مكية، وتسمى سورة النبأ
وهي أربعون آيةً أو إحدى وأربعون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) ١ - ٣].
(عَمَّ) أصله عما، على أنه حرف جرٍ دخل على ما الاستفهامية وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر. قال حسان ﵁:
على ما قام يشتمني لئيم … كخنزير تمرّغ في رماد
_________________
(١) سورة النبأ مكية، وهي أربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وهو في قراءة عكرمة وعيسى بن عمر)، قال ابن جني: "إثبات الألف أضعف اللغتين"، قال الجرجاني: " (ما) الاستفهامية تُحذف ألفها تفرقة بينها وبين كونها خبرًا، وقيل: حُذفت الألف بحرف الجر لتؤذن بشدة الاتصال، وقيل: حُذفت لكثرة الدوران". قوله: (تمرغ في رماد)، مرغته في التراب: قلبته فيه، وتمرغ، ومراغ الدابة: ممرغها.
[ ١٦ / ٢٤٠ ]
والاستعمال الكثير على الحذف، والأصل: قليل. ومعنى هذا الاستفهام: تفخيم الشأن، كأنه قال: عن أي شأنٍ يتساءلون؟ ونحوه ما في قولك: زيدٌ ما زيد؟ جعلته - لانقطاع قرينه وعدم نظيره - كأنه شيءٌ خفي عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره، كما تقول: ما الغول وما العنقاء؟ تريد: أي شيء هو من الأشياء هذا أصله؟ ثم جرد للعبارة عن التفخيم، حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية (يَتَساءَلُونَ) يسأل بعضهم بعضًا. أو يتساءلون غيرهم من رسول الله ﷺ والمؤمنين نحو: يتداعونهم ويتراءونهم. والضمير لأهل مكة: كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث، ويتساءلون غيرهم عنه على طريق الاستهزاء. (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ) بيانٌ للشأن المفخم. وعن ابن كثيرٍ قرأ (عمه) بهاء السكت، ولا يخلو: إما أن يجرى الوصل مجرى الوقف، وإما أن يقف ويبتدئ (يَتَساءَلُونَ) على أن يضمر (يَتَساءَلُونَ) لأنّ ما بعده يفسره، كشيء يبهم ثم يفسر.
_________________
(١) قوله: ("ما" في قولك: زيد ما زيد؟ جعلته، لانقطاع قرينه وعدم نظيره، كأنه شيء خفي عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه)، ومنه حديث عائشة، رواه البخاري في "صحيحه": قالت الحادية عشرة: "زوجي أبو زرع فما أبو زرع؟ أناس من حُلي أُذني، وملأ من شحم عضدي. أُمُّ أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة. بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمها، وملاء كسائها، وغيظ جارتها". النوس: تحرك الشيء متدليًا، أي: أناس أُذُني مما حلاهما من الشُّنوف والقرطة، والعكوم: جمع عِكم، وهو العدل إذا كان فيه متاع، والرَّداح: العظيمة الثقيلة، والمسل: مصدر بمعنى الشَّل، والشَّطبة: السيف، أي: كما سُل السيف من غمده، والجفرة: الأنثى من ولد المعز. قوله: (﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: بيان للشأن المفخم)، يريد أن قوله: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ ليس
[ ١٦ / ٢٤١ ]
فإن قلت: قد زعمت أنّ الضمير في يتساءلون للكفار. فما تصنع بقوله (هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ)؟
قلت: كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ومنهم من يشك. وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعًا، وكانوا جميعًا يسألون عنه. أما المسلم فليزداد خشيةً واستعدادًا، وأما الكافر فليزداد استهزاء. وقيل: المتساءل عنه القرآن. وقيل: نبوّة محمدٍ ﷺ. وقرئ: (يسّاءلون بالإدغام)، وستعلمون بالتاء.
[(كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) ٤ - ٥]
(كَلَّا) ردع للمتسائلين هزءوا. و(سَيَعْلَمُونَ) وعيدٌ لهم بأنهم سوف يعلمون أنّ ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق؛ لأنه واقعٌ لا ريب فيه. وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك، ومعنى (ثُمَّ) الإشعار بأنّ الوعيد الثاني أبلغ من الأوّل وأشد.
[(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا * وَالْجِبالَ أَوْتادًا * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا * وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا * وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا * وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا) ٦ - ١٦]
فإن قلت: كيف اتصل به قوله: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادا).
_________________
(١) بصلة ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ لأنه أخذ صلته وهي ﴿عَمَّ﴾، بل هو صلة محذوف، على طريقة الاستئناف، للبيان، فإنه لما قيل: عن أي شيء عظيم يتساءلون وما ذلك الشيء العظيم الذي يتساءلون عنه؟ فقيل: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، الذي هو البعث، وإذا وقف على "عمه" يكون صلة للمذكور، ويقدر مثله: لعمه، قال صاحب "الكشف": ﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ لا يجوز أن يكون بدلًا من قوله: عمه بتة، لأنه لو كان بدلًا لوجب تكرار حرف الاستفهام؛ لأنه الجار المتصل بحرف الاستفهام إذا أُعيد أُعيد مع الحرف المستفهم به، كقولك: بكم ثوبك؟ أبعشرين أم بثلاثين؟ ولا يجوز: بعشرين، بغير همزة، فيكون متعلقًا بفعل آخر دون هذا الظاهر. وقال أبو البقاء: "يجوز
[ ١٦ / ٢٤٢ ]
قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراعٌ كهذه الاختراعات؟ أو قيل لهم: ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة. والحكيم لا يفعل فعلًا عبثًا، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابثٌ في كل ما فعل؟ (مِهادًا) فراشًا. وقرئ: (مهدا) ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسميةً للممهود بالمصدر، كضرب الأمير أو وصفت بالمصدر. أو بمعنى: ذات مهدٍ، أي أرسيناها: بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد. (سُباتًا) موتًا. والمسبوت: الميت، من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوعٌ عن الحركة. والنوم: أحد التوفيين،
_________________
(١) أن يكون بدلًا، وألف الاستفهام، التي ينبغي أن تُعاد، محذوفة". الراغب: "عظم الشيء: أصله كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير، فأجري مجراه، محسوسًا كان أو معقولاُ، عينًا كان أو معنى، قال تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، والعظيم إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتصلة، والكبير يقال في المنفصلة، ثم قد يقال في المنفصل: عظيم، نحو، جيش عظيم ومال عظيم، وذلك في معنى الكبير. والعظيمة: النازلة". وعن بعضهم: الضمير في ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ تأكيد، وفيه معنى الاختصاص، ولم يكن لقريش اختصاص بالاختلاف، لكن لما كان خوضهم فيه أكثر وتعنتهم له أظهر، جعلوا كأنهم مخصوصون به. قوله: (والنوم أحد التوفيين)، مقتبس من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
[ ١٦ / ٢٤٣ ]
وهو على بناء الأدواء. ولما جعل النوم موتًا، جعل اليقظة معاشًا، أي: حياةً في قوله: (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا)، أي: وقت معاشٍ تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم. وقيل: السبات الراحة
_________________
(١) قوله: (على بناء الأدواء)، يعني: كالسعال والزكام والجذام. قوله: (ولما جعل النوم موتًا، جعل اليقظة معاشًا، أي: حياة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾)، راعى المطابقة بين قوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ وبين قوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، والمطابقة الحقيقية: جعلنا يقظتكم حياة، فوضع موضع اليقظة النهار؛ لأنها تقع فيه غالبًا، وموضع حياة: معاشًا، فبقى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ جملة مستطردة بين القرينتين لذكر النوم في القرينة الأولى، هذا إذا جعل السُّبات بمعنى الموت، وأما إذا جعل بمعنى الراحة، وهو قول الزجاج: السبات: "أن تنقطع الحركة من بدنه بالنوم"، أي: جعلنا نومكم راحة، يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، قرينة لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، فيصح الطباق بين القرينتين الأوليين؛ لأن جل الاستمتاع بين الزوجين في حالة النوم والراحة. وقال في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]: "المقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وملامستهن"، ومنه قوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، وبين القرينتين التاليتين، وهما: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾؛ لأنهما نحو قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِي﴾ [القصص: ٧٣]، ويؤيده قول الزجاج: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أي: لتسكنوا فيه. قوله: (أي وقت معاش)، قيل: المعاش: مصدر، يقال: "عاش يعيش عيشًا ومعاشًا ومعيشة وعيشة".
[ ١٦ / ٢٤٤ ]
(لِباسًا) يستركم عن العيون إذا أردتم هربًا من عدوّ، أو بياتًا له. أو إخفاء مالا تحبون الاطلاع عليه من كثيرٍ من الأمور.
وكم لظلام اللّيل عندك من يد … تخبّر أنّ المانويّة تكذب
(سَبْعًا) سبع سماوات (شِدادًا) جمع شديدة، يعنى: محكمةً قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان. (وَهَّاجًا) متلألئًا وقادًا، يعنى: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرّها. "المعصرات": السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع،
_________________
(١) قوله: (وكم لظلام الليل عندك من يد) البيت، قال الواحدي: المانوية: أصحاب ماني، وهو يقول بالنور والظلمة، يقولون: الخير كله في النور، والشر كله في الظلمة. ورد عليهم المتنبي فقال: كم من نعمة في الظلام تبين أن هؤلاء الذين نسبوا إليه الشر كله كاذبون، ثم بين تلك النعمة بقوله: وقاك ردى الأعداء تسري عليهم وزارك فيهم ذو الدلال المُحجب وذكر سر النور بقوله: ويوم كليل العاشقين كمنته أراقب فيه الشمس أيان تغرب قوله: (﴿وَهَّاجًا﴾: متلألئًا)، الراغب: "الوهج: حصول الضوء والحر من النار، والوهجان كذلك، وقوله تعالى: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، أي: مضيئًا. وقد وهجت النار توهج، ووهج يهج، وتوهج اللؤلؤ: تلألأ".
[ ١٦ / ٢٤٥ ]
إذا حان له أن يجز. ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. وقرأ عكرمة: (بالمعصرات)، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهمًا، وأعطى بيده، وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة: هي السماوات. وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السماوات يعصرن، أي: يحملن على العصر ويمكنّ منه.
فإن قلت: فما وجه من قرأ: (مِنَ الْمُعْصِراتِ) وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟
_________________
(١) قوله: (وقرأ عكرمة: "بالمعصرات")، قال ابن جني: "وهي قراءة ابن الزبير وابن عباس وغيرهما، ولم يذكر عكرمة، وقال: إذا نزل الماء منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدي درهمًا وبيدي درهمًا، المعنى واحد، وليس "من" هاهنا مثلها في قولهم: أعطيته من الدراهم؛ لأن "من" فيه تبعيضية، وليس المراد أن الدراهم بعض اليد، لكن المراد أن ابتداء العطية من اليد"، فقول المصنف: "إذا كان الإنزال منها فهو بها"، إيذان بأن "من" الابتدائية فيها معنى السببية، كما مر في قوله: ﴿أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] أي: من أجله وبسببه، فإذن هي والباء من وادٍ واحد. قوله: (أي: يحملن على العصر)، يعني: أن المعصرات على الحقيقة هي الرياح؛ لأنها تعصر السحاب لتمطر، وسميت السماء بالمعصرات، لما أن الماء إنما ينزل منها إلى السحاب، فيتمكن الرياح حينئذ من العصر، ولولاها لم يتمكن منه، فأسند إليه، فالهمزة في الإعصار: للتعدية. قوله: (ذوات الأعاصير)، الجوهري: "الإعصار: ريح تثير الغبار، فيرتفع إلى السماء كأنه عمود، ويقال: هي ريح تثير سحابًا ذات رعد وبرق وتعصر".
[ ١٦ / ٢٤٦ ]
قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال؛ وقد جاء أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر.
فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال: عصره فاعتصر.
قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي: تغيث، (ثَجَّاجًا) منصبًا بكثرة يقال: ثجه وثج نفسه، وفي الحديث: (أفضل الحج: العجّ والثجّ) أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدى. وكان ابن عباسٍ مثجا يسيل غربًا، يعنى يثج الكلام ثجًا في خطبته. وقرأ الأعرج: (ثجاجا)، ومثاجح الماء: مصابه، والماء ينثجح في الوادي
_________________
(١) قوله: (بمعنى المغيثات)، الراغب: "الغيث: يقال في المطر، والغوث: في النصرة، واستغثته: طلبت الغيث منه والغوث، فأغاثني: من الغوث، وغاثني: من الغيث". قوله: (اللاتي أعصرن)، فيكون "أعصر" على هذا غير الأول، إذ "المعصرات" يراد بها الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، فالهمزة للحينونة لا للتعدية، وعن بعضهم: القبول والصبا بمعنى واحد، وهي من المشرق، وهي تجمع السحاب، والجنوب تعصرها وتحلبها، وهي من القبلة، والدَّبور من المغرب، وهي معاونة القبول، والشمال تفرقها. والعصر والحلب ها هنا: الاعتماد.
[ ١٦ / ٢٤٧ ]
) حَبًّا وَنَباتًا (يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال:) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ([طه: ٥٤]، وَ(الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ) [الرحمن: ١٢]. (ألْفافًا) ملتفةً ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف. وقيل: الواحد لف. وقال صاحب الإقليد: أنشدنى الحسن بن على الطوسي:
جنّة لفّ وعيش مغدق … وندامي كلهم بيضٌ زهر
وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجدًا له نظيرًا من نحو خضرٍ واخضار وحمرٍ وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفةٍ بتقدير حذف الزوائد، لكان قولًا وجيها.
[) َإن يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا *يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَاتُونَ أَفْواجًا *فُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا *وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا) [١٧ - ٢٠].
(كان ميقاتًا) كان: في تقدير الله وحكمه حدًّا توقت به الدنيا وتنتهي عنده؛
_________________
(١) قوله: (﴿وَنَبَاتًا﴾ يريد ما يتقوت)، النبات: مصدر أريد به النابت. روي عن المصنف: الاستعارة على ضربين: تارة لمعنى وتارة لغير معنى، فلا يطلب هاهنا معنى في النبات. قوله: (كالأوزاع والأخياف)، الجوهري: "الأوزاع من الناس: الجماعات، والأخياف: المختلف من الناس، وإخوة أخياف: إذا كانت أمهم واحدة والآباء شتى". قوله: (جنة لف)، البيت، لف: واحد الألفاف، وعيس مُغدق أي: ناعم. والغدق: الماء الكثير، والندامى: جمع الندمان، يقال: نادمني فلان فهو نديمي وندماني. وبيض: حسان، ورجل أزهر أي: أبيض مشرق الوجه؛ يصف طيب الزمان والمكان وكرم الإخوان. قوله: (حدا توقت به الدنيا وتنتهي عنده)، الراغب: "الوقت: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا لا يكاد يقال إلا مُقيداُ، كقولهم: وقت كذا: جعلت له وقتًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ
[ ١٦ / ٢٤٨ ]
أو حدًا للخلائق ينتهون إليه. َوْ (ويوم يُنْفَخُ) بدل من يوم الفصل، أو عطف بيانٍ، (فَتَاتُونَ فْواجًا) من القبور إلى الموقف أممًا، كل أمّةٍ مع إمامهم. وقيل: جماعاتٍ مختلفة. وعن معاذٍ ﵁ أنه سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: يا معاذ، سألت عن أمرٍ عظيمٍ من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي: بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عميًا، وبعضهم صمًا بكمًا، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاةٌ على صدورهم: يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوعٍ من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابًا سابغةً من قطرانٍ لازقةً بجلودهم؛ فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس. وأما الذين على صورة الخنازير: فأهل السحت. وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا، وأما العمى فالذين يجورون في الحكم، وأما الصمّ البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوعٍ من نارٍ، فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشدّ نتنًا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء
_________________
(١) الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والميقات: الوقت المضروب للشيء، والوعد الذي جعل له وقت، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، وقد يقال: الميقات: للمكان الذي يجعل وقتًا للشيء، كميقات الحج"، وعن بعضهم: الميقات: علم للحد، كالميعاد: علم للوعد، والميلاد: علم وقت الولادة. قوله: (أرسل عينيه)، أي: أرسل دمع عينيه.
[ ١٦ / ٢٤٩ ]
وقرئ: (وفُتِحَتْ)، والتخفيف بالتشديد. والمعنى: كثرة أبوابها المفتحة لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبوابًا مفتحة، كقوله: (وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا) [القمر: ١٢]، كأن كلهًا عيون تتفجر. وقيل: الأبواب الطرق والمسالك، أي: تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقًا لا يسدها شيء. (فَكَانَتْ سَرَابًا) كقوله: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًا) [الواقعة: ٦]. يعني أنها تصير شيئًا كلا شيء، لتفرق أجزائها وانبثات جواهرها.
[(إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا • لِلطَّاغِينَ مَآبًا • لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا • لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا ولا شَرَابًا • إلاَّ حَمِيمًا وغَسَّاقًا • جَزَاءً وفَاقًا • إنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا • وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا • وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا • فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إلاَّ عَذَابًا) ٢١ - ٣٠]
المرصاد: الحد الذي يكون فيه الرصد
_________________
(١) قوله: (﴿وَفُتِحَتِ﴾، بالتخفيف والتشديد)، بالتخفيف: حمزة والكسائي وعاصم، والباقون: بالتشديد. وعن بعضهم ﴿وَفُتِحَتِ﴾ معطوف على ﴿فَتَأْتُونَ﴾، وليس بشرط أن يتوافقا في الزمان كما يظن من ليس واقفًا على هذا النوع. وقلت: هما متوافقان معنى عند من تدرب في هذا النوع، فإن كلًا من المعطوفين يكتسب من معنى الآخر؛ فإن عطف الماضي على المضارع، الدلالة على أنهما واقعان البتة؛ لأن المخبر صادق، وكون المعطوف عليه مضارعًا، مشعر بأنهما حكايتان للحال الآتية، تصويرًا لتينك الحالتين الفظيعنتين في مشاهدة السامع، كما في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] والله أعلم. قوله: (الرصد)، جمع راصد، وهم الحراس. الجوهري: "الرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع".
[ ١٦ / ٢٥٠ ]
والمعنى: أن جهنم هي حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم. أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين. وعن الحسن وقتادة نحوه، قالا: طريقًا وممرًا لأهل الجنة. وقرأ ابن يعمر: (أن جهنم) بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأن جهنم كانت مرصادًا للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإقامة الجزاء. قرئ: (لابِثِينَ) و(لَبِثين)، واللبث أقوى، لأن اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال: لبث؛ إلا لمن شأنه اللبث، كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه، (أَحْقَابًا) حقبًا بعد حقب، كلما مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها، والاشتقاق يشهد لذلك
_________________
(١) قوله: (يرصدون فيه للعذاب)، الجوهري: "الراصد للشيء: الراقب له، والمرصد: موضع الرصد. الأصمعي: رصدته أرصده: ترقبته، وأرصدت له: أعددت له، والمرصاد: الطريق". قوله: (قُرئ: ﴿لَّابِثِينَ﴾ و"لبثين")، "لبثين": حمزة وحده، قال الزجاج: "لبث الرجل فهو لابث، ويقال: هو لبث بمكان كذا، أي: صار اللبث شأنه". قال صاحب "الكشف": فيه جواز أن يقال: حذرًا أمورًا، ألا تراه قال: ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾؟ ". قوله: (كلما مضى حُقب تبعه آخر)، قال صاحب "الكشف": ذكر ﴿أَحْقَابًا﴾ للكثرة لا لتحديد اللبث، ألا تراك تقول: لبثت فيها سنين وأعوامًا، وأنت لا تريد أنك لم تقم غيرها؟ ". الراغب: " ﴿أَحْقَابًا﴾ قيل: جمع الحُقُب، أي: الدهر، والحِقبة: ثمانون عامًا، وجمعها حِقَب، والصحيح أن الحِقبة: مدة من الزمان مُبهمة، والاحتقاب: شد الحقيبة من خلف
[ ١٦ / ٢٥١ ]
ألا ترى إلى حقيبة الراكب، والحقب الذي وراء التصدير، وقيل: الحقب ثمانون سنة، ويجوز أن يراد: لابثين فيها أحقابًا غير ذائقين فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقا، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب. وفيه وجه آخر: وهو أن يكون من: حقب عامنا؛ إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان: إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب، فينتصب حالًا عنهم، يعني لابثين فيها حقيبين جحدين
_________________
(١) الراكب، وقيل: احتقبه واستحقبه"، وقال غيره: ﴿لَّابِثِينَ﴾: حال مقدرة، أي: عاملين اللبث معتقدين له، و﴿لَّا يَذُوقُونَ﴾: حال أخرى مُترادفة أو مُتداخلة، أو استئناف. قوله: (والحقب الذي وراء التصدير)، الجوهري: "الحقب، بالتحريك: حبل يُشد به الرَّحل إلى بطن البعير كيلا يجتذبه التصدير، وهو الحبل الذي يكون على الصدر". قوله: (أحقابًا: غير ذائقين)، قيل: على هذا قوله: ﴿لَّا يَذُوقُونَ﴾ حال من الضمير في ﴿لَّابِثِينَ﴾، ولا يجوز أن يكون صفة ﴿أَحْقَابًا﴾؛ لأنه جار على غير من هو له، فكان يجب إبراز الضمير. وعن بعضهم: ﴿لَّابِثِينَ﴾: حال مقدرة، أي: عاملين اللبث مقدرين له، كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مُقدرين الخلود. قوله: (ثم يبدلون)، عطف من حيث المعنى على قوله: "لابثين" إلى آخره. والحاصل أنهم يُعذبون في تلك الأحقاب بالحميم والغساق، ثم يُعذبون بعد تلك الأحقاب بأنواع أُخر من العذاب. قال القاضي: "وإن كان من قبيل المفهوم يدل على التناهي، فلا يعارض المنطوق الدال على خُلود الكفار"، وفي هذا الاستثناء تهكم. قوله: (جحدين)، الجوهري: "الجحد، بفتح الجيم وضمها وسكون الحاء، وبفتح الجيم والحاء أيضًا: قلة الخبر، وجحد الرجل، بالكسر، جحدًا فهو جحد: إذا كان ضيقًا قليل الخير".
[ ١٦ / ٢٥٢ ]
وقوله: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا ولا شَرَابًا) تفسيرًا له، والاستثناء منقطع، يعني: لا يذوقون فيها بردًا وروحًا ينفس عنهم حر النار، ولا شرابًا يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميمًا وغساقًا وقيل: البرد: النوم، وأنشد:
فلو شئت حرمت النساء سواكم … وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا
وعن بعض للعرب: منع البرد البرد. وقرئ: (غساقًا) بالتخفيف والتشديد؛ وهو ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم. (وفَاقًا) وصف بالمصدر، أو ذا وفاق. وقرأ أبو حيوة: (وفاقًا)، فعال من وفقه كذا. (كِذَّابًا) تكذيبًا؛ و(فعال) في باب (فعل) كله فاش
_________________
(١) قوله: (سواكم) نزلها منزلة الجماعة تعظيمًا لها واحترامًا، "نقاخًا": النَّقاح: الماء العذب. قوله: (وقُرئ: "غساقًا")، بالتشديد: حمزة وحفص والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (﴿وِفَاقًا﴾: وصف بالمصدر)، أي: جزوا جزاءً وفاقًا في عمل. الراغب: "الوفق: المطابقة بين الشيئين، قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾، يقال: وافقت فلانًا ووافقت الأمر: صادفته، والاتفاق: مطابقة فعل الإنسان القدر، ويقال ذلك في الخير والشر، والتوفيق نحوه لكنه مختص في التعارف بالخير دون الشر، قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] ". قوله: (و"فعال" في باب "فعَّل" كله فاش"، قال الزجاج: "و﴿كِذَّابًا﴾ بالتشديد أكثر، وهي في مصادر فعلت أجود من: فعال، ومثل "كذابًا" بالتخفيف قول الأعشى: فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه" وقال ابن جني: "قال قُطُرب: قالوا: رجل كذاب: صاحب كذب".
[ ١٦ / ٢٥٣ ]
في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره؛ وسمعني بعضهم أفسر آية، فقال: لقد فسرتها فسارًا ما سمع بمثله. وقرئ: بالتخفيف، وهو مصدر كذب، بدليل قوله:
فصدقتها وكذبتها … والمرء ينفعه كذابه
وهو مثل قوله: (والله أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: ١٧] يعني: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابًا. أو تنصبه بكذبوا، لأنه يتضمن معنى كذبوا؛ لأن كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه: وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين؛ لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر، فيبلغ فيه أقصى جهده. وقرئ: (كذابًا)، وهو جمع كاذب،
_________________
(١) قوله: (أو تنصبه بـ "كذبوا")، أي: يكون مفعولًا مطلقًا من غير تقدير، لكن يُجعل المثقل بمعنى المخفف بطريق اللزوم. قال أبو البقاء: " (كذابًا) بالتخفيف: مصدر "كذب" بالتشديد: إذا تكرر منه الكذب، وهو في المعنى قريب من: كذب". قوله: (أو تنصبه بـ "كذبوا")، أي: يكون مفعولًا مطلقًا من غير تقدير، لكن يجعل المثقل بمعنى المخفف بطريق اللزوم. قال أبو البقاء: " (كذابًا) بالتخفيف: مصدر "كذب" بالتشديد: إذا تكرر منه الكذب، وهو في المعنى قريب من: كذب". قوله: (وإن جعلته بمعنى المكاذبة)، أي: إن جعلت كذابًا من باب المفاعلة نحو: ماريته مراءً وقاتلته قتالًا، ثم المفاعلة إما على حقيقته وهو المراد من قوله: "فكاذبوا مُكاذبة"، وتفسيره أنهم كانوا عند المسلمين كاذبين، وكان المسلمون عندهم كاذبين، فبينهم مُكاذبة، وإما على المجاز والمبالغة، وهو المراد من قوله: أو كذبوا بها مُكاذبين، وتفسيره أنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب، ففي الكلام لف ونشر. قوله: (فعل من يُغالب في أمر): مفعول مطلق لمعنى يتكلمون بما هو إفراط في الكذب. قوله: (وقُرئ: "كذابًا")، قال ابن جني: "قرأ عبد الله بن عمر ﵄: "كُذَّابًا"
[ ١٦ / ٢٥٤ ]
أي: كذبوا بآياتنا كاذبين؛ وقد يكون الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال: رجل كذاب، كقولك: حسان، وبخال؛ فيجعل صفة لمصدر كذبوا، أي: تكذيبًا كذابًا مفرطًا كذبه، وقرأ أبو السمال: وكل شيء أحصيناه، بالرفع على الابتداء. (كِتَابًا) مصدر في موضع إحصاء، وأحصينا في معنى كتبنا، لالتقاء الإحصاء، والكتبة في معنى الضبط والتحصيل. أو يكون حالًا في معني: مكتوبًا في اللوح وفي صحف الحفظة. والمعنى: إحصاء معاصيهم، كقوله: (أَحْصَاهُ الله ونَسُوهُ) [المجادلة: ٦] وهو اعتراض. وقوله: (فَذُوقُوا) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، وهي آية في غاية الشدة، وناهيك بـ «لن نزيدكم»، وبدلالته على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة. وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدًا على أن الغضب قد تبالغ، وعن النبي ﷺ: «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار».
_________________
(١) بضم الكاف وتشديد الذال؛ جمع كاذب، منصوب على الحال، أي: كذبوا بآياتنا في حال كذبهم، وقال طرفة: إذا جاء ما لا بد منه، فمرحبًا به حين يأتي لا كذاب ولا علل وقد يجوز أن يكون وصفًا للمصدر، أي: كذبوا بآياتنا كذابًا كُذابا، أي: كِذابًا مُتناهيًا في معناه، فكذابًا حينئذ واحد لا جمع كرجل حُسان ووضاء. ويجوز أن يكون جمع كذب؛ لأنه جعله نوعًا ووصفه بالكذب، أي: كذبًا كاذبًا، فصار كِذابًا كُذابًا، فافهم ذلك". قوله: (وبمجيئها على طريقة الالتفات شاهدًا على أن الغضب قد تبالغ)، وذلك أنه تعالى لما حكى مآب الطاغين واستمرار لبثهم في جهنم، وأن لا ذوق لهم فيها سوى الحميم والغساق، وعلل ذلك على سبيل الشِّكاية إلى الغير بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾،
[ ١٦ / ٢٥٥ ]
[(إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا • حَدَائِقَ وأَعْنَابًا • وكَوَاعِبَ أَتْرَابًا • وكَاسًا دِهَاقًا • لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ولا كِذَّابًا • جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) ٣١ - ٣٦].
(مَفَازًا) فوزًا وظفرًا بالبغية. أو موضع فوز. وقيل: نجاة مما فيه أولئك. أو موضع نجاة. وفسر المفاز بما بعده. «والحدائق»: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر. و«الأعناب»: الكروم. و«الكواعب»: اللاتي فلكت ثدييهن، وهن النواهد. و«الأتراب»: اللدات. «الدهاق»: المترعة. وأدهق الحوض: ملأه حتى قال: قطني
_________________
(١) أي: لا يخافون أن يُحاسبوا، كناية عن أنهم كانوا ينكرون البعث إنكارًا بليغًا، ثم عظم شأن تكذيبهم رسل الله ووحيه بصيغة التعظيم وأكده بقوله: كذابًا، التفت إليهم قائلًا: فذوقوا أيها الجاحدون المكذبون ذلكم الغساق والحميم، وليس لكم عندي سوى المزيد من أنواع العذاب، هذا كما تشكو إلى الناس جانبًا، ثم تقبل عليهم إذا حميت في الشكاية مواجهًا بالتوبيخ والذم وإلزام الحُجة. وأما فائدة الاعتراض بقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ فللإشعار بأن تكذيبهم البعث والرسل والكتب، إنما نشأ من اعتقادهم أنه تعالى لا يعلم جُزيئات أعمالهم وأعمال الرسل، فلا حساب ولا بعثة ولا كتاب. قوله: (فلكت ثُديهن)، الجوهري: "فلك ثدي الجارية تفليكًا، وتفلك: استدار". قوله: (والأتراب: اللدات)، الجوهري: "لدة الرجل: تربه، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله؛ لأنه من الولادة". قوله: (حتى قال: قطني)، أنشد الزجاج: امتلأ الحوض وقال قطني مهلًا رويدًا قد ملأت بطني قطك هذا الشيء، أي: حسبك، وقطني وقطي، وإنما دخلت النون ليسلم السكون الذي بُني الاسم عليه، وهذه النون إنما تدخل الفعل الماضي إذا دخلت ياء المتكلم، نحو: ضربني،
[ ١٦ / ٢٥٦ ]
وقرئ: (ولا كِذَّابًا) بالتشديد والتخفيف، أي: لا يكذب بعضهم بعضًا ولا يكذبه. أو لا يكاذبه. وعن علي ﵁ أنه قرأ بتخفيف الاثنين (جَزَاءً) مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله: (إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) كأنه قال: جازى المتقين بمفاز. و(عَطَاءً) نصب بـ (جَزَاءً) نصب المفعول به. أي: جزاهم عطاء. و(حِسَابًا) صفة بمعنى: كافيًا،
_________________
(١) لتسلم فتحة الياء ولوقاية الفعل من الجر، وقد أدخلوها في أسماء مخصوصة نحو: قدني وقطني وعني ولَدُني، ولا يقاس عليها في الصحاح. قوله: (وقُرئ: ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ بالتشديد والتخفيف)، الكسائي: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد، قيل: ذكر للتشديد معنى، وللتخفيف معنيان، أحدهما: أن يكون مصدر "فعل"، وثانيهما: مصدر "فاعل". قوله: (بتخفيف الآيتين)، أي: بتخفيف: "كذبوا" و"كذابا"، وفي نسخة "الاثنين"، أي: ﴿كِذَّابًا﴾ في الآيتين. قوله: (﴿جَزَاءً﴾: مصدر مؤكد)، إلى قوله: (﴿عَطَاءً﴾ نصب بـ (﴿جَزَاءً﴾ نصب المفعول به). قال الزجاج: " (﴿جَزَاءً﴾: منصوب بمعنى (﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾، أي: جازاهم بذلك جزاءً، وكذلك ﴿عَطَاءً﴾؛ لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد". وبينه أبو البقاء حيث قال: ﴿عَطَاءً﴾: اسم للمصدر، وهو بدل من ﴿جَزَاءً﴾. وأورد صاحب "الفرائد" على ثول المصنف: المصدر إنما يعمل إذا كان مُنزلًا منزلة "أن" مع الفعل، والمنصوب على المصدر لم يكن واقعًا موقعه، وكذا في "اللباب"، قال: "ويعمل عمل فعله ماضيًا كان أو غيره إذا لم يكن مفعولًا مطلقًا". وقال شارحه: "لأنه إذا كان مفعولًا نحو: ضربت ضربًا زيدًا، فإن العمل للفعل لا للمصدر لوجهين، أحدهما: أن الفعل هو الأصل، فلا يُعدل عنه إلى الفرع بلا موجب، والثاني: أن المصدر إنما يعمل لكونه مصدرًا
[ ١٦ / ٢٥٧ ]
من: أحسبه الشيء؛ إذا كفاه حتى قال: حسبي. وقيل: على حسب أعمالهم. وقرأ ابن قطيب (حسابا) بالتشديد، على أن الحساب بمعنى المحسب، كالدراك بمعنى المدرك.
[(رَبِّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا • يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والْمَلائِكَةُ صَفًا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقَالَ صَوَابًا • ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ مَآبًا) ٣٧ - ٣٩].
قرئ: (رب السموات) و(الرحمن) بالرفع، على: هو رب السموات الرحمن. أو (رب السموات) مبتدأ، و(الرحمن) صفة، و(لا يَمْلِكُونَ): خبر، أو هما خبران. وبالجر على البدل من (رَبِّكَ)، وبجر الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره (لا يَمْلِكُونَ)، أو هو الرحمن لا يملكون، والضمير في (لا يَمْلِكُونَ) لأهل السماوات والأرض، أي: ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد،
_________________
(١) بمعنى "أن" والفعل نحو: أعجبني ضرب زيد عمرًا، أي: أن ضرب زيد عمرًا، ولا يمكن إذا وقع مفعولًا مطلقًا ذلك، إذ لا يقال: ضربت أن ضرب زيد عمرًا، إذ لا يؤكد الفعل بأن بل بالمصدر صريحًا، وإنما يُقدر بالمصدر بـ "أن" والفعل؛ لأن الاسم حقه أن لا يعمل، وأصل العمل للفعل"، والعجب أن الشارح تبع صاحب "الكشاف" في التقريب مع قوله هذا. قوله: (حتى قال: حسبي)، في "الكواشي": أعطاني فأحسبني، أي: أكثر عليّ، أي: أكثر عليَّ حتى قلت: حسبي. قوله: (قُرئ: "رب السماوات" و"الرحمن" بالرفع)، الكوفيون وابن عامر: ﴿رَّبِّ﴾ بالخفض، وعاصم وابن عامر: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ بالخفض أيضًا، والباقون: برفع الاسمين. قوله: (ليس في أيديهم مما يُخاطب به الله) إلى قوله: (خطابٌ واحد)، يريد أن التنكير في ﴿خِطَابًا﴾ للتقليل، ومن: بيان، والظرف: حال من ﴿خِطَابًا﴾. المعنى: ليس في أيديهم خطابٌ كائنٌ من عند الله في أمر الشفاعة قط، أي: ليس لهم ممسك ونص يتصرفون به في أمر الشفاعة.
[ ١٦ / ٢٥٨ ]
يتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه. أو لا يملكون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب، إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه. (يَوْمَ يَقُومُ) متعلق بلا يملكون، أو بلا يتكلمون. والمعنى: إن الذين هم أفضل الخلائق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه، وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين يديه، فما ظنك بمن عداهم من أهل السماوات والأرض؟ والروح: أعظم خلقًا من الملائكة، وأشرف منهم، وأقرب من رب العالمين. وقيل: هو ملك عظيم ما خلق الله بعد العرش خلقًا أعظم منه. وقيل: ليسوا بالملائكة، وهم يأكلون. وقيل: جبريل. هما شريطتان: أن يكون المتكلم مأذونا له في الكلام. وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى، لقوله تعالى (ولا يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: ٢٨].
[(إنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ويَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) ٤٠].
_________________
(١) قوله: (أو لا يملكون أن يخاطبوه)، فالتنكير على هذا للنوع؛ ولأن قوله: "أن يُخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب" عبارة عن الشفاعة، ومن: ابتدائية صلة " لا يملكون"، أي: لا يقدرون أن يُخاطبوا الله في الشفاعة، إذ ليس لهم من جهته إذنٌ فيها. روى الواحدي عن مقاتل: "المعنى: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه". قوله: (فلا يشفع لغير مرتضى)، الانتصاف: هو تعريض أن الشفاعة لا تكون لأرباب الكبائر. والجواب أن المؤمنين مُرتضون، لقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] فجعل الشكر بمعنى الإيمان المقابل للكفر. وقلت: المرتضى هاهنا كالمصطفى في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِي﴾ [فاطر: ٣٢]. وقال الإمام: فإن قيل لما أذن له الرحمن في التكلم، علم أنه حق وصواب، فما الفائدة في قوله: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾؟ الجواب من وجهين، أحدهما: أن التقدير: لا ينطقون إلا بعد
[ ١٦ / ٢٥٩ ]
(المَرْءُ) هو الكافر لقوله تعالى: (إنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا)، والكافر: ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم، ويعني (مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) من الشر، كقوله: (وذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ • ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) [الأنفال: ٥٠ - ٥١]، (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ • ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) [الحج: ٩ - ١٠]، (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ والله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: ٩٥]، و(ما) يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدمت، أي ينظر أي شيء قدمت يداه، وموصولة منصوبة بـ «ينظر»، يقال: نظرته بمعنى نظرت إليه، والراجع من الصلة محذوف، وقيل: المرء عام، وخصص منه الكافر.
_________________
(١) ورود الإذن ثم يجتهدون في أن لا يتكلموا إلا بالحق والصواب، هذا مبالغة في وصفهم بالطاعة، وثانيهما: أن التقدير: لا يتكلمون إلا في شخص أذن له الرحمن في شفاعته، والمشفوع له ممن قال صوابًا، وهو قول من قال: لا إله إلا الله؛ لأن قوله: ﴿صَوَابًا﴾ يكفي في صدقه أن يتكلم بالصواب الواحد، فكيف بمن تكلم طول عمره بأشرف الكلمات؟ . قوله: (وخُصِّص منه الكافر)، يحتمل وجهين، أحدهما: أن المرء عام وخصص منه الكافر بقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ﴾، أو عام متناول للمؤمن والكافر، وخصص منه بالذكر الكافر، وعلى هذا الاحتمال ورد عن الواحدي ومحيي السنة قالا: "ومعنى ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أن كل واحد يرى عمله في ذلك اليوم، ما قدم من خير وشر مُثبتًا عليه في صحيفته، فيرجو ثواب الله لى صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله". وقلت: النظم يساعد العموم، وذلك أنه تعالى ذكر في فاتحة هذه السورة، أن الميقات المضروب هو يوم الفصل، ووصف اليوم بصفات متعددة، ومن أوصافه قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. ولما فرغ من بيان جزاء الفريقين، أراد أن يرجع إلى ذكر ذلك اليوم ويصفه بصفات أخرى، فجعل التخلص إلى ذكرها إبدال رب السموات
[ ١٦ / ٢٦٠ ]
وعن قتادة: هو المؤمن. (يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) في الدنيا؛ فلم أخلق ولم أكلف. أو ليتني كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث.
_________________
(١) من ربك، ووصف ذاته بالجبروت والكبرياء، وأن أحدًا لا يملك منه خطابًا، وجعله ذريعة إلى ذكر اليوم، وأن الملائكة والروح لا يشفعون فيه للمرتضى إلا بالإذن، ثم ذكر أنه يوم الحق، أي الكائن الواقع، أو يحكم الله فيه بين عباده بالحق، كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]، وهذا أولى لما سبق من ذكر المتقين والطاغين، وبيان مفاز أولئك ومآب هؤلاء، ولذلك رتب عليه قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]، أي: بينا السبيلين للفريقين، فمن سلك سبيل المتقين واتخذ إلى ربه مآبا، فاز وأفلح، ومن اختار سبيل الطاغين خاب وخسر، فقد أزحنا العلل لأنا أنذرناكم عذابًا قريبًا، وجعل تخلصًا إلى ذكر الاختتام بما افتتحت السورة به؛ لأن الظرف صفة لـ "عذابًا"، أي: أنذرناكم عذابًا كائنًا هذا شأنه، وهو "يوم ينظر المرء ما قدمت يداه"، مثله في الاختتام: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وقال الإمام: "الأظهر أن المرء عام؛ لن المكلف إن اتقى الله فليس له إلا الثواب، وإن كفر بالله فليس له إلا العذاب، فلا حال للمكلفين حينئذ سوى هذين؛ فطوبى له إن قدم عمل الأبرار، وويل له إن قدم عمل الفجار". فإن قلت: لم خص قول الكافرين دون المؤمنين؟ قلت: دل قول الكافرين على غاية الخيبة ونهاية التحسر، ودل حذف قول المؤمن على غاية التبجح ونهاية الفرح مما لا يحيط به الوصف. قوله: (وعن قتادة: هو المؤمن)، قال الامام: "دل عليه قول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾، فلما كان هذا بيانًا لحال الكافر وجب أن يكون بيانًا لحال المؤمن".
[ ١٦ / ٢٦١ ]
وقيل: يحشر الله الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يردّه ترابًا، فيود الكافر حاله وقيل: الكافر إبليس، يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [الأعراف: ١٢].
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، سقاه الله برد الشراب يوم القيامة».
_________________
(١) قوله: (حتى يقتص للجماء من القرناء)، روينا عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] قال: قال النبي؟: "لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". الجلحاء: التي لا قرن لها. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٢٦٢ ]