مكية، وهي خمس وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ١ - ٣]
الكلام في ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا﴾ نحوه في ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ١ - ٢] سواءً بسواء، لالتقائهما في أسلوب واحد،
_________________
(١) ـ سورة ق مكية، وهي خمس وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (لالتقائهما في الأسلوب واحد): وذلك أن عطف" القرآن" على ﴿ق﴾ نحو عطف ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ على ﴿ص﴾ [ص: ١] في أسلوب التجريد، نحو: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، و﴿المَجِيدِ﴾ هنا نحو ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾، لأن المراد بالذكر الشرف والشهرة، وقول الكافرين: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، وتعجبهم من مجيء منذر منهم ومن جنسهم: كان من عزتهم وشقاقهم، قال المصنف: "كأنه قال: أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز، ثم
[ ١٤ / ٥٢٢ ]
و﴿المجِيدِ﴾: ذو المجد والشرف على غيره من الكتب، ومن أحاط علمًا بمعانيه، وعمل بما فيه؛ مجد عند الله وعند الناس،
_________________
(١) ـ قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف بالحق، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ لله ورسوله". فكذلك المعنى: أقسمت بـ ﴿ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ إنه لمعجز، ثم قال: بل عجب الكفار من أن جاءهم بهذا الكتاب المعجز واحد منهم، فتعززوا لذلك عن الإذعان للحق وشاقوا لله ورسوله. الراغب: "بل: هاهنا لتصحيح الأول وإبطال الثاني، أي: ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد للقرآن، ولكن لجهلهم، ونبه بقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ على جهلهم، لأن التعجب مش الشيء يقتضي الجهل بسببه". قوله: (و﴿المَجِيدِ﴾: ذو المجد والشرف): النهاية: "في أسماء الله تعالى: المجيد والماجد، والمجد في كلامهم: الشرف الواسع، ورجل ماجد: مفضال كثير الخير شريف، والمجيد: فعيل منه للمبالغة، وقيل: هو الكريم الفعال، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجدًا". الراغب: "المجد: السعة في الكرم والجلالة، يقال: مجد يمجد مجدًا ومجادة وأصل المجد من قولهم: مجدت الإبل: إذا حصلت في مرعى كثير واسع، ووصف القرآن بالمجيد لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية، والتمجيد من العبد لله تعالى: بالقول وذكر الصفات الحسنة، ومن الله للعبد: بإعطائه الفضل". وقلت: من اهتدى بهديه، واعتصم به، وعمل بما فيه، وتدبر معانيه: مجد عند الله، روينا عن مسلم وأحمد بن حنبل والدارمي عن عامر بن واثلة: أن عمر ﵁ سأل نافع
[ ١٤ / ٥٢٣ ]
أو هو بسبب من الله المجيد، فجاز اتصافه بصفته.
قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالته وأمانته، ومن كان على صفته لم يكن إلا ناصحًا لقومه مترفرفًا عليهم، خائفًا أن ينالهم سوء،
_________________
(١) ـ ابن الحارث، وكان استعمله على أهل مكة: من استعملت على أهل البوادي؟ قال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: أستخلفت عليهم مولى؟ ! قال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، قال عمر ﵁: أما أن نبيكم ﷺ قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين". وعن الدرامي وابن ماجه عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله أهلين من خلقه، يا رسول الله، من هم؟ قال: أهل القرآن": زاد ابن ماجه: "أهل الله وخاصته". فعلى هذا: وصف القرآن بالمجيد باعتبار عامله على الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم، أو سمي مجيدًا لأن المتكلم به مجيد، فوصف بصفة من هو بسببه على الإسناد المجازي، نخو قوله: ﴿يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ٢]. قوله: (أو هو بسبب من الله): قيل: الباء في "بسبب" للملابسة، وكل ما يربط به شيء بشيء أو يجعل متعلقًا به منتسبًا إليه: سمي سببًا، ومن في "من الله" اتصالية. قوله: (﴿بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم﴾): الضمير في ﴿عَجِبُوا﴾ للكافرين، وإن لم يجر لهم ذكر، فإن قوله: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ﴾ جار مجرى التفسير. قوله: (مترفرفًا عليهم): الأساس: "ذهب من كان يحفه ويرفه، أي: يضمه ويحبه ويشفق عليه، من: يرف ولده أو حبيبه، وبات يرف شفتيها: يرشفهما".
[ ١٤ / ٥٢٤ ]
ويحل بهم مكروه، وإذا علم أنّ مخوفًا أظلهم، لزمه أن ينذرهم ويحذرهم، فكيف بما هو غاية المخاوف ونهاية المحاذير، وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به من البعث، مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السماوات والأرض وما بينهما، وعلى اختراع كل شيء وإبداعه، وإقرارهم بالنشأة الأولى، ومع شهادة العقل بأنه لا بدّ من الجزاء.
ثم عوّل على أحد الإنكارين بقوله: ﴿فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذا مِتْنا﴾، دلالة على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار،
_________________
(١) ـ قوله: (وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم): عطف على قوله: "إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب": أراد أن قوله: ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ دل على معنيين: على معنى المنذر به، وهو البعث والرجع، كما سيجيء في كلامه أن عامل الظرف"ما دل عليه المنذر من المنذر به"، وهو البعث، وعلى من قام به الإنذار، وهو الرسول. ولما كان أحد المنكرين_ وهو إنكار البعث_ أعظمهما، عول الكلام عليه، وقال: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فوضع ﴿الكَافِرُونَ﴾ موضع الضمير؛ إشعارًا بعنادهم، أي: هذا الذي تنذر به من البعث والرجع شيء عجيب، وهو المراد من قوله: "و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الرجع"، أي: الرجع المفهوم من قوله: ﴿مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، كما تقرر. ويؤيده أيضًا قوله بعد هذا: "استبعادًا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث". ثم قرروا ذلك مزيدًا للكشف والبيان بقولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾، لأن معناه: أحين نموت ونبلى نرجع. فحينئذ يحسن الوقف عند قوله: ﴿وكُنَّا تُرَابًا﴾ فيكون قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ هو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى؛ ردًا لقوهم ذلك. قال القاضي: "حكى تعجبهم مبهمًا، ثم فسره بما بعده"، ولأنه أدخل في الإنكار؛ إذ الأول استبعاد، والثاني استقصار لقدرة الله تعالى.
[ ١٤ / ٥٢٥ ]
ووضع ﴿الْكَافِرُونَ﴾ موضع الضمير؛ للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم.
و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى "الرجع"، و"إذا" منصوب بمضمر، معناه: أحين نموت ونبلى نرجع؟ ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ مستبعد مستنكر، كقولك: هذا قول بعيد، وقد أبعد فلان في قوله، ومعناه: بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون "الرجع" بمعنى: المرجوع، وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى؛ استبعادًا لإنكارهم ما أنذروا به من البعث، والوقف قبله على هذا التفسير حسن.
_________________
(١) ـ قوله: (أن يكون"الرجع" بمعنى: المرجوع): أي: قال الله تعالى جوابًا لقولهم وردًا لزعمهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، بمعنى: ما يرجع إليه حاصل كلامهم وماله؛ بعيد. وعن بعضهم: قوله: "وهو الجواب"، أي: الجواب الذي جاء به الكفار جواب بعيد، والجواب هو قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ فإنهم إنما قالوا ذلك جوابًا لقول المسلمين: إنا نبعث ونرجع بعد الموت. وفيه نظر؛ لأنه قال: "وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى"، ولا ارتياب أن قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ ليس من كلام الله تعالى، بل هو داخل في حيز قولهم: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا﴾، وهو أحد الإنكارين، كما علم من كلامه. ثم إن. قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: أن كان تتمة لكلامهم لم يجز الوقف على ﴿تُرَابًا﴾، وإن كان من كلام الله جوابًا عن قولهم جاز الوقف لاختلاف القائلين. وفي"المرشد": "الوقف الكافي: ﴿وكُنَّا تُرَابًا﴾، والتمام: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ". وقال الزجاج: "جواب القسم محذوف، يدل عليه: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾، المعنى: ق والقرآن المجيد إنكم مبعوثون، فعجبوا، فقالوا: أإذا متنا، أي: أنبعث إذا متنا؟ ويجوز أن يكون الجواب:
[ ١٤ / ٥٢٦ ]
وقرئ: "إذا متنا"، على لفظ الخبر، ومعناه: إذا متنا بعد أن نرجع، والدال عليه ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.
فإن قلت: فما ناصب الظرف إذا كان "الرجع" بمعنى: المرجوع؟ قلت: ما دل عليه المنذر من المنذر به، وهو البعث.
[﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ ٤]
﴿قَدْ عَلِمْنا﴾ ردّ لاستبعادهم الرجع، لأن من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى، وتأكله من لحومهم وعظامهم، كان قادرًا على رجعهم أحياء كما كانوا. عن النبي ﷺ: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب».
_________________
(١) ـ ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾، أي: لقد علمنا، وحذف اللام لأن ما قبلها عوض منها، كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ١، ٩] ". قوله: (فما ناصب الظرف إذا كان "الرجع" بمعنى: المرجوع؟): يعني: إذا كان "الرجع" بمعنى المصدر، يصح أن يكون دالًا على عامل الظرف، لأن كليهما من كلام القوم، أي: أنبعث إذا متنا؟ كما قدر الزجاج، وإذا كان بمعنى: المرجوع، والمراد به جوابهم، وهو من كلام الله، كيف يصح أن يكون دالا على العامل؟ ! قوله: (عجب الذنب): روينا عن البخاري ومسلم وأبي دواد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظيم واحد، وهو عجب الذنب، منه يركب الخلق يوم القيامة". النهاية: "العجب _بالسكون_: العظم الذي في أسفل الصلب، وهو العسيب من الدواب".
[ ١٤ / ٥٢٧ ]
وعن السدي: ﴿ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ ما يموت فيدفن في الأرض منهم، ﴿كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ محفوظ من الشياطين ومن التغير، وهو اللوح المحفوظ، أو حافظ لما أودعه وكتب فيه.
[﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ٥]
﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ إضراب أتبع الإضراب الأوّل، للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات في أوّل وهلة من غير تفكر ولا تدبر،
_________________
(١) ـ قوله: (بما هو أفظع من تعجبهم): أشار إلى أن في الكلام ترقيًا من الأدنى إلى الأغلظ، وذلك أنه تعالى لما تضمن قوله: ﴿مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ معنى المنذر به والرسول، وعول على أحدهما، وقدمه على الآخر، ورده أبلغ رد، جاء بالآخر، وأضرب عما أثبت من تعجبهم بما هو أفظع من ذلك الإضراب؛ لكونه أنكر من الأول. ويمكن أن يقال: أن المراد بـ"لحق" كما قال بعده: "الإخبار بالبعث"، فيكون المضرب عنه قوله: ﴿فَقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، أي: دع قولهم ذلك، فإن هاهنا ما هو أفظع منه، وهو تكذيبهم الحق الذي ما خلق السماوات والأرض إلا له، وهو جزاء المكلفين على أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤]. ويعضده تعقيبه بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾. ويجوز أن يكون المراد ب"الحق": القرآن، ويكون المضرب عنه ﴿ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ﴾. قوله: (في أول وهلة): النهاية: "في أول شيء، والوهلة: المرة من الفزع، أي: لقيته أول فزعتها بلقاء إنسان"، هذه الوهلة مستفادة من كلمة ﴿لَمَّا﴾.
[ ١٤ / ٥٢٨ ]
﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مضطرب -يقال: مرج الخاتم في أصبعه وجرج-، فيقولون تارة: شاعر، وتارة: ساحر، وتارة: كاهن، لا يثبتون على شيء واحد: وقرئ: "لما جاءهم" بكسر اللام، و"ما" المصدرية، واللام هي التي في قولهم: لخمس خلون، أي: عند مجيئه إياهم، وقيل: "الْحَقِّ": القرآن، وقيل: الإخبار بالبعث.
[﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ﴾ ٦]
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ حين كفروا بالبعث إلى آثار قدرة الله في خلق العالم، ﴿بَنَيْناها﴾ رفعناها بغير عمد، ﴿مِنْ فُرُوجٍ﴾ من فتوق، يعني: أنها ملساء سليمة من العيوب، لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل، كقوله: ﴿هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣].
[﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ٧ - ٨]
﴿مَدَدْناها﴾ دحوناها، ﴿رَواسِيَ﴾ جبالًا ثوابت لولا هي لتكفأت، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل صنف ﴿بَهِيجٍ﴾ يبتهج به لحسنه.
﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرى﴾ لتبصر به ونذكر كل ﴿عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ راجع إلى ربه، مفكر في بدائع خلقه. وقرئ: "تبصرة وذكرى" بالرفع، أي: خلقها تبصرة.
_________________
(١) ـ قوله: (لتكفأت): النهاية: "كفأت الإناء وأكفأته: إذا كببته، وإذا أملته". قوله: (أي: خلقها تبصرة): يعني: هي خبر مبتدأ محذوف، وقال أبو البقاء: "النصب مفعول له أو حال من المفعول له، أي: تبصيرًا، أو مصدر، أي: بصرناهم تبصرة". وقال القاضي: " ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرَى﴾ علتان للأفعال المذكورة معنى، وإن انتصبا عن الفعل الأخير".
[ ١٤ / ٥٢٩ ]
[﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ٩ - ١١]
﴿ماءً مُبارَكًا﴾ كثير المنافع، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد، وهو ما يقتات به من نحو الحنطة والشعير وغيرهما.
﴿باسِقاتٍ﴾ طوالًا في السماء: وفي قراءة رسول الله ﷺ: "باصقات" بإبدال السين صادًا لأجل القاف، ﴿نَضِيدٌ﴾ منضود بعضه فوق بعض، إما أن يراد: كثرة الطلع وتراكمه، أو كثرة ما فيه من الثمر.
﴿رِزْقًا﴾ على: أنبتناها رزقًا، لأنّ الإنبات في معنى الرزق، أو على أنه مفعول له، أي: أنبتناها لنرزقهم، ﴿كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ كما حييت هذه البلدة الميتة، كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، والكاف في محل الرفع على الابتداء.
[﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ١٢ - ١٤]
أراد بفرعون: قومه، كقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ﴾ [ينس: ٨٣]، لأنّ المعطوف عليه "قوم نوح"، والمعطوفات جماعات.
﴿كُلٌّ﴾ يجوز أن يراد به: كل واحد منهم، وأن يراد: جميعهم، إلا أنه وحد الضمير الراجع إليه على اللفظ دون المعنى، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ فوجب وحل وعيدي، وهو كلمة العذاب، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ، وتهديد لهم.
[﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١٥]
_________________
(١) ـ قوله: (والكاف في محل الرفع على الابتداء): روي عن المصنف ﵀: ﴿كَذَلِكَ﴾ الخبر، وهو الظاهر، ولكونه مبتدأ وجه، وهو أن يقال: "ذلك الخروج" مبتدأ وخبر على تأويل: أبو يوسف أبو حنيفة، والكاف كـ"مثل" في: مثل زيد أخوك.
[ ١٤ / ٥٣٠ ]
عيي بالأمر: إذا لم يهتد لوجه عمله، والهمزة للإنكار. والمعنى: أنا لم نعجز -كما علموا- عن الخلق الأول، حتى نعجز عن الثاني، ثم قال: هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأوّل، واعترافهم بذلك في طيه الاعتراف بالقدرة على الإعادة، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ أي: في خلط وشبهة، قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم، ومنه قول علي ﵁: يا حار، إنه لملبوس عليك، اعرف الحق تعرف أهله.
ولبس الشيطان عليهم: تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك القياس الصحيح: أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر.
فإن قلت: لم نكر "الخلق الجديد"، وهلا عرّف كما عرّف "الخلق الأول"؟ قلت: قصد في تنكيره إلى: خلق جديد له شأن عظيم وحال شديد، حق من سمع به أن يهتم به ويخاف، ويبحث عنه، ولا يقعد على لبس في مثله.
_________________
(١) ـ قوله: (قصد في تنكيره إلى: خلق جديد له شأن عظيم): الانتصاف: "كلام الزمخشري في هذا المقام لا ينتظم، ولعله ضل في النسخ، ومراده ثلاثة أسئلة: لم عرف "الخلق الأول"، ونكر "اللبس" و"الخلق الجديد"؟ واعلم أنه يؤتى مرة بالتنكير للتفخيم؛ لما فيه من الإبهام، كأنه أفخم من أن يحاط به معرفة، ومرة يقصد به تقليل المنكر، فتنكير "اللبس" للتعظيم، كأنه قال: في لبس أي لبس، وتنكير" الخلق الجديد" للتقليل والتهوين لأمره بالنسبة إلى "الخلق الأول"، أو يكون للتفخيم، كأنه قيل: هو أعظم من أيكون ملتبسًا عليه، فلعل إشارة الزمخشري إلى هذا". وقلت: قد سلك المصنف مسلكًا وعرًا، لأنه ذهب إلى أن قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ دل على أنه لزم من إنكارهم الإعادة إنكار الأمر المقرر، وهو العلم بالخلق الأول، ثم دل الإضراب عنه أن ليس ذلك الإنكار مما يلزم منه إنكار الخلق الأول، لأنه لبس من الشيطان،
[ ١٤ / ٥٣١ ]
[﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ١٦]
الوسوسة: الصوت الخفي، ومنها: وسواس الحلي، ووسوسة النفس: ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس، والباء مثلها في قولك: صوت بكذا وهمس به، ويجوز أن تكون للتعدية، والضمير للإنسان،
_________________
(١) ـ وخلط وحيرة منهم، وكان من حق الظاهر أن يقال: إنهم لا ينكرون الخلق الأول، بل هم في لبس من الخلق الثاني، فوضع موضعه ما يقوي شبهتهم واستبعادهم من قوله: "جديد"، ونكره تنكير تعظيم لينبه على أنه خلق جديد له شأن عظيم، ولذلك قولوا: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧]، ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]، ولمثل هذا ينبغي أن يهتم ويخاف منه ويبحث. والحاصل: أن الخلق الجديد بالنسبة إليهم أمر عظيم، وبالنسبة إلى الله أسهل وأهون، وكان الواجب عليهم إزالة تلك الشبهة بالقياس الصحيح، فهم ما بحثوا عن ذلك، وداموا على ما كانوا عليه، فوقعوا في تلك الورطة. وأما قضية النظم: فإن الفاء في ﴿أَفَعَيِينَا﴾ عطف الجملة على جملة قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ﴾، والهمزة دخلت بين المعطوفين لمزيد الإنكار، والدليل الأول: آفاقي، والثاني: أنفسي، كأنه قيل: أفلم ينظروا أنا لم نعجز عن خلق السماوات والأرض، فيعلموا أن خلق أمثالهم أسهل على اعتقادهم، كما تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، ثم قيل: ألم يعلموا أنا لم نعجز عن الخلق الأول، وهو الإخراج عن العدم المحض، ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قوله: (والباء مثلها في قولك: صوت بكذا): أي: الباء صلة، كما تقول: ينطق به، وفي الكواشي: ونعلم ما تحدثه نفسه، والباء زائدة.
[ ١٤ / ٥٣٢ ]
أي: ما تجعله موسوسًا، و﴿مَا﴾ مصدرية، لأنهم يقولون: حدّث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه، قال:
وأكذب النّفس إذا حدّثتها
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ مجاز، والمراد: قرب علمه منه،
_________________
(١) ـ قوله: (أي: ما تجعله_ يعني: ما تجعل نفسه_ موسوسًا): أي: ويعلم الله جعل النفس الإنسان موسوسًا. "ما": على الأول: موصولة، والضمير في ﴿بِهِ﴾ راجع إلى "ما"، أي الشيء الذي توسوس به نفسه، وعلى الثاني: مصدر، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للإنسان. وفي نسخة: "موسوسًا" بفتح الواو، أي: موسوسًا به، فحذف "به". قوله: (لأنهم يقولون: حدث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه): وهو نعليل لتصحيح القول بأن الضمير للإنسان، فجعل الإنسان مع نفسه_ أي: ذاته_ شخصين تجري بينهما مكالمة ومحادثة، تارة هو يحدثها، وأخرى هي تحدثه. قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]: "وأن يراد حقيقة المخادعة، أي: وهم في ذلم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثم بالأماني"، وقال في آخر: "المراد بالأنفس: ذواتهم". قوله: (واكذب النفس إذا حدثتها): تمامه: إن صدق النفس يزري بالأمل قال الميداني: "المعنى: لا تحدث نفسك بأنك لا تظفر، فإن ذلك يثبطك".
[ ١٤ / ٥٣٣ ]
_________________
(١) وقال غيره: مثله قول الآخر: وإذا صدقت النفس لم تترك لها أملًا وتأمل ما اشتهى المكذوب وبعده: غير أن لا تكذبنها في التقى واخزها بالبر لله الأجل وقال الأصمعي: هو مأخوذ من قول لبيد: وإذا هممت بأمر شر فاتئد وإذا هممت بأمر خير فافعل قال الميداني: "سئل بشار: أي بيت قالته العرب أشعر؟ قال: أن تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد، لكن أحسن الشاعر في قوله: واكذب النفس إذا حدثتها". وقال الآخر: وللنفوس وإن كانت على وجل من المنية آمال تقويها والمرء. يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها وقيل: الأمل رحمة من الله، ولولا ذلك لم غرس غارس شجرًا، ولا أرضعت مرضعة ولدًا.
[ ١٤ / ٥٣٤ ]
وأنه يتعلق بمعلومه منه ومن أحواله تعلقًا لا يخفى عليه شيء من خفياته، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: الله في كل مكان، وقد جل عن الأمكنة، و﴿حَبْلِ الوَرِيدِ﴾: مثل في فرط القرب، كقولهم: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، وقال ذو الرمة:
والموت أدنى لي من الوريد
_________________
(١) ـ قوله: (وأنه يتعلق بمعلومه منه): الضمير في "أنه" لعلمه تعالى، وفي "معلومه" لله تعالى، وفي "منه" للإنسان. قوله: (فكأن ذاته قريبة منه): قال القاضي: "أي: ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه ﴿مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ تجوز بقرب الذات لقرب العلم، لأنه موجبه". قوله: (هو مني مقعد القابلة): وذلك إذا لصق به من بين يديه، الشيء أن كان بعيدًا قالوا: هو مني مناط الثريًا، وإن كان قريبًا قالوا: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، وإن كان وسطًا قالوا: هو منك فوق اليد، وبسطة الرمح، وغلوة الرامي، وعدوة الفرس. قوله: (والموت أدنى لي من الوريد): قيل: أوله: هل أغدون في عيشة رغيد وعن بعضهم: في "ديوانه": ما دون وقت الأجل المعدود نقص ولا في الظمء من مزيد موعود رب صادق الموعود والله أدنى لي من الوريد والموت يلقى أنفس الشهود
[ ١٤ / ٥٣٥ ]
والحبل: العرق، شبه بواحد الحبال، ألا ترى إلى قوله:
كأن وريديه رشاءا خلب
والوريدان: عرقان مكتنفان لصفحتى العنق في مقدمهما متصلان بالوتين، يردان من الرأس إليه، وقيل: سمي "وريدًا" لأنّ الروح ترده.
فإن قلت: ما وجه إضافة "الحبل" إلى "الوريد"، والشيء لا يضاف إلى نفسه؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون الاضافة للبيان، كقولهم: بعير سانية. والثاني: أن يراد حبل العاتق، فيضاف إلى الوريد، كما يضاف إلى العاتق؛ لاجتماعهما في عضو واحد،
_________________
(١) ـ الشهود: الحضور، والظمء_ بالظاء والهمز_: مدة الأجل، والأصل: ما بين الشريين. قوله: (كأن وريديه رشاءا خلب): الرشاء_ بالمد_: حبل البئر، والخلب_ بالتسكين_: الليف، جعل"كأن" بعد التخفيف عاملة، كما كان قبله، ونصب "وريديه". الراغب: "الوريد: عرق يتصل بالكيد والقلب، وفيه مجاري الروح، قال تعالى: ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ أي: روحه". قوله: (بعير سانية): وهي الناقة التي يستقى عليها، وهي الناضحة أيضًا، وقيل في المثل: "سير السواني سفر لا ينقطع"، وفي بعض النسخ: "بعير سائبة"، وهي الناقة التي تسيب في الجاهلية. قوله: (لاجتماعهما في عضو واحد): أي: اجتماع الحبل والوريد في صفحة العنق، وذلك أن هذا الحبل هو الذي امتد من العاتق إلى صفحة العنق، فيضاف إلى الوريد لاتصاله به، كما يضاف إلى العاتق.
[ ١٤ / ٥٣٦ ]
كما لو قيل: حبل العلياء مثلًا.
[﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ١٧ - ١٨]
﴿إِذْ﴾ منصوب بـ ﴿أَقْرَبُ﴾، وساغ ذلك لأنّ المعاني تعمل في الظرف متقدّمة ومتأخرة، والمعنى: أنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شيء أخفى منه، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به؛ إيذانًا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك، وهي ما في كتبة الملكين وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطة الله بعمله: من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات.
وعن النبي ﷺ: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك، لا تستحي من الله، ولا منهما».
_________________
(١) ـ قوله: (حبل العلباء): النهاية: "العلباء: عصب في العنق يأخذ إلى الكاهل، وهما علبا وان يمينًا وشمالًا، وما بينهما منبت عرف الفرس" قوله: (لأن المعاني تعمل في الظرف): قيل: إن "أفعل" لا يعمل في الظاهر، لكن فيه معنى الفعل، وذلك القدر يكفي في أن يعمل في الظرف، فإن معنى قولهم: "إنه لا يعمل": لا يعمل في الفاعل والمفعول الظاهرين، والمراد من قولهم: "المعاني": ما فيه معنى الفعل، كاسم الإشارة والجار والمجرور، فألحق اسم التفضيل بهما لضعفه في العمل. قوله: (إيذانًا): مفعول له، ومعلله محذوف، أي: قال تعالى ذلك للإيذان. قوله: (ثنيتيك): وهما السنان المتقدمان.
[ ١٤ / ٥٣٧ ]
ويجوز أن يكون تلقي الملكين بيانًا للقرب، يعني: ونحن قريبون منه مطلعون على أحواله مهيمنون عليه، إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به، والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة. والقعيد: المقاعد، كالجليس بمعنى: المجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه، كقوله:
كنت منه ووالدي بريئًا
﴿رَقِيبٌ﴾ ملك يرقب عمله، ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر، واختلف فيما يكتب الملكان: فقيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقيل: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر به، ويدل عليه قوله ﵇: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يكون تلقي الملكين بيانًا للقرب): أي: تعليلًا له، كما قال صاحب "التقريب"، فـ"إذ" للتعليل، وقوله: "ويجوز" عطف على قوله: "وهو أقرب من الإنسان من كل قريب، حين يتلقى الحفيظان". قوله: (كنت منه ووالدي بريئًا): أوله: رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن أجل الطوي رماني أي: رماني بأمر كنت منه وكان والدي منه بريئًا. قوله: (أو يؤزر به): روي عن المصنف: أجره: إذا ضربه بالأجر، ووزره: إذا ضربه بالوزر، كما يقال: ركبه: إذا ضربه بالركبة، ورأسه: إذا ضربه بالرأس.
[ ١٤ / ٥٣٨ ]
لعله يسبح أو يستغفر»، وقيل: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.
وقرئ: "ما يلفظ" على البناء للمفعول.
[﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ١٩ - ٢٢]
لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أن
_________________
(١) ـ قوله: (لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم): بيان لنظم الآية، وأن قوله: ﴿وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ متصل بمفتتح السورة، و"الإنكار": هو قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، و"الوصف بالعلم": في موضعين: أحدهما: قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، أي: لا تخفى علينا أجزاؤهم المتفرقة المتلاشية في تخوم الأرضين، ردًا لقولهم: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وأما قوله: ﴿وعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ فتأكيد له، أي: عندنا تفاصيل تلك الأجزاء جزءًا فجزءًا، شيئًا فشيئًا، نعلمه كما يعلم من يكون عنده كتاب ينظر إليه ويحفظه بتفاصيله، حرفًا حرفًا، بابًا بابًا؛ تقريبًا لكم. وثانيها قوله: ﴿ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ إلى آخر الآيات، وإثباته على طريق يعلم منه تفاصيل أفعال المكلف وأواله، كما أن إثبات الأول لتفاصيل أجزائه وأعضائه، وإنما أخر هذا النوع من العلم ليتخلص منه إلى أحوال انتقاله من هذه الدار إلى الأخرى. وأما "إثبات القدرة": فكما سبق على نوعين: آفاقي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾، أو أنفسي، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾، وقد سبق مرارًا أن إثبات الحشر والنشر إنما يتم ويتمشى إذا ثبت أنه تعالى عالم بكل المعلومات، وقادر على كل المقدورات، ويخبر عنه الصادق. ما أحسن هذا النظم.
[ ١٤ / ٥٣٩ ]
ما أنكروه وجحدوه هم لا قوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي، وهو قوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.
و﴿سَكْرَةُ المَوْتِ﴾: شدّته الذاهبة بالعقل، والباء في ﴿بِالحَقِّ﴾ للتعدية، يعني: وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي أنطق الله به كتبه، وبعث به رسله، أو: حقيقة الأمر وجلية الحال؛ من سعادة الميت وشقاوته. وقيل: الحق: الذي خلق له الإنسان؛ من أن كل نفس ذائقة الموت.
ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، أي: وجاءت ملتبسة بالحق، أي: بحقيقة الأمر، أو بالحكمة والغرض الصحيح، كقوله: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣].
وقرأ أبو بكر وابن مسعود ﵄: "سكرة الحق بالموت"؛ على إضافة "السكرة" إلى "الحق"، والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على الإنسان وأوجبت له، وأنها حكمة، والباء للتعدية؛ لأنها سبب
_________________
(١) ـ قوله: (ونبه على اقتراب ذلك [بأن عبر عنه] بلفظ الماضي): يعني: إذا كان الشيء المتوقع قريب الوقوع، أو أسباب وقوعه متأخرة: يعدل في الإخبار عنه من المستقبل إلى الماضي؛ دلالة على حصوله، نحو قولك: "اشتريت كذا" حال انعقاد الأسباب، وحصول التراضي، ومنه قوله: مت. قوله: (والدلالة): عطف على "إضافة" عطف تفسير وإعلام بأن الإضافة من إضافة البيان. قوله: (والباء للتعدية): أي: الباء في "بالموت" في قراءة "سكرة الحق بالموت" متصل بـ"جاءت"، وهي إما سببية، لأن مجيء هذه السكرة التي أوجبها الله تعالى للإنسان حكمة
[ ١٤ / ٥٤٠ ]
زهوق الروح لشدتها، أو لأنّ الموت يعقبها، فكأنها جاءت به. ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت.
وقيل: سكرة الحق: سكرة الله، أضيفت إليه تفظيعًا لشأنها وتهويلًا. وقرئ: "سكرات الموت".
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى "الموت"، والخطاب للإنسان في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ﴾ على طريق الالتفات، أو إلى "الحق" والخطاب للفاجر، ﴿تَحِيدُ﴾ تنفر وتهرب، وعن بعضهم: أنه سأل زيد بن أسلم عن ذلك، فقال: الخطاب لرسول الله ﷺ؛ فحكاه لصالح بن كيسان، فقال: والله ما سنّ عالية، ولا لسان فصيح،
_________________
(١) ـ لابد أن تكون سببًا لزهوق الروح، أو لا تكون سببه، لكن هذه السكرة لما ترتب عليها الموت كانت كأنها جاءت بالموت. قوله: (أو إلى "الحق"، والخطاب للفاجر): يعني: ﴿وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ إن اتصل بقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، وهم الذين قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾: فالمناسب أن يكون المشار إليه بقوله ﴿ذَلِكَ﴾: "الحق"، يدل عليه قوله: "لما ذكر إنكارهم البعث، واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لا قوه عن قريب" أي" جاءك_ أيها الفاجر_ الحق الذي أنكرته. وإن اتصل بقوله: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ﴾، ويكون الخطاب للجنس، وفيهم البر والفاجر، كما قال الحسين بن عبد الله العباسي، فالمناسب أن يكون المشار إليه: "الموت". والالتفات لا يفارق الوجهين، ولا ثاني هو الوجه؛ لمجيء قوله بعد ذلك: ﴿وجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وشَهِيدٌ﴾، وتفصيله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. قوله: (ما سن عالية): نفي للصفة على المبالغة دون الموصوف، يدل عليه قوله: "ولا لسان فصيح"، نحو قولك: ما عندي كتاب يباع، تريد نفي البيع وحده.
[ ١٤ / ٥٤١ ]
ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال: أخالفهما جميعًا، هو للبر والفاجر.
﴿ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ على تقدير حذف المضاف، أي: وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر "نفخ".
﴿سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله، أو ملك واحد جامع بين الأمرين، كأنه قيل: معها ملك يسوقها ويشهد عليها، ومحل ﴿مَعَها سائِقٌ﴾: النصب على الحال من ﴿كُلُّ﴾؛ لتعرّفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة.
قرئ: "لقد كنت … عنك غطاءك فبصرك" بالكسر؛ على خطاب النفس، أي: يقال لها لقد كنت.
جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله، أو غشاوة غطى بها عينيه، فهو لا يبصر شيئًا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ، وزالت الغفلة عنه وغطاؤها، فيبصر ما لم يبصره من الحق، ورجع بصره -الكليل عن الإبصار لغفلته- حديدًا لتيقظه.
[﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ٢٣]
﴿وَقالَ قَرِينُهُ﴾ هو الشيطان الذي قيض له في قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]،
_________________
(١) ـ قوله: (لتعرفه بالإضافة): قيل: أصل "كل" أن تضاف إلى الجمع، كـ"أفعل" التفضيل، وإنما كانت في حكم المعرفة لأنها بإضافتها إلى "النفس" صارت شاملة لجميع النفوس، فكأنه قيل: كل النفوس، فتعين مدلولها، فصارت معرفة.
[ ١٤ / ٥٤٢ ]
يشهد له قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧]، ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ هذا شيء لديّ وفي ملكتي عتيد لجهنم، والمعنى: أن ملكًا يسوقه، وآخر يشهد عليه، وشيطانًا مقرونًا به، يقول: قد أعتدته لجهنم وهيأته لها بإغوائى وإضلالي.
فإن قلت: كيف إعراب هذا الكلام؟ قلت: إن جعلت ﴿مَا﴾ موصوفة،
_________________
(١) ـ قوله: (يشهد له قوله: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾): يعني: الذي يدل على أن "القرين" هو الشيطان: هذه الآية، وفيه نظر؛ لأن القرين الأول حين قال: هذا ما أعتدته لجهنم، وهيأته لها، بإغوائي وإضلالي_ كما قال_، كيف يقول: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾؟ ولذلك قال الواحدي: "القرين الأول: الملك الذي كان يكتب عمله السيئ في الدنيا، يقول لربه: وكلتني به، وقد أحضرته، وهو قوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، يعني: الشخص الذي أتى به، و"ما" بمعنى "من"، والقرين الثاني: الشيطان"، وله أن يقول: أن الشيطان حين رأى ملكًا يسرق الكافر، وآخر يشهد عليه، قال ذلك القول، فلما سمع خطاب الله ﷿: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وقوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي العَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ تبرأ منه وكذب. قوله: (إن جعلت ﴿مَا﴾ موصوفة): بمعنى: شيء، و﴿عَتِيدٌ﴾ صفة لها أو موصولة، و﴿لَدَيَّ﴾ صلتها، و﴿عَتِيدٌ﴾ بدل من الموصولة، ولإبهامها جاز إبدال النكرة منها، قال أبو البقاء: " ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، وفي ﴿مَا﴾ وجهان: أحدهما: أنها نكرة، و﴿عَتِيدٌ﴾ صفتها، و﴿لَدَيَّ﴾ معمول ﴿عَتِيدٌ﴾، ويجوز أن يكون ﴿لَدَيَّ﴾ صفة أيضًا، فيتعلق بمحذوف، وتكون ﴿مَا لَدَيَّ﴾ خبر ﴿هَذَا﴾. والثاني: أن تكون ﴿مَا﴾ موصولة، و﴿لَدَيَّ﴾ صلتها، و﴿عَتِيدٌ﴾ خبر ﴿مَا﴾، والجملة خبر ﴿هَذَا﴾، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ بدلًا من ﴿هَذَا﴾، ويجوز أن يكون ﴿عَتِيدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ويكون ﴿مَا لَدَيَّ﴾ خبرًا عن ﴿هَذَا﴾، أي: هو عتيد، ولو جاء ذلك في غير القرآن لجاز نصبه على الحال".
[ ١٤ / ٥٤٣ ]
فـ ﴿عَتِيدٌ﴾: صفة لها، وإن جعلتها موصولة فهو بدل، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف.
[﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ ٢٤ - ٢٦]
﴿أَلْقِيا﴾ خطاب من الله تعالى للملكين السابقين؛ السائق والشهيد، ويجوز أن يكون خطابًا للواحد على وجهين: أحدهما: قول المبرد: أن تثنية الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لاتحادهم، كأنه قيل: ألق ألق، للتأكيد. والثاني: أنّ العرب أكثر ما يرافق
_________________
(١) ـ فإن قلت: لم لم يذكر إبدال ﴿عَتِيدٌ﴾ عن ﴿مَا﴾ إذا كانت موصوفة؟ قلت: الموصولة مع الصلة في تأويل المفرد، فجاز إبداله منه، ولا كذلك الموصوفة. قوله: (فهو بدل): أي: ﴿عَتِيدٌ﴾ بدل من الموصول، قال صاحب "التقريب": ولإبهامه جاز إبدال النكرة منه. قوله: (أو خبر بعد خبر): كقولهم: "القرآن كلام الله غير مخلوق"، فقولهم: "القرآن" مبتدأ، و"كلام الله" خبره، و"غير مخلوق" خبر آخر، لا أن يكون "كلام الله" بدلًا من قوله: "القرآن"، وفي كونهما خبرين فائدة، لأن معناه: القرآن كلام الله كما يقوله المحقون، لا مختلق كما يقوله المبلطون. قوله: (ويجوز أن يكون خطابًا للواحد): التعريف في "الواحد" للعهد، والمعهود قوله: "أو ملك واحد جامع بين الأمرين". قوله: (ألق ألق): قيل: وجهه أنه حذف الفعل الثاني، ثم أتى بفاعله وفاعل الفعل الأول على صورة ضمير الاثنين متصلًا بالفعل الأول. قوله: (أكثر): مبتدأ، خبره محذوف، وقوله: "اثنين" مفعول "يرافق"، أي: أكثر مرافقة الرجل اثنين، حاصل هذا على الكوفي، أما المذهب السديد البصري: فـ"اثنين" حال سد مسد الخبر، أي: أكثر مرافقة الرجل حاصل إذا كانا اثنين، والجملة خبر "أن".
[ ١٤ / ٥٤٤ ]
الرجل منهم اثنين، فكثر على ألسنتهم أن يقولوا: خليليّ وصاحبيّ، وقفا وأسعدا، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين، عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسيَّ اضربا عنقه.
وقرأ الحسن: "ألقين" بالنون الخفيفة، ويجوز أن تكون الألف في ﴿أَلْقِيا﴾ بدلًا من النون؛ إجراء للوصل مجرى الوقف.
﴿عَنِيدٍ﴾ معاند مجانب للحق معاد لأهله.
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه، جعل ذلك عادة له لا يبذل منه شيئًا قط، أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله يحول بينه وبينهم. قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يمنع بني أخيه من الإسلام، وكان يقول: من دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت، ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم متخط للحق، ﴿مُرِيبٍ﴾ شاك في الله وفي دينه.
﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ مبتدأ مضمن معنى الشرط، ولذلك أجيب بالفاء، ويجوز أن يكون ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾
_________________
(١) ـ قوله: (خاطبوا الواحد خطاب الاثنين): كما في قوله: فإن تزجراني_ يا ابن عفان_ أنزجر وإن تدعاني أحم عرضًا ممنعا قوله: (يا حرسي): الحرس_ بفتحتين_: حرس السلطان، وهم الحراس، الواحد: حرسي، لأنه صار اسم جنس، فنسب إليه، ولا تقول: حارس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس، ذكر في "الصحاح". قيل: هذا يدل على أن الحجاج أطلقه على الواحد، لأنه صار اسم جنس، ثم ثناه، فقال: يا حرسي اضربا، لى لفظ التثنية المضافة قيل: هذا يدل على أن الحجاج أطلقه على الواحد، لأنه صار اسم جنس، ثم ثناه، فقال: يا حرسي اضربا، على لفظ التثنية المضافة إلى ياء المتكلم عند النداء، وفيه بحث.
[ ١٤ / ٥٤٥ ]
منصوبًا بدلًا من كُلَّ كَفَّارٍ ويكون فَأَلْقِياهُ تكريرًا للتوكيد.
[﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ٢٧]
فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة عن الواو، وأدخلت على الأولى؟ قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول، كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون. فإن قلت: فأين التقاول ها هنا؟ قلت: لما قال قرينه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، وتبعه قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ﴾، وتلاه: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، علم أنّ ثم مقاولة من الكافر، لكنها طرحت لما يدل عليها، كأنه قال: رب هو أطغاني، فقال قرينه: ربنا ما أطغيته.
وأمّا الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعني: مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه ما قال له.
﴿ما أَطْغَيْتُهُ﴾: ما جعلته طاغيًا، وما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى، كقوله: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
[﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٣٨ - ٢٩]
_________________
(١) ـ قوله: (ويكون ﴿فَأَلْقِيَاهُ﴾ تكريرًا للتوكيد): نحوه قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩]، قال: "أي: كذبوه تكذيبًا على عقب تكذيب". قوله: (في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون): أي: في سورة بني إسرائيل، وكذلك في الشعراء.
[ ١٤ / ٥٤٦ ]
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا﴾ استئناف، مثل قوله: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾، كأن قائلًا قال: فماذا قال الله؟ فقيل: قال: لا تختصموا. والمعنى: لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم، ولا طائل تحته، وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجة عليّ، ثم قال: لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي، فأعفيكم عما أوعدتكم به، ﴿وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فأعذب من ليس بمستوجب للعذاب.
والباء في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ مزيدة، مثلها في ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أو معدية؛ على أن «قدّم» مطاوع بمعنى: «تقدّم»، ويجوز أن يقع الفعل على جملة قوله: ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، ويكون ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ حالًا، أي: قدّمت إليكم هذا ملتبسًا بالوعيد مقترنًا به، أو قدّمته إليكم موعدًا لكم به.
فإن قلت: إنّ قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾ واقع موقع الحال من ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾، والتقديم بالوعيد في الدنيا، والخصومة في الآخرة، واجتماعها في زمان واحد واجب؟ قلت: معناه: ولا تختصموا وقد صح عندكم إني قدمت إليكم بالوعيد، وصحة ذلك عندهم في الاخرة.
فإن قلت: كيف قال: ﴿بِظَلَّامٍ﴾ على لفظ المبالغة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون من قولك: هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده. وأن يراد: لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلامًا مفرط الظلم، فنفى ذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (أو قدمته إليكم موعدًا لكم به): فعلى هذا ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ حال من الفاعل، وعلى الأول من المفعول. قوله: (فيه وجهان: أن يكون من قولك: هو ظالم): وقد مر بيانه مرارًا. الانتصاف: "أراد أن "فعالًا" ورد بمعنى: فاعل، أو المنسوب في المعتاد إلى الملوك من الظلم على حسب ملكهم؛ أن عظيما فعظيم، وإن حقيرًا فحقير، فلما كان ملك الله على كل
[ ١٤ / ٥٤٧ ]
[﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٣٠]
قرئ: ﴿نَقُولُ﴾ بالنون والياء، وعن سعيد بن جبير: "يوم يقول الله لجهنم"، وعن ابن مسعود والحسن: "يقال". وانتصاب "اليوم" بـ"ظلام" أو بمضمر، نحو: أذكر وأنذر، ويجوز أن ينتصب بـ"نفخ"، كأنه قيل: ونفخ في الصور يوم نقول لجهنم، وعلى هذا يشار بذلك إلى ﴿يَوْمَ نَقُولَ﴾، ولا يقدّر حذف المضاف.
_________________
(١) ـ شيء، فلو نسب إليه لكان ظالمًا، والقدرية ظنوا أنه لو عاقب على ما قضى لكان ظالمًا لعبده، فيكون ظلامًا لكثرتهم، فهذه الآية ترد عليهم". قوله: (قرئ: ﴿نَقُولُ﴾ بالنون والياء): نافع وأبو بكر: بالياء، والباقون: بالنون. قوله: (ويجوز أن ينتصب بـ"نفخ"): قيل: إذا انتصب ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ بـ"نفخ": يكون ﴿ذَلِكَ﴾ - في قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ - إشارةً إلى ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾، فلا يحتاج إلى تقدير حذف المضاف، لأن المعنى: ذلك اليوم- أي: يوم نقول لجهنم- هو يوم الوعيد، فيصح الحمل عليه من غير التقدير، وأما إذا لم يكن منصوبًا بـ"نفخ"، ويكون قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً إلى النفخ، فلا يصح الحمل عليه من غير التقدير، ولهذا قال: "أي: وقت ذلك يوم الوعيد، والإشارة إلى مصدر (نفخ) "، ولا يقال: النفخ في الصور يوم الوعيد.
[ ١٤ / ٥٤٨ ]
وسؤال جهنم وجوابها: من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان: أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء، ولا يزاد على امتلائها، لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [السجدة: ١٣]. والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها، وفيها موضع للمزيد.
_________________
(١) ـ قوله: (وسؤال جهنم وجوابها: من باب التخييل): الانتصاف: " تقدم إنكار لفظ "التخييل" في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وها هنا أولى، فإن تلك الآيات لا بد من حملها على المجاز، والمنكر لفظ التخييل الذي استعمل في الباطل، كقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وها هنا سؤال جهنم وجوابها حقيقة، كما ورد: "تحاجت الجنة والنار"، و"اشتكت النار إلى ربها"، ولا مانع من ذلك، فقد سبح الحصى، وسلم الحجر على النبي ﷺ، ولو فتح باب المجاز فيه لاتسع الخرق، بخلاف الآيات الواردة في الصفات". وقلت: هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العرش_ وفي رواية: رب العزة_ فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة". وعنهم عن أبي هريرة قال: "اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: يا رب، ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، فقال للجنة:
[ ١٤ / ٥٤٩ ]
ويجوز أن يكون ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ استكثارًا للداخلين فيها، واستبداعًا للزيادة عليهم لفرط كثرتهم، أو طلبًا للزيادة غيظًا على العصاة. و"المزيد": إما مصدر كالمحيدو المميد، وإما اسم مفعول كالمبيع.
[﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ ٣١ - ٣٥]
_________________
(١) ـ أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال أما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وأنه ينشئ للنار من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فتمتلئ، وينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط". وموضع التأويل "التقدم" فقط. قوله: (ويجوز أن يكون): ابتداء تفسير لقوله تعالى: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ بناء على الوجهين السابقين من السعة على النشر، فقوله: "استكثارًا للداخلين فيها" مفرع على قوله: "أنها تمتلئ مع اتساعها حتى لا يسعها شيء"، وقوله: "أو طلبًا للمزيد" مبني على قوله: "إنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها، وفيها موضع للمزيد"، والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾: إذا كان بمعنى استكثار الداخلين كان في معنى النفي، وهو مشكل؛ لأنه حينئذ بمعنى الداخلين كان في معنى النفي، وهو مشكل؛ لأنه حينئذ بمعنى الإنكار، والمخاطب الله ﷿، ولا يلائمه أيضًا معنى الحديث الذي أوردناه. قوله: (والمميد): المحيد والمميد بمعنى، الجوهري: "ماد الشيء يميد ميدًا: تحرك، وماد الرجل: تبختر". قوله: (وإما اسم مفعول): أي: يقال: هل من يزاد؟ كما يقال: هل من يباع؟
[ ١٤ / ٥٥٠ ]
﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ نصب على الظرف، أي: مكانًا غير بعيد، أو على الحال، وتذكيره لأنه على زنة المصدر، كالزئير والصليل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو على حذف الموصوف، أي: شيئًا غير بعيد، ومعناه التوكيد، كما تقول: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل.
وقرئ: ﴿تُوعَدُونَ﴾ بالتاء والياء، وهي جملة اعتراضية، و﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بتكرير الجارّ، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ
_________________
(١) ـ قوله: (كالزئير والصليل): الجوهري: "الزئير": صوت الأسد في صدره، وقد زأر يزأر زأرًا وزئيرًا"، و"صل المسمار وغيره يصل صليلًا، أي: صوت". قوله: (أي: شيئًا غير بعيد، ومعناه التوكيد): قال صاحب "الفرائد": القرب والبعد أمران نسبيان، قد يكون الشيء قريبًا إلى شيء، وبعيدًا بالنسبة إلى آخر، فقوله: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ يفيد أن الجنة قريبة لهم، ثم لم يكن لها بعد بوجه ما. وقال ابن الحاجب: "يجوز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: قربت في من غير بعيد، وإنما عبر عنه بالمضي لتحقيقه أو لتقريبه، والمراد بالتحقيق هاهنا كونه حقًا لا باطلًا، لا الوقوع الحاصل، وأما ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] و﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]: فهذان حاصلان". قوله: (وعزيز غير ذليل): روي عن المصنف أنه قال: لأنه يجوز أن يتناول العزيز ذل ما من بعض الوجوه، إلا أن الغالب عليه العز، فيقال: "غير ذليل" ليزال ذلك التوهم، وذلك في كل تأكيد. قوله: (قرئ ﴿تُوعَدُونَ﴾ بالتاء والياء): ابن كثير: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء.
[ ١٤ / ٥٥١ ]
اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]، و﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الثواب، أو إلى مصدر "أزلفت"، و"الأوّاب": الرجاع إلى ذكر الله تعالى، و"الحفيظ": الحافظ لحدوده.
و﴿مَنْ خَشِيَ﴾ بدل بعد بدل تابع لـ"كل"، ويجوز أن يكون بدلًا عن موصوف ﴿أوّابٍ﴾ و﴿حَفِيظٍ﴾، ولا يجوز أن يكون في حكم ﴿أَوَّابٍ﴾ و﴿حَفِيظٍ﴾، لأنّ "مِنْ" لا يوصف به، ولا يوصف من بين الموصولات إلا بـ"الذي" وحده، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره: يقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾، لأنّ "مَنْ" في معنى الجمع، ويجوز أن يكون منادى؛ كقولهم: من لا يزال محسنًا أحسن إليّ، وحذف حرف النداء للتقريب.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من المفعول، أي: خشيه وهو غائب لم يعرفه وكونه معاقبًا إلا بطريق الاستدلال، أو صفة لمصدر ﴿خَشِيَ﴾، أي: خشيه خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب، أو خشيه بسبب الغيب الذي أوعده به من عذابه، وقيل: في الخلوة حيث لا يراه أحد.
فإن قلت: كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ قلت: للثناء البليغ على الخاشي، وهو خشيته، مع علمه أنه الواسع الرحمة،
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يجوز أن يكون في حكم ﴿أَوَّابٍ﴾ و﴿حَفِيظٍ﴾): يعني: لو كان في حكم ﴿أَوَّابٍ﴾ و﴿حَفِيظٍ﴾، وهما صفتان لموصوف محذوف، لزم أن تكون "من" صفة، و"من" لا تكون صفة. قوله: (للتقريب): أي: لأنه منادى قريب، كما قال في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. قوله: (للثناء البليغ على الخاشي): أي: وصفهم بالحزم الشديد، لأن صفة الرحمانية تقتضي تعليق الرجاء العظيم بها، وهم ما اغتروا، بل علقوا الخشية بها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣، وفاطر: ٥]، ومنه ما يحكى أن كثيرًا لما مدح عبد الملك بقوله:
[ ١٤ / ٥٥٢ ]
كما أثني عليه بأنه خاش مع أنّ المخشي منه غائب، ونحوه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات.
وصف القلب بالإنابة، وهي الرجوع إلى الله؛ لأنّ الاعتبار بما ثبت منها في القلب، يقال لهم: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ أي: سالمين من العذاب وزوال النعم، أو مسلمًا عليكم؛ يسلم عليكم الله وملائكته، ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: يوم تقدير الخلود، كقوله: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، أي: مقدرين الخلود.
﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ هو ما لم يخطر ببالهم، ولم تبلغه أمانيهم، حتى يشاؤه. وقيل: إن السحاب تمرّ بأهل الجنة، فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد الذي قال الله ﷿: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾.
_________________
(١) ـ على ابن أبي العاصي دلاص حصينة أجاد المسدي نسجها فأذالها قال: فهلا قلت في كما قال الأعشى: وإذا تكون كتيبة ملمومة شهباء يخشى الذائدون نزالها كنت المقدم غير لابس جنة بالسيف تضرب معلمًا أبطالها قال: وصفه بالخرق، ووصفتك بالحزم. قوله: (فتمطرهم الحور، فتقول: نحن المزيد): روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة قبل أن
[ ١٤ / ٥٥٣ ]
[﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ٣٦]
﴿فَنَقَّبُوا﴾ -وقرئ بالتخفيف-: فخرقوا في البلاد ودوّخوا، والتنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب، قال الحرث بن حلزة:
نقّبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في الأرض كلّ مجال
ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله: ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾، أي: شدّة بطشهم أبطرتهم، وأقدرتهم على التنقيب، وقوّتهم عليه.
ويجوز أن يراد: فنقب أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصًا حتى يؤملوا مثله لأنفسهم. والدليل على صحته قراءة من قرأ: "فَنَقَّبُوا"؛
_________________
(١) ـ يتحول، ثم تأتيه امرأة، فتضرب على منكبه، فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه، فيرد السلام، ويسألها: من أنت؟ فتقول: وأنا المزيد" الحديث. قوله: (ودوخوا): الجوهري: "داخ البلاد يدوخها: قهرها واستولى عليها، وكذلك دوخ البلاد". وقوله: (والتنقيب: التنقير في الأمر): الراغب: "النقب في الحائط: كالثقب في الخشب، ويقال: نقب القوم: ساروا، قال تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي البِلادِ﴾، والمنقبة: طريق منفذ في الجبال، استعيرت لفعل الكريم، إما لكونه تأثيرًا له، وإما لكونه منهجًا في رفعه". قوله: (والدليل على صحته قراءة من قرأ: "فنقبوا"): أي: قول من قال: "فنقب أهل مكة"، قال ابن جني: "هي قراءة ابن عباس وأبي العالية ويحيي بن يعمر، وهذا أمر للحاضرين ولمن بعدهم، وهو "فعلوا" من النقب، أي: ادخلوا وغوروا فإنكم لا تجدون محيصًا".
[ ١٤ / ٥٥٤ ]
على الأمر، كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، وقرئ بكسر القاف مخففة؛ من النقب، وهو أن يتنقب خف البعير، قال:
ما مسّها من نقب ولا دبر
والمعنى: فنقبت أخفاف إبلهم، أو: حفيت أقدامهم ونقبت، كما تنقب أخفاف الإبل، لكثرة طوفهم في البلاد، ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ من الله، أو: من الموت.
[﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٣٧]
﴿لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: قلب واع، لأنّ من لا يعي قلبه فكأنه لا قلب له، وإلقاء السمع: الإصغاء، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: حاضر بفطنته،
_________________
(١) ـ قلت: فالفاء على هذا للتعقيب، وفيه التفات، المعنى: كم أهلكنا قبلكم من قرن هم أشد منك بطشًا، فجربوا أنتم أنفسكم أن أتاكم عذاب من الله، أو ما كتب لكم من الأجل، فإنكم لا تجدون لكم ملجأ أو مخلصًا، أو سيروا في الأرض فهل ترون لتلك القرون محيصًا، حتى تؤملوا مثله لأنفسكم. قوله: (ما مسها من نقب ولا دبر): أوله: أقسم بالله أبو حفص عمر "نقبت الإبل: إذا صارت فيها النقبة، وهي أول الجرب، وجمعها: نقب، ونقب البعير: إذا رقت أخفافه"، قاله الجوهري. هذا المعنى أقرب إلى المقصود، شكا بعضهم إلى عمر ﵁ نقب إبله وعجزه عن الغزو عليها، فلم يصدقه عمر ﵁، فأنشد.
[ ١٤ / ٥٥٥ ]
لأنّ من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب، وقد ملح الإمام عبد القاهر في قوله لبعض من يأخذ عنه:
ما شئت من زهزهة والفتى بمصقلاباذ لسقي الزروع
أو: وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحي من الله، أو: وهو بعض الشهداء في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وعن قتادة: وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده.
_________________
(١) ـ قوله: (وقد ملح الإمام): وقيل: ملح الشاعر: إذا أتى بشيء مليح، ملح الشيء_ بالضم_ ملوحة وملاحة، أي: حسن، الأساس: "فلان يتملح ويتظرف". قوله: (لبعض من يأخذ عنه): أي: يستفيد مه، قيل: الفتى: أبو عامر الجرجاني، وفي "المطلع": يجيء في فضلة وقت له مجيء من شاب الهوى بالنزوع ثم ترى جلسة مستوفز قد شددت أحماله بالنسشوغ ما شئت من زهزهة والفتى بمصقلا باذ لسقس الزروع الزهزهة: التحسين، معرب، يقال عند الاستحسان: "زه"، زه"، قال: "ويجوز أن يكون قلب الهز، وكرره مبالغة في الهز"، يعني: أن قول التلميذ في حال تعليمي إياه: "زه، زه" كثير، وقلبه غائب عنه، وذاهب إلى مصقلاباذ لسقي زروعه، وهو محلة بجرجان، فـ"ما" إبهامية، و"من" بيان، وهو مقول محذوف، أي: ترى جلسة مستوفز قائلًا ما شئت من "زه زه" وقلبه غافل. قوله: (أو: وهو بعض الشهداء): اعلم أن قوله: ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ عطف على صلة الموصول، و"الشهيد": إما بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، والمعنى على الأول: أن فيما
[ ١٤ / ٥٥٦ ]
وقرأ السدي وجماعة: "ألقي السمع" على البناء للمفعول،
_________________
(١) ـ ذكرنا من الآيات الظاهرة والبيانات الشافية لذكر لمن كان له قلب شرحه الله تعالى للإسلام، فهو على نور يدرك الحق أول ما يسطع نوره نور قلبه، فيؤمن من غير فكر وروية، كقلوب العارفين والصديقين، كما آمن الصديق رضوان الله عليه كذلك، أو اتعاظ بمن هو دون أولئك، فيحتاج في القبول إلى إلقاء السمع واستحضار الذهن، كأرباب النهى، فإنهم ما آمنوا إلا بعد الروية واستعمال الفكر ومشاهدة المعجزات القاهرة. وعلى أن يراد بـ"الشهيد": القائم بالشهادة، لا بد من شرط الإيمان لتقبل شهادتهم، إما في الدنيا وهو كل مؤمن؛ بر وفاجر، وإما في العقبى وهو بعض المؤمنين الذين تقبل شهادتهم على سائر الأمم، وهو المراد من استشهاده بقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: يتذكر بالقرآن أحد رجلين؛ إما رجل له قلب وعقل يعرف معجزته، فيؤمن به، وإما رجل سميع مسترشد. قوله: ("ألقي السمع" على البناء للمفعول): قال صاحب "التقريب": السمع: إما له وإما لغيره، فعلى الأول: معناه ألقي السمع منه، أو سمعه، ليرجع الضمير إلى الموصول، وعلى الثاني: معناه: لمن ألقى غيره السمع وفتحه فحسب في حال كونه شهيدًا، والمراد: لمن شهد وحضر ذهبه حال غفلة الناس وقتحهم السمع فقط بلا تفطن، وظاهره: أو غابوا حال تفطنه، فيصدق أنه تفطن حال غيبتهم، وهو المطلوب، ثم إما أن يقدر تكرير الموصول في المعطوف أو لا يقدر، فالوجه الأول: أن فيه ذكرى لمن تفطن بنفسه، أو لغير متفطن ولكنه مصغ إلى متفطن، والثاني: أن فيه ذكرى للشحص حال تفطنه، أو حال إصغائه إلى متفطن أن لم يكن حال تفطنه، فالذكرى على الأول: باعتبار شخصين، وعلى الثاني: بإعتبار شخص له حالين.
[ ١٤ / ٥٥٧ ]
ومعناه: لمن ألقى غيره السمع، وفتح له أذنه فحسب، ولم يحضر ذهنه، وهو حاضر الذهن متفطن. وقيل: ألقي سمعه أو السمع منه.
[﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ ٣٨ - ٤٣]
اللغوب: الإعياء، وقرئ بالفتح؛ بزنة: القبول والولوع، قيل: نزلت في اليهود -لعنت- تكذيبًا لقولهم: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد، وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، واستلقى على العرش. وقالوا: إنّ الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة إنما وقع من اليهود، ومنهم أخذ.
﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أي: اليهود، ويأتون به من الكفر والتشبيه. وقيل: فاصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث؛ فإنّ من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. وقيل: الصبر مأمور به في كل حال.
_________________
(١) ـ وقلت: حاصل قول المصنف: أن "ألقي": إما أن يقدر له الموصول ليعطف على الموصول، فيكون المعنى: أن في ذلك لتذكرة لمن كان له قلب، أو لمن ألقى غيره من الناس أسماعهم للقرآن، ولم يحصروا أذهانهم، والحال أن هذا المتذكر وحده متفطن متيقظ حاضر الذهن، أو لا يقدر؛ فيعطف "أو ألقي" على الصلة، فيكون المعنى: ألقي سمعه أو السمع منه. وفيه تعريض بالمنافقين؛ روى الواحدي عن ابن عباس أنه قال: "كان المنافقون يجلسون عند رسول الله ﷺ، ثم يخرجون، فيقولون: ماذا قال آنفًا، وقال: ليس معهم قلوبهم".
[ ١٤ / ٥٥٨ ]
﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حامدًا ربك، والتسبيح محمول على ظاهره، أو على الصلاة، فالصلاة ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: الفجر، ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾: الظهر والعصر، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: العشاءان، وقيل: التهجد.
﴿وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾: التسبيح في آثار الصلوات -والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة-، وقيل: النوافل بعد المكتوبات، وعن علي ﵁: الركعتان بعد المغرب، وروي عن النبي ﷺ: «من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين»، وعن ابن عباس: الوتر بعد العشاء. والأدبار: جمع دبر، وقرئ: "وإدبار"؛ من: أدبرت الصلاة: إذا انقضت وتمت، ومعناه: ووقت انقضاء السجود، كقولهم: آتيك خفوق النجم.
_________________
(١) ـ قوله: (من صلى بعد المغرب): روى صاحب "الجامع" عن رزين عن مكحول يبلغ به النبي ﷺ: "من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم ركعتين_ وفي رواية: أربع ركعات__ رفعت صلاته في عليين". قوله: (وقرئ: "وإدبار"): الحرميان وحمزة: "وإدبار" بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها، قال أبو البقاء: "بالفتح: جمع دبر، وبالكسر: مصدر "أدبر"، أي: وقت إدبار السجود".
[ ١٤ / ٥٥٩ ]
﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يعني واستمع لما أخبرك به من حال يوم القيامة، وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه، كما يروى عن النبي ﷺ أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: «يا معاذ، اسمع ما أقول لك»، ثم حدّثه بعد ذلك.
فإن قلت: بم انتصب "اليوم"؟ قلت: بما دل عليه ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾، أي: يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.
و﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ يُنادِ﴾ و﴿الْمُنادِ﴾ إسرافيل، ينفخ في الصور وينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرّقة، إنّ الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي بالحشر.
﴿مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلًا، وهي وسط الأرض. وقيل: من تحت أقدامهم، وقيل: من منابت شعورهم، يسمع من كل شعرة: أيتها العظام البالية.
و﴿الصَّيْحَةَ﴾ النفخة الثانية، ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿الصَّيْحَةَ﴾، والمراد به: البعث والحشر للجزاء.
[﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ ٤٤]
_________________
(١) ـ قوله: (واستمع لما أخبرك به): يعني: أطلق الأمر بقوله: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾، إذا التقدير: "لما أخبرك به"، ثم أوقع ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ على تقدير حذف المضاف بيانًا للمقدر، كما قال: "من حال يوم القيامة"؛ لما في الإبهام والتفسير تهويل وتعظيم بشأن المخبر به، قال صاحب "الكشف": المعنى: استمع حديث يوم ينادي، فحذف المضاف، وهو مفعول به، وليس بالظرف. قوله: (قال سبعة أيام): "سبعة أيام": ظرف "قال"، ومقوله: "اسمع ما أقول".
[ ١٤ / ٥٦٠ ]
وقرئ: ﴿تَشَقَّقُ﴾، و"تشقق" بإدغام التاء في الشين، و"تشقق" على البناء للمفعول، و"تنشق". ﴿سِرَاعًا﴾ حال من المجرور، ﴿عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ تقديم الظرف يدل على الاختصاص، يعني: لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذات الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
[﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ ٤٥]
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ تهديد لهم وتسلية لرسول الله ﷺ، ﴿بِجَبَّارٍ﴾ -كقوله: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ - حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت داع وباعث، وقيل: أريد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم، ويجوز أن يكون من: جبره على الأمر؛ بمعنى: أجبره عليه، أي: ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان.
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: ﴿تَشَقَّقُ﴾ و"تشقق" بإدغام التاء في الشين): الكوفيون وأبو عمرو: بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها، وبنا المجهول: شاذة، وكذا "تتشقق". قوله: (﴿وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾): أي: سهولة خلقكم وبعثكم كسهولة خلق نفس واحدة.
[ ١٤ / ٥٦١ ]
و"على" بمنزلته في قولك: هو عليهم، إذا كان واليهم ومالك أمرهم، ﴿مَنْ يَخافُ وَعِيدِ﴾ كقوله: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥]، لأنه لا ينفع إلا فيه، دون المصر على الكفر.
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ سورة (ق) هوّن الله عليه تارات الموت وسكراته».
_________________
(١) ـ قوله: (تارات الموت): الأساس: "فعل ذلك تارات، وتارة بعد أخرى"، وعن بعضهم: رات الموت: أحواله وسكراته، وسكراته، وإفاقته تارة وغشيانه أخرى. تمت السورة حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ * * *
[ ١٤ / ٥٦٢ ]
فتوح الغيب
في الكشف عن قناع الريب
وهو حاشية الطيبي على الكشاف
للإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي
المتوفى سنة ٧٤٣ هـ رحمه الله تعالى
الجزء الخامس عشر
تفسير السور من الذاريات إلى نهاية الحاقة
[ ١٥ / ٤ ]