مدنية عند مجاهد، وقال الضحاك وسعيد بن جبير: مكية
وهي سورة القتال
وهي تسعة وثلاثون آية، وقيل: ثمان
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ ١ - ٢]
﴿وَصَدُّوا﴾ وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدّوا غيرهم عنه، قال ابن عباس ﵁: هم المطعمون يوم بدر.
_________________
(١) ـ سورة محمد ﷺ مدنية، وقال الضحاك وسعيد بن جبير: مكية وهي تسعة وثلاثون، وقيل: ثمان وثلاثون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (﴿وَصَدُّوا﴾ وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدوا غيرهم): صد: يجيء متعديًا ولازمًا، الجوهري: "صد عنه يصد صدودًا: أعرض، وصده عن الأمر صدًا: منعه، وأصده عنه: لغة". والتفسير الثاني أشد التئامًا للقرينة السابقة باللاحقة، فإن قوله: ﴿وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إذا فسر بـ"صدوا غيرهم" يكون من باب العطف للخاص على العام، لأ، إضلال الغير ؟
[ ١٤ / ٣٢٠ ]
_________________
(١) أشد توغلًا في الضلال من ضلال الشخص، كما أن قوله: ﴿وآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ كذلك، ولذلك قال: " ﴿وآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾: اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله ﷺ من بين ما يجب الإيمان به"، فالمعنى: فالذين كفروا وما آمنوا بما نزل على محمد وصدوا غيرهم عن الإيمان به، واغتروا بما كانوا عليه من مكارم الأخلاق: أبطل الله أعمالهم. وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ واعتراضه بين الكلام: إيذان بأن أعمال أولئك لسادة ثابتة غير زائلة، لأن "الحق" في مقابلة "الباطل"، قال الواحدي: " ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: سترها عليهم بأن غفرها، فلا يحاسبون عليها يوم القيامة، وليس كما أضل أعمال الكفار". وقلت: وفيه الإشعار بأن أعمال الكفار- وإن كانت حسنات- يضلها الله تعالى في غمرات كفرهم وحزمان متابعة الحق المنزل من عند الله، وأن سيئات المؤمنين يسترها الله في كنف إيمانهم ومتابعتهم الحق، وإليه وقعت الإشارة بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾. وفيه إدماج لإبطال قول من يقول باستقلال العقل، وأن الأوضاع الشرعية مكملة للناقصين، وهم كملة مهذبون لا يفتقرون إليها، ولهدم قاعدة الحسن والقبح العقلي. ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى بتعقيب قول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا البَاطِلَ﴾ الآية؛ إيضاحًا وبيانًا لما أوقع تعريضًا في قوله: ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ بإهدار أعمال الكافرين، وكالتعليل لتكفير سيئات المؤمنين، وإصلاح بالهم، وإليه الإشارة بقوله: "وهذا الكلام يسميه علماء البيان: التفسير"، ومن باب التفسير ما أنشده لنفسه: ؟
[ ١٤ / ٣٢١ ]
وعن مقاتل: كانوا اثني عشر رجلًا من أهل الشرك، يصدّون الناس عن الإسلام، ويأمرونهم بالكفر. وقيل: هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام. وقيل: هو عامّ في كل من كفر وصدّ.
﴿أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ أبطلها وأحبطها، وحقيقته: جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل التي هي بمضيعة لا ربّ لها يحفظها ويعتنى بأمرها، أو جعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم ومغلوبة بها، كما يضل الماء في اللبن.
و﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم؛ من صلة الأرحام، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وحفظ الجوار. وقيل: أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله ﷺ، والصدّ عن سبيل الله، بأن نصره عليهم، وأظهر دينه على الدين كله.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مقاتل: هم ناس من قريش، وقيل: من الأنصار، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وقيل: هو عام. وقوله: ﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله ﷺ من بين ما يجب الإيمان به؛ تعظيمًا لشأنه وتعليمًا، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به، وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، وقيل: معناها إنّ دين محمد هو الحق، إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لغيره.
وقرئ: ﴿نُزِّلَ ﴿و"أنزل"، على البناء للمفعول، و"نزّل" على البناء للفاعل، و"نزل" بالتخفيف.
_________________
(١) ـ به فجع الفرسان فوق خيولهم كما فجعت تحت الستور العواتق تساقط من أيديهم البيض حيرةً وزعزع عن أجيادهن المخانق قوله: (وقرئ: ﴿نُزِّلَ﴾ و"أنزل"): الأولى هي المشهورة، والبواقي شاذة. ؟
[ ١٤ / ٣٢٢ ]
﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي، لرجوعهم عنها وتوبتهم، ﴿وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أي: حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا، بما أعطاهم من النصرة والتأييد.
[﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ ٣]
﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وما بعده خبره، أي: ذلك الأمر -وهو إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيئات الثاني- كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. ويجوز أن يكون ﴿ذَلَكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كما ذكر بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوبًا على هذا، ومرفوعًا على الأوّل.
و﴿الْباطِلَ﴾: ما لا ينتفع به، وعن مجاهد: الباطل: الشيطان، وهذا الكلام يسميه علماء البيان: التفسير، ﴿كَذلِكَ﴾ مثل ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾، والضمير راجع إلى الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.
فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في أن جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين، أو في أن جعل الإضلال مثلًا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلًا لفوز المؤمنين.
_________________
(١) ـ قوله: (فيكون محل الجار والمجرور منصوبًا): قال صاحب "التقريب": أي: على الحال. قوله: (أين ضرب الأمثال؟): يعني: معنى ضرب المثل: استعمال القول السائر المشبه مضربه بمورده، وأين ذلك هاهنا؟ وأجاب: بأن "المثل" هاهنا مستعار للتمثيل وتشبيه حالتي المؤمنين والكافرين، وصفتهم العجيبة الشأن. ؟
[ ١٤ / ٣٢٣ ]
_________________
(١) ثم إن المشار إليه بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: إما معنى الآية الثالثة، أو الأولى والثانية. فالمعنى على الثاني: حالة أولئك البعداء عن الله في أن أعمالهم الحسنة ضلت وبطلت وصارت هباءً منثورًا، وحالة هؤلاء المقربون في أن أعمالهم السيئة اضمحلت وتلاشت، وما اكتفى بذلك، بل زيد إصلاح بالهم، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]: من الصفات العجيبة الشأن التي يصح أن يكون موقعًا لضرب المثل، وتسير في الآفاق. وعلى الأول: صفة الكفار في أنهم اتبعوا الباطل مع وضوح الحق فخابوا، وصفة المؤمنين في أنهم اتبعوا الحق ففازوا: من الأمثال. والأول أبلغ وأحسن. فإن قلت: ترتب قوله: ﴿فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ على القول السابق، وأن يفسر قوله: ﴿وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بأن صدوا غيرهم، والمراد المطعمون يوم بدر: ظاهر، فما وجهه على القول الأول، وهو أن يفسر "صدوا" بـ "امتنعوا". قلت: وجهه عليه أظهر؛ لأن المعنى: أيها المؤمنين، إذا ظهر أن تأسيس أمر الكفار على الباطل، وتأسيس أمركم على الحق، وقد اشتهر أن "الحق أبلج، والباطل لجلج"، فلا تبالوا بالكفار وباجتماعهم واستعدادهم، واعتمدوا على نصرة الله أهل الحق، وخذلانه أهل الباطل، وكونوا على بال من وعد الله أنه يصلح بال أهل الحق، ويضل أعمال أعدائهم، وإذا لقيتم الذين تحزبوا عليكم، فلتوجد منكم الغلظة والشدة بضرب الأعناق بلا توان وإمهال، ولذلك اختصر الفعل، واقتصر على المصدر المؤكد، وعبر عن القتل بـ"ضرب الرقاب"، ؟
[ ١٤ / ٣٢٤ ]
[﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ ٤ - ٦]
﴿لَقِيتُمُ﴾ من اللقاء، وهو الحرب، ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أصله: فاضربوا الرقاب. ضربًا، فحذف الفعل وقدّم المصدر، فأنيب منابه مضافًا إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه.
وضرب الرقاب: عبارة عن القتل، لأنّ الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك أنهم كانوا يقولون: ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه عيناه: إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل، كما ذكرنا في قوله: ﴿بِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢].
_________________
(١) ـ وتمم المعنى بقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، ووضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضمير، وأعيد ذكر ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾. قوله: (وضرب عنقه وعلاوته): المغرب: "العلاوة: ما علق على البعير بعد حمله من مثل الإداوة والسفرة، وقولهم: فضرب علاوة رأسه؛ مجاز". ؟
[ ١٤ / ٣٢٥ ]
﴿أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه؛ من الشيء الثخين: وهو الغليظ، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض، ﴿فَشُدُّوا الْوَثاقَ﴾ فأسروهم، والوثاق -بالفتح والكسر- اسم ما يوثق به.
﴿مَنًّا﴾ و﴿فِداءً﴾ منصوبان بفعليهما مضمرين، أي: فإمّا تمنون منا، وإما تفدون فداء، والمعنى: التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم.
فإن قلت: كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت: أمّا عند أبي حنيفة وأصحابه: فأحد أمرين: إمّا قتلهم، وإمّا استرقاقهم، أيهما رأى الإمام، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية: نزل ذلك في يوم بدر، ثم نسخ. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق.
ويجوز أن يراد بالمنّ: أن يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمّة، وبالفداء: أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين، فقد رواه الطحاوي مذهبًا عن أبي حنيفة، والمشهور أنه لا يرى فداءهم، لا بمال ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حربًا للمسلمين.
_________________
(١) ـ قوله: (والوثاق- بالفتح والكسر-: اسم ما يوثق به): الراغب: "وثقت به أثق ثقة: سكنت إليه، واعتمدت عليه، وأوثقته: شددته، وما يشد به: وثاق، قال تعالى: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦]، وقوله: ﴿فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾، والميثاق: عقد مؤكد بيمين وعهد، والموثق: اسم منه، قال تعالى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٦٦]، والوثقى: قريبة من الموثق، وقالوا: رجل ثقة، وقوم ثقة، وناقة موثقة الخلق: محكمته". ؟
[ ١٤ / ٣٢٦ ]
وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره للمسلمين، وهو: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ويحتج بأن رسول الله ﷺ منّ على أبي عروة الحجبي، وعلى ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجل برجلين من المشركين. وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي.
_________________
(١) ـ قوله: (وأما الشافعي فيقول: للإمام أن يختار أحد أربعة): قال القاضي: "هو ثابت عندنا، فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر: فالإمام مخير بين القتل والمن والفداء والاسترقاق". قوله: (الحجبي): في "الجامع": "يفتح الحاء وفتح الجيم والباء الموحدة؛ منسوبًا إلى الحجبة جمع حاجب، والمراد بهم: حجبة البيت الحرام من بني عبد الدار، وهو خارج عن القياس، نسبوا إلى الجمع لكثرة الاستعمال". قوله: (أثال الحنفي): ولعل الظاهر: ثمامة بن أثال بن النعمان، قال صاحب "الجامع": "هو سيد أهل اليمامة، كان أسر، فأطلقه النبي ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه". قوله: (وهذا كله منسوخ عند أصحاب الرأي): قال الواحدي: "ذهب جماعة من المفسرين إلى نسخ المن والفداء بالقتل، لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وهو قول قتادة ومجاهد والحسن والسدي". ؟
[ ١٤ / ٣٢٧ ]
وقرئ: "فدًى" بالقصر مع فتح الفاء.
أوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها، كالسلاح والكراع، قال الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورا
وسميت: أوزارها؛ لأنه لما لم يكن لها بد من جرّها، فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها. وقيل: أوزارها: آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب- وهم المشركون- شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.
فإن قلت: ﴿حَتَّى﴾ بم تعلقت؟ قلت: لا تخلو: إما أن تتعلق بالضرب والشد، أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي ﵀: أنهم لا يزالون على ذلك أبدًا إلى أن لا يكون حرب مع المشركين، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة، وقيل: إذا نزل عيسى ابن مريم ﵇. وعند أبي حنيفة ﵀: إذا علق بالضرب والشد: فالمعنى: أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين، وإذا علق بالمن والفداء: فالمعنى: أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل.
_________________
(١) ـ قوله: (إلا أن يتأول المن والفداء): استثناء من قوله: "فالمعنى"، يعني: إذا علقت ﴿حَتَّى﴾ بالمن والفداء على مذهب أبي حنيفة، فالمعنى: حتى تضع حرب بدر أوزارها، فإذا مضت لا يكون من ولا فداء، إلا أن يفسر المن بالاسترقاق وبأخذ الجزية، والفداء بأن يفادى أساراهم بأسارى المشركين، كما روى الطحاوي عن أبي حنيفة، فحينئذ لا يحتاج إلى تقدير: "حرب بدر". قال الزجاج: " ﴿حَتَّى﴾ موصولة بالقتل والأسر، والمعنى: فاقتلوهم وأسروهم حتى تضع الحرب أوزارها، والتقدير: حتى يسلموا ويؤمنوا فلا يجب أن تحاربوهم، فما دام الكفر فالجهاد والحرب قائمة أبدًا". ؟
[ ١٤ / ٣٢٨ ]
﴿ذلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، ﴿لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ لانتقم منهم ببعض أسباب الهلكة؛ من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق، أو موت جارف، ﴿وَلكِنْ﴾ أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين أن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب لهم من العذاب.
وقرئ: ﴿قُتِلُوا﴾، بالتخفيف والتشديد، و"قتلوا"، و"قاتلوا"، وقرئ: ﴿فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، و"تضل أعمالهم" على البناء للمفعول، و"يضل أعمالهم"؛ من: ضل. وعن قتادة: أنها نزلت في يوم أحد.
﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة. قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها. وعن مقاتل: إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه، فيعرفه كل شيء أعطاه الله. أو طيبها لهم، من العرف، وهو طيب الرائحة.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك): قيل: هو إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هنا، وهذا بمنزلة قولهم في الكتاب: "هذا، وقد كان كيت وكيت"، والظاهر أن المشار إليه ما دل عليه قوله: ﴿فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخره، بدليل قوله: "أو فعلوا ذلك". قوله: (أو موت جارف): الأساس: "جرف الشيء واجترفه: ذهب به كله، وجرف الطين والزبل عن وجه الأرض: سحاه بالمجرفة، وتجرفته السيول". قوله: (وقرئ: ﴿قُتِلُوا﴾): بالتخفيف وضم القاف: أبو عمرو وحفص، والباقون: "قاتلوا". و﴿فَلَنْ يُضِلَّ﴾ بالياء التحتانية: السبعة. ؟
[ ١٤ / ٣٢٩ ]
وفي كلام بعضهم: عزف كنوح القماري، وعرف كفوح القماري. أو: حددها لهم، فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من: عرف الدار وأرَّفها، والعرف والأرف: الحدود.
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ ٧]
﴿إِنْ تَنْصُرُوا﴾ دين (اللَّهَ) ورسوله ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على عدوكم، ويفتح لكم، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ في مواطن الحرب، أو على محجة الإسلام.
[﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ ٨ - ٩]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يحتمل الرفع على الابتداء، والنصب بما يفسره، ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾، كأنه قال: أتعس الذين كفروا.
_________________
(١) ـ قوله: (عزف كنوح القماري): العزف-بالزاي-: الصوت، الجوهري: "المعازف: الملاهي، وعزف الرياح: أصواتها". قوله: (أو: حددها): عطف على"طيبها". وقلت: ويمكن أن يكنى بالعرف عن التعريف، قال: أرادوا ليخفوا قبرها عن محبها فطيب تراب القبر دل على القبر أي: كل يهتدي إلى جنته بروح عمله. هذا قريب من قول مجاهد. قوله: (كأنه قال: أتعس الذين كفروا): فعلى هذا، هو عطف على قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتْ
[ ١٤ / ٣٣٠ ]
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾؟ قلت: على الفعل الذي نصب "تعسًا"، ولأنّ المعنى: فقال: تعسًا لهم، أو: فقضى: تعسًا لهم. و"تعسًا له": نقيض «لعاله»، قال الأعشى:
فالتّعس أولى لها من أن أقول: لعا
_________________
(١) ـ أَقْدَامَكُمْ﴾، أي: يثبت الله أقدام المؤمنين، ويتعس الكفار، والفاء في قوله: ﴿فَتَعْسًا لَّهُمْ﴾: كما في قوله: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، أي: أراد الله أن يتعسهم، فقضى: تعسًا لهم، أو: فقال: تعسًا لهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، كما قدرهما المصنف. وعلى أن يكون ابتداء: هو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك أدخلت الفاء في خبر الموصول، كما قدره الزجاج، فالمراد بالذين كفروا: من يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: أن تنصروا الله ينصركم، ومن لم ينصره فتعسًا له، فوضع"الذين كفروا" موضع"من لم ينصره" تغليظًا. هذا القول أوفق لأسلوب السورة من التقابل المعنوي. قوله: (فالتعس أولى لها من أن أقول: لعا): تمامه في"الصحاح": بذات لوث عفرناة إذا عثرت لعوة الجوع: حدته، ويقال للعاثر: "لعًا لك" دعاء عليه بأن ينتعش، واللوث- بالفتح-: القوة، ناقة عفرناة: قوية، بالعين المهملة والفاء والنون، والألف للإلحاق، قبله: كلفت مجهولها نفسي وشايعني همي عليها إذا ما آلها لمعا ؟
[ ١٤ / ٣٣١ ]
يريد: فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت.
وعن ابن عباس: يريد في الدنيا: القتل، وفي الآخرة: التردي في النار.
﴿كَرِهُوا﴾ القرآن و﴿مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ، فشق عليهم ذلك وتعاظمهم.
[﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ ١٠]
دمره: أهلكه، ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به، والمعنى: دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم، ﴿وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ الضمير للعاقبة المذكورة أو للهلكة، لأن التدمير يدل عليها، أو للسنة، لقوله عزّ وعلا: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [الأحزاب: ٦٢].
_________________
(١) ـ المعنى: قوي همي على قطع بلدة مجهولة الأعلام إذا ما سرابها يلمع، بناقة ذات قوة غليظة. قال الزجاج: "الذين: مبتدأ، والخبر: ﴿فَتَعْسًا لَّهُمْ﴾، ويجوز أن يكون نصبًا على معنى: أتعسهم الله، والتعس: الانحطاط والعثور". وقال مكي: " (الذين كفروا): مبتدأ، وما بعده: الخبر، و(تعسًا): نصب على المصدر، وهو مشتق عن فعل مستعمل، ويجوز الرفع على الابتداء، و﴿لَّهُمْ﴾: الخبر، والجملة: خبر (الذين) ". قوله: (ودمر عليه: أهلك عليه ما يختص به): الأساس: "دمر عليهم، وهو إهلاك مستأصل، ودمرت على القوم: هجمت عليهم بغير استئذان، دمورًا". ؟
[ ١٤ / ٣٣٢ ]
[﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ ١١]
﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليهم وناصرهم، وفي قراءة ابن مسعود: "ولي الذين آمنوا"، ويروى: أن رسول الله ﷺ كان في الشعب يوم أحد، وقد فشت فيهم الجراحات، وفيه نزلت، فنادى المشركون: اعل هبل، فنادى المسلمون: الله أعلى وأجل، فنادى المشركون: يوم بيوم، والحرب سجال، إن لنا عزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفة: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون».
فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] مناقض لهذه الآية؟ قلت: لا تناقض بينهما، لأن الله مولى عباده جميعًا على معنى أنه ربهم ومالك أمرهم، وأما على معنى الناصر: فهو مول المؤمنين خاصة.
_________________
(١) ـ وقلت: كأن في "دمر عليهم" تضمين معنى "أطبق"، فعدي بـ"على"، فإذا أطبق عليهم دمارًا لم يلخص مما يختص به أحد. قوله: (كان في الشعب): الجوهري: "الشعب- بالكسر-: الطريق في الجبل، والجمع: الشعاب". قوله: (اعل هبل): هذا مذكور في حديث طويل قاله أبو سفيان يوم أحد، أخرجه البخاري وأبو داود عن البراء بن عازب. النهاية: "هبل- بضم الهاء-: اسم صنم لهم معروف"، "الحرب سجال: أي: مرةً لنا ومرةً علينا، وأصله: أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل". ؟
[ ١٤ / ٣٣٣ ]
[﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَما تَاكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ ١٢]
﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أيامًا قلائل، ﴿وَيَاكُلُونَ﴾ غافلين غير مفكرين في العاقبة، ﴿كَما تَاكُلُ الْأَنْعامُ﴾ في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، ﴿مَثْوىً لَهُمْ﴾ منزل ومقام.
[﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ١٣]
وقرئ: "وكائن" بوزن "كاعن" وأراد بالقرية أهلها،
_________________
(١) ـ قوله: (غير مفكرين في العاقبة ﴿كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ﴾): فإن قلت: أين موقع التقابل بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ قلت: موقعه إيقاع ﴿يَتَمَتَّعُونَ ويَاكُلُونَ﴾ مقابلًا لقوله: ﴿وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وفيه إيماء إلى قوله صلوات الله عليه: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، أخرجه مسلم، يعني: أن الله ﷿ سيدخل الذين آمنوا وتفكروا، فعرفوا أن الدنيا ونعيمها في وشك الزوال، وأن الآخرة هي دار القرار، فحبسوا أنفسهم على طاعة الله وطلب مرضاته، وصبروا على مشاق التكاليف، وعزفوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها، فكانت العاقبة جنات تجري من تحتها الأنهار، والذين كفروا لم يتفكروا في ذلك، فاشتغلوا بالدنيا عن الآخرة، وتمتعوا أيامًا قلائل يأكلون غافلين، والحال أن النار مثوى لهم. أسند إدخال الجنة إلى الله، وأهمل إسناد النار، وخولف بين الجملتين فعليةً واسمية؛ للإيذان بسبق الرحمة، والإعلام بتصيير المؤمنين، والوعد بأن عاقبتهم أن الله يدخلهم جنات، وأن الكافرين مثواهم النار، وهم الآن حاضرون فيها، ولا يدرون، وكالبهائم يأكلون. قوله: (وقرئ: "وكائن" بوزن "كاعن"): قرأها ابن كثير.
[ ١٤ / ٣٣٤ ]
ولذلك قال: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوّة من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم، ومعنى "أخرجوك": كانوا سبب خروجك. فإن قلت: كيف قال: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾؟ وإنما هو أمر قد مضى؟ قلت: مجراه مجرى الحال المحكية، كأنه قال: أهلكناهم فهم لا ينصرون.
[﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ ١٤]
"من زين له": هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، و"من كان على بينة من ربه"- أي: على حجة من عنده وبرهان، وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات-: هو رسول الله ﷺ. وقرئ: "أمَّن كان على بينة"، وقال: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا﴾ للحمل على لفظ "مَنْ" ومعناه.
[﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ ١٥]
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ … كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾؟ قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار،
_________________
(١) ـ قوله: (كأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوة): قال مكي: " ﴿مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ مما حذف فيه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: التي أخرجك أهلها، فحذف"الأهل"، فقام ضمير"القرية" مقامهم، فصار مرفوعًا ب"أخرج" واستتر فيه، وظهرت علامة التأنيث". قوله: (لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار): الانتصاف: "لقد أحسن، وفي الكلام حذف لتتم المعادلة وتصح المقابلة، أي: مثل ساكن الجنة، كقوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ؟
[ ١٤ / ٣٣٥ ]
_________________
(١) الْحَاجِّ … كَمَنْ آَمَنَ﴾ [التوبة: ١٩]، أي: أهل سقاية، فيكون حينئذ تنظير بعد التسوية بين المتمسك بالبينة وراكب الهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة والمعذب في النار، وهو من باب تنظير الشيء بنفسه باعتبار حالين، إحداهما أوضح بيانًا من الأخرى، فالمتمسك بالبينة هو المنعم في الجنة، والمتبع الهوى هو المعذب في النار". وقلت: قد افتتحت هذه السورة الكريمة، ووسمت براعة استهلالها، بصيغة التقابل في الذين كفروا، وثني في أن الله يدخل الذين آمنوا؛ سلوك تلك الطريقة، وثلث في قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ ذلك، وجعلت هذه الآية التي نحن بصددها متفرعةً على هذه القرنية بدلالة أداة التشبيه، وجعل المشبه والمشبه به بتمامه ممثلًا به، كما قرره صاحب "الانتصاف". وإنما فصل بين الكلامين ليقع قوله: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ استئنافًا، وذلك أن الكافر لما ألقي إليه نفي المساواة بين من هو على برهان من ربه، - وهو القرآن المعجز-، وبين من ركب متن الهوى واتبع الشهوات، كما قال: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ﴾، وقدر أنه لعدم التفاته إلى هذا الإنكار بمنزلة من يصر على إنكاره، ويقول بالتسوية، فأوقع ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ إلى ساقته جوابًا إلى هذا الإنكار المتجدد، يعني: إنكاركم هذا يستلزم التسوية بين حالتي أهل الجنة والنار. والنكتة في إيراد هذا الاستئناف: هي أن هذا من الأمور المقررة التي تثبت به الدعاوى؛ لظهور أدلته، وأدمج فيه معنى التعريض أنهم في هذا الإصرار ممن هو خالد في النار، وبأن الذي هو على بينة من ربه في جنات تجري من تحتها الأنهار. ؟
[ ١٤ / ٣٣٦ ]
ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار؟ أي كمثل جزاء من هو خالد في النار.
فإن قلت: فلم عرّي في حرف الإنكار، وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم، ونظيره قول القائل:
أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذودًا شصائصًا نبلا
_________________
(١) ـ عن بعضهم: أن الهمزة في ﴿أَفَمَنْ كَانَ﴾ توقيف وتقرير، لأن الجواب معلوم، كما أنك إذا قلت: من يفعل السيئات يشق، ومن يفعل الحسنات يسعد، ثم قلت: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ فقد علم أن الجواب: السعادة، فهذا مجرى همزة التوقيف والتقرير. الراغب: "من: عبارة عن الناطقين، ولا يعبر به عن غير الناطقين إلا إذا جمع بينهم وبين غيرهم، كقولك: رأيت من في الدار من الناس والبهائم، أو يكون تفصيلًا لجملة يدخل فيهم الناطقون، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمء مَنْ يَمْشِي﴾ [النور: ٤٥] الآية، ولا يعبر عن الناطقين إذا تفرد، لهذا قال بعض المحدثين في صفة أغنام نفى عنهم الإنسانية: تخطي إذا جئت في استفهامهم بـ "من" تنبيهًا على أنهم حيوان أو دون الحيوان". قوله: (أفرح أن أرزأ الكرام) البيت: شصوص: وهي الناقة القليلة اللبن، النبل- بالضم-: جمع نبلة، وبالفتح: جمع نبيل، ككرم وكرم، والنبل أيضًا: صغار الإبل، وهو ؟
[ ١٤ / ٣٣٧ ]
هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريه عن حرف الإنكار، لانطوائه تحت حكم قول من قال: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله، والذي طرح لأجله حرف الإنكار: إرادة أن يصوّر قبح ما أزن به، فكأنه قال له: نعم، مثلي يفرح بمرزأة الكرام، وبأن يستبدل منهم ذودًا يقل طائله، وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار.
و﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾: صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، وخبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ﴾،
_________________
(١) ـ من الأضداد، والذود: ما دون العشرة، وفي الحديث: "في خمس ذود شاة" بالإضافة، والنبل: روي في الشعر بضم النون أيضًا، والمعنى: أفرح بأن أرزأ بكرام القوم، فأعطى صغار الإبل، أي: لا أفرح. قوله: (ما أزن به): الجوهري: "أزننته بشيء: اتهمته، وهو يزن بكذا". قوله: (وهو مبتدأ، وخبره: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾): قال الفراء: أراد: أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟ يدل على هذا المحذوف قوله: ﴿وعِدَ المُتَّقُونَ﴾، أو حرف التشبيه الدال على المشبه والمشبه به. ذكره صاحب "المطلع". ولا بد من تقرير شيء، إما عند المشبه كما ذهب إليه الفراء، أو عند المشبه به، كما قدره المصنف، وهو: "كمثل جزاء من هو خالد في النار". ؟
[ ١٤ / ٣٣٨ ]
وقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ داخل في حكم الصلة كالتكرير لها، ألا ترى إلى صحة قولك: التي فيها أنهار. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف: هي فيها أنهار، وكأن قائلًا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال، أي: مستقرّة فيها أنهار، وفي قراءة علي ﵁: "أمثال الجنة"، أي: ما صفاتها كصفات النار.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ داخل في حكم الصلة كالتكرير لها): أي: للصلة، إحداها: ﴿وعِدَ المُتَّقُونَ﴾، وثانيها: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾. قوله: (ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف): عطف على قوله: "داخل في حكم الصلة"، لا على ما قبله، بدليل عطف: "وأن يكون في موضع الحال" على "أن يكون"، وفيه بحث، لأنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ؛ لأن ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ جملة برأسها، ويلزم من كونها بيانًا وقوع الاستئناف قبل مجيء خبر الجملة السابقة التي هي مورد السؤال، اللهم إلا أن يقال: يقدر للجملة الأولى خبر، وللثانية مبتدأ، كما فعل أبو البقاء، أي: فيما نقص عليك مثل الجنة، وقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ مستأنف شارح لمعنى المثل، وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ﴾ في موضع رفع، أي: حالهم كحال من هو خالد في النار، أو نصب، أي: يشبهون. وقدر المصنف في "الأنعام"- عند قوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]-: " ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وعِدَ المُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ﴾: أي: صفتها هذه، وهي قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾ ". قوله: (في موضع الحال): ذو الحال: الضمير الراجع من الصلة إلى الموصول؛ لأن الموصولة صفة للجنة، ولا بد فيها من الضمير، أي: الجنة التي وعد بها المتقون مستقرةً فيها الأنهار. قوله: (وفي قراءة علي ﵁: "أمثال الجنة"): قال ابن جني: "قرأ علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "أمثال الجنة"، وهذه القراءة دليل على أن القراءة العامة بالتوحيد معناها ؟
[ ١٤ / ٣٣٩ ]
وقرئ: "أسن"، يقال: أسن الماء وأجن: إذا تغير طعمه وريحه، وأنشد ليزيد بن معاوية:
لقد سقتني رضابًا غير ذي أسن كالمسك فتّ على ماء العناقيد
﴿مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كما تتغير ألبان الدنيا، فلا يعود قارصًا ولا حازرًا، ولا ما يكره من الطعوم، ﴿لَذَّةٍ﴾ تأنيث لذّ، وهو اللذيذ، أو وصف بمصدر. وقرئ بالحركات الثلاث، فالجر على صفة الخمر، والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة، أي: لأجل لذة الشاربين.
_________________
(١) ـ الكثرة، وذلك لما فيه من معنى المصدرية، ولهذا جاز: "مررت برجل مثل رجلين"، و"برجلين مثل رجال"، و"بامرأة مثل رجل"، ألا ترى أنك تستفيد في أثناء ذلك معنى التشبيه والتمثيل". وأما "ما" في كلام المصنف في قوله: "ما صفاتها كصفات النار": فهي نافية، وذلك لما سبق له أن هذا الكلام في صورة الإثبات ومعنى النفي، وأما معنى الجمع في قوله: "كصفات النار": فلوقوع ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ الآية مشبهًا به، والمشبه متعدد، ذكر فيه أشياء ستة: الأنهار الأربعة مكررة، ثم قيل: ﴿مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ثم ﴿ومَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾، فيجب تقدير ما يقابلها في طرف المشبه به، وقد ذكر فيه شيئان: الخلود في النار وسقي الماء الحميم. وعلى تقدير ابن جني: لا يجب تقدير صفات على الجمع؛ لما ذكر من أنه جائز أن يقال: مررت برجلين مثل رجال، وعكسه. قوله: (وقرئ: "أسن"): قرأ ابن كثير: بالقصر، والباقون: بالمد. قوله: (فلا يعود قارصًا ولا حازرًا): الجوهري: "القارص: اللبن الذي يحذي اللسان، وفي المثل: عدا القارص فحزر، أي: جاوز إلى أن حمض"، و"الحازر- بتقديم الزاي-: اللبن الحامض". ؟
[ ١٤ / ٣٤٠ ]
والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع، ولا آفة من آفات الخمر، ﴿مُصَفًّى﴾ لم يخرج من بطون النحل، فيخالطه الشمع وغيره، ﴿ماءً حَمِيمًا﴾ قيل: إذا دنا منهم شوى وجوههم، وانمازت فروة رءوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم.
[﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ ١٦]
هم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فيسمعون كلامه، ولا يعونه، ولا يلقون له بالًا تهاونًا منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال الساعة؟ على جهة الاستهزاء. وقيل: كان يخطب، فإذا عاب المنافقين خرجوا، فقالوا ذلك للعلماء. وقيل: قالوه لعبد الله بن مسعود. وعن ابن عباس: أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل.
﴿آنِفًا﴾ - وقرئ: "أنفًا" على "فَعِل"-: نصب على الظرف،
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر): كل هذا المعنى يعطيه الوصف بقوله: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ تعريضًا بخمور الدنيا، كقوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، ويدل على التعريض تفسيره "المصفى" بقوله: "لم يخرج من بطون النحل، فيخالطه الشمع وغيره"، اعتبر فيهما معنى الوصف بإحدى صفتي الذات، وخصصهما، إذ لولا التعريض لم يفد فائدةً أخرى. قال القاضي: "وفي ذلك مثل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا، بالتجريد عما ينقصها وينغصها، والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها". قوله: (وانمازت فروة رؤوسهم): الجوهري: "مزت الشيء أميزه ميزًا: عزلته وفرزته، وكذلك: ميزته تميزًا فانماز". قوله: (أنفًا): قرأها ابن كثير. ؟
[ ١٤ / ٣٤١ ]
قال الزجاج: هو من: استأنفت الشيء: إذا ابتدأته. والمعنى:ماذا قال في أوّل وقت يقرب منا.
[﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ١٧]
﴿زادَهُمْ﴾ الله ﴿هُدىً﴾ بالتوفيق، ﴿وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ أعانهم عليها، أو: آتاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون. وقرئ: "وأعطاهم"، وقيل: الضمير في ﴿زَادَهُمْ﴾ لقول الرسول، أو لاستهزاء المنافقين.
_________________
(١) ـ قوله: (هو من: استأنفت الشيء: ابتدأته): روي عن المصنف: "الآنف: اسم للساعة التي قبل ساعتك التي أنت فيها، مشتق من الأنف، ولتقدمه الوقت الحاضر كأنه بمعنى: المتقدم، ومنه: أنفة الصبا: لأوله، ويقال: روضة أنف: لم ترع، أي: لما أول يرعى". قوله: (﴿وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أعانهم عليها، أو آتاهم جزاء تقواهم): والأول أوفق لتأليف النظم؛ لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيها التقابل، فقوبل ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بقوله: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين، وترادف ما يزيد في الكفر، وقوله: ﴿واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ بقوله: ﴿وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل إليه بشر اشره، وهو التقوى الحقيقي المعنى بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه. ؟
[ ١٤ / ٣٤٢ ]
[﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَاتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ ١٨]
﴿أَنْ تَاتِيَهُمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿السَّاعَةَ﴾، نحو: ﴿أَن تَطَؤُهُمْ﴾ من قوله: ﴿رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ [الفتح: ٢٥]. وقرئ: "إن تأتهم"، بالوقف على ﴿السَّاعَةَ﴾ واستئناف الشرط، وهي في مصاحف أهل مكة كذلك.
_________________
(١) ـ وفي الترفع عن متابعة الهوى: النزوع إلى المولى، والعزوف عن شهوات هذه الأدنى. ثم في إسناد ﴿وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ إلى الله تعالى، وإسناد متابعة الهوى إليهم: إنما إلى معنى قوله ﷺ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وتلويح إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني، وملازمة التقوى دواء إلهي، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢]. قوله: (﴿أَن تَاتِيَهُم﴾ بدل اشتمال): قال الزجاج: "موضع "أن": نصب على البدل من ﴿السَّاعَةَ﴾، المعنى: فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الساعة بغتة، كقوله: ﴿ولَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ ونِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، والمعنى: لولا أن تطؤوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمنات". قوله: (وقرئ: "إن تأتهم"، بالوقف على ﴿السَّاعَةَ﴾): قال ابن جني: "قرأها أبو عمرو ابن العلاء: هذا استئناف شرط، لأنه وقف على ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾، ثم قال: "إن تأتهم بغتةً فقد جاء أشراطها"، فإن قلت: الشرط لا بد معه من الشك من الله تعالى، ومعناه: منهم، أي: أن شكوا في مجيئها بغتةً فقد جاء أشراطها، أي: علاماتها، فهلا توقعوها وتأهبوا لوقوعها". ؟
[ ١٤ / ٣٤٣ ]
فإن قلت: فما جزاء الشرط؟ قلت: قوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾، ومعناه: إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، أي: تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة، يعني: لا تنفعهم الذكرى حينئذ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣]. فإن قلت: بم يتصل قوله: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ على القراءتين؟ قلت: بإتيان الساعة؛ اتصال العلة بالمعلول، كقولك: إن أكرمني زيد فأنا حقيق بالإكرام أكرمه.
والأشراط: العلامات، قال أبو الأسود:
فإن كنت قد أزمعت بالصّرم بيننا فقد جعلت أشراط أوّله تبدو
وقيل: مبعث محمد خاتم الأنبياء ﷺ وعليهم منها، وانشقاق القمر، والدخان. وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام.
وقرئ: "بغتة" بوزن: جربة، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها،
_________________
(١) ـ وقلت: فالكلام حينئذ ذو جملتين، قال أبو البقاء: " ﴿فَأَنَّى لَهُمْ﴾ خبر ﴿ذِكْرَاهُمْ﴾، والشرط معترض، أي: إني لهم ذكراهم إذا جاءتهم، وقيل: التقدير: إني لهم الخلاص إذا جاء تذكرتهم"، ولعل هذا أسهل مأخذًا من اختيار المصنف؛ لما يؤدي إلى جعل الكل كلامًا واحدًا، ويلزم التعاطل. قوله: (على القراءتين): أي: المشهورة، وهي ﴿أَن تَاتِيَهُم﴾، والشاذة، وهي: "إن تأتهم". قوله: (كثرة المال والتجارة): يعني: للعرب، وإلا فالعجم لم تزل كذلك، وهو من قوله صلوات الله عليه: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان". قوله: (وقرئ: "بغتةً"): وهي في الشواذ، قال ابن جني: "وهي قراءة أبي عمرو- في رواية ؟
[ ١٤ / ٣٤٤ ]
وهي مروية عن أبي عمرو، وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب:
"بغتة"، بفتح الغين من غير تشديد، كقراءة الحسن فيما تقدم.
[﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ ١٩]
لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين، قال: إذا علمت أن الأمر كما ذكر؛ من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء،
_________________
(١) ـ هارون، وفعله لم يأت في المصادر، ولا في الصفات، إنما هو مختص بالاسم، منه: الشربة: اسم موضع، ومنه: الجربة: الجماعة"، الجوهري: "الجربة- بالفتح وتشديد الباء-: العانة من الحمير، وربما سموا الأقوياء من الناس إذا كانوا جماعةً متساوين". قوله: (لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين قال: إذا علمت) إلى آخره: يعني: لما قوبل بين ذكري المؤمن والكافر، وفصل بين وصفيهما من السعادة والشقاوة، من مفتتح السورة مرةً بعد أخرى، علم أن اسم الذات- عز شأنه وجل سلطانه- في هذا المقام متجل بتجلي الهيبة والجلال، ومعلم أن مسماه هو الذي يهدي ويضل، ويسعد ويشقي، وهو المتصرف في ملكه وملكوته ما شاء كيف يشاء، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فينبغي للمكلف أن يكون على حذر من سطوة كبريائه، فيتواضع لعظمة جلاله، لأنه بمرأى منه ومسمع في متقلبه ومثواه، ولم يزل يسترحم لنفسه، ويستغفر لتقصيره، ولذلك أمر أفضل خلقه بالاستغفار: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ﴾. ؟
[ ١٤ / ٣٤٥ ]
فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله، وعلى التواضع وهضم النفس، باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك،
_________________
(١) ـ قوله: (فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله تعالى، وعلى التواضع وهضم النفس، باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك): فقدر مضافًا، قال القاضي: "وفي إعادة الجار وحذف المضاف إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم، وأنها جنس آخر". وقلت- والعلم عند الله-: أن المراد باستغفار القوم: دعوتهم إلى ما يزيل أوضارهم؛ من الكفر بالله تعالى والنفاق وسائر المعاصي، والنظم يقتضي هذا؛ لأن قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾ مترتب بالفاء على قوله: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ السَّاعَةَ﴾، يعني: إذا تيقنت أن الساعة آتية وقد جاء أشراطها، فخذ بالأهم فالأهم، والأولى فالأولى، فتمسك بالتوحيد، ونزه الله عما لا ينبغي، ثم طهر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك من ترك الأولى، فإذا صرت كاملًا في نفسك، فكن مكملًا لغيرك، فاستغفر للمؤمنين. فإذن: المراد باستغفار المؤمنين والمؤمنات: ما به يزول كفرهم ونفاقهم ومعاصيهم من العلم والعمل، وبالمؤمنين: العموم؛ سواء كان مؤمنًا مخلصًا أو كافرًا منافقًا؛ تغليبًا، يدل على الأول: قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ومَثْوَاكُمْ﴾، فإنه عبارة عن الوعد والوعيد على أعمال الخير والشر، وعلى الثاني: قوله تعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيهَا القِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ الآيات، فالاستغفار محمول على عموم المجاز. ؟
[ ١٤ / ٣٤٦ ]
والله يعلم أحوالكم ومتصرفاتكم ومتقلبكم في معايشكم ومتاجركم، ويعلم حيث تستقرون في منازلكم، أو متقلبكم في حياتكم ومثواكم في القبور، أو متقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى، وأن يستغفر ويسترحم.
وعن سفيان بن عيينة: أنه سئل عن فضل العلم، فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به، فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فأمر بالعمل بعد العلم، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، إلى قوله: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، ثم قال بعد: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]،
_________________
(١) ـ ونظير معنى ترتب الفاء السابق: ما رويناه في "صحيحي" البخاري ومسلم عن أنس: "أن رجلًا سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: ما أعددت لها؟ فكان الرحل استكان، ثم قال: ما أعددت لها كبير صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت"، وفي رواية: "قال أنس: ما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبيصلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت"، قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل أعمالهم". قوله: (أنه سئل عن فضل العلم، فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به): يعني: فضل العلم إنما يظهر إذا قرن بالعمل، لأنه تعالى إنما بدأ به في هذه الآيات؛ ليؤذن أنه كالمقدمة للعمل والتتمة للواجب، ولا يحسن العلم ولا له فضل ولا مزية إذا لم يستتبع العمل، ولا يصح العمل إذا لم يصدر عن علم. وجواب ابن عيينة من الأسلوب الحكيم- من قبيل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ؟
[ ١٤ / ٣٤٧ ]
وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم أمر بالعمل بعد.
[﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ * طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ٢٠ - ٢١]
_________________
(١) ـ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة: ١٨٩]-؛ سألوه عن فضل العلم، فأجاب بأن فضل العلم إنما يظهر إذا جعل وسيلةً إلى العمل، كما أن النفقة إنما تكون معتدًا بها إذا وقعت موقعها، أي: الواجب أن يسألوا عن العلم وعن العمل به، لا عنه وحده. قوله: (ثم أمر بالعمل بعد): أي: بعد العلم هاهنا. وعن بعضهم: "ثم أمر بالقسمة والصرف إلى مصارفها في موضع آخر"، وليس بذاك، لأن قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، فيه بيان الصرف إلى المصارف، لأن قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ دل على ذلك؛ لما فيه: أن أربعة أخماس الغنمية تصرف إلى المحاربين، والخمس الباقي إلى الله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. على أن المراد بالعمل ما يشق على المكلف، كما في الأمثلة الأخرى، بل دل على ذلك ما بعد "اعلموا"، وهو تقييد العلم بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فإن فيه معنى الأمر بقطع الطمع عن ذلك الخمس، والاقتناع بما قسم لهم من الأخماس الأربعة، كما قال المصنف في موضعه: "المعنى: أن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به للهذ، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم: العلم المجرد، ولكنه العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله"، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر، ألا ترى كيف صرح بلفظ الأمر في قوله: "فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا". ؟
[ ١٤ / ٣٤٨ ]
كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم، ويقولون: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ في معنى الجهاد، ﴿فَإِذا أُنْزِلَتْ﴾ وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم، وسقطوا في أيديهم، كقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٧٧].
﴿مُحْكَمَةٌ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب القتال. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وقيل لها: محكمة؛ لأنّ النسخ لا يرد عليها من قبل أنّ القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. وقيل: هي المحدثة، لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ، ثم تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة. وفي قراءة عبد الله: "سورة محدثة"، وقرئ: "فإذا نزلت سورة وذكر فيها القتال" على البناء للفاعل ونصب "القتال".
﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي الأقدام، ﴿نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: تشخص أبصارهم جبنًا وهلعًا وغيظًا، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت، ﴿فَأَوْلى لَهُمْ﴾ وعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل؛ من الولي، وهو القرب، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.
_________________
(١) ـ قوله: (كاعوا): أي: تأخروا وجبنوا، الأساس: "كع الرجل، وكعكعه الخوف، فتكعكع"، الجوهري: "كعت عن الشيء أكيع، وأكاع: لغة في: كععت عن الأمر أكع: إذا هبته وجبنت". قوله: (ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه): روى الواحدي عن الأصمعي: "معنى قولهم في التهديد: أولى لك: وليك مكروه، وقاربك ما تكرهه". وروي عن أبي علي: أنه علم للويل مبني على وزن "أفعل"، من لفظ "الويل" على القلب، أصله: "أويل"، وهو غير منصرف، كأحمد، للعلمية وكونه على وزن "أفعل". ؟
[ ١٤ / ٣٤٩ ]
﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ كلام مستأنف، أي: طاعة وقول معروف خير لهم. وقيل: هي حكاية قولهم، أي: قالوا: طاعة وقول معروف، بمعنى: أمرنا طاعة وقول معروف، وتشهد له قراءة أبيّ: "يقولون: طاعة وقول معروف".
﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جدّ، والعزم والجد لأصحاب الأمر، وإنما يسندان إلى الأمر إسنادًا مجازيًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: فلو صدقوا في إيمانهم، وواطأت قلوبهم فيه ألسنتهم.
[﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ ٢٢ - ٢٣]
عسيت وعسيتم: لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم فيقولون: عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا، ولا يلحقون الضمائر، وقرأ نافع بكسر السين، وهو غريب، وقد نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات؛ ليكون أبلغ في التوبيخ.
فإن قلت: ما معنى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ … أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؟ قلت: معناه: هل يتوقع منكم الإفساد؟ فإن قلت: فكيف يصح هذا في كلام الله عز وعلا، وهو عالم بما كان وما يكون؟ قلت: معناه: أنكم لما عهد منكم أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم، وعرف تمريضكم، ورخاوة عقدكم في الإيمان: يا هؤلاء ما ترون؟ هل يتوقع منكم -إن توليتم أمور الناس، وتأمرتم عليهم، لما تبين منكم من الشواهد، ولاح من المخايل- ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ تناحرًا على الملك وتهالكًا على الدنيا؟
_________________
(١) ـ وقال صاحب "الكشف": ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وهو اسم التهديد والوعيد، كأنه قال: الوعيد لهم، و"أولى" غير منصرف، لأنه على وزن الفعل، وصار اسمًا للوعيد، وقول المفسرين: وليك شر فاحذر، لا يريدون به أن "أولى" فعل، وإنما ذاك تفسير على المعنى. قوله: (تناحرًا): أي: تحارصًا وتهالكًا، تهالك على الفراش: سقط. ؟
[ ١٤ / ٣٥٠ ]
وقيل: إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله ﷺ وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا ووأد البنات؟
وقرئ: "وليتم"، وفي قراءة على بن أبي طالب ﵁: "توليتم"؛ أي: إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم، ومشيتم تحت لوائهم، وأفسدتم بإفسادهم؟ وقرئ: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾، و"تقطعوا"؛ من التقطيع والتقطع.
﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لإفسادهم وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه وخذلهم، حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى.
ويجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المؤمنين الخلص الثابتين، وأنهم يتشوفون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد، رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها.
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: أن أعرضتم وتوليتم): عطف على قوله: (إن توليتم أمور الناس"، ومرجع معنى التوقع إلى الخلق، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. قوله: (وقرئ: ﴿وتُقَطِّعُوا﴾ و"تقطعوا"): الأولى: هي المشهورة، والثانية: شاذة. قوله: (ويجوز أن يريد بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُو﴾: المؤمنين الخلص): عطف على قوله: "كانوا يدعون الحرص على الجهاد، ويتمنونه بألسنتهم"، وعلى الوجه الأول: قوله: ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ من باب التجريد؛ جرد من الذين آمنوا القائلين: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾، وهم هم، وعلى الثاني: غير الأولى، ولذلك قال: "رأيت المنافقين فيما بينهم ؟
[ ١٤ / ٣٥١ ]
[﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ ٢٤]
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ويتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾، و"أم" بمعنى: بل، وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة: إذن -والله- يجدوا في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا.
فإن قلت: لم نكرت "القلوب"، وأضيفت "الأقفال" إليها؟ قلت: أما التنكير: ففيه وجهان: أن يراد: على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك،
_________________
(١) ـ يضجرون منها". والجملة مستأنفة على التقديرين، والتقدير الأخير أنسب للتنافي والتقابل الواقع بين الفريقين في آيات هذه السورة- كما مر-، وقرينتها ستجيء، وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٣] الآية، وستقف عليه. قوله: (يجدوا في القرآن زاجرًا عن معصية الله): فيه تجريد، كقوله: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. قوله: (أخذوا بالمتشابه فهلكوا): من قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، والتدبر في القرآن: تمييز المحكم من المتشابه، وجعله أصلًا يؤول إليه معنى المتشابه. قوله: (أن يراد: على قلوب قاسية مبهم): نحوه ما أنشد ابن جني: أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم ؟
[ ١٤ / ٣٥٢ ]
أو يراد: على بعض القلوب، وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة "الأقفال": فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح.
وقرئ: "إقفالها"؛ على المصدر.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ * ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ﴾ ٢٥ - ٢٨]
﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لـ"إنّ"، كقولك: إنّ زيدًا عمرو مرّ به، ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾: سهل لهم ركوب العظائم، من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا.
_________________
(١) ـ وهذا كقولك: أمير المؤمنين على الصراط المستقيم، لا فرق بينهما؛ لأن مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته، من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته. تم كلامه. فكأنه جعل قلوبهم جنس القلوب، ادعاء لكمال معنى القساوة فيها، ولذلك قال: "على قلوب قاسية"، وهو قريب إلى التجريد. قوله: (على بعض القلوب): روى السلمي عن ابن عطاء: قلوب أقفلت عن التدبر، وألسن منعت عن التلاوة، وأسماع صمت عن الاستماع، ومن القلوب قلوب كشف عنها الغطاء، فلا تكون لها راحةً إلا التلاوة أو الاستماع أو التدبر، فشتان ما بين الحالتين. قوله: (وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق): علم الاشتقاق باحث عن أخذ صيغة مع شروط الأخذ لا غير، وعلم التصريف باحث عن كيفية المأخوذ، ؟
[ ١٤ / ٣٥٣ ]
﴿وَأَمْلى لَهُمْ﴾ ومدّ لهم في الآمال والأماني، وقرئ: "وأملي لهم"، يعني: إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى: ﴿أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقرئ: "وأملي لهم" على البناء للمفعول، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم.
وقرئ: "سوّل لهم"، ومعناه: كيد الشيطان زين لهم، على تقدير حذف المضاف.
فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد ﷺ من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل: هم المنافقون.
﴿الذين قَالُوا﴾ اليهود، والذين ﴿كَرِهُوا مَا نّزَّلَ اللهُ﴾ المنافقون. وقيل: عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لنخرجنّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١]. وقيل: ﴿بَعْضِ الْأَمْرِ﴾: التكذيب برسول الله ﷺ، أو بـ"لا إله إلا الله"،
_________________
(١) ـ وعن الهيئات والحالات الحاصلة في المأخوذ، والقياس التصريفي يقتضي أن يقال: سأل إذ لا موجب للتليين. قال صاحب"التقريب": وليس مشتقًا من السؤل، كما توهمه بعضهم؛ إذ لا يساعده التصريف، لأنه كان حقه"سأل" بالهمز، ولا الاشتقاق؛ لأن السؤل بمعنى الحاجة، فعل بمعنى مفعول، وليس في ﴿سَوَّلَ﴾ معنى السؤال، وشرط الاشتقاق اتفاق المعنى. قوله: (إن الشيطان يغويهم، وأنا أنظرهم): قال الواحدي: "ويحسن الوقوف على قوله: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ لأنه فعل الشيطان، والإملاء فعل الله، وعلى قول الحسن: لا يحسن الوقف؛ لأنه يقول: الشيطان مد لهم في الأمل". قوله: (أو بـ"لا إله إلا الله"): هذا التكذيب لا يستقيم إلا إذا حمل على أن المنافقين قالوا ذلك للمشركين، لأن اليهود أيضًا موحدون. ؟
[ ١٤ / ٣٥٤ ]
أو ترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التضافر على عداوة رسول الله ﷺ والقعود عن الجهاد معه. ومعنى: ﴿فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ في بعض ما تأمرون به، أو في بعض الأمر الذي يهمكم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾، وقرئ: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ على المصدر، قالوا ذلك سرًّا فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم، فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ؟
وقرئ: "توفاهم"، ويحتمل أن يكون ماضيًا، ومضارعًا قد حذفت إحدى تاءيه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧]. وعن ابن عباس ﵄: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره.
﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف، ﴿ما أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من كتمان نعت رسول الله ﷺ، و﴿رِضْوانَهُ﴾ الإيمان برسول الله.
[﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ * وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ ٢٩ - ٣٠]
﴿أَضْغانَهُمْ﴾ أحقادهم، وإخراجها: إبرازها لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلي حنقًا عليهم.
﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ لعرفناكهم ودللناك عليهم، حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك، ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بعلامتهم، وهو أن يسمعهم الله تعالى بعلامة يعلمون بها.
_________________
(١) ـ قوله: (في التضافر): بالضاد المعجمة، الجوهري: "تضافروا على الشيء: تعاونوا عليه". قوله: (﴿لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ لعرفناكهم): قال الزجاج: "كما تقول: قد أريتك هذا الأمر، أي: قد عرفتك إياه". قوله: (ودللناك عليهم حتى تعرفهم بأعيانهم): روينا في " مسند أحمد بن حنبل" عن ؟
[ ١٤ / ٣٥٥ ]
وعن أنس ﵁: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات، وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة، وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق.
فإن قلت: أي فرق بين اللامين في ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ و﴿لَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾؟ قلت: الأولى هي الداخلة في جواب «لو»، كالتي في ﴿لَأَرَيْناكَهُمْ﴾ كررت في المعطوف، وأما اللام في ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف.
﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ في نحوه وأسلوبه. وعن ابن عباس: هو قولهم: مالنا -إن أطعنا- من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا -إن عصينا- من العقاب. وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك، أي: تميله إلى نحو من الأنحاء، ليفطن له صاحبك، كالتعريض والتورية، قال:
ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا واللّحن يعرفه ذوو الألباب
وقيل للمخطئ: لاحن؛ لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.
[﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ ٣١]
_________________
(١) ـ أبي مسعود: "خطبنا رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أن منكم منافقين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، حتى سمى ستةً وثلاثين". قال: (ولا يقولون: ما علينا أن عصينا): يعني: كان حقهم على ما هم عليه من العصيان أن يقولوا: ما لنا- أن عصينا- من العقاب، فأتوا على أسلوب ما يؤذن المدح، بقولهم: ما لنا-إن أطعنا- من الثواب. قوله: (أن تلحن بكلامك): أي: بمثله من الأنحاء، وأنشد الزجاج قول الشاعر: منطق صائب وتلحن أحيا نًا وخير الحديث ما كان لحنا ؟
[ ١٤ / ٣٥٦ ]
﴿أَخْبارَكُمْ﴾ ما يحكى عنكم، وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها؛
_________________
(١) ـ أي: خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد، إنما يعرف أمرها في أنحاء قولها. هذا هو المراد من قول المصنف: "كالتعريض والتورية"، أي: الإيهام. الراغب: "اللحن: صرف الكلام عن سننه الجاري عليه، إما بإزالة الإعراب أو التصحيف، وهو المذموم، وذلك أكثر استعمالًا، وإما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى، وهو محمود من حيث البلاغة، وإليه قصد بقول الشاعر- عند أكثر الأدباء-: وخير الحديث ما كان لحنا وإياه قصد بقوله: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾، ومنه قيل للفطن لما يقتضي فحوى الكلام: لحن، وفي الحديث: "لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض"، أي: ألسن وأفصح وأبين كلامًا، وأقدر على الحجة". قوله: (وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها): أي: عبر بـ ﴿أَخْبَارَكُمْ﴾ عن "أعمالكم" في قوله: ﴿ونَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ على سبيل الكناية، لأن الإخبار تابع لوجود المخبر عنه، المعنى: يختبر أخباركم، أن كان الخبر حسنًا فالمخبر عنه- الذي هو العمل- حسن، وإن كان الخبر قبيحًا فالعمل أيضًا قبيح. وقال ابن الحاجب في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾: " العلم يطلق باعتبار الرؤية، والشيء لا يرى حتى يقع، أو بمعنى المجازاة، المعنى: حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين". ؟
[ ١٤ / ٣٥٧ ]
لأن الخبر على حسب المخبر عنه؛ إن حسنًا فحسن، وإن قبيحًا فقبيح. وقرأ يعقوب: "ونبلو"، بسكون الواو؛ على معنى: ونحن نبلو أخباركم. وقرئ: "وليبلونكم" و"يعلم"، و"يبلو" بالياء.
وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا، وعذبتنا.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ ٣٢]
﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب؛ لأنها مع كفرهم برسول الله ﷺ باطلة، وهم قريظة والنضير، أو سيحبط أعمالهم التي عملوها، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول، أي: سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، بل يستنصرون بها، ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل: هم رؤساء قريش، والمطعمون يوم بدر.
[﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ ٣٣]
﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ أي: لا تحبطوا الطاعات بالكبائر،
_________________
(١) ـ ومعنى الابتلاء: أن الله تعالى يعاملنا بما يعامل بعضنا بعضًا، فقوله: "ليعلم حسنها" -أي: حسن الأعمال- تعليل لابتلاء الأعمال. وقوله: (لأن الخبر على حسب المخبر عنه): تعليل لإطلاق"الأخبار" على"الأعمال". قوله: (وقرئ "وليبلونكم" و"يعلم" و"يبلو" بالياء): أبو بكر، والباقون بالنون. قوله: (لا تحبطوا الطاعات بالكبائر): الانتصاف: "الكبائر لا تحبط الحسنات، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ؟
[ ١٤ / ٣٥٨ ]
_________________
(١) السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، والكبيرة عند المعتزلة: تحبط الصالحات، ولو كانت مثل زبد البحر، وما أورده الزمخشري من الآثار وجب رده على قاعدة الحق بالتأويل، فإن لم يقبل التأويل فطريقه أن يحسن الظن بالمنقول عنه، وتغليط قائله، وكلام ابن عمر: ظاهره أولى بنصرة أهل السنة، والآية محمولة عندنا على الإخلال بركن أو شرط يقتضي البطلان من أصله، لا أنه يبطل بعد استكمال شرائط الصحة والقبول". وقال القاضي: " ﴿لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ كما أبطل هؤلاء بالكفر والنفاق، أو لا تبطلوا بالعجب والرياء والمن والأذى ونحوها، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر". وقلت: أما قصية النظم: فإنه تعالى لما حكى عن المؤمنين الذين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد: ٢٠]، وكانوا يدعون بذلك الحرص على الجهاد، وحين أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال جبنوا وكعوا وأبوا إلا مخالفة طاعة الله ورسوله، وذمهم على ذلك ذمًا بليغًا، وأطنب فيه، حتى ختمه بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾، أتبع ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، أي: لا تكونوا أمثالهم فيما أمرتم به من الجهاد في سبيل الله، فتجبنوا فيه، فإن ذلك نفاق وتشبيه بالكفرة الذين صدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول، فسيحبط الله أعمالكم، كما أبطل أعمالهم. ؟
[ ١٤ / ٣٥٩ ]
كقوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى أن قال:﴾ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]، وعن أبي العالية: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن حذيفة: فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر: كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولًا، حتى نزل: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر، ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة ﵀: رحم الله عبدًا لم يحبط عمله الصالح بعمله السيئ.
وقيل: لا تبطلوها بمعصيتهما، وعن ابن عباس: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه: بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب، فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وقيل: ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى.
[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣٤]
﴿ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم.
[﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ ٣٥]
_________________
(١) ـ فالحاصل أنه من باب التغليظ والتقابل، ويؤيده تعقيبه بقوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ﴾ بالفاء، وفصله بقوله: ﴿ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قوله: (قيل: هم أصحاب القليب): أي: قليب بدر، وهم قريش. ؟
[ ١٤ / ٣٦٠ ]
﴿فَلا تَهِنُوا﴾ فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ، ﴿وَ﴾ لا ﴿تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾، وقرئ: "السلم"، وهما المسالمة، ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: الأغلبون الأقهرون، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أي: ناصركم. وعن قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرئ: "ولا تدّعوا"؛ من: ادّعى القوم وتداعوا: إذا دعوا، نحو قولك: ارتموا الصيد وترموه. و"تدعوا" مجزوم لدخوله في حكم النهي، أو منصوب لإضمار "إن"، ونحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ [طه: ٦٨].
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "السلم") بكسر السين: أبو بكر وحمزة، والباقون: بفتحها. قوله: (ضرعت إلى صاحبتها): الأساس: "ضرع له وإليه ضرعًا: إذا استكان وخشع، وهو يتضرع إليه، ولم يزل ضارعًا حتى فعلت كذا"، وعن بعضهم: ضرع؛ أي: مال على سبيل الخضوع، فهو ضرع، سمي بالمصدر للمبالغة، وضرعت: إذا استكانت، وفتح الراء خطأ. قوله: (بالموادعة): الجوهري: "هي المصالحة". قوله: (ونحو قوله: ﴿وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾: قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾): يعني: نظيره في كونه تقريرًا للغلبة والقهر، وقد صدرت ب"إن" المؤكدة، وحليت بلام التعريف، وفي لفظ العلو، وصيغة التفضيل. نعم ليس فيه تكرار الضمير ولا الاستئناف، لكنه حال مقررة لمعنى النهي، مردوفة بما يزيدها تقريرًا وتبيينًا، أي: لا ينبغي أن تتضرعوا إلى الصلح، والحال أنتم قاهرون عليهم، وأن الله ناصركم عليهم في الدنيا، وخاذلهم، وهو موفي أجوركم في العقبى. ؟
[ ١٤ / ٣٦١ ]
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾: من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا من ولد أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر، وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام، ومنه قوله ﵊: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله»، أي: أفرد عنهما قتلًا ونهبًا.
_________________
(١) ـ قال مكي: " ﴿وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ الجملة حال من الضمير المرفوع في"تدعوا"، وكذلك ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ ﴿ولَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ". قوله: (أو حربته): الجوهري: "حرب الرجل ماله؛ أي: سلبه، فهو محروب". قوله: (وهو من فصيح الكلام): لأنه تعالى أجرى عمل العامل مجرى القريب والمال، شبه تعطيل ثواب العمل بوتر الواتر في الهلكة والخسران، ثم استعير لجانب المشبه اللفظ المستعمل في جانب المشبه به، وهو ﴿يَتِرَكُمْ﴾، ونحوه في الإجراء قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]؛ جعل بالادعاء القلب السليم من أفراد جنس المال والبنين، ثم استثنى بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ بعض أفراد ذلك الجنس. قال مكي: " ﴿يَتِرَكُمْ﴾ و﴿تَهِنُوا﴾: حذفت منهما الفاء، وهي واو، وأصله: "توهنوا" و"يوتركم"، حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وأتبع سائر أمثلة الفعل المستقبل الحذف وإن لم يكن فيه ياء، على الإتباع، لئلًا يختلف الفعل". قوله: (من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله): أخرجه النسائي عن نوفل، ورواية البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله". ؟
[ ١٤ / ٣٦٢ ]
[﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ * إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [٣٦ - ٣٨]
﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ثواب إيمانكم وتقواكم، ﴿وَلا يَسْئَلْكُمْ﴾ أي: ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر.
ثم قال: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ﴾ أي: يجهدكم ويطلبه كله، والإحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة: إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، وأحفى شاربه: إذا استأصله، ﴿تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ أي: تضطغنون على رسول الله ﷺ، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، والضمير في ﴿يُخْرِجْ﴾ لله ﷿، أي: يضغنكم بطلب أموالكم، أو للبخل، لأنه سبب الاضطغان.
وقرئ: "نخرج" بالنون، و"يخرج" بالياء والتاء مع فتحهما، ورفع "أضغانكم".
_________________
(١) ـ قوله: (ثم قال: ﴿إن يَسْأَلْكُمُوهَا﴾): يعني: الجملة الشرطية كالتعليل لقوله: " ﴿ولا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾، أي: لا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر"، روى الواحدي عن السدي أنه قال: "إن يسألكم جميع ما في أيديكم ﴿تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ يظهر بغضكم وعداوتكم لله ورسوله، ولكنه فرض عليكم يسيرًا، وهو ربع العشر"، فقول المصنف: "أي: يضغنكم بطلب أوالكم": معناه: يظهر بغضكم بطلب جميع أوالكم، وكذا معنى "يذهب بأموالكم"، أي: يهلكها، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. قوله: (وقرئ: "نخرج" بالنون): السبعة. ؟
[ ١٤ / ٣٦٣ ]
﴿هؤُلاءِ﴾ موصول بمعنى: الذين، صلته ﴿تُدْعَوْنَ﴾، أي: أنتم الذين تدعون، أو: أنتم -يا مخاطبون- هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا: وما وصفنا؟ فقيل: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: هي النفقة في الغزو، وقيل: الزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم: أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بالصدقة وأداء الفريضة، فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما يَبْخَلُ عَلى نَفْسِهِ، يقال: بخلت عليه وعنه، وكذلك ضننت عليه وعنه، ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب.
_________________
(١) ـ قوله: (أو: أنتم- يا مخاطبون- هؤلاء الموصوفون): فعلى هذا فيه توبيخ عظيم، وتحقير من شأنهم لأجل الوصف بالبخل، قال في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]: "هو استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان، بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم. والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين؛ تنزيلًا لتغير الصفة منزلة تغير الذات" فالمعنى هاهنا: إنا فرضنا عليكم ربع العشر ليسهل عليكم، إذ لو طلبنا منكم جميع أموالكم لبخلتم وأظهرتم بغض الله ورسوله، والدليل عليه: أنكم- مع ذلك التسهيل- هؤلاء المشاهدون الموصوفون بأنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به. قوله: (يقال: بخلت عليه وعنه): وعن بعضهم: بخل عن نفسه: مضمن بمعنى البعد، أي: يبعد الخير عن نفسه على طريق البخل. ويمكن أن يقال: يصدر البخل عن نفسه، لأنها مكان للبخل ومنبعه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩]. ؟
[ ١٤ / ٣٦٤ ]
_________________
(١) وقال القاضي: "البخل: يعدى ب"عن" وب"على" لتضمنه معنى الإمساك، فإنه إمساك عن مستحق"، لكن قول المصنف هذا بعد قوله السابق مشعر بعدم التفرقة في الاستعمال، كما عليه مذهب النحويين دون أهل المعاني، فإنه لما أكد معنى جزاء الشرط- وهو قوله: "فلا يتعداه ضرر بخله"- بقوله: وإنما يبخل على نفسه، وأتى ب"على" وخالف، لأنه في التنزيل: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾، اعتذار له بقوله: "يقال: بخل عليه وعنه"، أي: أنهما سيان في الاستعمال. قال الحريري في"درة الغواص": "الفعل اللازم يعدى تارةً بهمزة النقل، كقولك: خرج زيد وأخرجته، وأخرى بالباء كقولك: خرج زيد وخرجت به، واختلف النحويون: هل بين حرفي التعدية فرق أم لا؟ فقال الأكثرون: هما بمعنى واحد، وقال المبرد: بينهما فرق؛ وهو أنك إذا قلت: "أخرجت زيدًا" كان المعنى: حملته على الخروج، وإذا قلت: خرجت بزيد، فمعناه: خرجت واستصحبته معك، والقول الأول أصح". وقال صاحب "الضوء": "معنى التعدية في: ذهبت به وأذهبته": واحد، وفي سائر المواضع يفيد مع معنى التعدية معنى آخر، وهاهنا لم يفد شيئًا سواها". وقلت: فعلى هذا: الشرط والجزاء متقاربان في المعنى، كقولك تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقولهم: "من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك"، فيكون المعنى: من يبخل عن أداء ربع العشر بعد ذلك التقريع والتوبيخ فقد بالغ في البخل، وكان هو البخيل في الحقيقة. روينا
[ ١٤ / ٣٦٥ ]
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على ﴿وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يخفق قومًا سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله: ﴿وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، فاطر: ١٦]، وقيل: هم الملائكة، وقيل: الأنصار، وعن ابن عباس: كندة والنخع، وعن الحسن: العجم، وعن عكرمة: فارس والروم.
_________________
(١) ـ عن الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك". ولإرادة التوكيد ذيل الكلام بقوله: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ﴾، وجعله كالاعتراض بين المتقابلين، أعني قوله: ﴿وإن تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ وقوله: ﴿وإن تَتَوَلَّوْا﴾، وهما المعطوفان المعنيان بقوله: " ﴿وإن تَتَوَلَّوْا﴾ معطوف على ﴿وإن تُؤْمِنُوا﴾ ". والتعريف في ﴿الغَنِيُّ﴾ و﴿الفُقَرَاءُ﴾ للجنس، فآذنا بكمال الغنى ونهاية الفقر، ثم كونهما خبرين وهما معرفتان: دلا على الحصر، نظيره قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٦]، والمعنى: أنتم جنس الفقراء الكاملون فيه، والله هو الغني على الإطلاق، فهو غني عنكم وعن عبادتكم، فإن لم تحمدوه أنتم يستبدل قومًا غيركم؛ من يحمد ولا يكفر مثلكم. قوله: (يخلق قومًا سواكم): أي: "يستبدل": يحتمل استبدال الوصف واستبدال الذات، كما مر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، والذي يقتضيه المقام: الثاني، وقوله: "يخلق قومًا سواكم": يشير إلى ذلك، ولهذه الدقيقة استشهد بقوله: ﴿وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، فاطر: ١٦].
[ ١٤ / ٣٦٦ ]
وسئل رسول الله ﷺ عن القوم، وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه، وقال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطًا بالثريا لتناوله رجال من فارس».
وعن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة محمد ﷺ كان حقًا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة».
_________________
(١) ـ قوله: (وسئل رسول الله ﷺ عن القوم، وكان سليمان) الحديث: أخرجه الترمذي عن أبي هريرة. تمت السورة حامدًا لله، ومصليًا على رسول الله ﷺ * * *
[ ١٤ / ٣٦٧ ]