعف دلالته على التعليل، لأنه ليس على الشريطة لكنها نصبةٌ عارضةٌ كما في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: ١٥٥]، قال صاحب "الفرائد": هذا السؤال مبنيٌّ على قوله: إلا أن الأول وجب مجيئه باللام، يعني: ذكرت الوجوب وليس به؛ لأنه يجوز مجيئه بدون اللام كما في قوله تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ) [الحجرات: ٢٠]، وخلاصة الجواب أن الواجب: أن يُجاء باللام، إلا أنه حذف اللام تخفيفًا لطول الصلة والموصول، ولذلك قالوا: يُحذف حرف الجر مع "أنّ" و"أنْ" كثيرًا، واللامُ هاهنا متحققٌ حكمًا، ولم يكن متحققًا في (تَذْكِرَةً) لا حقيقة ولا حُكمًا.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
وقوانين لغيرها. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (تَذْكِرَةً) بدلا من محل (لِتَشْقى)؟ قلت: لا، لاختلاف الجنسين، ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلا) فيه بمعنى «لكن» ويحتمل أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق
_________________
(١) ـ قوله: (لاختلاف الجنسين)، قال صاحب "الفرائد": هذا ليس بجواب. الجوابُ أن يُقال: المبدلُ منه لابد من أن لا يكون مقصودًا في الكلام، والمقصود هو البدل، ولهذا يجوز اطراحه إلا حيث لا يستقيم بقية الكلام، كما في قولك: زيدٌ أرأيت غلامه رجلًا صالحًا، وهاهنا (لِتَشْقَى) مقصود في الكلام، واطراحه يخل بالمقصود مع أن بقية الكلام يصح بعد اطراحه. وقال صاحب "التقريب": لا يجوز البدل لاختلاف الجنسين في الانتصاب، لكنه نُصب على الاستثناء المنقطع. وقلتُ: الظاهر أن مقصود المصنف من قوله: "اختلاف الجنسين" أن التذكرة والشقاوة لا تتراءى ناراهما، ولو أبدلته منه لكنت جعلت الشيء بدلًا مما لا يجانسه، والقائم مقام الشيء لابد أن يكون بينهما مجانسة، ولأن البدل كالبيان للمبدل من حيث الإيضاح وكالتأكيد له من حيث تكرير العامل، كما سبق في (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة ٦ - ٧]، ولهذا جاز أن يكون استثناء منقطعًا؛ لأن اختلاف الجنسية شرط فيه، إما تحقيقًا نحو: ما جاءني أحدٌ إلا حمارًا، أو تقديرًا نحو (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) [الحجر: ٥٨ - ٥٩]، على ما سبق، ويؤيده ما ذكره صاحب "الكشف": لا يجوز البدلُ؛ لأن التذكرة ليست من الشقاوة في شيء ليس هو إياه ولا بعضه ولا مشتملًا عليه. قوله: (المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتل متاعب التبليغ)، يريد أن (لِتَشْقَى) تعليلٌ لـ (أَنزَلْنَا)، ثم دخل النفيُ على المعلل والاستثناء متصلٌ إما على تقدير الحال، فيقال:
[ ١٠ / ١٢٤ ]
وتكاليف النبوّة، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون (تذكرة) حالا ومفعولا له (لِمَنْ يَخْشى) لمن يؤول أمره إلى الخشية، ولمن يعلم الله منه أنه يبدل بالكفر إيمانا وبالقسوة خشية. في نصب
_________________
(١) ـ ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في حالٍ من الأحوال إلا في حال التذكرة، وإما على تقدير أن يكون مفعولًا له، فيكونُ التقدير ما أنزلنا هذا القرآن المتعب لأمر من الأمور إلا تذكرة. وقال صاحب "الانتصاف": في هذا الوجه بُعدٌ؛ لأنه حينئذ يكون الشقاء سبب النزول، وما جرت به عادة الله مع نبيه ﷺ؛ لأنه نهاه عن الشقاء وضيق الصدر. قال تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢]، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]. وقلتُ: ما ذكره ليس بشيء؛ لأن المراد بالشقاء التعبُ، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: ٥]، حيثُ فسره المصنف بقوله: إن المعنى بالقول الثقيل القرآنُ، وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليفُ شاقةٌ ثقيلة، لا سيما عليه صلوات الله عليه؛ لأنه متحملها بنفسه، فهي أثقلُ عليه. والمعنى على هذا التفسير: ما أنزلنا عليك القرآن المتعب إلا ليكون تذكرة، لا لأن تحملَ على نفسك قيام الليل وتُذيقها المشقة، فحسبك منه ما تلقاه من متاعب ومشاق مقاولة الأعداء. ومعنى قوله تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: ٢] لا تخف تكذيب القوم وإعراضهم، ولا يضق صدرك من الأذى، فنهاه عن مبالاتهم، وهو صريحٌ في تلقي المكاره وتحمل المتاعب. وقوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣] معناه: لا تتساقط عليهم حسراتٍ إن لم يؤمنوا بهذا الحديث، ودُم على التبليغ ولا تتهاون. وتلخيص ذلك أن الشفاء الذي نهاه عنه غيرُ الشقاء الذي هو سبب النزول، وهو الذي نحن بصدده. قوله: (لمن يؤول أمره إلى الخشية)، هذا لأن القرآن تذكيرٌ للناس كلهم الخاشي وغير الخاشي، خص الخاشي لأنه المنتفع به. قوله: (ولمن يعلمُ الله)، عطفٌ تفسيريٌّ لقوله: "لمن يؤولُ أمره".
[ ١٠ / ١٢٥ ]
(تَنْزِيلًا) وُجوه: أن يكون بدلا من (تذكرة) إذا جعل حالا، لا إذا كان مفعولا له لأن الشيء لا يعلل بنفسه، وأن ينصب ب (نُزًلَ) مضمرا، وأن ينصب بـ (أنزلنا)، لأن معنى: ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص وأن ينصب بـ (يخشى) مفعولا به، أى: أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله، وهو معنى حسن وإعراب بين. وقرىّ: (تنزيل)، بالرفع على خبر مبتدأ محذوف. ما بعد (تَنْزِيلًا) إلى قوله: (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) تعظيم وتفخيم لشأن المنزل، لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته،
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الشيء لا يُعللُ بنفسه)، يعني تذكرةً علةٌ لأنزلنا، ولو أبدل تنزيلًا عنه، رجع إلى كونه علةً لـ (أَنزَلْنَا)، فيلزم تعليلُ الشيء بنفسه، وإذا جُعل حالًا يكون بمعنى مُنزلًا، فيكونُ حالًا موطئة، كقوله: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [يوسف: ٢]، بخلافه إذا جُعل مفعولًا له، فإنه يبقى على مصدريته، فيكون تعليلا ًلنفسه بهذا التقدير؛ لأنه لو كان منصوبًا بـ (أَنزَلْنَا) لا على هذا التقدير، بل على ظاهره، يكون تقدير الكلام: ما أنزلنا تنزيلًا ممن خلق الأرض، وهو فاسد. قوله: (لأن معنى: ما أنزلناه إلا تذكرة: أنزلناه تذكرة)، تعليلٌ لجواز أن يكون أنزلناه عاملًا في المصدر المؤكد بهذا التقدير؛ لأنه لو كان منصوبًا بأنزلنا لا على هذا التقدير، بلعلى ظاهره، يكونُ تقدير الكلام: ما أنزلنا تنزيلًا ممن خلق الأرض، وهو فاسد. قوله: (وهو معنى حسنٌ وإعرابٌ بيِّن)؛ لأن المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكيرًا لمن يخشى المنزل الذي شأنه أنه من جهة القادر العظيم القاهر السلطان الواسع الملك، فإذا خشيه بدل الكفر إيمانًا، والعصيان طاعةً، ولا يتقدم على التكذيب والارتياب. وقوله: (ما بعد (تَنزِيلًا) إلى قوله: (الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)؛ تعظيم وتفخيم لشأن المنزل)، فيه إيماءٌ إلى ترتب الحكم على الوصف.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
ولا يخلو من أن يكون متعلقُه إما (تَنْزِيلًا) نفسه فيقع صلة له، وإما محذوفا فيقع صفة له. فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟ قلت: غير واحدة منها عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة. ومنها أنّ هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة. ومنها أنه قال أولا: (أَنْزَلْنا) ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع. ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين: ويجوز أن يكون (أَنْزَلْنا) حكاية لكلام جبريل
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يخلو من أن يكون متعلقه)، الضمير في "لا يخلو": راجعٌ إلى قوله: "ما بعد (تَنزِيلًا) ". وعليه قول صاحب "التقريب" في قول المصنف: "فيقع صلة"، ويُمكن أن يقال: إن "مَن" فاعل، أي: لا يخلو من أن يكون، يعني (مِمَّنْ خَلَقَ) إما أن يكون معمولًا لـ (تَنزِيلًا) أو لمُقدر، وهو صفة (تَنزِيلًا)، والصفة أدخل في التفخيم والتعظيم المطلوب؛ لأن الصفة حينئذ تكون مادحة. قوله: (أن هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة)، يعني قوله: (وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى* لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ … اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)، فلو دام على لفظ المتكلم لم يحسن سرد هذه الصفات على ما هو عليه؛ لأن المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن تذكرة لمن يخشى، تنزيلًا ممن هو مستحقٌّ لأن يُطاعَ فيما أمرَ ونهى، وأن يُعبد ويُخضع له، وأن لا يُستعان إلا به لأنه متصفٌ بهذه الصفات الكاملة، ومن الأسلوب قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ) بالنساء: ٦٤]، فلم يقل: استغفرت لهم؛ تعظيمًا لشأن الرسول ﷺ وتفخيمًا لاستغفاره، وتنبيهًا على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان. وأما قوله: "إن هذه الصفات إنما تسردت على لفظ الغيبة"، فمعناه: أنه ما انتقل من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة كما عليه ظاهرُ الالتفات، وإنما انتقل منه إلى ما من حقه أن يكون على لفظ الغيبة، وهو المُظهر، كما في هذه الآية من لفظ الرسول، فهو في الحقيقة من وضع المُظهر موضع المضمر لتوخي بيان العلة؛ لأن حق العود بعد المضمر أن يُجاء بالمضمر. قوله: (فضوعفت الفخامة من طريقين)، يعني: إذا ابتدئ الكلامُ بنوع من التعظيم،
[ ١٠ / ١٢٧ ]
والملائكة النازلين معه. وصف السموات بالعلى: دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها.
(الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) [طه: ٥ - ٦].
قرئ: (الرَّحْمنُ) مجرورًا صفة لمن خلق والرفع أحسن، لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير: هو الرحمن. وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى "من خلق". فإن قلت: الجملة التي هي: (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) ما محلُّها - إذا جررت "الرحمن" أو رفعته على المدح؟ قلت: إذا جررت فهي خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن تكون كذلك وأن تكون مع "الرحمن" خبرين للمبتدأ. لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضا لشهرته في
_________________
(١) ـ وهو إتيان الضمير الدال على أن المتكلم به معظمٌ مطاعٌ ذو سلطان، ثم ثنى بما يتمكن من إجراء الأوصاف الجليلة على الموصوف بنوع التعظيم وتكرر المعنى المقصود، ويفوت هذا لأن أجري الكلام على سنن واحد. قوله: (وإما أن يكون مبتدأ مشارًا بلامه إلى "من خلق")، يريدُ أن التعريف فيه كالتعريف في قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) [آل عمران: ٣٦]، فإن المشار إليه ما يُعلم من مفهوم قوله: (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [آل عمران: ٣٥]، من الذكورة، فإنه لما قيل: (مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا) فُهِم منه معنى الرحمن، وأنه مولى جلائل النعم، ولا نعمة أجل من إيجاد الأشياء من العدم، فأشير باللام إلى ذلك المعهود، كأنه قيل: ذلك الخالقُ (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، وفيه إثباتُ وصفين مستقلين، أي: الخالقية والمالكية. قوله: (قالوه أيضًا)، جزاءٌ لقوله: "وإن لم يقعد"، وقوله: "ملك" مفعولٌ لقوله:
[ ١٠ / ١٢٨ ]
ذلك المعنى ومساواته "ملك" في مُؤدّاه، وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر. ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أنّ من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم: هو جواد. ومنه قول الله ﷿: (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: ٦٤]. أى: هو بخيل، (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) [المائدة: ٦٤]، أى: هو جواد، من غير تصوّر يد ولا غل ولا بسط، والتفسير بالنعمة والتمحل للتثنية من ضيق العطن والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام
_________________
(١) ـ "ومُساواته"، يعني: أنهم يكنون بقوله: استوى فلانٌ على العرش، عن: ملك، سواءٌ قعد على السرير أو لم يقعد؛ لأن اللازم مساوٍ في تأدية المعنى، كما يقال: يدُ فلانٍ مبسوطةٌ ويد فلان ٍمغلولةٌ بمعنى أنه جوادٌ أو بخيلٌ، حتى إن لم يكن له يدٌ رأسًا قيل هذا الكلام في حقه. قوله: (وإن كان أشرح)، اسم "كان": ضميرٌ يرجعُ إلى قولهم: استوى فلانٌ على العرش، لا إلى: ملك، كما ظُن: فالمعنى: قالوا: استوى فلانٌ على العرش، يريد: ملك، سواءٌ قعد على السرير أو لم يقعد؛ لمساواة هذا اللفظ "ملك" في تأدية المقصود، وإن كان هذا اللفظ أبسط من "مَلكَ" وأبلغ منه، كما عُلم في البيان أن الكناية أوقع من الإفصاح بالذكر؛ لأنك مع الكناية كمُدعي الشيء بالبينة، ولأنه لا يقال: فلانٌ استوى على العرش إلا بعد تمكنه على الملك استقراره له، بخلاف ما إذا قيل: ملك، ولأن في تلك العبارة تصويرًا لصورة العرش في الذهن، وتخييلًا لحالة الاستواء عليه، ويلزمه لمزيد المعنى الآخر لا عكسه، فيكونُ أبسط وأدل. قوله: (والتمحل للتثنية من ضيق العطن)، يريدُ أن قولهم: إن معنى اليد: النعمة، فمعنى (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: ٦٤]: نعمةُ الله مقبوضةٌ، ومعنى (يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ): نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة. نقله الواحدي عن بعضهم. قوله: (من ضيق العطن)، أي: من ضيق مجاله في المعاني والبيان، الأساس: ضرب القومُ
[ ١٠ / ١٢٩ ]
(وَما تَحْتَ الثَّرى) ما تحت سبع الأرضين: عن محمد بن كعب وعن السدى: هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة.
[(وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى* اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) [طه: ٧ - ٨].
أي: يعلمُ ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما
_________________
(١) ـ بعطنٍ: إذا أناخوا حول الورد، وإذا أناخُوا حول الماء بعد السقي، والعطنُ والمعطنُ: المناخُ حول الورد، وأما في مكان آخر فمُراحٌ ومأوى. ومن المستعار: فلانٌ واسعُ العطن، إذا كان رحب الذراع، وقال الإمام في قوله: من غير تصوير يدٍ ولا غلٍّ ولا بسط، نظرٌ؛ لأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلاتُ الباطنية، فإنهم يقولون أيضًا: المراد من قوله تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه: ١٢]: الاستغراق في خدمة الله من غير تصور فعل، وقوله تعالى: (بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء: ٦٩]: المرادُ منه تخليصُ إبراهيم من يد الظالم من غير أن يكون هنا نارٌ وخطابٌ البتة، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب الله المجيد، بل القانون: أنه يجب حملُ كل لفظٍ ورد في التنزيل على حقيقته إلا إذا قامت دلالةٌ عقلةٌ قطعيةٌ توجبُ الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاُ لم يخض فيه. وأقولُ: سلمنا أن الأصل إجراءُ اللفظ على حقيقته إلا إذا منع مانعٌ، لكن طريق العدول غير منحصر في المجاز في المفرد جاز العدول من الإسناد إلى الإسناد، في مثل قولنا: أنبت الربيع البقل وهزم الأمير الجُندَ، ومن المركب إلى المركب ما نحن بصدده، فإنه عدولٌ إلى أخذ الزبدة الخلاصة من المجموع لمانع إجرائها على مفهومها الظاهري، ويُسمى هذا بالكناية الإيمائية. قوله: «وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) ما تحت سبع الأرضين)، والثرى هو: التُّرابُ الندي.
[ ١٠ / ١٣٠ ]
أسررته في نفسك (وَأَخْفى) منه وهو ما ستسره فيها. وعن بعضهم: أن "أخفى" فعل يعنى أنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما يعلمه، هو كقوله تعالى: (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: ١١٠]، وليس بذاك. فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟ قلت: معناه وإن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غنى عن جهرك،
_________________
(١) ـ قوله: (وعن بعضهم أن "أخْفَى" فعلٌ)، قال محيي السنة: رُوي عن زيد بن أسلم؛ أي: يعلمُ أسرار العباد، وأخفى سرهُ عن عباده، فلا يعلمه أحدٌ، تحريرهُ أنه يعلمُ أسرار العباد، العبادُ لا يعلمون أسراره، كقوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: ١١٠]. قوله: (وليس بذاك) أي: الشرط لا يلائمه، لأن الكلام ليس في إثبات العلم لله تعالى ونفيه عما سواه. قال صاحب "الانتصاف": يلزمُ منه عطفُ الجملة الفعلية على الاسمية إن عطفته على الجملة الكبرى، أو عطفُ الماضي على المضارع إن عطفت على الجملة الصغرى، هذا من اللفظ، ومن المعنى: القصد: الحض على ترك الجهر وسقوط فائدته، يعلم الله ما هو أخفى منه، وإذا جعلته فعلًا ماضيًا خرج عن قصد السياق، وليس مثله قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: ١١٠]، إذ بين السياقين اختلاف. قوله: (فاعلم أنه غنيٌّ عن جهرك)، فيه إيذانٌ بأن السُّؤال عن وجه ترتب الجزاء على الشرط، يعني: أن من شرط الجزاء أن يكون مسببًا عن الشرط، وهاهنا الشرطية مفقودة. وأجاب بوجهين مآلهما إلى تقدير الإعلام والتنبيه والتوبيخ، والجواب الأول مبنيٌّ على نفي الجهر وإثبات الغير، والثاني على الإرشاد إلى وجه حكمته، أما قوله أولا: "فاعلم أنه غني عن جهرك" فتوبيخٌ؛ يعني: جهرك بالقول سببٌ لأن أوقفك على قلة جدواه؛ لأن السامع
[ ١٠ / ١٣١ ]
_________________
(١) ـ قريبٌ يسمعُ السر وأخفى، ومنه: تأديب رسول الله ﷺ أصحابه، روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ: "اربعوا على أنفسكم، إنكم ما تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعًا بصيرًا وهو معكم" الحديث. وأما قولُه ثانيًا: "أن يكون نهيًا عن الجهر" فمعناهُ: لا تجهروا بالقول في الدعاء، بل اعتمدوا الخُفية، فإنها أبعدُ من الرياء وأقربُ إلى الخضوع وأهضمُ للنفس، كما قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ) [الأعراف: ٢٠٥]. وأما قوله ثالثًا: تعليمًا للعباد، فتأويله: إني ما كلفتكم الجهر لأني لا أسمع إلا الجهر، فإني أسمع السر وأخفى، وإنما كلفتكم لأمر آخر فروموه من مظانه، كأنه قيل: شرعية الأمر بالجهر سببٌ للتنبيه على وجه الحكمة ودفع الريبة، قال القاضي: الغرض في شرعية الجهر يس لإعلام الله، بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها، ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار. وقلتُ: وقد أسلفنا في خاتمة الأعراف مراتب الدعاء بحسب اختلاف المقامات على لسان العارفين. ومن الاعتبارين ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ خرج ليلةً، فإذا هو بأبي بكر ﵁ يخفض من صوته، ومر بعمر ﵁ يُصلي يرفع صوته، فسأل أبا بكر فقال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، وسأل عمر ﵁ فقال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. وأخرج الإمام أحمد نحوه عن علي، وزاد الحسن في حديثه فقال: "يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا"، وقال لعمر: "اخفض من صوتك شيئًا". ورواه أبو داود، عن أبي هريرة أيضًا.
[ ١٠ / ١٣٢ ]
فإما أن يكون نهيا عن الجهر كقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) [الأعراف: ٢٠٥]، وإما تعليمًا للعباد أنّ الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر، (الْحُسْنى) تأنيث الأحسن، وصفت بها الأسماء لأنّ حكمها حكم المؤنث كقولك: الجماعة الحسنى، ومثلها (مَآرِبُ أُخْرى) [طه: ١٨]، و(مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) [طه: ٢٣].
والذي فضلت به أسماؤه في الحسن سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الحسن.
_________________
(١) ـ واعلم أن هذه المعاني المذكورة مستنبطةٌ من الآية باستعانة إشارة النص. وأما عبارتُه فلإثبات علمه الشامل للكائنات من جزئياتها وكلياتها وما يتصل بها من باطن أحوالها وظاهرها؛ لأن قوله تعالى: (خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا) بيان لكمال الخالقية، وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) إيماءٌ على التدبر التام، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) [البقرة: ٢٥٥]، إشارةٌ إلى المالكية العامة، فيكون قوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ) [طه: ٧]، إثباتٌ للعالمية، فالمعنى: تنبه أيها السامعُ على أن علمه محيطٌ بكل شيء وإن أردت أن تجهر بالقول وتخفي في نفسك خلافه فاعلم أنه يعلمُ المضمر وأخفى منه مما ستسره فيها، وهو في المبالغة في جانب العلم مثل (وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) في جانب المُلك فينطبق على هذا التأويل مجيء اسمه المقدس الجامع لأجل ترتب الحكم بالتوحيد عليه وإرداف قوله: (لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)، به على التتميم. قوله: (سائر الأسماء)، الجوهري: سائر الناس: جميعهم، وذكره في السين مع الياء، وقال ابن الأثير في "النهاية": السائر مهموزٌ، ومعناه: الباقي، والناسُ يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح. وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء، ومنه: فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" أي: باقيه، وفي "المُغرب": الأسارُ: جمعٌ على أفعالٍ، جمع سؤر، هو بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء، ثم استعير
[ ١٠ / ١٣٣ ]
(وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) [طه: ٩ - ١٠].
قفاهُ بقصة موسى ﵇ ليتأسى به في تحمل أعباء النبوّة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام المحمود. يجوز أن ينتصب (إِذْ) ظرفا للحديث؛ لأنه حدث. أو لمضمر، أى: حين (رَأى نارًا) كان
_________________
(١) ـ لبقية الطعام وغيره، وقال الحريري في "درة الغواص": يستعملون "سائر" بمعنى: جميع، وهو في كلام العرب بمعنى الباقي، والدليلُ عليه قول النبي ﷺ لغيلان حين أسلم وعنده عشرُ نسوة: "اختر أربعًا منهن وفارق سائرهن"، وما أنشد سيبويه: ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه … وسائره بادٍ إلى الشمس أجمعُ قوله: (قفاه بقصة موسى ﵇ ليتأسى به)، الضمير راجعٌ إلى معنى قوله: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه: ١ - ٣] على أن يكون المعنى: إنا أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ ومقاولة العُتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم وغير ذلك، كما أنزلنا على موسى التوراة كذلك، فتكون الواو عاطفةً قصة باستقلالها على قصة مثلها. قوله: (أعباء النبوة)، الجوهري: العبء، بالكسر: الحملُ، والجمع الأعباء. قوله: (ظرفًا للحديث)؛ لأنه حدثٌ، أي: مصدرٌ هنا بدليل قوله: (فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا) [طه: ١٠] بخلاف قوله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: ١] فإنهُ بمعنى الخبر، قال الجوهري: والحديثُ: الخبرُ، يأتي على القليل والكثير.
[ ١٠ / ١٣٤ ]
كيت وكيت. أو مفعولا لـ (اذكُر) استأذن مُوسى شعيبًا ﵉ في الخروج إلى أمه وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضلّ الطريق وتفرّقت ماشيته ولا ماء عنده، وقدح فصلد زنده فرأى النار عند ذلك. قيل: كانت ليلة جمعة. (امْكُثُوا) أقيموا في مكانكم. الإيناس: الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء، والإنس: لظهورهم، كما قيل الجنّ لاستتارهم وقيل هو إبصار ما يؤنس به. لما وجد منه الإيناس فكان مقطوعا متيقنا، حققه لهم بكلمة «إنّ» ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين، بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع وقال: (لَعَلِّي) ولمْ
_________________
(١) ـ الراغب: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه، يقال له حديثٌ، قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) [التحريم: ٣] وقال: (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَاوِيلِ الأَحَادِيثِ) [يوسف: ١٠١]، أي: ما يحدث به الإنسان في نومه، وسمى تعالى كتابه حديثًا، قال: (فَلْيَاتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) [الطور: ٣٤]، وقال: (فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: ٧٨]، والحديث: الطري من الثمار، ورجلٌ حدوثٌ: حسنُ الحديث: ورجلٌ حدثٌ وحديثُ السن: بمعنى. قوله: (شاتية)، قيل: هي من قولهم: شتوت بموضع كذا؛ أقمت به الشتاء. قوله: (مثلجة)، أي: ذاتُ ثلج. قوله: (وقدح فصلد زنده)، الجوهري: وصلد الزند يصلدُ - بالكسر- صُلودًا: ذا صوت ولم يُخرج نارًا. قوله: (لما وجد منه الإيناس)، يُروى "وجد" معروفًا ومجهولًا، والأولُ أوجه لمطابقة "خيفةً" لهم، أي: لما وجد موسى من نفسه الإيناس حققهُ للأهل بأن قال: (إِنِّي آنَسْتُ) بكلمة التحقيق.
[ ١٠ / ١٣٥ ]
يقطع فيقول: إنى (آتِيكُمْ)؛ لئلا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به. القبس: النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما. ومنه قيل: المقبسة، لما يقتبس فيه من سعفة أو نحوها (هُدىً) أى: قوما يهدوننى الطريق أو ينفعوننى بهداهم في أبواب الدين، عن مجاهد وقتادة، وذلك لأنّ أفكار الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في جميع أحوالهم لا يشغلهم عنها شاغل. والمعنى: ذوى هدى. أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. ومعنى الاستعلاء في (عَلَى النَّارِ) أنّ أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في (مررت بزيد): أنه لصوق يقرب من زيد. أو لأنّ المصطلين بها
_________________
(١) ـ قوله: (من سعفةٍ)، السعفة: الخرقة بلغة أهل مكة، والسعافُ: الخزاف. قوله: (إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى)، يريد أن أطلق "الهدى" وأريد "الهدى" إطلاقًا للازم على الملزوم، ويمكن أن تكون الآية من باب قول ابن المناذر: إن عبد الحميد لما تولى … هد رُكنا ما كان بالمهدود ما درى نعشه ولا حاملوه … ما على النعش من عفافٍ وجود لأنه إذا وجد الهدى في ذلك المكان ولا ارتياب في أنه لا يتقوم فيه بنفسه، فقد وجد الهداة، وعليه البيت المستشهد به في "الكتاب". قوله: (كما قال سيبويه)، يعني: جعل استعلاء مكانٍ يقربُ منها بمثابة استعلائها، كما جعل اللصوق بما كان يقربُ من زيدٍ بمثابة اللصوق بمكان زيد. قوله: (أو لأن المصطلين بها)، اعلم أن (عَلَى النَّارِ): ظرفٌ مستقرٌ حالٌ من (هُدًى)، و"كان": صفة قُدمت، صارت حالًا. قال صاحب "الفرائد": (عَلَى): حرفُ جر لا بد له من متعلق، فالتقدير: أو أجدُ ذوي هدى مشرفين على النار؛ لأنه لابد في الاصطلاء بالنار من أن تكون النار تحت أذيالهم.
[ ١٠ / ١٣٦ ]
والمستمتعين بها إذا تكنفوها قياما وقعودا كانوا مشرفين عليها. ومنه قول الأعشى:
وبات على النّار النّدى والمحلّق
_________________
(١) ـ قوله: (تكنفوها)، الجوهري: تكنفوه واكتنفوه، أي: أحاطوا به، والتكنيف مثله. قوله: (وبات على النار) البيت، أوله لعمري لقد لات عيونٌ كثيرةٌ … إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها … وبات على النار الندى والمحلق ريعي لبانٍ ثدي أم تقاسما … بأسحم داجٍ عوضُ لا نتفرقُ قال الحريري في "درة الغواص" بعد إنشاد البيتين الأخيرين: يعني أن المحلق الممدوح والندى ارتضعا ثدي أم وتحالفا على أنهما لا يفترقان أبدًا؛ لأن عوض: من أسماء الدهر، هي مما بُني على الضم والفتح، وهو للمستقبل، كما أن قط للماضي، وعني بالأسحم الداجي: ظُلمة الرحم المشار إليها في قوله تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ) [الزمر: ٦]، وقيل: بل عُني به الليلُ. ومعنى "تقاسما" على التقديرين: تحالفا. وقيل: تقاسما: اقتسما، وأن المراد بالأسحم الداجي: الدمُ. و"اليفاعُ": المكان المرتفع، وهو أشهر النار للقاصدين. "تُشبُّ": توقد، و"المقرور": من أصابه القُر، أي: البردُ، و"المحلقُ" بكسر اللام وفتحها: اسم رجلٍ من بني عُكاظ، كان خاملًا فقيرًا له عدةُ بناتٍ لا يرغبُ فيهن فانعزل عن قومه إلى بعض المهامه، فنزل به الأعشى ذات ليلةٍ، فأحسن قراه، ونحر ناقته ولم يكن عنده غيرها، فوقع صنعه من الأعشى موقعًا جليلًا، فلما أراد الانصراف قال: ألك حاجةٌ؟ قال: أريد أن تسير بذكري في بني عُكاظ؛ لعلي أشتهر ويرغب في بناتي، فقد مسهن الضر، فتوجه الأعشى على قومه ومدحه بقصيدة ذكر فيها محاسن شيمته ومكارم أخلاقه واستمال به قلوبهم إلى مواصلته، فمل يمض قليلٌ حتى خُطب إليه جميعُ بناته.
[ ١٠ / ١٣٧ ]
(فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١١ - ١٤].
قرأ أبو عمرو وابن كثير (أِنِّي) بالفتح، أى: نودي بأنى (أَنَا رَبُّكَ) وكسر الباقون، أى: نودي فقيل يا موسى. أو لأنّ النداء ضرب من القول فعومل معاملته. تكرير الضمير في (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روى أنه لما نودي (يا مُوسى) قال: من المتكلم؟ فقال له الله ﷿: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)، وأن إبليس وسوس إليه فقال: لعلك تسمع كلام شيطان. فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأنى أسمعه من جميع جهاتى الست، وأسمعه بجميع أعضائي. وروي:
_________________
(١) ـ قوله: (أي: نُودي فقيل: يا موسى)، قال صاحب "الكشف": فعلى هذا الذي قام مقام الفاعل في الحقيقة في (نُودِي) هو: المصدر، دون قوله: (يَا مُوسَى)؛ لأنه جملةٌ، والجملة لا تقوم مقام الفاعل، ألا ترى أنه قال في قوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّه) [يوسف: ٣٥]، أن التقدير: ثم بدا لهم بداءٌ، ولا يقوم (لَيَسْجُنُنَّه) مقام الفاعل؛ لأنه جملةٌ والجملُ نكرات، والفاعلُ يضمرُ، والمضمر أعرف المعارف، فإذن التقدير: نودي النداء، ثم فسر فقيل: (يَا مُوسَى). قوله: (بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي)، قال صاحب "الانتصاف": إن كان الزمخشري قصد بهذا التعصب لمذهبه في حدوث الكلام لا يبعد منه، وإن كن نقلهن كما وجده في كتب التفسير، فلا عليه، والمعتقد الحق أن الذي سمعه موسى ليس حرفًا ولا صوتًا، إذ لو كان صوتًا عرضٌ، والعرضُ الواحدُ لا يوجد في الجهات الست، فعبر بنفي لازم كونه صوتًا عن ني الصوت، كقوله صلوات الله عليه: "وكلتا يديه يمينٌ"، أي: لو كانتا جارحتين لكانت أحداهما يُسرى.
[ ١٠ / ١٣٨ ]
أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة ثم نودي، وكانت الشجرة عوسجة. وروى: كلما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت. وعن ابن إسحاق: لما دنا استأخرت عنه، فلما رأى ذلك رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه، ثم كلم. قيل: أمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ عن السدى وقتادة. وقيل: ليباشر الوادي بقدميه مُتبركًا
_________________
(١) ـ أما أن الصوت لا يختلف بقُربٍ وبعدٍ فمما يجبُ تغليطُ رواته. والذي يثبت صوتًا وجسمًا يقول: إن موسى قال: سبحانك أسمعُ صوتك ولا أرى شخصك. وقلتُ: روى الواحدي ومحيي السنة عن وهب: نودي من الشجرة فقيل: يا موسى، فأجاب سريعًا - ما يدري من دعاه - فقال: إني أسمعُ صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقربُ إليك من نفسكن فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله ﷿ فأيقن به، هذا كله لايدل على لزوم الجسمية، وكذلك القرب والبعدُ. وقال القاضي: وهذا إشارةٌ إلى أنه ﵇ تلقى من ربه كلامه تلقيًا روحانيًا ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقل إليه من غير اختصاص بعضو وجهة. قوله: (فألقيت عليه السكينة)، السكينة: فعيلةٌ من السكون، وهي الطمأنينة. قوله: (عوسجة)، الجوهري: العوسج: ضربٌ من الشوك، الواحد منها عوسجةٌ. قوله: (لأنهما كانتا من جلد حمار)، عن الترمذي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ
[ ١٠ / ١٣٩ ]
به. وقيل: لأن الحفوة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف بالكعبة حافين، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا ندر منه الدخول منتعلا تصدق، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها وتشريف لقدسها. وروى أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي، (طُوىً) بالضم والكسر منصرف وغير منصرف
_________________
(١) ـ قال: "كان على موسى يوم كلمه ربه سراويل صوفٍ وكُمةُ صوف ونعلان من جلد حمارٍ ميت". الراغب: الخلعُ: خلعُ الإنسان ثوبه، والفرس جُله وعذاره، وإذا قيل: خلع فلانٌ على فلان، معناه: أعطاه ثوبًا، واستفيد معنى العطاء من هذه اللفظة بأن وصل به على فلان لابمجرد الخلع. النعل معروفة، وشبه به نعل الفرس ونعل السيف، وفرس منعل: في أسفل رسغه بياض، ورجلٌ ناعلٌ ومنتعل، ويعبرُ به عن الغنى كما يعبر عن الفقير بالحافي. قوله: (الحفوة: تواضع)، الجوهري عن الكسائي: رجلٌ حافٍ بين الحفوة والحفاء بالمد، وقد حفي يحفى. وهو الذي يمشي بلا خُف ولا نعل. وأما الذي حفي من كثرة المشي أي: رقت قدمه أو حافره - فإنه حفٍ. قوله: «طُوًى) بالضم والكسر، مُنصرفٌ وغير منصرف)، في "معالم التنزيل": قرأ أهلُ الكوفة الشام بالتنوين والآخرون بلا تنوين؛ لأنه معدولٌ عن طاوٍ.
[ ١٠ / ١٤٠ ]
بتأويل المكان والبقعة. وقيل: مرتين، نحو ثنى، أى: نودي نداءين أو قدس الوادي كرة بعد كرة (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) اصطفيتك للنبوة. وقرأ حمزة: (وأنا اخترناك)،
_________________
(١) ـ الراغب: طويت طيًا، وذلك كطي الدرج، وعليه قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ) [الأنبياء: ١٠٤]، ومنه طويتُ الفلاة، ويعبرُ بالطي عن مُضي العمر، يقال: طوى الله عمره. وقوله تعالى: (وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) بالزمر: ٦٧]: يجوزُ أن يكون من الأول وأن يكون من الثاني، والمعنى: مُهلكاتٌ. وقوله تعالى: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه: ١٢]، قيل: هو اسمٌ للوادي الذي حصل فيه، وقيل: إن ذلك جُعل إشارة إلى حالةٍ حصلت له على طريق الاجتباء، فكأنه طوى عليه مسافةً لو احتاج إليها أن ينالها بالاجتهاد لبعد عليه. وقيل: هو اسم أرض، فمنهم من يصرفه ومنهم من لا يصرفه. وقيل: مصدرُ طويتُ فيصرف ويفتح أوله ويكسر، نحو: ثني وثني، ومعناه: ناديته مرتين. قوله: (وقيل: مرتين، نحو: ثنى)، الجوهري: قال بعضهم: مثل طوى، وهو الشيء المثني، وقال: "ثُنيت فيه البركة والتقديس مرتين". قله: (كرة بعد كرة)، نحو: لبيك وسعديك. قوله: (وقرأ حمزةُ: "وأنا اخترناك")، يعني: "أنا" بتشديد النون، والباقون: بتخفيف النون. الراغب: الاختيارُ: طلبُ ما هو خيرٌ وفعله، وقد يقال لما يراه الإنسان خيرًا، وإن لم يكن خيرا، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) بالدخان: ٣٢]، يجوز أن يكون إشارة إلى إيجاده تعالى إياهم خيرًا، وأن يكون إشارة إلى تقديمهم على غيرهم، المختار في عرف المتكلمين يقال لكل فعل يفعله الإنسانُ لا على سبيل الإكراه، فقولهم:
[ ١٠ / ١٤١ ]
(لِما يُوحى): للذي يوحى، أو للوحى. تُعلَّقُ اللام بـ (استمع)، أو بـ (اخترتك) (لِذِكْرِي): لتذكرني فإن ذكرى أن أعبد ويصلى لي. أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن مجاهد. أو: لأنى ذكرتها في الكتب وأمرت بها. أو لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق. أو لذكرى خاصة لا تشوبه بذكر غيرى أو لإخلاص ذكرى وطلب وجهى لا ترائى بها ولا تقصد بها غرضا آخر. أو لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين
_________________
(١) ـ هو مختارٌ في كذا، فليس يريدون به ما يراد بقولهم: فلانٌ له اختيار، فإن الاختيار أخذُ ما يراه خيرًا. قله: (لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار)، هذا هو الوجه. وقوله: (أو لتكون لي ذاكرًا غير ناسٍ فعل المخلصين)، إلى آخره، متقاربان، لكن المراد بالإقامة على الأول: تعديل أركانها، وعلى الثاني: إدامتها، وجُعلت الصلاة في الأول مكانًا لذكر ومقره وعلته، وعلى الثاني: جُعلت إقامة الصلاة، أي: إدامتها، علة لإدامة الذكر، أي: أدم الصلاة لتستعين بها على استغراق فكرك وهمتك في الذكر، كقوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة: ٤٥] ولخصهما القاضي حيث قال: خص الصلاة بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها، وهو تذكر المعبود وشُغلُ القلب واللسان بذكره يعني: ولتنويه الذكر أفردت الصلاةُ عن جنس العبادات وجُعلت جنسًا أشرف وأعلى منها، ثم نيط بها الذكر للعلية ليؤذن بأن الذكر مُخ العبادة تم كلامه. واعلم أنه تعالى كلما خاطب كليمه ﵇ في مقام القدس بخطاب رتب عليه بالفاء حُكمًا، قال أولًا: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) فعقبه بقوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)، قال الإمام: نبه به على تعظيم البُقعة وعلى أن لا يطأها إلا حافيًا، ولذلك علله بقوله: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ
[ ١٠ / ١٤٢ ]
_________________
(١) ـ طُوًى) وإكرام الديار لساكنيها، كأنه أُشير به، إنك بوادي فقد سجلال الله وطهارة عزته، فتجرد عما سوى الله. ويمكن أن يُقال: خلع النعلين إشارة إلى تجريد ما وقع النظر عن السعي بالكلية؛ لأن بالقدم يعبر عن السعي، كما أن باليد يعبر عن القوة، ويوافقه ما رواه السلمي في "الحقائق" عن الشبلي: اخلع الكل منك تصل إلينا بالكلية، فيكون ولا يكون، فتحقق في عين الجمع ليكون إخبارك عنا وفعلك فعلنا، وقال ابن عطاء: اخلع نعليك: انزع عنك قوة الاتصال والانفصال إنك بوادي الانفراد معي، ليس معك أحدٌ سواي. الله أعلم. وثانيًا: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) فعقبه بقوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)، قال الإمام: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) لذلك المنصب العالي ابتداء لا أنه استحقاقٌ منك على الله فتأهب له واجعل نفسك وعقلك مصروفًا إليه، فقوله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) يفيد نهاية اللطف والرحمة، وقوله: (فَاسْتَمِعْ) غاية الهيبة والرهبة. وثالثا: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي)، قال الإمام: الفاء دلت على أن إلهيته هي التي ألزمت العبادة، هذا هو تحقيق قول العلماء (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) معناهُ: المستحقُ للعبادة ورابعًا: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا) رتب نهي المخاطب عما يصده عن الآيات على مجيء الساعة، كما رتب نهي مد النظر على إيتاء السبع المثاني في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) بالحجر: ٨٧ - ٨٨]، أي: لا يصدنك النظر إلى متمتعاتهم التي هي زهرةث الحياة الدنيا عن التهيئة لزاد المعاد، (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ
[ ١٠ / ١٤٣ ]
في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به، قال: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: ٣٧]، أو لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة، كقوله تعالى: (فَإِذاَ قَضَيْتُمُ الصَلَاةَ فَاذكُرُوا اللهَ قِيَامًا وقُعُودًا) [النساء: ١٠٣]، واللامُ مثلُها في قولك: جئتك لوقت كذا، وكان ذلك لست ليال خلون. وقوله تعالى: (يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي) [الفجر: ٢٤]، وقَدْ حُملَ على ذكر الصلاةِ بعد نسيانها من قوله ﵇ «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»
_________________
(١) ـ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) [طه: ١٥]. وقال الإمام: قوله: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) تخليةٌ. والثلاثة الأخرى تحلية، فقوله: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) إشارةٌ إلى علم المبدأ، وقوله: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) علمُ الوسط، وهو مشتملٌ على العمل بالجارح وبالقلب، (فَاعْبُدْنِي): إشارةٌ إلى الأول، (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي): إلى الثاني، وقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) علمُ المعاد. وقلتُ: إذا تقرر هذا المعنى انخرط فيه معنى قول سيد المرسلين: "من نسي صلاة فليقضها إذا ذكرها"، روينا عن مالك ومسلم والترمذي وأبي داود، وغيرهم، عن أبي هريرة، في حديث طويل: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه سلم-أي: صلاة الصبح حين نام عنها- قال: "من نسي صلاةً فليقضها إذا ذكرها"، فإن الله تعالى قال: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) لأن الحكمة في وضع إقامة الصلاة كما سبق تذكر المعبود فيها، وأنها مكانهُ ومحله، فإذا ذكرت الصلاة بادرت الحكمة في شرعيتها في الذهن، فتكون الحكمة حاملة للمكلف على إقامتها، فصح أن يكون وجود ذكر الله سببًا لإقامة الصلاة، فالعدول عن هذا التأويل إلى الوجوه التي ذكرها المصنف في تأويل الحديث، وجعلُها متمحلة تعسفٌ وتمحل. قوله: (وكان ذلك لست ليالٍ خلون)، قال الحريري في "دُرة الغواص": والاختيارُ أن يقال من أول الشهر إلى منتصفه: خلت وخلون، وإن يُستعمل في النصف الثاني بقيت
[ ١٠ / ١٤٤ ]
وكان حق العبارة أن يقال: لذكرها، كما قال رسول الله ﷺ «إذا ذكرها» ومن يتمحل له يقول: إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله. أو بتقدير حذف المضاف، أى: لذكر صلاتي. أو لأن الذكر والنسيان من الله ﷿ في الحقيقة. وقرأ رسول الله ﷺ: (للذكرى).
(إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) [طه: ١٥].
أى: أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية؛ لفرط إرادتى إخفاءها؛ ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. وقيل: معناه أكاد أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل عليه مُطرح. والذي
_________________
(١) ـ وبقين، على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون، وإحدى عشرة خلت. قوله: (وكان حق العبارة أن يقال: لذكرها، كما قال رسول الله ﷺ: "إذا ذكرها")، يعني: حمل (لِذِكْرِي) على ذكر الصلاة بعد نسيانها غير صحيح؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: أقم الصلاة لذكرها، ولا يُجاء بضمير الله ﷾، كما أن رسول الله ﷺ حين أراد هذا المعنى أتى بضمير الصلاة دون ضمير الله في قوله: "إذا ذكرها". قوله: (ومن يتمحل له)، تمحل، أي: احتال، فهو متمحلٌ. قاله الجوهري. قوله: (أو لان الذكر والنسيان من الله تعالى في الحقيقة)، يعني: لما كان الذكر والنسيان من الله تعالى حقيقةً أسند إليه في الآية كما أسند في قوله: أنبت الله البقل، والمستعمل: انبت الربيع البقل. قوله: (من اللطف)، لأن في الإعلام بتعيين وقوعها قطعًا، وفي إخفاء الوقت مع الانتظار ساعةً فساعةً تحذيرًا. قوله: (ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف)، يريد أنه لابد لهذا الكلام من وجود
[ ١٠ / ١٤٥ ]
غرهم منه أن في مصحف أبى: أكاد أخفيها من نفسي. وفي بعض المصاحف: أكاد أُخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها وعن أبى الدرداء وسعيد بن جبير: (أخفيها) بالفتح، من خفاه إذا أظهره، أى: قرب إظهارها كقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) [القمر: ١]،
_________________
(١) ـ قرينة على تعيين المحذوف، والذي دل عليه الكلام الإتيان، فيجبُ أن يُقدر: أكادُ أخفي إتيانها، على حذف المضاف، وقيل: والذي يدل على ذلك المقدر إيجاب أخفيها من متعلقٍ، وهو على من أخفيها، فلا يجوز أن يُقال: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) من الخلق؛ لأنه تعالى أخفاها عنهم ونص عليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: ٣٤]، وبقوله: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) [الأعراف: ١٨٧]، وغير ذلك، فتعين أنه تعالى كاد يخفيها من نفسه على سبيل المبالغة، قال محيي السنة: وأكثر المفسرين على أن معناها: أكاد أخفيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي بن كعب، عبدالله بن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لكم؟ وهو على عادتهم إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرك من نفسي، أي: أخفيته غاية الإخفاء. روى صاحب "الانتصاف"، عن أبي علي: (أُخْفِيهَا): أزيل خفاءها وأُظهرها، تقول: أخفيته: أزلت خفاءه، مثل: أشكيته وأعتبته، ويؤيده القراءة بالفتح من: خفاه: إذا أظهره. قوله: ("أخفيها" بالفتح)، قال ابن جني: أخفيت الشيء: كتمته وأظهرته جميعًا، وخفيته بلا ألف: أظهرته البتة، وقال أبو علي وابن جني: إذا كان "أخفيها" بالفتح و"أخفيها" بالضم بمعنى: أظهرها، فاللام في قوله: (لِتُجْزَى) متعلقةٌ بنفس (أُخفيها)، ولا يحسن الوقف دونها، وإذا كان بمعنى الإخفاء والستر فمتعلقةٌ بنفس "آتيةٍ" فالوجهُ أن يقف بعد أخفيها وقفةً قصيرةً.
[ ١٠ / ١٤٦ ]
وقد جاء في بعض اللغات: أخفاه بمعنى خفاه. وبه فسر بيت امرئ القيس:
فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه … وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
فـ (أكاد أخفيها) مُحتمل للمعنيين (لِتُجْزى) متعلق بـ (آتيةٌ) (بِما تَسْعى): بسعيها.
(فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى) [طه: ١٦].
أى: لا يصدنك عن تصديقها والضمير للقيامة. ويجوز أن يكون للصلاة. فإن
_________________
(١) ـ قوله: (فإن تدفنوا الداء) البيت، الأساس: ومن المجاز: فيه داءٌ دفين، وهو الذي لا يعلم به حتى يظهر شره، يقول: إن ترجعوا إلى الصلح لا تظهر العداوة، وإن تبعثوا الحرب، أي: تعودوا إلى الحرب، نعد إليها. قوله: (فـ (أَكَادُ أُخْفِيهَا) محتمل للمعنيين)، أي: القراءةُ المشهورة تحتمل: "أخفيها"، أي: أكتمها، و"أخفيها"، أي: أُظهرها على ما سبق. قوله: «لِتُجْزَى) متعلقٌ بـ (آتِيَةٌ»، فيكون قوله: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) معترضًا بين المتعلِق والمتعلَّق مؤكدًا لمعنى الإخفاء؛ لأن قوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى)، دل على الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها وبيان الحكمة فيها. قوله: (والضمير للقيامة، ويجوز أن يكون للصلاة)، هذا هو الوجه، وعليه تأليفُ النظم؛ لأن قوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) من عطف الخاص على العام، وهو (فَاعْبُدْنِي) أي: أعبدني وانتظر وقت الجزاء ولا تقصر في العبادة فيلحقك فيها فتورٌ؛ لأنك لا تدري متى تأتيك الساعة، لقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩]، وإن اعتراك صاد يصدك عن العبادة فلا تلتفت إليه، فعلى هذا المراد بقوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي): أدم الصلاة لتكون ذاكرًا غير ناسٍ فعلَ المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على
[ ١٠ / ١٤٧ ]
قُلت: العبارة لنهي من لا يؤمن عن صدّ موسى، والمقصود نهى موسى عن التكذيب بالبعث أو أمره بالتصديق فكيف صلحت هذه العبارة لأداء هذا المقصود؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب. فذكر السببُ
_________________
(١) ـ بالٍ منهم وتوكيل همهم وأفكارهم به، كما قال: (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: ٣٧]، يدل عليه سياق الكلام، وينطبق عليه تأويل نبي الله صلوات الله عليه: "من نسي صلاة فليقضها إذا ذكرها"، يعني: دوموا على إقام الصلاة، فإذا طرأ النسيانُ الذي هو خلافُ العادة فارجعوا إلى ما كنتم عليه؛ لأن الشرط: تعليقٌ للحادث الطارئ. قوله: (العبارة)، يعني: قوله: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا)، وهو لنهي الكافر الغائب، والمقصود نهي موسى ﵇ عن التكذيب بالبعث، تهييجًا أو أمرةً بالمداومة على التصديق له. قوله: (فيه وجهان)، أي: في صلاح هذه العبارة لأداء هذا المقصود طريقان، أحدهما: أن الكافرين إذا صدوه ﵇ عن تصديقه البعث، وأثر فيه ذلك، كان سببًا بأن يُكذب بالبعث، فنهاهم عن الصد الذي هوا لسبب، وأريد المسبب وهو نهي موسى عن التكذيب تهييجًا وإلهابًا. وثانيهما: أن الكافر إنما يُنهي عن الصد إذا وجد في موسى ما يتأثر عن صد الكافر من الرخاوة واللين. فيكون تأثره سببًا للنهي، فذكر المسبب وهو النهي، ليدل على المسبب وهو الرخاوة واللين، فيرجع المعنى إلى قوله: كن شديد الشكيمة صليب المعجم، وفي اعتبار العكس إيذانا بأن الملازمة بين المذكور والمطلوب مساوية، وهذا شأن الكناية، ويجوز أن يكون الأول مجازًا والثاني كناية. قال صاحب "المفتاح": الانتقال من اللازم إلى ملزوم مُعين يعتمدُ مساواته إياها، لكنهما عند التساوي يكونان متلازمين، فيصير الانتقال من اللازم إلى الملزوم إذ ذاك بمنزلة الانتقال من الملزوم إلى اللازم، وفي قوله: "عن رخاوة الرجل" أدبٌ حسنٌ، حيث كنى به عن نبي الله.
[ ١٠ / ١٤٨ ]
ليدل على المسبب. والثاني أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته، فذكر المسبب ليدل على السبب، كقولهم: لا أرينك هاهنا، المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته، وذلك سبب رؤيته إياه. فكان ذكر المسبب دليلا على السبب، كأنه قيل: فكن شديد الشكيمة صليب المعجم، حتى لا يتلوح منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت عليه، يعنى: أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير إذ لا شيء أطم على الكفرة ولا هم أشد له نكيرا من البعث، فلا يهولنك وفور دهمائهم ولا عظم سوادهم، ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك، واعلم أنهم وإنْ
_________________
(١) ـ قوله: (الشكيمة)، الأساس: إن فلانًا لشديد الشكيمة: إذا كان ذا جد وصرامة. قوله: (صليب المعجم)، الجوهري: عجمت العود أعجمه بالضم: إذا عضضته لتعلم صلابته من خوره، والعواجم: الأسنان، ورجلٌ صليبُ المعجم: إذا كان عزيز النفس. قوله: (يعني: أن من لا يؤمن بالآخرة)، شروعٌ في بيان كون موسى ﵇ على الوصف الذي يُراد نهيه عنه، فجعل نهي الكافر وسيلةً إلى ذلك النهي، وهو كونه في رخاوة وعدم تصلب في الدين، بحيث يهوله وفور دهماء الكفرة، ولذلك لخص المعنى بقوله: "ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك" إلى آخره، وقلتُ- والله أعلم: ويمكن أن يحمل (مَنْ لا يُؤْمِنُ) على المُعرض عن عبادة الله المتهالك في الدنيا المنغمس في لذاتها وشهواتها، بدليل قوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى)، ويُحمل نهي الصد عن نهي النظر إلى متمتعاتهم من زهرة الحياة الدنيا ليكون على وزان قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) [الحجر: ٨٧ - ٨٨]، كما سبق، وتُحمل متابعةُ الهوى على الميل إلى الإخلاد إلى الأرض، كقوله تعالى: (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٦] يعني: تفرغ لعبادتي ولا تلتفت إلى ما هم فيه، فإنها مُرديةٌ مؤديةٌ إلى المهالك، فإن ما أوليناك واخترناه لك هو المقصد الأسني، فإن شئت فانظر إلى أحقر ما معك، وهو العصا، فإنها تبطل ما معهم، وفي هذا حث عظيم على الاشتغال بالعبادة وزجرٌ بليغٌ عن الركون إلى الدنيا ونعيمها.
[ ١٠ / ١٤٩ ]
كثروا تلك الكثرة فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه، لا البرهان وتدبره. وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله.
(وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) [طه: ١٧ - ١٨].
(وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) كقوله تعالى: (وَهذا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢]، في انتصاب الحال بمعنى الإشارة: ويجوز أن تكون (تِلْكَ) اسمًا موصولًا صلته (بِيَمِينِكَ) إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا في الخشبة اليابسة من قلبها حية نضناضة وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه، وينبهه على قدرته الباهرة. ونظيره أن يريك الزرّاد زبرة من حديد ويقول لك: ما هي؟ فتقول: زبرة حديد، ثم يريك بعد أيام لبوسا مسردا فيقول لك: هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة وأنيق السرد. قرأ ابن أبى إسحاق: (عصىّ)، على لغة هذيل.
ومثله: (يا بُشْرى) [يوسف: ١٩] أرادوا كسر ما قبل ياء المتكلم فلم يقدروا عليه، فقلبوا الألف إلى أخت الكسرة
_________________
(١) ـ قوله: (كقوله: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: ٧٢] في انتصاب الحال)، قال أبو البقاء: "ما": مبتدأ، و(تِلْكَ): خبره، و(بِيَمِينِكَ): حالٌ يعمل فيها معنى الإشارة. قوله: (نضناضة)، الأساس: حيةٌ نضناضةٌ تنضنض لسانها: تُحركها، قال: تبيت الحية النضناض منه … مكان الحب يستمع السرارا قوله: (زبرة)، الجوهري الزبرة: القطعة من الحديد.
[ ١٠ / ١٥٠ ]
وقرأ الحسن: (عَصايَ) بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وهو مثل قراءة حمزة (بِمُصْرِخِيَّ)] إبراهيم: ٢٢ [، وعن ابن أبى إسحاق: سكون الياء (أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها) أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة. هش الورق: خبطه، أى: أخبطه على رؤس غنمي تأكله. وعن لقمان بن عاد: أكلت حقا وابن لبون وجذع. وهشة
_________________
(١) ـ قوله: (وقرأ الحسن: "عصاي"، بكسر الياء)، قال ابن جني: وقرأ الحسن وأبو عمرو أيضًا بخلاف عنهما، وكسرُ الياء في نحو هذا ضعيفٌ استثقالًا للكسرة التي فيها هربًا إلى الفتحة، وله وجه آخر، أنه قرأ حمزة: "ما أنتم بمصرخي"، بكسر الياء لالتقاء الساكنين، مع أن قبلها كرة وياء، والفتحة والألف في (عَصَايَ) أخف من الكسرة والياء في "بمصرخي" [إبراهيم: ٢٢] وروينا عن قُطربٍ وغيره: قال لها هل لك يا تافيٍّ أراد (في) ثم أشبع الكسرة للإطلاق فأنشأ عنها ياء، نحو: منزلي وحولي، وقول ابن مجاهد: هو مثل: غُلامي لا وجه له؛ لأن الكسرة في ياء "عصاي" لالتقاء الساكنين، الكسرة في ميم "غلامي" هي التي تحدثها ياء المتكلم. قوله: (أكلت حقا وابن لبون وجذع)، "الحق" بالكسر: ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين وقد دخل في الرابعة، سُمي لاستحقاقه أن يُحمل عليه وينتفع به، وابن لبون: إذا استكمل الثانية ودخل في الثالثة؛ لأن أمه وضعت غيره فصار لها لبن، وهي نكرة تعرف بالألف واللام، والجذع، قيل: الثني، وهو من الإبل ما طعن في السنة الخامسة، وهو اسم زمن، ليس بسن تنبت ولا تسقط، أراد بهشة نخب: ثمار ذلك الوادي؛ وسيلًا دفع: ما انصب دفعاتٍ.
[ ١٠ / ١٥١ ]
نخب وسيلا دفع، والحمد لله من غير شبع، سمعته من غير واحد من العرب. ونخب: واد قريب من الطائف كثير السدر. وفي قراءة النخعي: (وأهش)، وكلاهما من هش الخبز يهش: إذا كان ينكسر لهشاشته. وعن عكرمة: (أهس) بالسين، أى: أنحى عليها زاجرا لها. والهس: زجر الغنم. ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة بالعصا، كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال: ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان، ليكون جوابه مطابقا للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه. ويجوز أن يريد ﷿ أن يعدّد المرافق الكثيرة
_________________
(١) ـ الأساس: جاء الوادي بدفاع، أي: بالسيل العظيم، وفي المثل: "آكل من لُقمانَ"، قال الميداني: يعنون لقمان بن عاد، زعموا أنه كان يتغدى بجزورٍ ويتعشى بجزور، وهذا من أكاذيب العرب. قوله: (وأهش)، "أهش" بكسر الهاء: لغةٌ في "أهش"، فقد جاء "يفعلُ" في مثل هذا متعديًا، كذا في "المنتقى" و"اللوامح"، وأما في "الموضح"، فنقل عن قراءة النخعي: "أُهشُّ"، بضم الهمزة وكسر الهاء والشين المعجمة. قوله: (ليكون جوابه مطابقًا للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه)؛ لأنه تعالى إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه من الخشبة اليابسة، وموسى ﵇ تفطن لذلك، وأتى بالجواب مطابقًا للغرض، وقال: (هِيَ عَصَايَ) إلى آخره. وكان يكفي أن يقول: عصا، أي: ليست إلا هذه الخشبة اليابسة التي منافعها معلومة عند كل أحد. قوله: (ويجوز أن يريد عز وعلا)، عطف على قوله: "ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا"،
[ ١٠ / ١٥٢ ]
التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها، ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة، كأنه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها، وقالوا: إنما سأله ليبسط منه ويقلل هيبته. وقالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه، وقالوا: انقطع
_________________
(١) ـ فعلى الأول: التعداد لأجل تحقير شأنها، والمراد بقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) التتميم للتحقير، أي: مآرب معدودة، وعلى الثاني: التعداد لأجل التعظيم، و(مَآرِبُ أُخْرَى): تتميم للتفخيم، أي: لا تُحصى ولا تُعد، ولعل هذا الوجه أحسن الوجوه، ولذلك نبهه في النداء بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)، أي: تفطن لها؛ لأنها مما اشتملت على مرافق عجيبةٍ وآياتٍ عظيمة، ومن ثم أجاب موسى بما عرفه منها من المنافع والمآرب ثم نبهه تعالى على منفعة أعظم منها بقوله: (أَلْقِهَا يَا مُوسَى)، فكرر النداء اهتمامًا بشأنها، وإليه الإشارة بقوله: "أين أنت عن هذه المنفعة العظمى؟ " إلى آخره، فإجراء هذه الصفات على العصا كإجراء النعوت المادحة نداء على الجميل وإبداء للصنيع الذي يستزيد مواجب الشكر، لا للتفصلة والتمييز، كما ظن بعضهم، وأورد على صاحب "المفتاح" ما أورد، وقد بسطناه في "شرح التبيان"، فلينظر هناك. ومما يشد من عضد ما ذكرنا من أن المقام مقام الامتنان على موسى قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) [طه: ٣٧] إلى آخره. قوله: (ليبسط منه)، الأساس: وقد بسط بساطه، وبسط إلينا يده ولسانه: أتى بما يُحب أو بما يُكره، وإنه ليبسطني ما بسطك، ويقبضني ما قبضك، أي: يسرني ويطيب نفسي ما سرك، ويسوؤني ما ساءك، كأن الإنسان إذا سُرَّ انبسط وجهه واستبشر، وبعكسه إذا اغتم. الجوهري: الانبساطُ: ترك الاحتشام، يقال: بسطت من فلانٍ فانبسط. قوله: (إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه)، ونحوه قول بعضهم:
[ ١٠ / ١٥٣ ]
لسانه بالهيبة فأجمل، وقالوا: اسم العصا نبعة. وقيل في المآرب: كانت ذات شعبتين ومحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظلّ وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقى بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا، وتكونان شمعتين بالليل
_________________
(١) ـ تصاممت إذ نطقت ظبية … تصيد الأسود بألحاظها وما بين وقرٌ ولكنني … أردتُ إعادة ألفاظها ولعل موسى ﵇ أطنب أولًا للاستصغاء انبساطًا، وأوجز آخرًا للاستصغاء استلذاذًا. قوله: (اسم العصا: نبعة)، وهي غير منصرفة للعلمية التأنيث. قوله: (والحلاب)، وهو المحلب، وهو الذي يُحلب فيه اللبن، قال: صاح هل ريت أو سمعت براعٍ … رد في الضرع ما قرى في الحلاب قوله: (وعرض الزندين على شعبتيها)، الجوهري: عرض العود على الإناء والسيف على فخذه يعرضه ويعرضه أيضًا، الأساس: الزندان: هما الزند الأعلى والزندة السفلى. قوله: (وتكونان شمعتين بالليل)، قال بعضهم: يدفع هذا قوله: "وقدح فصلد زنده" في تفسير قوله تعالى: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا)، وأجيب أن المطلوب حينئذٍ هو النار لاستدفاء النفساء بها، لا الضوء وحدهن وما يدل على أن العصا لم تكن للنار: قوله هاهنا: "وعرض الزندين على شعبتيها"، لأن الزند إنما يُعد للنار، ولكن يدفعه هناك قوله: "في ليلةٍ شاتيةٍ
[ ١٠ / ١٥٤ ]
وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه، ويركزها فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام.
(قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) [طه: ١٩ - ٢٠].
السعى: المشي بسرعة وخفة حركة. فإن قلت: كيف ذكرت بألفاظ مختلفة: بالحية، والجان، والثعبان؟ قلت: أمّا الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير. وأمّا الثعبان والجان فبينهما تناف، لأنّ الثعبان العظيم من الحيات، والجان الدقيق. وفي ذلك وجهان: أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حيه تنقلب حية صفراء دقيقة، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا، فأريد يا لجان أوّل حالها، وبالثعبان مآلها. الثاني: أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. والدليل عليه قوله تعالى: (فلما رآها تهترّ كأنها جانّ). وقيل كان لها عرف كعرف الفرس. وقيل كان بين لحييها أربعون ذراعا.
(قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى) [طه: ٢١].
لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفاز ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف. وعن ابن عباس: انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خاف ونفر. وعن بعضهم: إنما خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها.
_________________
(١) ـ مُظلمةٍ مثلجةٍ وقد ضل الطريق"، ولعل الجواب: أن الله طمس نورها كما جعل الزند صلدًا اضطرارًا إلى الطلب ليفوز بالمطلوب الحقيقي. قوله: (عرف ما لقي آدمُ منها)، يريد الحية التي كانت سببًا لإخراجه بسببٍ تمكن منه إبليس من الوسوسة.
[ ١٠ / ١٥٥ ]
وقيل: لما قال له ربه (لا تَخَفْ) بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.
السيرة من السير: كالركبة من الركوب. يقال: سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة. وقيل: سير الأوّلين، فيجوز أن ينتصب على الظرف، أى: سنعيدها في طريقتها الأولى، أى: في حال ما كانت عصا، وأن يكون. (أعاد) منقولا من (عاده) بمعنى عاد
إليه. ومنه بيت زهير:
وعادك أن تلاقيها عداء
فيتعدى إلى مفعولين. ووجه ثالث حسن: وهو أن يكون (سَنُعِيدُها) مستقلا بنفسه غير متعلق ب (سِيرَتَهَا)، بمعنى أنها أنشئت أوّل ما أنشئت عصا، ثم ذهبت
_________________
(١) ـ قوله: (بمعنى: عاد إليه)، الجوهري: عاد إليه يعود عودًا وعودةً: رجع. قوله: (وعادك أن تلاقيها عداء)، أوله: فصرم حبلها إذا صرمته الحبلُ: العهدُ، قال أبو عمرو: وعادك بمعنى: شغلك، وقال الأصمعي: صرفك، والعداء: البُعد والشغل، وقال الأصمعي: الحورُ، وعادك: عطفٌ على "صرمته"، تقول: اقطع عهدها إذا قطعتهُ هي وعاد إليك وشغلك البُعدُ والحورُ عن ملاقاتها. وتلخيص الآية (سَنُعِيدُهَا) إلى سيرتها الأولى. قوله: (وهو أن يكون (سَنُعِيدُهَا) مستقلًا بنفسه غير متعلقٍ بـ (سِيرَتَهَا»، أي: لا يكون عاملًا في (سِيرَتَهَا)، بل يكون عاملها مضمرًا، ويكون حالًا من الهاء في (سَنُعِيدُهَا)، كما قدر: سنعيدها سائرة سيرتها الأولى، والفرقُ بين هذا وبين الوجهين الأولين أن الحية في الوجهين انقلبت عصا خشبةً كسائر ما يُسمى عصا، على هذا انقلبت
[ ١٠ / ١٥٦ ]
وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أوّلا. ونصب (سِيَرَتهَا) بفعل مضمر، أى: تسير سيرتها الأولى: يعنى سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها.
(وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى) [سورة طه ٢٢ - ٢٣].
قيل لكل ناحيتين: جناحان، كجناحى العسكر لمجنبتيه، وجناحا الإنسان: جنباه، والأصل المستعار منه جناحا الطائر. سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران. والمراد إلى جنبك تحت العضد، دل على ذلك قوله (تَخْرُجْ). السوء: الرداءة والقبح في كل شيء، فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص
_________________
(١) ـ إلى عصا ذات شُعبتين ومحجن، فإذا طال الغُصن جناهُ بالمحجن، إلى سائر ما ذكره المصنف من المآرب، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون (سِيرَتَهَا) بدل اشتمال من ضمير المفعول في (سَنُعِيدُهَا)؛ لأن معنى سيرتها: صفتها أو طريقتها. الراغب: السيرة: الحالة التي يكون عليها الإنسان وغيره، غريزيًا كان أو مُكتسبًا، يقال: له سيرة حسنة وسيرة قبيحة، وقوله تعالى: (سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى) أي: الحالة التي كانت عليها من كونها عودًا. قوله: (لمجنبتيه)، وهي الميمنة والميسرة. قوله: (والأصل المستعارُ منه جناحا الطائر)، هذه الاستعارة غير مسبوقة بالتشبيه؛ كاستعارة الأسد للمقدام، بل هي من المجاز الخالي من الفائدة، نحو إطلاق المرسن على لطف الإنسان.
[ ١٠ / ١٥٧ ]
فكنوا عنه بالأبرش،
_________________
(١) ـ قوله: (فكنوا عنه بالأبرش)، الجوهري: البرشُ في شعر الفرس: نكتٌ صغارٌ تخالفُ سائر لونهن والفرس أبرش، والبرص: البياض في ظاهر الجلد، وفي زعم الأطباء: مادة نفاحةٌ بسبب اجتماع الرطوبات اللزجة، وكان من أخبار جذيمة على ما ذكره ابن الأثير في "الكامل": أنه كان من أفضل الملوك رأيًا وأبعدهم مغارًا وأشدهم نكاية، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق وضم العرب، وكان به برص، فكنت العرب عنه فقيل: الوضاح والأبرش إعظامًا له، وكانت منازله بين الحيرة والأنبار، وكان ملك العرب بأرض الجزرة ومشارف الشام عمرو بن الظرب العمليقي، فحاربه جذيمة وقتله، وملكت بعد عمرو ابنته الزباء واسمها: نائلة، فلما استحكم مُلكها أجمعت لغزو جذيمة تطلب ثأر أبيها، فأشارت لها أختها زينب بترك الحرب وإعمال الحيلة، فأجابتها إلى ذلك، وكتبت إلى جذيمة تدعوه على نفسها وملكها، فلما انتهى الكتاب إلى جذيمة استخفه ما دعته إليه، وجمع إليه ثقاته واستشارهم، وأجمع رأيهم على المسير إليها، فخالفهم قصير، وكان أريبًا حازمًا ناصحًا قريبًا منه، وقال: "رأيٌ فاتر وعدو حاضر" فذهبت مثلًا، اكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا لا تمكنها من نفسك وقد وترتها وقتلت أباها، فلم يُوافق جذيمة رأيه. فاستخلف جذيمة عمرو بن عدي ابن أخته على مُلكه فسار في وجوه أصحابه، فلما نزل الفرضة استقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال: يا قصير، كيف ترى؟ فقال: "خطبٌ يسير في خطب كبير" فذهبت مثلا، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك فإن القوم غادرون، فاركب العصا، وكانت فرسًا لجذيمة لا تُباري، فإني راكبها ومسايرك عليها، فلقيته الكتائب فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصيرٌ ونظر إلى جذيمة موليًا على متنها، فقال: "ويلُ أمةٍ حزمها على ظهر العصا"، فذهبت مثلًا.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
_________________
(١) ـ فلما دخل جذيمة على الزباء تكشفت، فإذا هي مضفورة الأسب، بالباء الموحدة، وهو شعر الاست، وقالت: يا جذيمة، "أدأب عروس ترى؟ " فذهبت مثلًا، وقالت: أنبئت أن دماء الملوك شفاءٌ من الكلب، ثم أجلسته على نطع، وسقته الخمر حتى أخذت منه، ثم أمرت براهشيه فقُطعا، وقدمت إليه طستًا وقيل لها: إن قطر من دمه شيءٌ في غير الطست طُلب بدمه، فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير لطست، فقالت: لا يُضيعوا الدم، فقال جذيمة: "دعوا دمًا ضيعه أهله"، فذهبت مثلًا، فهلك جذيمة وخرج قصيرٌ حتى قدم على عمرو بن عدي، فقال له قصير: تهيأ واستعد ولا تُطل دم خالك، فقال: "وكيف لي بها وهي أمنعُ من عقاب الجو؟ " فذهبت مثلًا. وكانت الزباء سألت عن هلاكها فقيل: سبب هلاكها عمرو بن عدي، ولكن حتفك بيدك، فحذرت عمرًا واتخذت نفقًا من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها، وصورت صورة عمرو فلا تراه إلا وعرفته، وقال قصيرٌ لعمرو بن عدي: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها، فأبي عمرو، فجدع قصير أنفه وأثر بظهره وهر كأنه هاربٌ، وأظهر أن عمرًا فعل ذلك به، وقدم على الزباء فقالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ فقال: زعم عمرو أني غدرت خاله وزينت له المسير إليك ومالأتك عليه، ففعل ما ترين، فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فأكرمته وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملك، فلما عرف أنها قد وثقت به، فقال لها: إن لي بالعراق أموالًا كثيرةً، وبها طرائف وعطر، فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليك من طرائفها، فدفعت إليه أموالًا وجهزت معه عيرًا، فسار حتى قدم على عمرو بن عدي مستخفيًا وأخبره الخبر وقال: جهزني بالمز والطرف وغير ذلك، لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك، فأعطاه حاجته، فلما عُرض عليها سرها وازدادت به ثقةً، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته به أولًا، ثُم عاد الثالثةَ فأخبر عمرًا الخبر وقال: اجمع ثقات أصحابك
[ ١٠ / ١٥٩ ]
والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجاجة، فكان جديرا بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه. يروى أنه كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يعشى البصر. (بَيْضاءَ) و(آيَةً) حالان معا. و(مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)،
_________________
(١) ـ وجُندك وهيء لهم الغرائر واحمل كل رجلين في غرارتين اجعل معقد رؤوسها من باطنها، وقال له: إذادخلت مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وتخرج الرجال من الغرائر فيصيحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قاتلوه، ففعل ذلك ثم ساروا، فملا قربوا تقدم قصيرٌ إليها فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل من الثياب والطرائف، فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض، فقالت: يا قصير: ما للجمال مشيها وئيدا … أجندلًا يحملن أم حديدا؟ أم صرفانًا تسارزًا شديدا … أم الرجال جُثما قعودا؟ فلما توسطت الإبلُ المدينة خرج الرجال من الغرائر، فدل عمرو على باب النفق وأقبلت الزباء مولية تريد الخروج من النفق، فأبصرت عمرًا قائمًا فعرفته بالصورة، فمصت لما في خاتمها، وقالت: "بيدي لا بيد عمرو"، فتلقاها عمرو بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة، ثم عاد إلى العراق وصار الملك له. والصرفان: الرصاص، والصرفان: نوعٌ من التمر، والله أعلم. قوله: (أحز للمفاصل)، الأساس: وهو أصفى من المفاصل، وهو الماء الذي يقطر من بين العظمين إذا فُصلا. وتقول رب كلام بالمفصل أشد من كلام بالمقصل، وتكلم فأصاب المحز. قوله: «َيْضَاءُ) و(آيَةً): حالان معًا)، قال الزجاج: آية: اسمٌ في موضع الحال، أي تخرج بيضاء مبينة آية أخرى.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
(مِن) صلة ل (بَيضَاءَ)، كما تقول ابيضت من غير سوء، وفي نصب (آيَةً) وجه آخر، وهو أن يكون بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك، حذف لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف (لِنُرِيَكَ) أي خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى. أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا.
أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك.
[(اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى* قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا)].
لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي لعنه الله عرف أنه كلف أمرا عظيما وخطبا
_________________
(١) ـ وقال أبو البقاء: (بَيْضَاءَ): حالٌ، و(مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) يجوز أن يتعلق بتخرج، وأن يكون صفة لـ (بَيْضَاءَ) أو: حالًا من الضمير في (بَيْضَاءَ)، و(آيَةً): حالٌ أخرى بدلٌ من الأولى، وحالٌ من الضمير في (بَيْضَاءَ)، أي: تبيض آية، أو: حالًا من الضمير في الجار مع المجرور، وهو قوله: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ). قوله: (أو: لنريك من آياتنا الكبرى)، فعلى ذلك عطف على قوله: "وقد تعلق بهذه المحذوف لـ (نُرِيَكَ) "، ومن في قوله: (مِنْ آيَاتِنَا) إما للتبعيض، وإليه الإشارة بقوله: بعض آياتنا، أو للبيان، وإليه الإشارة بقوله: أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا، يؤيده قول ابن عباس: (كانت يد موسى أكبر آياته)، فيكون (مِنْ آيَاتِنَا) حالًا من (الْكُبْرَى) قُدمت عليها وإن كان ذو الحال معرفة، مراعاةً للفواصل. قوله: (لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي، عرف أنه كُلف أمرًا عظيما)، إلى قوله: (فاستوهب ربه أن يشرح صدره)، يعني: لما علل الله ﷾ الأمر بالذهاب إلى
[ ١٠ / ١٦١ ]
جسيما يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله
_________________
(١) ـ فرعون بوصفه بالطغيان، عرف موسى ذلك وطلب ما طلب، والإمام علق قول موسى ﵇ (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) بما خاطبه من لدن قوله: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) إلى هذا المقام، قال تارةً: إن شرح الصدر مقدمةٌ لسطوع الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع أيضًا مقدمة لفهم كلام الله المجيد، فلما كلفه الله بالمقدمة التي هي الاستماع في قوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) نسج ﵇ على ذلك المنوال وطلبا لمقدمة، وقال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) حتى يتمكن قلبي في بهو ضوء المعرفة ووسادة قذف النور من تلقي سماع كلامك. وقال أخرى: لما نُصب موسى ﵇ لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة من تلقي الوحي وتبليغه إلى المعاندين والمواظبة على خدمة الباري وإصلاح العالم السفلي، فكأنه كلف بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر، فطلب ﵇ شرح الصدر حتى يفيض عليه كمالًا من القوة لتكون قوته وافية لضبط تدبير العالمين. الراغب: شرحُ الصدر: بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله تعالى. قال الله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر: ٢٢]. وقلتُ: يؤيد هذا التأويل قوله ﵇: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) بعد طلب تيسير الأمر وحل العقدة ومؤازرة أخيه للتبليغ ليطابق قوله: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)، وقوله: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، وعلى ما فسره المصنف يكون قوله: (كَيْ نُسَبِّحَكَ) الآية أجنبيًا، وفيه نُكتةٌ أخرى، وهي أن الله ﷾: كما علل إقامة الصلاة بذكره ﷾ في قوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي). وقوله (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، كذلك علل ﵇ مطالبه كلها بالقيام على تكثير ذكر الله ﷿ فآذن بأن ذكر الله لا مطلب فوقه. وفي "حقائق" السلمي عن عطاء أنه قال: اكشف
[ ١٠ / ١٦٢ ]
إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه، ويجعله حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل الصبر وحسن الثبات، وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون ومقاساة جلائل الخطوب. فإن قلت: (لِي) في قوله (اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) ما جدواه «٢» والكلام بدونه مستتب؟ قلت: قد أبهم الكلام أولا فقيل: اشرح لي ويسر لي، فعلم أن ثم مشروحا وميسرا، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب الشرح والتيسير لصدره وأمره، من أن يقول: اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح الساذج، لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقى الإجمال والتفصيل. عن ابن عباس: كان في لسانه رتة
_________________
(١) ـ لي عن صدري حتى لا أشاهد غيرك؛ ويسر لي أمري حتى لا أنظر إلا بمعرفتك، واحلل عقدة من لساني حتى لا أتكلم إلا بما أبلغه عنك. وقال جعفر: قيل لموسى: استكثرت تسبيح ونسيت بدايات فضلنا عليك في اليم وردك إلى أمك وتربيتك في حجر عدوك، وأكبر من هذا كله خطابنا معك وكلامنا إياك، وأكبر منه إخبارنا باصطناعنا لك. قوله: (ذو جأش رابط)، الأساس: والجأش والجؤشوش: الصدرُ، يقال: فلانٌ قد ربط لذلك الأمر جأشًا. ويقال لمن يربط نفسه عن الفرار لشجاعته: رابط الجأش. قوله: (يستقبل ما عسى يردُ عليه)، استعمل "عسى" بغير "أنْ" تشبيهًا لها بـ "كاد" كما في قوله: عسى الكربُ الذي أمسيتُ فيه … يكون وراءه فرجٌ قريب قوله: (مستتب)، أي: مستقيم، الأساس: استتب الطريق: ذل وانقاد كما يقال: طريق معبدٌ، واستتب له الأمر. قوله: (بذكرهما)، أي: بذكر المشروح والميسر.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
لما روي من حديث الجمرة. ويروى أن يده احترقت، وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ، ولما دعاه قال: إلى أى رب تدعوني؟ قال: إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم: إنما لم تبرأ يده لئلا يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المواكلة. واختلف في زوال العقدة بكمالها فقيل: ذهب بعضها وبقي بعضها، لقوله تعالى (وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا)] القصص: ٣٤ [وقوله تعالى (وَلا يَكادُ يُبِينُ)] الزخرف: ٥٢ [وكان في لسان الحسين بن على ﵄ رتة «٣» فقال رسول الله ﷺ: "ورثها من عمه موسى". وقيل: زالت بكمالها لقوله تعالى (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) وفي تنكير العقدة -وإن لم يقل عقدة لساني-: أنه طلب حل بعضها إرادة أن يفهم عنه فهما جيدا، ولم يطلب الفصاحة الكاملة. و(مِنْ لِسانِي) صفة للعقدة كأنه قيل: عقدة من عقد لساني.
الوزير من الوزر، لأنه يتحمل عن الملك أو زاره ومؤنة. أو من الوزر، لأن
_________________
(١) ـ قوله: (لما رُوي من حديث الجمرة)، روى محيي السنة: أنه نشأ موسى ﵇ في حجر فرعون وامرأته، فبينا هو يلعب وبيده قضيبٌ فضرب رأس فرعون، فغضب حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها الملك، إنه صغيرٌ لا يعقل، جربه إن شئت، فجاءت بطستين في احدهما الجمر وفي الآخر الجوهر، فأراد موسى أن يأخذ الجوهر فأخذ جبريل ﵇ يده فوضعها في النار فاخذ جمرةً فوضعها في فيه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة. الراغب: اللسان: الجارحة وقوتها، وقوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي) يعني به: من قوة لساني فإن العقدة لم تكن في الجارحة وإنما كانت في قوته التي هي النطق به، يقال لكل قوم لسانٌ ولسنٌ. قوله: (أو من الوزر)، أي: الملجأن وأصلُ الزر: الجبل. الراغب: الوزر: الملجأ الذي
[ ١٠ / ١٦٤ ]
الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره. أو من المؤازرة وهي المعاونة. عن الأصمعى قال: وكان القياس أزيرا، فقلبت الهمزة إلى الواو، ووجه قلبها أنّ فعيلا جاء في معنى مفاعل مجيئا صالحا، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظرا إلى يؤازر وإخواته، وإلى الموازرة. (وَزِيرًا) و(هارُونَ) مفعولا قوله (واجْعَل لِّي وزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) قدم ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة. أو (لِي وَزِيرًا) مفعولاه، وهارون عطف بيان للوزير. و(أَخِي) في الوجهين بدل من هارون، وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن.
_________________
(١) ـ يُلتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: (كَلاَّ لا وَزَرَ) [القيامة: ١١]، الوزرُ: الثقلُ تشبيهًا بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الإثم، قال تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً) بالنحل: ٢٥]. قوله: (أو من المؤازرة، وهي المعاونة)، قال في "الأساس": وزير الملك: الذي يؤازره أعباء الملك، أي يحامله، وليس من المؤازرة؛ لأن واوها عن همزةٍ، وفعيلٌ منها: أزيرٌ، يقال: ازره، أي: شد به أزره، وأردت كذا فآزرني عليه فلانٌ: إذا ظاهرك وعاونك، وأجاز في الكتاب أن يكون منه بناء على الوزن وحمل النظير على النظير، وذلك أن أزيرًا أخو المؤازر، كما أن العشير والجليس والخليل أخواتُ المعاشر والمجالس والمخال، وإذا ثبت أنه أخو المؤازر فكما قُلبت الهمزة في أخيه، وهو المؤازر، واوًا. وقيل: مؤازرٌ، لانضمام ما قبله، تُقلب فيه، وإن لم ينضم ما قبله حملًا للنظير على النظير، ونُظرٍ إلى المضارع منه والمصدر، وهما: يؤازر والمؤازرة، فقوله: "ونظرًا إلى يؤازر" عطفٌ على قوله: "إن فعيلًا جاء من حيث المعنى"، قوله: (أو (لِي وَزِيرًا): مفعولاه)، فعلى هذا أيضًا قدم الثاني على الأول عناية بشأن نفسه، وأنه محتاجٌ إلى عون، ولذلك عقب به قوله: (يَفْقَهُوا قَوْلِي) كما قال: (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) [القصص: ٣٤]. قوله: (وإن جُعل عطف بيان آخر جاز وحسن)، يعني: (هَارُونُ) عطفُ بيانٍ للوزير،
[ ١٠ / ١٦٥ ]
قرؤوا جميعا (اشْدُدْ) (وَأَشْرِكْهُ) على الدعاء. وابن عامر وحده: (أشدُد). و(أُشرِكه)، على الجواب.
وفي مصحف ابن مسعود: (أخى واشدُد). وعن أبى بن كعب: (أشركه في أمرى، واشدد به أزرى).
ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر: أن يجعل (أَخِي) مرفوعا على الابتداء: و(اشْدُدْ بِهِ) خبره، ويوقف على (هارُونَ). الأزر: القوة. وأزره: قواه، أى: اجعله شريكي في الرسالة حتى نتعاون على عبادتك وذكرك، فإن التعاون - لأنه مهيج الرغبات - يتزايد به الخير ويتكاثر (إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا) أى: عالما بأحوالنا وبأن التعاضد مما يصلحنا، وأن هارون نعم المعين والشادّ لعضدى، بأنه أكبر منى سنا وأفصح لسانا.
(قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) [طه: ٣٦]
_________________
(١) ـ و(أخِي) مثله، وإنما جاز ذلك وحسن وإن لم يكن أشهر الاسمين، مثل: (هَارُونُ) لكونه بمنزلته في الشهرة. وقليلًا ما نسمعه في التنزيل، ولم يشعبه، وفي "جاز وحسن" إيماءٌ إلى أن تقدير البدل أحسنُ. قوله: (قرؤوا جميعًا (اشْدُدْ»، وفي "التيسير": قرأ ابن عامر: "أشدد به"، بقطع الألف وفتحها في الحالين، و"أشركه": بضم الهمزة، والباقون: بوصل الألف في الأول، ويبتدئونها بالضم وفتح الهمزة في الثاني. قال الزجاج: أما قطع الألف وفتحها وضم الألف في "وأشركه" فعلى جواب الأمر، المعنى: اجعل لي أخي وزيرًا، فإنك إن فعلت ذل أشد به أزري وأشركه في أمري، على الإخبار عن النفس، وأما من قرأ (أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) بوصل الألف، (وَأَشْرِكْهُ) بفتح الهمزة، فعلى الدعاء. المعنى: اللهم اشدد به أزري وأشركه في أمري.
[ ١٠ / ١٦٦ ]
السؤل: الطلبة، فعل بمعنى مفعول، كقولك: خبز، بمعنى مخبوز. وأكل، بمعنى مأكول.
[سورة طه (٢٠): الآيات ٣٧ إلى ٣٩]
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) [طه: ٣٧ - ٣٩].
الوحى إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان نبىّ في وقتها، كقوله تعالى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ)] المائدة: ١١١ [، أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة، كما بعث إلى مريم. أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه. أو يلهمها كقوله تعالى (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)] النحل: ٦٨ [أى أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ولا إلى العلم به إلا بالوحي، وفيه مصلحة دينية فوجب أن يوحى ولا يخل به، أى: هو مما يوحى لا محالة وهو أمر عظيم، مثله يحق بأن يوحى (إذْ أَوْحَيْنَا إلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) «أن» هي المفسرة لأن الوحى بمعنى القول.
القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع. ومنه قوله تعالى (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)] الأحزاب: ٢٦ [، وكذلك الرمي قال:
_________________
(١) ـ قوله: (أي: أوحينا إليها أمرًا لا سبيل إلى التوصل إليه … إلا بالوحي)، هذا يؤذن أن الوحي الذي هو بمعنى الإلهام، لا يكون إلا في أمر يعز على كل أحد. قوله: (ولا يُخل به)، بضم الياء وفتح الخاء، من: أخل الفارس بمركزه؛ إذا ترك موضعه الذي عينه الأمير له. قوله: (القذف مستعمل في معنى الإلقاء)، الراغب: القذفُ: الرمي البعيدُ، ولاعتبار البُعد فيه قيل: منزلٌ قذفٌ وقذيفٌ وبلدةٌ قذوفٌ: بعيدةٌ. وقوله ﷿: (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) أي: اطرحيه فيه، واستعير القذف للشتم والعيب، كما استعير للرمي.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
غلام رماه الله بالحسن يافعا
أى: حصل فيه الحسن ووضعه فيه، والضمائر كلها راجعة إلى موسى. ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت: فيه هجنة، لما يؤدى إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل. قلت: ما ضرك لو قلت: المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت، حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن. والقانون الذي وقع عليه التحدّى، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته أن لا تخطئ جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وإلقاءه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) روى أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، فوضعته فيه وجصصته وقيرته، ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون تهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بركة
_________________
(١) ـ قوله: (غلامٌ رماه الله بالحسن يافعا)، تمامه في "المطلع": له سيمياءٌ لا تشق على البصر غلامٌ يافعٌ ويفعة: تحرك ولما يبلغ. والسيماءُ السيمياء: العلامة، وأصله الواو. قوله: (فيه هجنةٌ)، والهجنة: مصدر الهجين، وهو الذي ولدته أمةٌ. الأساس: أنا أستهجنُ فعلك، وفيه هجنةٌ، وفي زناده هجنةٌ: إذا كان أحد الزندين واريا والآخر صلودا. قوله: (سلك في ذلك)، جواب "لما"، والمشار إليه قوله: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ)، والمجاز من باب الاستعارة المكنية، شبه اليم بمأمورٍ ذي تمييز أورد عليه أمر آمر مطاع، وجعل القرينة أمره بقوله: (فَلْيُلْقِهِ).
[ ١٠ / ١٦٨ ]
مع آسية إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا صبى أصبح الناس وجها، فأحبه عدوّ الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر اللفظ أنّ البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه، لأنّ الماء يسحله أى يقشره وقذف به ثمة فالتقط من الساحل، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون، ثم أداه النهر إلى حيث البركة (مِنِّي) لا يخلو إما أن يتعلق ب (ألقيت)، فيكون المعنى على: أنى أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب.
_________________
(١) ـ قوله: (لا يتمالك أن يصبر عليه)، الجوهري: ما تمالك: ماتماسك. قوله: (وظاهر اللفظ)، عطفٌ على قوله: "رُوي" أو حالٌ من الضمير في "رُويَ"، يعني ظاهر لفظ القرآن يخالف الرواية المذكورة؛ لأن اليم: البحر، الساحل: هو شاطئه، والقذف من اليم إنما يكون بالساحل، وكذلك الالتقاط منه، وليس فيه دخول التابوت البركة فيلتقط منها إلا أن يُحمل اللفظُ على أن الساحل كان متصلًا بفوهة نهر فرعون، وقلتُ: رواية الواحدي ومحيي السنة: أن اليم هو نهر النيل والشاطئ هو شاطئ النيل، وكان يشرعُ من النيل نهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما فرعون جالس مع امرأته على رأس البركة إذا بتابوت يجيء به الماء، فأمر بإخراجه فأخرجوه. قوله: (لأن الماء يسحله)، الجوهري: الساحلُ: شاطئ البحر، قال ابن دريد: هو مقلوبٌ، وإنما الماء سحله. قوله: (وقذف به ثمة)، الفاعل المستتر في "قذف" للبحر، وهو عطفٌ تفسيريٌّ على "ألقاه بساحله"، وما بينهما معترض. قوله: (فوهة نهر فرعون)، الجوهري: وأفواه الأزقة والأنهار، واحدتها فوهة بتشديد الواو.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة، أى: محبة حاصلة أو واقعة منى، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك. روى أنه كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه (عَلى عَيْنِي) لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك،
_________________
(١) ـ قوله: (وإما أن يتعلق بمحذوفٍ)، يعني: الجار والمجرور، يحتمل أن يكون ظرفًا لغوًا، وأن يكون مستقرًا، على الأول: "من" ابتدائي، فيكون إنشاء إلقاء المحبة من الله، ثم يسري منه إلى الخلق، وإليه الإشارة بقوله: "من أحبه الله تعالى أحبته القلوبُ"، وعلى الثاني: إما أن يُقدر عاملًا عامًا، كما هو المشهور، وهو المراد من قوله: "أي: محبةً حاصلةً - أي كائنة موجودة- مني"، أو خاصًا لقرائن الأحوال، وهو أن الله تعالى أوقع محبته في قلب آسية وأعدى عدوه فرعون وغيرهما، وإليه الإشارة بقوله: "قد ركزتها أنا في القلوب"، فلذلك أحبك فرعونُ، وكل من أبصرك، والوجه الثاني أشمل من حيث المنطوق، والأول أدخلُ في البلاغة من حيث المفهوم، ويساعد عليه ما روينا عن البخاري ومالك والترمذي عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض"، ورواية مسلم أبسط من هذا. قوله: (مسحة جمال)، الأساس: مسحه بالماء والدهن، ومسح رأسه: أمر يده عليه، ومن المجاز: به مسحةٌ من جمال، يعني: كأن الجمال مسح وجهه، ومنه بيت الحماسة: على الوجه مني مسحةٌ من ملاحةٍ … وتحت الثياب الخزي لو كان باديا قوله: (وأنا مُراعيك وراقبك)، وفي نسخة: "ورافيك" من: رفوته سكينة من رُعب، يريد أن (عَلَى عَيْنِي): حالٌ من المستتر المرفوع في "لتُصنع"، وليس بصلة "لتُصنَعَ".
[ ١٠ / ١٧٠ ]
كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وتقول للصانع: اصنع هذا على عينى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتي. (ولتصنع): معطوف على علة مضمرة، مثل: ليتعطف عليك وترأم «١» ونحوه. أو حذف معلله، أي: ولتصنع فعلت ذلك. وقرئ: (ولتصنع) ولتصنع، بكسر اللام وسكونها. والجزم على أنه أمر.
_________________
(١) ـ قوله: (كما يراعي الرجل الشيء بعينيه: إذا اعتنى به)، إشارةٌ إلى أن في التركيب تمثيلًا واستعارة، قال الواحدي: وتفسير قوله: (عَلَى عَيْنِي): بمرأى مني صحيح، ولكن لا يكون في هذا تخصيصٌ لموسى، فإن جميع الأشياء بمرأى من الله. الصحيح: لتُغذى على محبتي وإرادتي. وهذا قول قتادة اختيار أبي عبيدة وابن الأنباري، وقال أبو زيد: العرب تقول: اتخذ شيئًا على عيني: على محبتي. وقلت: هذا الاختصاص للتشريف كاختصاص عيسى ﵇ بكلمة الله، والكعبة ببيت الله، فإن الكل موجودٌ بـ "كُن"، وكل البيوت بيت الله، على أن خلاصة الكلام وزبدته تفيد مزيد الاعتناء بشأنه، وأنه من الملحوظين بسوابق إنعامه. قوله: (وترأم)، الجوهري: رئمت الناقة ولدها رئمانًا: إذا أحبته. قوله: «وَلِتُصْنَعَ) بكسر اللام وسكونها) قال ابن جني: وهي قراءة أبي جعفر، وليس دخول لام الأمر هنا كدخولها في قوله: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨] بالتاء؛ لأن المأمور في (فَلْيَفْرَحُوا) مخاطبٌ، وهاهنا غائبٌ، وهو كقولنا: ولتعن بحاجتي ولتوضع في تجارتك؛ لأن المعاني بها، والواضع فيها غير المخاطبين، نحو: ليضرب زيدٌ ولتكرم هندٌ، فأما قول الرجل: خُذ طرفك لآخذ طرفين وقولهم: لنمش كلنا، وإنما جاء باللام ولم يخفف تخفيف "قُم" و"سِرْ" ونحوهما؛ لأنه لم يكثر أمرُ الإنسان لنفسه كرة أمره لغيره، فلما قل استعماله لم يخفف.
[ ١٠ / ١٧١ ]
وقرئ: (ولتَصنَعَ)، بفتح التاء والنصب، أى: وليكون عملك وتصرفك على عين منى.
(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤٠ - ٤١].
العامل في (إِذْ تَمْشِي) (أَلْقَيْتُ) أو (ِتُصْنَعَ) ويجوز أن يكون بدلا من (إِذْ أَوْحَيْنا).
فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح - وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه - أن يقول لك الرجل: لقيت فلانا سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرفه خبره، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت: هل أدلكم فجاءت بالأمّ فقبل ثديها. ويروى أن آسية استوهبته من فرعون وتبنته، وهي التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع.
هي نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلى. قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة:
_________________
(١) ـ قوله: ("ولتصنع" بفتح التاء والنصب)، وكسر اللام، قرأها أبو نهيك. قوله: (العامل في (إِذْ تَمْشِي): "ألقيتُ" أو"تُصنع")، قال صاحب "الانتصاف": (وَلِتُصْنَعَ) أولى؛ لأن معناه: إنك محفوظٌ مكلوءٌ وزمانُ التربية هو زمان رده إلى أمه، وأما إلقاء المحبة عليه، فقيل: ذلك من أول ما التقطه فرعون. وقلتُ: والأولى تقدير: اذكر؛ لأن كونه مراقبًا محفوظًا قبل زمان رده إلى أمه من حين وجوده وإلقائها له في التابوت واليم وغير ذلك، وكأن الكلام سيق للامتنان فاستقلاله، بالذكر أحرى.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
اغتم بسبب القتل خوفا من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له باستغفاره حين قال (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)] القصص: ١٦ [ونجاه من فرعون أن ينشب فيه أظفاره حين هاجر به إلى مدين.
(فُتُونًا) يجوز أن يكون مصدرا على فعول في المتعدّى، كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، في حجزة وبدرة: أى فتناك ضروبا من الفتن. سأل سعيد بن جبير ابن عباس ﵁، فقال: خلصناك من محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير. وألقته أمّه في البحر. وهمّ فرعون بقتله. وقتل قبطيا. وأجر نفسه عشر سنين. وضلّ الطريق وتفرّقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير. والفتنة: المحنة، وكل ما يشق على الإنسان. وكل ما يبتلى الله به عباده: فتنة. قال (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)] الأنبياء: ٣٥ [. (مَدْيَنَ) على ثماني مراحل من مصر. وعن وهب: أنه لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، منها مهر ابنته،
_________________
(١) ـ قوله: (ونجاه من فرعون أن يُنشب فيه أظفاره)، بدلٌ من فرعون بدل اشتمال، أي: نجاه من أن ينشب فرعون فيه الأظفار، شبه فرعون بسبعُ ضارٍ لقوة غضبه وشدة شكيمته وأثبت له لازمه. كقول الهُذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها قوله: (هاجر به)، الباء للتعدية، أي: جعله الله مهاجرًا إلى مدينة قوله: (على فعول في المتعدي)، إشارة إلى أن ذلك قليل، وهو مع قلته قد جاء كالأمثلة المذكورة. قوله: (وجمع فتن)، من قولهم: فتن الذهب بالنار: إذا خلصته بها.
[ ١٠ / ١٧٣ ]
وقضى أوفى الأجلين. أي سبق في قضائي وقدرى أن أكلمك وأستنبئك، وفي وقت بعينه قد وقته لذلك، فما جئت إلا على ذلك القدر غير مستقدم ولا مستأخر. وقيل: على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة. هذا تمثيل لما خوّله من منزلة التقريب والتكريم والتكليم. مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك
_________________
(١) ـ قوله: (وقضى أوفى الأجلين)، أي: المذكورين في قوله تعالى حكاية عن شُعيب: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ …) إلى قوله: (… فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ) [القصص: ٢٩]. قوله: (قد وقته لذلك)، أي: التكليم والاستنباء. المُغرب: الوقت من الأزمنة المبهمة، ثم استعمل في كل حد، وقد اشتقوا منه فقالوا: وقت الله الصلاة ووقتها، أي: بين وقتها وحدده، ثم قيل لكل محدودٍ: موقوتٌ وموقت. قوله: (هذا تمثيل لما خوله)، يعني قوله: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) لا يجوز أن يجري على ظاهره لاستغنائه تعالى عن ذلك، فهو استعارةٌ تمثيلية وبيانها قوله "مثل حاله بحال من يراه" إلى آخره. الراغب: الصنيعة ما اصطنعته من خير. وفرس صنيع: أُحسن القيام عليه، عُبر عن الأمكنة الشريفة بالمصانع، قال تعالى: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ) بالشعراء: ١٢٩]، وكُني عن الرشوة بالمصانعة، والاصطناع: المبالغة في إصلاح الشيء، قال تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: ٤١]، قوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) إشارة إلى نحوٍ ما قال بعض الحكماء: إن الله إذا أحب عبدًا تفقده كما يتفقد الصديقُ الصديقَ، والصنعُ: إجادةُ الفعل، ولا ينسبُ إلى الحيوانات والجمادات، كما ينسب إليها الفعل، قال تعالى: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨]، وللإجادة يقالُ للاذق المجيد: صنعٌ وللمرأة صناع.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
لجوامع خصال فيه وخصائص، أهلا لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه، ولا ألطف محلا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه. ولا يبصر ولا يسمع إلا بعينه وأذنه، ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره.
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه: ٤٢ - ٤٤].
الونى. الفتور والتقصير. وقرئ: (تِنيا)، بكسر حرف المضارعة للإتباع، أى: لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكرى جناحا تطيران به
_________________
(١) ـ قوله: (لئلا يكون أقرب منزلة)، "يكون" تامة، والفاعل "أقربُ"، أي: لئلا يوجد أحدٌ أقرب منزلةً منه. قوله: (ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره)، الأساس: سواءُ الشيء: وسطه، وضرب سواءه: وسطه ومستوى مفرقه، (فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) بالصافات: ٥٥] أي: وسطها. قوله: (الوني: الفتور والتقصير)، الأساس: ونى في الأمر: ضعف وفتر، وفلانٌ عمل فونى: تعب، وأونيته: أتعبته. قوله: (واتخذا ذكري جناحا)، ولما عقب النهي عن الونى في الذكر بالأمر بالذهاب، وكرره إجمالًا وتفصيلًا حسن قوله: "واتخذا ذكري جناحًا تطيران به"، يعني: اذهبا بآياتي وأسرعا فيه استعينا على إمضائها بمداومة ذكري، فإن الأمر الذي وجهتما إليه ما يتمشى إلا بمداومة الذكر والاصطبار عليها، وفيه تلويح إلى إشارات العارفين، وأن الترقي إلى المقامات العالية والعروج إلى مظان الزلفى إنما يحصل بملازمة الذكر وشد أعضاده بالأعمال الصالحة، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠]، انظر
[ ١٠ / ١٧٥ ]
مستمدين بذلك العون والتأييد منى، معتقدين أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكرى. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها، فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر. روى أن الله تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى. وقيل: سمع بمقبله. وقيل: ألهم ذلك. قرئ (لَيِّنًا) بالتخفيف والقول اللين. نحو قوله تعالى (هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى)] النازعات: ١٨ - ١٩ [لأنّ ظاهره الاستفهام والمشورة، وعرض ما فيه من الفوز العظيم. وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. وقيل: لا تجبهاه بما يكره، والطفا له في القول، لما له من حق تربية موسى، ولما ثبت له من مثل حق الأبوّة. وقيل:
كنياه وهو من ذوى الكنى الثلاث: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرّة. والترجي لهما، أى: اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة
_________________
(١) ـ كيف كرر الذكر من أول ما بدأ بالكليم ليعرف عائدته، ومن ثم قال: إن أمرًا من الأمور لا يتمشى لأحدٍ إلا بذكري. قوله: (سمع بمقبله)، أي: بإقباله، الأساس: رأيتُ بذلك القبل شخصًا وهو ما استقبلك من نشز أو جبل. قوله: (وعرضُ ما فيه من الفوز العظيم)، عطفٌ تفسيري على قوله: "والمشورة"، وهي على قوله: "الاستفهام"، يعني: القول اللين من مثل موسى ﵇ لمثل فرعون لا يكون إلا على المشورة التعريض، فصح الاستشهاد بقوله: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) [النازعات: ١٨ - ١٩]. قوله: (عداه)، وهو أمر للاثنين، من الوعد. قوله: (لا تجبهاه بما يكره)، الأساس: جبهته، ومن المجاز: لقيه بما يكره، ولقيت منه جبهة، أي: مذلة. قوله: (والترجي لهما)، إشارةٌ إلى أن معنى الترجي راجع إليهما لا إلى الله تعالى؛ لأنه يعلمُ
[ ١٠ / ١٧٦ ]
من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه، فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه. وجدوى إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ)] طه: ١٣٤ [، أى: يتذكر ويتأمّل فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق (أَوْيَخْشى) أن يكون الأمر كما تصفان، فيجرّه إنكاره إلى الهلكة.
(قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى) [طه: ٤٥].
فرط: سبق وتقدّم. ومنه الفارط: الذي يتقدّم الواردة. وفرس فرط: يسبق الخيل، أى: نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها. وقرئ (يَفْرُطَ) من أفرطه غيره إذا حمله على العجلة. خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب من شيطان، أو
_________________
(١) ـ ما كان وما سيكون (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ) [يونس: ٦١]، وقوله: "وجدوى إرسالهما" إلزام عطفٌ على قوله: "والترجي لهما". قوله: (يتقدم الواردة)، أي: الذين يردون الماء. قوله: (وقرئ: "يفرط"، من: أفرطه غيره)، هذه القراءة وما بعدها شاذتان. والمشهور: (أَنْ يَفْرُطَ) بفتح الياء وضم الراء، قال ابن جني: القراءة بفتح الراء وضم الياء لابن محيصن، وهي منقولة من (يَفْرُطَ عَلَيْنَا) أي: يسبق ويُسرع، فكأنه يفرطه مفرطٌ، أي: يحمله حاملٌ على السرعة وترك التأني بنا، والحم على العجلة في بابنا. قال أبو البقاء الجمهور على فتح الياء وضم الراء، فيجوز أن يكون التقدير (أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا) منه قولٌ، فأضمر القول، كما تقول: فرط مني قول. أو الفاعل: ضميرُ فرعون كما في (أَنْ يَطْغَى).
[ ١٠ / ١٧٧ ]
من جبروته واستكباره وادّعائه الربوبية. أو من حبه الرياسة، أو من قومه القبط المتمرّدين الذين حكى عنهم ربّ العزّة (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ)] الأعراف: ٦٠ [(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ)] المؤمنون: ٣٣ [وقرئ: (يفرط)، من الإفراط في الأذية، أى: نخاف أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة. أو يجاوز الحدّ في معاقبتنا إن لم يعاجل، بناء على ما عرفا وجرّبا من شرارته وعتوّه (أَوْ أَنْ يَطْغى) بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته عليك وقسوة قلبه. وفي المجيء به هكذا على الإطلاق وعلى سبيل الرمز: باب من حسن الأدب وتحاش عن التفوّه بالعظيمة.
_________________
(١) ـ قوله: (أو بمجاوزة الحد)، عطفٌ على قوله: "بالمعاجلة"، ويروى: "أو يجاوز الحد" عطفٌ على: "يحول بيننا"، والمعنى على الأول، أي: على القراءتين الأوليين: نخاف من أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة بالعقاب، فإنه لا أذية فوقها لماعهدنا من التوصية بإبلاغ الرسالة، وعلى الثاني المعنى: نخاف من الإفراط في الأذية، فإنه شرير عاتٍ عذابه شديدٌ، فقوله: أن يحول: مبني على القراءتين السابقتين، أو بمجاوزة الحد على الأخيرة على اللف والنشر. قوله: (من شرارته)، الأساس: شر فلانٌ يشر شرارةً، وهو شريرٌ. قوله: (على الإطلاق وعلى سبيل الرمز)، يريد أنهما ﵉ لم يذكرا متعلق (يَطْغَى)، وهو: عليك، بمعنى القول فيك بما لا ينبغي، وذكرا متعلق (يَفْرُطَ) وهو: (عَلَيْنَا)؛ لأن معرته عائدة إليهما إجلالًا لله تعالى وتهيبًا من عزته واستزادة لرأفته واستنزالًا لرحمته، وذلك أن الجاهل بالله وبرسوله يخاف منه على الرسول بالإفراط في التكذيب أو في العقوبة، وعلى الله ﷾ بما لا ينبغي من القول فيه (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: ١٠٨].
[ ١٠ / ١٧٨ ]
(قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَاتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [طه: ٤٦ - ٤٨].
(مَعَكُما) أى حافظكما وناصركما (أَسْمَعُ وَأَرى) ما يجرى بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصرتي لكما، فجائز أن يقدّر أقوالكم وأفعالكم، وجائز أن لا يقدّر شيء، وكأنه قيل: أنا حافظ لكما وناصر سامع مبصر. وإذا كان الحافظ والناصر كذلك، تمّ الحفظ وصحت النصرة، وذهبت المبالاة بالعدّو. كانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون والقبط، يعذبونهم بتكليف الأعمال الصعبة: من الحفر والبناء ونقل الحجارة، والسخرة في كل شيء، مع قتل الولدان، واستخدام النساء.
(قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ) جملة جارية من الجملة الأولى وهي (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ) مجرى البيان والتفسير لأنّ دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي المجيء
_________________
(١) ـ قوله: (فجائز أن يُقدر)، الفاء تفصيل لقوله: "ما يجري بينكما وبينه من قول أو فعل"، يعني: يجوز إرادة هذا المعنى من التركيب، إما بالتقدير بحسب القرائن، وإما بغير التقدير على سبيل الكناية، بأن يجعل الفعل المتعدي لازمًا ليعم، ثم يكنى به عن فعل خاص ما فعل البحتري في قوله: شجو حساده وغيظ عداه … أن يرى مبصر ويسمع واع أي: يكون ذو رؤية وذو سمع، فعبر به عن قوله: أن يرى مبصرٌ آثار محاسن الممدوح، ويسمع واع صيت محامده. قوله: (مجرى البيان والتفسير)، وإنما لم يكن بيانًا تامًا؛ لأنه في الظاهر كالعلة، والعلة غير المعلول، كأنه لما قالا: (إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ)، فقيل: لم قالا: (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ)؟ لان دعوة الرسالة لا تثبت إلا ببينتها، إلى آخره.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
بالآية، إنما وحد قوله (بِآيَةٍ) ولم يثن ومعه آيتان، لأنّ المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قال: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة، وكذلك (قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)] الأعراف: ١٠٥ [، (فَاتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)] الشعراء: ١٥٤ [، (أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ)] الشعراء: ٣٠ [.
يريد: وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين، وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين.
(قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) [طه: ٤٩ - ٥٠].
خاطب الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى، لأنه الأصل في النبوة، وهارون وزيره وتابعه. ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه، لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى.
_________________
(١) ـ قوله: (وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين)، إلى آخره، فيه إشارة إلى التعريض، والسلام محمول على التحية والتعريف فيه للعهد، والأحسن ما قال الزجاج: والسلام ليس يعني به التحية، وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه، الدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس ابتداء لقاء، وتحقيقه ما ذكر المصنف في قول عيسى ﵇: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) [مريم: ٣٣]: "اللام: للجنس، فإذا قال: جنسُ السلام عليَّ خاصةً فقد عرض بأن ضده عليكم، ونظيره قوله تعالى: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)، يعني أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة وعناد، فهو مظنة لنحو هذا من التعريض". وقلت: ولما دل قوله: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى) على التوبيخ لمكان التعريض، كان قوله: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا) استئنافًا منطويًا على تعليل ذلك المفهوم المقصود في الإيراد، كأنه قيل: العذاب على من كذب وتولى؛ لأن الله تعالى أوحى إلينا ذلك، وفيه لمحة من كلام المصنف.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
ويدل عليه قوله (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ)] الزخرف: ٥٢ [، (خَلْقَهُ) أول مفعولي (أَعطَى)، أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به. أو ثانيهما، أى: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان: كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة، غير ناب عنه. أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة، حيث جعل الحصان والحجر «٢» زوجين، والبعير والناقة، والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه. وقرئ: (خلقه)، صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي:
_________________
(١) ـ قوله: (ويدل عليه قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ»، أي: يدل على أن فرعون كان عارفًا من فصاحة هارون والرتةِ في لسان موسى: هذا الكلام. قوله: (أعطى خيفته)، الجوهري: الخليقة: الخلائق، يقالُ: هم خليقةُ الله، وهم خلق الله أيضًا، وهو في الأصل مصدر. قوله: (أو ثانيهما، أي: أعطي كل شيء صورته)، فالضمير في (خَلَقَهُ) لـ (شيءٍ)، وعلى الأول لله تعالى. قال القاضي: إنما قدم المفعول الثاني على الأول لأنه المقصود بيانه. وقلتُ: لأن مقصود موسى ﵇ إيجاب العبودية على فرعون واستجلابُ الشكر على الوجه الثاني منه وأنه مغمورٌ في إنعام الله وعطائه، يؤيده قراءة من قرأ: "خلقَهُ" صفة، أي: كل شيءٍ خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه، وتنزيلُ الجواب على الوجه الثاني يناسب قوله: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: ٧ - ٨].
[ ١٠ / ١٨١ ]
كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه (ثُمَّ هَدى) أى عرّف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف يتوصل إليه. ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق.
(قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) [طه: ٥١ - ٥٤].
سأله عن حال من تقدم وخلا من القرون، وعن شقاء من شقى منهم وسعادة من سعد، فأجابه بأنّ هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو، وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرنى به علام الغيوب، وعلم أحوال القرون
_________________
(١) ـ قوله: (كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه)، يؤذن أن ثاني مفعولي (أَعْطَى) محذوفٌ، إما للعموم أو الإطلاق، قال أبو البقاء: المفعول الثاني محذوفٌ للعلم به، أي: أعطى كل شيء ما يُصلحه. قوله: (ولله در هذا الجواب ما أخره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى الذهن)، يعني: وكان من حق الظاهر أن يقولا: رب العالمين، لكن سلكا طريق الإرشاد والأسلوب الحكيم. قوله: (وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من سعد)، يُريدُ به على سبيل التفصيل والتشخيص، يدل عليه الفاء في قوله: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى)؛ لأنه طلبُ تفصيل ما سبق من قوله: (وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى)، وقوله: (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)، ومن ثم حسُنَ جوابه ﵇ بقوله: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي)، وتعليله بقوله: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى)، قال الإمام: إن موسى ﵇ لما هدد في قوله: (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى)، فقال فرعون: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى) فإنها كذبت ثُم ما عُذبوا.
[ ١٠ / ١٨٢ ]
مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، لا يجوز على الله أن يخطئ شيئا أو ينساه. يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له، كقولك: ضللت الطريق والمنزل. وقرئ: (يُضِلُّ)، من أضله إذا ضيعه. وعن ابن عباس: لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده حتى يجازيه. ويجوز أن يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم، فتعنت وقال: ما تقول في سوالف القرون، وتمادى كثرتهم، وتباعد أطراف عددهم، كيف أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟ فأجاب بأنّ كل كائن محبط به علمه، وهو مثبت عنده في كتاب، ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان، كما يجوزان عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل، أى: لا يضل كما تضل أنت، ولا ينسى كما تنسى يا مدعى الربوبية بالجهل والوقاحة (الَّذِي جَعَلَ) مرفوع صفة (لربي). أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح، وهذا من مظانه ومجازه
_________________
(١) ـ قوله: (كما يجوزان عليك أيها العبدُ الذليل)، إشارةٌ إلى أن قوله: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) على سبيل التعريض، كما مر؛ لأنه زعم أن الربوبية مشتركةٌ ينه وبين الله لقوله: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤]، فإجراء الأوصاف الباقية على المدح أحرى وأولى، كأنه قال: ربي المعروفُ بالمالكية المشهور بالربوبية الذي لا يخفى على كل عالم وجاهل: خالقُ كل شيء في السماء والأرض وما بينهما من الخلائق والمرافق. ومن صفات كماله أنه جعل لكم الأرض مهادًا، وأنزل من السماء ماءً، ولو جُعل صفةً لـ (رَبِّي) أفاد تمييزًا وأن الرب مشتركٌ بينه وبين الله على زعمه، لقوله: (أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) وفاتت الفوائد.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
(مَهْدًا) قراءة أهل الكوفة، أى: مهدها مهدا. أو يتمهدونها فهي لهم كالمهد وهو ما يمهد للصبي (وَسَلَكَ) من قوله تعالى (ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)] المدثر: ٤٢ [، (سَلَكْناهُ)] الشعراء: ٢٠٠ [، (نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ)] الحجر: ١٢ [أى حصل لكم فيها سبلا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري (فَأَخْرَجْنا) انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع، لما ذكرت من الافتنان
_________________
(١) ـ قوله: «مهدًا) قراءةُ أهل الكوفة)، والباقون: (مِهَادًا). قوله: (انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المُطاع)، قال صاحب "الانتصاف": هذا ليس بالتفاتٍ؛ لأن الالتفات يكون في كلام مُتكلم واحد، وهاهنا حكى الله تعالى عن موسى ﵇ قوله لفرعون: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ) إلى قوله: (وَلا يَنسَى)، وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ) إلى قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ)، إما أن يكون من كلام موسى، فيكون كلام بعض خواص الملك: أمرنا وفعلنا، يريدون الملك، وليس بالتفات، وإن كان الله تعالى ابتدأ وصف ذاته فليس التفاتًا، وهو انتقال من حاكية إلى إنشاء خطاب، وعلى هذا يوقف على (وَلا يَنسَى)، ويحتملُ أن موسى وصف الله تعالى بهذه الصفة على لفظ الغيبة، وقال: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا) فلما حكاه الله عنه أسند الضمير إلى ذاته؛ لأنه الحاكي هو المحكي عنه، فمرجعُ الضميرين واحدٌ. وقلتُ: هذا الأخير له وجهٌ؛ لأنه إذا نُظر إلى أن الله تعالى حكى عنه وغير العبارة يكون التفاتًا، وإذا نُظر إلى أن الله تعالى حكى عنه وغير العبارة يكون التفاتًا، وإذا نُظر أن موسى ﵇ سمع هذه الكلمات بعينها من الله تعالى فاقتبسه وأُدرج في كلامه، كان التفاتًا أيضًا، ونحوه في الإدراج قوله تعالى في الزخرف: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْدًا) [الزخرف: ٩ - ١٠] إلى قوله: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً
[ ١٠ / ١٨٤ ]
والإيذان بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره، وتذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئة، لا يمتنع شيء على إرادته. ومثله قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ)] الأنعام: ٩٩ [، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها)] فاطر: ٢٧ [، (أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ)] النمل: ٦٠ [، وفيه تخصيص أيضا بأنا نحن نقدر على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد (أَزْواجًا) أصنافا، سميت بذلك لأنها مزدوجة ومقترنة بعضها مع بعض (شَتَّى) صفة للأزواج، جمع شتيت، كمريض ومرضى. ويجوز أن يكون صفة للنبات، والنبات مصدر سمى به النابت كما سمى بالنبت، فاستوى فيه الواحد والجمع، يعنى أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. قالوا: من نعمته عز وعلا أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام، وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله،
_________________
(١) ـ مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [الزخرف: ١١]، ومعنى (لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) إلى آخره: لينسُبن خلقها إلى الذي وُصف بهذه الأوصاف وقيل في حقه تلك النعوت. قوله: (والإيذان بأنه مُطاعٌ تنقاد الأشياء المختلفة لأمره)، يعني: في وضع ضمير الجمع موضع المفرد على سنن الملوك في هذه الآيات الدالة على سرعة تأتي المكونات على اختلافها لإرادته، فإن الملك لا يأبى من تحت تصرفه مع اختلاف أصنافهم لسرعة إجابته وامتثال أمره، وقد أدمج في الكلام معنى الاختصاص ردًا لزعم الطبيعيين على منوال: إنا نفعلُ كذا أيتها العصابة، كما قال: بأنا نحن نقدرُ على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد، أي: الماء واحدٌ والأرض واحدةُ والمخرج مختلفٌ ألوانه، فلا يكون ذلك إلا بإيجاد قادرٍ مختارٍ لا يمتنع شيءٌ من إرادته ومشيئته، كقوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ) [الرعد: ٤].
[ ١٠ / ١٨٥ ]
أي قائلين: (كُلُوا وَارْعَوْا) حال من الضمير في (فَأَخْرَجْنا) المعنى: أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها.
(مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى) [طه: ٥٥].
أراد بخلقهم من الأرض خلق أصلهم هو آدم ﵇ منها. وقيل إن الملك لينطلق فيأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه فيبدّدها على النطفة فيخلق من التراب والنطفة معا. وأراد بإخراجهم منها أنه يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردّهم كما كانوا أحياء، ويخرجهم إلى المحشر (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا)] المعارج: ٤٣ [، عدّد الله عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها لهم فراشا ومهادا يتقلبون عليها، وسوّى لهم فيها مسالك يتردّدون فيها كيف شاءوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا، ثم هي
_________________
(١) ـ قوله: (عدد الله عليهم ما علق بالأرض)، بيانٌ للنظم وأن الآية كالتتميم للآية الأولى، والتكميل للمنافع المنوطة بالأرض، دلت الأولى على بيان مرافقهم وأصناف انتفاعهم، وهذه على أنها أصلهم وفيها تقلبهم حيًا وميتًا، فكانت كالأم البارة بولدها في جميع ما يفتقر إليه، ومن ثم استشهد بقوله: "تمسحوا بالأرض فإنها أم بارة". النهاية: أراد به التيمم، وقيل: أراد به مباشرة ترابها بالجباه في السجود من غير حائل، وهذا أمر تأديب واستحباب لا وجوب، فإنها أم برةٌ، أي: مُشفقة كالوالدة بأولادها، يعني أن منها خلقكم ومنها معاشكم وإليها بعد الموت معادكم.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
كفاتهم إذا ماتوا. ومن ثم قال رسول الله ﷺ «تمسحوا بالأرض فإنها بكم برّة».
(وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى) [طه: ٥٦].
(أَرَيْناهُ) بصرناه أو عرفناه صحتها ويقناه بها. وإنما كذب لظلمه، كقوله تعالى (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)] النمل: ١٤ [وقوله تعالى (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ)] الإسراء: ١٠٢ [وفي قوله تعالى (آياتِنا كُلَّها) وجهان، أحدهما: أن يحذى بهذا التعريف الإضافى حذو التعريف باللام لو قيل الآيات كلها، أعنى أنها كانت لا تعطى إلا تعريف العهد، والإشارة إلى الآيات المعلومة التي هي تسع الآيات المختصة بموسى ﵇: العصا، واليد، وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل. والثاني:
_________________
(١) ـ قوله: (كفاتهم إذا ماتوا)، هو من قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتًا) [المرسلات: ٢٥]، قال: الفاتُ من كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفتُ أي: كافتةً أحياءً وأمواتًا. قوله: (بصرناه أو عرفناه صحتها)، يعني: يجوزُ أن يكون (أَرَيْنَاهُ) من الرؤية بمعنى الإبصار، وأن يكون من الرؤية بمعنى المعرفة، وعلى التقديرين متعد إلى مفعولين، وعلى الثاني المضاف محذوفٌ، ولا يجوز أن تكون الرؤية بمعنى العلم؛ لئلا يلزم حذفُ المفعول الثالث من الإعلام وهو غير جائز. قوله: (العصا واليد وفلقُ [البحر و] الحجر)، إلى آخره، وليس في "معالم التنزيل" ذكرُ الحجر ولا نتقِ الجبل، وفيه في روايةٍ عن ابن عباس ﵁: والعقدة التي كانت بلسانه فحلها، وفي رواية عكرمة: والسنون ونقصٌ من الثمرات، وفي رواية محمد بن كعبٍ: الطمسُ، وأما الحجرُ ونتقُ الجبل فغيرُ مناسبين؛ لأنهما من الآيات التي اختصت ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون.
[ ١٠ / ١٨٧ ]
أن يكون موسى قد أراه آياته وعدّد عليه ما أوتيه غيره من الأنبياء من آياتهم ومعجزاتهم، وهو نبىّ صادق لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به، فكذبها جميعا (وَأَبى) أن يقبل شيئا منها. وقيل:
فكذب الآيات وأبى قبول الحق.
(قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى) [طه: ٥٧].
يلوح من جيب قوله (أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ)
_________________
(١) ـ قوله: (أن يكون موسى قد أراه)، والإضافة على هذا بمعنى اللام الاستغراقي، ومعنى (أَرَيْنَاهُ): عرفناه؛ لأنه قدرٌ مشتركٌ بين الإراءة بالبصر بالنسبة إلى الآيات التي أظهرها الله علىي د موسى وبني الإراءة التي هي الإعلام والإخبار بالنسبة إلى ما أوتيه غيره، ولهذا قال: لا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به. قال القاضي: (كُلَّهَا) تأكيدٌ لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد على أن المراد بآياتنا: آياتٌ معهودةٌ، هي الآياتُ التسعُ المختصةُ بموسى، وأنه ﵇ أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات. وقال السجاوندي: (كُلَّهَا) أي: كل أجناس الآيات، إيجادُ المعدوم كإيجاد الضوء من اليد، وإعدام الموجود كإعدام حبال السحرة، وتغيير الموجود كقلب العصا حيةً وإعادتها حيةً. قوله: (بين ما يشاهد به)، بكسر الهاء، أي: يحاضر به ويريه، قاله نور الدين الحكيم. قوله: (وقيل: فكذب)، عطفٌ على "فكذبهما جميعًا"، يعني: (أَبَى)، حذف مفعوله إما بواسطة القرينة الظاهرة أو المعنوية، فعلى الأول: "أبى": تتميمٌ، وعلى الثاني: تكميل؛ لأن الحق أعمُّ من المعجزات. قوله: (يلوحُ من جيب قوله)، الرواية: "جيب" بالجيم والباء الموحدة، ويُروى: "من خيث" بالخاء المعجمة والثاء المثلثة، وهو تصحيفٌ، والصحيح الأول، وقد تضمنت الاستعارة الموشحة بالترشيح، وذلك أن قوله: (لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا) فيه إظهارُ تجلدٍ من اللعين للقوم، وفي ضمنه استشعارُ خوفٍ عظيم، وقوله: " (بِسِحْرِكَ): تعميةٌ وإلباسٌ على
[ ١٠ / ١٨٨ ]
أن فرائصه كانت ترعد خوفا مما جاء به موسى ﵇، لعلمه وإيقانه أنه على الحق، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت وأن مثله لا يخذل ولا يقل ناصره، وأنه غالبه على ملكه لا محالة. وقوله (بِسِحْرِكَ) تعلل وتحير وإلا فكيف يخفى عليه أن ساحرا لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه ويغلبه على ملكه بالسحر.
(فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى) [طه: ٥٨ - ٦٠].
لا يخلو الموعد في قوله (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا) من أن يجعل زمانا أو مكانا أو مصدرا. فإن جعلته زمانا نظرا في أن قوله تعالى (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَة) ِ مطابق له، لزمك شيئان أن تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل عليك ناصب (مَكَاناَ): وإن جعلته مكانا لقوله تعالى (مَكانًا سُوىً) لزمك «١». أيضا أن توقع الإخلاف على المكان،
_________________
(١) ـ الحمقى والجهلة"؛ لأن هذا الكلام ما صدر عن اللعين إلا بعد ما أيقن وحقق أن ما جاء به ليس من قبيل الباطل الذي هو السحرُ، بل هو من الحق الساطع الغالب على كل باطلٍ ارتكبه، فإبرازه في معرض السحر استشعار للخوف، فشبه بالثوب الساتر على عيوب لابسه مع اطلاع ذي الدرية على عيبه من جيبه. قوله: (فرائصه)، الجوهري: عن الأصمعي: الفريصةٌ: اللحمةُ بين الكتف والجنب التي لا تزال ترتعد من الدابة. قوله: (أن تجعل الزمان مخلفًا)، قال ابن الحاجب في "الأمالي": الظاهر أن الموعد: الوعد، لأنه وصف بقوله: (لا نُخْلِفُهُ)، والإخلاف إنما يتعلق بالوعد، يقال: أخلف وعده لا بمكانه ولا بزمانه، ولو جُعل مكانًا وزمانًا لوقع الإخلافُ على غير الوعد، وهو بعيدٌ.
[ ١٠ / ١٨٩ ]
وأن لا يطابق قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) وقراءة الحسن غير مطابقة له مكانا وزمانا جميعا، لأنه قرأ (يَوْمُ الزِّينَةِ) بالنصب، فبقى أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أى: مكان موعد، ويجعل الضمير في (نُخْلِفُهُ) للموعد و(مَكانًا) بدل من المكان المحذوف. فإن قلت. فكيف طابقه قوله (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) ولا
_________________
(١) ـ قوله: (وأن لا يطابق قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)؛ لأنه يكون حينئذٍ (فَاجْعَل) طلبًا لمكان الوعد، فلا يكون تعيين زمان الوعد مطابقًا للسؤال. قوله: (وقراءة الحسن غير مطابقة له)، أي: للموعد من جهة المكان والزمان، أما المكانُ فظاهر وأما الزمان فلأن زمان الوعد زمانُ التكلم لا زمان الزينة، وإنما يُتوقع إنجازه فيه. قال ابن جني: أما نصب (يَوْمُ الزِّينَةِ) فعلى الظرف، والموعد مصدرٌ، والظرفُ بعده خبرٌ عنه على حذف المضاف، أي: إنجاز موعدنا إياكم في ذلك اليوم. ألا ترى أنه لا يراد: في ذلك اليوم نعدكم، وكيف ذا والوعدُ قد وقع الآن وإنما يتوقع إنجازه في ذلك اليوم؟ وإليه الإشارة بقوله: "فالموعد في قراءة الحسن: مصدرٌ لا غيرُ"؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك يوم إنجاز وعد، فقيل: إنجاز وعدكم في يوم الزينة. وقال أبو البقاء: تقديره: موعدكم واقعٌ يوم الزينة. قوله: (و(مَكَانًا): بدل من المكان المحذوف)، وجاز الإبدال لتغغايرهما بوصف الثاني بـ (سُوًى). قوله: (فكيف طابقه؟)، أتى بالفاء إنكارًا، يعني: قررت أنه لا يجوز جعلُ الموعد مكانًا، لما يلزمُ منه عدم المطابقة بينه وبين قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)، وحين جعلته مصدرًا على تقدير المضاف وقعت فيما فررت منه. وأجاب: أنه كان يلزمُ من الأول محذوران: جعلُ
[ ١٠ / ١٩٠ ]
بد من أن تجعله زمانا، والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظا، لأنهم لا بدّ لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى: إنجاز وعدكم يوم الزينة. وطباق هذا أيضا من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. فإن قلت:
فبم ينتصب (مَكَاناَ)؟ قلت: بالمصدر. أو بفعل يدل عليه
_________________
(١) ـ المكان مخلفًا، وعدم المطابقة، ومن الثاني محذورٌ واحدٌ وهو: عدما لمطابقة، فتأول كما أشار إليه وذلك كما يقالُ لمن يقولُ لصاحبه: أين أراك يوم عرفة؟ أي: في عرفات. وقال صاحب "الانتصاف": ويحتملُ أن يجعل موعدٌ اسم مكانٍ فيطابق مكانًا والزمان بما ذكره ويعود الضمير في (لا نُخْلِفُهُ) على المصدر المفهوم من اسم المكان، إذ حروفه فيه. والموعد إذا كان اسم مكان حاصله مكانُ وعد، وكذا إذا كان اسم زمان حاصله زمانُ وعد، وإذا جاز عودُ الضمير إلى ما دلت عليه قوة الكلام فرجوعه إلى ما هو المنطوق به أولى. قالوا: من صدق كان خيرًا له، فأعادوا الضمير على مصدر "صدقٍ" لدلالة الفعل عليه، ويكون على هذين التأويلين جواب موسى من جوامع الكلم، سألوه مكانًا فعلم أن الزمان لابد أن يُسأل عنه فأجاب جواب مفردٍ كافٍ في الجميع. فإن قيل: المسؤول عنه جُعل ضمنًا وهو المكان وصرح بما لم يطلب، وهو الزمان. فالجواب: أن قرينة سؤالهم دلت على المضمن، ما لم يسألوا عنه صرح به، إذ لا قرينة معه. وقلتُ: في قوله: "يعودُ الضمير إلى المصدر المفهوم من اسم المكان" نظرٌ؛ لأن قوله: (لا نُخْلِفُهُ) صفةٌ لـ"موعد"، أو المضير فيه لا يرجع إلا إليه قطعًا. قوله: (بالمصدر)، أي: انتصب (مَكَانًا) بالمصدر. قاله أبو البقاء. وكلامُ صاحب "التقريب" و"الانتصاف" فيه نظرٌ؛ لأن المصدر الموصوف لا يعمل، وغايةُ ما يُقال فيه:
[ ١٠ / ١٩١ ]
المصدر. فإن قلت: فكيف يطابقه الجواب؟ قلت: أما على قراءة الحسن فظاهر. وأما على قراءة العامة فعلى تقدير: (وعدكم وعد يوم الزينة). ويجوز على قراءة الحسن أن يكون (مَوْعِدُكُمْ) مبتدأ، بمعنى الوقت. و(ضُحًى) خبره، على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. وقيل في يوم الزينة: يوم عاشوراء، ويوم النيروز،
_________________
(١) ـ إن عمله في الظرف من الاتساع. وقال ابن الحاجب: لا يستقيم نصب مكانًا بالوعد وإن كان مصدرًا؛ لأنه قد فُصل بينه وبينه بالوصف، فصار مثل قولك: أعجبني ضربٌ حسنٌ زيدًا، وهو غير سائغ: لأن المنصوب بالمصدر من تتمته، ولا يوصف الشيء إلا بعد تمامه، فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته. وقال صاحب "الفرائد": إن جعلته مصدرًا فالتقديرُ: اجعل لنا وعدًا لا نُخلفه، جاء يبين (مَكَانًا سُوًى)، وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون (مَكَانًا) مفعولًا ثانيًا لـ"اجعل". قوله: (كيف يطابقه الجواب؟)، أي: قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) كيف يستقيم جوابًا لقوله: (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا)، فإن يوم الزينة حُمل على موعدكم؟ وأجاب: أنه على قول الحسن: ظرفٌ مستقرٌ، وعلى المشهورة: يقدر في الخبر مضافٌ بأن يقال: وعدكم وعدُ يوم الزينة. قوله: (لأنه ضُحى ذلك اليوم بعينه)، أي: يوم الزينة، فـ"يوم الزينة": ظرفٌ، والظرفُ من المخصصات، والمراد من قوله: "على نية التعريف فيه" - أي: في (ضُحىً) - أنه لما وقع خبرًا من المجموع لم يلتبس على أحد أنه ضُحى غير ذلك اليوم، فإنه وإن كان نكرةً لفظًا إلا أنه وقع معرفةً معنى ونية، إذ التقدير: موعدكم في يوم الزينة ضُحاه. قال صاحبُ "التقريب": وعلى هذا في نصب "يوم الزينة" نظرٌ، إلا أن يُجعل صفة
[ ١٠ / ١٩٢ ]
ويوم عيد كان لهم في كل عام، ويوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم. قرئ (نُخْلِفُهُ) بالرفع على الوصف للموعد. وبالجزم على جواب الأمر. وقرئ (سُوىً) و(سوى)، بالكسر والضم، ومنونا وغير منون. ومعناه: منصفا بيننا وبينك عن مجاهد، وهو من الاستواء لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت
_________________
(١) ـ للضحى تقدمت عليه، أي: ضُحى كائنًا في ذلك اليوم، وحينئذٍ يُستغنى عن نية التعريف فيه، وقلتُ: لا يجوز أن يكون حالًا من (ضُحىً) لفقد العامل. قوله: (وقرئ: "سوى" و(سُوىً»، عاصمٌ وابنُ عامرٍ وحمزةُ: بالضم، والباقون: بالكسر، ووقف أبو بكر وحمزة والكسائي: "سوى" بالإمالة، وورشٌ وأبو عمرو: بين بين، والباقون: بالفتح. قال محيي السنة: وهما لغتان، مثلُ: عُدى وعِدَى، قال مُقاتلٌ وقتادة: مكانًا عدلًا بيننا وبينك، ابن عباس: نصفًا يستوي مسافةُ الفريقين إليه قال مجاهدٌ: منتصفًا. قوله: (لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية)، تعليلٌ لتصحيح قول مجاهد، أي: لما كان أصل (سُوىً) من الاستواء جعله بمعنى: منصفًا؛ لأن المسافة: أي: البعد، لكل فريق من السحرة والمؤمنين إلى ذلك المكان مُستوٍ لا تفاوت فيه. قال الزجاج: منصفًا، أي: مكانًا يكون النصفُ فيما بيننا وبينك. الراغب: سواءٌ: وسطٌ، ويقال: سواءٌ وسُوى، قال تعالى: (مَكَانًا سُوًى)، أي: يستوي طرفاه، ويُستعملُ ذلك وصفًا وظرفًا، وأصلُ ذلك مصدرٌ، والشيء المساوي كعدلٍ ومعادل وقتلٍ ومقاتل، تقول: سيان زيدٌ وعمرو، والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثوب يساوي كذا.
[ ١٠ / ١٩٣ ]
فيها. ومن لم ينون فوجهه أن يجرى الوصل مجرى الوقف. قرئ: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ) بالتاء والياء. يريد: وأن تحشر يا فرعون. وأن يحشر اليوم. ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة إما على العادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القوم بقوله (مَوْعِدُكُمْ) وجعل (يُحْشَرَ) لفرعون. ومحل (وأَنْ يُحْشَرَ) الرفع أو الجرّ، عطفا على "اليوم" أو "الزينة": وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وظهور دينه
_________________
(١) ـ قوله: (ومن لم يُنون فوجهه أن يُجري الوصل مجرى الوقف)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظرٌ؛ لأنه وقفٌ حقيقةٍ فعدمُ التنوين وقفًا لإجراء الوصل مجرى الوقف، إلا أن يثبت عدم التنوين في الوصل أيضًا. وقال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وتركُ صرفه مُشكل؛ لأنه وصفٌ على "فُعَل" وهو مصروفٌ، يقال: رجلٌ حُطمٌ ودليلٌ ختعٌ ومالٌ لبدٌ، إلا أنه ينبغي أن يُحمل على أنه محمولٌ على الوقف عليه فجاء بترك التنوين، فإن وصل على لك فعلى نحو قولهم: سبسبًا وكلكلًا، فيجري في الوصل مجراهُ في الوقف. "دليلٌ خُتعٌ"، أي: ما هو في الدلالة. قوله: (ومحلُّ (وَأَنْ يُحْشَرَ) الرفع أو الجر عطفًا على "اليوم" أو "الزينة")، قال أبو البقاء: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ): معطوفٌ على "الزينة"، أي: ويومُ أن يُحشر الناسُ، فيكونُ في موضع جر، ويجوزُ أن يكون في موضع رفع، أي: موعدكم أن يُحشر الناسُ. وقال ابن جني: [لكن] في قوله تعالى: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) النظر، فظاهر حاله أنه مجرورٌ، كأنه قيل: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضُحى، ويجوز أن يكون مرفوعًا عطفًا على "الموعد"، كأنه قال: إنجاز موعدكم وحشرِ الناس ضُحى في يوم الزينة، فكأنه
[ ١٠ / ١٩٤ ]
وكبت الكافر وزهوق الباطل على رءوس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكل حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.
(قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى) [طه: ٦١].
(لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أى لا تدعوا آياته ومعجزاته سحرا. قرئ (فَيُسْحِتَكُمْ) والسحت لغة أهل الحجاز.
والإسحات: لغة أهل نجد وبني تميم.
_________________
(١) ـ جعل الموعد عبارة عن جميع ما يتجدد في ذلك اليوم من الثواب والعقاب وغيرهما سوى الحشر، ثم عطف (وَأَنْ يُحْشَرَ) عليه، فهو على منوال (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: ٩٨]، ومن رفع فقال: (يَوْمُ الزِّينَةِ)، فإن الموعد إذن زمانٌ، أي: وقتُ وعدكم يومُ الزينة، وعطفُ (وَأَن يُحْشَرَ) يؤكد الرفع؛ لأن "أنْ" لا تكونُ ظرفًا، ألا ترى أن من قال: زيارتك إياي مقدم الحاجٌ، لا تقول: زيارتك إياي أن يقدم الحاج، وذلك أن لف المصدر الصريح أشبه بالظرف من "أنْ" وصلتها التي بمعنى المصدر إذا كان اسمًا لحدث، والظرفُ اسمٌ للوقت، والوقتُ يكادُ يكون حدثًا. قوله: (وكبت الكافر)، الجوهري: الكبتُ الصرفُ والإذلالُ، يقالُ: كبت الله العدو، أي: صرفه وأذله. قوله: (قُرئ (فَيُسْحِتَكُمْ»، حفصٌ وحمزة والكسائي: بكسر الحاء وضم الياء، والباقون: بفتحها، قال الزجاج: يقال: سحته الله وأسحته: إذا استأصله وأهلكه، قال الفرزدق:
[ ١٠ / ١٩٥ ]
ومنه قول الفرزدق:
إلّا مسحتا أو مجلّف
في بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه:
(فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) [طه: ٦٢ - ٦٤].
عن ابن عباس: إن نجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه. وعن قتادة: إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب لما قال (وَيْلَكُمْ) … الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر.
_________________
(١) ـ وعض زمانٌ يا ابن مروان لم يدع … من المال إلا مُسحت أو مجلفُ لم يدع: لم يستقر، من الدعة، إلا مسحت بالرفع. والأكثر بالنصب، فهذا بناء على قولهم: أسحت فهو مسحتٌ. الجوهري: المُسحتُ: المهلكُ، والمجلفُ، بالجيم: الذي بقيت منه بقيةٌ، يريد إلا مُسحتًا وهو مجلفٌ، قيل: معنى لم يدع: لم يبق، حيث رفع به مجلفٌ. ومن روى مسحتًا، فهو على معناه، وتمامُ تقريره مضى في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: ٢٤٩]. قوله: (لا تزال الرُّكبُ تصطك)، مثلٌ في عقده وعضله. قوله: (وعن وهب: لما قال: (وَيْلَكُمْ)، قالوا: ما هذا بقول ساحر) مؤذنٌ بأن قوله: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ) كلامٌ مع السحرة، وبه صرح الواحديُّ، وعليه ينطبق قوله:
[ ١٠ / ١٩٦ ]
والظاهر أنهم تشاوروا في السر وتجاذبوا أهداب القول، ثم قالوا: إن هذان لساحران. فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره، خوفا من غلبتهما. وتثبيطا للناس عن اتباعهما. قرأ أبو عمرو (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) على الجهة الظاهرة المكشوفة. وابن كثير وحفص: (إن هذان لساحران)، على قولك: إن زيد لمنطلق. واللام هي الفارقة بين (إن) النافية والمخففة من الثقيلة.
وقرأ أبىّ: (إن ذان إلا ساحران). وقرأ ابن مسعود:
_________________
(١) ـ (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)، أي: ثُم أتى بجميع ما رأى أن يؤتي به من القوم والسحرة والآلات، فلما حضر موسى للميقات ونظر إلى السحرة وما استعدوا به قال: (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) فحينئذ تنازع السحرة أمرهم وأسروا النجوى، وقالوا: ما هذا بقول ساحر، ثم اتجه لسائل أن يقول: ما فعل فرعونُ وقومه عند هذا التقاعد والتواني وما قالوا للسحرة؟ أجيب: قالوا: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) إلى قوله: (اسْتَعْلَى). قوله: (وتجاذبوا أهداب القول)، استعارةٌ، وتجاذبوا ترشيحها، والمجموع كنايةٌ عن أن الكلام ذو شجون. وفيه أن كلامهم كان أقوالًا ملفقةً لا حقيقة لها؛ لأن هدبة الثوب مثل في الرخاوة، يدل عليه قوله: "في تلفيق هذا الكلام وتزويره"، ويروى: "وترويزه"، من الروز، وهو الذوق، يقال: راز العدل، أي: حركه، هل يقدرُ على حمله أم لا؟ قوله: (خوفًا من غلبتهما)، يريد أن نجواهم في السر كان لتلفيق قوله: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) يعني: إن صرحنا بالحق نخافُ من غلبتهما علينا بأن يقولا: فاتبعونا إذن. ومن تثبيط الناس أيضًا، فإنهم إذا سمعوا ذلك رغبوا في اتباعهما، فالواجب أن يقول: إن هذين لساحران، فيأمن من ذلك، هذا يقوي رواية من روى "تزويره" بالراء بعد الزاي. قوله: (قرأ أبو عمرو: "إن هذين")، وفي "التيسير": وقرأ ابنُ كثيرٍ وحفص: (إِنْ هَذَانِ) بإسكان النون والباقون بتشديدها. وقرأ أبو عمرو: "هذين" بالياء، والباقون: بالألف.
[ ١٠ / ١٩٧ ]
(أن هذان ساحران): بفتح (أن) وبغير لام، بدل من (النجوى). وقيل في القراءة المشهورة (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) هي لغة بلحارث بن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب.
_________________
(١) ـ قوله: ("أن هذان ساحران" بفتح "أنْ" وبغير لام)، بدلٌ من (النَّجْوَى)، هذا على أن يكون قوله: "أن هذان لساحران" من كلام السحرة كما قال، والظاهر أنهم تشاوروا في السر، فيكون قوله: (قَالُوا) مقحمًا توكيدًا لأن "أسروا" نوعٌ من القول، وقوله: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) كلام بعضهم مع بعض، وفي "الموضح": بحذف (قَالُوا) من البين. قوله: ٠ جعلوا الاسم المُثنى نحو الأسماء التي آخرها ألفٌ كعصا)، قال الزجاج: حكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب، وهو رأسٌ من رؤساء الرواة، أنها لغةٌ لكنانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، وينشدون: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغًا لناباه الشجاع لصمما ويقولون: ضربته بين أذناه، وكذلك روى الكوفيون أنها لغة لبني الحاث بن عب، وقالت النحاة القدماء: إن الضمير فيه مضمر، أي: إن هذان لساحران، وقالوا أيضًا: إن معنى "إنْ": نعم، وينشدون. ويقلن شيبٌ قد علا … ك وقد كبرت فقلتُ إنه وحكى صاحب "المطلع": أن أعرابيًا أتى ابن الزبير يستجديه فلم يعطه شيئًا. فقال: لعن الله ناقةً حملتني إليك، قال ابن الزبير: إن وراكبها، أي: نعم. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": وهذه القراءة مشكلة، وأهرها أن (هذان) مبني لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حالٍ واحدة، وهي لغةٌ واضحةٌ،
[ ١٠ / ١٩٨ ]
وقال بعضهم: "إِنْ" بمعنى نعم. و(ساحِرانِ) خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة تقديره: لهما ساحران. وقد أعجب به أبو إسحاق.
_________________
(١) ـ ومما يُقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليس إعرابًا في التحقيق، لوجود علة البناء من غير معارض؛ لأن العلة في هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة. وقال: "إنْ" بمعنى "نعم": شاذ. قوله: (وقال بعضهم: "إنْ" بمعنى: نعم)، وقد أُعجب به أبو إسحاق، أي: الزجاج، قال بعدما نقل كلام النحويين: هذا جميعُ ما اتجوا به، والذي عندي - والله أعلمُ - وكنتُ عرضته على عالمينا: محمد بن يزيد، يعني: المبرد، وعلى إسماعيل بن إسحاق فقبلاه وذرا أنه أجود ما سمعاه في هذا المعنى: أن تقديره: نعم هذان لهما ساحران، وأن اللام قد وقعت موقعها، أي: دخلت على المبتدأ لا الخبر. وقال النحاة أصل هذا اللام أن تقع في الابتداء ووقوعها في الخبر جائزٌ، وأنشدوا: أم الحليس لعجوزٌ شهربه … ترضى من اللحم بعظم الرقبة أي: لأم الحُليس عجوزٌ. وقال أبو عليٍّ في "الإغفال": هذا غيرُ مرضي؛ لأن اللام للتأكيد، ويقبح أن يُذكر للتأكيد ويُحذف نفسُ المؤكد؛ لأن التأكيد إنما يُحتاج إليه فيما خيف لبسه على السامع، فإذا بلغ به الحال التي يستجاز معها حذفه لعلم المخاطب به استغنى لذلك عن التأكيد، ولهذا حمل النحويون قوله: "أمُّ الحُليس لعجوزٌ" على الضرورة، حيث أدخل اللام على الخبر وحقها أن تدخل على المبتدأ، ولو كان للي ذكره وجهٌ ما حملوا هذا على الضرورة بلقدروا فيه ما قدروه في قوله: ويحذفُ نفسُ المؤكد نظرًا لأن المؤكد مضمونُ الجملةِ، كما نص
[ ١٠ / ١٩٩ ]
سموا مذهبهم الطريقة المثلى (بِطَريقَتِكمً الْمُثْلى) والسنة الفضلى، وكل حزب بما لديهم فرحون. وقيل: أرادوا أهل طريقتهم المثلى، وهم بنو إسرائيل، لقول موسى:
_________________
(١) ـ عليه المصنف في قوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: ٥]. ثم قال أبو علي: فإن قلت: أليسوا قد أجازوا حذف الخبر في نحو: إن مُحلًا وإن مُرتحلًا وإذا لم يُمنع الحذفُ في الخبر مع "إنْ" لم يمتنع في المبتدأ مع اللام؟ قلتُ: لا يلزمُ من جواز هذا جوازُ ذاك وإن اجتمعا في التأكيد وتلقي القسم؛ لأن "إنْ" مشبهةٌ بـ"لا" من حيث كانت تعملُ عملها وكانت نقيضتها، وحملُ النقيض على النقيض شائعٌ، وإنما حسُن الحذفُ مع "لا"؛ لأن المنفي في تقدير التكرير لأنه لا يقعُ إلا بعد إثبات مُثبت وبعد إثباته يحسنُ الحذفُ، وكفى بدخول اللام شاهد صدقٍ، ما روي عن أفصح من نطق بالضاد من قوله: "أغبطُ أوليائي عندي، لمؤمنٌ خفيفُ الحاذ". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، عن أبي أمامة. قوله: (سموا مذهبهم الطريقة المثلى)، الراغب: الطريقُ: السبيلُ الذي يُطرقُ بالأرجل، قال تعالى: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا) [طه: ٧٧]، وعنه استعير كل مسلكٍ يسلكه الإنسان في فعلٍ، محمودًا كان أو مذمومًا، قال تعالى: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى).
[ ١٠ / ٢٠٠ ]
(فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) وقيل «الطريقة» اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم. يقال: هم طريقة قومهم. ويقال للواحد أيضا: هو طريقة قومه (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) يعضده قوله (فَجَمَعَ كَيْدَهُ) وقرئ (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) أى أزمعوه واجعلوه مجمعا عليه، حتى لا تختلفوا ولا يتخلف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها. أمروا بأن يأتوا صفا لأنه أهيب في صدور الرائين. وروى أنهم كانوا سبعين ألفا مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة واحدة. وعن أبى عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى، لأن الناس يجتمعون فيه لعيدهم وصلاتهم مصطفين.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: الطريقة: اسم لوجوه الناس وأشرافهم)، قال الزجاج: يعني بـ "طريقتكمُ المثلى": جماعتكم الأشراف، والمثلى تأنيثُ الأمثل، والأمثل والمثلى ذو الفضل الذي به يستحق أن يُقال: هذا أمثلُ قومه، والعربُ تقوله للرجل الفاضل: وإنما تأويله هذا الذي ينبغي أن يجعله قومُه قُدوةً ويسلكوا طريقته، والذي عندي أنه أهلُ طريقتكم، كقولهم: هذا طريقةُ قومه، أي: صاحب طريقة قومه. وقال القاضي: (بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) أي: بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبهما، وإعلاء دينهما، لقوله: (أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ) [غافر: ٢٦]. قوله: (فاجمعوا كيدكم)، بوصل الألف وفتح الميم، قرأها أبو عمرو، والباقون: بقطع الألف وكسر الميم. قال صاحب "الكشف": من قال: (فَأَجْمِعُوا) بقطع الألف حذف الجار كما حذفها في قوله: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) [البقرة: ٢٣٥]، أي: على عقدة النكاح، كقوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) [يونس: ٧١]، ومن قال: "فاجمعوا" فوصل لم يحتج إلى حذف الجار لأنه متعد بنفسه.
[ ١٠ / ٢٠١ ]
ووجه صحته أن يقع علما لمصلى بعينه، فأمروا بأن يأتوه. أو يراد. ائتوا مصلى من المصليات (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى) اعتراض. يعنى: وقد فاز من غلب.
(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: ٦٥ - ٦٦].
(أَنْ) مع ما بعده إما منصوب بفعل مضمر. أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف. معناه:
اختر أحد الأمرين، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح، وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم،
_________________
(١) ـ قوله: (ووجه صحته)، أي: صحة هذا المجاز والعدول من الحقيقة وإرادة المُصلى بـ (صفًا) في قول فرعون: (ائْتُوا صَفًّا) بعد تقرير المجاز هو أن يقع علمًا ويُراد مُصلى من المصليات. قوله: (إما منصوبٌ بفعلٍ مضمر أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف)، قال أبو البقاء: أي: إما أن تفعل الإلقاء أو أمرنا الإلقاء. قوله: (وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن)، قال في "الانتصاف": سبق أدبهم في قولهم: فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ)، جعلوا الموعد من موسى ثم قالوا: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ) وألهم الله تعالى موسى ﵇ أن يجعل الموعد يوم عيدهم ليفتضحوا على رؤوس الأشهاد، وألهمه بأن يبدؤوا ليكون إلقاؤه قذفًا بالحق على الباطل. وقال القاضي: أمرهم بأن يبدؤوا في الإلقاء إسعافًا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في جانبهم وتغير النظم إلى وجه أبلغ وهو: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى).
[ ١٠ / ٢٠٢ ]
وكأن الله عز وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى صلوات الله عليه اختيار إلقائهم أولا، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما معهم من مكائد السحر. ويستنفدوا أقصى طوقهم ومجهودهم، فإذا فعلوا: أظهر الله سلطانه وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين. يقال في «إذا» هذه: إذا المفاجأة. والتحقيق فيها أنها (إذا) الكائنة بمعنى الوقت، الطالبة ناصبا لها وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة الجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله تعالى (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ) ففاجأ موسى وقت تخييل سعى حبالهم وعصيهم. وهذا تمثيل. والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعى. وقرئ (عِصِيُّهُمْ) بالضم وهو الأصل، والكسر إتباع، ونحوه: دلىّ ودلىّ، وقسىّ وقسىّ. وقرئ «تخيل» على إسناده إلى ضمير الحبال والعصى وإبدال قوله (أَنَّها تَسْعى) من الضمير بدل الاشتمال،
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا تمثيلٌ، والمعنى على مفاجأته)، قال صاحب "التقريب": والتقدير: فاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم، وهذا تمثيلٌ وليس عين المدعى؛ لأن وقت في التقدير: مفعولٌ به لـ"فاجأ"، والمدعى أنه ظرفٌ، فالأولى أن يقال: فاجأ موسى حبالهم في وقت تخييلها السعي، وقد نبه في قوله: "والمعنى على هذا". وقلتُ: المراد من قوله: "هذا تمثيلٌ" أن ما ذكره، وهو قوله: "فاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم"، واردٌ على سبيل تنظير الآية به، بحسب هذه القاعدة، لكن معنى الآية: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلةً إليه السعي، بناء على قولهم: "إذا" هذه للمفاجأة، كأن الظرف سد مسد فعله، قال ابن الحاجب: ولا يقع بعد "إذا" المفاجأة إلا المبتدأُ والخبرُ، والعاملُ فيها معنى المفاجأة، وهو عاملٌ لا يظهر، استغنوا عن إظهاره بقوة ما فيها من الدلالة عليه. قوله: ٠ وقرئ: "تخيلُ"، على إسناده إلى ضمير الحبال)، ابن ذكوان، والباقون: بالياء
[ ١٠ / ٢٠٣ ]
كقولك: أعجبني زيد كرمه، و(تُخَيلُ) على كون الحبال والعصىّ مخيلة سعيها. و(تَخَيَّل). بمعنى تتخيل. وطريقه طريق (تخيل). و(نُخيل): على أنّ الله تعالى هو المخيل للمحنة والابتلاء. يروى أنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت، فخيلت ذلك.
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) [طه: ٦٧ - ٦٩].
إيجاس الخوف: إضمار شيء منه، وكذلك توجس الصوت: تسمع نبأة يسيرة منه «١» منه، وكان ذلك لطبع الجبلة البشرية، وأنه لا يكاد يمكن الخلو من مثله. وقيل: خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه (إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) فيه تقرير لغلبته وقهره، وتوكيد
_________________
(١) ـ التحتاني، قال ابن جني: القراءة بالتاء الفوقانية: للحسن والثقفي، (أَنَّهَا تَسْعَى) بدلٌ من الضمير في (يُخَيَّلُ)، وهو عائدٌ إلى الحبال والعصي، كقول: إخوتك يعجبونني أحوالهم. وقوله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الأَبْوَابُ) فيمن جعل "الأبواب" بدلًا من الضمير في (مُفَتَّحَةً)، وهذا أمثل من أن يعتقد خلوُّ (يُخَيَّلُ) من الضمير. قال أبو البقاء: (حِبَالُهُمْ): مبتدأ، والخبرُ "إذا"، و(يُخَيَّلُ): حالٌ. قوله: (نبأة يسيرة)، الجوهري: النباوة: الصوت الخفي. قوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) فيه تقريرٌ لغلبته وقهره، وتوكيدٌ)، يجوز أن يكون قوله: "وتوكيدٌ" عطفًا على قوله: "تقريرٌ لغلبته" على البيان، وقوله: "بالاستئناف وبكلمة التشديد" أي: التحقيق، وهي "إن" إلى آخره تعدادٌ للمؤكدات، ويجوزُ أن يكون "توكيدٌ"
[ ١٠ / ٢٠٤ ]
بالاستئناف وبكلمة التشديد وبتكرير الضمير وبلام التعريف وبلفظ العلوّ وهو الغلبة الظاهرة وبالتفضيل. وقوله (ما فِي يَمِينِكَ) ولم يقل عصاك: جائز أن يكون تصغيرا لها، أى: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها. وجائز أن يكون تعظيما لها أى: لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة، فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها، فألقه
_________________
(١) ـ غير الأول فيتعلق قوله: "بالاستئناف" بقوله: "تقريرٌ لغلبته" ويتعلقُ البواقي بقوله: "وتوكيدٌ". أما دلالةُ الاستئناف على تقرير الغلبة والقهر فهي أنه لما قيل له: (لا تَخَفْ)، أي: لا تُبالِ، سأل: لم ذاك والحالُ حالُ استشعار الخوف؟ فأجيب: (إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى)، وأما دلالة لام التعريف على تقرير الغلبة فإنها للجنس. وقد دخلت على الخبر فأفادت أن حقيقة العُلو والغلبة مختصةٌ بك لا تتعدى إلى غيرك. وقوله: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) أمرٌ عُطف على النهي وهو: (لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى)، وفصل فيه ما كان مجملًا في (أَنْتَ الأَعْلَى) بقوله: (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا) إلى قوله: ٠ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى). قوله: (جائزٌ أن يكون تصغيرًا لها)، خبرٌ لقوله: (مَا فِي يَمِينِكَ)، فـ"ما" حينئذٍ: موصولةٌ، والصلة تدل على التحقير، أي: ألق الذي اشتمل عليه يمينك من العُويد الخفيف الحقير، وعلى تقير أن يكون تغظيمًا لها: "ما" موصوفة أنها منه، والتنكير للتعيم، أي: ألق شيئًا استقر في يمينك، أي: شيئًا عظيمًا، وإلى الأول الإشارة بقوله: "الصغير الجرم الذي في يمينك"، وإلى الثاني بقوله: "لا تحتفل" إلى قوله: "فإن في يمينك شيئًا أعظم منها"، قال صاحب "الانتصاف": ويحتملُ وجهًا آخر، وهو أن الله تعالى غنما قال لموسى ﵇: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) ليتيقظ بهذه الصيغة للوقت الذي قيل له: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ) وأظهر له معجزتها فآنسه بأن خاطبه مما خاطبه به وقت ظهور آيتها لينبه على ما فيها من المعجزة القاهرة، ويقوي قلبه.
[ ١٠ / ٢٠٥ ]
يتلقفها بإذن الله ويمحقها. وقرئ (تَلْقَفْ) بالرفع على الاستئناف. أو على الحال، أى:
ألقها متلقفة. وقرئ: (تلقف)، بالتخفيف. (صَنَعُوا) هاهنا بمعنى زوّروا وافتعلوا، كقوله
تعالى (تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ)] الأعراف: ١١٧ [. قرئ (كَيْدُ ساحِرٍ) بالرفع والنصب. فمن رفع فعلى أنّ (ما) موصولة. ومن نصب فعلى أنها كافة. وقرئ: (كَيدُ سِحرٍ)، بمعنى: ذى سحر: أو ذوى سحر. أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته. أو بين الكيد، لأنه يكون سحرا وغير سحر، كما تبين المائة بدرهم. ونحوه: علم فقه، وعلم نحو. فإن قلت: لم وحد "ساحر" ولم يجمع؟ قلت: لأنّ القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع، لخيل أنّ المقصود هو العدد.
_________________
(١) ـ قوله: (يتلقفها بإذن الله ويمحقها)، الراغب: لقفت الشيء ألقفه وتلقفته: تناولته بالحذق، سواءٌ كان تناوله بالفم أو اليد. قوله: (وقرئ: "تلقفُ" بالرفع)، ابن عامر: في "المعالم"، وفي "التيسير": ابن ذكوان، والباقون: بالجزم على جواب الأمر. قوله: (وقرئ: "كيدُ سحرٍ")، حمزة والكسائي: بكسر السين بلا ألف، والباقون: بفتحها وألفٌ بعدها، وإضافة الكيد إلى الفاعل أولى من إضافته إلى المفعول، قال الزجاج: ويجوز: "كيد ساحر"، بنصب الدال. وأما رفعها فعلى أن الذي صنعوه كيدُ ساحر، على خبر "إنّ"، و"ما" اسمٌ. ومن قرأ بالنصب جعل "ما" مانعةً لـ"إن" من العمل، وتسوغُ الفعل أن يكون بعدها، ونصب "كيد ساحر" بـ"صنعوا". قوله: (لأن القصد … إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد)، مضى بيانه في أول مريم عند قوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) مستوفى.
[ ١٠ / ٢٠٦ ]
ألا ترى إلى قوله (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ) أى هذا الجنس. فإن قلت: فلم نكر أوّلا وعرف ثانيا؟
قلت: إنما نكر من أجل تنكير المضاف، لا من أجل تنكيره في نفسه، كقول العجاج:
في سعى دنيا طالما قد مدّت
وفي حديث عمر ﵁ «لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة. المراد تنكير الأمر، كأنه قيل: إن ما صنعوا كيد سحري. وفي سعى دنيوى. وأمر دنيوى وآخري (حَيْثُ أَتى) كقولهم: حيث سير، وأية سلك، وأينما كان.
_________________
(١) ـ قوله: (في سعي دنيا طالما قد مُدت)، قبله: يوم ترى النفوس ما أعدت … من نُزلٍ إذا الأمور غبت ما أعدت، أي: جعلته عُدةً، غبتِ الأمورُ: إذا بلغت أواخرها، "ما" في "طالما": كافةٌ، أو مصدريةٌ، مضى شرحه في الخطبة، مُدت، أي: أمهلت، في جمعها وتهيئة أسبابها. وإنما نكر "دنيا" لتنكير السعي، إذ لو عرف الدنيا صار السعي معرفة، والمراد تنكيره، المعنى: في سعي دنيوي. وقوله: "في سعي دنيا" ظرفُ "غبت"، يقول: يوم القيامة ترى النفوس ما جعلته عدة، من نُزل يوم القيامة، حتى تبلغ الأمور أواخرها. قوله: (وفي حديث عُمر ﵁)، النهاية: في حديث عمر ﵁ قال: "إني لأكرهُ أن أرى أحدكم سبهللًا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة". سبهللًا: أي: فارغًا، يقال: جاء يمشي سبهللًا: إذا جاء وذهب فارغًا في غير شيء. التنكيرُ في "دنيا" و"آخرة" يرجعُ إلى المضاف، وهو العمل، كأنه قال: لا في عمل من أعمال الدنيا، ولا في عمل من أعمال الآخرة. قوله: «حَيْثُ أَتَى) كقولهم: حيثُ سير)، الراغب: حيثُ عبارةٌ عن مكان مبهمٌ،
[ ١٠ / ٢٠٧ ]
(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) [طه: ٧٠].
سبحان الله ما أعجب أمرهم. قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ثم ألقوا رؤسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين! وروى أنهم لم يرفعوا رؤسهم
حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها. وعن عكرمة: لما خروا سجدا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة.
(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى) [طه: ٧١].
(لَكَبِيرُكُمُ) لعظيمكم، يريد: أنه أسحرهم وأعلاهم درجة في صناعتهم. أو لمعلمكم، من قول أهل مكة للمعلم: أمرنى كبيرى، وقال لي كبيرى: كذا يريدون معلمهم وأستاذهم في القرآن وفي كل شيء. قرئ (فَلَأُقَطِّعَنَّ) (ولأصلبنّ). بالتخفيف. والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأنّ كل واحد من العضوين خالف الآخر، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال. و«من» لابتداء الغاية: لأن القطع مبتدأ وناشئ من مخالفة العضو العضو، لا من وفاقه إياه. ومحل الجار والمجرور النصب على الحال، أى: لأقطعنها مختلفات، لأنها إذا
_________________
(١) ـ يشرحُ بالجملة التي بعده، نحو قوله تعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ)، (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ). قوله: (قد ألقوا حبالهم … ثم ألقوا رؤوسهم …، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين)، قال في "الانتصاف": في تكرير لفظ الإلقاء والعدول عن قوله: فسجدوا إشعارٌ بلطفه في نقلهم من غاية الكفر إلى غاية الانقياد، ويحصلُ ذلك بتكرير لفظٍ واحدٍ لمعنيين متناقضين، وفيه مناسبةٌ لما قدمه (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ)، (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ).
[ ١٠ / ٢٠٨ ]
خالفت بعضها بعضا فقد اتصفت بالاختلاف. شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك قيل (فِي جُذُوعِ النَّخْلِ). (أَيُّنا) يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله عليه بدليل قوله (آمَنْتُمْ لَهُ) واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله تعالى، كقوله تعالى (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)] التوبة: ٦١ [، وفيه نفاجة «١» باقتداره وقهره، وما ألفه وضرى به: من تعذيب الناس بأنواع العذاب. وتوضيع لموسى ﵇، واستضعاف له مع الهزء به: لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء.
(قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَاتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) [طه: ٧٢ - ٧٦]
(وَالَّذِي فَطَرَنا) عطف على ما جاءنا أو قسم. قرئ: (تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا)،
_________________
(١) ـ قوله: (شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء المُوعي)، بيانٌ لمجاز استعمال "في" موضع "على". قوله: (بدليل قوله: (آمَنْتُمْ لَهُ»، يعني: دل هذا على أن المراد من قوله: (أَيُّنَا أَشَدُّ) نفسه وموسى ﵇؛ لأن معنى (آمَنْتُمْ لَهُ): آمنتم لأجله وبسببه؛ لأنكم خفتُم على أنفسكم أن يعذبكم إن لم تؤمنوا له استهزاء بموسى؛ لأنه لم يُعذب قط. قوله: (وفيه نفاجةٌ)، النهاية: النفاج: الذي يُمتدح بما ليس فيه، من الانتفاج: الارتفاع، يعني: تعلمون عادتي في العذاب، ولا تشكون في ضعف موسى.
[ ١٠ / ٢٠٩ ]
ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف، قاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في «صمت يوم الجمعة»: «صيم يوم الجمعة» وروى أن السحرة - يعنى رؤسهم - كانوا اثنين وسبعين: الاثنان من القبط، والسائر من بنى إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر. وروى أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر، لأن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه (تَزَكَّى) تطهر من أدناس الذنوب. وعن ابن عباس: قال لا إله إلا الله. قيل في هذه الآيات الثلاث: هي حكاية قولهم. وقيل: خبر من الله، لا على وجه الحكاية.
(وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) [طه: ٧٧ - ٧٩]
_________________
(١) ـ قوله: (أن "الحياة" في القراءة المشهورة منتصبةٌ على الظرف)، قال القاضي: المعنى: فاقض ما أنت قاضيه، أي: صانعهُ أو حاكمٌ به (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)، أي: إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الحياة الدنيا، والآخرةُ خيرٌ وأبقى، فهو كالتعليل لما قبله، والتمهيد لما بعده. قوله: (والسائر من بني إسرائيل)، مؤذنٌ أن "سائرًا" من السؤر الباقي، لا بمعنى الجميع، كما مر عن صاحب "النهاية". قوله: (قيل في هذه الآيات الثلاث)، أي: قيل في شأنها وحقها: من كلام السحرة، وهي حكاية الله قولهم، والآيات: قوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا) إلى قوله: (جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى)، كذا عن القاضي وصاحب "التقريب".
[ ١٠ / ٢١٠ ]
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا) فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له في ماله سهما. وضرب اللبن: عمله.
اليبس: مصدر وصف به. يقال: يبس يبسا ويبسا «١». ونحوهما: العدم والعدم. ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس: إذا جف لبنها. وقرئ: (يبسا)، و(يابسا). ولا يخلو اليبس من أن يكون مخففا عن اليبس. أو صفة على فعل. أو جمع يابس، كصاحب وصحب، وصف به الواحد تأكيدا، كقوله:
… ومعى جياعا
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "يبسا" و"يابسًا")، قال الزجاجُ: فمن قرأ "يابسًا" جعلهُ نعتًا للطريق، ومن قرأ "يبسًا"، فإنهُ نعتهُ بالمصدر، أي: ذا يبسٍ، يقال: يبس الشيء ييبسُ يبسًا ويُبسًا ويبسًا، ثلاثُ لغاتٍ: بفتح الياء والباء، وبضمها وسكون الباء، وفتحها وسكون الباء. قوله: (ومعي جياعًا)، تمامه أنشد صاحب "المطلع": كأن قتود رحلي حين ضمت … حوالب غُرزا ومعي جياعا القتادُ: خشبُ الرحل، والجمعُ أقتادٌ وقتود، الحاليان: عرقان متنفان بالسرة، والغارزُ: الناقةُ التي قل لبنها، والجمع الغرزُ، والغازرُ بتقديم الزاي على الراء: ضدها، من الغزارة، وحوالبُ: خبرُ "كأن"، ومعي: عطفٌ عليه، وغُرزًا، جياعًا: حالان، وقيل: خبرُ "كأن" في البيت الذي يليه، و"حوالب": مفعولُ "ضمت"، أي: شُدت على حوالب ناقتي. وقلتُ: الأظهرُ أن يُقدر مضافٌ، أي: ذات حوالب، وهو مفعولُ ضمت بفتح الضاد، فحُذف المضافُ على حوالبَ، وأقيم المضافُ إليه مقامه، وغُرزًا: صفة "حوالب"، و"معي" مع صفته: عطفٌ على "حوالب"، وخبرُ "كأن": في البيت الذي يليه، وهو قولُ: "على وحشيةٍ"، شبه حالة قتود رحله حين وُضعت على ناقةٍ موصوفةٍ بالضمور بحالة وضعها على وحشية فقدت ولدها، فحينئذ التشبيه مُركبٌ، فهذه الرواية أصحُّ معنى وإعرابًا. أما
[ ١٠ / ٢١١ ]
جعله لفرط جوعه كجماعة جياع (لا تَخافُ) حال من الضمير في (فَاضْرِبْ) وقرئ: (لا تخف)، على الجواب. وقرأ أبو حيوة (دَرَكًا) بالسكون. والدرك والدرك: اسمان من الإدراك، أى: لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك. في (وَلا تَخْشى)
_________________
(١) ـ من حيث المعنى: فلأن غرض الشاعر تشبيهُ ناقته بالوحشية في الضمور والنفور، لا تشبيه القتود بالحوالب، وأما من حيث الإعرابُ: فلأن حوالب ومعى نكرتان، فلا يصح وقوعهما ذا الحال مقدمًا، وبعده: على وحشيةٍ خُذلت خلوج … وكان لها طلا طفلٌ فضاعا فكرت تبتغيه وصادفته … على دمه ومصرعه السباعا والخلوجُ من النوق: التي اختلج عنها ولدُها فقل لذلك لبنُها، قال الأصمعي: إذا تخلفَ الظبيُ عن القطيع قيل: خذله. قوله: (جعله لفرط جوعه كجماعة جياع)، كذا جعل الطريق، لفرط يبسها، كاليبس، والمعنى: ليس فيها ماءٌ ولا طينٌ ولا ندوة. الانتصاف: أو قدر كل جزء من أجزاء الطريق طريقاُ يابسًا، فكانت لذلك اثنتي عشرة طريقًا، لكل سبط طريقٌ. قوله: (وقرئ: "لا تخف")، على الجواب: حمزةُ، والباقون: برفعها وألفٌ قبلها. قال الزجاجُ: لا تخافُ، أي: لست تخافُ، ولا تخف، أي: ولا تخف أن يدركك فرعون ولاتخشى الغرق، فعلى هذا: الألفُ للإطلاق. قوله: (الدرك والدركُ: اسمان من الإدراك)، الراغب: الدركُ كالدرج، لكن الدرج يقال اعتبارًا بالصعود، والدرك اعتبارًا بالحدور، ومنه درجات الجنة ودركات النار.
[ ١٠ / ٢١٢ ]
إذا قرئ: (لا تخف)، ثلاثة أوجه: أن يستأنف، كأنه قيل وأنت لا تخشى، أى: ومن شأنك أنك آمن لا تخشى، وأن لا تكون الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)، (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)] الأحزاب: ١٠ [وأن يكون مثله قوله:
كأن لم ترى قبلي أسيرا بمانيا
(ما غَشِيَهُمْ) من باب الاختصار، ومن جوامع الكلم التي
_________________
(١) ـ ولتصور الحدور بالنار سميت هاوية، والدركُ أقصى قعرِ البحر، ويقال للحبل الذي يوصل به حبل آخر ليدرك الماء: درك، ويقالُ لما يلحقُ الإنسان من تبعةٍ: دركٌ، كالدرك في البيع، قال تعالى: (لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى)، أي: تبعةً، وأدرك الصبي: بلغ غاية الصبا، وذلك حين البُلوغ. قوله: (لا تخشى، أي: ومن شأنك أنك آمنٌ لا تخشى)، أي: أنها جُملةٌ معترضة. قوله: (كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيا)، قبله: وتضحكُ مني شيخةٌ عبشميةٌ القائل كان أسيرًا يمانيًا، فمرت به عجوزٌ من عبد شمس ضحكت منهُ، فقال البيت، وعبشميةٌ: منسوبٌ إلى عبد شمس، كعبدري: منسوبٌ إلى عبد الدار، وأثبت الألف مع الجازم في "لم تر" لضرورة الشعر، قيل: تري، كأنه جاء على الأصل ترى، ثم سكنه بالجازم.
[ ١٠ / ٢١٣ ]
تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة، أى: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله. وقرئ: (فغشاهم من اليم ما غشاهم) والتغشية: التغطية. وفاعل غشاهم: إما الله سبحانه. أو ما غشاهم. أو فرعون، لأنه الذي ورّط جنوده وتسبب لهلاكهم. وقوله (وَما هَدى) تهكم به في قوله (وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) [غافر: ٢٩].
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى) [طه: ٨٠ - ٨١]
_________________
(١) ـ قوله: (تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة)، الأساس: ومن المجاز: هو مستقلٌ بنفسه، إذا كان ضابطًا لأمره، وهو لا يستقل بهذا الأمر، أي: لا يُطيقه. قوله: (ورط جنوده)، الأساس: وقع في ورطة لا يتخلص منها، في بلية، وأورطه شر مورطٍ. قوله: «وَمَا هَدَى) تهكم به)، قال في "الانتصاف": التهكم: أن يُؤتي بعبارة والمقصود عكس مقتضاها، كقوله: (إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود: ٨٧]، وأما (وَمَا هَدَى) فهو إخبارٌ عن عدم الهداية. قال في "الانتصاف": الأمرُ كذلك، لكن في العرف في قولك: ما هدى زيدٌ عمرًا، إثبات كون زيد مهتديًا عالمًا بطريق الهداية، وفرعونُ أضل الضالين، فكيف يُتوهمُ أن يهدي غيره، ولأن (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ) كافٍ في المقصود من عدم الهداية زائدًا عليه الإضلال، فإن من لا يهدي قد يكون غير مُضلّ. وقلتُ: وتوضيح معنى التهكم: أن قوله: (وَمَا هَدَى) من باب التلميح، وهو: أن يُشار في أثناء الكلام إلى قصةٍ أو حالٍ؛ فإن مجيء (وَمَا هَدَى) إشارةٌ إلى ادعاء اللعين الرشاد في قوله: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: ٢٩]، فهو كمن ادعى دعوى وبالغ فيها، فإذا حان وقتُها ولم يأتِ بها قيل له: ما أتيت بما ادعيت، تهكمًا.
[ ١٠ / ٢١٤ ]
(يا بَنِي إِسْرائِيلَ) خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك آل فرعون. وقيل: هو للذين كانوا منهم في عهد رسول الله ﷺ منّ الله عليهم بما فعل بآبائهم والوجه هو الأوّل، أى: قلنا يا بنى إسرائيل، وحذف القول كثير في القرآن. وقرئ «أنجيتكم» إلى «رزقتكم»، وعلى لفظ الوعد والمواعدة. وقرئ (الْأَيْمَنَ) بالجر على الجوار، نحو «جحر ضب خرب». ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى صلوات الله عليه من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة في الألواح. وإنما عدى المواعدة إليهم لأنها لا بستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه. طغيانهم في النعمة: أن يتعدّوا حدود الله فيها بأن يكّفروها ويشغلهم اللهو والتنعم عن القيام بشكرها، وأن ينفقوها في المعاصي: وأن يزووا حقوق الفقراء فيها، وأن يسرفوا في إنفاقها، وأن يبطروا فيها ويأشروا ويتكبروا.
_________________
(١) ـ قوله: (والوجه هو الأول)، إذ النظمُ يستدعيه؛ لأن السابق واللاحق وهو قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) فيهم. قوله: (وقرئ: "أنجيتكم")، أي: بتاءٍ مضمومةٍ: حمزة والكسائي، والباقون: بالنون المفتوحة وألفٍ بعدها. قوله: (وأن يزووا)، أي: يصرفوا، الجوهري: زوى فلانٌ المال عن ورائه زيًا. قوله: (أن يبطروا فيها ويأشروا)، الجوهري: البطرُ: الأشرُ، وهو شدةُ المرح والفرح والنشاط، وقد بطر بالكسر يبطر بفتح الطاء.
[ ١٠ / ٢١٥ ]
قرئ (فَيَحِلَّ) وعن عبد الله: (لا يحلن) «١» (وَمَنْ يَحْلِلْ) المكسور في معنى الوجوب، من حل الدين يحل إذا وجب أداؤه. ومنه قوله تعالى (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)] البقرة: ١٩٦ [والمضموم في معنى النزول.
وغضب الله عقوباته ولذلك وصف بالنزول (هَوى) هلك. وأصله أن يسقط من جبل فيهلك. قالت:
_________________
(١) ـ الراغب: الأشر: شدة البطر، والأشر أبلغ من البطر، والبطرُ أبلغُ من الفرح، فإن الفرح وإن كان في أغلب أحواله مذمومًا كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: ٧٦]، فقد يُحمد إذا كان على قدر ما يجب، وفي الموضع الذي يجب، وفي الموضع الذي يجب، كما قال تعالى: (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: ٥٨]. قوله: (قرئ: (فَيَحِلَّ»، بالنصب، جوابًا للنهي، والفاء عاطفةٌ بتأويل المصدر على مصدر ما قبلها، فيقدر: لا يكن منكم طغيانٌ فحلولُ غضبٍ مني، ونحوه: ائتني فأكرمك، أي: ليكن منك إتيانٌ فإكرامٌ مني، و"أن" مقدرةٌ، وقرأ الكسائي: "فيحلُّ": بضم الحاء، "ومن يحلل": بضم اللام الأولى، والباقون بكسر الحاء واللام. قوله: (وغضب الله: عقوباته، ولذلك وُصف بالنزول)، الانتصاف: لا يسعه أن يذكر الغضب إلا بالعقوبة؛ لأنه ينفي الإرادة في جملة ما نفاه نم صفات الكمال، وعند أهل السُّنة: يجوز أن تكون الإرادة من صفات الذات، وعاملهم معاملةَ الغضبان لأنه صفةُ فعل، ولا يأبى وصفه بالحلول أن يكون صفة ذات ويكون كقوله ﷺ: "ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا" بتأويله المعروف، أو عبر عن حلول أثرِ الإرادة بحلول أمرها، كقولك: انظر إلى قدرة الله
[ ١٠ / ٢١٦ ]
هوى من رأس مرقبة … ففتّت تحتها كبده
ويقولون: هوت أمّه. أو سقط سقوطا لا نهوض بعده.
_________________
(١) ـ أي: أثر قدرته. قال المصنف في "المنهاج": وليس لله مثل صفة المريد منا، وهي القصد والميل. وقال الإمام في "نهاية العقول": القائلون بنفي الإرادة من المعتزلة: أبو الهذيل والنظام والجاحظ والبلخيُّ والخوارزمي، وقد استقصينا القول فيه في أول البقرة عند قوله تعالى: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) [البقرة: ٢٦]. قوله: (هوى من رأس مرقبةٍ)، القائلة: الخنساء. والمرقبة: مكانُ الدبران، مفعلةٍ، من: رقب؛ إذا نظر. قوله: (فَقُتتَ)، أي: صارت فتاتًا دقاقًا. قوله: (هوت أمهُ)، الجوهري: يقالُ: لا أم لك، وهو ذم، وربما وُضع موضع المدح، قال كعبُ بن سعدٍ يرثي أخاه: هوت أمه ما يبعثُ الصبح غاديًا … وماذا يؤدي الليلُ حين يؤوبُ أي: أي رجلٍ بعثه الصبح، وأي رجل يؤديه الليلُ، على أن "ما" إبهاميةٌ للتفخيم والتعظيم، أي: حسدت أمه.
[ ١٠ / ٢١٧ ]
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى) [طه: ٨٢]
الاهتداء: هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والايمان والعمل الصالح، ونحوه قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا)] فصلت: ٣٠ [وكلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في «جاءني زيد ثم عمرو» أعنى أنّ منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه، لأنها أعلى منها وأفضل.
(وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) [طه: ٨٣ - ٨٤]
(وَما أَعْجَلَكَ)
_________________
(١) ـ قوله: (الاهتداءُ هو الاستقامة والثباتُ على الهدى المذكور)، يعني: لما أفاد قوله: (لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) الهُدى، حُمل قوله: (اهْتَدَى) على الاستقامة عليها، قال الإمامُ: المرادُ الاستمرارُ على تلك الطريقة، إذ المُهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه، ويؤكدهُ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: ٣٠]، وكلمةُ التراخي ليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين، فكأنه قال: الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد، وإنما الصعوبة في المداومة عليها بعد ذلك. وقلتُ: ومعنى قوله: "وكلمةُ التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين": ان مرتبة الاستقامة والدوام أعلى من مرتبة الإحداث والإبداع. قال: لكل إلى شأوِ العلى حركاتُ … ولكن عزيزٌ في الرجال ثباتُ
[ ١٠ / ٢١٨ ]
أي شيء عجل بك عنهم؟ على سبيل الإنكار، وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب. ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله تعالى، وزل عنه أنه ﷿ ما وقت أفعاله إلا نظرا إلى دواعي الحكمة، وعلما بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم: النقباء، وليس
_________________
(١) ـ قوله: (أي شيء عجل بك عنهم؟ على وجه الإنكار)، الراغب: العجلةُ: طلبُ الشيء وتحريه قبل أوانه، وهي من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومةً في عامة القرآن، حتى قيل: "العجلةُ من الشيطان"، وقوله تعالى: (خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: ٣٧] فيه تنبيهٌ على أنه لا يتعرى من ذلك، وأن ذلك أحدُ القوى التي رُكب عليها، وعلى ذلك قال: (وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا) [الإسراء: ١١]، وأما قوله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: ٨٤]، فذكر أن عجلته وإن كانت مذمومة فالذي دعا إليها أمرٌ محمودٌ وهو رضى الله. قوله: (وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب)، إلى قوله: "وزل عنه أنه تعالى ما وقت أفعاله إلا نظرًا إلى دواعي الحكمة فيه"، إشعارٌ بأنه ﵇ ما تقدم القوم تقدم الموعد المضروب أيضًا. وقال الإمام: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عينه الله تعالى له. وقلت: يرد هذا التأويل قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) [الأعراف: ١٤٢] إلى قوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا)، قال المصنف: (لِمِيقَاتِنَا): لوقتنا الذي وقتنا له وحددنا، وإنما المراد بـ"عجلتُ إليك": عجلتُ عن قومي، لا عن المقيات، لقوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى)، والله أعلم.
[ ١٠ / ٢١٩ ]
لقول من جوز أن يراد جميع قومه وأن يكون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحيح، يأباه قوله (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) وعن أبى عمرو ويعقوب: (إثرى)، بالكسر وعن عيسى بن عمر: (أثرى) بالضم. وعنه أيضا: (أولا) بالقصر. والأثر أفصح من الأثر. وأما الأثر فمسموع، والمراد فالأفصح كثرة جريانه على ألسنة الفصحاء في فرند السيف «١» مدوّن في الأصول. يقال: إثر السيف وآثره، وهو بمعنى الأثر غريب.
فإن قلت: (وما أَعْجَلَكَ) سؤال عن سبب العجلة فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال: طلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك وتنجز موعدك. وقوله (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) كما ترى غير منطبق عليه. قلت: قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين:
_________________
(١) ـ قوله: (قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين)، يريد أن قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) في الظاهر سؤالٌ عن سبب العجلة، ولما تضمن معنى الإنكار أفاد أيضًا إنكار نفس العجلة؛ لأن نفس العجلة لو لم تكن مُنكرةً لم يكن الحاملُ عليها منكرًا، ولهذا قدم عُذر نفس العجلة في الجواب على العُذر على السبب الحامل عليها اهتمامًا بشأنه، وإليه الإشارة بقوله: فكان أهم الأمرين إلى موسى بسط عذره تمهيدًا لعلةٍ في نفس ما أنكر عليه، وقال القاضي: (وَمَا أَعْجَلَكَ): سؤالٌ عن سبب العجلة يتضمنُ إنكارها من حيث إنها نقيصةٌ في نفسها، وانضم إليها إعفال القوم وإيهامُ التعظيم عليهم. وقال صاحب "الفرائد": الواو لمطلق الجمع، والجواب مجموعُ الكلام، فلا يلزم التقدم الذي ذكر، ألا ترى إلى أنه قال: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) [البقرة: ٥٨]، وقال في موضع آخر: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) [الأعراف: ١٦١]، والقصة واحدةٌ، فظاهر كلامه يقتضي أن يكون موسى ﵇ رد قوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ) بقوله:
[ ١٠ / ٢٢٠ ]
_________________
(١) ـ (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي)؛ لأنه قال في معناهُ: ما هذا تقدمٌ يعتدُ به، فلم يكن هذا تعجلًا مني في العادة. والوجه أن يقال: إني خشيت أن مثل هذا التقدم غير معتدٍ به نظرًا إلى العادة. وقلتُ: الأحسنُ أن يقال: إن الجواب هو قوله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، وقوله (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) كالتوطئة والتمهيد للجواب، يعني: ما كانت عجلتي إلا لرضاك، وأن أكون من السابقين الذي يتقدمون على متابعتهم مسافةً يسيرة يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم، فجاء قوله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) كالبيان لذلك. ويؤيده ما في "المعالم": أن موسى ﵇ اختار من قومه سبعين رجلًا حتى يذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم، ثم عجل نم بينهم شوقًا على ربه وخلفهم وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله تعالى له: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى)، فقال مجيبًا: هم بالقرب مني يأتون على أثري، وعجلتُ إليك لتزداد رضا. ودل قوله: "لتزداد رضا" على وجود رضا. فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الذي رُكب في هذا المقام وما سبق في "الأعراف" أن قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية منه ﵇ غير قصة الميقات للاعتذار لأجل عبادتهم العجل وأنه ﵇ اختار السبعين في الكرة الثانية، وأنه لم يحضر معه القوم في الكرة الأولى، وما طلب الرؤية إلا لنفسه؟ قلتُ: وجهه أنه تعالى بعد هلاك فرعون واعد بني إسرائيل بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ) إحضارهم جانب الطور، ثم إنه ﵇ اختار منهم سبعين فسار بهم، ثم عجل من بينهم إلى الجبل شوقًا إلى ربه فكلمه ربه وطلب الرؤية، وليس فيه أنهم لحقوه وطلبوا الرؤية. والحاصل أنه اختار السبعين مرتين، ففي الثانية كانوا معه. وأما في الأولى فليس في التنزيل ولا في الروايات أنهم حضروا معهُ في
[ ١٠ / ٢٢١ ]
أحدهما: إنكار العجلة في نفسها. والثاني: السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان أهمّ الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدّم يسير، مثله لا يعتدّ به في العادة ولا يحتفل به. وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدّم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) ولقائل أن يقول: حار لما ورد عليه من التهيب لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام.
_________________
(١) ـ المكالمة وطلب الرؤية، على أنه يجوز أن يُراد بالقوم: جميعُ قومه الذين خلفهم مع هارون، ويفسرُ (هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) بأنهم بالقرب مني ينتظرونني، كما أورده الإمام. وقلتُ: ويؤيدُ هذا الوجه التعقيبُ بقوله تعالى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا) بحرف الترتيب، أي: الفاء، قول موسى ﵇: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، كما عطف إبراهيمُ ﵇ قوله: (مِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: ١٢٤] على الكاف في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) [البقرة: ١٢٤]، ثم التصريح بقوله: (قَوْمُكَ) بعد قوله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ) يدل على أنهم هم؛ لأن المُعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، ولأن المفتونين ليسوا السبعين من المتخلفين، ويُحتمل التعجيلُ على أنه ﵇ ما صبر لانقضاء الميقات المضروب عند القوم، بل حسب الميقات تمامه عند مجيئه إلى الميقات، بدليل اللام في قوله: (لِمِيقَاتِنَا)، أي: لوقت ميقاتنا، ولهذا كان من جواب الله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) يعني: إن فعلت ذاك فإنا قد فتناهم. وقال صاحب "الانتصاف": والمرادُ بسؤال موسى تعليمُه أدب السفر، وهو أن يتأخر رئيس القوم ليحيط بصره بطائفته، كما علم لوطًا بقوله: (وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ) [الحجر: ٦٥] وموسى إنما أغفل ذلك لعلة طلب الرضى بمسارعته إلى الميعاد الذي يود لو ركب أجنحة الطير.
[ ١٠ / ٢٢٢ ]
(قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [طه: ٨٥].
أراد بالقوم المفتونين: الذين خلفهم مع هارون وكانوا ست مائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. فإن قلت: في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين مع أيامها، وقالوا: قد أكملنا العدة، ثم كان أمر العجل بعد ذلك، فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)؟ قلت: قد أخبر الله تعالى عن الفتنة المترقبة، بلفظ الموجودة الكائنة على عادته. أو افترص السامري غيبته فعزم على إضلالهم غب انطلاقه، وأخذ في
_________________
(١) ـ قوله: (فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى عند مقدمه: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ)؟)، قال صاحب "الفرائد": لو كانت الفاءُ داخلةٌ على "قال" لزم أن يكون عند مقدمه؛ لأن المعنى حينئذ: قال عقيب قول موسى: إنا قد فتنا قومك، لكنها داخلة على ما بعد "قال"، فلا يلزم ذلك، وعلى تقدير التسليم المراد من قوله: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) أردنا فتنتهم أو حكمنا بوقوع الفتنة، كقوله تعالى: (وَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ) [الإسراء: ٤٥]، وقوله تعالى: (فَجَاءَهَا بَاسُنَا) [الأعراف: ٤]، أي: من بعد انطلاقك، و(مِن): للابتداء، فوجه التوفيق: لا نُسلمُ أن (مِن) للابتداء، بل بعدك ومن بعدك سواءٌ في الاستقبال، فيصح من بعدك ولو بعد عشرين ليلةً، والفاءُ وقد ليستا لتعقيب الفتنة، بل هما للإخبار بالفتنة لأنفسهما. وقلتُ: مرادُ المصنف من السؤال انه تعالى كيف قال: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا) بلفظ الماضي، والمقتضي المستقبل، يدل عليه جوابه: قد أخبر الله عن الفتنة المرتقبة بلفظ الموجودة الكائنة، أي: الماضي. والمقتضي المستقبل، يدل عليه جوابه: قد أخبر الله عن الفتنة المرتقبة بلفظ الموجودة الكائنة، أي: الماضي. وإنما قال: (فَتَنَّا) لما أن مقدمات الفتنة كانت موجودةً، فجعلها لذلك أنها وُجدت، وإليه الإشارة بقوله: "فكان بدءُ الفتنة موجودًا".
[ ١٠ / ٢٢٣ ]
تدبير ذلك. فكان بدء الفتنة موجودا. قرئ "وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ" أى وهو أشدّهم ضلالا: لأنه ضال مضل، وهو منسوب إلى قبيلة من بنى إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم: وقيل: كان من أهل باجرما. وقيل: كان علجا من كرمان، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر.
(فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) [طه: ٨٦ - ٨٨].
الأسف: الشديد الغضب. ومنه قوله ﵇ في موت الفجأة «رحمة المؤمن وأخذة أسف للكافر» وقيل: الحزين. فإن قلت. متى رجع إلى قومه؟ قلت:
_________________
(١) ـ قوله: (من أهل باجرما)، في الحاشية: أنها قريةٌ من قُرى الموصل. وقال الزجاج: الأكثرُ في التفسير أن السامري كان عظيمًا من عُظماءِ بني إسرائيل من قبيلةٍ تُعرفُ بالسامرة، وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين. قوله: (علجا من كرمان)، النهاية: العلجُ: الرجلُ القوي الضخم، والعِلجُ: الرجلُ من كُفار العجم وغيرهم، والأعلاج والعلوجُ: جمعُه. قوله: (في موت الفجأة: "رحمةٌ للمؤمن")، الحديثُ من رواية رجُل من أصحاب النبي ﷺ قال: "موتُ الفجأة أخذةُ أسفٍ للكافر، ورحمةٌ للمؤمن"،
[ ١٠ / ٢٢٤ ]
بعد ما استوفى الأربعين: ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة التي فيها هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل، حكى لنا أنها كانت ألف سورة كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملا (الْعَهْدُ) الزمان، يريد: مدّة مفارقته لهم. يقال: طال عهدى بك، أى: طال زماني بسبب مفارقتك. وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل (بِمَلْكِنا) قرئ بالحركات الثلاث، أى: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده. أى: حملنا أحمالا من حلىّ القبط التي استعرناها منهم. أو أرادوا بالأوزار: أنها آثام وتبعات، لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب. وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ (فَقَذَفْناها) في نار السامري
_________________
(١) ـ وفي روايةٍ عن عبيدة بن مرة، عن النبي ﷺ، وقال: مرةُ عن عبيدة: "موتُ الفجأة أخذُ أسف"، أخرج الثانية أبو داود، والأولى ذكرها رزينٌ. النهاية: أي: أخذةُ غضب أو غضبان، يقال: أسف يأسفُ أسفًا فهو أسيف: إذا غضب. قوله: (فأخلفوا موعده)، أي: ما وعدوه، قال تعالى: (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي)، أي: ما وعدتموني من الإقامة على الإيمان، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول. قوله: «بِمَلْكِنَا) قرئ بالحركات الثلاث)، بالضم: حمزة والكسائي، وبالفتح: نافعٌ وعاصم، والباقون: بالكسر، فالفتح: مصدرُ ملكت الشيء أملكه ملكًا، والملكُ: ما مُلك، ويستعملُ استعمال المصدر كالرزق، وبالضم: السلطانُ والقدرة، أي: لو ملكنا وقدرنا عليه وخلينا وراءنا. قوله: (وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي)، أي: ليس له أن يأخذه إلا بإذنه، حتى
[ ١٠ / ٢٢٥ ]
التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلىّ. وقرئ (حملنا)، (فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) أراهم أنه يلقى حليا في يده مثل ما ألقوا. وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل. أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيوانا (فَأَخْرَجَ لَهُمْ) السامري من الحفرة عجلا خلقه الله من الحلىّ التي سبكتها النار يخور كما تخور العجاجيل. فإن قلت: كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات؟ قلت: أما يصحّ أن يؤثر الله سبحانه روح القدس بهذه الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من الكرامات، وهي أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جمادا أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيوانا. ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع. فإن قلت: فلم خلق الله العجل من الحلىّ حتى صار فتنة لبني
_________________
(١) ـ لو أخذ ماله بطريق الربا حل عند أبي حنيفة، وإن جرى بينه وبين مسلم أسلم هناك، كما يجوز للمسلم المستأمن أخذه من الحربي برضاه. قوله: (وقرئ: (حُمِّلْنَا»، الحرميان وابن عامر وحفصٌ: بضم الحاء وكسر الميم مشددًا، والباقون: بفتحهما تخفيفًا. قوله: (حيزوم)، النهاية: في حديث بدرٍ: "أقدم حيزومُ" جاء في التفسير أنه: قال في قوله تعالى: (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [البقرة: ١٠٢]: والسحرُ حيلةٌ وتمويهٌ كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يُحدثُ الله تعالى عند الفرك والنشوز ابتلاءً منه؛ لأن السحر له أثرٌ. قوله: (فلم خلق الله العجل من الحُلي حتى صار فتنةً؟)، الانتصاف: قد ثبت أن الله
[ ١٠ / ٢٢٦ ]
إسرائيل وضلالا؟ قلت: ليس بأوّل محنة محن الله بها عباده ليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين. ومن عجب من خلق العجل، فليكن من خلق إبليس أعجب. والمراد بقوله (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ) هو خلق العجل للامتحان، أى: امتحناهم بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال، وأوقعهم فيه حين قال لهم (هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) أى: فنسي موسى أن
_________________
(١) ـ تعبدنا بالبحث عن علل أحكامه لاعن علل أفعالهن وحتم ذلك بقوله: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء: ٢٣٠]، والزمخشري يُراعي قاعدة رعاية الأصلح. قوله: «فَنَسِيَ)، أي: فنسي موسى)، يجوز أن يكون من كلام القوم، والفاء فصيحةٌ، أي: قال بعضهم لبعض: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) الذي كنتم ترومونه منه فالزموا عبادته ولا تطلبوه في الموضع الذي ذهب إليه موسى للطلب، فإن موسى اعتراه النسيانُ فغفل عن ذلك، ودل على المبالغة إتيان اسم الإشارة والمشار إليه بمرأى منهم، كقوله: هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه وتكريرُ "إله" وتخصيصُ موسى بالذكر وإتيان الفاء، أي: قد ظهرت لكم إلهيته، فلا تتركوا عبادته، ولم يوفق موسى لذلك، فغفل ونسي، ومثله قول الشاعر: خولانُ فانكح أي: هؤلاء القومُ يستحق أن يُنكح منهم لجمال نسائهم ووفور حُسنها، فلا يُغفلُ عن النكاح فيهم، وان يكون من كلام الله، و(وَنَسِيَ) بمعنى ترك، وإليه الإشارة بقوله: أي: ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر
[ ١٠ / ٢٢٧ ]
يطلبه هاهنا، وذهب يطلبه عند الطور. أو فنسي السامري: أى ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر.
(أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى) [طه: ٨٩ - ٩١]
(يَرْجِعُ) من رفعه فعلى أنّ "أن" مخففة من الثقيلة. ومن نصب فعلى أنها الناصبة للأفعال (مِنْ قَبْلُ) من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، كأنهم أوّل ما وقعت
_________________
(١) ـ قوله: «يَرْجِعُ) من رفعه فعلى أن "أنْ" مخففةٌ من الثقيلة) قال الزجاجُ: هذا الاختيارُ، والمعنى: أفلا يرون أنه لايرجع إليهم قولًا، كما قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ) [الأعراف: ١٤٨]، ويجوز أن "لا يرجع" يُنصبُ بـ"أنْ"، والاختيارُ مع "علِمتَ" و"رأيتَ" أن يكون "أن لا يفعلُ" في معنى: قد علمت أنه لا يفعلُ، وكذا قال أبو البقاء في قوله: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ) [المائدة: ٧١]: لا يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة مع أفعال الظن والشك، ولا الناصبة للفعل مع "علمتَ"، وما كان في معناها. قوله: (من قبلِ أن يقول لهم السامري ما قال)، قال الواحدي: ولقد قال لهم هارون من قبل رجوع موسى: يا قوم، إنما ابتليتم بالعجل (وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي) في عبادة الله وأطيعوا أمري في ترك عبادة العجل، (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)، وقيل: هذا أشدُّ ملاءمةً من كلام المصنف، لقوله: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى).
[ ١٠ / ٢٢٨ ]
عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون ﵇ بقوله (إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ)
(قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) [طه: ٩٢ - ٩٣].
_________________
(١) ـ وقلتُ: تفسيرُ المصنفِ أدخلُ في المعنى وأولى بالقبول؛ لأن الكلام واردٌ على توبيخ القوم وتقريعهم على الغباوة، وأن دليلي العقل والسمع تعاضدا على بطلان إلهية العجل، وأنهم ما التفتوا إليهما وما رفعوا لهما رأسًا، وهذا إنما يستقيم على تقدير المصنف، والنظمُ أيضًا يساعد عليه، وذلك أنه تعالى لما حكى عن السامري أنه حين قال للقوم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) قبلوا منه (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: ٩٣] عقب ذلك بقوله: (أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) الآيات، تنبيهًا على غباوتهم، فأتى بهمزة الإنكار داخلةً على الفاء العاطفة المستدعيتين تقدير فعلٍ يصلُحُ أن يكون معطوفًا عليه لما بعد الفاء، وهو أن يقال: أحرموا العقل الهادي، فلا يتفكرون ولا ينظرون بنظر البصيرة أن هذا المتخذ نم هذه الأجرام لا يصلح للإلهية، أم عموا وصموا فلا يهتدون إلى أن الإله ينبغي أن يكون سامعًا لدعاء عابده، عالمًا بأفعاله، دافعًا عنه المضار، مثيبًا ومعاقبًا، مع أن دليل السمع شاهدٌ ببطلانه، وهو تنبيهُ نبي الله هارون بقوله: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمْ الرَّحْمَنُ) على سبيل التوكيد والحصر قد سبق على وقوعهم في تلك الفتنة، وأيضًا، في إيثار المضارع في قوله: (أَفَلا يَرَوْنَ)، وعطفِ (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ) عليه للدلالة على استحضار تلك الحالة الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الأفكار عليهم، ويجوز أن تكون الجملة القسمية حالًا من فاعل (يَرَوْنَ) مقررةً لجهة الإشكال، أي: (أَفَلا يَرَوْنَ) والحالُ أن هارون نبههم قبل ذلك ببطلانها، وأما جوابهم، وهو قوله: (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ) فمن باب الأسلوب الأحمق نقيض الأسلوب الحكيم؛ لأنهم قالوه عن قلة مبالاةٍ بالأدلة الظاهرة، كما قال نمرود في جواب الخليل: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨]، وذكر القاضي الوجهين في "تفسيره".
[ ١٠ / ٢٢٩ ]
"لا" مزيدة. والمعنى ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي؟
وهلا قاتلت من كفر بمن آمن؟ ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أباشره أنا لو كنت شاهدا؟
أو مالك لم تلحقني.
(قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَاسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: ٩٤].
قرئ (لِحْيَتِي) بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز، كان موسى صلوات الله عليه رجلا حديدا مجبولا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون الله بعد ما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوراة لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبا لله واستنكافا وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدّو المكاشف قابضا على شعر رأسه - وكان أفرع - وعلى شعر وجهه يجرّه إليه. أى: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فاستأنيتك أن تكون أنت المتدارك بنفسك، المتلافى برأيك وخشيت عتابك على إطراح ما وصيتنى به من ضم النشر …
_________________
(١) ـ قوله: (وما لك لم تلحقني)، قال محيي السُّنة: أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، فتكون مفارقتك إياهم زجرًا لهم عما أتوه؟ . قوله: (العدو المكاشف)، الجوهري: كاشفه بالعداوة، أي: بادأه بها، ويقال: لو تكاشفتم ما تدافنتم. قوله: (وكان أفرع)، أي تام الشعر. الأساس: امرأة طويلةُ الفروع، ولها فرعٌ تطؤه. قوله: (فاستأنيتكَ)، الجوهري: واستأنى به، أي: انتظر به.
[ ١٠ / ٢٣٠ ]
وحفظ الدهماء، ولم يكن لي بد من رقبة وصيتك والعمل على موجبها.
(قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) [طه: ٩٥ - ٩٦]
الخطب: مصدر (خطب الأمر إذا طلبه)، فإذا قيل لمن يفعل شيئا: ما خطبك؟ فمعناه:
ما طلبك له؟
_________________
(١) ـ قوله: (وحفظ الدهماء)، الجوهري: الدهمُ: العددُ الكثيرُ، يريد بقوله: ضم النشر، أي: المنشور، وحفظ الدهماء، قوله: (وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ) [الأعراف: ١٤٢]. قوله: (ما خطبُك؟)، ما شأنك، فمعناه: ما طلبك له؟ الجوهري: الخطبُ: سببُ الأمر، تقول: ما خطبك؟ الأساس: ومن المجاز: فلانٌ يخطبُ عمل كذا: يطلبه، وما خطبك؟ ما شأنك الذي تخطبه؟ ومنه: هذا خطبٌ جليلِ. والظاهر أن المراد بما في الآية هذا الأخير؛ لأن هذا السؤال المترتب بالفاء على ما سبق من السؤال عن القوم وعن هارون وجوابهم ما يدل على جلالة الخطب، وعليه النظم؛ لأنه ﵇ لما وبخ القوم بقوله أولًا: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) إلى آخره وأجابوا (مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا) أي: بأن ملكنا أمرنا، بل بسبب أن صدر كيت وكيت ورأينا خطبًا جليلًا، ثم ثنى إلى أخيه بالمعاتبة وأجاب بما ظهر عجزه من جلالة الخطب، ثم التفت ثالثًا إلى السامري بقوله: (فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ)؟ أجاب بما ينبئ عن عظم الشأن حيث قال: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) أي: علمتُ ما لم تعلموه وفطنتُ ما لم تفطنوا له، كما نص عليه المصنفُ، أي: كان من خطبي أن أُظهر للقوم أني تفوقتُ عليك بالعلم والبصارة، وأنا أحق بالاتباع منك، لكن تذييله الكلام بقوله: (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) دل على حمقه وأن جوابه من الأسلوب الأحمق وأنطقه الذي أنطق كل شيء به.
[ ١٠ / ٢٣١ ]
قرئ (بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) بالكسر «٤»، والمعنى: علمت ما لم تعلموه، وفطنت ما لم تفطنوا له. قرأ الحسن (قَبْضَةً) بضم القاف وهي اسم المقبوض، كالغرفة والمضغة. وأما القبضة فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، كضرب الأمير. وقرأ أيضا: (فقبصت قبصة)، بالصاد المهملة. الضاد: بجميع الكف. والصاد: بأطراف الأصابع. ونحوهما: الخضم، والقضم: الخاء بجميع الفم، والقاف بمقدمه: قرأ ابن مسعود: (من أثر فرس الرسول). فإن قلت: لم سماه الرسول دون جبريل وروح القدس؟ قلت: حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى
_________________
(١) ـ قوله: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ)، إلى قوله: (فطنت ما لم تفطنوا له)، قال القاضي: وهو أن الرسول الذي جاءك روحانيٌّ محضٌ لا يمس أثره شيئًا إلا أحياه. قوله: (فقبضت قبضةً)، بالصاد، قال ابن جني: تقارب الألفاظ لتقارب المعاني، وذلك أن الضاد المعجمة لتشيها واستطالة مخرجها جُعلت عبارةً عن الأكثر، وهو القبض بكل اليد، وأن الصاد المهملة لصفائها وضيق محلها وانحصار مخرجها جُعلت عبارةً عن القبض بأطراف الأصابع، ولعلنا لو جمعنا من هذا الضرب لكان أكثر من ألف موضع. قوله: (ونحوهما: الخضم والقضم)، الجوهري: الخضمُ: هو الأكل بجميع الفم، والقضمُ: الأكلُ بأطرافِ الأسنان، قال الأصمعي: أخبرنا ابن أبي طرفة قال: قدم أعرابيٌّ على ابن عم له بمكة فقال له: إن هذه بلادُ مقضم وليست ببلاد مخضم. قوله: (لم سماه الرسول)، يعني: السامريُّ كان يعرف جبريل، فلم عدل عن اسمه وسماه الرسول؟ قالوا: تلخيص الجواب أنه عرف منه أنه رسولٌ مبعوثٌ له شأنٌ، ولعله لم يعرف أنه جبريل حين جاء إلى موسى راكبًا الحيزوم، فيكون جوابًا واحدًا، وعليه ظاهرُ كلام صاحبِ "التقريب". وقلتُ: الظاهر أنه جوابان، أحدهما: أن السامري عرف جبريل،
[ ١٠ / ٢٣٢ ]
موسى جبريل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال: إنّ لهذا شأنا، فقبض قبضة من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد، ولعله لم يعرف أنه جبريل.
(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) [طه: ٩٧].
عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا، وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة، حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح: لا مساس، وعاد في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية. ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم.
_________________
(١) ـ وإنما عدل إلى الرسول عن اسمه ليُصور تلك الحالة البديعة، وهو كونه راكب حيزوم جاء لأمرٍ له شأنٌ غريب، وهو عرف الحال، يدل عليه قوله: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ)، على ما فسره الإمام: علمتُ أن تُراب فرسِ جبريلَ له خاصيةُ الإحياء، وفي كلام محيي السُّنة أنه إشعارٌ بأنه عرف أنه جبريل ﵇. وثانيهما: أنهُ لم يعرف إلا كونه رسولًا مبعوثًا لأمرٍ، فأتى بما عرفه. قوله: (أوحش من القاتل اللاجيء إلى الحرم)، قال المصنف: عند أبي حنيفة ﵁: من لزمه القتلُ في الحل فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يُطعمُ ولا يُسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. قوله: (باقٍ فيهم ذلك إلى اليوم)، قيل: الصوابُ: النصبُ، روى سيبويه عن بعض العرب: اليومُ يومُ الجمعة، وعلى ذلك قوله:
[ ١٠ / ٢٣٣ ]
وقرئ (لا مِساسَ) بوزن (فجار). ونحوه قولهم في الظباء. إذا وردت الماء فلا عباب،
_________________
(١) ـ اليوم يومٌ باردٌ سمومهُ … من جزع اليوم فلا تلومه "اليوم" إذا كان بمعنى الوقت يُفتح، ورُدَّ بأنه يلزمُ أن يكون للزمان ظرفٌ، ولذلك أولوا اليوم الجمعة، واليوم السبت، من سبتتٍ اليهودُ، أي: قامت بأمرِ سبتها، ومن ثم لم يجز في سائر الأيام، فلا يقال: اليوم الأحد، وأولوا قولهم: اليوم يومُك على غلبتك. ومثلُ هذه التأويلات تبعدُ في "الكتاب"، فإنه اسمٌ معربٌ دخل فيه حرفُ الجر فلا وجه لنصبه. قوله: ("لا مساس" بوزن "فجارٍ")، قال ابن جني: قرأها أبو حيوة. وأما قراءةُ الجماعة: (لا مِسَاسَ) فواضحةٌ. وفي هذه القراءة نظرٌ، وذلك بأنها كنزال ودراك وحذار، وليس هذا الضرب من الكلام. أعني: ما سُمي به الفعلُ مما يدخل فيه "لا" النافية للنكرة، نحو: لا رجُل عندك، فـ"لا" إذن في قوله: (لا مِسَاسَ) نفيٌ للفعل، كقولك: لا أمسُّك ولا أقربُ منك. قوله: (فلا عباب)، علمٌ للعبةِ، من: عب الماء: شربه من غير مص، والأبابُ: علمٌ للأبة، من الأب: الطلب، يصفُ الظباء بالصبر عن الماء، أي: إذا وردت الماء فلا تفعل العبَّ، وإذا لم ترد لم تفعل الأب. قال الميداني: يقال: إن الظباء إذا أصابت الماء لم تعب فيه، وإن لم تصبه لم تؤب إليه، أي: لم تتهيأ لطلبه، يقال: أب يؤب أبا: إذا قصد وتهيا. قال: وليس شيءٌ من الوحوش من الظباء والنعام والبقر يطلبُ الماء إلا أن ترى الماء قريبًا منه فترده، وإن تباعد عنها لم تطلبه، ولم ترده كما يردُ الحمير، يُضربُ للرجل يُعرضُ عن الشيء استغناء.
[ ١٠ / ٢٣٤ ]
وإن فقدته فلا أباب: وهي أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب (لَنْ تُخْلَفَهُ) أى لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وقرئ (لن تخلفه) وهذا من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا. قال الأعشى:
أثوى وأقصر ليله ليزوّدا … فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
وعن ابن مسعود: (نخلفه)، بالنون، أى: لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله ﷿ كما مر في (لِأَهَبَ لَكِ)] مريم: ١٩ [. (ظَلْتَ) وظلت، وظلت والأصل ظللت، فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل (لَنُحَرِّقَنَّهُ) و(لنحرقنه) و(لنحرقنه). وفي حرف ابن مسعود: (لنذبحنه)، و(لنحرقنه)، و(لتحرقنه): القراءتان من الإحراق.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "لن تُخلفهُ")، ابن كثير وأبو عمرو: بكسر اللام، والباقون: بفتحها. قوله: (أثوى وقصر) البيت، أثوى: أقام، وقيل: أثوى، أي: صار ضيفًا. وقصر ليله: أي: صيره قصيرًا ليُزود، وقتيلةَ: اسمُ المحبوبة. يقولُ: صار العاشقُ ضيفًا في الحي ليرى معشوقه، وقصر ليله برجاء الوصال، فمضى الليلُ ووجد الموعد من قتيلة خُلفًا ولم يتمتع بوصالها. قوله: (كما مر في (لأَهَبَ لَكِ»، قال: " (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أمرني أن أهب لك، أو: هي حكايةٌ عن قول الله". قوله: (القراءتان من الإحراق)، أي: "لنحرقنه" و"لتحرقنه"، بمعنى.
[ ١٠ / ٢٣٥ ]
وذكر أبو علي الفارسي في (لنحرقنه) انه يجوز أن يكون "حرّق" مبالغة في "حرق" إذا برد بالمبرد. وعليه القراءة الثالثة، وهي قراءة على بن أبى طالب ﵁ (لَنَنْسِفَنَّهُ) بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [آل عمران: ٥٤].
(إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [طه: ٩٨].
_________________
(١) ـ قوله: (وذكر أبو علي الفارسي في (لَنُحَرِّقَنَّهُ) أنه يجوز أن يكون "حرق" مبالغةً في "حرق" إذا بُرد بالمبرد)، وقال الزجاج: (لَنُحَرِّقَنَّهُ) إذا شثدد فالمعنى: نحرقه مرةً بعد مرة. وقرئت: "لنحرقنه"، أي: لنبردنه بالمبرد، يقال: حرقتُ الشيء أحرقه وأحرقُ الشيء، إذا بردته. قال أبو علي: أن من قرأ (لَنُحَرِّقَنَّهُ) فحملهُ على الحرق بالنار بعيدٌ؛ لأنه لا يحتمل الإحراق. يعني: لم يستعمل حرقته بالنار، لكن أحرقته وحرقته. قوله: (وعليه القراءة الثالثة)، قال ابن جني: قرأ عليٌّ وابن عباس ﵄: لنحرقنه، بفتح النون وضم الراء، يقالُ: حرقتُ الحديد: إذابردته فتحات وتساقط. ومنه قولهم: إنه ليحرقُ علي الأرم أي: يحك أسنانه بعضها ببعضٍ غيظًا علي. قوله: «لَنَنسِفَنَّهُ) بكسر السين)، المشهورة، وبضمها: شاذة. قوله: (وهذه عقوبة ثالثة)، أولاها: الدعاء عليه، ب قوله: (لا مِسَاسَ)، وثانيها: (لَنُحَرِّقَنَّهُ)، قال القاضي: المقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.
[ ١٠ / ٢٣٦ ]
قرأ طلحة: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن رب العرش (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وعن مجاهد وقتادة: وسع، ووجهه أن (وَسِعَ) متعدّ إلى مفعول واحد، وهو كل شيء. وأمّا (عِلْمًا) فانتصابه على التمييز، وهو في المعنى فاعل، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين، فنصبهما معا على المفعولية لأنّ المميز فاعل في المعنى، كما تقول في «خاف زيد عمرا» خوفت زيدا عمرا، فترد بالنقل ما كان فاعلا مفعولا.
[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٩ إلى ١٠١]
(كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) [طه: ٩٩ - ١٠١].
الكاف في (كَذلِكَ) منصوب المحل، وهذا موعد من الله ﷿ لرسوله ﷺ، أى: مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقصّ عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيرا لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه بصيرة، وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعنى القرآن مشتملا على هذه
_________________
(١) ـ قوله: (فنصبهما معًا على المفعولية)، قال ابن جني: معناه: خرقَ كل مُصمتٍ بعلمه لأنه بطنُ كل مُخفى ومستبهم، فصار لعلمه فضاءً متسعًا بعد ما كان متلاقيًا. قوله: (تكثيرًا لبيناتك)، إلى آخره: بيانٌ لفائدة ذكر الأقاصيص في التنزيل، فقوله: "زيادة لمعجزاتك" تفسيرٌ لقوله: "تكثيرًا لبيناتك"؛ لأن القرآن كما دل بنظمه الفائق على الإعجاز دل بذكر الأقاصيص فيها كما هي عليه من غير نقصان ولا زيادة على الإعجاز؛ لأنه ﷺ ما سمعها من أحدٍ ولا قرأها في الكتب. قوله: (ويزداد المستبصر)، وتتأد الحجة، أي: السامعُ إن كان الموافق فيزداد بصيرةً على بصيرة، وإن كان المخالف فيزدادُ الإلزام على الإلزام. قوله: (وأن هذا الذكر الذي آتيناك)، إلى آخره، تفسيرٌ لقوله: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا
[ ١٠ / ٢٣٧ ]
الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه فقد هلك وشقى. يريد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل
_________________
(١) ـ ذِكْرًا)، وقد أشار فيه إلى وجه منه مع الآية السابقة واللاحقة. أما ربطه بالسابقة فهو أن العطف فيه للتفسير، ولذلك أعاد ذكر الأخبار والأقاصيص فيه واعتبر التفكر والاعتبار، وأما بيانُ التئامه مع الآية الثالثة فهو قوله: "وإن هذا الذكر الذي آتيناك" إلى قوله: "لمن أقبل عليه"، فآذن به أنه مقابلٌ لقوله: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ)، فكأنه قيل: نحو ما قصصنا عليك قصة موسى وفرعون، نقص عليك أخبار الأمم وقصص الأنبياء لتكثير بيناتك ومزيد معجزاتك، من أقبل عليه فاز بالقدح المُعلى، ومن أعرض عنه فقد شقي وتردى. وأما دلالته على قوله: "وإنهُ لذكرٌ عظيم، وقرآنٌ كريم، فيه النجاةُ والسعادة"، فإن التنكير في (ذِكْرًا) وإيثار ضمير الجماعة في (آتَيْنَاكُ)، واختصاص (مِنْ لَدُنَّا) مُنادٍ بلسانٍ طلق: إن المؤتى مما لا يُقادرُ قدرته ولا يكتنه كنهه، كأنه قيل: أعظم بمؤتى موليه عظيمُ الشأن قوي السلطان، وأنه من عنده ومن خزائن لطفه وكرمه. وفي تخصيص اليوم بالذكر وتكرير الجُمل في التذييل، وهو سائلهم يوم القيامة حِملًا: الإشعارُ بأن الموجب للحمل في الدنيا أمرٌ عظيمٌ وخطبٌ جسيم، وهو الإعراض المؤدي إلى تفويت السعادات والكمالات: الدنيوية والأخروية، وبأن تبعة الحمل في ذلك اليوم مما لا يدخل تحت الوصف، فيجبُ أن يُقدر مثله في مقابله، والمصنفُ اقتصر على لفظ النجاة والسعادة اختصارًا وإيجازًا. قوله: (لذكرٌ عظيم وقرآنٌ كريم)، من عطف الشيء على نفسه تجريدًا، نحو قولهم: مررتُ بالرجل الكريم والنسمة المباركة. قوله: (الباهظة)، الجوهري: بهظه الحملُ يبهظه بهظًا: إذا أثقله وعجز عنه، وهذا أمر باهظٌ، أي: شاقٌّ.
[ ١٠ / ٢٣٨ ]
الذي يفدح الحامل، وبنقض ظهره، ويلقى عليه بهره: أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. وقرئ: (يحمل).
جمع (خالِدِينَ) على المعنى، لأنّ "من" معلق متناول لغير معرض واحد. وتوحيد الضمير في (أعرض) وما بعده للحمل على اللفظ. ونحوه قوله تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها)] الجن: ٢٣ [. (فِيهِ) أى في ذلك الوزر. أو في احتماله (ساءَ) في حكم (بئس). والضمير الذي فيه يجب أن يكون مبهما يفسره (حِمْلًا) والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه، تقديره: ساء حملا وزرهم، كما حذف في قوله تعالى: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)] ص: ٣٠، ٤٤ [، أيوب هو المخصوص بالمدح. ومنه قوله تعالى (وَساءَتْ مَصِيرًا)] النساء: ٩٧، ١١٥ [، أى وساءت مصيرا جهنم. فإن قلت: اللام في (لَهُمْ) ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت: هي للبيان، كما في (هَيْتَ لَكَ)] يوسف: ٣٢ [. فإن قلت. ما أنكرت أن تكون في
_________________
(١) ـ قوله: (يفدحُ الحامل)، الجوهري: فدحه الدينُ: أثقله، وأمرٌ فادحٌ، إذا عالهُ وبهظه. قوله: (وينقبض ظهره)، الجوهري: وأنقض الحملُ ظهره، أي أثقله، وأصله الصوتُ، والنقيضُ صوتُ المحامل والرحال. قوله: (ويُلقي عليه بُهره)، بهره بهرًا، أي: غلبه، والبهر بالضم: تتابع النفس، وبالفتح: المصدر، يقال: بهره الحملُ بهرًا، أي: أوقع عليه البهرة فانبهر، أي: تتابع نفسه. قوله: (أو لأنها جزاءُ الوزر)، عطفٌ على "تشبيهًا"، فالوزرُ على الأول، بمعنى الثقل، وُضع موضعَ العقوبة على الاستعارة، وعلى الثاني؛ بمعنى الإثم إقامةً للسبب مقام المسبب. قوله: (جمعُ (خَالِدِينَ) على المعنى)، أي: حملًا على المعنى. قوله: (هي للبيان، كما في (هَيْتَ لَكَ»، قال في قوله تعالى: (هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ)
[ ١٠ / ٢٣٩ ]
(ساء) ضمير الوزر؟ قلت: لا يصح أن يكون في (ساء) وحكمه حكم (بئس) ضمير شيء بعينه غير مبهم فإن قلت: فلا يكن (ساء) الذي حكمه حكم (بئس)، وليكن (ساء) الذي منه قوله تعالى (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الملك: ٢٧ [، بمعنى أهم وأحزن؟ قلت: كفاك صادّا عنه أن يؤول كلام الله إلى قولك: وأحزن الوزر لهم يوم القيامة حملا، وذلك بعد أن تخرج عن عهدة هذه اللام وعهدة هذا المنصوب.
[(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا* يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا* نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا)].
_________________
(١) ـ [المؤمنون: ٣٦]: "اللامُ: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللامُ في (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، لبيان المُهيت به"، كأنه لما قيل: (وَسَاءَ) قبل أن يُقال، فأجيب: (لَهُمْ)، فالعامل القولُ المقدر. قوله: (وأحزن الوزرُ لهم يوم القيامة حملًا)، قال أبو البقاء: (حِمْلًا) تمييزٌ لاسم (سَاءَ)، "وساء" مثلث "بئس"، والتقديرُ: وساء الحِملُ حملًا، ولا ينبغي أن يكون التقدير: وساء الوزرُ؛ لأن المميز ينبغي أن يكون من لفظ اسم "بئس". قوله: (بعد أن تخرج من عهدة هذه اللام)، لأن "ساء" يتعدى بنفسه، الجوهري: ساء يسوءه سوءًا، بالفتح: نقيضُ سرهُ، قيل: إنما كان صادًا لأنه لا يفهم من هذا التركيب معنى يصح التعبير عنه، مع أن اللام لا وجه له في هذا الموضع، إذ لا يقال: أحزن لهم، بل أحزنهم، المنصوب لايصح أن يكون تمييزًا؛ لأن الضمير إذا كان عائدًا إلى الوزر لا يصح أن يميز بالوزر، غير التمييز لا وجه له. وفيه نظرٌ لجواز أن يكون اللام للبيان كما في قوله تعالى: (إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣]، وحملًا: تمييزٌ، أو المعنى: أحزنهم حملُ الوزر وثقله.
[ ١٠ / ٢٤٠ ]
أسند النفخ إلى الآمريه فيمن قرأ: (ننفخ)، بالنون. أو لأن الملائكة المقرّبين -وإسرافيل منهم- بالمنزلة التي هم بها من رب العزة، فصح لكرامتهم عليه وقربهم منه أن يسند ما يتولونه إلى ذاته تعالى. وقرئ: (ينفخ)، بلفظ ما لم يسم فاعله. و(ينفخ). و(يحشر)، بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله ﷿ أو لإسرافيل ﵇. وأما (يحشر المجرمون) فلم يقرأ به إلا الحسن.
وقرئ (فِي الصُّورِ) بفتح الواو جمع صورة، و(في الصور): قولان، أحدهما: أنه بمعنى الصور وهذه القراءة تدل عليه. والثاني: أنه القرن. قيل في (الزرقة) قولان، أحدهما: أن الزرقة أبغض شيء من ألوان
_________________
(١) ـ قوله: (فيمن قرأ "ننفخ" بالنون)، أبو عمرو: بالنون مفتوحةً وضم الفاء، والباقون: بالياء مضمومة وفتح الفاء. قوله: (أو لأن الملائكة)، عطفٌ على محذوف؛ لأن المعنى: أسند النفخ إلى الله تعالى لأنه الآمر به، ولأن المقربين بالمنزلة العظيمة من رب العزة، والحاصلُ أن هذا الإسناد مجازي، أسند النفخ إلى الله تعالى لأنه سببٌ، كما في: بنى الأمير المدينة، أو لأن الملائكة المقربين بمنزلة عظيمة عنده، فيكون فعلهم فعله، كأنه لما قيل: ساء يوم القيامة حملًا، قيل: لمن؟ فقيل: لهم. قوله: (وإسرافيل منهم)، هو جملةٌ معترضةٌ دخلت بين اسم "إنّ" وخبرها، ولا يجوز أن يكون "إسرافيل" عطفًا على "الملائكة"؛ لأنه لا يبقى لقوله: "منهم" محلٌّ، و"من رب العزة" خبرٌ لقوله: "هم"، و"بها": متعلقٌ بالفعل المقدر في الخبر نحو: مقربون، أو: حالٌ من ضمير الاستقرار في و"بها" وهو الخبر، وهو أيضًا متعلق به، والمعنى: والملائكة المقربون أو المتصلون من رب العزة بالمنزلة التي هم بتلك المنزلة، أي: بمنزلة عظيمة معلومة عند كل أحد، وذلك من إيقاع "هُم" بها صلة للموصول؛ لأن "من" حقها أن تكون معلومة الانتساب عند السامع.
[ ١٠ / ٢٤١ ]
العيون إلى العرب لأنّ الروم أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدوّ: أسود الكبد، أصهب السبال، أزرق العين. والثاني: أنّ المراد العمى، لأنّ حدقة من يذهب نور بصره تزراقّ. تخافتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا: إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأن أيام السرور قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم وتقضت، والذاهب وإن طالت مدّته قصير بالانتهاء. ومنه توقيع عبد الله بن المعتز تحت «أطال الله بقاءك»: «كفى بالانتهاء قصرا» وإما لاستطالتهم الآخرة وأنها أبد سرمد يستقصر إليها عمر الدنيا، ويقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة. وقد استرجح الله قول من يكون أشدّ تقاولا منهم في قوله تعالى (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) ونحوه قوله تعالى (قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ)] المؤمنون: ١١٢ - ١١٣ [، وقيل: المراد لبثهم في القبور. ويعضده قوله ﷿ (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ
_________________
(١) ـ قوله: (أصهب السِّبَالِ)، النهاية: الصهبة مختصةٌ بالشعر وهي حمرةٌ يعلوها سواد. قوله: (تخافتهم)، التخافت من: خَفت صوته إذا أخفضه. قوله: (لأن أيام السُّرورِ قصارٌ)، قال: تمتع بأيامِ السرور فإنها … قصارٌ وأيامُ الغموم طوال قوله: (ويتقالُّ لبثُ أهلها)، أي: يُعد قليلًا. النهاية: وفي الحديث: "كأنهم تقالوها"، أي: استقلوها، أي: عبادة النبي ﷺ، وهو تفاعل من القلة. قوله: (ويعضده [قوله ﷿:] (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ»، أي: يعضد إرادة استقصار
[ ١٠ / ٢٤٢ ]
ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) [الروم: ٥٥]، (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ) [الروم: ٥٦].
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا) [طه: ١٠٥ - ١٠٧].
(يَنْسِفُها) يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرّقها كما يذرى الطعام (فَيَذَرُها) «١» أى فيذر مقارّها ومراكزها. أو يجعل الضمير للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ)] فاطر: ٤٥ [. فإن قلت: قد فرّقوا بين العوج والعوج، فقالوا: العوج -بالكسر- في المعاني. والعوج بالفتح:
_________________
(١) ـ لُبثهم في القبور هذه الآية. وفيه نظرٌ؛ لأنه فسرها في موضعها في آخر الروم بقوله: أرادوا: لُبثُهم في الدنيا أو في القبور، أو ما بين فناء الدنيا إلى البعث. والاستشهاد للوجه الأول - وهو "يستقصرون مدة لُبثِهم في الدنيا بقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ) [المؤمنون: ١١٢] "- صحيحٌ، لتصريح ذكر الأرض. قوله: (يجعلها كالرمل)، الراغب: نسفت الريح الشيء: اقتلعته وأزالته، وكذا انتسفته، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه: ١٠٥]، ونسف البعيرُ الأرض بمقدم رجله، قال تعالى: (ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا)، أي: نطرحه فيه طرح النسافة، وهي ما يثور من غبار الأرض، وانتسف لونه، أي: تغير عما كان عليه نُسافُه، كما يقال: اغبر وجهه. قوله: (العوج- بالكسر-: في المعاني)، قال الزجاج: العوجُ في العصا والجبل: أن لا يكون مستويًا، والأمتُ: أن يغلُظَ مكانٌ ويدقَ مكان، قال القاضي: عوجا بالقياس، وأمتا بالإحساس.
[ ١٠ / ٢٤٣ ]
في الأعيان، والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأى المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عزّ وعلا ذلك العوج الذي دقّ ولطف عن الإدراك، اللهمّ إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه: عوج بالكسر. الأمت: النتوّ اليسير، يقال: مدّ حبله حتى ما فيه أمت.
(يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) [طه: ١٠٨ - ١٠٩].
أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال في قوله (يَوْمَئِذٍ) أى يوم إذ نسفت، ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل من يوم القيامة. والمراد: الداعي إلى المحشر. قالوا: هو إسرافيل قائما على صخرة بيت المقدس يدعو الناس، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه
_________________
(١) ـ قوله: (من الفلاحة)، الأساس: الفلاحةُ: الأكرةُ، جمع أكار؛ لأنهم يفلحون الأرض، أي: يشقونها. قوله: (بدلًا بعد بدل)، يعني (يَوْمَئِذٍ) بدلٌ من (يَوْمَ يُنْفَخُ) وهو من قوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في قوله: (وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)، والعامل ساء، فيكون قوله: (وَيَسْأَلُونَكَ) الآية، وحدها استطرادًا، وعلى الأول العاملُ: (يُتْبِعُونَ) (وَيَسْأَلُونَكَ) إلى قصة أدم استطرادًا، والأول أوجه لمجيء قوله: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ) فيكون بدلًا ثالثًا على الترقي. قوله: (يدعو الناس فيقبلون من كل أوب)، قال محيي السنة: يقول: أيتها العظام البالية،
[ ١٠ / ٢٤٤ ]
لا يعدلون (لا عِوَجَ لَهُ) أى لا يعوجّ له مدعوّ، بل يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته. أى: خفضت الأصوات من شدة الفزع وخفتت (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) وهو الركز الخفي. ومنه الحروف المهموسة. وقيل: هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أى: لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر (مَنْ) يصلح أن يكون مرفوعا ومنصوبا، فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف، أى: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من (أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) والنصب على المفعولية. ومعنى (أذن له) (وَرَضِيَ لَهُ) لأجله. أى: أذن للشافع ورضى قوله لأجله. ونحو هذه اللام اللام في قوله تعالى (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف: ١١].
(يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: ١١٠].
أى يعلم ما تقدّمهم من الأحوال وما يستقبلونه، ولا يحيطون بمعلوماته علما.
(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه: ١١١].
المراد بالوجوه وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة والشقوة وسوء
_________________
(١) ـ والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة، هلموا إلى عرض الرحمن. قوله: (لا يعوج له مدعو)، قيل: هو كما يقال: لا عصيان له، أي: لا يعصي، ولا ظلم له، أي: لا يظلم. قوله: (المراد بالوجوه: وجوه العصاة)، قال القاضي: ظاهره يقتضي العموم، ويجوز أن يُراد بها وجوه المجرمين، فتكون اللام بدل الإضافة، ويؤيده قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ
[ ١٠ / ٢٤٥ ]
الحساب، صارت وجوههم عانية، أى ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم الأسارى. ونحوه قوله تعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)] الملك: ٢٧ [، (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ)] القيامة: ٢٤ [. وقوله تعالى (وَقَدْ خابَ) وما بعده اعتراض، كقولك: خابوا وخسروا. وكلّ من ظلم فهو خائب خاسر.
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) [طه: ١١٢].
الظلم: أن يأخذ من صاحبه فوق حقه. والهضم: أن يكسر من حق أخيه فلا
_________________
(١) ـ ظُلْمًا)، وهو يحتمل الحال والاستئناف لبيان ما لأجله عنت وجوههم، وكذا عن أبي البقاء. قوله: (وقوله: (وَقَدْ خَابَ) وما بعده: اعتراضٌ)، يعني: في هذا الكلام معنى التوكيد لما قبله، وكان من الظاهر: وذلت وجوه العصاة وقد خابوا وخسروا، فوضع موضعه ذلك، وفيه رائحةٌ من الاعتزال، والأولى أنه حالٌ من الوجوه ووضع موضع الراجع (مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)، كما في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) [الكهف: ٣٠] أي: لا نُضيع أجرهم. والمرادُ بالظلم: الشركُ، لقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، وروى محيي السُّنة، عن ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم هو الشرك، ولأنه واقعٌ في مقابلة قوله: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، والمراد بالوجوه، الرؤساء والمتكبرون؛ لأن المقام مقام الهيبة ولصوق الذلة بوجوههم أولى: (وَقَدْ خَابَ): مقابلٌ لقوله: (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا)، المعنى: فلا يخاف الخيبة وإليه الإشارة بقوله: فلا يخاف جزاء ظُلم ولا هضم؛ لأنه لم يظلم ولم يهضم، فلا يستقيم حينئذ أن يكون اعتراضًا.
[ ١٠ / ٢٤٦ ]
يوفيه له، كصفة المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ويسترجحون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. أى: فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم، لأنه لم يظلم ولم يهضم. وقرئ: (فلا يخف) على النهى.
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) [طه: ١١٣].
(وَكَذلِكَ) عطف على (كَذلِكَ نَقُصُّ)] طه: ٩٩ [أى: ومثل ذلك الإنزال، وكما
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "فلا يخف")، على النهي: ابن كثير، والباقون: (يَخَافُ) بالرفع، وهذه القراءة توافق ما يُقابله منهما - وهو قوله: (وَقَدْ خَابَ) - من حيث الإخبار، وأبلغُ من القراءة الأولى من حيث الاستمرار، والأولى أبلغ لأنها لا تحتمل التردد في الإخبار، قال الواحدي: "فلا يخف": فليأمن لأنه لم يُفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمرٌ بالأمن. قوله: (وَكَذَلِكَ): عطفٌ على (كَذَلِكَ نَقُصُّ»، إشارةٌ إلى بيان النظم، وأن التكرير للترديد والترجيع إلى ما هو مهتمٌ بشأنه وما سيق الكلام لأجله، ذكره هناك وعلق به مدح القرآن، ومن أقبل عليه ومن أعرض عنه، وأشار إلى أن المقبل مربح مفلح والمعرض خاسرٌ دامر. واستمر على وعيد المعرض ووعد المقبل إلى أن عاد إلى ما له سوق الكلام وهو مدح القرآن، فحرض على التمسك به واستعمال التؤدة والرفق في أخذه، وعهد على العزيمة بأمره وترك النسيان فيه، وضرب حديث آدم مثلًا للنسيان وترك العزيمة. واستوفى حقه، ثم رجع إلى ما هو المقصد في الإيراد حيث قال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) [طه: ١٢٤] إلى أن قال: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)، وأنت إذا تأملت حديث موسى عليه السالم بطوله وجدته متممًا لحديث القرآن وما افتتح به السورة من قوله تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) [طه: ١ - ٢]، وهلُمَّ جرا، إلى آخر السورة، وقوله تعالى: (وَلا
[ ١٠ / ٢٤٧ ]
أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة، مكرّرين فيه آيات الوعيد،
ليكونوا بحيث يراد منهم ترك المعاصي أو فعل الخير والطاعة. والذكر - كما ذكرنا - يطلق على الطاعة والعبادة. وقرئ: (نحدث) و(تحدث)، بالنون والتاء، أى: تحدث أنت.
_________________
(١) ـ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا) [طه: ١٣١] إلى قوله: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ)؛ لأنه على وزان قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا) [الحجر: ٨٧ - ٨٨]، وينصره قوله تعالى: (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا) [طه: ١٣٢]، ولأمر ما صدر عن أمر النبوة ومشكاة الرسالة صلوات الله عليه: "إن الله تعالى قرأ (طه) و(يس) قبل أن يخلُقَ السموات والأرض بألف عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبي لأمةٍ ينزلُ هذا عليها، وطوبى لأجوافٍ تحمل هذا، وطوبى لألسنةٍ تتكلمُ بهذا"، أخرجه الدارمي عن أبي هريرة. قوله: (الوتيرة)، الجوهري: هي الطريقة، يقال: ما زال على وتيرة واحدة. قوله: (ليكونوا بحيث يُراد منهم تركُ المعاصي أو فعلُ الخير)، قال في "الانتصاف": الصوابُ: ليكونوا على رجاء التقوى والتذكر، إذ لو أراد اللهُ تقواهم لكان. والعجبُ أن الزمخشري نقل عن سيبويه في أول هذه السورة في: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: ٤٤]، أي: كُونا على رجائكما، ثم كع عنه هاهنا لمعتقده. قوله: (والذكرُ كما ذكرنا)، أي عند قوله: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [طه: ١٤]، أي: لتذكرني، فإن ذكري أن أعبد، والذكر يُطلقُ على العبادة والطاعة، أي: مجازًا؛ لأن الطاعة: أثرُ الذكر والتذكير. ومراده من هذا التأويل اعتبارُ المطابقة لتفسيره التقوى بالاجتناب عن
[ ١٠ / ٢٤٨ ]
وسكن بعضهم الثاء للتخفيف، كما في:
_________________
(١) ـ المعاصي ليجمع بين فعل الطاعة وترك المعصية، وفيه إيذانً بأن التقوى قد يُراد منه الاحترازُ عما لا ينبغي كا قررناهُ في فاتحة البقرة، وقال محيي السنة والواحدي: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي: يجتنبون الشرك، (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) أي: يُجددُ لهم القرآنُ عبرةً وعظةً ليعتبروا ويتعظوا بذكر عقاب الله للأمم. وقال الإمامُ: وفيه وجهان: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي: يصيرون متحرزين عما لا ينبغي أو يحدث لهم القرآن ذكرًا يدعوهم إلى الطاعات وفعل ما ينبغي، أو: أنزلنا القرآن ليتقوا، فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يُحدث لهم ذكرًا شرفًا وصيتًا حسنًا أو كلمة، أو كما في قولك: جالس الحسن وابن سيرين. وقال القاضي: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) المعاصي، فتصير التقوى لهم ملكةً، (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) عظةً واعتبارًا حين يسمعونها فتثبطهم عن المعاصي: ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم والإحداث إلى القرآن. وقلتُ: والذي يحضرنا الآن - والله أعلم: أن المعنى: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي: فصيحًا ناطقًا بالحق ساطعًا تبيانه يحدث لهم التأمل والتفكرُ في آياته وبياناته الواقية الشافية فيُذعنون ويُطيعون (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) العذاب، فقيه لفٌّ من غير ترتيب، فالآية على وزان قوله تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: ٤٤]، قال المصنف: يتذكرُ، أي: يتأملُ فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق ويخشى أن يكون الأمر كما تصفان فيجره إنكاره إلى الهلكة. قوله: (وسكن بعضهم الثاء للتخفيف)، أي: يحدث، قال ابن جني: قرأ بها الحسنُ، وينبغي أن يكون هذا مما يسكن استثقالًا للضمة. وأنشدنا أبو علي لجرير:
[ ١٠ / ٢٤٩ ]
فاليوم أشرب غير مستحقب
(فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: ١١٤].
(فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) استعظام له ولما يصرف عليه عباده من أوامره ونواهيه
_________________
(١) ـ سيروا بني العم فالأهواز منزلكم … ونهرُ تيرى ولا تعرفكم العرب أي: لا تعرفكم. قوله: (فاليوم أشرب غير مستحقبٍ)، تمامه في "المطلع": إثمًا من الله ولا واغل مستحقبِ الاثم، أي: محتملٍ، يقال: استحقب الإثم: إذا احتمله واكتسبه، مأخوذٌ من الحقيبة، ووغل يغلُ: إذا دخل على القوم في شربٍ من غير أن يدعى كالوارس في العظام. قبله: حلت لي الخمرُ وكنتُ امرءًا … عن شُربها في شغلٍ شاغل قائله امرؤ القيس، وكان حلفَ أن لا يشربَ الخمرَ حتى يُقتل بني أسدٍ بأبيه حُجرن فوقع ببعضهم فقتل جماعةً منهم فقال عند ذلك: حلت … البيت. قوله: (ولما يُصرفُ عليه)، عطفٌ على "لهُ"، أي: استعظامٌ لما يُصرفُ عليه عباده. وقوله: يُصرف، بضم الياء وفتح الصاد وكسر الراء المشددة. الأساس: صرفه في أعماله وأموره فيتصرفُ فيها، وتصرفت به الأحوال. وليس فيه ولا في "الصحاح": تصرف عليه، ولعله ضمنه معنى العلو والاستيلاء، أي يجبر الخلق على امتثال أوامره والانتهاء من نواهيه تصريفًا كما ترى الملك الغالب النافذ التصرف في رعيته، وهذا لا يوافق مذهبه.
[ ١٠ / ٢٥٠ ]
ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه على حسب أعمالهم، وغير ذلك مما يجرى عليه أمر ملكوته ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد: وإذا لقنك
_________________
(١) ـ وفي هذا التقدير إيذانٌ في ترتب حكم الإنزال والتصريف في (أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ) على قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) بالفاء، أمرًا عظيمًا وخطبًا جليلًا، فدل وصفُ الباري بالملك على التصريف القوي في الملك والملكوت على مقتضى مشيئته بالأمر والنهي والوضع والرفع والثواب والعقاب، فكان مناسبًا لقوله: (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ)، ودل وصفه بالحق على البيان والظهور، وعلى الثبات في الصفات الكاملة، فكان مناسبًا لقوله: (أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي: بينا بُرهانه ساطعًا نُوره لا يحوم الباطلُ حوله، فأعظم بمنزلٍ ومتصرفٍ منزله الحق ومتصرفه الملك، وفيه أيضًا معنى (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)، وقوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: ١٦ - ١٧]، يعني: لا تستعجل بالقرآن خوفًا من أن ينفلت منك؛ لأن المصرف قاهرٌ والمبين محق لابد من إمضاء ما أراده (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) في صدرك لتحفظه، وإجرائه على لسانك لتدفع الباطل بالحق، وهذه السُّنةُ قائمةٌ في أمتك إلى يوم القيامة (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)، فإن له تحت كل كلمة، بل كل حرفٍ من هذا الكتاب العزيز، أسرارًا ورموزًا تتحير فيها الأوهامُ، زادنا الله اطلاعًا على أسرار تنزيله والتوفيق للعمل بما فيه بقدر الوُسع والطاقة. قال صاحب "المطلع": الذي بيده الثواب والعقاب فهو يملكهما، والحق الثابت: ذاته وصفاته الكاملة. قوله: (ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد)، قلتُ: قد سبق بأن قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) كالرابطة بين الكلامين، وذلك أنه تعالى لما عظم شأنه في إنزال القرآن العربي وتصريف الوعيد فيه بأن أتى بصيغة العظمة والكبرياء في قوله: (أَنزَلْنَا)، (وَصَرَّفْنَا) امتنانًا على حبيبه صلوات الله عليه، وبين أن القصد في الإنزال والتصريف: الترغيب والترهيب، وأراد أن يُرشده إلى حُسن تلقيه لهذا المنزل العظيم الشأن، وأن يترك من عادته من العجلة فيه، وشط بين الكلامين قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)، وعطف عليه (وَلا تَعْجَلْ) على تنزيل الإخباري منزلة الإنشائي؛ لأن فيه إنشاء التعجب معنى،
[ ١٠ / ٢٥١ ]
جبريل ما يوحى إليك من القرآن، فتأنّ عليك ريثما يسمعك ويفهمك، ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد ذلك، ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته. ونحوه قوله تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)] القيامة: ١٦ [،
وقيل معناه: لا تبلغ ما كان منه مجملا حتى يأتيك البيان. وقرئ: (حتى تقضى إليك وحيه). وقوله تعالى (رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) متضمن
_________________
(١) ـ حين نُبهت على عظمةِ جلالة المنزل وأُرشدت إلى فخامة المنزل، فعظم جناب الملك الحق المتصرف في المُلك والملكوت وأقبل بشراشرك في تحفظ ألفاظ كتابه وتحقق مبانيه، وإذا وعيت فادعُ الله لاستزادة العلم لتدبر حقائقه ومعانيه، وقد سبق وجه نظمه مع قوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا). قوله: (ريثما يُسمعك)، الأساس: ما ريثك وما بطأ بك؟ وما قعدتُ لفلانٍ إلا ريثما قال كذا، النهاية: وفي الحديث: "فلم يلبث إلا ريثما"، قلت: أي: إلا قدر ذلك، وقد يُستعملُ بغير (ما)، والمعنى: ارفق على نفسك قدر ما يُسمعُك. قوله: (مساوقةً لقراءته)، الأساس: فلانٌ في ساقة العسكر: في آخره، جمعُ سائق، وهو يساوقه، وتساوقت الإبل: تتابعت، وهو يسوق الحديث، النهاية: المساوقة: المتابعة. أن بعضها يسوق بعضا. قوله: (لا تبلغ ما كان منه مجملًا) إلى آخره. هذا منتقض بنزول (مِنْ الْفَجْرِ) بيانًا لقوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) [البقرة: ١٨٧]، لأنه ﷺ بُلغه قبل نزول (مِنْ الْفَجْرِ)، وكذا قوله تعالى: (غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) [النساء: ٩٥]، نزل بعد تبليغه (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)، ولضعف هذا الوجه ذكر لفظ (قبل). قوله: (وقرئ: "حتى نقضي")، قال محيي السنة: قرأ يعقوبُ: "نقضي"، بالنون وفتحها وكسر الضاد وفتح الياء، "وحيهُ" بالنصبِ.
[ ١٠ / ٢٥٢ ]
للتواضع لله تعالى والشكر له عند ما علم من ترتيب التعلم، أى علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدبا جميلا ما كان عندي، فزدني علما إلى علم، فإنّ لك في كل شيء حكمة وعلما.
وقيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: ١١٥].
يُقال في أوامر الملوك ووصاياهم: تقدّم الملك إلى فلان وأوعز إليه، وعزم عليه، وعهد
إليه. عطف الله سبحانه قصة آدم على قوله (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)] طه: ١١٣ [والمعنى:
وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه
_________________
(١) ـ قوله: (عندما عَلِم)، ظرفٌ يتعلقُ بـ"الشكر"، "والشكر لهُ" عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "للتواضع لله"؛ لأن التواضع هاهنا عينُ الشكر. كأنه قيل: يا رب إني لا أعلم شيئًا، وإن اتقاري إلى جنابك الأقدس لا يزول، فكما علمتني كيفية ترتيب التعلم، وهو التحفظ بعد التعلم، فلا تقطع هذه النعمة عني في كل ما أنا فيه من الأقوال والفعال. قوله: (أي: علمتني يا رب)، يعني: أدبتني في باب العلم أدبًا جميلًا، وهو التأني عند تلقين المعلم ثُم الإقبالُ عليه بالتحفظ، وهذا ما كنتُ أعلمه، فزدني علمًا أي: أدبني تأديبًا إلى تأديبِ فإن لك في كل شيء حكمة. فقوله: "ما كان عندي" معترضةٌ. قوله: (تقدم الملكُ إلى فُلان)، الراغبُ: قدمتُ إليه بكذا: أمرتهُ قبل وقت الحاجة إلى الفعل. أي: قبل أن يدهمه الأمر أو الناس، وعهد فلانٌ إلى فلان: ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه. قوله: (وأوعز إليه)، الجوهري: أوعزتُ إليه في كذا وكذا، أي: تقدمتُ، وكذلك: وعزتُ إليه توعيزًا، وقد يُخفف. فيقال: وعزتُ إليه وعيزًا. قوله: (عطفَ اللهُ ﷾ قصة آدم ﵇ على قوله: (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ
[ ١٠ / ٢٥٣ ]
أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناه بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك من قبل وجودهم ومن قبل أن نتوعدهم، فخالف إلى ما نهى عنه، وتوعد في ارتكابه مخالفتهم، ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا يلتفتون، كأنه يقول: إنّ أساس أمر بنى آدم على ذلك، وعرقهم راسخ فيه. فإن قلت: ما المراد بالنسيان؟ قلت يجوز أن يراد النسيان الذي هو نقيض الذكر،
_________________
(١) ـ الْوَعِيدِ»، فإن قلت: أليس هذا مخالفًا لما ذهبت إليه في النظم، وقولك: وضرب حديث آدم مثلًا للنسيان وترك العزيمة، وأنه متصلٌ بقوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)؟ قلت: هيهات! ما أشد التئامه بما أسلفناه من أن تصريف الوعيد لأجل اتقاء العذاب، وأن قوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ) متصلٌ بقوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا)، وذلك عليه الوعيد لعلهم يخافون العذاب ويجتنبون عنه، كذلك نهيناك عن التعجيل لتلقي التنزيل متأنيًا متدبرًا بجد وعزيمةٍ، فكأنا عهدنا إليك بذلك لئلا تقع فيما لا ينبغي، كما نهينا آدم عن أكل الشجرة لئلا يشقى (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)، فالضميرُ في قوله: قبل وجودهم لمن قيل في حقهم: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا) من قوم محمدٍ صلوات الله عليه، فسبيل حديث العجلة سبيل الاستطراد، وسبيلُ حديث آدم سبيلُ التذييل، وإليه الإشارة بقوله: "إن أساس أمر بني آدم على ذلك". قوله: (فخالف إلى ما نُهي عنهُ)، هو من قوله تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [هود: ٨٨]، قال المصنف: خالفني فلانٌ إلى كذا: إذا قصده وأنت مولٍّ عنه، وتقولُ: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إيه واردًا وأنت صادرٌ. قوله: (مخالفتهم)، مفعولٌ مطلقٌ، لقوله: "فخالف"، "وتوعد": عطفٌ على "نُهيَ عنهُ". أي: خالف المنهي والمتوعد في قوله: وصيناه أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناهُ بالدخول في جملة الظالمين مخالفةً مثل مخالفةِ هؤلاءِ في النهي والوعيد.
[ ١٠ / ٢٥٤ ]
وأنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس، حتى تولد من ذلك النسيان. وأن يراد الترك وأنه ترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها. وقرئ: (فنسي)، أى: نساه الشيطان. العزم: التصميم والمضىّ على ترك الأكل، وأن يتصلب في ذلك تصلبا يؤيس الشيطان من التسويل له.
والوجود: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه (لَهُ عَزْمًا) وأن يكون نقيض العدم كأنه قال:
وعدمنا له عزما.
(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى) [طه: ١١٦].
(وإِذْ) منصوب بمضمر، أى: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس ووسوسته إليه وتزيينه له الأكل من الشجرة، وطاعته له بعد ما تقدّمت معه النصيحة والموعظة البليغة والتحذير من كيده، حتى يتبين لك أنه لم يكن من أولى العزم والثبات. فإن قلت: إبليس كان جنيا بدليل قوله تعالى (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)] الكهف: ٥٠ [، فمن أين تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة؟ قلت كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجنى الذي معهم أجدر بأن بتواضع، كما لو قام لمقبل على المجلس علية أهله وسراتهم، كان القيام على واحد بينهم هو دونهم في المنزلة أوجب، حتى إن لم يقم
_________________
(١) ـ قوله: (لم يُعْنَ بالوصية)، أي: لم يعتد بها الاعتداد الصادق، الجوهري: عُنيت بحاجتك، أعني بها عنايةً، وأنا بها معنيٌّ، والأمرُ: لتُعْنَ بحاجتي بضم التاء وسكون العين. قوله: (من الاحتراس)، الجوهري: تحرستُ من فلانٍ واحترستُ منه، أي تحفظتُ منه. قوله: (علية أهلِه)، الجوهري: فلانٌ من علية الناس، وهو جمعُ رجلٍ علي، أي: شريفٍ رفيع، مثل صبي وصبية. قوله: (وسراتهم)، الجوهري: وهو جمعُ السريِّن لا يُعرفُ جمعُ "فعيلٍ" على "فعلةٍ" غيره. الأساس: هو سريٌّ، من السراة ومن أهل السرو، وهو السخاء والمروءة.
[ ١٠ / ٢٥٥ ]
عنف. وقيل له: قد قام فلان وفلان، فمن أنت حتى تترفع عن القيام؟ فإن قلت: فكيف صحّ استثناؤه وهو جنى عن الملائكة؟ قلت: عمل على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلا فلانة، لامرأة بين الرجال (أَبى) جملة مستأنفة، كأنه جواب قائل قال: لم لم يسجد. والوجه أن لا يقدّر له مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله (فَسَجَدُوا) وأن يكون معناه أظهر الإباء وتوقف وتثبط.
(فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) [طه: ١١٧].
(فَلا يُخْرِجَنَّكُما) فلا يكونن سببا لإخراجكما. وإنما أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حوّاء بعد إشراكهما في الخروج، لأنّ في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم، كما أنّ في ضمن سعادته سعادتهم، فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها. مع المحافظة على الفاصلة. أو أريد بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك معصوب برأس الرجل وهو راجع إليه. وروى أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه.
(إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) [طه: ١١٨ - ١١٩].
قرئ: (وَأَنَّكَ) بالكسر والفتح. ووجه الفتح العطف على (أَلَّا تَجُوعَ). فإن
_________________
(١) ـ قوله: (وذلك معصوبٌ برأس الرجل)، أي: موكلٌ إليه. الأساس: الأمورُ تعصبُ برأسه. النهاية: سموا السيد المُطاع معصبًا؛ لأنه تعصبُ به أمورُ الناس، أي: تُردُّ إليه وترادُ به. قال عتبةُ بن ربيعة: ارجعوا ولا تقاتلوا واعصبوها برأسي، يريد السبة التي تلحقهم بترك الحرب. أي: انسبوها إلي وإن كانت ذميمةً. قوله: (قرئ: (وَأَنَّكَ) بالكسر والفتح)، بالكسر: ابنُ كثير، وبالفتح: الباقون،
[ ١٠ / ٢٥٦ ]
قلت: "إن" لا تدخل على"أن" فلا يُقال: إن أن زيدًا منطلق، والواو نائبة عن "إنّ" وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟ قلت: الواو لم توضع لتكون أبدًا نابة عن "إنْ"، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا ًموضوعًا للتحقيق خاصة كـ"إن" لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن.
الشبع والرىّ والكسوة والكنّ: هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان،
_________________
(١) ـ قال الزجاج إذا كُسرت فعلى الاستئناف وعطفِ جملةٍ على جملة، وإذا فُتحت فعلى معنى أن لك أن لا تظمأ فتنسقَ بأنك على قوله: (أَلاَّ تَجُوعَ) ويكونُ (أَنَّكَ) في موضع نصب. ويجوزُ أن يكون ف موضع رفع والعطفُ على محل إن واسمها. لأن معنى إن زيدًا قائم: زيدٌ قائمٌ، فالمعنى: وذلك أنك لا تظمأ، وقال أبو البقاء: وجاز أن تقع "أن" المفتوحة معمولة لـ"إن" لما فُصلَ بينهما، التقديرُ: إن لك الشبع والري، وقيل: يجوز: إن عندنا أن زيدًا منطلق. قوله: (الواو لم توضع لتكون أبدًا نائبة عن "إنّ" إنما هي نائبة عن كل عامل)، قال صاحبُ "التقريب": يريدُ أن الواو تنوبُ عن كل عامل، ولم توضع للتحقيق خاصةً، والممتنعُ تلاقي حرفين موضوعين للتحقيق: وقلتُ: يعني أن الواو نابت مناب "إنّ"، لكن بالنظر إليها واعتبار وضعها ليست نصًا في التحقيق مثل "إنّ"، فلا يُهملُ وضعُها الحقيقيُّ. وقال القاضي: حرفث العطف وإن ناب عن "إنّ"، لكنهُ نابَ من حيث إنهُ عاملٌن لا من حيث إنه حرفُ تحقيق. وقيل: الواوُ وإن كانت نائبةً إلا أنها ليست في قوة المنوب عنه، فلذلك عومل معها ما لا يُعاملُ معه، كقولك: ليس زيدٌ قائمًا ولا قاعدًا، ولا يجوزُ أن تقول: ليس لا قاعدًا قوله: (الشبعُ والريُّ والكسوةُ والكِنّ)، أُوردَ على خلاف ما عليه ترتيبُ الآية ليشيرَ
[ ١٠ / ٢٥٧ ]
فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفى لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب
_________________
(١) ـ إلى أنه من باب التتميم والاستيعاب، يعني كان من الظاهر أن يُضم الشبعُ والريُّ في قرنٍ واحد، و"الكسوةُ والكِنُّ" في آخر، فخولفَ لينبه على أن المذكور هي الأقطابُ التي يدورُ عليها الكفافُ، يعني إنما ضم الشبع واللبس ليؤذن بعدم استغناء الإنسان عنهما، وأنهما من أصولِ النعم، وجمع الاستلال والري ليُشير إلى أنهما تابعان لهُما ومُكملانِ لمنافعهما، وهذا أدخل في الامتنان من الظاهر، لما في تقديم أصول النعم وجلائلها، وإرداف توابعها ولواحقها: الإعلام باستجلابها لسائر ما يُفتقرُ إليها في الكفاف، كما سبق في تقديم (الرحمن) على (الرحيم). وينصرُ هذا التأويل اختلاف العبارتين في الفقرتين، وهو: (إِنَّ لَكَ) و(وَانُكُ) و(أَلاَّ) و(لَا)، فدلت الأولى على استقرار الإكرام وثبوت الاحترام بتقدير متعلقِ الخبر، وإتيانِ اللام، وكذا في تنسيق المذكورات الأربعة مرتبةً هكذا مُقدمًا ما هو الأهمُّ فالأهمّ، ثم في جعلها تفصيلًا لمضمون قوله: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) وتكرير لفظةِ (فيها)، وإخراجها في صيغة النفي مُكررةَ الأداء، الإيماءُ إلى التعريض بأحوالِ الدنيا، وأنه لابد من مقاساتها فيها، لأنها خُلقت لذلك، وأن الجنةَ ما خُلقت إلا للتنعيم ولا يتصور فيها غيره، وما ذكره من تصوير ما يُنفر السامع ويحذره حتى يُتحامى بعضٌ من ذلك. قوله: (استجماعها)، وفي بعض النسخ: "اجتماعها"، هو ثاني مفعولي "ذَكَّرَ"، أي: ذكر اللهُ تعالى آدم استجماع هذه الأشياء له في الجنة، أي: اجتماعها. المُغرب: استجمعت للمرء أموره: اجتمع له ما يحبه. وهو لازمٌ، وقولهم: استجمع الفرس جريًا. نصبٌ على التمييز، وأما قول الفقهاء: مستجمعًا شرائط الجمعة، فليس بثَبْت. واللامُ في لنقائضها لضعفِ عملِ النفي بسبب التعريفِ أو الفرعية.
[ ١٠ / ٢٥٨ ]
كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامى أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها.
(فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى) [طه: ١٢٠].
فإن قلت: كيف عدى "وسوس" تارة باللام في قوله (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ)] الأعراف: ٢٠ [، وأخرى ب (إلى)
قلت: وسوسة الشيطان كولولة الثكلى «١» ووعوعة الذئب ووقوفة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه: وسوس المبرسم،
_________________
(١) ـ قوله: (كيف عدى "وسوسَ"؟)، سؤالٌ عن موقع استعماله مع حرفِ الجرِّ، ووجهِ صحته وتحقيق وضعه، قال الجوهري: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ) يريدُ: إليهما، ولكن العرب تُوصلُ بهذه الحروف كلها الفعل. وأجاب: أن "وسوس" مأخوذٌ من الوسوسة، وهي: حكايةُ صوتٍ وحكمها حم "صوت"، وكذا وكذا، وهو فعلٌ لازمٌ، فإذا عُدي باللام كان لبيان الموسوس له كما في قوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: ٢٣]، وقوله: أجرس لها، واللامُ من صلة الفعل. وأما في الأصوات فللبيان، وإذا عُدي بـ"إلى" ضُمنَ معنى الإنهاء. المُغرب: الوسوسة: الصوتُ الخفي. يقال: وسوس الرجلُ بلفظ ما سُمي فاعله: إذا تكلم بكلام خفي يكرره، وهو فعلٌ لازمٌ، كولولت المرأة، ووعوع الذئب، ورجلٌ موسوسٌ بالكسر، ولا يقال بالفتح، ولكن موسوسٌ إليه أو له، أي: تُلقى إليه الوسوسةٌ، وقال أبو الليث: الوسوسةُ: حديثُ النفس، وإنما قيل: موسوس لأنه يحدثُ بما في ضميره. قوله: (وسوس المُبَرْسَمُ)، المُغرب: بُرْسِمَ الرجل، على ما لا يسم فاعله، فهو مبرسمٌ
[ ١٠ / ٢٥٩ ]
وهو موسوس بالكسر. والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابى:
وسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق
فإذا قلت: وسوس له، فمعناه لأجله، كقوله:
أجرس لها يا ابن أبي كباش
_________________
(١) ـ بفتح السين: إذا أخذه البرسامُ، بالكسر، وفي "التهذيب": بالفتح، وهو معربٌ، عن ابن دُريد، وفي "الأسباب والعلامات": هو ورمٌ يحدثُ في الحجاب المعترض بين الكبد والمعدة، فيزولُ العقلُ لاتصالِ هذا الحجاب بحجُبِ الدماغ. قوله: (وهو موسوسٌ بالكسر، والفتحُ لحن)، قال الحريري في "دُرةِ الغواص": يقولون: باقلاء مُدود، وطعامٌ مسوس، ورجلٌ موسوس، وخبزٌ مُكَرَّجن ومتاعٌ مقارب، يفتحون ما قبل الحرف الأخير من كل كلمة، والصوابُ كسره. ويقالُ في الفعل من المدود: قد داد، وأداد، ودود، وديد. قوله: (وسوس يدعو مخلصًا رب الفلق)، تمامُه: سرًا وقد أون تأوين العقق … في الزرب لو يمضغ شريا ما بصق أون البعيرُ: إذا عظُم بطنه من شُرب الماء. والعقق: جمعُ عقوق، وهي الحاملُ. وسوس: صوتُ حكايةً للصوت؛ لأن رؤبة يصفُ قانصًا يُخفي شخصه ويخفتُ صوته حتى إنه لو مضغ حنظلًا ما بصق خوفًا من أن يُحسه الصيدُ فينفر. الأساس: ومن المجاز: الصائد في زربه وزريبته وهي قترته، شُبهت بزرب البُهم. قوله: (أجرس لها يا ابن أبي كباش)، تمامه في "المطلع":
[ ١٠ / ٢٦٠ ]
ومعنى «وسوس إليه» أنهى إليه الوسوسة، كقولك. حدّث إليه. وأسرّ إليه. أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه، كما قيل لحيزوم: فرس الحياة، لأنّ من باشر أثره حيي (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) دليل على قراءة الحسن بن على وابن عباس ﵃: (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ)] الأعراف: ٢٠ [بالكسر.
(فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه: ١٢١]
«طفق يفعل كذا» مثل: جعل يفعل، وأخذ، وأنشأ. وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أوّل الأمر. وكاد لمشارفته والدنوّ منه. قرئ (يَخْصِفانِ) للتكثير والتكرير، من خصف النعل وهو أن
_________________
(١) ـ فما لها الليلة من إنفاش أجرس لها، أي: أحدُ للإبل لتسمع الحُداء فتسير، وهو مأخوذٌ من الجرس وهو الصوتُ، وجرس الطيرُ: صوتتْ بمناقيرها على شيء تأكله، قوله: "لها"، أي: لأجلها، الإنفاشُ: من: أنفش الغنم: إذا تركها ترعى ليلًا بلا راعٍ، أي: سر بها ولاتتركها الليلة لترعى. قوله: «وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) دليلٌ على قراءة الحسن …: "إلا أن تكونا ملكين" بالكسر) في الأعراف؛ لأن المُلك غيرُ مطابق للملكين بالفتح، وقلتُ: يجوزُ أن يطابقه من حيث انضمام (لا يَبْلَى) مع الملك؛ لأنه حينئذ كنايةٌ عن الخلود، فهو بمنزلة (أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ) هناك.
[ ١٠ / ٢٦١ ]
يخرز عليها الخصاف، أى: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر وهو ورق التين. وقيل كان مدورا فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما. وقيل كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع. عن ابن عباس: لا شبهة في أنّ آدم لم يمتثل ما رسم الله له، وتخطى فيه ساحة الطاعة، وذلك هو العصيان. ولما عصى خرج فعله من أن يكون رشدا وخيرا، فكان غيا لا محالة، لأنّ الغى خلاف الرشد، ولكن قوله (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) بهذا الإطلاق وبهذا التصريح، وحيث لم يقل: وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك، مما يعبر به عن الزلات والفرطات: فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر، فضلا أن تجسروا على التورّط في الكبائر. وعن بعضهم (فَغَوى) فبشم «١» من كثرة الأكل، وهذا - وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في «فنى، وبقي»: «فنا، وبقا» وهم بنو طىّ - تفسير خبيث.
_________________
(١) ـ قوله: (كان لباسهما الظُّفر)، النهاية: أي: شيءٌ يشبه الظفر في بياضه وصفائه وكثافته. قوله: (فيه لطفٌ للمُكلفين ومزجرةٌ بليغة)، خبرُ "لكن"، أي: لكن قوله كيت وذيت فيه لطف، يعني: كان من الظاهر أن يُقال في حقه: زل وأخطأ، فجعلهُ عاصيًا ثم أوقع الغي مسببًا عنه للتغليظ، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧]، يدُلُّ عليه قوله بهذه الغلظة. قوله: (فَبشِم)، الجوهري: البشمُ: التخمة، يقال: بشمتُ من الطعام، وبشم الفصيلُ من كثرةِ شُربِ اللبَن.
[ ١٠ / ٢٦٢ ]
(ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى) [طه: ١٢٢].
فإن قلت: ما معنى (ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ) قلت: ثم قبله بعد التوبة وقرّبه إليه، من جبى إلىّ كذا فاجتبيته. ونظيره: جليت علىّ العروس فاجتليتها. ومنه قوله ﷿ (وَإِذا لَمْ تَاتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها) أى هلا جبيت إليك فاجتبيتها. وأصل الكلمة الجمع. ويقولون: اجتبت الفرس نفسها إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار. و(وهَدى) أى وفقه لحفظ التوبة وغيره من أسباب العصمة والتقوى.
(قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) [طه: ١٢٣].
لما كان آدم وحواء ﵉ أصلى البشر، والسببين اللذين منهما نشؤا وتفرعوا: جعلا كأنهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) على لفظ الجماعة ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة للمسبب
_________________
(١) ـ قوله: (جُبي إليّ كذا فاجتبيتُه)، من قولك: اجتبى الشيء بمعنى جباهُ لنفسه، أي: جمعه، فقوله: هلا جُبيت إليك فأجتبيتها؟ معناه: هلا جُمعت إليك فاجتمعتها افتعالًا من عند نسك؟ فإنهم كانوا يقولون: (إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ) [الفرقان: ٤]. قوله: (جُليت عليَّ العروسُ فاجتليتُها)، أي: نظرتُ إليها مجلوةً. قوله: «وَهُدًى) أي: وقفه لحفظ التوبة)، فسر الهداية المطلقة لاقترانها بالتوبة بما يناسبها تتميمًا، فعلى هذا ينبغي أن يفسر الغواية في قوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) بما يناسب العصيان من متابعة هو النفس بتسويل الشيطان، لا بالغواية الحقيقية، كقول إخوة يوسف: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [يوسف: ٨]. قوله: (ونظيره: إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة للمسبب)، نحو: بنى الأميرُ المدينة، وكسى الخليفةُ الكعبة، يعني: خوطب آدمُ وحواءُ بقوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)
[ ١٠ / ٢٦٣ ]
(هُدىً) كتاب وشريعة. وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى)
_________________
(١) ـ لأنه حالٌ من الضمير في (اهْبِطَا)، أي: متعادين، عقب بقوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) على لفظ الجماعة، ولم تحصل منهما العداوة ولا كانا تابعين لأحدٍ من الأنبياء، لكن لما كانا سببي البشري ومنهما نشؤوا، جُعلا كأنهما البشرُ فخوطبا مخاطبتهم، وفي عكسه خطابُ اليهود في زمن الرسول ﷺ بنحو قوله: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ) [البقرة: ١٥٥]. قوله: (وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة)، ونحوه في "المعالم" عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعن الشعبي، عن ابن عباس. وقلتُ: هذا إشارة إلى الترجيع الذي بُنيت هذه السورة الكريمة عليه كما سبق، وإلا فلم خصه بالقرآن هاهنا وتركه في البقرة على العموم والقصة القصةُ؟ حيث قال: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) [البقرة: ٣٨] برسولٍ أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم، بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) [البقرة: ٣٩] في مقابلة قوله: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)، روينا عن أبي داود عن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم"، وزاد رزين: واقرؤوا إن شئتم: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، وإنما خص خير الأمة بأنها لا تضل بالدنيا ولا تشقى بالآخرة؛ لأن قصة آدم ﵇ كانت مصدرةً بقوله: (فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) ومختتمة بقوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) [طه: ١٢١]، وأنهما
[ ١٠ / ٢٦٤ ]
والمعنى أنّ الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه.
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
الضنك: مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث. وقرئ (ضَنْكًا) على (فعلى). ومعنى ذلك: أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله وعلى قسمته فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح وسهولة، فيعيش عيشا رافغا كما قال ﷿:
_________________
(١) ـ مقابلان لقوله: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: ١٢٤]. قوله: (الضنك: مصدر)، الراغب: (ضَنكًا) أي: ضيقًا، وقد ضنُكَ عيشه، وامرأةٌ ضناكُ: مكتنزةٌ. والضناك: الزكامُ، والمضنوك: المزكوم. قوله: (أن مع الدين التسليم)، تأويل المعنى قوله: (ذِكْرَى) [طه: ١٢٤] المرادُ به القرآن؛ لأن الدين منه، ويؤيده قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [المائدة: ٦٦]. قوله: (فيعيش عيشًا رافعًا)، الجوهري: الرفعُ: السعةُ والخصبُ، يقالُ: رفع عيشه- بالضم- رفاعةً: اتسع فهو عيشٌ رافعٌ ورفيع، أي: واسعٌ طيب. الراغب: العيشُ: الحياةُ المختصةُ بالحيوان، وهو أخص من الحياة؛ لأن الحياة تقالُ في الحيوان، وفي البارئ وفي الملك، وتشتق منه المعيشة لما يُتعيشُ منه؛ قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الزخرف: ٣٢]، وقال في أهل الجنة: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [القارعة: ٧]، وقال ﷺ: "لا عيش إلا عيشُ الآخرة".
[ ١٠ / ٢٦٥ ]
(فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النحل: ٩٧]، والمعرض عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك وحاله مظلمة، كما قال بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوّش عليه رزقه. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره: قال الله تعالى (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ)] البقرة: ٦١ [، وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ)] المائدة: ٦٦ [وقال (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)] الأعراف: ٩٦ [، وقال (فَقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا)] نوح: ١١ - ١٢ [وقال (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا)] الجن: ١٦ [، وعن الحسن: هو الضريع والزقوم في النار. وعن أبى سعيد الخدري: عذاب القبر. وقرئ (وَنَحْشُرُهُ) بالجزم عطفا على محل (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسنِ: هو الضريع)، عطفٌ على قوله: "إن مع الدين التسليم والقناعة" إلى آخره من حيث المعنى، يعني: معنى (مَعِيشَةً ضَنكًا): إما ما يلقاه المعرضُ في الدنيا من الضيق في العيش بسبب الحرص وجمع المال أو الذلة والمسكنة أو قلة الرزق أو الابتلاء بالجدب والقحط، وغما ما يلقاه في الآخرة من أكل الزقوم والضريع، وقال الله: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَاتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) [إبراهيم: ١٧]، فتلخيصه: المعرضُ عن الدين شأنه في الدنيا كيت وكيت، وعيشه ضنك، وعن الحسن: المُعرِضُ عن الدين شأنه في الآخرة أكلُ الضريع والزقوم، يشهدُ للقول الأول رعاية التقابل، فإن قوله: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) مقابلٌ لقوله: (فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) كما سبق.
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
لأنه جواب الشرط. وقرئ: (ونحشره)، بسكون الهاء على لفظ الوقف، وهذا مثل قوله (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا)] الإسراء: ٩٧ [وكما فسر الزرق بالعمى (كَذلِكَ) أى مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة، فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر، وتركتها وعميت عنها،
_________________
(١) ـ قوله: (وهذا مثل قولهم)، (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الإسراء: ٩٧]؛ لأنه من أعمى البصر. وقيل: أعمى عن الحجة لقوله: (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا)، والوجه هو الأول لقوله: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا). قوله: (وكما فُسر الزرقُ بالعمى)، يعني: في قوله تعالى: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) [طه: ١٠٢]، قال: العمى؛ لأن حدقة من يذهب بنور بصره تزراق. قوله: (ثم فُسر بأن آياتنا أتتك)، يعني: لما قال القائل: (لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا) وأجيب بقوله: (كَذَلِكَ) والمشار إليه السابق، أي: كما أنا حشرناك أعمى وكنت بصيرًا، مثل ذلك فعلتَ أنت، قال: ما فعلتُ يا ربِّ؟ فقيل: أتتك آياتنا واضحة مستنيرةً، وأنت بصيرٌ صحيحٌ، فعميت عنها. فلما وضع في التنزيل موضع فعميت عنها: فنسيت وضعًا للمسبب موضع السبب؛ لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه، رتب عليه: (وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، ولذلك بدل المصنفُ الواو بالفاء. وأما معنى (َكَذَلِكَ) الثالث فالتذييلُ والتقرير، ولذلك عم المعنى بقوله: (مَنْ أَسْرَفَ) فالمشبهُ في التشبيه الأول فعلُهم، وهو عماهم عن الآيات، والمشبه به حشرهم أعمى، وفي التشبيه الثاني المشبه: فعلُ الحق وهو تركه إياهم على عماهم، والمشبه به: تركهم آيات الله، وفي التشبيه الثالث المشبه به: الجزاء الخاص والمشبه الجزاء العام. قوله: (أتتك واضحةً مستنيرةً). هذا إذا فسر الآيات بالدلائل الظاهرة والمعجزات
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك.
(وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) [طه: ١٢٧].
لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة - ختم آيات الوعيد بقوله (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى) كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشدّ من ضيق العيش المنقضى. أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا.
(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى) [طه: ١٢٨].
_________________
(١) ـ الباهرة، ويجوزُ أن تُحمل الآياتُ على آي القرآن، وإتيانُها حفظُها وتعاهدها ليلًا ونهارًا، وقضية النظم يساعدُ؛ فإن قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) [البقرة: ٣٨]، دالٌّ عليه، لما أن المراد باهلدى، رسول يبعثه، وكتابٌ ينزله كما مر في أول البقرة؛ فقوله: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي)، معطوفٌ على قوله: (فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ)، وهو جوابٌ للشرط، فيكون المعنى: ومن أعرض عن هداي، ومن الهُدى الكتابُ المنزل. والإعراضُ عنه: غما بأن لا يقبل رأسًا، أو لا يُعمل بهن أو يحفظُ ولا يتعاهدُ فينسى، فيقالُ له: أتتك آياتنا، أي حفظتها ثم نسيتها، وكذلك اليوم تترك من لطفنا ورمتنا، ويؤيده ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "عُرضت عليَّ أجورُ أمتي، حتى القذاةُ يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت ذنوبُ أمتي، فلم أر ذنبًا أعم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجلٌ ثم نسيها". رواه الترمذي، وأبو داود. قوله: (لما توعد المعرض)، يريد: أن قوله: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ) إما مؤكدٌ لمعنى قوله: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ومبينٌ لما قصد به، أو لقوله: (وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى).
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
فاعل (لمْ يَهْدِ) الجملة بعده يريد: ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه. ونظيره قوله تعالى (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ)] الصافات: ٧٩ - ٨٠ [، أى تركنا عليه هذا الكلام. ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون.
وقرئ (يَمْشُونَ) يريد أنّ قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون (فِي مَساكِنِهِمْ) ويعاينون آثار هلاكهم.
(وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [طه: ١٢٩].
_________________
(١) ـ قوله: (وفاعلُ (أَفَلَمْ يَهْدِ) الجملة)، قال صاحبُ "الكشف": فاعلُ (يَهْدِ) مضمرٌ، والمعنى: أفلم يتبين لهم إهلاكنا؟ ولا يكونُ كم في (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ) فاعلًا ولا مفعولًا؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولكنه منصوبٌ بـ (أَهْلَكْنَا)، فهو مفعولٌ مقدم، أي: وكثيرًا من القرى أهلكنا، وإذا كان الضمير في (يَهْدِ) لله أو للرسول، فـ (كَمْ أَهْلَكْنَا) لجملة في تأويل المفعول. قال المصنف في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) [الأعراف: ١٠٠]، إنما عُدي فعل الهداية باللام؛ لأنه بمعنى التبيين. فإذا قرئ بالنون كان المعنى: أولم يهد لهم هذا الشأن؟ كذلك المعنى: أولم يتبين لقريش هذا الشأن، وهو إهلاكنا كثيرًا من القرى الخالية والحالُ أنهم يمشون في مساكنهم، والبيان مثل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [الروم: ٩]. في "اللباب": قال الكوفيون: فاعله: (كَمْ أَهْلَكْنَا)، وهذا لا يجوز عند البصريين؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً، وقالوا: فاعله مضمرٌ يفسره (كَمْ أَهْلَكْنَا) والباء في قول المصنف بمعناه، مثله: كتبتُ بالقلم، أي: فاعلُ (أَوَلَمْ يَهْدِ) هذا بواسطة مضمونه.
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
الكلمة السابقة: هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة، يقول: لولا هذه العدة لكان مثل إهلاكنا عادا وثمودا لازما لهؤلاء الكفرة. واللزام: إما مصدر (لازَمَ) وصف به، وإما فعال بمعنى (مفعل)، أى ملزم، كأنه آلة اللزوم لفرط لزومه، كما قالوا: لزاز خصم (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) لا يخلو من أن يكون معطوفا على (كَلِمَةٌ) أو على الضمير في (كَانَ) أى لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل. (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) [طه: ١٣٠].
(بِحَمْدِ رَبِّكَ) في موضع الحال، أى: وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه. والمراد بالتسبيح الصلاة. أو على ظاهره قدم الفعل على الأوقات أوّلا، والأوقات على الفعل آخرا، فكأنه قال: صل لله قبل طلوع الشمس يعنى الفجر، وقبل غروبها يعنى الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها،
_________________
(١) ـ قوله: (هي العدةُ بتأخير جزائهم إلى الآخرة)، قال القاضي: أي: تأخير عذاب هذه الأمة. قوله: (لزأزُ خصم)، أي: مُلِحٌّ. الأساس: هذا لزازُ الباب؛ لنجافه الذي يُلز به، وإنهُ لزازٌ خصمٌ، ولزاز مالٍ: مصلحٌ له، والنجافُ: العتبةُ. قوله: (من أن يكون معطوفًا على (كَلِمَةُ)، قال صاحب "الكشف": التقدير: لولا كلمةٌ سبقت من ربك لكان لزامًا وأجلٌ مسمى لكان العذابُ لازمًا لهم، فصل بين المعطوف والمعطوفِ عليه بـ"كان" واسمها وخبرها.
[ ١٠ / ٢٧٠ ]
وتعمد آناء الليل وأطراف النهار مختصا لهما بصلاتك، وذلك أن أفضل الذكر ما كان بالليل، لاجتماع القلب وهدو الرجل والخلو بالرب. وقال الله ﷿ (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)] المزمل: ٦ [، وقال (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا)] الزمر: ٩ [، ولأنّ الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل عند الله. وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار، إرادة الاختصاص، كما اختصت في قوله (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى)] البقرة: ٢٣٨ [عند بعض المفسرين. فإن
_________________
(١) ـ قوله: (وتعمد آناء الليل)، قال صاحب "المطلع": أي: بعض ساعات الليل، واحدها: أني، مثل: رحى، وإني: كمعي، وإني: كنحي. قوله: (مختصًا لهما بصلاتك)، اعتبر في تقديم الظرف الاختصاص، وقدر "تعمدْ" لقرب معناهُ من قوله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: ٤٠] أي: إياي ارهبوا فارهبون، وأريد بالاختصاص: الاهتمام؛ لأنه ليس المراد: خصص هذين الوقتين بالصلاة دون غيرهما، ويجوز أن يراد الاختصاص، أي: تعمد هذين الوقتين بالفضل وخصص فضيلتهما على سائر الأوقات. قوله: (وهدوء الرجل)، الجوهري: أتانا فلانٌ هدوءًا، أي: بعد نومه، وبعدما هدأ الناس، أي: ناموا، والرواية: "هدو الزجل" بالزاي والجيم المفتوحة: الصوت. قوله: (عند بعض المفسرين)، وهو مجاهدٌ، لقوله في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: ٢٣٨]: الوسطى هي الفجر؛ لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وبيان التشبيه هو أن (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) تناول صلاة الفجر والظهر والعصر، و(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ): صلاة العتمة، ثم جيء بقوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) فعُلِمَ
[ ١٠ / ٢٧١ ]
قلت: ما وجه قوله (وَأَطْرافَ النَّهارِ) على الجمع، وإنما هما طرفان كما قال (أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ)] هود: ١١٤ [؟ قلت: الوجه أمن الإلباس، وفي التثنية زيادة بيان. ونظير مجيء الأمرين في الآيتين: مجيئهما في قوله:
ظهراهما مثل ظهور الترسين
_________________
(١) ـ منه صلاةُ المغرب وصلاةُ الفجر، على أن صلاة الفجر كررتْ على تلك الوتيرة، أي: على عطفِ الخاص على العام، فقوله: "على التكرار" متعلقٌ بصلاة الفجر بدليل قوله: "كما اختصت" أي: صلاةُ الفجر، لا صلاةُ المغرب والفجر كما ظن. قوله: (مجيء الأمرين)، أي: التثنية والجمع. قوله: (ظهراهما مثل ظهور الترسين)، قبله: ومهمهين فدفدين مرتين وبعده: جبتهما بالنعت لا بالنعتين المهمه: المفازة البعيدة، والرتُ، بسكون الراء: مفازةٌ لا نبت فيها ولا ماء، والفدفدُ: الأرض المستوية. والواوُ بمعنى رُبَّ وجوابُها: جُبتهُما، وظهراهُما: صُلباهما؛ لأن ظهرَ التُّرسِ يأتي بالنعتِ بالفرس، فرس نعتٌ: متناهٍ في الجري؛ لأن النعت: وصفُكَ الشيء بما فيه من الحُسن، هكذا ذكر الخليلُ، وكل شيءٍ جيدٍ بالغٍ فيه فهو نعتٌ. وقيل: المرادُ قطعُها ولم ُنعت لي إلا مرةً واحدةً يصفُ نفسه بالفطانة الخبرة بسلوك المفاوز. وقيل: إنما قال: ظهورُ الترسين، كراهة الجمع بين التثنيتين أحداهما في المضاف وثانيتهما في المضاف إليه، كقوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) [التحريم: ٤].
[ ١٠ / ٢٧٢ ]
وقرئ: (وأطراف النهار)، عطفا على (آناء الليل)، و(لعل) للمخاطب، أى: اذكر الله في هذه الأوقات، طمعا ورجاء أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك ويسر قلبك. وقرئ: (ترضى)، أى يرضيك ربك.
(وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) [طه: ١٣١].
(وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) أى نظر عينيك، ومدّ النظر: تطويله، وأن لا يكاد يرده، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنيا أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)] القصص: ٧٩ [، حتى واجههم أو لو العلم والإيمان ب (وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا)] القصص: ٨٠ [وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشيء بالنظر ثم غض الطرف، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأنّ
_________________
(١) ـ قوله: (ولعل للمخاطب)، أي: الترجي راجعٌ إلى المخاطب، كما أن الشك في قوله تعالى: (أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: ١٤٧] راجعٌ إلى المخاطب لا إلى المتكلم ﷾. قوله: (وقرئ: "تُرْضَى")، بضم التاء: الكسائي. الراغبُ: رضي يرضى رضًا فهو مرضي ومرضُوٌّ، ورضا العبد عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو: أن يراه مؤتمرًا لأمره ومنتهيًا عن نهيه، قال الله تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [البينة: ٨]. قوله: (باده الشيء)، بادهه: فاجأه، والاسم البداهة والبديهة
[ ١٠ / ٢٧٣ ]
من أبصر منها شيئا أحب أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه: قيل (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) أى لا تفعل ما أنت معتاد له وضاربه، ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها (أَزْواجًا مِنْهُمْ) أصنافا من الكفرة. ويجوز أن ينتصب حالا من هاء الضمير، والفعل واقع على (مِنْهُمْ) كأنه قال: إلى الذي متعنا به -وهو أصناف- بعضهم وناسا منهم. فإن قلت: علام انتصب (زَهْرَةَ)؟ قلت: على أحد أربعة أوجه: على الذم وهو النصب على الاختصاص. وعلى تضمين (مَتَّعْنا) معنى أعطينا وخوّلنا،
_________________
(١) ـ قوله: «أَزْوَاجًا مِنْهُمْ): أصنافًا من الكفرة)، الراغبُ: الزوجُ يقال لكل من القرينتين من الذكر والأنثى، في الحيوانات المتزاوجة وفي غيرها، كالخُف والنعل، ولكل ما يقترنُ بآخر مماثلًا له أو مضادا. قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) [الصافات: ٢٢]. أي: أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم. وقال تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) [طه: ١٣١] أي: أشباهًا وأقرانًا. قوله: (ويجوزُ أن ينتصب حالًا من هاء الضمير)، أي: في (بهِ)، وتقديره: وهو أصنافٌ. وقوله: (منهم) على هذا: مفعولٌ به، والعاملُ (مَتَّعْنَا)، و"مِن": للتبعيض، و"ناسا" في الكتاب تفسيرٌ لقوله: بعضهم، المعنى: لاتمدن عينيك إلى أصناف الزخارف التي متعنا بها بعضًا من الكفرة كالملابس الفاخرة والمناكح المؤنقة والمراكب الفائقة والروائح الطيبة، وعلى الأول كان الفعلُ واقعًا على (أَزْوَاجًا) و(مِنْهُمْ): صفةٌ، و"مِن": بيانٌ، أي: لا تُمدنَّ عينيكَ إلى الزخارف التي متعنا بها أصنافًا من الكفرة اليهود والنصارى والمشركين، قال صاحب "التقريب": (مِنْهُمْ) هو المفعولُ به. قوله: (وعلى تضمين (مَتَّعْنَا) معنى أعطينا وخولنا)، أي: ملكنا، قال صاحبُ
[ ١٠ / ٢٧٤ ]
وكونه مفعولا ثانيا له. وعلى إبداله من محل الجار والمجرور. وعلى إبداله من
_________________
(١) ـ "التقريب": فالباء في (بهِ) على هذا: للآلة، أي: إلى المال الذي أعطينا بسببه الكُفار (زَهْرَةَ)، إذ لو كان صلة (مَتَّعْنَا) لزم أن يكون له ثلاثةُ مفاعيل. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": الأظهر أن تكون (زَهْرَةَ) منصوبًا بفعل مضمرٍ دل عليه الكلام أي: جعلنا لهم أزواجًا، أو آتيناهم؛ لأنه إذا متعهم بها جعلها لهم وآتاها إياهم، وهذا قولُ الزجاج. وقال ابن الحاجب: ويجوزُ أن يكون الفعلُ المقدر: قولنا، أعني: بيانًا لـ (مَا) أو للضمير في (به) أو لـ (أَزْوَاجًا) وهو الذي يُسمى نصبًا على الاختصاص، وان يكون بدلًا من (أَزْوَاجًا) على حذف المضاف، أي: أهل زهرة الدنيا بدل الكل من الكل على المبالغة، كأنه جعلهم الزهرة على الحقيقة، وجعلهُ بدلًا من (به) ضعيفٌ؛ لأنه لا يقالُ: مررتُ بزيدٍ أخاك، ولأن الإبدال من الضمير العائد إلى الموصول يجعله من باب قولك: زيدٌ رأيتُ غلامه رجلًا صالحًا. وفي جوازها قولانِ، وكذا عند صاحب "التقريب". قوله: (وعلى إبداله من محل الجار والمجرور)، هذا اختيار صاحب "الكشف"، قال: هو عندي بدلٌ من موضع "ما" في قوله: (إِلَى مَا مَتَّعْنَا)؛ لأن موضع الجار والمجرور نصبٌ، كقوله تعالى: (دِينًا قِيَمًا) [الأنعام: ١٦١]، وقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ) بعد قوله: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقوله تعالى: (وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ). وقلتُ: أما وجه النصب على الاختصاص والذم فيقتضي تحقير شأنها وازدراء حالها، كقوله تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ) [العنكبوت: ٦٤] والمقامُ يأباه؛ لأن المعنى
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
(أزواجا)، على تقدير ذوى زهرة. فإن قلت: ما معنى الزهرة فيمن حرّك؟ قلت: معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة، كما جاء في الجهرة الجهرة. وقرئ: (أرنا الله جهرة)] النساء: ١٥٣ [. وأن تكون جمع زاهر، وصفا لهم بأنهم زاهروا هذه الدنيا، لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون، وتهلل وجوههم وبهاء زيهم وشارتهم، بخلاف ما عليه
_________________
(١) ـ أن النفوس مجبولةٌ على النزوع إليها راغبة فيها حق رغبتها حتى لا تكاد ترغبُ عنها نفوسُ الأنبياء، فلذلك نهى النبي ﷺ عن مد العينين إليها، ويعضده ما رويناه عن البخاري ومسلم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا"، قالوا: وما زهرةُ الدنيا يا رسول الله؟ قال: "بركاتُ الأرض". وعن مسلم والنسائي عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون". ولتوافقه التعليل في قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)، ولاستشعار الخوف بسبب زخرفها وزينتها وبهجتها، ويجوز أن تكون (زَهْرَةَ) بدلًا من (أَزْوَاجًا) على تقدير أن تكون حالًا من هاء الضمير، فلا يحتاج إلى تقدير ذوي. قوله: (كما جاء في الجهرة: الجهرةُ)، وهي إما: مصدرٌ كالغلبة، وإما جمعُ جاهر، قرأ يعقوب: زهرة، بفتح الهاء، والباقون: بسكونها. قوله: (وتهلل وجوههم)، الجوهري: تهلل السحاب ببرقه: تلألأ، وتهلل وجه الرجل من فرحه واستهل. قوله: (وشارتهم)، الشارة: اللباس والهيئة.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
المؤمنون والصلحاء: من شحوب الألوان والتقشف في الثياب (لِنَفْتِنَهُمْ) لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب، لوجود الكفران منهم. أو لنعذبهم في الآخرة بسببه (وَرِزْقُ رَبِّكَ) هو ما ادّخر له من ثواب الآخرة الذي هو خير منه في نفسه وأدوم. أو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوّة. أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، والحلال (خَيْرٌ وَأَبْقى) لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى رزقا أصلا. وعن عبد الله بن قسيط عن رافع قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى يهودى وقال: «قل له يقول لك رسول الله أقرضنى إلى رجب» فقال: والله لا أقرضته إلا برهن، فقال رسول الله «إنى لأمين في السماء،
_________________
(١) ـ قوله: (والتقشف)، الجوهري: والتقشفُ: أن يتبلغ بالقوت والمرقع. قوله: (هو خيرٌ منه)، أي: مما متع به الكافر في نفسه؛ لأنه الخيرُ المحضُ الذي لا يشوبه مما يُكدرهُ في نسه، ولا يلحقه ما يفنيه. قوله: (أو ما رزقه من نعمة الإسلام والنبوة)، هذا الوجهُ أوفقُ لتأليف النظم على ما سبق، وعليه ينطبق قوله: (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: دينُ الإسلام والنبوة من الكتاب والسنة خيرٌ فاشتغل بذلك وتمسك بالحبل المتين، (وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)؛ لأن الذي بُعثتَ لأجله هؤلاء الخصال، لا لتكون تاجرًا كسُوبًا أو حريصًا بجمع الدنيا، فلا تهتم بأمر رزقك فن رزقك مكفيٌّ عندنا، ونحن رازقوك، ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، ففرغ بالك في التبليغ والإنذار والاشتغال بالعبادة والأمر بالمعروف لأهلك وأمتك، والعاقبة -أي: الجنةُ - لأهل التقوى، ولمن اتقى حُطام الدنيا وزينتها، كما جاء عن خير البرية: "ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا". قوله: (لا أقرضته)، قيل: هو على سبيل الدعاء، كأنه قال: لا كان إقراضي إياه إلا برهن، كما تقول: لا رحمك الله، وأوجه من هذا أن يكون حاكيًا لما يقوله بعد إقراضه برهن للمبالغة، هذا الوجه منقول من خطه.
[ ١٠ / ٢٧٧ ]
وإنى لأمين في الأرض، احمل إليه درعي الحديد» فنزلت: (ولا تمدّنّ عينيك).
(وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) [طه: ١٣٢].
(وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) أى وأقبل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة، واستعينوا بها على خصاصتكم ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، فإنّ رزقك مكفىّ من عندنا، ونحن رازقوك ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك ففرّغ بالك لأمر الآخرة. وفي معناه قول الناس: من كان في عمل الله كان الله في عمله. وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) ثم ينادى الصلاة الصلاة رحمكم الله. وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصابت أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، بهذا أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية.
(وَقالُوا لَوْلا يَاتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَ لَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) [طه: ١٣٣].
اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوّة، فقيل لهم: أو لم تأتكم آية هي أمّ الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعنى القرآن، من قبل أنّ القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهي مفتقرة إلى
_________________
(١) ـ قوله: (كان الله في عمله)، قيل: كان ملائكة الله الموكلون بكفاية الأعمال في تحقيق عمله. قوله: (خصاصة)، النهاية: الخصاصة: الجوع والضعف، وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء. قوله: (أن القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة)، قال القاضي: لأن القرآن مشتمل على زُبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكُلية، مع أن الآتي به أميٌّ لم يرها ولم يتعلم ممن
[ ١٠ / ٢٧٨ ]
شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة. وقرئ: (الصحف). بالتخفيف. ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل.
(وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) [طه: ١٣٤]
قرئ (نَذِلَّ وَنَخْزى) على لفظ ما لم يسم فاعله.
(قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) [طه: ١٣٥].
(كُلٌّ) أى كل واحد منا ومنكم (مُتَرَبِّصٌ) للعاقبة ولما يؤول إليه أمرنا وأمركم. وقرئ: (السواء)، بمعنى الوسط والجيد. أو المستوى والسوء والسوأى
_________________
(١) ـ علمها، وفيه إشعارٌ بأن القرآن، كما يدلُّ على نبوته، برهانٌ لما تقدمه من الكتب، من حيثُ إنه مصداقٌ لها وهو معجزٌّ وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهدُ على صحتها. قوله: (ذكر الضمير)، أي: في قوله: (مِنْ قَبْلِهِ)، والظاهر أنه راجعٌ إلى معنى (تَاتِيهِمْ)، أي: قبل مجيء البينة ويؤيده قوله: (لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) لأن مجيء هذه البينة لا يكون إلا مع إرسال الرسول. قوله: (كل واحدٍ منا ومنكم (مُتَرَبِّصٌ) للعاقبة وما يؤول إليه أمره)، فيه معنى المتاركة وأن الإنذار والتذكير بلغ غايته. كقوله تعالى: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: ٨٩]. اعلم أن هذه خاتمةٌ شريفةٌ ناظرةٌ إلى الفاتحة، وهي قوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) [طه: ٢ - ٣]، فإنه تعالى لما أمر حبيبه صلوات الله عليه
[ ١٠ / ٢٧٩ ]
والسوي تصغير السوء. وقرئ: (فتمتعوا فسوف تعلمون). قال أبو رافع: حفظته من رسول الله ﷺ. عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة (طه) أعطى يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار» وقال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا (طه) و(يس)»،
_________________
(١) ـ بالإعراض عن الكفار وعما أوتوا من زهرة الدنيا والإقبال بكليته إلى دين الحق والاشتغال بالعبادة والصبر عليها وبأمر أهله، أي: أمته به رمز إلى ما بُدئ به، أي: اشتغل بالعبادة على مقدار طاقتك وصبرك، وأمُر من ينجعُ فيه تذكيرك ووعظُك. وأما هؤلاء المعاندون الذين ما توانيت في إنذارهم، وألزمت الحجة عليهم، وظهر إفحامهم حيث اقترحوا الآيات (وَقَالُوا لَوْلا يَاتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) وأنت قد أتيت بأم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز، يعني: القرآن، فأعرض عنهم واتركهم؛ لأن التذكير إنما ينفع فيمن يخشى، وأوعدهم بقولك: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى) [طه: ١٣٥]. والحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه تمت بحمد الله وحسن توفيقه
[ ١٠ / ٢٨٠ ]