مكية وهي اثنتان وخمسون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿ن والْقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ﴾ ١].
قرئ: ﴿ن والْقَلَمِ﴾ بالبيان والإدغام، وبسكون النون وفتحها وكسرها، كما في ﴿ص﴾،
_________________
(١) سورة ن اثنتان وخمسون آية، مكية إلا ﴿إنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ إلى ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [١٧ - ٣٣] مدنية بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي قوله: (قرئ: ﴿ن والْقَلَمِ﴾، بالبيان والإدغام)، وفي "التيسير": "ورش وأبو بكر وابن عامر والكسائي، يدغمون الهجاء في الواو، ويبقون الغنة في ﴿يس﴾، وكذلك في ﴿ن والْقَلَمِ﴾. غير أن عامة أهل الأداء من المصريين، يأخذون في [﴿ن﴾] مذهب ورش هناك
[ ١٥ / ٥٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بالبيان، والباقون بالبيان للنون في السورتين". قال الزجاج: "والمختار إدغام النون في الواو، كانت النون ساكنة أو متحركة، لأن الذي جاء في التفسير يباعدها من الإسكان والتبيين، لأن من أسكنها وبينها فإنها يجعلها حرف هجاء، والذي يدغمها فجائز أن يدغمها وهي مفتوحة. وجاء في التفسير أن "نون": الحوت الذي دحيت عليه سبع الأرضين، وجاء أيضًا أن النون: الدواة، ولم يجئ في التفسير كما فسرت حروف الهجاء"؛ فالإدغام، كانت حرف هجاء أو لم تكن جائز، والتبيين والإسكان لا يجوز أن يكون فيه غلا حرف هجاء. وقال المهدوي في "تعليل القراءات": "طس": من قرأ بإظهار النون من هجاء "سين" عند الميم، فحجته أن السكون مقدر في حروف التهجي؛ فإذا قلت: "طسم"، فالسكون مقدر على الطاء وعلى السين وعلى الميم، ولذلك لم يعرب. ونظير ذلك أسماء الأعداد في قولهم: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، فيسكنون آخر كل اسم من هذه الأسماء، وهم واصلون لما قدروا
[ ١٥ / ٥٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الوقوف على كل اسم منها، ولذلك جاز قطع ألف الوصل من قولهم: اثنان؛ إذ هي في حكم الابتداء. فعلى ما قلنا: تكون "النون" من هجاء "سين" في حكم الانفصال من الميم، وكذلك القول: والإدغام لا يصح مع الانفصال، وإنما يصح مع الاتصال. ومن أدغم، فإنه راعى اللفظ لما اتصلت النون الساكنة من هجاء "سين" بالميم، وكذلك القول في "يس" و"ن". وإذا علم هذا، فلم لا يجوز أن يقال: إن حكم التبيين في "نون"، وأنه اسم للدواة أو الحوت كما جاء في الأثر، حكم أسماء الأعداد في إجراء الوصل مجرى الوقف؟ وأما الإدغام فظاهر. وأما قوله: "ما أدري أهو وضع لغوي أو شرعي؟ "، فلعله يرد ما نقل عن حبر الأمة أنه قال: "هو الحوت الذي على ظهره الأرض"، وهو قول مجاهد ومقاتل والسدي والكبلي، وقال الحسن وقتادة والضحاك: "هو الدواة"، رواه محيي السنة في "المعالم". هذا وقد مر في الفواتح أن "صاد" و"قاف" و"نون" أسماء للسور ويتأتى فيها الإعراب. وقال أيضًا: "إن مثل "نون" نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف، وانتصابها بفعل مضمر"، أي: اذكر نون وأقسم بالقلم. وقال: "الجر أيضًا جائزٌ
[ ١٥ / ٥٦٥ ]
والمراد هذا الحرف من حروف المعجم، وأما قولهم: هو الدواة، فما أدرى أهو وضع لغوي أم شرعي؟ ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا أو علما، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين؟ وإن كان علما فأين الإعراب؟ وأيهما كان فلابد له من موقع في تأليف الكلام.
فإن قلت: هو مقسم به، وجب إن كان جنسا أن تجره وتنونه، ويكون القسم بداوة منكرة مجهولة، كأنه قيل: ودواة والقلم. وإن كان علما أن تصرفه وتجره، أو لا تصرفه وتفتحه للعملية والتأنيث. وكذلك التفسير بالحوت: إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علما لليهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب، والنهر في الجنة نحو ذلك. وأقسم بالقلم: تعظيما له، لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة،
_________________
(١) ـ بإضمار باء القسمية، لا بحذفها". فعلى التبيين والإدغام، لأجراء الوصل مجرى الوقف كما مر آنفًا. قوله: (من حروف المعجم)، قيل: المعجم هاهنا: مصدر، أي: حروف الإعجام، يعني: حروف إزالة العجمة، يقال: أعجم الحرف، أي: أزال عجمته وأبان. قوله: (فأين الإعراب)، قيل: هذا تقسيم وليس بسؤال. والمعنى بقوله: "في تأليف الكلام "، أن وضع الدواة موضع ﴿ن﴾، ينبغي أن يكون صحيحًا فيما يرجع إلى التأليف، وليس كذلك على ما تبين. قلت: قوله: "والمراد هذا الحرف من حروف المعجم"، يرد قولهم: هذا تقسيم. قوله: (لما في خلقه وتسويته من الدلالة على الحكمة العظيمة)، قال الإمام: "وفيه قولان:
[ ١٥ / ٥٦٦ ]
ولما فيه من المنافع والفوائد التي لا يحيط بها الوصف. ﴿ومَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يكتب من كتب، وقيل: ما يسطره الحفظة، و"ما" موصولة أو مصدرية، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في
﴿يَسْطُرُونَ﴾ لهم، كأنه قيل: وأصحاب القلم ومسطوراتهم، أو سطرهم، ويراد بهم كل من يسطر، أو الحفظة.
[﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وإنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ٢ - ٣].
فإن قلت: بم يتعلق الباء في ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ وما محله؟
قلت: يتعلق بـ "مجنون" منفيا، كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستويا في ذلك الإثبات والنفي
_________________
(١) أحدهما: أن المقسم به هو هذا الجنس، وهو واقع عل كل قلم يكتب في السماء والأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]، فمن بتيسير الكتابة بالقلم، كما من بالنطق فقال: ﴿خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]. ووجه الانتفاع به أنه ينزل الغائب منزلة المخاطب، فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب. والثاني: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر: "أول ما خلق الله القلم"". وقلت: ويؤيد الأول قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، قال الراغب: "أصل القلم: القص من الشيء الصلب، كالظفر وكعب الرمح والقصب، ويقال للمقلوم: قلم، يقال للمنقوض: نقض.
[ ١٥ / ٥٦٧ ]
استواءهما في قولك: ضرب زيد عمرا، وما ضرب زيد عمرا: تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدة؛ ومحله النصب على الحال، كأنه قال: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك؛ ولم تمنع الباء أن يعمل "مجنون" فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي. والمعنى: استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدًا،
_________________
(١) وخص ذلك بما يكتب به وبالقدح الذي يضرب به، وجمعه أقلام، قال تعالى: ﴿ن والْقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]، أي أقداحهم. وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤]، تنبيه لنعمته على الإنسان بما أفاده من الكتابة". قوله: (تعمل الفعل مثبتًا ومنفيًا)، قال الزجاج: ﴿أَنتَ﴾ اسم ﴿مَا﴾، و﴿بِمَجْنُونٍ﴾ الخبر، و﴿بَنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ موصول بمعنى النفي. انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، كما تقول: أنت بنعمة الله فهم، وما أنت بنعمه بجاهل. وهذا جواب لقولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] " قوله: (ما أنت بمجنون منعمًا عليك بذلك)، أي: منعمًا عليك بنفي الجنون. ولو جعل مطلقًا بأن يقال: ما أنت بمجنون منعمًا عليك بالنبوة والفهم، وكمال العقل وسائر ما أنعم عليك من الفضائل؛ لجاز، وهذا جواب القسم. وعلى هذا: ﴿بَنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ كان صفة ل"مجنون"، فقدم وصير حالًا. وقال محيي السنة: "إنك لا تكون مجنونًا، وقد أنعم الله عليك بالنبوة والحكمة، وقيل: بعصمة ربك. وقيل: هو كما يقال: وما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه: ما أنت بمجنون
[ ١٥ / ٥٦٨ ]
وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوة بمنزل.
﴿وإنَّ لَكَ﴾ على احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه ﴿لأَجْرًا﴾ لثوابا ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، أو غير ممنون عليك به، لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء، وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال.
_________________
(١) والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لك". ويمكن أن يقال: إن الباء قسمية، والجملة معترضة. قوله: (والشهامة)، الجوهري: "شهم الرجل بالضم شهامة، فهو شهم، أي: جلد ذكي الفؤاد". قوله: (لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ابتداء)، الانتصاف: "ما يرى رسول الله ﷺ هذا التفسير، حيث قال: "لن يدخل الجنة أحد بعمله"، قالوا: يا رسول الله، ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، وهذا من سوء الأدب". وقلت: المراد من قوله: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾: غير ممنون عليك لأني كريم، ومن شيمة الأكارم أن لا يمنوا على إنعامهم: قال: سأشكر عمرًا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت وأنشد المصنف رحمه الله تعالى لنفسه:
[ ١٥ / ٥٦٩ ]
﴿وإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤].
استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات من قومه وحسن مخالفته ومداراته لهم. وقيل: هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وامُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وعن عائشة ﵂: أن سعد بن هشام سألها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ "؟
_________________
(١) وإن امرأ أسدى إلى صنيعة وذكرنيها مرة لبخيل وفي "نوابغ الكلم": "صنوان: من منح سائله ومن، ومن منع نائله وضن". وفيها: "طعم الآلاء أحلى من المن، وهو أمر من الآلاء من المن". وأما الحديث الذي أورده صاحب"الانتصاف"، فرويناه عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة وجابر، قالا: قال رسول الله ﷺ: "قاربوا وسددوا، واعملوا أنه لن ينجو منكم أحد بعمله"، قالوا: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته"، أي: إلا أن يسترني الله بما؛ مأخوذ من غمد السيف. قوله: (الممضات)، الجوهري: "أمضي الجرح إمضاضًا: إذا أوجعك". قوله: (قالت: كان خلقه القرآن)، الحديث من رواية مسلم وأبي داود والإمام أحمد بن حنبل والدارمي والنسائي وابن ماجه، عن سعد بم هشام: قلت لعائشة ﵄: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: ألست نقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن
[ ١٥ / ٥٧٠ ]
[﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ ٥ - ٦].
﴿المَفْتُونُ﴾ المجنون، لأنه فتن: أي محن بالجنون. أو لأن العرب يزعمون أنه من تخبيل الجن،
_________________
(١) خلق نبي الله كان القرآن. الحديث، وليس فيه ذكر ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. قال شيخنا شيخ الإسلام قي "العوارف": "قولها ﵂: "كان خلقه القرآن"، فيه سر كبير غامض؛ وذلك أن النفوس مجبولة على طبائع وغرائز من البهيمية والسبعية والشيطنة، والله تعالى بعظيم عنايته، نزع نصيب الشيطان منه صلوات الله عليه، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، ولحديث انشرح الصدر، وبعد هذا النزع، بقيت للنفس الزكية النبوية بقايا صفات البشرية رحمة للخلق، فاستمدت البقايا من الصفات بظهورها فيه صلوات الله عليه، بتنزيل الآيات المحكمات بإزائها لقمعها، تأديبًا من الله رحمة الله رحمة له خاصة وللأمة عامة، موزعا نزول الآيات على الأيام والأوقات عند ظهور الصفات، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، فلما تحركت النفس الشريفة عند كسر رباعيته وقال: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم"، أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فاكتسى القلب لباس الاصطبار، فلما توزعت الآيات على ظهور الصفات، صفت الأخلاق النبوية بالقرآن، ليكون خلقه القرآن؛ ولذا ورد: "إنما أنسى لأسن"، تأديبًا لنفوس الأمة وتهذيبًا ورحمة".
[ ١٥ / ٥٧١ ]
وهم الفتان للفتاك منهم، والباء مزيدة. أو المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أي بأيكم الجنون، أو بأي الفريقيين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أي: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم؟ وهو تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وكذلك كقوله تعالى ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].
[﴿إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ * ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ٧ - ٩].
_________________
(١) قوله: (للفتاك منهم)، متعلق بقول مضمر، أي: المفتون المجنون، لأن العرب يزعمون أن الجنون من تخييل بعض الجن، وهم الفتان، يقولون: الفتان: للفتاك منهم. قوله: (والباء مزيدة)، قال الزجاج عن أبي عبيدة: "إن الباء مزيدة، أي: أيكم المفتون ومثله: نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أي: نرجو الفرج، وليس كذلك؛ بل معناه: نرجو كشف ما نحن فيه بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج"، ثم ذكر الوجهين الآخرين. قوله: (أي: في أيهما يوجد)، قال صاحب "التقريب": فالباء بمعنى "في".
[ ١٥ / ٥٧٢ ]
﴿إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا عن سبيله، ﴿وهُوَ أَعْلَمُ﴾ بالعقلاء وهم المهتدون، أو يكون وعيدا ووعدا، وأنه أعلم بجزاء الفريقين.
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة، وآلهتم مدة، ويكفوا عنه غوائلهم. ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو تلين وتصانع ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾.
فإن قلت لم رفع ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ ولم ينصب بإضمار "أن" وهو جواب التمني؟
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر، وهو أن جعل خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يدهنون، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ﴾ [الجن: ١٣] على معنى: ودوا لو تدهن
_________________
(١) قوله: (أو يكون وعيدًا ووعدًا)، عطف على قوله: "إن ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة". فعلى الأول: مجرى على الاستدراج وإرخاء العنان؛ لأن قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ وارد عليه، لأن المسلمين كانوا يعلمون أن المفتونين كانوا أضدادهم، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. المعنى: لا أنتم أيها المؤمنون تدرون ولا الكفرة، من ضل عن سبيله ومن اهتدى، والله على الحقيقة هو أعلم. وعلى الثاني: إن الله يعلم أحوال المؤمنين وما هم عليه من الهدى، فيثيبهم بذلك، ويعلم كفر المعاندين وضلالهم فيعاقبهم عليه. قوله: (معاصاتهم)، وهي نقبض المطاوعة. الجوهري: "يقال: عصاه يعصيه عصيانًا ومعصية، وعاصاه أيضًا؛ مثل: عصاه". قوله: (﴿فَلا يَخَافُ﴾)، أي: فهو لا يخاف، ولهذا لم يجزم.
[ ١٥ / ٥٧٣ ]
فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون؛ لطمعهم في إدهانك؛ قال سيبويه: وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودوا لو تدهن فيدهنوا.
[﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وبَنِينَ * إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ﴾ ١٠ - ١٦].
﴿حَلاَّفٍ﴾ كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف، ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
﴿مَّهِينٍ﴾: من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في الرأي والتمييز، أو أراد الكذب لأنه حقير عند الناس. ﴿هَمَّازٍ﴾ عياب طعان؛ وعن الحسن: يلوي شدقية في أقفية الناس. ﴿مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ مضرب نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم
_________________
(١) قوله: (لمن اعتاد الحلف)، أي: كفى بكثرة الحلف سوء خلق وعيبًا، أنه قدمه على جمع العيوب، وفيه تعظيم للحلف، وبيان أنها أقبح معايبه وأعظمها. قوله: (مضرب) أي: مبالغ أو كثير الضرب بين الناس، مشتت لشملهم مفرق لجميعهم. الأساس: "ومن المجاز: ضرب في الأرض، وفي سبيل الله، وضرب الدهر بيننا: فرقنا، قال ذو الرمة: فإن تضرب الأيام يا مي بيننا فلا ناشر سرًا ولا متغير
[ ١٥ / ٥٧٤ ]
والنميم والنميمة: السعاية، وأنشدني بعض العرب
تشببي تشبب النميمة تمشي بها زاهرا إلى تميمة
﴿مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ بخيل، والخير: المال. أو ﴿مَنَّاعٍ﴾ أهله الخير وهو الإسلام،
_________________
(١) وتقول: لحا الله زمانا ضرب ضربانه، حتى سلط علينا ظربانه، وجاء فلان يضرب بشر: يسرع". قوله: (تشببي تشبب النميمة)، يخاطب النار، أي: التهبي التهاب النميمة. زهرا وتميمة: جارتان. وهذا من ملح العرب، أي: توقدي توقد النميمة، وهو فعل لازم: شب النار فتشبت. الراغب: "النم: إظهار الحديث بالوشاية. واصل النميمة الهمس والحركة الخفية، ومنه: أسكت الله نامته، أي: ما ينم عليه من حركته". قوله: (﴿مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾: بخيل)، الراغب: "المتع: يقال في ضد العطية، يقال: رجل مانع ومناع، أي: بخيل، قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، وقال: ﴿مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾. وقد يقال في الحماية، ومنه: مكان منيع وقد منع، وفلان ذو منعة، أي: عزيز ممتنع على من يرومه، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ٧]، أي: ما حماك؟
[ ١٥ / ٥٧٥ ]
فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال: مناع من الخير. قيل: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، كان موسرا، وكان له عشرة من البنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي، عن ابن عباس. وعنه: أبو جهل، وعن مجاهد: الأسود بن عبد يغوث، وعن السدي: الأخنس بن شريق، أصله في تثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل زنيم. ﴿مُعْتَدٍ﴾ مجاوز في الظلم حده. ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الآثام. ﴿عُتُلٍّ﴾ غليظ جاف؛ من عتله إذا قاده بعنف وغلظة. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد ما عد له من المثالب والنقائص ﴿زَنِيمٍ﴾ دعي، قال حسان:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
_________________
(١) وقيل: ما الذي صدك وحملك على ترك ذلك". قوله: (فذكر الممنوع منه)، أي: الخير، (دون الممنوع) أي: الأهل؛ وذلك أن القصد ذمه، وأنه ممن يمنع الخير، وليس القصد أن الممنوع من هو. نحو: شتم الأمير، وقطع اللص. وقوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [بس: ١٤]، وقد سبق بيانه. والفرق أن المناع في الوجه الأول يحب الخير، أي: المال، ويمنعه من الناس. وفي الثاني يبغض الخير، أي الإسلام، ويمنع الناس منه. قوله: (وأنت زنيم نيط)، أي: مؤخر في آل هاشم كما يؤخر الراكب القدح خلفه. النهاية: "وفي الحديث: "ولا يجعلوني كقدح الراكب"، أي: لا تؤخروني في الذكر، لأن الركب يعلق قدحه في آخر رحله عند فراغه من ترحاله ويجعله خلفه".
[ ١٥ / ٥٧٦ ]
وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. وقيل: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت الناشئ منها، ومن ثم قال رسول الله ﷺ "لا يدخل الجنة ولد الزنى ولا ولده ولا ولد ولده".
_________________
(١) قوله: (وكان الوليد دعيًا في قريش)، الدعي: الذي ينسب إلى غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه. "سنخهم": أصلهم. قوله: (لا يدخل الجنة ولد الزنى)، هذا أشد وعيدًا من لو قيل: يدخل النار؛ لأنه يرجي منها الخلاص، فهو تغليظ وتشديد على ولد الزنية، تعريضًا للزاني لئلا يورط في السفاح، فيكون سببًا لشقاوة نسمة تزنيه. ومما يؤذن أنه تغليظ وتهديد: ما روينا عن الدارمي، عن عبد الله ابن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: "لا يدخل الجنة عاق ولا قمار، ولا منان ولا مدمن حمر". وفي رواية أخرى للدارمي: "ولا ولد زنية"، بدل "قمار"؛ حيث سلك ولد الزنية في قرن العاق والمنان، ولا ارتياب أنهما ليسا من زمرة من لا يدخل الجنة أبدًا. وعن ابن ماجه، عن ميمونة، أن رسول الله ﷺ، سئل عن ولد الزنا، فقال: "نعلان أجاهد بهما خير من أن أعتق ولد الزنا". على انه يجوز عتقه؛ روينا عن مالك، عن
[ ١٥ / ٥٧٧ ]
و﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ نظير ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
وقرأ الحسن: "عتل" رفعا على الذم، وهذه القراءة تقويه لما يدل عليه بعد ذلك. والزنيم: من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير ﴿أهله أَن كَانَ ذَا مَالٍ﴾ متعلق بقوله ﴿ولا تُطِعْ﴾، يعني: ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن كان ذا مال، أي: ليساره وحظه من الدنيا
_________________
(١) أبي هريرة، أنه سئل عن الرجل يكون عليه رقبة، هل يعتق فيها ابن زنا؟ فقال: نعم، ذلك يجزئه. قوله: (و﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ نظير ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]). يعني: لفظة ﴿ذَلِكَ﴾ هاهنا للتراخي في المرتبة، كـ ﴿ثُمَّ﴾ هناك، ولذلك قال: "جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه". قوله: (﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ﴾ متعلق بقوله ﴿ولا تُطِعْ﴾)، قال صاحب "الكشف": "ولا يجوز أن يتعلق ب ﴿عُتُلٍّ﴾، لأنه قد وصف بقوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ "، وقد قال سيبويه: هذا ضارب ظريف زيدًا: ممتنع. فإذن، الواجب أن تكون "اللام" من صلة مضمر في القراءة بالاستفهام وتركه. والمعنى: لأن كان ذا مال وبنين يجحد وينكر ويكفر؟ !
[ ١٥ / ٥٧٨ ]
ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى: لكونه متمولا مستظهرا بالبنين كذب آياتنا، ولا يعمل فيه ﴿قَالَ﴾ الذي هو جواب ﴿إِذَا﴾، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب. وقرئ: "أن كان" على الاستفهام على: آلأن كان ذا مال وبنين كذب؟ أو تطيعه لأن كان ذا مال؟
وروى الزبيري عن نافع: إن كان بالكسر والشرط للمخاطب، أي: لا تطع كل حلاف شارطا يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله تعالى ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤].
_________________
(١) قوله: (ولا يعمل فيه)، أي: في ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ﴾. قوله: (وقرئ: "أأن؟ " على الاستفهام)، أبو بكر وحمزة: كذا، وابن عامر: بهمزة ومدة، والباقون سوى ابن ذكوان: بهمزة واحدة على الخبر. قوله: (ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه)، يعني: تعليق الطاعة بالمال هاهنا، كالترجي في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ طه: ٤٤]. ظاهر اللفظ الترجي، والتعليق للمتكلم وهو الله تعالى، وفي الحقيقة للمخاطب، وهو محمد وموسى وهارون، صلوات الله عليهم. أي: عاملاه معاملة من لا يعلم العاقبة يا موسى وهارون، ولا. تطع يا محمد كل حلاف يشترط يساره. وعن بعضهم: حاصل هذا الشرط، أنه نهي عن طاعة مشروطة لا نهي مشروط. وقلت: الظاهر أن الشرط تعليل، لأن من نهي أن يطاع، وهو الوليد، كان ذال مال
[ ١٥ / ٥٧٩ ]
﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ﴾ الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة، وقالوا الأنف في الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل: جدع أنفه، ورغم أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن السمة على الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد وسم العباس أباعرة في وجوهها، فقال له رسول الله ﷺ: "أكرموا الوجوه" فوسمها في جواعرها،
_________________
(١) وبنين، كما سبق في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]؛ قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾ متعلق بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. وقد مر أن الشرط كالتعليل، ولذلك جعله حالًا من فاعل "لا تطع" حيث قال: "شارطًا يساره"، وصرح بحرف التعليل في قوله: "لغناه"؛ فرجع معنى "إن" المكسورة إلى معنى "أن" المفتوحة. قال القاضي: قرئ: "إن كان" بالكسر، على أن شرط الغنى في [النهي عن] الطاعة كالتعليل بالفقر في النهي عن قتل الأولاد. قوله: (وإذالة)، أي: إهانة. قوله: (في جواعرها)، الجوهري: "الجاعرتان: موضع الرقمتين من است الحمار، وهو مضرب الفرس بذنبه على فخذيه".
[ ١٥ / ٥٨٠ ]
وفي لفظة ﴿الخُرْطُومِ﴾ استخفاف به واستهانة. وقيل معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول الله صلى الله عليه وسلك عداوة بن بها عنهم.
وقيل: خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمة على خرطومه، وقيل: سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعا، فلا تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم.
وعن النضير بن شميل: أن الخرطوم الخمر، وأن معناه: سنحده على شربها، وهو تعسف؛ وقيل للخمر: الخرطوم، كما قيل لها: السلافة، وهي ما سلف من عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم
_________________
(١) قوله: (وفي لفظ ﴿الخُرْطُومِ﴾ استخفاف به)، لأنه لو قال: على الأنف لكان استهانة، فلما قال: على الخرطوم، كان أبلغ في الإهانة، لأن الخرطوم لا يكاد يستعمل إلا في أنف الفيل والخنزير من بين الدواب. قوله: (خطم يوم بدر بالسف)، قيل: خطم البعير: أن تضع عليه الخطام. قوله: (أن الخرطوم الخمر)، روي عن المصنف: أنهم يضعون الرطب بعضه فوق بعض زمان القطاف، فما خرج من دسته بدون العصر، واتخذ منه حمر يسمونه: سلافة؛ لخروجه أولًا، وخرطوما، كأنه خرطوم. قوله: (وأن معناه: سنحده على شربها، وهو تعسف)، الانتصاف: "صدق؛ فإن الوليد قتله النبي ﷺ مباشر في بدر، فلم يدرك زمن تحريم الخمر، ووعد الله حق".
[ ١٥ / ٥٨١ ]
[﴿إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * ولا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا ويْلَنَا إنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إنَّا إلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ العَذَابُ ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١٧ - ٣٣].
إنا بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله ﷺ عليهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ﴾ وهم قوم من أهل الصلاة كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنته ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما في أسفل الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير،
_________________
(١) وقلت: لم يرد بالتعسف إلا أن حمل ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخُرْطُومِ﴾ على ذلك المعنى بتكلف بعيد عن الذوق. أما الوليد بن المغيرة، فمن الخمسة المستهزئين؛ روى ابن عباس أنهم ماتوا كلهم قبل بدر، وذكره المصنف في آخر "الحجر". وأما الوليد الذي حد على الخمر، فهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان بن عفان من أمه، أسلم يوم الفتح، وولاه عثمان الكوفة في ولايته، ثم حده في شرب الخمر وعزله عنها، ذكره صاحب" جامع الأصول".
[ ١٥ / ٥٨٢ ]
فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ونحن أولو عيال، فحلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ في السدف خفية عن المساكين، ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله جنتهم. وقيل: كانوا من بني إسرائيل.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخلين في الصبح مبكرين ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ولا يقولون: إن شاء الله.
فإن قلت: لم سمي استثناء، وإنما هو شرط؟
قلت: لأنه يؤدي مؤدي الاستثناء، من حيث إن معنى قولك: لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد، ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا﴾ بلاء أو هلاك ﴿طَائِفٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]، وقرئ: "طيف"
_________________
(١) قوله: (في السدف)، الظلمة إذا اختطت بالضياء فهو السدف. قوله: (لأنه يؤدي مؤدى الاستثناء)، قال الإمام: "قال جماعة من المفسرين: هو "إن شاء الله تعالى". يقال: حلف فلان يمينًا ليس فيها ثنيا ولا ثنوى ولا ثنية ولا استثناء، كله واحد. وأصلها من الثني، وهو الكف والرد؛ وذلك أن الحالف إذا قال: والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره، فقد رد انعقاد ذلك اليمين". وقال القاضي: "وإنما سمي استثناء لما فيه من الإخراج، غير أن المخرج خلاف المذكور". وعن بعضهم: نظيره قولك: جاءني القوم سوى زيد، وهذا ليس باستثناء حقيقة، لكن لما كان معنى "سوى" المكان، قال تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨]، صار المعنى: جاءني القوم مكان زيد، فلما كان معناه هذا هو معنى الاستثناء، سمي استثناء.
[ ١٥ / ٥٨٣ ]
﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ كالمصرومة لهلاك ثمرها، وقيل: الصريم: الليل، أي احترقت فاسودت، وقيل: النهار أي: يبست وذهبت خضرتها، أو لم يبق فيها شيء؛ من قولهم: بيض الإناء إذا فرعه، وقيل: الصريم: الرمال. ﴿صَارِمِينَ﴾ حاصدين.
فإن قلت: هلا قيل: اغدوا إلى حرثكم؛ وما معنى (عَلَى)؟
قلت: لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه، كان غدوا عليه، كما تقول: غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال، كقولهم: يغدى عليه بالجفنة ويراح، أي: فأقبلوا على حرثكم باكرين ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارون فيما بينهم. وخفى، وخفت، وخفد: ثلاثتها في معنى الكتم؛ ومنه الخفدود للخفاش ﴿أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا﴾ أن: مفسرة.
وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول، أي: يتخافتون يقولون لا يدخلنها؛ والنهي عن الدخول للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل، كقولك: لا أرينك هاهنا. الحرد: من حاردت السنة: إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل: إذا منعت درَّها.
_________________
(١) قوله: (من قولهم: ببض الإناء)، الأساس: "بيض الإناء: ملأه وفرغه. وعن بعض العبر: ما بقي لهم صميل إلا بيض، أي: سقاء يابس إلا ملئ". قوله: (من حاردت السنة إذا منعت خيرها)، الراغب: "الحرد: المنع عن حدة وغضب، قال تعالى: ﴿وغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، أي: على امتناع من أن يتناولوه قادرين على ذلك. ونزل فلان حريدًا، أي: متمعنا عن مخالطة القوم، وهو حريد المحل. وحاردت السنة: منعت قطرها، والناقة: منعت درها. وحرد: غضب، وحرده كذا". يغدى عليه بالجفنة ويراح: مثله قيل في حق المطلب: تغدو درته على السفهاء، وجفنته على الحكماء.
[ ١٥ / ٥٨٤ ]
والمعنى: وغدوا قادرين على نكد لا غير عاجزين عن النفع، يعني أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرين على نفعهم، فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلا على النكد والحرمان، وذلك أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة. أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين، بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ومنافعها، أي غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع، أو لما قالوا: اغدوا على حرثكم وقد خبثت نيتهم، عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها، قلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد، و﴿قَادِرِينَ﴾ من عكس الكلام للتهكم، أي: قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين،
_________________
(١) قوله: (والمعنى: وغدوا قادرين على نكد)، اعلم أن ﴿عَلَى﴾ إما متعلق بـ ﴿قَادِرِينَ﴾ بـ"غدوا"؛ فإذا علق بـ ﴿قَادِرِينَ﴾ فالكلام فيه التخصيص، لتقديم المعمول على العامل، يخلو حينئذ: إما أن يراد بالحرد منع الخير والنكد أو الغضب. فعلى الأول: إما أن يترك الحرد مطلقًا، فهو المراد من قوله: "قادرين على نكد لا غير عاجزين عن النفع"، كقولهم: فلان لا يملك إلا الحرمان، ولا يقدر إلا على الخيبة، على المبالغة، قال: فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع أو يجعل الحرد مقيدًا بجنتهم، فهو المراد من قوله: "أو وغدوا على محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين" إلى آخره. و"على محاردة" متعلق بـ"قادرين"، قدم عليه. وعلى الثاني: وهو أن يراد بالحرد الحنق والغضب؛ المعنى ما قال: "لم يقدروا إلا على حنق وغضب"، وفيه الحصر.
[ ١٥ / ٥٨٥ ]
﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ ليس بصلة ﴿قَادِرِينَ﴾، وقيل: الحرد بمعنى الحرد، وقرئ: "على حرد" أي: لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض، كقوله تعالى: ﴿يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] وقيل: الحرد: القصد والسرعة؛ يقال: حردت حردك، وقال:
أقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغله
وقطا حراد: سراع، يعني: وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم، يقولون: نحن نقدر على صرامها وزي منفعتها عن المساكين.
_________________
(١) وإذا علق بـ ﴿وغَدَوْا﴾، فلا: يخلو: إما أن يراد به منع الخير والنكد أو لا. فعلى الأول: يقدر متعلق ﴿قَادِرِينَ﴾: ما عزموا عليه من الصرام والمنع، أي: غدوا قادرين على نيل مرادهم وحصول بغيتهم، وهم إنما حصلوا على الخيبة والحرمان، كقوله: عتابه السيف، وإليه الإشارة بقوله: "من عكس الكلام للتهكم". وعلى الثاني: فالحرد إما بمعنى القصد والسرعة، ومتعلق ﴿قَادِرِينَ﴾: ما عزموا عليه من الصرام والمنع، كما قدره بقوله: "وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة"، إلى قوله: "نحن نقدر على صرامها"، أو هو اسم لجنتهم، ومتعلق ﴿قَادِرِينَ﴾ ما سبق. وهذا المعنى عني بقوله: "غدوا على تلك الجنة، قادرين على صرامها عند أنفسهم". ويحتمل أن يراد بـ ﴿قَادِرِينَ﴾: مقدرين، وإليه الإشارة بقوله: "أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم". والتقسيم يحتمل أن يراد أكثر من ذلك، لكن اقتصرنا على ما عليه الكتاب. قوله: (المغلة)، أي: الجنة التي لها الدخل والثمار. قوله: (زي منفعتها عن المساكين)، أي: منعها عنهم على التضمين، الجوهري: "قولهم: زوى فلان المال عن وارثه زيًا".
[ ١٥ / ٥٨٦ ]
وقيل: ﴿حَرْدٍ﴾ علم للجنة، أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان ﴿قَالُوا﴾ في بديهة وصولهم ﴿إنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي ضللنا جنتنا، وما هي بها لما رأوا من هلاكها؛ فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حرمنا خيرها بجنايتنا على أنفسنا ﴿أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم وخيرهم من قولهم: هو من سطة قومه، وأعطني من سطات مالك، ومنه قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك: اذكروا الله وانتقامه من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعوا إلى حسم شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم! والدليل عليه قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾،
_________________
(١) قوله: (﴿أَوْسَطُهُمْ﴾: أعدلهم وخيرهم)، الراغب: "وسط الشيء، بالتحريك، ماله طرفان متساويا القدر. ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد إذا قلت: وسطه صلب. ووسط بالسكون، يقال في الكمية المنفصلة كشيء ينفصل بين جسمين، نحو وسط القوم كذا. والوسط بالتحريك، تارة يقال فيما له طرفان مذمومان، كالجرد الذي بين البخل والسرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به نحو السواء والعدل والنصفة، نحو ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وعلى ذلك: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾. وتارة يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم، كالخير والشر، ويكنى به عن الرذل نحو قولهم: فلان وسط من الرجال، تنبيها على أنه خرج من حد الخير". قوله: (والدليل عليه)، أي: على أن معنى ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾، تحريض على التوبة من تلك
[ ١٥ / ٥٨٧ ]
فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به على أثر مفارقة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة.
_________________
(١) العزيمة الخبيثة، وحث على التصدق على المساكين، والمسارعة إلى قطع تلك العزيمة التي هي محض الظلم، تداركهم حين لا ينفعهم بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. قوله: (بعد خراب البصرة)، وسبب خرابها على ذكره صاحبا "الكامل" و"التذكرة"، أنه في شوال سنة ست وخمسين ومئتين، وخرج في "البحرين" من ادعى أنه من أولاد الحسن بن علي ﵄، وتبعه جماعة من أهلها، ثم انتقل إلى البادية وادعى النبوة، وزعم أن سحابة أظلته، ونودي منها: اقصد البصرة. ولما قصدها، استمال "الزنج" الذين يعلمون في السباخ وأطمعهم في مواليهم، وما زال يدعوهم ويقبلون إليه للخلاص من الرق، حتى اجتمع عنده جمع كثير، فأتاه مواليهم فأمر العبيد فضربوا مواليهم، ثم خطبهم وصلى بهم، وذكرهم ما كانوا عليه من الشقاء وسوء الحال، وأن الله تعالى أنقذهم من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملكهم الأموال والعبيد، ثم استولى أمرهم حتى دخلوا "الأبلة" و"عبادان" و"الأهواز"، فقتلوا فيها ونهبوا وأحرقوا.
[ ١٥ / ٥٨٨ ]
وقيل المراد بالتسبيح الاستثناء، لالتقائهما في معنى التعظيم لله، لأن الاستثناء تفويض إليه، والتسبيح تنزيه له، وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم.
وعن الحسن: هو الصلاة، كأنهم كانوا يتوانون في الصلاة؛ وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر، ولكانت لهم لطفا في أن يستثنوا ولا يحرموا.
_________________
(١) وفي سنة سبع وخمسين دخلوا البصرة، وقتلوا فيها مقتلة عظيمة، لا يحصى عدد من قتلوا فيها، وأحرقوا الجامع والمدينة، ثم دخلوا "واسط" وملكوها، ثم شخص إليهم الموفق من بغداد، وجرى له معهم أمور وحروب لا يمكن وصفها حتى قهرهم. يضرب في الأخذ في التدارك بعد فوات أوانه. قوله: (وقيل: المراد بالتسبيح: الاستثناء)، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * ولا يَسْتَثْنُونَ﴾، وكان هذا هو الأوسط حرضهم على القول بـ"إن شاء الله" حينئذ، فلم يرفعوا له رأسًا، فذهب الآن يؤنبهم عليه. وجوز التعبير عن الاستثناء بالتسبيح التقاؤهما في معنى التعظيم، لأن المفوض مثبت لذاته الأقدس الحول والقوة، وينفيهما عن غيره تعظيمًا، والمنزه ينفي عنه النقائص تبجيلًا وتكريمًا؛ قال القاضي: "سمي الاستثناء تسبيحًا، لأنه ينزهه عن أن يجري في ملكه ما لا يريده". قوله: (ولكانت لهم لطفًا)، يعني: كما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كذلك سبب لاستنزال لطف الله، والتوفيق على الطاعات، وعلى ما به الفلاح وعد الخيبة. وفيه أن الصلاة رأس كل الخيرات، وتاركها خائب خاسر في الدنيا والآخرة.
[ ١٥ / ٥٨٩ ]
﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ سبحوا الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء ﴿يَتَلاوَمُونَ﴾ يلوم بعضهم بعضا؛ لأن منهم من زين، ومنهم قبل، ومنهم من أمر بالكف وعذر، ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت وهو راض. ﴿أَن يُبْدِلَنَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد ﴿إلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ طالبون منه الخير راجون لعفوه ﴿كَذَلِكَ العَذَابُ﴾ مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ولَعَذَابُ الآخِرَةِ﴾ أشد وأعظم منه.
_________________
(١) قوله: (من زين)، أي: زين المنع وحرمان المساكين، ومنهم من قبل النصيحة من أوسطهم. قوله: (وعذر)، الجوهري: "التعذير في الأمر: التقصير فيه". قوله: (﴿أَن يُبْدِلَنَا﴾: قرئ بالتخفيف والتشديد): نافع وأبو عمرو: مشددًا، والباقون: مخففًا. قوله: (مثل ذلك العذاب بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة: عذاب الدنيا)، قال الإمام: "المقصود أنه تعالى قال: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وبَنِينَ * إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾، أي: لأجل أن الله أعطاه المال والبنين كفر بالله. كلا، بل الله إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله تعالى عليه؛ لأن أصحاب الجنة لما أتوا هذا القدر اليسير من المعصية، دمر الله على جنتهم، فيكف حال من عاند الرسول وأصر على الكفر والمعصية؟ أو أن أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة، ويمنعوا الفقراء عنها، فقلب الله عليهم القضية، فكذا أهل مكة، لما خرجوا إلى بدر، وأرادوا الكيد بمحمد وأصحابه صلوات الله عليه، وشربوا الخمور، فأخلف الله ظنهم فقتلوا وأسروا. ولما خوف الكفار قال مستأنفًا:
[ ١٥ / ٥٩٠ ]
وسئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا. وعن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيرا منها.
وروي عن ابن مسعود ﵁: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا.
[﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ٣٤]
﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي في الآخرة ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا.
[﴿أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ ٣٥ - ٣٩].
كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين
_________________
(١) ﴿ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ". وعن بعضهم: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب على الحال، أي: أثبت مجهولًا عندهم. قوله: (ليس فيها إلا التنعم الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا)، فإن قلت: من أين جاء هذا التخصيص؟ قلت: جاء من جانب المقام التعريضي، من تقديم الخبر _أعني ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ - على المبتدأ، ومجيء الآية بعد ذكر أصحاب الجنة وأحوال قريش، وإردافه بقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. ونظيره في المشروب_ وإن لم يبلغ هذا المبلغ_ قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧].
[ ١٥ / ٥٩١ ]
قالوا: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا، فقيل: أنخيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين؟ ثم قيل لهم على طريقة الالتفات: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الأعوج؟ كان أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ من السماء ﴿تَدْرُسُونَ﴾ في ذلك الكتاب أن ما تختارونه وتشتهونه لكم، كقوله تعالى ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٦ - ١٥٧].
والأصل: تدرسون أن لكم ما تتخيرون، بفتح "أن" لأنه مدروس؛ فلما جاءت اللام كسرت. ويجوز أن تكون حكاية للمدروس، كما هو، كقوله: ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾. وتخير الشيء واختاره: أخذ خيره، ونحوه: تنخله وانتخله إذا أخذ منخوله.
لفلان على يمين بكذا: إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به، يعني: أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد.
_________________
(١) قوله: (فلما جاءت اللام كسرت)، قال صاحب "الكشف": فلا يوهمنك كسر "إن" الوقف على ما قبلها والبداية بها، وهذا كقولهم: علمت: إن في الدار لزيدًا". قوله: (ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو)، قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر؛ إذ لفظ ﴿فِيهِ﴾ لا يساعده، يعني: يصح أن يقال: إن لكم كتابًا تدرسون فيه أن لكم ما تشتهونه. يعني: مؤداه ومعناه مسطور فيه، ولا يجوز أن يراد: إن هذا اللفظ بعينه مكتوب؛ إذ لفظة ﴿فِيهِ﴾ زائدة". ويمكن أن يكون صورة المكتوب فيه: إن لكم ما تختارونه، وقد سطرناه لكم في هذا الكتاب. قوله: (كما هو)، قيل: يجوز أن يكون نصبًا على الحال، و"ما" موصولة، و"هو" خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: كالذي هو هو أو كافة، و"هو"في موضع الابتداء والخبر محذوف، أي: حكاه كما هو عليه، وأن يكون "كما هو" نصبًا على المصدر، أي: كحكايتها الآن.
[ ١٥ / ٥٩٢ ]
فإن قلت: بم يتعلق ﴿إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾؟
قلت: بالمقدر في الظرف، أي هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلى يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون. ويجوز أن يتعلق بـ ﴿بَالِغَةٌ﴾، على أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم. وقرأ الحسن "بالغة" بالنصب على الحال من الضمير في الظرف ﴿إنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ جواب القسم؛ لأن معنى
﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾: أم أقسمنا لكم.
_________________
(١) قوله: (وافرة لم تبطل منها يمين)، فإن قلت: لم قال في الوجه الأول: "لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ"، وقي الثاني: "وافرة لم تبطل منها يمين"؟ قلت: لأنه إذا علق ﴿إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ﴾ بالمقدر في ﴿لَكُمْ﴾، يدخل الأجل في حكم الوجوب المستفاد من نفس الخبر ومتعلقه، أعني "لكم"، أصالة. وإذا علق بـ ﴿بَالِغَةٌ﴾، وهي صفة للأيمان، يكون الكلام أصالة في الأيمان وبلوغها إلى ذلك اليوم، بأن تكون محفوظة من النقصان، مؤداة وافية تامة. ألا ترى كيف أهمل معنى ﴿بَالِغَةٌ﴾ في الأول واعتبره في الثاني؟ قوله: "إذا حكمناكم" شرط، جزاؤه ما دل عليه "لا تخرج من عهدتها إلا يومئذ". تلخيص المعنى: أم لكم أيمان علينا بالغة أن نحكمكم، بأن تسووا بين المسلمين والمجرمين، ولا تخرج عن عهدتها إلا إذا حكمناكم يوم القيامة. أو أيمان وافية، فلان تؤدونها إلا إذا حكمناكم يوم القيامة. قوله: (وقرأ الحسن: "بالغة" بالنصب)، قال ابن جني: "يجوز أن تكون"بالغة" حالًا من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، لأنه خبر ﴿أَيْمَانٌ﴾، ففيه ضمير. أو حالًا من نفس الضمير في ﴿عَلَيْنَا﴾،
[ ١٥ / ٥٩٣ ]
[﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَاتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٤٠ - ٤١].
﴿أَيُّهُم بِذَلِكَ﴾ الحكم ﴿زَعِيمٌ﴾ أي قائم وبالاحتجاج لصحته، كما يقوم الزعيم المتكلم عن القوم المتكفل بأمورهم. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أناس يشاركونهم في القول ويوافقونهم عليه ويذهبون مذهبهم فيه ﴿فَلْيَاتُوا﴾ بهم ﴿إن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في دعواهم، يعنى: أن أحدًا لا يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به.
[﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ويُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ وهُمْ سَالِمُونَ﴾ ٤٢ - ٤٣].
_________________
(١) إذا جعلته وصفًا للأيمان لا متعلقًا بنفس الأيمان، لأنه لا يكون حينئذ فيه ضمير، ويجوز أن يكون حالًا من نفس ﴿أَيْمَانٌ﴾ وإن كانت نكرة، كما أجاز أبو عمرو وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، أن يكون ﴿حَقًّا﴾ حالًا من ﴿مَتَاعٌ﴾. قوله: (ناس يشاركونهم في هذا القول)، وهو: "إن أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه، لم يكن حالهم وحالنا، إلا مثل ما هي في الدنيا … " إلى آخره. قال القاضي: "وقد نبه ﷾ في هذه الآيات، على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به لدعوتهم، من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب، تنبيهًا على مراتب النظر، ودفعًا لما لا سند له".
[ ١٥ / ٥٩٤ ]
الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام، مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وأصله في الروع والهزيمة، وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، وإبداء خدامهن عند ذلك، قال حاتم:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
وقال ابن الرقيات:
تذهل الشيخ عن بنيىة وتبدي عن خدام العقيلة العذراء
_________________
(١) قلت: (على هذا لا يحسن أن تجعل عامل الظرف_أي: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ﴾ _: ﴿فَلْيَاتُوا﴾. بل إما: اذكر، أو كان: كيت وكيت. قوله: (أخو الحرب) البيت، إنما سمي به لمباشرته الحرب كثريًا. والتشمير: مثل لشدة الأمر وصعوبة الخطب، وتقول: هو مباشر للحرب بمثل ما يباشره في الشدة والصعوبة ولا يتركها بحال. قوله: (تذهل الشيخ) البيت، الخدام: جمع خدمة، وهي الخلخال. تذهل: أي: تشغل، والفعل للغارة في قوله: كيف نومي على الفراش ولما تشمل الشام غارة شعواء أي: غارة قاسية. وإنما خص "الشيخ" بالذكر، لوفور عقله وممارسته الشدائد، أو لفرط محبته للأولاد. والعقلية من النساء: التي عقلت في بيتها، أي خدرت وجست. والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر، والفعل أيضًا للغارة. وفي "شعراء"و"العذراء" الإقواء.
[ ١٥ / ٥٩٥ ]
فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ في معنى: يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثم ولا ساق، كما تقول للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل؛ وإنما هو مثل في البخل.
وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان، والذي غره منه حديث ابن مسعود ﵁ "يكشف الرحمن عن ساقه" فأما المؤمنون فيخرون سجدا،
_________________
(١) وقيل: الفعل للعقيلة، وحذف التنوين عن "خدام" لالتقاء الساكنين، كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا والتقدير: وتبدي نسبتها، ليرجع الضمير إلى الغارة الموصوفة بقوله: تبدي. قوله: (ولا كشف ثم ولا ساق)، يعني: هو من الكناية الإيمائية، التي تؤخذ فيها الزبدة والخلاصة من المجموع، ولا ينظر إلى مفردات التركيب حقيقة ومجازًا، كما مر في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وعن بعضهم: الكشف عن الساق بأسره عبارة عن الشدة، أما أن يكون الساق اسمًا للشدة، فلا. وقال: ومن الناس من يفسر الساق بالشدة، ويدعيه لغة، وليس بشيء. قوله: (حديث ابن مسعود: "يكشف الرحمن عن ساقه")، الحديث من رواية البخاري ومسلم والنسائي، عن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "يكشف ربنا عن ساقه،
[ ١٥ / ٥٩٦ ]
وأما المنافقون فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأن فيها السفافيد" ومعناه: يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.
فإن قلت: فلم جاءت منكرة في التمثيل؟
قلت: للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، كأنه قيل: يوم يقع أمر فظيع هائل، ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل.
وعن أبي عبيدة: خرج من خراسان رجلان، أحدهما شبه حتى مثل، وهو مقاتل ابن سليمان، والآخر نفى حتى عطل، وهو جهم بن صفوان؛ ومن أحس بعظم مضار فقد هذا العلم، علم مقدار عظم منافعه.
_________________
(١) فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، فيبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب لسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا". وقلت: ويمكن أن يكون الحديث بيانًا للآية، فلا تحتاج إلى التعريف المبين، بل التنكير أولى والتأويل. روى محيي السنة في "شرح السنة"، عن ابن عباس قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾: يوم كرب وشدة. وقال مجاهد: يكشف عن الأمر الشديد. والعرب تذكر الساق إذا أخبرت عن شدة الأمر وهوله. وسئل عكرمة عنه فقال: إذا اشتد الأمر في الحرب، قيل: كشفت الحرب عن ساق". قوله: (السفافيد)، الجوهري: "السفود بالتشديد: الحديدة التي يشوى بها اللحم".
[ ١٥ / ٥٩٧ ]
وقرئ: "يوم نكشف" بالنون، و"تكشف" بالتاء على البناء الفاعل والمفعول جميعا، والفعل للساعة أو للحال، أي: تشتد الحال أو الساعة، كما تقول: كشفت الحرب عن ساقها، على المجاز. وقرئ: "تكشف" بالتاء المضمومة وكسر الشين، من أكشف: إذا دخل في الكشف، ومنه: أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت شفته العليا. وناصب الظرف: فليأتوا، أو إضمار (اذكر)،
_________________
(١) قوله: (وقرئ: "يوم نكشف"، بالنون، و"تكشف"، بالتاء على البناء للفاعل والمفعول)، المشهور: بالياء للمفعول، والبواقي: شواذ، قال صاحب "التقريب": في قراءة التاء مع البناء للمفعول، نظر؛ لأن فاعله ﴿عَن سَاقٍ﴾، فكان حقه التذكير، كصرف"عن هند"، وجعل الفعل للساعة أو للحال، كأنه على تقدير البناء للفاعل لا للمفعول؛ إذ ليس معناه: تكشف الساعة والحال عن ساق، بل الكشف عن الساق عبارة عن الشدة، فقيل: إنما أنت لأن المعنى: تكشف عن ساق، و"عن" زائدة، ولا يخلو عن حزازة. وقلت: قوله "بل الكشف عن الساق عبارة عن الشدة" تحجير للواسع. نعم، وهو وجه حسن يصار إليه كما عليه أول كلام المصنف، فلم لا يجوز أن تثبت للساعة أو للحال الساق تخييلًا، بعد الاستعارة فيها على سبيل المكنية، سواء جعلت فاعلًا أو مفعولًا؟ كما يقال: كشف الله الساعة عن ساقها، وعليه كلام مجاهد كما سبق، وكلام
[ ١٥ / ٥٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ابن جني في قراءة ابن عباس: "يوم تكشف عن"، بالتاء، والتاء منتصبة، وروي عنه: "يوم تكشف" بالتاء مضمومة، أي: تكشف الشدة والحال الحاضر عن ساق. وهذا مثل، أي: تأخذ في أغراضها، ثم شبهت بمن أراد أمرًا وتأهب له، كيف يكشف عن ساقه؟ قال: كشف لكم عن ساقها وبدا من الشر الصراح فأضمر الحال والشدة لدلالة الموضع عليه. ونظيره من إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه، مسألة الكتاب: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان من نحن عليه من البلاد في غد فأتني. وأما "تكشف" بتاء مضمومة، فعلى ذلك أيضًا، أي: تكشف الصورة هناك عن شدة".
[ ١٥ / ٥٩٩ ]
أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ، وأن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه. عن ابن مسعود ﵁: تعقم أصلابهم، أي ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض، وفي الحديث: "وتبقى أصلابهم طبقا واحدا"، أي: فقارة واحدة.
فإن قلت: لم يدعون إلى السجود ولا تكليف؟
قلت: لا يدعون إليه تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرطوا فيه حين دعوا إلى السجود، وهم سالموا الأصلاب والمفاصل، ممكنون مزاحوا العلل فيما تعبدوا به.
[﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وأُمْلِي لَهُمْ إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٤٤ - ٤٥﴾.
يقال: ذرني وإياه، يريدون: كله إلي، فإني أكفيكه، كأن يقول: حسبك إيقاعا به أن تكل أمره إلي وتخلى بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به مطيق له، والمراد: حسبي مجازيا لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه وتوكل علي في الانتقام منه، تسلية لرسول الله ﷺ وتهديدًا للمكذبين.
_________________
(١) قوله: (تعقم أصلابهم)، النهاية: "في حديث ابن مسعود: " [إن الله] يظهر للناس يوم القيامة، فيجر المسلمون للسجود، وتعقم أصلاب المنافقين فلا يسجدون"، أي: تيبس مفاصلهم ونصير مشدودة. والمعاقم: المفاصل".
[ ١٥ / ٦٠٠ ]
استدرجه إلى كذا: إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى يورطه فيه، واستدراج الله العصاة: أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق الله ذريعة ومتسلقا إلى ازدياد الكفر والمعاصي ﴿مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج، وهو الإنعام عليهم، لأنهم يحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأمهلهم، كقوله تعالى ﴿إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].
والصحة والرزق والمد في العمر: إحسان من الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم، فلما تدرجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج. وقيل: "كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه".
وسمى إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا، لكونه في صورة الكيد حيث كان سببا للتورط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك.
[﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٤٦ - ٤٧].
المغرم: الغرامة، أي: لم تطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا، فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم،
_________________
(١) قوله: (ومتسلقًا)، الجوهري: "تسلق الجدار، أي: تسوره". قوله: (وكم من مغرور بالستر)، يروى بكسر السين وفتحها، وعن بعضهم: الستر: ستر الله، والستر؛ بالفتح: مصدر: المستور. قوله: (وسمى إحسانه وتمكينه كيدًا كما سماه استدراجًا)، قال الإمام: "الأصحاب تمسكوا بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات".
[ ١٥ / ٦٠١ ]
فيثبطهم ذلك عن الإيمان ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغَيْبُ﴾ أي: اللوح ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ منه ما يحكمون به.
[﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ إذْ نَادَى وهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٤٨ - ٥٠].
﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ﴿ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ يعني: يونس ﵇ ﴿إذْ نَادَى﴾ في بطن الحوت ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظا، ومن كظم السقاء: إذ ملأه والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في ﴿تَدَارَكَهُ﴾.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود "تداركته" وقرأ الحسن: "تداركه" أي: تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى: لولا أن كان يقال فيه "تتداركه"، كما يقال: كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أي: كان يقال فيه سيقوم. والمعنى: كان متوقعا منه القيام.
ونعمة ربه: أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه،
_________________
(١) قوله: (وقرأ الحسن: "تداركه"، أي: تتداركه)، قال ابن جني: "قرأ ابن هرمز والحسن: "تداركه"، مشددة، رواها أبو حاتم عن الأعرج لا غير، قال: وسئل عنها أبو عمرو، فقال: لا. قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك، لأنه فعل ماض، وليست فيها إلا تاء واحدة، ولا يجوز: تتداركه. قال ابن جني: هذا خطأ، وذلك أنه يجوز على حكاية الحال الماضية المنقضية، أي: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه، كما تقول: كان
[ ١٥ / ٦٠٢ ]
وقد اعتمد في جواب ﴿لَوْلا﴾ على الحال- أعني قوله: ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ - يعني: أن حاله كانت على خلاف الذم حين نبذ العراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذم.
روي أنها نزلت بأحد حيث حل برسول الله ﷺ ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا، وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف. وقرئ: "رحمة من ربنا".
﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي من الأنبياء. وعن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.
[﴿وإن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ * ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ٥١ - ٥٢].
_________________
(١) زيد سيقوم، أي: كان متوقعًا منه القيام، فكذلك هذا، أي: لولا أن كان يقال فيه: تتداركه نعمة من ربه انبذ بالعراء". أي: لولا هذه الحالة المرجوة له كانت من نعمة الله تعالى، لنبذ بالعراء. قوله: (وقد اعتمد في جواب ﴿لَوْلا﴾ على الحال)، يعني: أوقع ﴿لَوْلا … لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ مقيدًا بقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾. والمقصود الأولي منه الحال، ولولاه لم يكن لقوله: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ فائدة، لأنه نبذ فيه، ولذلك قال: "ولولا توبته لكانت حاله على الذم". قال القاضي: "الحال هو الذي اعتمد عليه الجواب لأنها المنفية دون النبذ". قوله: (يعني أن حاله كانت على خلاف الذم)، وعن بعضهم: أي حاله وقت النبذ كانت
[ ١٥ / ٦٠٣ ]
﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، واللام علمها. وقرئ: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء وفتحها، وزلقه وأزلقه بمعنى، ويقال: زلق الرأس وأزلقه: حلقه، وقرئ: "ليزهقونك"؛ من زهقت نفسه وأزهقها، يعني: أنهم من شدة تحديفهم ونظرهم إليه شزرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك، من قولهم: نظر إلى نظر يكاد يصرعني ويكاد يأكلني، أي: لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله، قال:
يتقارضون إذا التقوا في موطن نظرا يزل مواطئ الأقدام
وقيل: كانت العين في بني أسدـ فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء، فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله! إلا عانه، فأريد بعض العيانين على أن يقول في رسول الله ﷺ، فقال: لم أر كاليوم رجلا! فعصمه الله.
_________________
(١) مخالفة حال الابتداء؛ فإن حال الابتداء حال الأمة، ولذلك قيل فيه: ﴿ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾، وفي الآخرة لم يذم، ولم يكن حال الأمة. قوله: (﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء وفتحها)، بالفتح: نافع، والباقون: بالضم. قوله: (يتقارضون إذا التقوا) البيت، يقال: القرنان يتقارضان النظر، إذا نظر كل واحد منهما إلى صاحبه شزرًا. وكل أمر يجازى به الناس فهو قرض، وهما يتقارضان الثناء، أي: كل واحد منهما يثني على صاحبه، يقول: إذا التقوا في موطن ينظر كل واحد منهم إلى الآخر نظر حسد وحنق، حتى يكاد يصرعه، وهو الإصابة بالعين. وقوله: (مواطئ الأقدام: أي: الأقدام نفسها، والمراد: الموطئ من الأقدام، أي: تزل الأخامص. وأراد بالموطن: المعركة.
[ ١٥ / ٦٠٤ ]
وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين، أن تقرأ هذه الآية.
﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ أي القرآن، لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة، ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ حيرة في أمره وتنفيرا عنه، وإلا فقد علموا أنه أعقلهم، والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن ﴿ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾ وموعظة ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ فكيف يجنن من جاء بمثله؟
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم".
_________________
(١) قوله: (دواء الإصابة بالعين)، عن مسلم والترمذي، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ، قال: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين". قوله: (والمعنى: أنهم جننوه لأجل القرآن، ﴿ومَا هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ﴾)، جواب عن منكر مصر أن هذا القرآن ليس بذكر للعالمين من رب العالمين، بل هو من قبيل الجن والكهانة، وصاحبه مجنون كاهن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٥ - ٢٧]، فهو من باب إطلاق المسبب على السبب، لأن نسيته صلوات الله عليه إلى الجنون، لكون الملقى إليه من الجن بزعمهم، وإلا فهو أعقل الناس عندهم، كما قال: "وإلا فقد علموا أنه أعقلهم". تمت السورة حامدًا لله ومصليًا على رسوله. * * *
[ ١٥ / ٦٠٥ ]