مكية، تسعٌ أو ثمان وعشرون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[(إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ • قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ • أَنِ اعْبُدُوا الله واتَّقُوهُ وأَطِيعُونِ • يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ويُؤَخِّرْكُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إنَّ أَجَلَ الله إذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ١ - ٤]
(أَنْ أَنذِرْ) أصله: بأن أنذر، فحذف الجار وأوصل الفعل، وهي أن الناصبة للفعل، والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له أنذر، أي: أرسلناه بالأمر بالإنذار
_________________
(١) سورة نوح ثمان وعشرون آية، مكية، إجماعًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وهي "أَنْ" الناصبة للفعل)، قال في "يونس": "قد سَوغ سيبويه أن توصل أن بالأمر والنهي، وإن كان من حق الصلة أن تكون جملة، تحتمل الصدق والكذب، لأن الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر".
[ ١٦ / ٢٨ ]
ويجوز أن تكون مفسرة، لأن الإرسال فيه معنى القول. وقرأ ابن مسعود: «أنذر» بغير «أن» على إرادة القول. و(أَنِ اعْبُدُوا) نحو (أَنْ أَنذِرْ) في الوجهين.
فإن قلت: كيف قال (ويُؤَخِّرْكُمْ) مع إخباره بامتناع تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟ قلت: قضى الله - مثلا - أنّ قوم نوح إن آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسع مئة، فقيل لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي: إلى وقت سماه الله وضربه أمدًا تنتهون إليه لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف. ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير.
[(قَالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهَارًا • فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلاَّ فِرَارًا • وإني كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا • ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا • ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا • فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
_________________
(١) قوله: (قضى الله - مثلًا - أن قوم نوح ﵇ إن آمنوا عَمَّرَهم) إلى آخره، ذكره الإمام بعينه في "تفسيره"، وقال الواحدي ومحيي السنة: "المعنى: يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يُعاقبكم، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، يقول: آمنوا قبل الموت تَسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا جاء لا يُؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل". وقد مر شيء صالح من هذا البحث في "الفاطر" عند قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١].
[ ١٦ / ٢٩ ]
إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا • يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا • ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا • مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا • وقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا • أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا • وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا • والله أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا • ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ويُخْرِجُكُمْ إخْرَاجًا • والله جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا • لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) ٥ - ٢٠]
(لَيْلًا ونَهَارًا) دائبًا من غير فتور مستغرقا به الأوقات كلها (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي) جعل الدعاء فاعل زيادة الفرار. والمعنى على أنهم ازدادوا عنده فرارا، لأنه سبب الزيادة، ونحوه: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]، (فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا) [التوبة: ١٢٤].
(لِتَغْفِرَ لَهُمْ) ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم، فذكر المسبب الذي هو حظهم خالصًا ليكون أقبح لإعراضهم عنه. سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة
_________________
(١) وقال الإمام: ﴿لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني: كُنتم من أهل النظر والعلم، وفيه: أنهم لا نهماكهم في حب الدنيا، كأنهم شاكون في الموت". قوله: (والمعنى على أنهم ازدادوا عنده فرارًا)، يُريد انه من الإسناد المجازي. قوله: (فَذَكَرَ المسبب الذي هو حظهم خالصًا)، يعني: جرد المسبب عن السبب، ليكون أشنع عليهم، أي: ليس مقصودي من دعوتكم إلى الإيمان والطاعة، سوى المنفعة العائدة عليكم، فما أقبح إعراضكم عما ينفعكم! قال الإمام: "إنما دعاهم نوح ﵇ إلى العبادة والتقوى، لأجل أن يغفر الله لهم؛ فإن المقصود الأولي هو حصول المغفرة، فالطاعة إنما تطلب للتوسل بها إليها".
[ ١٦ / ٣٠ ]
(واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) وتغطوا بها، كأنهم طلبوا أن تغشاهم ثيابهم، أو تغشيهم لئلا يبصروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله. وقيل: لئلا يعرفهم؛ ويعضده قوله تعالى: (أَلا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ) [هود: ٥].
الإصرار: من: أصر الحمار على العانة إذا صر أذنيه وأقبل عليها يكدمها ويطردها؛ استعير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها (واسْتَكْبَرُوا) وأخذتهم العزة من إتباع نوح وطاعته، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط استقبالهم وعتوهم.
فإن قلت: ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن؛ فيجب أن تكون ثلاث دعوات مختلفات حتى يصح العطف.
قلت: قد فعل ﵊ كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، في الابتداء بالأهون والترقي في الأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. ومعنى () الدلالة على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار؛ والجمع بين الأمرين،
_________________
(١) قوله: (أن تغشاهم ثيابهم، أو تُغشيهم)، أي: استغشوا، إما من الغشاء أو التغشية. قوله: (أَصَرّ الحمار على العانة)، الجوهرى: "صر الفرس أذنيه: ضمهما إلى رأسه". العانة: وهي القطيع من حُمُرِ الوَحش، والكَدْم: العض. قوله: (استعير للإقبال على المعاصي)، قال ﵀: لو لم يكن في ارتكاب المعاصي إلا التشبيه بالحمار، لكفى به مزجرة، فكيف والتشبيه في أسوأ حال وأفحشها، وهو حالة الكَدْم، والطّرد للسِّفاد؟ ".
[ ١٦ / ٣١ ]
أغلظ من إفراد أحدهما. و(جِهَارًا) منصوب بدعوتهم نصب المصدر، لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء بقعد، لكونها أحد أنواع القعود، أو لأنه أراد ب- (دَعَوْتُهُمْ): جاهرتهم.
ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا، بمعنى دعاء جهارًا، أي: مجاهرًا به، أو مصدرًا في موضع الحال، أي: مجاهرًا؛ أمرهم بالاستغفار الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي، وقدم إليهم الموعد بما هو أوقع في نفوسهم وأحب إليهم من المنافع الحاضرة والفوائد العاجلة، ترغيبًا في الإيمان وبركاته والطاعة ونتائجها من خير الدارين، كما قال: (وأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ الله) [الصف: ١٣]، (ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ) [الأعراف: ٩٦]، (ولَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإنجِيلَ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ) [المائدة: ٦٦]، (وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم) [الجن: ١٦]
_________________
(١) قوله: (وقَدّم إليهم الموعد)، أي: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ الآية. نحوه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]، أي: أوعدتكم بعذاب على ألسنة رُسلي. قوله: (كما قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ [الصف: ١٣]، استشهاد لقوله: "بما هو أوقع لنفوسهم وأحب إليهم من المنافع الحاضرة"، أي: ولكم إلى هذه النعمة المذكورة، نعمة أخرى محبوبة إليكم، وهي ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]، أي فتح مكة. وفي ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ شيء من التوبيخ على محبة العاجلة. وقال القاضي: "كأنهم لما أمرهم بالعبادة قالوا: إن كنا على حق فلا نتركه، وإن كنا على باطل، فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه؟ فأمرهم بما يَجُب معاصيهم، ويجلب إليهم المِنَح، ولذلك وعدهم عليه بما هو أوقع في قلوبهم".
[ ١٦ / ٣٢ ]
وقيل: لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة، حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، وروي سبعين، فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله تعالى الخصب ودفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر ﵁، أنه خرج يستسقى، فما زاد على الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت! فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر؛ شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن، أن رجلا شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله؛ وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار،
_________________
(١) قوله: (بمجاديح السماء)، المجاديح: واحدها مجدح، والياء زائدة للإشباع. والقياس أن يكون واحدها مجداحًا، وأما مجدح فجمعه المجاديح. والمِجْدح نَجم من النجوم، وقيل: هو الدَّبران. وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي، تشبيهًا بالمجدح الذي له ثلاث شُعب. وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مُشبهًا بالأنواء مُخاطبة بما يعرفونه، لا قولًا بالأنواء. وجاء بلفظ الجمع لإرادة الأنواء جميعها، التي يزعمون أن من شأنها المطر. وعن بعضهم: وقد أجرى الله تعالى إنزال المطر عند طلوع ذلك، ثم رأوا المطر منه لا من الله. وقيل: المِجدح كوكب كان يكثر المطر عند طلوعه، أكثر ما يكون عند طلوع سائر الكواكب.
[ ١٦ / ٣٣ ]
فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار! فتلا له هذه الآية. والسماء: المظلة؛ لأن المطر منها ينزل إلى السحاب؛ ويجوز أن يراد السحاب أو المطر، من قوله:
إذا نزل السّماء بأرض قوم
والمدرار: الكثير الدرور، ومفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، كقولهم: رجل أو امرأة معطار ومتفال. (جَنَّاتٍ) بساتين. (لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقَارًا) لا تأملون له توقيرًا أي: تعظيما، والمعنى: ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب،
_________________
(١) قوله: (إذا نَزَل السماءبأرض قوم)، تمامه: رَعَيناها وإن كانوا غِضابا ويروى: "رعيناه"، على رواية: "إذا نَبَتَ السماء"، أي: العُشْب. قوله: (ما لكم لا تكونو على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب)، يعني: حَثٌّ على رجاء الوقار لله تعالى. والمراد: الحث على الإيمان والطاعة الموجبين لرجاء ثواب الله، فهو من الكناية التلويحية، لأن من أراد رجاء تعظيم الله وتوقيره إياه، آمن به وعبده وعمل صالحًا، ومن عمل الصالحات رجاء ثزاب الله وتعظيمه إياه في دار الثواب، فهو من باب مُقدمة الواجب، لأن الحث على تحصيل الرجاء مسبوق بالحث على تحصيل الإيمان، قال الإمام: "إن القوم كانوا يُبالغون في الاستخفاف بنوح ﵇، فأمرهم الله بتوقيره، أي: إنكم إذا وقَرتم نوحًا وتركتم استخفافه، كان ذلك لأجل الله، فما لكم لا ترجون لله وقارًا".
[ ١٦ / ٣٤ ]
و(لِلَّهِ) بيان للموقر، ولو تأخر لكان صلة للوقار. وقوله: () في موضع الحال، كأنه قال: ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به، لأنه خلقكم أطوارًا، أي تارات: خلقكم أولًا ترابا، ثم خلقكم نطفًا، ثم خلقكم علقا، ثم خلقكم مضغًا، ثم خلقكم عظامًا ولحمًا، ثم أنشأكم خلقًا آخر. أو لا تخافون لله حلما وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا؟ وقيل: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟
وعن ابن عباس: لا تخافون لله عاقبة، لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب، من: وقر؛ إذا ثبت واستقر
_________________
(١) قوله: (بيان للموقر)، بكسر القاف، كأنه لما قيل: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، فقيل: لمن الوقار؟ فأجيب: لله، أي: لله الوقار فيوقركم، ولو تأخر كان صلة للوقار، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه. وعن بعضهم: البيان في كلامهم قد يتقدم ويتأخر، فالتقدم كقول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ وَقَارًا﴾، والتأخر كقولك: مرحبًا بك، فـ "بك" بيان. ولكن إذا تقدم هنا وجب أن يكون بيانًا، أي: وقارًا. وإذا تأخر فالظاهر أنه صلة، ويجوز أن يكون بيانًا، أي: وقارًا، لمن؟ أي: لله. قوله: (وهي حال موجبة للإيمان)، قال القاضي: "حال مقررة للإنكار، من حيث إنها موجبة للرجاء، لأن خلقهم أطوارًا يقتضي ذلك". قوله: (وقيل: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟). قال الفراء: "إنما يوضع الرجاء موضع الخوف، لأن مع الرجاء طرفًا من الخوف من الناس، ومن ثم استعمل الخوف بمعنى العلم، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قوله: (من: وقر؛ إذا ثبت واستقر)، الجوهري: "وقر الرَّجل: إذا ثبت، يقر وقارًا وقرة، فهو وقور".
[ ١٦ / ٣٥ ]
نبههم على النظر في أنفسهم أولا؛ لأنها أقرب منظور فيه منهم، ثم على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته وعلمه من السماوات والأرض والشمس والقمر (فِيهِنَّ): في السموات، وهو في السماء الدنيا؛ لأن بين السموات ملابسة من حيث أنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن كذا وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال: في المدينة كذا وهو في بعض نواحيها.
وعن ابن عباس وابن عمر ﵄: أن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض. (وجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس. ومثله قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا) [يونس: ٥]، والضياء أقوى من النور.
استعير الإنبات للإنشاء، كما يقال: زرعك الله للخير، وكانت هذه الاستعارة أدل على الحدوث، لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات، ومنه قيل للحشوية: النابتة والنوابت، لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أولية لهم فيه، ومنه قولهم: نجم فلان لبعض المارقة
_________________
(١) قوله: (أقرب منظور فيه منهم)، "منهم" صلة "أقرب"، يقال: قَرُب منه. وإضافة "أقرب" إلى النكرة، نحو: زيد أفضل رجل، أي: إذا عدَّد وفصَّل كل واحد من المنظور فيه، واحدًا واحدًا، تكون أنفسهم أقرب إليهم من الجميع لا محالة. قوله: (لبعض المارِقة)، النهاية: "المارِقون: الخوارج، وفي الحديث: "يَمرقون من الدِّين مُروق السَّهم من الرَّمِية"، أي: يجوزونه ويتعدَّونه".
[ ١٦ / ٣٦ ]
والمعنى: أنبتكم فنبتم نباتًا. أو نصب بأنبتكم لتضمنه معنى نبتم (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) مقبورين، ثم «يخرجكم» يوم القيامة، وأكده بالمصدر كأنه قال: يخرجكم حقًا ولا محالة، جعلها بساطًا مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه (فِجَاجًا) واسعة منفجة.
[(قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ ووَلَدُهُ إلاَّ خَسَارًا • ومَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا • وقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ ودًا ولا سُوَاعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا • وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ ضَلالًا) ٢١ - ٢٤]
_________________
(١) قوله: (فنبتُّم نباتًا)، في الزجاج: "معنى أَنْبتَكم: تَنبتون. والمصدر على اللفظ: أنبتكم إنباتًا، ونباتًا أبلغ في المعنى"، لما يُشعر بأن الله أراد نباتكم فنبتم. الانتصاف: "هذا من بديع القرآن، لا ترى العُدول من لفظ إلى آخر إلا لمعنى، والنحوي يقول: أُجري المصدر على غير فعله، وصاحب المعاني يقول: له فائدة في التحقيق وراء هذا، وهو التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفاذ حُكمها، حتى كان إنبات الله تعالى نفس النبات، فقرن أحدهما بالآخر". وقال القاضي: "تقديره: أنبتكم إنباتًا فنبتم نباتًا، فاختصر اكتفاء بالدلالة الإلزامة". وقلت: نحو هذه الدلالة ما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، أي: فَضَربَ فانبجست؛ قال: "فجعل الانبجاس مسببًا عن الإيحاء
[ ١٦ / ٣٧ ]
(واتَّبَعُوا) رؤوسهم المقدمين أصحاب الأموال والأولاد، وارتسموا ما رسموا لهم من التمسك بعبادة الأصنام، وجعل أموالهم وأولادهم التي لم تزدهم إلا وجاهة ومنفعة في الدنيا زائدة (خَسَارًا) في الآخرة، وأجرى ذلك مجرى صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها، تحقيقا له وتثبيتًا، وإبطالًا لما سواه. وقرئ: (ووَلَدُهُ)، «وولده» بضم الواو وكسرها
_________________
(١) بِضَرب الحجر، للدلالة على أن الموحى إليه، لم يتوقف عن اتباع الأمر"، هذا معنى قول صاحب "الانتصاف": "هذا هو التنبيه على تحتم القدرة وسرعة نفاذ حكمها". قوله: (وارتسموا ما رسموا لهم)، يقال: رسمت له كذا فارتسمه، أي امتثله. قوله: (زائدة ﴿خَسَارًا﴾، ﴿خَسَارًا﴾: مفعول "زائدة"، و"زائدة" ثاني مفعولي ﴿جَعَلَ﴾. قوله: (وأجرى ذلك مجرى صفة لازمة لهم، وسمة يُعرفون بها)، يعني: كنى عن الرؤساء بقوله: ﴿مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، كما يُكنى عن الإنسان بقولهم: حي مستوي القامة عريض الأظفار، لأنه صفة لازمة، أي: كاشفة موضحة، فنفى عنهم جميع وجوه الأرباح والمنافع، وأثبت لهم الخسار، وإليه الإشارة بقوله: "تحقيقًا له وإبطالًا لما سواه". قوله: ("وَوُلْدُه" بضم الواو)، وقال الزجاج: "الوَلَد والوُلْد: بمعنى؛ مثل: العَرَب والعُرْب". قرأ نافع وعاصم وابن عامر: "وَلَدُه"، بفتح الواو واللام، والباقون: بضم الواو وإسكان اللام. وكسر الواو: شاذ.
[ ١٦ / ٣٨ ]
(ومَكَرُوا) معطوف على (لَّمْ يَزِدْهُ)، وجمع الضمير وهو راجع إلى «من»؛ لأنه في معنى الجمع. والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، وصدهم عن الميل إليه والاستماع منه، وقولهم لهم: لا تذرون آلهتكم إلى عبادة رب نوح. (مَكْرًا كُبَّارًا) قرئ بالتخفيف والتثقيل. والكبار أكبر من الكبير، والكبار أكبر من الكبار، ونحوه: طوال وطوال. (ولا تَذَرُنَّ ودًا) كأن هذه المسميات كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، فخصوها بعد قولهم: (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)، وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم نوح إلى العرب، فكان «ود» ل- «كلب»، وسواع ل- «همدان»، ويغوث ل- «مذحج»، ويعوق ل- «مراد»، ونسر ل- «حمير»؛ ولذلك سمت العرب بعبد ود وعبد يغوث، وقيل: هي أسماء رجال صالحين، وقيل: من أولاد آدم ماتوا، فقال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا؛ فلما مات أولئك قال لمن بعدهم: إنهم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم. وقيل: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر. وقرئ: «ودا» بضم الواو
_________________
(١) قوله: (﴿كُبَّارًا﴾ قُرئ بالتخفيف والتثقيل)، التثقيل: المشهورة، والتخفيف: شاذ. قوله: (فكان "ود" لـ "كلب") إلى آخره، مثله: رواه البخاري عن ابن عباس مع اختلاف فيه. قوله: (وقُرئ: "ودًّا"، بضم الواو): نافع، والباقون: بفتحها.
[ ١٦ / ٣٩ ]
وقرأ الأعمش: «ولا يغوثا ويعوقًا» بالصرف، وهذه قراءة مشكلة، لأنهما إن كانا عربيين أو أعجميين ففيهما سببا منع الصرف: إما التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة؛ ولعله قصد الازدواج فصرفهما، لمصادفته أخواتهما منصرفات: ودًا وسواعا ونسرا، كما قرئ: (وضُحَاهَا) بالإمالة، لوقوعه مع الممالات للازدواج
(وقَدْ أَضَلُّوا) الضمير للرؤساء، ومعناه: وقد أضلوا (كَثِيرًا) قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا بعبادة الأصنام ليسوا بأول من أضلوهم. أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيرا، يعنى أن هؤلاء المضلين فيهم كثرة. ويجوز أن يكون للأصنام، كقوله تعالى: (إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ) [إبراهيم: ٣٦].
فإن قلت: علام عطف قوله (ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ)؟
قلت: على قوله: (رَّبِّ إنَّهُمْ عَصَوْنِي)، على حكاية كلام نوح ﵇ بعد (قَالَ) وبعد الواو النائبة عنه، ومعناه: قال رب إنهم عصوني،
_________________
(١) قوله: (ومعناه: وقد أضلوا)، مبتدأ وخبر، وقوله: "ليسوا بأول من أضلوهم"، بدل أو بيان للخبر. قوله: (وقد أضلوا بإضلالهم) أي: بإضلال المؤمنين (كثيرًا)، وهم هم؛ فهو من التجريد، وكان من الظاهر: وقد أضل الرؤساء، إياهم، أي الموصين المخاطبين بقوله: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، فوضع "كثيرًا" موضعه على سبيل التجريد؛ فالباء في "بإضلالهم" كالباء في: رأيت بك أسدًا. قوله: (بعد ﴿قَالَ﴾ وبعد الواو)، يريد: أن كلام نوح مذكور بعد ﴿قَالَ﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾، وبعد الواو في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾،
[ ١٦ / ٤٠ ]
وقال: لا تزد الظالمين إلا ضلالًا، أي: قال هذين القولين، وهما في محل النصب، لأنهما مفعولا (قَالَ) كقولك: قال زيد: نودي للصلاة وصل في المسجد؛ تحكي قوليه معطوفًا أحدهما على صاحبه.
فإن قلت: كيف جاز أن يريد لهم الضلال ويدعو الله بزيادته؟
قلت: المراد بالضلال: أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف، لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن جميل يجوز الدعاء به، بل لا يحسن الدعاء بخلافه. ويجوز أن يريد بالضلال: الضياع والهلاك، لقوله تعالى: (ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ تَبَارًا) [نوح: ٢٨].
[(مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ الله أَنصَارًا • وقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا • إنَّكَ إن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ ولا يَلِدُوا إلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا) ٢٥ - ٢٧]
_________________
(١) فحكى الله تعالى الكلامين وعطف أحدهما على الآخر؛ فالواو في قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ من كلام الله لا من كلام نوح، ومن ثم فُسِّر المعنى، وقدره بقوله: "أي: قال هذين القولين". ولو كان الواو من كلامه ﵇، لكان المقول واحدًا، ألا ترى كيف جعل ما بعد ﴿قَالَ﴾، وهو ﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾، وما عطف عليه من قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ و﴿وَمَكَرُوا﴾ و﴿وَقَالُوا﴾، قولًا واحدًا؟ ولعل قصده في ذلك: أن الجملة الثانية مُسببة عن الأولى، فكان حقها الفاء، أي: رَبِّ إنهم عصوني، فلا تزدهم إلا ضلالًا، فتركت لمكان الاستئناف، أي: فما تُريد بهذا القول؟ فقال: لا تزد. ويمكن أن تجعل الواو من كلامه ﵇، ويفوض الترتيب إلى ذهن السامع. قوله: (المراد بالضلال أن يخذلوا)، الانتصاف: "هذا من قاعدته: التي عُرف فسادها.
[ ١٦ / ٤١ ]
تقديم (مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ) لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان، فإدخالهم النار، إلا من أجل خطيئاتهم، وأكد هذا المعنى بزيادة «ما». وفي قراءة ابن مسعود «من خطيئاتهم ما أغرقوا» بتأخير الصلة، وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت كبراهن، وقد نعيت عليهم سائر خطيئاتهم كما نعي عليهم كفرهم، ولم يفرق بينه وبينهن في استيجاب العذاب، لئلا يتكل المسلم الخاطئ على إسلامه، ويعلم أن معه ما يستوجب به العذاب وإن خلا من الخطيئة الكبرى. وقرئ: (خَطِيئَاتِهِمْ) بالهمزة،
_________________
(١) قوله: (تقديم ﴿مِّمَّا خَطِيآتِهِمْ﴾ لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان، فإدخالهم النار، إلا من أجل خطيئاتهم). قال الإمام: "من قال من المنجّمين: إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم، كان مُكذبًا لصريح هذه الآية، فيجب تكفيره". قوله: (بتأخير الصلة)، أي: بتأخير "ما" الزائدة عن ﴿خَطِيآتِهِمْ﴾. قوله: (وقُرئ: خطيئاتهم، بالهمزة)، أبو عمرو: مما خطاياهم، على لفظ: قضاياهم. والباقون بالياء والتاء والهمزة جمعًا، والقراءتان الأخيرتان شاذتان. والباقون بالياء والتاء والهمزة جمعًا، والقراءتان الأخيرتان شاذتان.
[ ١٦ / ٤٢ ]
و«خطياتهم» بقلبها ياء وإدغامها، و«خطاياهم»، و«خطيئتهم». بالتوحيد على إرادة الجنس، ويجوز أن يراد الكفر.
(فَأُدْخِلُوا نَارًا): جعل دخولهم النار في الآخرة كأنه متعقب لإغراقهم، لاقترابه، ولأنه كائن لا محالة، فكأنه قد كان. أو أريد عذاب القبر، ومن مات في ماء أو في نار أو أكلته السباع والطير، أصابه ما يصيب المقبور من العذاب. وعن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب. وتنكير النار إما لتعظيمها، أو لأن الله أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار. (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ الله أَنصَارًا) تعريض باتخاذهم آلهة من دون الله، وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم، كأنه قال: فلم يجدوا لهم من دون الله آلهة ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، كقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا) [الأنبياء: ٤٣]. (دَيَّارًا) من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بالدار ديار وديور، كقيام وقيوم؛ وهو فيعال من الدور، أو من الدار؛ أصله ديوار، ففعل به ما فعل بأصل سيد وميت، ولو كان فعالًا لكان دوارًا
_________________
(١) قوله: (ويجوز أن يراد الكُفر)، يعني: خطيئتهم، على التوحيد: إما أن يُراد به الجنس، فاشتمل على الخطيئات كلها، فهي كالجمع. وإما أن يُراد له العهد، وهي الخطيئة الكبرى، وهي ما كانوا عليه من الكفر. قوله: (ومن مات في ماء أو نار، أو أكلته السباع والطير: أصابه ما يُصيب المقبور من العذاب)، قال الإمام: "اعلم أن الإنسان هو الذي كان موجودًا من أول عُمُره مع أنه كان صغير الجُثة ثم كَبِر، وإن أجزاءه في التحلل والذوبان دائمًا، فالإنسان عبارة عن ذلك الشيء، الذي هو باقٍ من أول عُمُرِه إلى آخره، ثم إنه نَقَلَ ذلك الشيء إلى النار والعذاب".
[ ١٦ / ٤٣ ]
فإن قلت: بم علم أن أولادهم يكفرون، وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة؟
قلت: لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فذاقهم وأكلهم وعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه، ويقول: احذر هذا، فإنه كذاب، وإن أبى حذرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك؛ وقد أخبره الله ﷿ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن؛ ومعنى (ولا يَلِدُوا إلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا): لا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر، فوصفهم بما يصيرون إليه، كقوله ﵇: «من قتل قتيلا فله سلبه».
[(رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوَالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلاَّ تَبَارًا) ٢٨]
(ولِوَالِدَيَّ) أبوه لمك بن متوشلخ، وأمه شمخا بنت أنوش، كانا مؤمنين. وقيل: هما آدم وحواء. وقرأ الحسين بن علي: «ولولدي»، يريد: سامًا وحامًا. (بَيْتِيَ) منزلي، وقيل: مسجدي، وقيل: سفينتي؛ خص أولا من يتصل به؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات. (تَبَارًا) هلاكًا.
فإن قلت: ما فعل صبيانهم حين أغرقوا؟
قلت: غرقوا معهم لا على وجه العقاب، ولكن كما يموتون بالأنواع من أسباب الموت، وكم منهم من يموت بالغرق والحرق،
_________________
(١) قوله: (غَرِقوا معهم لا على وجه العقاب، ولكن كما يموتون)، الانتصاف: "لما علل أحكام الله تعالى بالمصالح، ورُدَّ عليه أن أطفال قوم نوح لم يعملوا ما يقتضي العقوبة، فاجترأ على إنكار عقوبة الأطفال. وأما أهل السنة فقائلون: لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون".
[ ١٦ / ٤٤ ]
وكان ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون. ومنه قوله ﵇: «يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى»، وعن الحسن: أنه سئل عن ذلك، فقال: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب. وقيل: أعقم الله أرحام نسائهم، وأيبس أصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين أو سبعين سنة، فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح ﵇».
_________________
(١) قوله: (ويَصدُرون مصادر شتى)، يعني: يَعُمُّهم الهلاك، فيشمل الصالح والطالح، لكن يُحشرون ويَصدرون على قدر أعمالهم: فريق هالكون، وفريق ناجون كما وَرَدَ في حديث خَسْفِ البيداء. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٤٥ ]