مكية، وهي مئة وإحدى وثمانون، وقيل: واثنتان وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا ورَبُّ المَشَارِقِ﴾ ١ - ٥]
أقسم سبحانه بطوائف الملائكة، أو بنفوسهم الصافات أقدمها في الصلاة، من
_________________
(١) ـ سورة "والصافات" مكية، وهي مئة وإحدى وثمانون آية، وقيل: واثنتان وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (بطوائف الملائكة) عن بعضهم: أي: بالطوائف الصافات أو بنفوسهم الصافات، وهي جمع صافة؛ لأنه لا يقال في الملائكة صافات، وهو من قولهم: صفت الإبل قوائمها وهي صافة، والناقة تصف يديها عند الحلب، وصففت القوم فاصطفوا. وقال أبو مسلم: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة؛ لأنها مشعرة بالتأنيث، والملائكة مبرءون من هذه الصفة. وأجاب الإمام: إن "الصافات" جمع الجمع، فإنه يقال: جماعة صافة ثم يجمع على
[ ١٣ / ١١٠ ]
قوله ﷿: ﴿وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ السحاب سوقًا، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ لكلام الله من الكتب المنزلة وغيرها. وقيل: الصافات: الطير، من قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١].
والزاجرات: كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات: كل من تلا كتاب الله، ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ بالمواعظ والنصائح، ﴿فَالتَّالِيَاتِ﴾ آيات الله والدراسات شرائعه، أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد،
_________________
(١) ـ صافات، ولأن التأنيث المعنوي هو الذي لا يحسن أن يطلق عليهم، لكن اللفظي لا مانع منه، وكيف وهم المسمون بالملائكة؟ . الراغب: الصنف: أن يجعل الشيء على خط مستقيم كالناس والأشجار ونحو ذلك، وقد يجعل -فيما قال أبو عبيد- بمعنى الصاف. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]. قوله: (﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾: السحاب سوقًا) الراغب: الزجر طرد بصوت، يقال: زجرته فانزجر. قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣]، ثم يستعمل في الطرد تارة، وفي الصوت تارة، قال تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ أي: الملائكة التي تزجر السحاب. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] أي: طرد ومنع من ارتكاب المآثم، واستعمال الزجر فيه لصياحهم بالمطرود، نحو: اغرب وتنح وراءك.
[ ١٣ / ١١١ ]
وتتلو الذكر مع ذلك لا تشغلها عنه تلك الشواغل. كما يحكى عن علي بن أبي طالب ﵁. فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله:
يا لهف زيابة للحارث الص صابح فالغانم فالآيب
كأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب،؛ وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل؛ وإما على ترتب موصوفاتها
_________________
(١) ـ قوله: (كما يحكى عن علي ﵁)، قيل: كان علي ﵁ يخرج من الصف، وسيفه ينطف دمًا، فإذا رقي رباوة يأتي بالخطبة الغراء. هكذا وجدته في "الحاشية". وذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب": سئل الحسن البصري عن علي ﵁، فقال: كان والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وسابقتها، وذا قرابتها من رسول الله ﷺ، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالملومة في دين الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة، ذلك علي بن أبي طالب. قوله: (وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه) يعني: يجوز أن يكون بين الشيئين تفاوت بحسب اعتبارين، فإن الشيء قد يكون أفضل من الآخر من بعض الوجوه وذلك الآخر أفضل منه من وجه آخر، فعومل بالفاء هاهنا معاملة ثم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢ - ٢٠٣]: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدة. وترى "ثم" يقع في هذا الأسلوب فيحل موقعه.
[ ١٣ / ١١٢ ]
في ذلك، كقولك: رحم الله المحلقين فالمقصرين؛ فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات. فإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟ قلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته،
_________________
(١) ـ قوله: (رحم الله المحلقين فالمقصرين) أي المحلق أقرب من المقصر، والفاء لدنو رتبة المقصر من المحلق. وروينا عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: "والمقصرين". أخرجه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود. عطفوا قولهم: "والمقصرين" على قوله صلوات الله عليه: "المحلقين" ويسمى مثل هذا العطف عطف تلقين، كقوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، فعلى هذا خرج الحديث عن أن يصلح للاستشهاد، ويستشهد له بما روينا عن الترمذي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه". الحديث. قوله: (إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل)، وقلت: قد ذكر في القوانين أمثلة ثلاثة، والقسمة الصحيحة أربعة؛ لأنه كما جاز في الصفات الدلالة على ترتب معانيها في الوجود كذلك يجوز في الموصوفات، كما تقول: حل المتمتع فالقارن فالمفرد. وإنما لم يعتبر في الآية الترتب في الوجود لا في الصفات ولا في الموصوفات؛ لأن ما يقسم به يجب أن يكون عظيم الشأن وله مزية في نفسه، ولا يدخل الترتب في الوجود في معنى التعظيم سواء كان في توحيد الموصوف وتعدد الصفات أو في تعدد الموصوفات.
[ ١٣ / ١١٣ ]
فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه، بيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة وجعلتهم جامعين لها؛ فعطفها بالفاء يفيد ترتبًا لها في الفضل، إما أن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة، وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة
_________________
(١) ـ قوله: (إما أن يكون الفضل للصف ثم الزجر ثم للتلاوة) وذلك أنه تعالى أقسم بطوائف الملائكة الصافات بأقدامها في الصلوات إجلالًا وتعظيمًا، وبأجنحتها منتظرة لأمر الله تدبيرًا، فالزاجرات الغير وعظًا وتذكيرًا والسحاب حياة للبلاد ورحمة على العباد، فالتاليات لكلام الله لا غير. وإما على العكس، فأقسم بطوائف التاليات لكلام الله العاملات بما فيه ليلًا ونهارًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا﴾ الآية [فاطر: ٢٩] كما مر، فالزاجرات السحاب رحمة للعباد، فالصافات بأجنحتها في الهواء لا غير، هذا ما يمكن أن يقال على ما قال. "وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه". قوله: (وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة)، أي: مثل ذلك الحكم من التنزل والترقي، ومن توحيد الموصوف وتثليثه يجري في العلماء والغزاة، مثاله العالم في صفوف الجماعات مكمل لنفسه، وفي الوعظ والتذكير مكمل لغيره، فبقوارع الآيات يزجر المستمتعين، وبكواشفها. يدعوهم إلى الصراط المستبين، وبالعكس، فإن التالي لنفسه أحط منزلة ممن يشتغل بإكمال غيره تارة بالقلب واللسان، وأخرى باليد والسنان. روينا عن مسلم والترمذي وأبي داود، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
[ ١٣ / ١١٤ ]
_________________
(١) ـ قال صاحب "الانتصاف": جعل الزمخشري الأول للأفضل بدءًا بالأهم فالأهم وعكسه مراعاة للترقي. وقلت: مثال الأهم ما روينا من حديث مصعب: "ثم الأمثل فالأمثل"، ومثال الترقي قوله تعالى: ﴿فَيَاتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٢ - ٢٠٣]. وقال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يقال: المراد الطوائف التي يحصل منهن الصف والزجر والتلاوة في سبيل الله وطلب رضاه، سواء كانوا ملائكة أو غيرها من العلماء والغزاة، فيدخل فيه كل طائفة حصلت فيها هذه الصفات، ولذلك أطلقت. وقلت: يمكن أن يرجح الوجه الأول -وهو أن يراد صفوف الملائكة- بما روى محيي السنة عن ابن عباس والحسن وقتادة: هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا. وبما روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم" قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: "يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف". وبما يقتضيه قوله: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾، والمراد المذكورات في أول السورة. قال المصنف في تفسيره: يريد ما ذكر من خلائقه من الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والكواكب والشهب الثواقب والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم.
[ ١٣ / ١١٥ ]
وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر؛ فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل، أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل، والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلًا، أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات: الطير، وبالزاجرات: كل ما يزجر عن معصية، وبالتاليات: كل نفس تتلو الذكر؛ فإن الموصوفات مختلفة.
وقرئ بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال. ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ﴾ خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. والمشارق: ثلاث مئة وستون مشرقًا، وكذلك المغارب، تشرق
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بإدغام التاء) أدغم حمزة التاءات فيما يليها لتقاربها من طرف اللسان وأصول الثنايا من غير إشارة، والباقون: يكسرون التاء في الجميع من غير إدغام إلا ما كان من مذهب أبي عمرو في الإدغام الكبير. قوله: (﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ﴾ خبر بعد خبر) يعني ﴿إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جملة وهذا متصل به داخل في خبر جواب القسم. قال القاضي: والفائدة في قوله: ﴿إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ تعظيم المقسم به وتأكيد المقسم عليه على ما هو المألوف في كلامهم، وأما تحقيقه فبقوله: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ومَا بَيْنَهُمَا﴾ فإن وجودها وانتظامها على الوجه الواقع مع إمكان غيره دليل على وجود الصانع الحكيم ووحدته، وما بينهما يتناول أفعال العباد وأنها من خلقه. قوله: (والمشارق ثلاث مئة وستون مشرقًا، وكذلك المغارب) قال القاضي: تشرق
[ ١٣ / ١١٦ ]
الشمس كل يوم في مشرق منها وتغرب في مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين.
فإن قلت: فماذا أراد بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]؟ قلت: أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما.
[﴿إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ * وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ ٦ - ٧]
﴿الدُّنْيَا﴾: القربى منكم. والزينة: مصدر كالنسبة، واسم لما يزان به الشيء كالليقة: اسم لما تلاق به الدواة، ويحتمهما قوله: ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾، فإن أردت المصدر: فعلى إضافته إلى الفاعل، أي: بأن زانتها الكواكب، وأصله: بزينة الكواكب، أو على
_________________
(١) ـ كل يوم في واحد، وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل: إنها مئة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال، وإليه الإشارة بقوله: "ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين". قوله: (﴿الدُّنْيَا﴾: القربى منكم) قال القاضي: إن تحقق قولهم: إن الكواكب كلها سوى القمر ليست في السماء الدنيا لم يقدح في ذلك؛ لأن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة. وقيل: "من" في قوله: "القربى منكم" ليست مما يستعمل مع أفعل التفضيل؛ وإلا لم تجتمع مع الألف واللام، بل هي صلة "القربى"، نحو "قريب منك". قوله: (كالليقة: اسم لما تلاق به الدواة)، وعن بعضهم: هو من قولهم: لاقت الدواة تليق أي: لصقت، ولقتها أنا يتعدى ولا يتعدى؛ إذا أصلحت مدادها. قوله: (وأصله: بزينة الكواكب)، عاصم وحمزة: بالتنوين، والباقون: بغير تنوين. أبو بكر: "الكواكب" بالنصب، والباقون: بالخفض.
[ ١٣ / ١١٧ ]
إضافته إلى المفعول، أي: بأن زان الله الكواكب وحسنها؛ لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، وأصله: (بزينة الكواكب) وهي قراءة أبي بكر والأعمش وابن وثاب، وإن أردت الاسم: فللإضافة وجهان: أن تقع الكواكب بيانًا للزينة؛ لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، وأن يراد ما زينت به الكواكب. وجاء عن ابن عباس ﵄: ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾: بضوء الكواكب. ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة؛ كشكل الثريا وبنات نعش والجوزاء، وغير ذلك، ومطالعها ومسايرها. وقرئ على هذا المعنى: (بزينة الكواكب) بتنوين "زينة" وجر "الكواكب" على الإبدال. ويجوز في نصب "الكواكب" أن يكون بدلًا من محل ﴿بِزِينَةٍ﴾،
_________________
(١) ـ قال ابن الحاجب: الزينة: تطلق على ما يتزين به وعلى المصدر، كقولك: زانه يزينه زينة. فمن قرأ بالإضافة احتمل أن يراد ما يتزين به من أصناف متعددة، فأضيف إلى صنفه؛ ليتبين أنه المراد، وأن يراد المصدر على أن التزيين بما اشتملت عليه الكواكب من الصفات المخصوصة من النور والترتيب والهيئة المخصوصة التي هي عليها. وإضافتها كإضافة "ضرب" إلى زيد. ومن قرأ بالتنوين وخفض ﴿الكَوَاكِبِ﴾ فعلى البدل أو عطف بيان من "الزينة" التي هي مصدر، ومن نصب قدر فعلًا "أعني: الكواكب"، والزينة أيضًا بمعنى ما يتزين به؛ لأن الكواكب كالتفسير لها، إلا أن يقدر "أعني: زينة الكواكب" وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون في قراءة النصب بدلًا من ﴿السَّمَاءَ﴾ على أنه بدل اشتمال، كأنه قيل: إنا زينا الكواكب في سماء الدنيا بزينة، فتكون الزينة بمعنى المصدر. قوله: (وجاء عن ابن عباس: ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ﴾: بضوء الكواكب)، استشهاد لقوله: وأن يراد ما زينت به الكواكب؛ لأن ما زينت به الكواكب هو الضوء وأشكالها المختلفة ومطالعها ومسايرها. قوله: (ويجوز في نصب "الكواكب" أن يكون بدلًا من محل ﴿بِزِينَةٍ﴾)، أي أنه في موضع
[ ١٣ / ١١٨ ]
و﴿وحِفْظًا﴾ مما حمل على المعنى؛ لأن المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظًا من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾
_________________
(١) ـ نصب، وهو قول الزجاج. وقال صاحب "الكشف": مثله قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، يجوز أن يكون التقدير: وجاهدوا في دين الله، فيكون ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ بدلًا من موضع الجار والمجرور. وقال ابن الحاجب: وهو ضعيف ضعف قولهم: مررت بزيد أخاك، فلا ينبغي أن يحمل عليه قراءة ثابتة صحتها، ووجه ضعفه: أنه إذا جعل بدلًا كان في المعنى معمولًا للعامل الأول، ولا يستقيم أن يكون العامل الأول مسلطًا باعتبار المعنى بنفسه، ألا ترى أنك لو قلت في " مررت بزيد أخاك": "مررت أخاك" لم يجز، كذلك هذا. قوله: (﴿وَحِفْظًا﴾: مما حمل على المعنى) أي: قوله: ﴿وَحِفْظًا﴾ عطف ومنصف لابد له من معطوف عليه ومن ناصب، فإما أن يعطف على ﴿بِزِينِةٍ﴾ من حيث المعنى؛ لأنه في الحقيقة مفعول له لقوله: ﴿زَيَّنَّا﴾، والتقدير: خلقنا الكواكب زينة وحفظًا، وإما أن يقدر الناصب ويؤخر، وهو "زيناها" ليفيد الاهتمام، أو يقدم بأن يقال: وحفظناها حفظًا؛ ليفيد التوكيد، قال المبرد/ إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر، نصبت المصدر لتدل به على فعل آخر، نحو قولك: افعل وكرامة، أي افعل ذلك وأكرمك كرامة. وقلت: وفيه توكيد آخر من هذه الحيثية ودلالة على أن الحفظ أهم من التزيين وأعنى، ولذلك أتبعه الله ﷿: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأِ الأَعْلَى﴾.
[ ١٣ / ١١٩ ]
[الملك: ٥]، ويجوز أن يقدر الفعل المعلل، كأنه قيل: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ﴾ زيناها بالكواكب. وقيل: وحفظناها حفظًا. والمارد: الخارج من الطاعة المتملس منها.
[﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلَى المَلأِ الأَعْلَى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا ولَهُمْ عَذَابٌ واصِبٌ * إلاَّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٨ - ١٠].
الضمير في (لا يسمعون) لكل شيطان؛ لأنه في معنى الشياطين. وقرئ بالتخفيف والتشديد، وأصله: يتسمعون. والتسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع، وعن ابن عباس ﵄: هم يتسمعون ولا يسمعون. وبهذا ينصر التخفيف على التشديد. فإن قلت: (لا يسمعون) كيف اتصل بما قبله؟ قلت: لا يخلو
_________________
(١) ـ قوله: (المتملس منها) أي: الخارج من الطاعة على وجه لا يخالطه شيء منها، الجوهري: انملس من الأمر إذا أفلت منه، وناقة ملسى أي: تملس وتمضي لا يتعلق بها شيء من سرعتها. الراغب: المريد والمارد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات، من قولهم: شجر أمرد، إذا تعرى من الورق. قوله: (وقرئ بالتخفيف والتشديد) حفص وحمزة والكسائي: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بتشديد السين والميم، والباقون: بإسكان السين وتخفيف الميم. قوله: (وبهذا تنصر قراءة التخفيف على التشديد) وذلك أنه أثبت التسمع، فلا يبقى للنفي في قراءة التشديد معنى، ولأن اتصال قوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بقوله: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ يقتضي ذلك التقدير؛ لأن الحفظ مسبوق بتطلب سماع منهم، أي: هم يتطلبون
[ ١٣ / ١٢٠ ]
من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لـ ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، أو استئنافًا فلا تصح الصفة؛ لأن الحفظ من شياطين لا يسمعون لا معنى له، وكذلك الاستئناف؛ لأن سائلًا لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون: لم يستقم؛ فبقي أن يكون كلامًا منقطعًا مبتدأ اقتصاصًا لما عليه حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة، أو يتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة؛ فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب. فإن قلت: هل يصح قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا، فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقي أن لا يسمعوا، فحذفت "أن"
_________________
(١) ـ السماع فلا يتمكنون من الإصغاء فضلًا عن السماع، ولأن "يسمعون" يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] فلما عدي بـ"إلى" فسر تارة بقوله: "لا يسمعون القول مائلين إلى الملأ الأعلى"، وأخرى "لا يصغون إلى الملأ الأعلى"، وأما الاستئناف فيمكن أن يكون على وجه آخر غير ما ذكره وهو بأنه لما قيل: ﴿وحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي: حفظناها حفظًا، فقيل: فما يكون إذن؟ فأجيب: لا يسمعون أو لا يتطلبون السماع إلى الملأ الأعلى، أي: لا ينتهي طلبهم السماع إلى مكان الملأ الأعلى؛ لأنهم يقذفون من كل جانب دحورًا. قوله: (فبقي أن يكون كلامًا مبتدأ اقتصاصًا) يعني: مستطردًا، فإنه تعالى لما ذكر أن الكواكب إنما خلقت للتزيين وأن الحفظ هو المقصود بالذات أتى بما عليه حال المسترق اقتصاصًا. قوله: (هل يصح قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا؟) وجه ثالث للمنع من اتصال ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بما قبله، قال صاحب "الانتصاف": أبطل أن يكون صفة وأن يكون أصله "لئلا يسمعوا" لاجتماع حذفين، وكلا الوجهين صحيح، وعدم استماع الشيطان
[ ١٣ / ١٢١ ]
وأهدر عملها، كما في قول القائل:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى؟
قلت: كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما
_________________
(١) ـ إنما كان بسبب الحفظ، فحاله عند الحفظ أن لا يسمع فيصير موصوفًا حالة الحفظ بذلك، ومثله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ [النحل: ١٢] فالعامل في "مسخرات" -وهي حال- قوله: "سخر"، فالحال التي سخرها ملازمة لكونها مسخرة، وقد أشار الزمخشري في هذه الآية إلى ما يقرب من هذا، لكنه ذكر معه تأويلًا آخر كالمستبعد لهذا الوجه، فجعله جمع "مسخر" كممزق، وجعل معناه أنواعًا من التسخير. ومن هذا النمط: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] وليسوا رسلًا إلا بعد الإرسال. وأما الإنكار اجتماع حذفين؛ فقد ساغ في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلوا. قوله: (ألا أيهذا الزجراي أحضر الوغى)، وتمامه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي "أحضر" محمول على حذف "أن" لدلالة عطف "أن أشهد" عليه، فلو لم تقدر حتى تكون بتقدير المصدر لزم عطف المفرد على الجملة، وهو غير مستقيم.
[ ١٣ / ١٢٢ ]
فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب. فإن قلت: أي فرق بين: سمعت فلانًا يتحدث، وسمعت إليه تحدث، وسمعت حديثه، وإلى حديث؟ قلت: المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى بـ"إلى" يفيد الإصغاء مع الإدراك.
والملأ الأعلى: الملائكة؛ لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن: هم الملأ الأسفل؛ لأنهم سكان الأرض.
وعن ابن عباس ﵄: هم الكتبة من الملائكة. وعنه: أشراف الملائكة. ﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾: من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للاستراق، ﴿دُحُورًا﴾ مفعول له، أي: ويقذفون للدحور؛ وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأن القذف والطرد متقاربان في المعنى، فكأنه قيل: يدحرون، أو قذفًا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي
_________________
(١) ـ قوله: (والمعدى بـ"إلى" يفيد الإصغاء مع الإدراك) الإصغاء: الإمالة للسماع، ومنه الحديث: "كان ﵇ يصغي الإناء للهرة". قال القاضي: وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة وتهويلًا لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة من قرأ ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ بالتشديد وهو طلب السماع. قوله: (يدحرون، أو: قذفًا) هذا من الإيجازات الحسنة، أي تقدر "يدحرون دحورًا" أو "يقذفون قذفًا".
[ ١٣ / ١٢٣ ]
بفتح الدال على: قذفًا دحورًا طرودًا. أو: على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع. والواصب: الدائم، وصب الأمر وصوبًا، يعني أنهم في الدنيا مجرمون بالشهب، وقد أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع. ﴿مَنْ﴾ في محل الرفع بدل من الواو في (لا يسمعون)، أي: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ﴿﴾.
وقرئ: (خطف) بكسر الخاء والطاء وتشديدها، و(خطف) بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما: اختطف. وقرئ: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾، و(فاتبعه).
_________________
(١) ـ قوله: (بفتح الدال) قال ابن جني: هذا على وجهين: أحدهما: على أنه من المصادر الذي جاء على فعول؛ بفتح الفاء. وثانيهما: على أن المعنى: ويقذفون من كل جانب بداحر أو بما يدحر، على حذف حرف الجر وإرادته. قوله: (مجيء القبول والولوع) ومنه الوزوع، وليس في المصادر "فعول" سوى هذه الثلاثة، قال سيبويه: روي: توضأت وضوءًا وتطهرت طهورًا، والوجه الضم. قوله: (وقرئ "خطف" بكسر الخاء والطاء وتشديدها) قال الزجاج: هذا لا وجه له إلا وجهًا ضعيفًا جدًا، ويكون على إتباع الطاء كسر الخاء، وهو أخذ الشيء بسرعة، وقيل: وجه "خطف" بكسرتين: أنهم حركوا الخاء بحركة الهمزة بعد حذفها، فلما سكنوا التاء وقلبوا وأدغموا احتيج إلى تحريك الطاء فحركوها بالكسر على أصل التقاء الساكنين. ووجه "خطف" بفتح الخاء وكسر الطاء، أنهم نقلوا حركة التاء إلى الخاء وحذفت همزة الوصل، ثم قلبوا التاء وأدغموا وحركوا الطاء بالكسر على أصل التقاء الساكنين. والقراءتان شاذتان. قوله: (﴿فَاَتْبَعَهُ﴾) هي المشهورة، والتشديد: شاذة.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
[﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ ١١]
الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها؛ فلذلك قيل: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أي: استخبرهم ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾؟ ولم يقل: فقررهم. والضمير لمشركي مكة. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وكني بذلك لشدة بطشه وقوته ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ يريد: ما ذكر من خلائقه: من الملائكة، والسماوات والأرض، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب، والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم، فقال: ﴿مَّنْ خَلَقْنَا﴾، والدليل: عليه: قوله بعد عد هذه الأشياء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ بالفاء المعقبة. وقوله: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ مطلقًا من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدمه، كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه، فاستفتهم: أهم أشد خلقًا أم الذي خلقناه من ذلك،
_________________
(١) ـ قوله: (الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير) أي: الهمزة في ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ وإن خرجت عن موضوعها الأصلي وهي الاستفهام؛ لأنه طلب لما في الخارج لينتقش مثل ذلك في الذهن إلى تقرير الثابت؛ لأن هذا الأمر المسؤول مقرر معين لم يحتج إلى أن يستفهم منه، لكن أجريت على الاستفهام ظاهرًا؛ ليجعل المقرر غير مقرر فيصح دخول "استفتهم" عليا، والفائدة الإنكار والتوبيخ، كأنه لم يعلم ذلك فاستفتهم وهو معين مقرر، والأسلوب من باب سوق المعلوم مساق غيره، وعليه قول الخارجية: أيا شجر الخابور، مالك مورقًا؟ كأنك لم تجزع على ابن طريف
[ ١٣ / ١٢٥ ]
وتقطع به قراءة من قرأ: (أمن عددنا) بالتخفيف والتشديد. ﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾: يحتمل أقوى خلقًا، من قولهم: شديد الخلق، و: في خلقه شدة، وأصعب خلقًا وأشقه، على معنى الرد لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى، وأن من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر عليه أهون. وخلقهم ﴿مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة؛ لأن ما يصنع من الطين غير موصوف
_________________
(١) ـ قوله: (وتقطع به قراءة من قرأ: "أمن عددنا") أي: تثبت الحجة وتجعل الدليل قاطعًا، يعني: يدل على أن المراد خلقنا كذا وكذا قراءة من قرأ "أمن عددنا" دلالة قاطعة. فقوله: "خلقنا" كناية عن ذلك المعدود. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] قال فيه: إنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارًا. قوله: (وأصعب خلقًا) قسيم لقوله: "أقوى خلقًا"، وهو الاحتمال الثاني. وقوله: "على معنى الرد" متصل بالاحتمال الثاني دون الأول؛ لقوله: هان عليه ولم يصعب. وقوله: (إما شهادة عليهم بالضعف والرخاوة) إلى آخره، معناه: أن قوله: ﴿إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ كالتعليل لما يتولد من معنى الاستفهام في قوله: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ فإذا فسر بقوله: "أهم أقوى خلقًا" على سبيل الإنكار كان دليلًا على إثبات الضعف والرخاوة لهم، وإذا فسر بقوله: "أصعب خلقًا وأشقه" كذلك كان احتجاجًا عليهم بإهانتهم وسهولة تأتيهم من حيث المخلوقية؛ لأن المنكر حينئذ خصومتهم وإنكارهم البعث بقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ ففيه لف ونشر، وكذلك قوله: "بل عجبت من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة" مبني على الاحتمال الأول، وقوله: "أو من إنكارهم البعث" على الاحتمال الثاني، والمقام يقتضي الاحتمال الثاني؛ لقوله بعد ذلك: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: " وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث".
[ ١٣ / ١٢٦ ]
بالصلابة والقوة، أو احتجاج عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا من تراب مثله حيث قالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ [الرعد: ٥]. وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. وقيل: ﴿مَّنْ خَلَقْنَا﴾ من الأمم الماضية، وليس هذا القول بملائم
_________________
(١) ـ وقلت: ويعضد المعنى الأول ما سبق من مفتتح السورة إلى ها هنا؛ لأنه في شأن إثبات التوحيد وإظهار القدرة الكاملة، يعني كيف يشركون ويستكبرون عن عبادتي؟ أو لا يرون إلى ما خلقنا من الملائكة والسماوات والأرض والمشارق والمغارب والكواكب، كيف انقادوا وأطاعوا مع عظم خلقهم وقوة بطشهم لما أردنا فيهم؟ كقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وهم يمتنعون عن الانقياد ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ ولذلك عقبه بقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. قوله: (وليس هذا القول بملائم) لأن ﴿مَّنْ خَلَقْنَا﴾ مطلق يحمل على النقيد، ولم يسبق للأمم الماضية ذكر، وقد سبق ذكر الملائكة والسماوات وغيرهما فوجب تقييده بها، وإليه الإشارة بقوله: "وقوله: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَا﴾ من غير تقييد بالبيات اكتفاء ببيان ما تقدمه"، وأيضًا الفاء في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ يقتضي ترتب الثاني على الأول، وإليه الإشارة بقوله: "والدليل عليه قوله بعد هذه الأشياء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ بالفاء المعقبة. قال صاحب "الفرائد": هذا القول مذكور في "التيسير"، قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: فاسأل المشركين يا محمد: أهم أشد خلقًا أم من خلقنا من الأمم الماضية الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا؟ فإن أجابوك بأنهم أشد ممن سلف فقل لهم: إنا خلقناهم، أي: خلقنا جميعهم من طين لازب، يعني: أصلهم منه وهو آدم ﵇، مما خلقهم
[ ١٣ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ منه، فكيف صاروا هم أشد منهم؟ وكيف توهموا لشدتهم عند أنفسهم أنهم يعجزونني وأنا خالق جميعهم وموجدهم من العدم؟ وعليه جمهور المفسرين سوى الإمام. ثم قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يتعلق بما قبله وهو أنه تعالى أقسم أن الإله واحد؛ لإنكارهم ذلك وادعائهم الشرك، ثم ذكر ما لا مقال لهم فيه احتجاجًا عليهم وهو خلقه السماوات والأرض وغيرهما من البدائع والعجائب، فألزمهم بما ذكر أن يقروا بأنه واحد لا شريك له، فلما لم يقروا وعاندوا مع وضوح الدليل كما عاند من قبلهم وداموا على الشرك كما داموا عليه، قيل لهم: فانتظروا الإهلاك؛ لأنكم لا تكونون أشد خلقًا منهم، وقد اُهلكوا بمثل هذا العناد، فأنتم أيضًا ستهلكون به، فوضع ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ موضعه لإفادته معناه، ويمكن أن يكون قوله: ﴿إنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ لاستكبارهم المنتج للعناد، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] ويدل على ما ذكرت الإضراب بعده وهو قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ وقوله بعده حكاية عنهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ الآية، ذكر استبعادهم بعد الإضراب، فالظاهر أنه غير متعلق بما قبل الإضراب، والله ﷿ أعلم بمفهوم كلامه وبالمراد منه. وقلت - والله أعلم-: خالف المصنف في أمور، أحدها: أنه مجرى على ظاهره فيمن يعقل دون التغليب. وثانيها: أن ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ كوضوع موضع: فلما لم يقروا وعاندوا إلى آخره، والمصنف جعلها للتعقيب، وجعل الهمزة للتقرير، والسؤال للتبكيت، يعني: إذا تقرر ذلك فاستفتهم. وثالثها: أن قوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾ لا يصح أن يتصل بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾. هذا ولا يخفى على الحذاق بمعرفة التأليف والنظام وعلى ذوي دربة بأساليب الكلام أن القول ما ذهب إليه المصنف؛ لأن وزان الآية مع السوابق واللواحق وزان قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: ٨١]، وقد سبق تقريره
[ ١٣ / ١٢٨ ]
وقرئ: (لازم)، و(لاتب)، والمعنى واحد، والثاقب: الشديد الإضاءة.
[﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ * وإذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وإذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ١٢ - ١٤].
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة ﴿وَ﴾ هم ﴿يَسْخَرُونَ﴾ منك ومن تعجبك ومما تريهم من آثار قدرة الله، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون من أمر البعث.
وقرئ بضم التاء، أي: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني عجبت منها، فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي؟ ! أو: عجبت من أن ينكروا
_________________
(١) ـ في موضعه، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وأما معنى "بل" في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ فهو إضراب عن الأمر بالاستفتاء، أي: لا تستفتهم فإنهم معاندون مكابرون لا ينفع فيهم الاستفتاء ولا يتعجبون من قدرة الله على خلق هذه المذكورات وعلى قدرته على إعادتكم وأنتم تراب كما كنتم؛ لأنهم صم بكم عمي، وإنما يتعجب مثلك ممن له إنصاف ونظر صحيح موفق من عند الله، ألا ترى كيف قيده بقوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ وعطف عليه ﴿وقَالُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية. قوله: (وقرئ بضم التاء) حمزة والكسائي، والباقون: بفتحها.
[ ١٣ / ١٢٩ ]
البعث ممن هذه أفعاله، وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة عليه. فإن قلت: كيف يجوز العجب على الله تعالى، وإنما هو روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء، والله تعالى لا يجوز عليه الروعة؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن مجرد العجب لمعنى الاستعظام، والثاني:
_________________
(١) ـ قوله: (ممن هذه أفعاله) "من" متعلق بقوله: "أن يشطروا". قوله: (روعة) الجوهري: الروع -بالفتح-: الفزع، والروعة: الفزعة. الأساس: ومن المجاز: وفرس رائع، يروع الرائي بجماله، يريد: يدخل روعة الهيبة، ومنه الحديث: "إن روح القدس نفث في روعي". قوله: (أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام) هذا على أصول الماكلمين، قالوا: عامة صفات الله التي تستدعي الجسمية تفسر على أحوالنا لأعراضنا في الانتهاء لا في الابتداء، فيحمل التعجب على الاستعظام، فإن من رأى منا أمرًا عظيمًا لم يره من قبل تفجؤه الروعة فيستعظمه، لذلك فالله تعالى منزه عن المعنى الأول فيحمل على الثاني، وأورد بأن ترتب الاستعظام على عكس ما ذكر ضرورة أنه يستعظم الشيء أولًا ثم تعتري الروعة، وتعريفه المذكور في "الكشاف" دال عليه، فيقال: الوجدان حاكم أن استعظام الشيء مسبوق بانفعال يحصل في الروع من رؤية أمر غريب، كمشاهدة جوهرة نفيسة أو درة يتسمة، هذا هو المعني بالروعة عند التعجب. وأما قوله: "وتعريفه المذكور دال عليه" فممنوع، ولفظ "عند" في قوله: "عند استعظامه الشيء" لا ينافي ما ذكرنا؛ لأنه إنما دل على المعية الزمانية، على أن الإمام نص في هذا المقام على هذا المعنى، حيث قال: القانون في هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة على نهايات العراض لا على بداياتها، ومن تعجب من شيء فإنه يستعظمه، والتعجب في حق الله تعالى محمول
[ ١٣ / ١٣٠ ]
أن يتخيل العجب ويفرض، وقد جاء في الحديث:
_________________
(١) ـ على أنه تعالى يعظم تلك الحالة، إن كانت قبيحة فيترتب عليها العقاب، وإن كانت حسنة فيترتب عليها الثواب، تم كلامه. والحاصل في إضافة التعجب إلى الله تعالى وجهان: عجب مما يرضى، ومعناه الاستحسان والخبر التام عن الرضا، وعجب مما أنكره ومعناه الإنكار والذم له، والله أعلم. قوله: (أن يتخيل العجب ويفرض) أي: يجعل التركيب من الاستعارة التخييلية، كما في قولهم: لسان الحال ناطق بكذا، فيكون إثبات التعجب لله ﷾ كتخييل اللسان للحال. وقال صاحب "الفرائد": إن كان المراد من التخيل أنه يفرض له تعالى ذلك- ولم يكن- كان كذبًاعليه، وإن كان أنه مفروض له وكان جائزًا عليه- ومعلوم أنه لا يجوز- فكان كذبًا أيضًا، فلا وجه للفرض، ويمكن أن يجاب بأن يقال: هو عند الله تعالى بمنزلة لو جاز عليه العجب لعجب، ويمكن أن يقال: عجب، أي: حمل على العجب؛ لأن الحامل على الفعل يسمى فاعلًا. تم كلامه. والعجب أنه سد باب الاستعارة بهذا البيان، وقد صرح المصنف بلفظ الاستعارة في "يس" عند قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ ﴿[يس: ٣٠]. وأما التفصي عن الكذب فيصيب القرينة كما نص عليه صاحب "المفتاح"، فيتصور معنى يليق بجلال الله ﷿- وإن لم تعرف كيفيته- موافقًا للأمر المتعارف يعني التعجب، ثم يطلق على هذا المتصور اسم المتعارف، والقرينة نسبته إلى ذاته المقدسة عن صفات المخلوقين.
[ ١٣ / ١٣١ ]
"عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم". وكان شريح يقرأ بالفتح، ويقول: إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. فقال إبراهيم النخعي: إن شريحًا كان يعجبه علمه، وعبد الله أعلمخ. يريد عبد الله بن مسعود، وكان يقرأ
_________________
(١) ـ وقريب منه قول الإمام مالك ﵁ في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة. والله أعلم. وأما الإسناد المجازي فوجه حسن، نقل محيي السنة عن سيد الطائفة جنيد قدس سرهما، قال: الله تعالى لا يعجب من شيء، ولكنه تعالى وافق رسوله ﷺ لما عجب رسول الله ﷺ وقال: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] أي هو كما تقوله. قوله: (عجب ربكم من ألكم)، النهاية. وفي الحديث: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم"، الأل: شدة القنوطن ويجوز أن يكون منرفع الصوت بالبكاء، يقال: أل يئل ألا، قال أبو عبيد: المحدثون يروونه بكسر الهمزة، والمحفوظ عند أهل اللغة الفتح، وهو أشبه بالمصادر. قوله: (إن شريحًا كان يعجبه علمه، وعبد الله أعلم) وعن بعضهم: مثله ما ورد: "نعم الله بيك عينًا"، وحدث به في مجلس شعبة فأنكره شعبة، فحدث إنكاره ابن الأعرابي فقال:
[ ١٣ / ١٣٢ ]
بالضم. وقيل: معناه: قل يا مجمد: بل عجبت. ﴿وإذَا ذُكِّرُوا﴾: ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، ﴿وإذَا رَأَوْا آيَةً﴾ من آيات الله البينة؛ كانشقاق القمر ونحوه، ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يبالغون في السخرية، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها.
[﴿وقَالُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وأَنتُمْ دَاخِرُونَ* فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ ١٥ - ١٩].
و(آباؤنا) معطوف على محل (أن) واسمها، أو على الضمير في (مبعوثون)، والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفها. والمعنى: أيبعث أيضًا آباؤنا؟ ! على زيادة
_________________
(١) ـ أعذرهم فإنهم لا يعلمون. قال المصنف: وجهه أن الباء ها هنا للتعدية، أي: أنعمك الله عينًا، أي: أقر عينك، وظن شعبة أن العين وقع تمييزًا من الفاعل وأن الباء بمنزلة الباء في: سررت به وفرحت، ولذلك أنكره. وتأويل الآية على قراءة عبد الله: أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وذكر سخطه عليهم، وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتذكرون. قول: (الفصل بهمزة الاستفهام) قرأ قالون وابن عامر: "أو آباؤنا" بإسكان الواو، والباقون: بفتحها، أي: لولا همزة الاستفهام والفصل بها لما جاز العطف على الضمير المرفوع بالصريح من غير تأكيد. قال القاضي: أصله: أنبعث أئذا متنا؟ فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإنكار وإشعارًا بان البعث مستنكر في نفسه، وفي هذه الحال أشد استنكارًا، ويمكن أن يجعل الكلام ذا جملتين معطوفتين، والتقدير: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا؟ ويبعث أيضًا آباؤنا الأقدمون؟ ثم أدخل همزة الإنكار بين المعطوف والمفطوف عليه لمزيد الاستبعاد.
[ ١٣ / ١٣٣ ]
الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. وقرئ: ﴿أَوْ آبَاؤُنَا﴾. ﴿قُلْ نَعَمْ﴾: وقرئ: (نَعِم) بكسر العين، وهما لغتان. وقرئ: (قال نعم) أي: الله تعالى أو الرسول ﷺ. والمعنى: نعم تبعثون ﴿وأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون. ﴿فَإِنَّمَا﴾ جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان ذلك فما ﴿هِيَ﴾ إلا ﴿زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ وهي لا ترجع إلى شيء، إنما هي مبهمة موضعها خبرها.
ويجوز: فإنما البعثة زجرة واحدة؛ وهي النفخة الثانية. والزجرة: الصيحة من
_________________
(١) ـ قوله: (إنما هي مبهمة موضعها خبرها) وهي ﴿زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾، ونظيرها قول الشاعر: هي النفس ما حملتها تتحمل وقال الآخر: هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم، والقتل بالحر أجدر الخطة: الحال والأمر. والإسار: القد الذي يشد به خشب الرحل. والإسار: الأسر. قوله: (ويجوز: فإنما البعثة زجرة واحدة) أي: لفظة ﴿وَهِيَ﴾ يجوز أن ترجع إلى شيء، وهي البعثة المفهومة من قوله: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾. قال الزجاج: المعنى: قل لهم: نعم تبعثون وانتم صاغرون، ثم فسر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة؛ بقوله: ﴿فَإنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذَا هُمْ﴾ يحيون ويبعثون بصراء ينظرون. وقول المصنف: "إذا كان ذلك": أي: القيامة أو نفخة القايمة، هو المراد بقول الزجاج: "ثم فسر أن بعثهم".
[ ١٣ / ١٣٤ ]
قولك: زجر الراعي الإبل أو الغنم؛ إذا صاح عليها فريعت لصوته، ومنه:
زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم
يريد تصويته بها. ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ أحياء بصراء ﴿يَنظُرُونَ﴾.
[﴿وقَالُوا يَا ويْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ٢٠ - ٢١].
يحتمل أن يكون ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ إلى قوله: ﴿احْشُرُوا﴾ [الصافات: ٢٢] من كلام الكفرة بعضهم مع بعض، وان يكون من كلام الملائكة لهم، وأن يكون ﴿وقَالُوا يَا ويْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ كلام الكفرة، و﴿هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ من كلام الملائكة جوابًا لهم ويوم الدين: اليوم الذي ندان فيه، أي: نجازى بأعمالنا. ويوم الفصل: يوم القضاء، والفرق بين فرق الهدى والضلالة.
[﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأَزْوَاجَهُمْ ومَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إلَى صِرَاطِ الجَحِيمِ * وقِفُوهُمْ إنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ ٢٢ - ٢٦].
﴿احْشُرُوا﴾ خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم مع بعض، ﴿وأَزْوَاجَهُمْ﴾:
_________________
(١) ـ قوله: (زجر أبي عروة) البيتن المصنف: "زجر" يروى بفتح الراء، عن بعضهم: وهو يحتمل وجهين: أن يكون مصدرًا، وأن يكون فعلًا ماضيًا، والأصل: زجر، ثم خفف، ويروى برفعها، وهو مصدر لا غير. فيه نظر. روى المصنف: أن أبا عروة كنية العباس بن عبد المطلب في سورة "الحجرات"، وأنشد البيت، وقال: زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، ولم أجد لهذا أصلًا. وكنيته في "الاستيعاب" و"جامع الأصول": أبو الفضل.
[ ١٣ / ١٣٥ ]
وضرباءهم، عن النبي ﷺ؛ وهم نظراؤهم وأشباههم من العصاة: أهل الزنى مع أهل الزنى، وأهل السرقة مع أهل السرقة. وقيل: قرناؤهم من الشياطين. وقيل: نساءهم اللاتي على دينهم، ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾: فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها. هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعدما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين. ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾: قد أسلم بعضهم بعضًا وخذله عن عجز، وكلهم مستسلم غير منتصر. وقرئ: (لا تتناصرون)، و: (لا تناصرون) بالإدغام.
[﴿وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ * قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * ومَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ* إنَّهُمْ كَانُوا إذَا قِيلَ لَهُمْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢٧ - ٣٥].
_________________
(١) ـ قوله: (وضرباءهم) الضرباء والأضراب: الأمثال. قال: سمعت غير واحد من العرب يقول: هذا ضربه، أي: مثله، بكسر الضاد، ويعضده قولهم: مثل ومثيل، وشبه وشبيه، وأنهم جمعوه على أضراب، والذي في الكتب المضبوطة: بفتح الضاد. قوله: (وهم نظراؤهم وأشباههم) قال الزجاج: تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وكذلك: زوجان من الخفاف، أي: كل واحد نظير صاحبه، وكذلك: الزوج: المراة، والزوج: الرجل، وقد تناسبا بعقد النكاح. وقال أبو البقاء: الجمهور على نصب ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: احشروا أزواجهم، وهو بمعنى "مع"، وهو في المعنى أقوى، وقرئ شاذًا بالرفع عطفًا على الضمير في ﴿ظَلَمُوا﴾. قوله: (وقرئ: لا "تتناصرون") روى البزي عن ابن كثير.
[ ١٣ / ١٣٦ ]
اليمين لما كانت أشرف العضوين وامتنهما وكانوا يتيمنون بها؛ فبها يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور، ويتشاءمون بالشمال؛ ولذلك سموها: الشؤمى، كما سموا أختها اليمنى، وتيمنوا بالسانح، وتطيروا بالبارح، وكان الأعسر معيبًا عندهم، وعضدت الشريعة ذلك، فأمرت بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، وأراذلها بالشمال، وكان رسول الله ﷺ يحب التيامن في كل شيء، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات، والشمال لكاتب السيئات، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن يؤتاه بشماله- استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل: أتاه عن اليمين- أي: من قبل الخير وناحيته- فصده عنه وأضله.
وجاء في بعض التفاسير: من أتاه الشيطان من جهة اليمين: أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ومن أتاه من جهة الشمال: أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه من
_________________
(١) ـ قوله: (ويماسحون) قيل: يعاقدون ويعاهدون، أو يتبركون. النهاية: إنما سمي عيسى بالمسيح؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ. قوله: (وتيمنوا بالسانح)، النهاية: هو ما مر من الطير والوحوش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به؛ لأنه أمكن للرمي والصيد، والبارح: ضده. قوله: (وكان الأعسر معيبًا) الجوهري: يقال: أعسر بين العسر، الذي يعمل بيساره. قوله: (استعيرت لجهة الخير) جواب "لما". قوله: (فقيل) متصل بقوله: "استعيرت"، وقصده بقوله: "أتاه" يعني: لما كانت اليمين أشرف العضوين استعيرت لجهة الخير، قيل: أتاه من جهة الخير، فصده عن الخير، وعليه معنى الآية، وتحريره: قال بعض أهل الجحيم لبعض: ﴿إنَّكُمْ كُنتُمْ تَاتُونَنَا﴾ من قبل الخير وتصدوننا عن الإيمان وتضلوننا عن سبيل الحق، ولذلك كان جواب البعض الآخر: ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
[ ١٣ / ١٣٧ ]
بين يديه: أتاه من قبل التكذيب بالقيامة وبالثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه: خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده؛ فلم يصل رحمًا، ولم يؤد زكاة. فإن قلت: قولهم: أتاه من جهة الخير وناحيته: مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازًا عن المجاز؟ قلت: من المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، وهذا من ذاك؛ ولك أن تجعلها مستعارة للقوة والقهر؛ لأن اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش. والمعنى: أنكم كنتم تأتوننا عن القة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه.
وهذا من خطاب الأتباع لرؤسائهم، والغواة لشياطينهم، ﴿بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾:
_________________
(١) ـ قوله: (قولهم: أتاه من جهة الخير) يعني قولهم: أتاه من جهة اليمين كما تقرر، مستعار من قولهم: أتاه من جهة الخير، والخير لا جهة له، فكيف يستعار منه؟ وأجاب أنه مجاز في المرتبة الثانية، فهو كالمسافة، وهي موضع الشم في الأصل، من سافه [إذا] شمه، ثم استعير لبعد ما بين الموضعين، ثم استعير لفرق ما بين الكلامين. قوله: (ول كان تجعلها مستعارة) عطف على قوله: "اليمين لما كانت أشرف العضوين"، ويجوز أن يقال: إنه عطف من حيث المعنى على قوله: "استعيرت لجهة الخير"، وهما نشر لما لف في قوله: "وكانوا يتيمنون بها، فبها يصافحون" إلى آخره؛ لأنه مناسب لقوله: "اليمين لما كانت أشرف العضوين"، كما أن قوله: "مستعارة للقوة والقهر" مناسب لقوله: "وأمتنهما" وليست هذه الاستعارة من التي مبناها على التشبيه، بل هي من إطلاق السبب على المسبب، وقد جمع المعنيين من قال: وكنا الأيمنين إذا التقينا وكان الأيسرين بنو أبينا
[ ١٣ / ١٣٨ ]
بل أبيتم أنت الإيمان وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر، غير ملجئين إليه، ﴿ومَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم﴾ من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختياركم، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا﴾ مختارين الطغيان ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾: فلزمنا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ﴾ يعني: وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة، ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم؛ لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم، ونحوه قول القائل:
لقد زعمت هوازن قل مالي
ولو حكىت قولها لقال: قل مالك.
ومنه قول المحلف للحالف: احلف لأخرجن، ولتخرجن؛ الهمزة لحكاية لفظ الحالف، والتاء لإقبال المحلف على المحلف. ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾: فدعوناكم إلى الغي دعوة محصلة للبغية، لقبولكم لها واستجابتكم الغي على الرشد، ﴿إنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ فأردنا
_________________
(١) ـ قوله: (يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا) قال القاضي: بينوا بقولهم: ﴿َحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إنَّا لَذَائِقُونَ﴾ أن ضلال الفريقين ووقوعهم في العقاب كان أمرًا مقضيًا لا محيص لهم عنه، وأن غاية ما فعلوا بهم أنهم دعوهم إلى الغي؛ لأنهم كانوا على الغي فأحبوا أن يكونوا مثلهم، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليس من قبلهم. قوله: (لقد زعمت هوازن قل مالي) تمامه: وهل لي غير ما أنفقت مال؟ قوله: (دعوة محصلة للبغية) يريد أن الإغواء ضد الهداية، كما أن الهداية معناها
[ ١٣ / ١٣٩ ]
إغواءكم؛ لتكونوا أثالنا، ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ فإن الأتباع والمتبوعين جميعًا، ﴿يَوْمَئِذ﴾ يوم القيامة ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ في العذاب كما كانوا مشتركين في الغواية، ﴿إِنَّا﴾ مثل ذلك الفعل ﴿نَفْعَلُ﴾ بكل مجرم، يعني: أن سبب العقوبة هو الإجرام، فمن ارتكبه استوجبها. ﴿إنَّهُمْ كَانُوا إذَا﴾ سمعوا بكلمة التوحيد نفروا واستكبروا عنها وأبوا إلا الشرك.
[﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ * إنَّكُمْ لَذَائِقُوا العَذَابِ الأَلِيمِ * ومَا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣٦ - ٣٩].
﴿لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ يعنون محمدًا ﷺ، ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ رد على المشركين ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ كقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقرئ: (لذائقو العذاب) بالنصب على تقدير النون، كقوله:
ولا ذاكر الله إلا قليلا
بتقدير التنوين.
_________________
(١) ـ الدلالة الموصلة إلى البغية، كذلك الإغواء لكن على العكس، ولذلك قابل الغي بالرشد في قوله: "استحبابكم الغي على الرشد". قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلا)، أوله: فألفيته غير مستعتب قبله. فذكرته ثم عاتبته عتابًا رقيقًا وقولًا جميلًا أي: غير راجع بالعتاب عن قبح ما فعل. والأصل: ولا ذاكرًا الله إلا قليلًا، بالتنوين ونصب "الله"، إلا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين لا للإضافة، ولهذا كان منصوبًا، و"ذاكر" مجرور، عطف على "مستعتب".
[ ١٣ / ١٤٠ ]
وقرئ على الأصل: (لذائقون العذاب). ﴿إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: إلا مثل ما عملتم جزاء سيئًا بعمل سيء.
[﴿إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ (٤٠) أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وهُم مُّكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيهَا غَوْلٌ ولا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ (٤٧) وعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ ٤٠ - ٤٩]
﴿إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع.
فسر الرزق المعلوم بالفواكه؛ وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة،
_________________
(١) ـ قوله: (ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع) وفي "المطلع": المعنى: لكن الموحدون الذين أخلصهم الله بالهدى والإيمان أولئك لهم رزق معلوم في الجنة بدل العذاب الأليم للكفرة. وقيل: الاستثناء متصل بالجزاء، أي: إلا عباد الله المخلصين فإن جزاؤهم يضاعف أضعافًا تفضلًا منه تعالى عليهم، وقيل: متصل بالذوق، أي: يذوقون إلا عباد الله المخلصين. وقلت: والي عليه ظاهر كلام المصنف أنه متعلق بالجزاءن لكن على الانقطاع، والتقابل حاصل؛ لأن جزاءهم -كما سبق- هو ذوق العذاب الأليم إهانة، وجزاء أولئك الرزق المعلوم والفواكه كرامة. وقال القاضي: هو استثناء منقطع إلا أن يكون الضمير في ﴿تُجْزَوْنَ﴾ لجميع المكلفين فيكون استثناؤهم عنه باعتبار المماثلة، فإن ثوابهم مضاعف، والمنقطع أيضًا بهذا الاعتبار. قوله: (فسر الرزق المعلوم بالفواكه)، يعني ﴿فَوَاكِهَ﴾ عطف بيان للرزق، وفي المطلع: بدل منه بدل الكل من الكل، وعلى أنه يراد: ﴿رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾ منعوت بخصائص بدل البعض من الكل؛ لأن الفواكه بعض رزقكم.
[ ١٣ / ١٤١ ]
يعني: أن رزقهم كله فواكه؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه على سبيل التلذذ. ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر. وقيل: معلوم الوقت، كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
وعن قتادة: الرزق المعلوم: الجنة. وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ يأباه. وقوله: ﴿وهُم مُّكْرَمُونَ﴾ هو الذي يقوله العلماء في حد الثواب
_________________
(١) ـ وقلت: يمكن أن يقال: إن قوله: ﴿مَعْلُومٌ﴾ إما ممول على المتعارف، أي: كما عرف في الدنيا عند أهلها، فيكون بدل الكل من الكل لقوله: ورزقهم كله فواكه، وإما محمول على المعروف، أي كما عرف عند أهل التترف والتنعم، فيكون أيضًا بدل الكل؛ لأن قوله: (من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر) كله صفة الفواكه، ويؤيده قول الإمام: المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني: لما كانت الفاكهة حاضرة أبدًا كان الإدام أولى بالحضور، وإما محمول على الوقت كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فيكون ﴿فَوَاكِهَ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مستأنفة، والمراد بالفواكه كل طعام يؤكل للتلذذن كما مر في الوجه الأول. قوله: (﴿فِي جَنَّاتِ﴾ يأباه) قال أبو البقاء: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا أو حالًا أو خبرًا ثانيًا، وكذلك ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾. ويجوز أن يتعلق ﴿عَلَى﴾ بـ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، ويكون ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا من ﴿مُكْرَمُونَ﴾، أو من الضمير في الجار، و﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾، يجوز أن يكون مستأنفًا وأن يكون كالذي قبله، وأن يكون صفة لـ ﴿مُكْرَمُونَ﴾، و﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ نعت لـ"كأس"، وكذلك ﴿بَيْضَاءَ﴾ و﴿عَنْهَا﴾ يتعلق بـ ﴿يُنزَفُونَ﴾.
[ ١٣ / ١٤٢ ]
على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوي الهمم، كما أن من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هوان أهل النار وصغارهم.
التقابل أتم للسرور وآنس. وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتسمى الخمر نفسها كأسًا، قال:
وكأس شربت على لذة
_________________
(١) ـ قوله: (على سبيل المدح): مقرن بقوله "العلماء"، يعني: يقولون: الثواب هو الخير الذي يوصل إلى العالم على سبيل التعظيم، احترزوا به عن الاستدراج، فقوله: ﴿وهُم مُّكْرَمُونَ﴾ كالتكميل للكلام السابق، والظاهر أنه كالتذييل. قوله: (ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس)، الجوهري: الكأس: مؤنثة، قا الله تعالى: ﴿بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ﴾. وأنشد الأصمعي: من لا يمت عبطة يمت هرمًا الموت كأس والمرء ذائقها قال ابن الأعرابي: لا يسمى الكاس كأسًا إلا وفيها الشراب. يقال: مات فلان عبطة، أي صحيحًا شابًا؛ بالباء الموحدة والعين المهملة. قوله: (وكأس شربت على لذة)، تمامه للأعشى: وأخرى تداويت منها بها وبعده
[ ١٣ / ١٤٣ ]
وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس. ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾: من شراب معين. أو: من نهر معين؛ وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون، وصف بما يوصف به الماء؛ لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥].
﴿بَيْضَاءَ﴾: صفة للكأس، ﴿لَذَّةٍ﴾ إما أن توصف باللذة كانها نفس اللذة وعينها؛ أو هي تأنيث اللذ، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ، ووزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال:
ولذ كطعم الصر خي تركته بأرض العدى من خشية الحدثان
يريد النوم. الغول: من غاله يغوله غولًا؛ إذا أهلكه وأفسده. ومنه: الغول الذذي في تكاذيب العرب. وفي أمثالهم: الغصب غول الحلم. و﴿يُنزَفُونَ﴾ على البناء
_________________
(١) ـ لكي يعلم الناس أني امرؤٌ أتيت المعيشة من بابها يقول: رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها. قوله: (وصف بما يوصف به الماء)، قال القاضي: وذلك للإشعار بأن ما يكون لهم بمنزلة الشراب جامع لما يطلب من أنواع الأشربة؛ لكمال اللذة. قوله: (الصرخدي) أي: الشراب المنسوب إلى الصرخد، وهو موضع بالشام. قوله: (يريد النوم)، الأساس: لذ الشيء لذة ولذاذة والتذ التذاذًا، وشيء لذ ولذيذ، وهو في لذ من العيش، وله عيش لذ. وأنشد البيت. قوله: (الغصب غول الحلم)، أي العقل، قال الميداني: أي مهلكه، ويقال: أية غول
[ ١٣ / ١٤٤ ]
للمفعول، من: نزف الشارب؛ إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. ويقال للمطعون: نزف فمات؛ إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية حتى نزفتها؛ إذا لم تترك فيها ماء. وفي أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطًا.
وقرئ: (يُنزِفون)؛ من: أنزف الشارب؛ إذا ذهب عقله أو شرابه. قال:
_________________
(١) ـ أغول من الغضب؟ وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول. قوله: (أجبن من المنزوف ضرطًا)، وقال في "المستقصى": وقيل: سافر رجلان فلاحت لهما شجرة، فقال أحدهما: أرى قومًا رصدونا، وقال الآخر: إنما هي عُشرة، فظنه يقول: عشرة، فجعل يقول: وما غناء اثنين في عَشَرة ويضرط حتى مات. وقيل: هو دابة بين الكلب والذئب إذا صيح بها أخذها الضراط من الجبن. العُشرة: اسم شجرة. وقال الميداني: ومن حديثه: أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل، فزوجن إحداهن رجلًا كان ينام الضحى، فإذا أتينه بصبوح، فيقول لهن: لو نبهتنني لعادية؟ فلما رأين ذلك قال بعضهن لبعض: إن صاحبنا لشجاع، فتعالين حتى نجربه، فأتينه كما كن يأتينه فأيقظنه، فقال: لو لعادية نبهتنني؟ فقلن: هذه نواصي الخيل، فجعل يقول: الخيل الخيل، ويضرط حتى مات. قوله: (وقرئ: "يُنزِفُونَ") قرأها حمزة والكسائي.
[ ١٣ / ١٤٥ ]
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا
ومعناه: صار ذا نزف، ونظيره: أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل وكببته، وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب. وفي قراءة طلحة بن مصرف: (يَنزُفون) بضم الزاي، من: نزُف ينزُف، كقرب يقرب؛ إذا سكر.
والمعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر؛ من مغص، أو صداع، أو خمار، أو عربدة، أو لغو، أو تأثيم، أو غير ذلك، ولا هم يسكرون، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر. ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: قصرن أبصارهن على أزواجهنن لا يمددن طرفًا إلى غيرهم، كقوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧]. والعِين:
_________________
(١) ـ قوله: (لَعمري) البيت، يخاطب آل أبجر، ويقول: بئس الندامى أنتم سكارى أو صاحين. قال الزجاج: الشعر للأبيرد اليربوعي، وأبجر: هو الحر بن جابر العجلي، وأنزفتم: نفد شرابكم وفني، ويُروى: أو سكرتم. قوله: (لا فيها فساد قط) معنى قوله: "لا فيها غولٌ ولا هم يسكرون": معنى ﴿ولا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾، فيكون من عطف الخاص على العام، ولذلك قال: "وهو أعظم مفاسدها فأفرزه". قوله: (من مغص)، الجوهري: المغص- بالتسكين-: تقطيع في المعي ووجع، والعامة تقول: مغص، بالتحريك. قوله: (أو عربدة) قال: عربد عليه: إذا أساء إليه، ولا يستعمل إلا في السكارى، مشتق من العربد، وهي حية تنفخ ولا تؤذي. قوله: (أو تأثيم) أي: نسبة الرجل إلى الإثم. قوله: (كقوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة: ٣٧]) قال: هو جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل.
[ ١٣ / ١٤٦ ]
النجل العيون، شبههن ببيض النعام المكنون في الأداحي، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.
[﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا وعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ٥٠ - ٥٧].
فغن قلت: علام عطف قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؟ قلت: على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم﴾، والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب، قال:
_________________
(١) ـ قوله: (في الأداحي)، الجوهري: مدحى النعامة: موضع بيضها، وأدحيها: موضعها الذي تفرخ فيه، وهو أفعول من دحوت؛ لأنها تدحوه برجلها ثم تبيض، وليس للنعام عش. قال صاحب "المطلع": شبههن ببيض النعام المكنون في الأداحي التي لا يصيبها شمس ولا ريح ولا غبار فيغير لونها. وقال: ألوانهن ألوان بيض النعام. ويجوز أن يكون ﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون، يقال: كننت الشيء؛ إذا سترته وصنته، فهو مكنون. قوله: (فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب)، الجوهري: الشرب: جمع شارب، مثل: صاحب وصحب. واعلم أنه لما قيل: ﴿وهُم مُّكْرَمُونَ﴾ وجيء بالخبار المتوالية، أولها: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وثانيها: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، وثالثها: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾، وعلق بـ ﴿يُطَافُ﴾ قوله: ﴿وعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ تكميلًا للذة الشراب بلذة الحسان الوجوه، وأريد تتميم معنى تلك النعمة ألقى في خلدهم تذكر ما كانوا عليه في الدنيا مع القرين السوء الذي كاد أن يفوت عليهم هذا النعيم المقيم؛ ليزيد غبطتهم وتبجحهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ قال أبو البقاء: في جنات.
[ ١٣ / ١٤٧ ]
وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جيء به ماضيًا على عادة الله في أخباره. وقرئ: ﴿لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ من التصديق، و(من المصَّدِّقين) مشدد الصاد، من التصدق.
وقيل: نزلت في رجل تصدق بماله لوجه الله، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه؛ فقال: وأين مالك؟ قال: تصدقت به ليعوضني الله به في الاخرة خيرًا منه، فقال: أئنك لمن المصدقين بيم الدين؟ أو من المتصدقين لطلب الثواب؟ والله لا أعطيك شيئًا. ﴿لَمَدِينُونَ﴾: لمجزيون، من الدين؛ وهو الجزاء. أو: لمسوسون مربوبون. يقال:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾) بتشديد الدال: المشهورة، وبتشديد الصاد والدال: شاذة، قال الزجاج: المصدقين، خفيفة الصاد، من: صدّقت فأنا مصدق، ولا يجوز بتشديدها؛ لأن المصدِّين الذين يعطون الصدقة، والمصدقين الذين لا يكذبون. يريد: أن معنى التصدق غير مناسب لقوله: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وكُنَّا تُرَابًا﴾ بل هو مناسب للتصديق ملائم له، فالمعنى: كان لي قرين يقول: إنك ممن يصدق بالبعث بعد أن يصير ترابًا وعظامًا، فأحب قرينه المسلم أن يراه بعد أن قيل له: ﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ أي: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار؟ فاطلع المسلم فرأى قرينه الذي كان يك ١ ب بالبعث في وسط الجحيم. قلت: هذا تقرير حسن ملائم للنظم، ويؤيده ما رواه محيي السنة: هما اللذان قص الله خبرهما في الكهف ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] يقول: أئنك لمن المصدقين بالبعث؟ قوله: (فاستجدى) أي استعطى، الجوهري: الجدا: العطية، والجدوى: مثله.
[ ١٣ / ١٤٨ ]
دانه: ساسه، ومنه الحديث: "العاقل من دان نفسه".
﴿قَالَ﴾ يعني ذلك القائل: ﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لأريكم ذلك القرين. قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار. وقيل: القائل هو الله ﷿. وقيل: بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار؟ وقرئ: ﴿مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ﴾، و(فأطَّلَعَ) بالتشديد، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب؛ و(مطلعون فأطلع)، و(فأُطلع) بالتخفيف على لفظ الماضي والمضارع المنصوب، يقال: طلع علينا فلان، واطَّلع وأطلع بمعنى واحد، والمعنى: هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضًا؟ أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك.
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه الحديث: "العاقل من دان نفسه") والحديث من رواية الترمذي عن شداد عن رسول الله ﷺ: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنة على الله المغفرة". دان نفسه: حاسبها في الدنيا قبل أن تحاسب يوم القيامة. قوله: (يعني ذلك القائل) وهو المذكور في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ أي: قرين في الدنيا ينكر الحشر، ﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ لأريكم ذلك القرين؟ وقال الواحدي ومحي السنة: قال المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لتنظروا كيف منزلة أخي؟ فقال أهل الجنة: إنك أعرف به منا فاطلع أنت، فاطلع فرأى أخاه في وسط الجحيم. قوله: (والمعنى) أي: على أن "اطلع" و"أطلع" بمعنى واحد، فقوله: "هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضًا"، هذا على أن يكون "أطلع" مضارعًا جوابًا للاستفهام، نحو قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]. قوله: (أو عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه)، هذا على أن يكون "اطلع" ماضيًا
[ ١٣ / ١٤٩ ]
وإن جعلت الإطلاع من: أطلعه غيره، فالمعنى: أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم، -وهو من آداب المجالسة؛ أن لا يستبد بشيء دون جلسائه- فكأنهم مطلعوه. وقيل: الخطاب على هذا للملائكة. وقرئ: (مطلعون) بكسر النون، أراد: مطلعون إياي؛
_________________
(١) ـ و﴿هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ بمعنى الأمر، نحو قوله تعالى" ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ ولذلك قال: فاعترضوه، أي: فامتثلوا أمره. و"اعترض" مطاوع "عرض"، أي: قبلوا عرضه وقالوا: نعم. فالفاء في ﴿فَاطَّلَعَ﴾ فصيحة؛ لأن "فاعترضوه" سبب لقوله: فاطلع، كقوله: فـ ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]. وينصره ما روينا عن الواحدي: "فاطلِع أنت، فاطلع فرأى أخاه"، بالأمر والماضي. قوله: (وإن جعلت الإطلاع من: أطلعه) معطوف على قوله: "واطلع وأطلع بمعنى واحد"، أي لك أن تجعل قراءة من قرأ "مطلَعون" من: أطلعه غيره فاطلع هو، فالمعنى: فهل أنتم مطلعون إياي على حال ذلك القرين فأطلع أنا؟ يعني انظروا إلى حاله حتى أنظر إليه، فإن نظري إليه متوقف على نظركم. وإليه الإشارة بقوله: "إنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم يقول هذا بعضهم لبعض"، بدليل قوله: "وهو من آداب المجالسة أن لا يستبد بشيء دون جلسائه". قوله: (فكأنهم مطلعوه) جزاء "لما"، وما توسط بينهما اعتراض. وهذا المعنى يشتمل على التقديرين: الماضي والمضارع. ولا يجوز أن يكون القائل الله تعالى ولا الملائكة، نعم يجوز أن يكون الخطاب للملائكة، فيقول: هل أنتم يا ملائكة الله مطلعي على حال قريني فأطلع أنا عليها؟ أي: أطلعوني قريني أيها الملائكة لأطلع أنا قرنائي من أهل الجنة. قوله: (وقرئ: "مطلعون" بكسر النون). قال أبو البقاء: وهو بعيد جدًا؛ لأن النون إن كانت للوقاية فلا تلحق بالأسماء، وإن كانت للجمع فلا تثبت في الإضافة.
[ ١٣ / ١٥٠ ]
فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله:
هم الفاعلون الخير والآمرونه
أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كانه قال: تطلعون، وهو ضعيف لا يقع إلا في الشعر. ﴿فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ﴾: في وسطها، يقال: تعبت حتى انقطع سوائي، وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب -يا أبا عبيدة-
_________________
(١) ـ وقال الزجاج: فهو شاذ بالإجماع، وله وجه ضعيف، وقد جاء في الشعر: هم الفاعلون الخير والآمرونه إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما وكل أسماء الفاعلين إذا ذكرت بعدها المضمر لم تذكر النون ولا التنوين، تقول: زيد ضاربي، وهما ضارباك، وهم ضاربوك، ولا يجوز هو ضاربني، ولا هم ضاربونك إلا في الشعر؛ إلا أنه قد قرئ: "مطلعون" على: مطلعوني، فحذف الياء كما تحذف في رؤوس الآي، وبقيت الكسرة دليلًا عليها. وأجود القراءة وأكثرها: ﴿مُّطَّلِعُونَ﴾؛ بتشديد الطاء وفتح النون، ويليه: "مطلعون" بالتخفيف والفتح. قوله: (حتى انقطع سوائي) أي وسطي وهو الظهر. الراغب: سواء وسط، وقيل: سواء وسوى. قال تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٨] أي: يستوي طرفاه، ويستعمل ذلك وصفًا وظرفًا، وأصل ذلك مصدر. والشيء المساوي، كعدل ومعادل وقتل ومقاتل، تقول: سيان زيد وعمرو، وأسواء: جمع سي: كنقض وأنقاض، يقال: قوم أسواء، والمساواة متعارفة في المثمنات، يقال: هذا الثوب يساوي كذا، وأصله ساواه في القدر. قوله: (يا أبا عبيدة) قال ﵀: إن كانت الهمزة بعد حرف النداء همزة قطع أسقطت
[ ١٣ / ١٥١ ]
حتى ينقطع سوائي. ﴿إِن﴾ مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على "كاد" كما تدخل على "كاد"، ونحوه ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢]، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والإرداء: الإهلاك. وفي قراءة عبد الله: (لتُغوِين). ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾ هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، والبراءة من قرين السوء، أو: إنعام الله بالثواب، وكونه من أهل الجنة. ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك.
[﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى ومَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ٥٨ - ٥٩].
الذي عطفت عليه الفاء محذوف، معناه: أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ولا بمعذبين. وقرئ: (بمائتين)، والمعنى: أن هذه حال المءمنين وصفتهم وما قضى الله
_________________
(١) ـ الألف وأثبت الهمزة، وإن كانت الهمزة همزة وصل أسقطت الهمزة وأثبت الألف، كقولك: يا ابني. قوله: ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾ هي العصمة إلى آخر ما قدر؛ لأنها لما كانت مطلقة قيدت بحسب اقتضاء المقام بما ذكر. قوله: (أنحن مخلدون منعمون) هي الجملة المقدرة بعد الهمزة التي عطفت عليها: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾، والهمزة للتقرير، وهو مقول آخر للمؤمن على سبيل الاغتباط والابتهاج، فإن تذكر الخلود في الجنة لذة دونها كل لذة، وفي عكسه أنشد المتنبي: أشد النعم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا قوله: (وما قضى الله) عطف تفسيري على حالهم، و"أن لا يذوق" مفعول "قضى"، وقوله: "للعلم باعمالهم" اعتراض أتى به بيانًا لمذهبه.
[ ١٣ / ١٥٢ ]
به لهم -للعلم بأعماله- أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار، فإنهم فيما يتنون فيه الموت كل ساعة، وقيل لبعض الحكماء: ما شر من الموت؟ قال: الذي يُتمنى فيه الموت.
[﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ ٦٠ - ٦١]
يقوله المؤمن تحدثًا بنعمة الله واغتباطه بحاله وبمسمع من قرينه، ليكون توبيخًا له يزيد به تعذبًا، وليحكيه الله فيكون لنا لطفًا وزاجرًا. ويجوز أن يكون قولهم جميعًا، وكذلك قوله: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أي: إن هذا الأمر الذي نحن فيه. وقيل: هو من وقل الله ﷿ تقديرًا لقولهم وتصديقًا له. وقرئ: (لهو الرزق العظيم)، وهو ما رزقوه من السعادة.
[﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا البُطُونَ *
_________________
(١) ـ قوله: (وليحكيه الله) عطف على "ليكون"، يريد: أن هذا القول معروف معلوم ما أتى للإعلام بل للاغتباط والتحدث بنعمة الله تعالى توبيخًا ولطفًا. قوله: (ويجوز أن يكون قولهم جميعًا) أي: المؤمن وأصحابه، وهو عطف على قوله: "يقوله المؤمن"، والمعنى: لما فرغ القرين من توبيخ قرينه. وذكر عصمة الله له من تلك الورطة حمدًا لله تعالى أتبع ذلك هو ومن صحبه من عباد الله المخلصين اغتباطًا وتحدثًا بنعمة الله. قوله: (وقيل: هو من قول الله) أي قوله: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ وعلى الوجهين السابقين كان من قول المؤمن أو المؤمنين.
[ ١٣ / ١٥٣ ]
ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الجَحِيمِ * إنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ٦٢ - ٧٠].
تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال: ﴿أَذَلِكَ﴾ الرزق ﴿خَيْرٌ نُّزُلًا﴾ أي: خيرٌ حاصلًا ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؟ وأصل النزل: الفضل والريع في الطعام، يقال: طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والغم. وانتصاب ﴿نُزُلَا﴾ على التمييز، ولك أن تجعله حالًا، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحًا أم رطبًا؟ يعني:
_________________
(١) ـ قوله: (تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى [ذكر] الرزق المعلوم) هذا بيان لنظم الآي، وفيه أن قصة المؤمن ذكرت مستطردة بين الكلامين المتصلين معنى، وذلك أنه تعالى لما ذكر رزق أهل الكرامة، ومن كرامتهم أنهم على سرر متقابلين، واتصل به قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ واستوفى القصة أقبل إلى ذكر أهل الشقاوة وتهكم بهم بقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾. قوله: (وأصل النزل: الفضل والريع)، المغرب: ومنه قوله: العسل ليس من أنزال الأرض، أي: من ريعها وما يحصل منها. وعن الشافعي ﵁: لا يجب فيه العشر، لأنه نزل طائر. قوله: (أثمر النخلة خير بلحًا أم رطبًا؟) فإن قلت: المثال غير مطابق للآية؛ لأن السؤال عن حال الثمرة لا نفسها، وفي الآية السؤال عن الرزق المعلوم وعن شجرة الزقوم، قلت: ليس السؤال عن الرزق والشجرة نفسهما بل عن حالهما، ألا ترى كيف قال: "فأيهما خير في كونه نزلًا؟ ". نعم فيه اختلاف من جهة أن المثال فيه شؤال عن حالتي شيء واحد، والآية هنا سؤال عن حالة واحدة لشيئين مختلفين، وهذا لا يضر في الاستشهاد.
[ ١٣ / ١٥٤ ]
أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة، وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلًا؟ والنزل: ما يقام للنازل بالمكان من الرزق. ومنه: أنزال الجند؛ لأرزاقهم، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن.
ومعنى الأول: أن للرزق المعلوم نزلًا، ولشجر الزقوم نزلًا، فأيهما خير نزلًا؟ ومخعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم، واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم؛ قيل لهم ذلك توبيخًا على سوء اختيارهم، ﴿فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾: محنة وعذابًا لهم في الآخرة. أو ابتلاءً لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؛ فكذبوا. وقرئ: (نابتة في أصل الجحيم)، قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. والطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها،
_________________
(١) ـ الجوهري: البلح: قبل البسر، والواحدة: بلحة، أول التمر طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر. قوله: (ولكن المؤمنين لما اختاروا) يعني: لما كان مؤدى فعل الكافرين إلى شجرة الزقوم كمؤدى فعل المؤمنين إلى الرزق المعلوم؛ حمل ذاك على هذا حملًا للنقيض على النقيض تهكمًا. ويجوز أن يكون من المشاكلة المعنوية، ويجوز أن يكون من أسلوب قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. فإن قلت: لم فرق بين المعنيين في الاعتبارين؟ فإنه جعل ﴿نُزُلًا﴾ تمييزًا في الأول وحالًا في الثاني. قلت: لأنه لما استعار النزل للحاصل من الشيء تعين أن يكون تمييزًا دون الحال؛ لأن حاصل الشيء لا يصدق عليه، ومن شأن الحال صدقه على ذي الحال، ويجوز أن يحمل في الثاني على التمييز أيضًا نحو قوله: لله دره فارسًا.
[ ١٣ / ١٥٥ ]
إما استعارة لفظية، أو معنوية، وشبه برؤوس الشياطين؛ دلالة على تناهيه في الكراهية
_________________
(١) ـ قوله: (إما استعارة لفظية أو معنوية) عن نور الدين الحكيم ﵀: اللفظية: نحو رأيت أسدًا، وعنَّت لنا ظبية. والمعنوية كقوله: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فإنك في الأول تجعل الشيء الشيء وليس به، وفي الثاني تجعل الشيء للشيء وليس له. وأيضًا إذا رجعت في الأول إلى التشبيه الذي هو المقصود يأتيك عفوًا، نحو: "رأيت رجلًا كالأسد"، وغن رمته في الثاني لم يواتك تلك المواتاة. وقلت: يمكن أن يقال: أما اللفظية فهي أن الطلع موضوع لحمل الشجرة مع قيد أن تكون تلك الشجرة نخلة، فاستعمل هنا في غيرها، وهو كالمرسن فإنه موضوع لأنف بشرط أن يكون فيه رسن، فإذا استعمل في أنف إنسان كان مجازًا لفظيًا ليس فيه مبالغة؛ لأنهما كالمترادفين. وأما المهنوية فهي أن تشبه حمل تلك الشجرة بالطلع الحقيقي تشبيهًا بليغًا، ثم يطلق على ذلك الحمل اسم الطلع، والقرينة الإضافة. ويحتمل أن تكون تحقيقية وأن تكون مكنية مستلزمة للتخييلية كقول القائل: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعري أفراس الصبا ورواحله وفي تسمية الأول بالاستعارة تسامح؛ لأنه من المجاز المرسل الخالي من الفائدة فسماه بها مبالغة أو تعظيمًا. قوله: (وشبه برؤوس الشياطين) يعني: استعير لحمل شجرة الزقوم اسم الطلع، وشبه برؤوس الشياطين، والتشبيه تخييلي؛ لأن المشبه به لا حقيقة له في الخارج؛ لأن قبح
[ ١٣ / ١٥٦ ]
وقبح المنظر؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس؛ لاعتقادهم أنه شرٌّ محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كانه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون جاؤوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله؛ كما أنهم اعتقدوا في المَلَك أنه خير محض لا شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة. قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، وهذا تشبيه تخييلي. وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدًا. وقيل: إن شجرًا يقال له الأستن خشنًا منتنًا مرًا منكر الصورة، يسمى ثمره: رؤوس الشياطين. وما سمت العرب هذا الثمر
_________________
(١) ـ منظر الشياطين مركوز في الجبلة؛ لأن الشيطان -كما زعم- لا يُرى ولكنه يستشعر أنه أقبح ما يكون -لو رأى الرائي- في أقبح صورة، وأنشد الزجاج قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال ولم ير الغول ولا أنيابها، ولكن التمثيل بما يستقبح أبلغ، ففي باب المذكر يمثل بالشيطان، وفي باب المؤنث يشبه بالغول فيما يستقبح. قوله: (وقيل: الشيطان حية عرفاء) قال محيي السنة: قيل: أريد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا، فعلى هذا لا يكون التشبيه تخييلًا بل تحقيقًا. العرفاء: طويلة العرف. الجوهري: العرف: عرف الفرس، سميت به لكثرة شعرها. قوله: (يقال لها الأستن) قال أبو عبيد: الأستن: أصول الشجرة البالية، الواحدة: أستنة. قوله: (وما سمت العرب هذا الثمر) يعني: ما سموا ثمرة الأستن برؤوس الشياطين إلا للقصد إلى أحد هذين التشبيهين أي: الصوري أو المعنوي عند بعضهم، والظاهر هو
[ ١٣ / ١٥٧ ]
برؤوس الشياطين إلا قصدًا إلى أحد التشبيهين، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلًا ثالثًا يشيه به. ﴿مِنْهَا﴾: من الشجرة، أي: من طلعها ﴿فَمَالِئُونَ﴾ بطونهم؛ لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو: يقسرون على اكلها وإن كرهوها؛ ليكون بابًا من العذاب؛ فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابًا من غساق أو صديد، شوبه أي: مزاجه، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم، كما قال في صفة شراب أهل الجنة: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧]. وقرئ: (لَشُوبًا) بالضم، وهو اسم ما يشاب به، والأول تسمية بالمصدر. فغن قلت: ما معنى حرف التراخي في قوله: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾، وفي قوله: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾؟ قلت:
_________________
(١) ـ أنهم اعتقدوا أن الشيطان قبيح المنظر أو أنه في الحقيقة حية عرفاء، ثم أدخل هذا الثمر لكثرة الاستعمال في جنس هذين الأصلين وصار أصلًا ثالثًا مثلهما مشبهًا به، ومثله قول التنوخي: فانهض بنار إلى فحم كأنهما في العين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتفقا وذلك أنه لما سمع الله ﷿ نعت العدل بالنور في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا و﴾ [الزمر: ٦٩] ورأى النبي ﷺ وصف الظلم بالظلمات في قوله: "الظلم ظلمات يوم القيامة" خيلهما شيئين لهما إنارة وإظلام وجعلهما مشبهًا بهما. قوله: (من غساق) الغساق: المنتن البارد. والغساق -بالتخفيف-: لغة. قوله: (شوبه أي: مزاجه) ويروى: شوبًا أي: مزاجًا، و"شوبًا" يجوز ان يكون بمعنى مشوب، وأن يكون مصدرًا على بابه، والشوب الخلط، وسمي العسل شوبًا؛ لأنه كان عندهم مزاجًا لغيره من الأشربة.
[ ١٣ / ١٥٨ ]
في الأول وجهان؛ أحدهما: أنهم يملئون البطون من شجر الزقوم، وهو حار يحرق بطونهم ويعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ملي؛ تعذيبًا بذلك العطش، ثم يسقون ما هو أحر؛ وهو الشراب المشوب بالحميم. والثاني: انه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع، فجاء بـ"ثم"؛ للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام، ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه. ومعنى الثاني: أنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها، إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يتملؤوا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التراخي في ذلك بين.
_________________
(١) ـ قوله: (في الأول وجهان) والجواب الأول مبني على أن "ثم" للتراخي في الزمان، والأسلوب من الترقي من الحار إلى الأحر، والثاني على أن "ثم" للتراخي في الرتبة، والأسلوب من التكميل، حيث كمل عذاب الأكل بالشرب. وأما معنى الثاني- أي: السؤال الثاني الذي تقدم على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ - فظاهر. وفي قوله: (ثم يرجعون إلى دركاتهم) إشعار بترتيب أنيق، وذلك أن أهل النار أول ما يقام لهم في النار من الرزق شجرة الزقوم، ثم يسقون شوبًا من حميم، ثم يستقرون بعد ذلك إلى دركاتهم، وعليه جرى العرف، وعلى هذا نزل أهل الجنة: الرزق المعلوم، وهو الفواكه وما يأكلونه على سبيل التلذذ، ثم السقي من كأس معين بيضاء لذة للشاربين، ثم يرجعون إلى ما وراء ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قائلين: ﴿إنَّ هَذَا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ اللهم بفضلك اجعلنا من الفائزين به. قال القاضي: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ فيه دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقام للنازل، ولهم وراء ذ لك ما تقصر عنه الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار من الأمم.
[ ١٣ / ١٥٩ ]
وقرئ: (ثم إن منقلبهم)، (ثم غن مصيرهم)، (ثم إن منفذهم) إلى الجحيم؛ علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين، واتباعهم إياهم على الضلال، وترك اتباع الدليل. والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يحثون حثًا. وقيل: إسراع فيه شبيه بالرعدة.
[﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * ولَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ * إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ٧١ - ٧٤]
﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾: قبل قومك قريش. ﴿مُّنذِرِينَ﴾: أنبياء حذروهم العواقب. ﴿المُنذَرِينَ﴾: الذين أنذروا وحذروا، أي: أهلكوا جميعًا ﴿إلاَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾: الذين ىمنوا منهم واخلصوا الله دينهم، أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين.
[﴿ولَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ (٧٥) ونَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ (٧٦) وجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ (٧٧) وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ (٧٩) إنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ (٨٠) إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِين﴾ ٧٥ - ٨٢].
لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذَرين، أتبع ذلك ذكر نوح ودعائه إياه حين أيس من قومه، واللام الداخلة على "نعم" جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: فوالله لنعم المجيبون نحن. والجمع دليل العظمة والكبرياء. والمعنى: إنا أجبناه أحسن الإجابة، وأوصلها إلى مراده وبغيته؛ من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بألغ ما يكون. ﴿هُمُ البَاقِينَ﴾: هم الذين بقوا وحدهم وقد فني غيرهم، فقد روي: أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ولده. أو: هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة. قال قتادة: الناس كلهم من ذرية نوح.
_________________
(١) ـ قوله: (هم الذين بقوا وحدهم) هذا الاختصاص يعطيه ضمير الفصل.
[ ١٣ / ١٦٠ ]
وكان لنوح ﵇ ثلاثة اولاد: سام، وحام، ويافث، فسامٌ أبو العرب، وفارس، والروم، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ من الأمم هذه الكلمة؛ وهي: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ يعني
_________________
(١) ـ قوله: (﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ من الأمم هذه الكلمة) يريد أن "تركنا" واقع على قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ وهو مفعول به. كانه قيل: تركنا على نوح قولنا: سلام على نوح في كل أحد من العالمين، كما يقال: السلام على زيد في جميع الأمكنة وفي جميع الأزمنة، واللعنة على إبليس في المشرق والمغرب، فقوله: ﴿فِي العَالَمِينَ﴾ متعلق بالجار والمجرور. قال صاحب "الكشف": ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، والجار بعده في موضع الخبر، والجملة في موضع المفعول لـ ﴿وَتَرَكْنَا﴾ ولو أعمل "تركنا" فيه لقيل: "سلامًا" ويجوز أن يكون التقدير: وتركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن، فحذف مفعول "تركنا"، ثم ابتدأ وقال: "سلام". ويجوز أن يكون التقدير: وتركنا عليه في الاخرين الثناء الحسن وقلنا: سلام. وقال محيي السنة: "تركنا عليه"، أي: أبقينا له ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا فيمن بعده إلى يوم القيامة. وقلت: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ان يكون المفعول ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ من حيث المعنى، كما قال الزجاج أي: تركنا عليه الذكر الجميل، وذلك الذكر قوله: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ أي: تركنا عليه في الآخرين أن يسلم عليه إلى يوم القيامة. وثانيهما: المفعول محذوف، وهو الثناء كما سبق، فعلى هذا: يبقى "تركنا" مطلقًا غير
[ ١٣ / ١٦١ ]
يسلمون عليه تسليمًا، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي، كقولك: قرأت ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١].
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿فِي العَالَمِينَ﴾؟ قلت: معناه: الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعًا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه قيل: ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم. علل مجازاة نوح ﵇ بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه غلى آخر الدهر بأنه كان محسنًا، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا، ليريكجلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه.
[﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ (٨٣) إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إذْ قَالَ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٨٣ - ٨٧]
_________________
(١) ـ مقيد، أي: تركنا على نوح في الآخرين من الأمم ذكرًا جميلًا، وكذا وكذا، كقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، ويكون ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ دعاء من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]. قوله: (فما معنى قوله: ﴿فِي العَالَمِينَ﴾؟) جاء في السؤال بالفاء، يعني: إذا كان معنى ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾: تركنا في الاخرين من الأمم أن يسلموا عليه تسليمًا ويدعوا له، فما معنى ﴿فِي العَالَمِينَ﴾ فإنه كالتكرار؟ وأجاب: إن في إعادة ذكر العالمين الشمول والاستغراق؛ لئلا يخرج أحد ممن يدخل في العالمين من الملائكة والثقلين منه، والحاصل أن ﴿فِي العَالَمِينَ﴾ كالتتميم للمعنى السابق والمبالغة فيه، ولو اكتفى بقوله: ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ لقصر عن هذا المعنى، فرجع معنى: ﴿وتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ إلى قوله: "ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم". قوله: (ليريك جلالة محل الإيمان) يعني: ان نوحًا ليس ممن لا يؤمن حتى يوصف بالإيمان تمييزًا، وإنما جيء به للمدح، يعني أن صفة الإيمان من الصفات التي تصلح أن يمتدح بها النبي المرسل ترغيبًا للمؤمن.
[ ١٣ / ١٦٢ ]
﴿مِن شِيعَتِهِ﴾: ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما. أو: شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء. وعن ابن عباس ﵄: من أهل دينه وعلى سنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود صالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وست مئة وأربعون سنة. فإن قلت: بم تعلق الظرف؟ قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم ﴿لإبْرَاهِيمَ﴾، او بمحذوف؛ وهو: اذكر، ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من جميع آفات القلوب.
وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص؛ لأنه مطلق، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها. فإن قلت: ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلت: معناه: أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلًا لذلك. ﴿أَئِفْكًا﴾ مفعلو له، تقديره:
_________________
(١) ـ قوله: (وكان بين نوح وإبراهيم ﵉ ألفان وست مئة وأربعون سنة)، وفي "جامع الأصول": ألف سنة ومئة واثناتن وأربعون سنة. قوله: (وهو: اذكر) أي: اذكر إذ جاء ربه، أي: وقت مجيئه ربه. قوله: (ولا معنى للتخصيص)، أي: لا معنى لتخصيص قوله: ﴿سَلِيمٍ﴾ بشيء من الآفات. قال صاحب "الفرائد": لما كان المقام مقام المدح وجب أن يكون سالمًا عن كل الآفات؛ لأن السالم عن البعض يدخل فيه كل القلوب؛ لأنه ما من قلب إلا وهو سالم من البعض. قوله: (فضرب المجيء مثلًا لذلك)، أي: لقوله: "من أخلص لله قلبه". وفي "المطلع": ومعنى محبة ربه: أنه اخلص لله قلبه وعرف ذلك منه كما يعرف الغائب واحواله بمجيئه وحضوره، فضرب المجيء مثلًا لذلك. وقال الإمام: معناه انه إذا اخلص لله تعالى قلبه فكأنه استحق حضرة الله بذلك القلب. ورأيت في التوراة: أن الله تعالى قال لموسى: يا
[ ١٣ / ١٦٣ ]
أتريدون آلهة من دون الله إفكًا؟ ! وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون ﴿أَئِفْكًا﴾ مفعولًا، يعني: اتريدون به إفكًا؟ ثم فسر الإفك بقوله" ﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ﴾ على أنها إفك في نفسها.
ويجوز أن يكون حالًا، بمعنى: أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟ ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ بمن هو الحقيق بالعبادة؛ لأن من كان ربًا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام؟ والمعنى: أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصد عن عبادته. أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له أندادًا؟ أو: فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟
_________________
(١) ـ موسى أحب إلهك بكل قلبك. وقلت: يمكن أن يقال: كان أصل الكلام إذا أخلص لربه، فلما أريد مزيد التصوير وأن لا بد للإخلاص من السلوك وقطع العلائق والعروج من حضيض الأمارية إلى يفاع المطمئنية، قيل: ﴿جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: من آفاته، لكن في إسناد المجيء إليه شائبة بقاء الوجود، وفي وصفه بـ"السليم" نقاء القلب أيضًا. وأما قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] ففيه إشارة إلى الجذبة الحقانية التي لا تبقي من الوجود والصفات شيئًا، وإنما أثبت العبدية ليمكن الإخبار عن ذلك المقام، ولولا إزادة الإخبار لم يذكر ذلك أيضًان والله أعلم. قوله: (﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ بمن هو حقيق بالعبادة) إلى آخره، قال القاضي: معنى ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ إنكار ما يوجب ظنًا، فضلًا عن قطعه، فضلًا عن عبادته، أو يجوز الاشتراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإلزام.
[ ١٣ / ١٦٤ ]
[﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ٨٨ - ٩٠].
﴿فِي النُّجُومِ﴾: في علم النجوم، أو: في كتابها، أو في أحكامها، وعن بعض الملوك: أنه سئل عن مشتهاه، فقال: حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه. كان
_________________
(١) ـ وقلت: الإنكار والتجهيل راجع إلى ظنهم بري العالمين، إما باعتبار الوصف أو الحقيقة، أما الوصف فعلى وجهين: أحدهما: معنى التربية وهو تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئاَ؛ لأن الممكن كما هو مفتقر إلى المحدث حال حدوثه مفتقر إلى المبقي حال بقائه، وهذا معنى الإنعام الذي يجب أن يشكر عليه مسديه ولا يصد عن عبادة موليه، وهو المراد من قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ بمن هو حقيق بالعبادة؛ لأن من كان ربًا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه. وثانيهما: معنى المالكية وهو مستلزم لمعتى القهر والقدرة التامة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ ماذا يفعل بكم؟ وكيف يعاقبكم؟ وأما الحقيقة فهو المعن بقوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُم﴾ أي شيء هو من الأشياء؟ قال في "الشعراء" في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]: أي: أي شيء هو على الإطلاق؟ تفتيشًا عن حقيقته الخاصة ما هي؟ أي: إنما يصح جعل الأصنام ندًا له إذا عرفت المماثلة، فما لم يعرفوا حقيقته كيف يجعلون الأصنام ندًا له؟ الراغب: المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك الجوهر فقط، والشبه فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشارك في الكمية فقط، والشكل فيما يشارك في القدر والمساحة، والمثل عام في جميع ذلك. قوله: (حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه) ومنه قول القائل: هل من كتاب أو أخ أو فتى أنظر فيه أو له أو إليه؟
[ ١٣ / ١٦٥ ]
القوم نجامين، فاوهمهم انه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم ﴿فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾: إني مشارف للسقم؛ وهو الطاعون، وكان أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى؛ ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. فإن قلت: كيف جاز له أن يكذب؟ قلت: قد جوزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. والصحيح: أن الكذب حرام إلا إذا عرض وورى، والذي قاله إبراهيم صلوات الله عليه: معراض من الكلام، وقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم، ومنه المثل: كفى بالسلامة داء، وقول لبيد:
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ليصحني فإذا السلامة داء
وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس، وقالوا: مات وهو صحيح، فقال
_________________
(١) ـ قوله: (ليتفرقوا عنه) يتعلق بقوله: ﴿فَقَالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾. قوله: (معراض من الكلام) جمعه: معاريض، ومنه قولهم: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. ومر في فاتحة البقرة كلام مشبع فيه. قوله: (فدعوت) قبله: كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء فدعوت ربي بالسلامة جاهدًا ليصحني فإذا السلامة داء القناة: الرمح، فاستعار لقامته. والغمز: العصر باليد. يصف قوته في الشباب وضعفه في الكبر. قيل لشيخ كبير: كيف أصبحت؟ قال: في داء يتمناه الناس.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
أعرابي: أصحيح من الموت في عنقه! وقيل: أراد: إني سقيم النفس لكفركم.
[﴿فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَاكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ ٩١ - ٩٣]
﴿فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ﴾: فذهب إليها في خفية، من روغة الثعلب، ﴿إلَى آلِهَتِهِمْ﴾: إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]. ﴿أَلا تَاكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها، ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾: فأقبل عليهم مستخفيًا، كأنه قال: فضربهم ﴿ضَرْبًا﴾؛ لأن "راغ عليهم" في معنى: ضربهم. أو: فراغ عليهم يضربهم ضربًا. أو: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا﴾ بمعنى ضاربًا.
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فَرَاغَ إلَى آلِهَتِهِمْ﴾: فذهب إليها في خفية) يريد: ضمن ﴿فَرَاغَ﴾ معنى "ذهب" وعدي بـ"إلى"، كما أن ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ مضمن للإقبال ويعدى بـ"على"، ولذلك قال: فذهب إليها في خفية، "فأقبل عليهم مستخفيًا" بعد استعارة الروغان للخفية. قال في "الأساس": ومن المجاز: فلان يروغ عن الحق، ولا يقال: راغ عن كذا إلا إذا كان عدوله عنه في خفية، وما زلت أراوغه على هذا الأمر فما راغ إليه أي: أدواره. وحقيقته: حملته على الروغان، مأخوذ من روغان الثعلب، وأراغ العقاب الصيد؛ إذا ذهب الصيد؛ هكذا وهكذا. قوله: (بمعنى ضارباَ) فعلى هذا: ﴿ضَرْباَ﴾ حال، وعلى الأول: مفعول مطلي، نحو "قعدت جلوسًا"، وعلى الثاني: مصدر مؤكد والعامل مضمر. قال صاحب "الفرائد": يبعد أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ لأن الإقبال على الشيء مستخفيًا لا يدل على الضرب. وقلت: في جعل الإقبال عليهم نفس الضرب مبالغة، فهو مجاز من باب إطلاق السبب على المسبب؛ لأن إقباله عليهم لم يكن للضرب. ويجوز أن يكون من باب المجاز باعتبار ما يؤول إليه، أي: أقبل عليهم إقبالًا مؤديًا إلى الضرب، كما قال في ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] هدىً للضالين الصائرين إلى التقوى، فالمعنى: فمال إلى الأصنام يضربها ضربًا؛ لأن الإنحاء على الضرب بمعنى الضرب.
[ ١٣ / ١٦٧ ]
وقرئ: (صفقًا)، و(سفقًا)، ومعناهما: الضرب. ومعنى ﴿ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾: ضربًا شديدًا قويًا؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما. وقيل: بالقوة والمتانة، وقيل: بسبب الحلف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧].
[﴿فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ ٩٤]
﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون، من زفيف الناعم. و(يزفون): من أزف، إذا دخل في الزفيف.
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "صفقًا" و"سفقًا") قال ابن جني: قرأ الحسن: "سفقًا" باليمين، و"صفقًا" أيضًا. وقالوا: صفقت الباء وسفقته، والصاد أعلى. قوله: (وقيل: بالقوة والمتانة)، فعلى هذا: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ متعلق بـ ﴿ضَرْبًا﴾، وعلى الأول: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿ضَرْبًا﴾. قوله: (﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون)، حمزة: "يُزِفون" بضم الياء، والباقون: بفتحها، من: أزف، أي صار إلى الزفيف، ومثله قول الشاعر: تمنى حصين أن يسود جدذاعه فأضحى حصين قد أذل فأقهرا أي: فصار إلى القهر. قال الزجاج: أصله الفتح وتشديد الفاء، من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوه وآخر مشيه، وبالضم والتشديد: معناه: يصيرون إلى الزفيف، و"يزفون" بالتخفيف: من: وزف يزف بمعنى: أسرع، ولم يعرفه الفراء والكسائي.
[ ١٣ / ١٦٨ ]
أو: من أزفه؛ إذا حمله على الزفيف، أي: يزف بعضهم بعضًا. و(يزفون)، على البناء للمفعول، أي يحملون على الزفيف. و(يزفون)، من وزف يزف؛ إذا أسرع. و(يزفون)، من: زفاه؛ إذا حداه، كأن بعضهم يزفو بعضًا لتسارعهم إليه.
فإن قلت: بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٠] كالتناقض؛ حيث ذكر ها هنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به، وذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر، حتى قيل لهم: سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر؛ ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها، وفي الآخر: أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر! قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفرًا منهم دون جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية من عيدهم إلى بيت الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك، وسألوا: من فعل هذا بها؟ ثم لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة، ولكن على السبيل التورية والتعريض بقولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] لبعض الصوارف.
_________________
(١) ـ وقال ابن جني: وهي قراءة عبد الله، وذهب قطرب أنها تخفيف "يزفون"، كما قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي: اقررن. قوله: (والتعريض بقولهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] لبعض الصوارف)، خلاصة الدفع عن التناقض أن قوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ لا يناقض قوله: ﴿فَأَقْبَلُوا
[ ١٣ / ١٦٩ ]
والثاني: أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر، وقولهم: قالوا: فأتوا به على أعين الناس.
[﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٩٥ - ٩٦].
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعنى خلقكم وما تعملونه من الأصنام، كقوله: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦] أي: فطر الأصنام. فإن قلت: كيف يكون الشيء الواحد مخلوقًا لله معمولًا لهم؛ حيث أوقع خلقه وعملهم
_________________
(١) ـ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، لأن هؤلاء الذين أبصروه وزفوا إليه سمعوه بعد مضي الجمهور إلى العيد يقول في نفسه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] فلما ذهبوا وشرع في الضرب باليمين أقبل إليه المتخلفون يزفون ليكفوه، فلما رجع الجمهور من عيدهم سألوهم فلم يجسر هؤلاء أن يجيبوا بما سمعوا منه من القول فضلًا عن أن يظهروا ما شاهدوا منه من الفعل؛ لئلا ينسبوا إلى التقصير ويؤنبوا بالعجز، بل عرضوا بقولهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] لعل هذا هو المراد من قول المصنف: "والتعريض بقولهم لبعض الصوارف" وفي قوله في سورة "الأنبياء": "قال ذلك القول، أي ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] سرًا من قومه. وروي: سمعه رجل واحد منهم"، إيماء إلى هذا المعنى. قوله: (كيف يكون الشيء الواحد) يعني: عطف ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ على مفعول "خلق" فيكون مخلوقًا لله، وأوقع ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على الضمير الراجع إلى "ما" فيكون معمولًا لهم، وهو المراد من قوله: "وقع خلقه وعملهم عليها" أي: على الشيء الواحد، وإنما أنثه ليكون معبرًا عن الأصنام بدليل قوله: "ما تعملونه من الأصنام".
[ ١٣ / ١٧٠ ]
عليها جميعًا؟ قلت: هذا كما يقال: عمل النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها الله، وعامل أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها، حتى يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت: فما أنكرت أن تكون "ما" مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم، كما يقول المجبرة؟ قلت: أقرب ما يبطل به السؤال
_________________
(١) ـ قوله: (أقرب ما يبطل به هذا السؤال) إلى آخره، وخلاصة الجواب أن قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هو عين ما ينحتون؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ احتجاج على ما أنكر عليهم بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾، وإنما يصح أن يكون احتجاجًا ومطابقًا للسؤال أن يقال: والله خلقكم وما تنحتون. قال مكي: قالت المعتزلة: "ما" بمعنى "الذي" فرارًا من أن يقروا بعموم الخلق لله تعالى، يريدون أنه خلق الأشياء التي نحتت الأصنام وبقيت الأعمال والحركات غير داخلة في خلق الله، تعالى الله عن ذلك، بل كل من خلق الله لا خالق إلا الله، وخلق الله لإبليس -الذي هو الشر كله- يدل على أنه تعالى خلق جميع الأشياء. وقال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]؛ أجمع القراء كلهم -حتى أهل الشذوذ- على إضافة "شر" إلى "ما"، وقد فارق عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة وقرأ "مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ" بالتنوين؛ ليثبت أن مع الله خالقين يخلقون الشر، والصحيح أن الله تعالى خلق الشر وأمرنا أن نتعود منه، فإذا خلق الشر وهو خالق الخير [بلا اختلاف]، دل ذلك على أنه تعالى خلق أعمال العباد كلها من خير وشر، فيجب أن تكون "ما" مصدرية، والمعنى: أنه تعالى عم جميع الأشياء بأنها مخلوقة له، أي: الله خلقكم وعملكم.
[ ١٣ / ١٧١ ]
_________________
(١) ـ وقال القاضي: هذا أبلغ؛ لأن فعلهم إذا كان بخلق الله فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال، ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيهما من حذف أو مجاز. وقلت: تمام تقريره هو: أنه قد تقرر عند علماء البيان أن الكناية أولى من التصريح، فإذا نفى الحكم العام لينتفي الخاص كان أقوى وأثبت للحجة، وكم قد كرر في كتابه هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] إذ أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كل موجود لا ينفك من حال عند وجوده، فكان إنكارًا لوجوده على الطريق البرهاني. وقال صاحب "الانتصاف": يتعين حمل "ما" على المصدرية؛ إذ لم يعبدوا الأصنام من حيث هي حجارة عارية من الصورة، ولولاها لما خصوا حجرًا دون غيره، بل عبدوها باعتبار أشكالها وهي أثر عملهم، فعلى الحقيقة إنما عبدوا عملهم، فوضحت الحجة في أنها مخلوقة لله، فكيف يعبد مخلوق مخلوقًا؟ ! . قوله: "هي موصولة والمراد عمل أشكالها" مخالفة للظاهر واحتياج إلى حذف مضاف، أي: "وما تعملون شكله وصورته" وهو موضع لبس، وإذا جعل المعبود نفس الجوهر كيف يطابق توبيخهم ببيان أن المعبود من صنعة العابد وهم يوافقون أن جواهر الأصنام ليست من خلقهم؟ فيكون على هذا ما هو من عملهم ليس معبودًا، وما هو معبود -وهو الجوهر- ليس عملًا لهم.
[ ١٣ / ١٧٢ ]
بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب: أن معنى الآية يأباه إباء جليًا، وينبؤ عنه نبوًا ظاهرًا؛ وذلك أن الله ﷿ قد احتج عليهم بأن العابد والمعبود جميعًا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق؟ ! على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن يصور نفسه ويشكلها، ولو قلت: والله خلقكم وخلق عملكم؛ لم تكن محتجًا عليهم، ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر؛ وهو أن قوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ترجمة عن قوله: ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾، و﴿مَا﴾ في ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾ موصولة لا مقال فيها، فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن.
فإن قلت: أجعلها موصولة حتى لا يلزمني ما ألزمت، وأريد: وما تعملونه من أعمالكم.
قلت: بل الإلزامان في عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق؛ وذلك أنك وإن جعلتها موصولة، فإنك في إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين،
_________________
(١) ـ قوله: "المطابقة تنفك على رأي أهل السنة" لا يصح، فإنا نحمل الأولى على المصدر وهم في الحقيقة عبدوا نحتهم؛ لأنها قبل النحت لم تعبد، فالمطابقة والإلزام على هذا أبلغ، ولو كان كما قال لقامت الحجة لهم ولكافحوا وقالوا: ما خلق الله ما نعمل؛ لأنا عملنا الشكل والصورة، ولله الحجة البالغة. قوله: (بل الإلزامان)، أي: بطلانه بحجج العقل ومطابقة المقام، في عنق المجبرة.
[ ١٣ / ١٧٣ ]
كحالك وقد جعلتها مصدرية، وأيضًا فإنك قاطع بذلك الوصلة بين ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ و﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾؛ حيث تخالف بين المرادين بهما، فتريد بـ ﴿مَا تَنْحِتُونَ﴾: الأعيان التي هي الأصنام، وبـ ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: المعاني التي هي الأعمال، وفي ذلك فك النظم وتبتيره، كما إذا جعلتها مصدرية.
[﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ ٩٧ - ٩٨].
الجحيم: النار الشديدة الوقود، وقيل: كل نار على نار وجمر فوق جمر، فهي جحيم. والمعنى: أن الله تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعًا، وأذلهم بين يديه: أرادوا
_________________
(١) ـ قوله: (كحالك وقد جعلتها مصدرية) يعني: حالك في جعلها موصولة على هذا التأويل، كحالك في جعلها مصدرية في أنك غير محتج بالآية على المشركين؛ لأن المقصود نفس ما ينحتون لا العمل كما سبق، وأيضًا فإنك قاطع بذلك الوصلة بين ما يعملون وما ينحتون، يعني: إذا جعلت "ما" موصولة وحذفت الراجع وأردت ما تعملونه من أعمالكم لم يتجاوب الرد والاحتجاج. وقلت: هذا تطويل، إذ لابد لصاحب المعاني أن يراعي الفرق بين العبارتين؛ بين أن يقال: والله خلقكم وما تنحتون، كما يقتضيه الظاهر، وبين ما عليه التلاوة، ويلتزم الأبلغية في الثاني صونًا لكلام الله تعالى من العبث، وليس ذلك إلا الكناية كما سبق، والله أعلم. قوله: (الجحيم: النار الشديدة)، الراغب: الجحمة: شدة تأجج النار، ومنه الجحيم، وجحم وجهه من شدة الغضب استعارة من جحمه النار، وذلك من ثوران حرارة القلب. قوله (في المقامين جميعًا) المقام الأول: قوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
[ ١٣ / ١٧٤ ]
أن يغلبوه بالحجة فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم به الحجر، وقهرهم، فمالوا إلى المكر، فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين الأسفلين لم يقدروا عليه.
[﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ ٩٩ - ١٠١].
أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام؛ كما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، ﴿سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني إلى "ما فيه صلاحي في ديني، ويعصمني ويوفقني، كما قال موسى ﵇: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] كأن الله وعده وقال له: سأهديك، فأجرى كلامه على سنن موعد ربه، أو بناه على عادة الله تعالى معه في هدايته وإرشاده أو أظهر بذلك توكله وتفويضه أمره إلى الله.
ولو قصد الرجاء والطمع لقال، كما قال موسى صلى الله عليه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
_________________
(١) ـ تَعْمَلُونَ﴾ وهو المراد من قوله: "فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم الحجر"، والثاني ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾، وإليه الإشارة بقوله: "فأبطل الله مكرهم" إلى آخره. قوله: (ولو قصد الرجاء والطمع لقال …: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ يريد أنه ﵇ قطع بقوله ﴿سَيَهْدِينِ﴾ حصول الهداية؛ لأن سين الاستقبال للجزم بوقوع الفعل. قال في "المفصل": إن "سيفعل" جواب "لم يفعل"، وكانت عادة الله معه جارية على القطع في الإرشاد، فحدث بذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أو أجرى كلامه على المشاكلة وسنن موعد ربه، أو أظهر بذلك للقوم ومن كان قاصده ويريد كيده التجلد، يعني أن حالي مع ربي بهذه المثابة فلا أبالي بكيدكم، فالمقام يأبى الرجاء والطمع.
[ ١٣ / ١٧٥ ]
﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: هب لي بعض الصالحين، يريد الولد؛ لأن لفظ الهبة غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] قال ﷿: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال علي بن أبي طالب لابن عباس ﵄ حين هنأه بولده علي أبي الأملاك: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب، وموهب.
وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أو أن الحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ثم استسلم لذلك؟ ! وقيل ما نعت الله الأنبياء ﵈، بأقل مما نعتهم بالحلم، وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت الله به إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما.
_________________
(١) ـ قوله: (هنأه بولده علي أبي الأملاك) يعني: أبي الخلفاء، وفي "جامع الأصول": هو أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس ﵃، أحد سادات بني هاشم، كان كثير العبادة، يقال: إنه ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب ﵁ فسمي باسمه، ومات بالشام سنة ثماني عشرة ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة. وفي قوله: "أبي الأملاك" تعريض بهم وأنهم لم يكونوا خلفاء.
[ ١٣ / ١٧٦ ]
[﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١٠٢].
فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه.
فإن قلت: ﴿مَعَهُ﴾ بم يتعلق؟ قلت: لا يخلو: إما أن يتعلق ب ﴿بَلَغَ﴾، أو بـ ﴿السَّعْيَ﴾، أو بمحذوف، فلا يصح تعلقه بـ ﴿بَلَغَ﴾؛ لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي، ولا بـ ﴿السَّعْيَ﴾؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه؛ فبقي أن يكون بيانًا، كأنه
_________________
(١) ـ قوله: (أن يسعى مع أبيه في أشغاله) الراغب: السعي: المشي السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: أدرك ما سعى في طلبه. قوله: (لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي) يريد أن لفظة "مع" تقتضي استحداث المصاحبة، قال في قوله تعالى: ﴿دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]: "مع" يدل على معنى الصحبة واستحداثها فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له؛ لأن "معه" على هذا حال من فاعل "بلغ" فيكون قيدًا للبلوغ فيلزم منه ما ذكره من المحذور؛ لأن معنى المعية المصاحبة وهي مفاعلة، وقد قيد الفعل بها فيجب الاشتراك فيه. لا يقال: إن قول بلقيس: ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ -على ما ذكر- يقتضي استحداث إسلامهما معًا، وليس كذلك؛ لأنا نقول: لا يبعد ذلك، فلعله ﵇ وافقها أو لقنها، وإنما المعنى على بلوغ إسماعيل ﵇ الحد الذي يقدر فيه على العمل في صحبة أبيه إبراهيم ﵇. وروى الواحدي عن ابن عباس ﵁: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم. والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه، فإذن لابد من تعلقه بالسعي، لا كما ظن أنه يجوز أن
[ ١٣ / ١٧٧ ]
لما قال: فلما بلغ السعي، أي: الحد الذي يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ فقال: مع أبيه. والمعنى في اختصاص الأب: أنه أرفق الناس به، وأعطفهم عليه، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء، فلا يحتمله؛ لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة. والمراد: أنه على غضاضة سنه وتقلبه في حد الطفولة، كان فيه من رصانة الحلم وفسحة الصدر ما جسره على احتمال تلك البلية العظيمة والإجابة
_________________
(١) ـ يتعلق بـ"بلغ" وحين لم يجز تقديمه عليه وجب أن يقدر مثله على شريطة التفسير، كما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]: "فيه" ليس من صلة "الزاهدين" لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، وإنما هو بيان، كأنه قيل: في أي شيء زهدوا؟ فقيل: زهدوا فيه. وهكذا التقدير، لما قال: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ" أي القدرة على أن يسعى. فقيل: مع من يسعى؟ فقيل: مع أبيه. والفائدة في التكرير التأكيد كما في تركيب الإضمار على شريطة التفسير والمبالغة في استصحابه إياه، كأنه بلغ معه واستكمل في أخلاقه من بدء حاله، وفي تخصيص ذكر الأب ما ذكره، والفائدة في تخصيص هذا الحد من العمر الدلالة على أنه على غضاضة سنه كان فيه من رصانة الحلم ما جسره على احتمال تلك البلية. قال صاحب "الفرائد" أي افتقار إلى البيان وإلى السؤال؟ والوجه أن يقال: التقدير فلما بلغ السعي كائنًا معه، فيكون حالًا من "السعي" متقدمًا عليه. وقلت: المعنى لا يساعد عليه؛ لأنه ﵇ ما بلغ سعيًا وصفه أنه كائن مع أبيه؛ لأن المعنى أنه ﵇ بلغ حدًا من العمر يسعى مع أبيه.
[ ١٣ / ١٧٨ ]
بذلك الجواب الحكيم: أتى في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة؛ فلهذا قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، فذكر تأويل الرؤيا، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة: رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة. وقيل: رأى ليلة التروية كأن قائلًا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح رَوَّا في ذلك من الصباح إلى الرواح: أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، ثم سمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره؛ فسمي اليوم بيوم النحر. وقيل: إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال: هو إذن ذبيح الله. فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له: أوف بنذرك.
﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي على وجه المشاورة. وقرئ: (ماذا تري)، أي: ماذا تبصر من رأيك وتبديه، و(ماذا ترى) على البناء المفعول، أي: ماذا تريك نفسك؟
_________________
(١) ـ قوله: (بذلك الجواب الحكيم) وذلك أنه فوض الأمر إليه في استشارته بقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، وكان من الظاهر أن يجيب: افعل أولا تفعل، فأجاب بقوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، أي ليس هذا من مقام المشاورة؛ لأن الواجب عليه إمضاء ما أمرت به وامتثال أمر ربك. قوله: (وقيل إن الملائكة حين بشرته) عطف على قوله: "وقيل: رأى ليلة التروية". فإن قيل: فعلى هذا لا يلزم أن يكون قد رأى شيئًا، فما يصنع بقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَام﴾؟ فيقال: يمكن أنه قد رأى رؤيا بعد قول الملائكة، وقيل له فيها: أوف بنذرك، تأكيدا لوفاء النذر. قوله: ("وماذا ترى" على البناء المفعول) حمزة والكسائي: "ماذا تري"؛ بضم التاء
[ ١٣ / ١٧٩ ]
من الرأي، ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله:
أمرتك بالخير فافعل ما أمرت به
أو أمرك على إضافة المصدر إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمًرا.
_________________
(١) ـ وكسر الراء كسرة خالصة، يجعلانه فعلًا رباعيًا، والباقون: بفتحهما، يجعلونه ثلاثيًا، قال صاحب "الكشف": فمن قال: "ماذا تري" فالتقدير: ماذا ترينيه؟ إذا جعلت "ما" مبتدأ و"ذا" بمعنى "الذي" فالهاء عائدة إلى "ذا". ومن جعل "ما" و"ذا" كالشيء الوحيد كان نصبًا مفعولًا ثانيًا لـ"ترى" وحذف المفعول الأول، أي: أي شيء تريني؟ وقوله: "تري" من: أرى يري، وليست التعدية إلى ثلاثة منقولًا من: رأى؛ إذا علم، لكنه منقول من قولهم: فلان يرى رأي أبي حنيفة. هذا ويتعدى إلى مفعول واحد، فإذا دخلت عليه الهمزة تعدى إلى مفعولين؛ كقوله تعالى: ﴿مَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: بما أراكه الله. ومن قال: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ بفتح التاء إن جعل "ما" و"ذا" كالشيء الواحد كان مفعول ﴿تَرَى﴾، وإن جعل "ما" مبتدأ و"ذا" بمعنى "الذي" كان التقدير: ماذا تراه؟ وقال مكي: لا يحسن أن يكون ﴿تَرَى﴾ من العلم؛ لأنه يحتاج أن يتعدى إلى مفعولين، وليس في الكلام غير واحد وهو ﴿مَاذَا﴾ بجعلهما اسمًا واحدًا، وليس أيضًا من نظر العين؛ لأنه لم يأمره برؤية شيء، وإنما أمره أن يدبر رأيه فيما أمر به، ولا يحسن عمل ﴿تَرَى﴾ في "ذا" وهي بمعنى "الذي" لأن الصلة لا تعمل في الموصول.
[ ١٣ / ١٨٠ ]
وقرئ: (ما تؤمر به). فإذا قلت: لم شاوره في أمر حتم من الله؟ قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبت قدمه ويصبره إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، وليعلمه حتى يراجع نفسه فيوطئها ويهون عليها، ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله؛ ولأن المغافصة بالذبح مما يستسمج؛ وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك. فإن قلت: لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟
قلت: كما أري يوسف ﵇ سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحي إلى أبيه، وكما وعد رسول الله ﷺ دخول المسجد الحرام في المنام، وما سوى ذلك من منامات الأنبياء؛ وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدوقين؛ لأن الحال إما حال يقظة أو حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد إحداهما.
[﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١٠٣ - ١١١].
يقال: سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم، بمعنى واحد، وقد قرئ بهن جميعًا؛ إذا انقاذ له، وخضع، وأصلها من قولك: سلم هذا لفلان؛ إذا خلص له. ومعناه: سلم
_________________
(١) ـ قوله: (المغافصة)، الجوهري: غافصت الرجل؛ إذا أخذته على غرة. قوله: (لو شاور آدم الملائكة) يعني أن الملائكة مع أنهم طعنوا فيه بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] لو استشيروا لنصحوا أو ظهرت له من كلامهم أمارة دلت على الترك.
[ ١٣ / ١٨١ ]
من أن ينازع فيه، وقولهم: سلم لأمر الله، وأسلم له: منقولان منه، وحقيقة معناهما: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى: استسلم: استخلص نفسه لله. وعن قتادة في ﴿أَسْلَمَا﴾: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه. ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه على شقه، فوقع أحد جنبيه على الأرض، تواضعا على مباشرة الأمر بصبر وجلد، ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان. وروي: أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن: في الموضع المشرف على مسجد منى. وعن الضحاك: في المنحر الذي ينحر فيه اليوم. فإن قلت: أين جواب ﴿لَمَّا﴾؟ قلت: هو محذوف، تقديره: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط به الوصف: من استبشارهما، واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما على ما أنعم به عليهما؛ من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب.
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة، والظفر بالبغية بعد اليأس. ﴿الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. أو: المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها. الذبح: اسم ما يذبح. وعن ابن عباس ﵄: هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به إسماعيل.
_________________
(١) ـ قوله: (بمنى)، "منى" يصرف ولا يصرف، من: مني؛ إذا قدر، فسمي بذلك؛ لأنه تمنى فيه منايا الأضاحي، أي تقدر فيه، وقيل: تمنى فيه دماء الهدى، أي: تراق. قوله: (من الثواب والأعواض) وقد سبق أن الثواب عندهم هو الجزاء على أعمال الخير، والعوض هو البدل عن الفائت، كالسلامة التي هي بدل الألم، والنعم التي هي في مقابلة البلايا والمحن والرزايا والفتن.
[ ١٣ / ١٨٢ ]
وعن الحسن: فدي بوعل أهبط عليه من ثبير. وعن ابن عباس: لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة، وذبح الناس أبناءهم. ﴿عَظِيمٍ﴾: ضخم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي. وقوله ﵇: "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم". وقيل: لأنه وقع فداء عن ولد إبراهيم. وروي: أنه هرب من إبراهيم ﵇ عند الجمرة، فرماه بسبع حصيات حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي.
وروي أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. وروي: أنه لما ذبحه قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد؛ فبقي سنة.
وحكي في قصة الذبيح: أنه حين أراد ذبحه وقال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسط شعب ثبير أخبره بما أمر. فقال له: اشدد رباطي لا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي حتى تجيز علي؛ ليكون
_________________
(١) ـ قوله: (من ثبير)، النهاية: هو الجبل المعروف عند مكة، وهو أيضًا اسم ماء في ديار مزينة. قوله: (استشرفوا ضحاياكم)، النهاية: وفي حديث الأضاحي: "أمرنا أن نستشرف العين والأذن"، أي نتأمل سلامتها من آفة تكون. وقيل: هو من الشرفة وهي خيار المال، أي: أمرنا أن نتخير. قوله (حتى تجيز علي)، الجوهري: جزت الموضع أجوزه جوازًا: سلكته، وأجزته: خلفته وقطعته، وأجزته: أنقذته. وعن بعضهم: أجهزت على الجريح وأجزت: إذا أسرعت في قتله.
[ ١٣ / ١٨٣ ]
أهون؛ فإن الموت شديد، وأقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل؛ فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم ﵇: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه، وهما يبكيان، ثم وضع السكين على حلقه، فلم يعمل؛ لأن الله ضرب صفيحة من نحاس على حلقه، فقال له: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله، ففعل، ثم وضع السكين على قفاه، فانقلب السكين، ونودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فنظر فإذا جبريل ﵇ معه كبش أقرن أملح، فكبر جبريل والكبش، وإبراهيم وابنه، وأتى المنحر من منى فذبحه. وقيل: لما وصل موضع السجود إلى الأرض جاء الفرج.
وقد استشهد أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية فيمن نذر ذبح ولده: أنه يلزمه ذبح شاة.
فإن قلت: من كان الذبيح من ولديه؟ قلت: قد اختلف فيه؛ فعن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين: أنه إسماعيل. والحجة فيه:
_________________
(١) ـ قوله: (أملح)، الجوهري: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد، يقال: كبش أملح. قوله: (وقد استشهد أبو حنيفة ﵁ بهذه الآية فيمن نذر بذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة)، قال صاحب "التقريب" وفيه نظر؛ إذ ليس فيها ذكر النذر ولا لزوم الذبح، بل إن الله تفضل بالفداء وأيضًا هو شرع من قبلنا. قوله: (من كان الذبيح)، "كان" زائدة، أي من الذبيح؟ ولو نصب وتكون "كان" ناقصة جاز.
[ ١٣ / ١٨٤ ]
أن رسول الله ﷺ قال: "أنا ابن الذبيحين". وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين، فتبسم، فسئل عن ذلك، فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله: لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، وقالوا له: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه بمئة من الإبل، والثاني إسماعيل". وعن محمد بن كعب القرظي قال: كان مجتهد بني إسرائيل يقول إذا دعا: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، فقال موسى ﵇: يارب، ما لمجتهد بني إسرائيل إذا دعا قال: اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، وأنا بين أظهرهم قد أسمعتني كلامك واصطفيتني برسالتك؟ قال: يا موسى، لم يجبني أحد حب إبراهيم قط، ولا خير بيني وبين شيء قط إلا اختارني، وأما إسماعيل فإنه جاد بدم نفسه، وأما إسرائيل، فإنه لم ييأس من
_________________
(١) ـ قوله: (فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله)، روى ابن الجوزي في كتاب "الوفا": أن عبد المطلب قد رأى في المنام: احفر زمزم، ونعت له موضعها، فقام يحفر وليس له ولد يومئذ إلا الحارث، فنازعته قريش، فنذر لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما تموا عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه، وكتب كل واحد منهم اسمه في قدح فضرب القدح على عبد الله فأخذ الشفرة ليذبحه، فقامت قريش من أنديتها فقالوا: لا تفعل حتى نعذر فيه، فانطلق به إلى عرافة، فقالت له: كم الدية فيكم؟ قال: عشر من الإبل. قالت: قربوا صاحبكم وقربوا عشرًا من الإبل ثم اضربوا عليه القداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، فإذا خرجت على الإبل فقد رضي، ففعلوا حتى بلغ الإبل مئة، فخرج القدح على الإبل فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليه وعليها مرات، ففعل فخرج القدح على الإبل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع. وقد ذكر محمد بن هشام صاحب سير النبي ﷺ أبسط من ذلك.
[ ١٣ / ١٨٥ ]
روحي في شدة نزلت به قط. ويدل عليه: أن الله تعالى لما أتم قصة الذبيح قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢].
وعن محمد بن كعب: أنه قال لعمر بن عبد العزيز: هو إسماعيل، فقال عمر: إن هذا شيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى يهودي قد أسلم فسأله، فقال: إن اليهود لتعلم أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب. ويدل عليه: أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت.
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصميعي، هو أين عزب عنك عقلك؟ ! ومتى كان إسحاق بمكة؟ ! وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة. ومما يدل عليه: أن الله تعالى وصفه بالصبر دون أخيه إسحاق في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥]، وهو من صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به؛ ولأن الله بشره بإسحاق وولده يعقوب في قوله ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفًا للموعد في يعقوب. وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين: أنه إسحاق.
والحجة فيه: أن الله تعالى أخبر عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدًا، ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك الغلام المبشر به.
_________________
(١) ـ قوله: (والحجة فيه أن الله تعالى أخبره عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه استوهبه ولدا) إلى آخره، قلت: هذه الحجة ضعيفة؛ لأنه تعالى لما حكى عن خليله إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وعقبه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ بالفاء، وكذلك قصة الرؤيا والذبح، وذيل القصة بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ﴾ كما ذيل القصص المذكورة في هذه السورة الكريمة بمثله،
[ ١٣ / ١٨٦ ]
ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف: من يعقوب إسرائيل الله بن اسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.
فإن قلت: قد أوحي إلى إبراهيم صوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح، وقيل له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح، ولم يصح! .
قلت: قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح: من بطحه على شقه، وإمرار الشفرة على حلقه، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم ﵇، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيًا ولا مفرطًا، بل يسمى مطيعًا ومجتهدًا، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل،
_________________
(١) ـ ابتدأ بحديث إسحاق وبشارته وما يتعلق به، وقال ﴿بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ والظاهر أن هذه البشارة غير البشارة الأولى والمبشر به غير الأول، وسيجيء تقريره بعيد هذا. قوله: (وفرت الأوداج): الجوهري: فريت الشيء أفريه فريًا: قطعته لإصلاحه. والودج والوداج: عرق في العنق، وهما ودجان. قوله: (وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل) يعني: لما بذل إبراهيم ﵇ وسعه وفعل ما يفعله الذابح من بطحه على شقه، وأمر الشفرة على حلقه لم يكن هذا من ورود النسخ قبل الفعل في شيء كما يسبق إلى بعض الإفهام، يعني: ورود النسخ قبل الفعل جائز، لكن هذه الآية ليست من المسألة في شيء، يدل عليه قوله في قصة البقرة: "يجوز النسخ قبل الفعل، ولا يجوز قبل وقت الفعل"، يعني: أن إبراهيم ﵇
[ ١٣ / ١٨٧ ]
_________________
(١) ـ أتى بالمأمور به لأنه باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود ولم يكن منه تقصير، ولو لم يمنع مانه لتم الذبح المأمور به، ولهذا قال تعالى ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. وعن بعضهم: الذبح هو الاعتماد، وقد وجد ذلك، لكن الانذباح لم يوجد، كما تقول: هديته فلم يهتد، أو هديته فاهتدي، وكسرته فانكسر، أو كسرته فلم ينكسر. هذا على خلاف ما ذكره المصنف في ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. قال الإمام: وليس كذلك لأن معنى ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أنه قد اعترف بكون الرؤيا واجب العمل، لا أنه بكل ما رآه في المنام، ولو كانت المباشرة كافية في كل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء، وحيث احتاج علمنا أنه م يكن آتيا في المباشرة بكل ما أمر به، هذا هو السؤال الذي أورده المصنف، فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح إلى آخره، وأجاب عنه بقوله: "قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل" يعني: نحن إن قلنا: إنه امتثل الأمر وخرج عن عهده المأمور به، لكن حقيقته لم تحصل فوهب الكبش ليقيم ذبحه مقاوم تلك الحقيقة. وفائدته إيجاد المأمور به بكل ما يدخل تحت الإمكان. وقال ابن الحاجب: أما دفعهم أنه ذبح فكان يلتحم عقبيه، أو يجعل عنقه صفيحة فلا يسمع ويكون نسخا قبل التمكن. يعنى: هذا النقل مما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ فلا يسمع، وإن سمع يكون نسخا قبل التمكن من الفعل. قال الإمام: هذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واختلف الناس في أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال؟ قال أكثر أصحابنا: إنه يجوز. وقالت المعتزلة وكثير من فقهائنا والحنفية: إنه لا يجوز. وقالت المعتزلة: إنه تعالى لو أمر شخصا بإيقاع فعل معين في وقت معين دل على حسن ذلك الفعل في ذلك الوقت، ثم إذا نهى عنه في ذلك الوقت دل على قبحه، وهذا مبني على تحسين الفعل وتقبيحه بحسب
[ ١٣ / ١٨٨ ]
ولا قبل أو أن الفعل في شيء، كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشغل بالكلام فيه، فإن قلت: الله تعالى هو المفتدى منه؛ لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فاديًا حتى
_________________
(١) ـ العقل وهو باطل، ولئن سلم فإن العقل قد يكون حسنًا باعتبار وقبيحًا باعتبار، فإن السيد إذا أمر عبده شيئًا في زمان مخصوص وينهاه بعينه فيه يكون غرضه من الأمر والنهي مجرد اختبار العبد في الانقياد والطاعة. وقال البزدوي: شرط النسخ التمكن من عقد القلب، فأما التمكن من الفعل فليس بشرط عندنا، وقالت المعتزلة: إنه شرط. وحاصل الأمر: أن حكم النسخ بيان المدة لعمل القلب والبدن جميعًا، أو لعمل القلب بانفراده، وعمل القلب هو المحكم عندنا في هذا والآخر من الزوائد، لنا: أن النبي ﷺ أمر بخمسين صلاة ثم نسخ ما زاد على الخمس وكان ذلك بعد العقد، ولأن النسخ صحيح إجماعًا بعد وجود جزء من الفعل أو مدة تصلح للتمكن من جزء منه، وإن كان ظاهر الأمر يحتمل كله؛ لأن الأدنى يصلح مقصودًا بالابتلاء وكذلك عقد القلب على حسن المأمور وعلى حقيقته. قوله: (الله تعالى هو المفتدى منه)، الجوهري: افتدى منه بكذا أو فادى بكذا. وقال المصنف في المقدمة: افتدى منه بكذا اشترى منه نفسه بشيء. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]. وهو يروى بفتح الدال وكسرها، وعلى الفتح ليس في "المفتدى" ضمير؛ لأنه مسند إلى الجار والمجرور، والضمير المجرور عائد إلى اللام، وعلى الكسر فيه ضمير راجع
[ ١٣ / ١٨٩ ]
قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾؟ قلت: الفادي هو إبراهيم ﵇، والله ﷿ وهب له الكبش ليفدي به، وإنما قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ إسنادا للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته. فإن قلت: فإذا قلت: فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح، فما معنى الفداء، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟ قلت: قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فري الأوداج وإنهار الدم، هوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة؛ حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل،
_________________
(١) ـ إلى الله تعالى، والمجرور إلى إبراهيم، وفيه تعسف ونبو عن مظنة استعماله. ولتضمنه معنى التخليص علله بقوله: "لأنه الآمر بالذبح"، فعلى هذا: الضمير في قوله: "ليفتدي به" راجع إلى إبراهيم ﵇ لا إلى الله تعالى كما سبق إلى بعض الأوهام. وتلخيص السؤال أنه تعالى قال ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فيكون الفادي هو الله تعالى، وفي الحقيقة هو المفتدى منه، وإبراهيم هو الفادي، وأجاب بأن الإسناد مجازي؛ لأنه تعالى لما وهب لإبراهيم الكبش ليفتدي ابنه فكأنه تعالى هو الفادي؛ إذ لولا تمكنه من الفداء بهبته لما قدر إبراهيم أن يفتدي به. ونحوه: "كسا الخليفة الكعبة"، وفائدته تعظيم الفداء، وكذلك وصفه بالعظم والله أعلم. قوله: (فإذا كان ما أتى به إبراهيم ﵇) تقرير السؤال: أن الفداء إنما يكون إذا أريد التخليص من الذبح، فإذا فعل ما في حكم الذبح اضطرارًا فما معنى الفداء؟ وأجاب: أنه وإن فعل ما في حكم الذبح لكنه ليس بذبح في الحقيقة، فكان الفداء جبرانًا لذلك النقصان وتحصيلًا لتلك الحقيقة بما أمكن، ثم سأل: فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة وقد استغني عنها بما وجد منه ﵇ من البطح وإمرار الشفرة؟ وأجاب: أن الفائدة بذل المجهود في امتثال الأمر، وحصول الذبح بأي وجه كان فحين لم يحصل في إسماعيل ينبغي أن يحصل في بدله، والفاءان في أثناء السؤالين مترتبتان على ما سبق عليهما.
[ ١٣ / ١٩٠ ]
ولكن في نفس الكبش بدلًا منه. فإن قلت: فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة، وقد استغني عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟ قلت: الفائدة في ذلك: أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه. فإن قلت: لم قيل هنا هنا ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي غيرها من القصص: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية.
[﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ ١١٢ - ١١٣].
﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة كقوله تعالى ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. فإن قلت: فرق بين هذا وبين قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾؛ وذلك أن المدخول موجود مع وجود
_________________
(١) ـ قوله: (فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره)، قال الراغب في "درة التنزيل": إن قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لما جعل أمارة لانتهاء كل قصة، وكانت قصة إبراهيم ﵇ متضمنة ذكره وذكر ولده الذبيح فقيل له بعدما تله للجبين: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فجاء في هذا المكان وقد بقيت من القصة آيات فلما أتمها جاء بما جعل خاتمة لكل قصة من قصصهم ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ فلم يذكر "إنا" لسببين: أحدهما: تقدم ذكرها في هذه القصة، والآخر: أن يخالف بين منتهى هذه القصة لأنها من القصة الأولى التي ختمت بـ ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وبين منتهى قصة ليس ما قبلها منها، فكأن ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ لما ذكر في هذه القصة مرة اكتفى بها ولم يكن منقطعاا لها فخالفت ما تقدمها وما تأخر عنها لذلك. قوله: (فرق بين هذا وبين قوله)، مبتدأ وخبر، أي: فرق عظيم بين هذا وذلك؛ لأنه لما
[ ١٣ / ١٩١ ]
الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت: مقدرين الخلود، فكان مستقيمًا، وليس كذلك المبشر به؛ فإنه معدوم وقت وجود البشارة، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة؛ لأن الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوة أيضًا بوجوده، بل تراخت عنه مدة متطاولة، فكيف تجعل ﴿نَبِيًّا﴾ حالا مقدرة، والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به؛ فالخلود وإن لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، فتقديرها صفتهم؛ لأن المعنى: مقدرين الخلود، وليس كذلك النبوة؛ فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدرة وقت وجود البشارة بإسحاق؛ قلت: هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل الإشكال: أنه لابد من تقدير مضاف محذوف؛ وذلك قولك:
_________________
(١) ـ قال: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] قال: لا يقاس هذا بذاك لافتراق بينهما وبعد أحدهما من الآخر. قوله: (لابد من تقدير مضاف محذوف) أي: بشرناه بوجود إسحاق نبيًا بأن يوجد مقدرة نبوته. هذا البحث موقوف على مقدمة وهي: أنه تقرر عند أصحاب المعاني أن لابد من تقرر الوصف والموصوف معا عند إثباته له. قال صاحب "المفتاح" إن حق كل ما يقصد ثبوته للغير أن يكون في نفسه ثابتًا وعندك، فما لا يكون ثابتًا كذلك أو متحققًا يمتنع منك جعله وصفًا. وقال: إن محاولة إثبات الثابت في نفسه لشيء آخر يستدعي ثبوت ذلك الشيء الآخر في نفسه لا محالة. وهو المراد من قول المصنف، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله؛ لأن الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، ولهذه النكتة قالوا في قوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢] حال مقدرة؛ لأن الخلود لم يكن صفتهم عند دخول الجنة، وعلى هذا ذو الحال- الذي هو
[ ١٣ / ١٩٢ ]
وبشرناه بوجود إسحاق نبيًا، أي: بأن يوجد مقدرة نبوته؛ فالعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة، وبذلك يرجع، نظير قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء والتقريط؛ لأن كل نبي لابد أن يكون من الصالحين.
وعن قتادة: بشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه، وهذا جواب من يقول: الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه بقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾
_________________
(١) ـ الموصوف في الحقيقة وهو إسحاق- لم يكن موجودًا عند البشارة، فلابد من التأويل وتقدير الوجود. قال القاضي: معنى قوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مقضيًا نبوته مقدرًا كونه، وبهذا الاعتبار وقعا حالين، ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة، فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به للاعتبار المعني بالحال، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملًا فيهما مثل "وبشرناه بوجود إسحاق" أي: بأن يوجد إسحاق نبيًا من الصالحين، ومع ذلك لا يصير نظير قوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] فإن الداخلين مقدورون خلودهم وقت الدخول، وإسحاق لم يكن مقدرًا نبوة نفسه وصلاحهما حيثما توجد. قوله: (الثناء والتفريط)، الجوهري: التقريظ: مدح الإنسان وهو حي، والتابين مدحه وهو ميت. قوله: (وعن قتادة: بشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه)، جواب آخر عن السؤال بغير التزام الفرق بين قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ وبين ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾، لأن البشارة بالنبوة بعد الوجود. قوله: (لصاحبه عن تعلقه)، "اللام" و"عن" متعلقان بقوله: "جواب" والضمير في
[ ١٣ / ١٩٣ ]
قالوا: ولا يجوز أن الله يبشره الله بمولده ونبوته معًا؛ لأن الامتحان بذبحه لا يصح
_________________
(١) ـ لـ"صاحبه" يرجع إلى "من يقول"، وفي "تعلقه" إلى "صاحبه"، وفي "بقوله" إلى "الله" تعالى. قوله: (قالوا: لا يجوز) جملة مستأنفة بيان لاحتجاج صاحبه القائل بأن الذبيح إسماعيل؛ المعنى: قول قتادة: وبشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه، جواب من يقول: إن الذبيح إسحاق لصاحبه، أي: لمن يقول بأنه إسماعيل ﵉، ويتمسك بقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ لأن كونه نبيًا ينافي الامتحان بذبحه. وتقريره: أن ليست البشارة بوجوده بل بنبوته بعدما امتحنه بذبحه. قال الزجاج: من قال: إن الذبيح إسحاق قال: إن فيه بشارتين: إحداهما: قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وثانيهما: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حين استسلم للذبح. وقال الإمام: ولا يجوز أن يكون المعنى: وبشرناه بإسحاق حال كون إسحاق نبيًا؛ لأن البشارة متقدمة على صيرورته نبيًا، فوجب أن يكون المعنى: فبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبيًا، وحال ما حكمنا عليه بكونه نبيًا، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ كانت هذه البشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق ﵇. وقال صاحب "التقريب" وفي قولهم: لا يصح الامتحان بالذبح مع علمه بأنه سيكون نبيًا، نظر؛ لأن الحال المقدرة على ما قرر تقتضي أن يبشر بوجوده مقدرًا نبوته، ولا يلزم من تقدير نبوته العلم بتقديرها، اللهم إلا أن يبشر هكذا وهو أنه يوجد مقدرًا نبوته. وقلت: من قال: إنها مقدرة يذهب إلى أن هذا ابتداء بشارة بالوجود وبالنبوة معه، فهو
[ ١٣ / ١٩٤ ]
مع علمه بأنه سيكون نبيًا. ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ وقرئ: (وبركنا) أي: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، كقوله: ﴿وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقيل: باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه.
وقوله: ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ نظيره: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق والعنصر؛
_________________
(١) ـ كقولك: خطت الثوب قميصًا، فلا يخفى على أحد أنه عند هذه البشارة لم يكن نبيًا، فالعلم بتقديرها ظاهر لم يحتج إلى التصريح، ولو بشره الله بنبوة إسحاق بعدما امتحنه بذبحه- كما قال قتادة- لكان الظاهر أن يقال: وبشرناه بنبوة إسحاق بل بنبوته؛ لما سبق ذكره وذكر البشارة به. ومما يدل على استقلال القصة تذييل القصة السابقة بما ذيلت به سائر القصص المذكورة من مثل قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا صح ذلك فلا يجوز أن يؤمر بالذبح امتحانًا وهو عالم بأنه يصير نبيًا؛ لأن الامتحان إنما يصح إذا أيقن الذابح أنه سيذبح ولا يتأخر أجله. قوله ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ نظيره: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، يعني: نظيره في أن ذريته ﵇ لا يجب أن يكونوا محسنين كلهم. قال الإمام: دخل تحت قوله: "محسن" الأنبياء والمؤمنون، وتحت قوله: "الظالم" الفاسق والكافر. وفيه تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن؛ لئلا تصير هذه الشبهة سببا لمفاخرة اليهود. وقال التهامي: لا تحسبن حسب الآباء مكرمة لمن يقصر عن غايات مجدهم حسن الرجال بحسنى لا بحسنهم وطولهم في المعالي لا بطولهم
[ ١٣ / ١٩٥ ]
فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر. وهذا يهدم أمر الطبائع والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله أو فرعه.
[﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١١٤ - ١٢٢].
﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من الغرق، أو من سلطان فرعون وقومه وغشمهم، َ ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضمير لهما ولقومهما في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾. ﴿الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ البليغ في بيانه؛ وهو التوراة، كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال من جوز أن تكون التوراة عربية أن تشتق من وري الزند "فوعلة" منه، على أن التاء مبدلة من واو.
_________________
(١) ـ قوله: (وقال من جوز أن تكون التوراة عربية) عن بعضهم: إن "قال" عطف على "قال" في "كما قال"، و"أن" في "أن تشتق" مصدرية وهي مع "ما" في صلتها بمعنى المفعول أي مشتقة والتقدير: وكما قال من جوز هذا: إن فيها معنى الإنارة والضوء مشتق من الورى. فإن قلت: فما وجه التشبيه بالآيتين؟ وكيف استشهد بهما على الاشتقاق؟ قلت: وجه التشبيع إثبات المبالغة في البيان، فكما أن استعمال سين الطلب فيما لا طلب له تدل على المبالغة كذلك استعارة النور- لما في الكتاب من البيانات الشافية الكافية- تدل على المبالغة، فإن قولك: "رأيت أسدًا يرمي" ابلغ من قولك: "رأيت شجاعا يرمي". وأما وجه الاشتقال؛ فإن مراعاة تسمية الكتاب بالتوراة وإنما كانت لأنها اشتملت على
[ ١٣ / ١٩٦ ]
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط أهل الإسلام، وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
[﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١٢٣ - ١٣٢].
قرئ: ﴿إِلْيَاسَ﴾ بكسر الهمزة، (الياس) على لفظ الوصل. وقيل: هو إدريس
_________________
(١) ـ الدلائل الباهرة والبراهين الساطعة كالنور في الظهور، وتحريره: أن الكتاب إنما وصف بالمستبين لما فيه من الكشف التام، كما سمي بالنور لذلك، وكما قيل: إن التوراة إنما اشتقت من الوري لما فيها من البيان التام. قوله: (﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صراط أهل الإسلام) يعني أن الله تعالى كشف عن هذا الصراط المستقيم في الفاتحة وأوضحه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] حيث قيده أولًا بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ليخرج اليهود، وثانيًا بقوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ليخرج النصارى، فيختص بالمسلمين، فيكون ذكره ها هنا تعريضًا باليهود. قوله: قرئ ﴿إِلْيَاسَ﴾ بكسر الهمزة، و"الياس" على لفظ الوصل)، بالوصل: ابن ذكوان عن ابن عامر، والباقون: بكسر الهمزة. قال ابن جني: قرأ ابن محيصن وعكرمة والحسن بخلاف بغير همز، وكذا "الياسين" أما "الياس" فإن الاسم منه "ياس" ثم لحقه لام التعريف، كأنه على إرادة ياء النسب.
[ ١٣ / ١٩٧ ]
النبي. وقرأ ابن مسعود: (وإن إدريس)، في موضع ﴿إِلْيَاسَ﴾.
وقرئ: (إدراس)، وقيل: هو إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى. ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: أتعبدون بعلًا؛ وهو علم لصنم كان لهم كمناة وهبل. وقيل: كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعًا، وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربع مئة سادن، وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك. وقيل: البعل: الرب؛ بلغة اليمن، يقال: من بعل هذه الدار؟ أي: من ربها؟ والمعنى: أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله؟
_________________
(١) ـ "وإلياسين" على هذا كما حكى عنهم صاحب "الكتاب" والنميرون؟، يريد: الأشعريين والنمريين، وعن قطرب: هؤلاء زيدون، منسوبون إلى "زيد" بغير ياء النسبة. ويجوز أن يجعل كل واحد من أهل إلياس: ياسا، يقال: الياسين، كقوله: فدني من نصر الخبيبين قدي يريد: أبا خبيب وأصحابه، كأنه جعل كل واحد منهم خبيبًا. ونحو منه قولهم: "شابت مفارقة" جعل كل جزء من مفرقة مفرقًا ثم جمعه. ويشهد لوصل ألف "ياسين" قوله: أمهتي خندف والياس أبي واللام بمنزلتها في "اليسع" زائدة؛ لأن الاسم علم، وليس بصفه. قوله: (فتنوا به) افتتن الرجل وفتن فهو مفتون، إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله.
[ ١٣ / ١٩٨ ]
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ﴾ قرئ: بالرفع على الابتداء، والنصب على البدل، وكان حمزة إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع.
وقرئ: (على إلياسين) و(إدريسين)، و(إدراسين)، و(إدراسين)، على أنها لغات في "إلياس" "وإدريس". ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. وقرئ: (على الياسين) بالوصل، على أنه جمع يراد به إلياس وقومه، كقولهم: الخبيبون والمهلبون. فإن قلت: فهذا حملت على هذا ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ على القطع وأخواته؟ قلت: لو كان جمعًا
_________________
(١) ـ قوله: (بالرفع على الابتداء) أي: "الله ربكم" حفص وحمزة والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع. قال الزجاج: النصب على صفة "أحسن الخالقين" والرفع على الابتداء والخبر. ولو قال على البدل في النصب كان أولى. قوله: (وبالنصب على البدل) أي: قرئ بالثلاثة بالنصب بدلا من ﴿أحسن﴾. قوله: (وإدراسين) قال ابن جني: قرأها ابن مسعود ويحيى وغيرهما، وجاء عنه "إدرسين" وكذا عن قتادة، وفي بعض القراءة "إدريسين" وأما "إدراسين" فيجب أن تكون من تغيير العرب الكلم الأعجمي؛ لأنه ليس من لغتها، والقياس "إدريسين". قوله: (الخبيبون) قيل لعبد الله بن الزبير ومن كان على رأيه؛ لأن خبيبًا من أجبن أولاده، وأولياؤه يسمونه أبا بكر، قيل في كونه مثل الخبيبيين: خبيب، وأجيب أن العرب إذا تكلمت بالعجمية قالت ما شاءت. قوله: (فهذا حملت على هذا ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ على القطع) في السؤال شائبة إنكار، أي: لم ما
[ ١٣ / ١٩٩ ]
لعرف بالألف واللام. وأما من قرأ: (على آل ياسين) فعلى أن ياسين اسم أبي إلياس، أضيف إليه الآل.
_________________
(١) ـ حملت على "الياسين" بالوصل قراءة من قرأ ﴿إِلْ يَاسِينَ﴾ بالقطع وإخوانه من (إدريس) و"إدراسين" و"إدرسين" وقلت: إنها جموع، بل زعمت أن زيادة الياء والنون لمعنى في السريانية؟ وأجاب: لو كان جمعًا لعرف بالألف واللازم كما في الخبيبون والمهلبون، وكما مر عن ابن جني في "الأشعرون" و"النميرون". وقال الزجاج: من قرأ بالوصل فهو جمع "الياس" هو وأمته المؤمنون، وكذا يجمع ما ينسب الشيء إليه بلفظ الشيء، نحو المهلبة أي بني المهلب. قوله: (وأما من قرأ "على آل ياسين") نافع وابن عامر: "على آل ياسين" منفصلًا. مثل: آل محمد، والباقون: بكسر الهمزة وإسكان اللام متصلًا، وفي "المطلع" حجة من قرأ منفصلًا أنها في المصحف مفصولة. قال الفراء وأبو عبيدة: الوجه قراءة العامة؛ لأنه لم يقل في شيء من السورة: سلام على آل فلان، إنما جيء بالاسم، كذلك "إلياسين"؛ لأنه بمعنى: إلياس أو إلياس واتباعه. وقيل: الوجه أن ياسين اسم أبي إلياس وأضيف إليه الأول. وقيل القاضي" وقيل إل ياسين أبو إلياس، أو محمد، أو القرآن، أو غيره من كتب الله، والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣١ - ١٣٢] إذ الظاهر في الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لإلياس. وقلت: لو حمل آل ياسين على نفس إلياس -كما في قوله تعالى: ﴿آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] ويراد موسى وهارون- لم يبعد ذلك.
[ ١٣ / ٢٠٠ ]
[﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١٣٣ - ١٣٨﴾.
﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصباح، يعني: تمرون على منازلهم في متاجركم إلى الشام ليلًا ونهارًا، أفما فيكم عقول تعتبرون بها؟ ! .
[﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١٣٩ - ١٤٨].
قرئ: (يونس) بضم النون وكسرها. وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقًا على طريقة المجاز. والمساهمة: المقارعة. ويقال: استهم القوم؛ إذا اقترعوا. والمدحض: المغلوب المقروع. وحقيقته: المزلق عن مقام الظفر والغلبة. روي: أنه حين ركب في السفينة وقفت، فقالوا: ها هنا عبد أبق من سيده، وفيما يزعم البحارون أن السفينة
_________________
(١) ـ قوله: (وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقًا على طريقة المجاز)، أي: الاستعارة تصويرًا لقبحه؛ لأن "أبق" يستعمل في المملوك إذا هرب من سيده. الجوهري: ابق العبد يابق إباقًا، أي: هرب، ويجوز أن يكون على طريقة استعمال المرسن في أنف الإنسان. قوله: (والمساهمة: المقارعة)، الراغب: السهم ما يرمى به، وما يضرب به من القدح، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وبرد مسهم عليه صورة سهم، وسهم وجهه تغير والسهام داء يتغير منه الوجه. قوله: (البحارون) هم الذين يكونون أكثر أعمارهم في البحر للتجارة وغيرهما.
[ ١٣ / ٢٠١ ]
إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء، ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: داخل في الملامة. يقال: رب لائم مليم، أي: يلوم غيره وهو أحق منه باللوم. وقرئ: (مليم) بفتح الميم، من: ليم فهو مليم، كما جاء: مشيب في مشوب، مبنيًا على شيب. ونحوه: مدعي، بناء على دعي. ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: من الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح والتقديس. وقيل: هو قوله في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقيل: من المصلين. وعن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. وعن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء. قال: وكان يقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متكئًا. وهذا ترغيب من الله ﷿ في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله، وإقباله على عبادته، وجمع همه لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة؛ لينفعه ذلك عنده تعالى في المضايق والشدائد. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ الظاهر: للبث فيه حيًا إلى يوم البعث.
_________________
(١) ـ قوله: (وزج بنفسه)، الجوهري: زجه: دفعه في وهدة. قوله: (﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾: داخل في الملامة)، قال الزجاج: يقال: قد ألام الرجلل فهم مليم إذا أتى ما يجب أن يلام عليه، وقد ليم إذا أتى بلوم ولا موه عليه. وأنشد غيره. إن نفسي على هواها ألامت كل نفس على هواها مليمه قوله: (وهذا ترغيب من الله في إكثار المؤمن)، الترغيب مستفاد من الوصف بالتسبيح دون النبوة والرسالة، والإكثار من جعله من زمرتهم ومن جملة مت يواظب على التسبيح، نحو "فلان من العلماء" أي: له مساهمة معهم في العلم، وهذا الوصف كاللقب المشهور له ولا يشتهر به إلا بكثرة الممارسة.
[ ١٣ / ٢٠٢ ]
وعن قتادة: لكان بطن الحوت له قبرًا إلى يوم القيامة. وروي: أنه حين ابتعله أوحى الله إلى الحوت: إني جعلت بطنك له سجنًا، ولم أجعله لك طعامًا.
واختلف في مقدار لبثه: فعن الكلبي: أربعون يومًا، وعن الضحاك: عشرون، وعن عطاء: سبعة، وعن بعضهم: ثلاثة، وعن الحسن: لم يلبث إلا قليلًا، ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه. وروي: أن الحوت سار مع السفينة رافعًا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر، فلفظة سالمًا لم يتغير منه شيء، فأسلموا. وروي: أن الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل.
والعراء: المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ اعتل مما حل به، وروي: أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين يولد. واليقطين: كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق، كشجر البطيخ، والقثاء، والحنظل، وهو "يفعيل" من قطن بالمكان؛ إذا قام به. وقيل: هو الدباء. وفائدة الدباء: أن الذبان لا تجتمع عنده.
وقيل لرسول الله ﷺ: إنك لتحب القرع. قال: "أجل هي شجرة أخي يونس".
_________________
(١) ـ قوله: (والعراء: المكان الخالي) العراء: يمد ويقصر، فالمقصور: الناحية، والممدود: المكان الخالي. وقيل: معناه الأرض الخالي. وقيل: هو الدباء، لأم الدباء إن كان همزة من دبأ إذا هذا، يقال دبأت المكان، كما قيل له: اليقطين من قطن، جعل انسداحه قطونًا وهدوءًا إن كان ياء من تركيب "دبي" وهو الجراد، ويحتمل أن يكون كالدباء من الدبيب، جعل انبساطه دبيبا. قوله: (إنك لتحب القرع) روينا عن البخاري عن أنس قال: "دخلت مع النبي ﷺ على غلام خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد وعليه دباء، قال أنس: فجعل النبي ﷺ يتتبع
[ ١٣ / ٢٠٣ ]
وقيل: هي التين، وقيل: شجرة الموز، تغطي بورقها. واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. وقيل: كان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه، فيشرب من لبنها. وروى: أنه مر زمان على الشجرة فيبست، فبكى جزعا، فأوحي إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مئة ألف على يد الكافر؟ ! فإن قلت: ما معنى: ﴿أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾؟ قلت: أنبتناها فوقه مظلة له، كما يطنب البيت على الإنسان ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾: المراد به ما سبق من إرساله إلى قومه، وهم أهل نينوى. وقيل: هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه من الأولين أو إلى غيرهم. وقيل: أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى؛ لأن النبي إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم مقيما فيهم، وقال لهم: إن الله باعث إليكم نبيا ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ في مرأى الناظر؛ أي: إذا رآها الرائي قال: هي مئة
_________________
(١) ـ الدباء، قال أنس: فجعلت أتتبعه وأصفه بين يديه، قال: وما زلت بعد أحب الدباء". وفي رواية الترمذي عن أنس: "أنه كان يأكل قرعًا وهو يقول: يا لك من شجرة! ما أحبك إلي لحب رسول الله ﷺ إياك". قوله: (ما معنى: ﴿أَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾؟) يعني: ﴿وَأَنْبَتْنَا﴾ تعدى بـ"على" فأجاب: أن ﴿عَلَيْهِ﴾ ليس بصلة بل هو حال، أي انبتنا الشجرة مستعلية عليه، نحوه: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ﴾ [يوسف: ١٨]. قوله: (وقيل: هو إرسال ثان) وعلى الأول: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ﴾ عطف على قوله: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ على سبيل البيان؛ لأنه دل على ابتداء الحال وعلى انتهائها وعلى ما هو المقصود بالإرسال من الإيمان، واعترض ما بينهما قصة اعتناء بشأنها لاحتوائها على أمر عجيب، وكذلك يقدر: اذكر إذ أبق.
[ ١٣ / ٢٠٤ ]
ألف أو أكثر؛ والغرض: الوصف بالكثرة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجل مسمى. وقرئ: (ويزيدون) بالواو، و(حتى حين).
_________________
(١) ـ قوله: ("ويزيدون" بالواو) قال ابن جني: هي قراءة جعفر بن محمد ﵄. وفيه إعراب حسن، وذلك أن قوله: "يزيدون" خبر مبتدأ محذوف، أي: هم يزيدون، والواو لعطف الجملة على الجملة، كقولك: مررت برجل مثل الأسد وهو والله أشجع، ولقيت رجلا جوادا وهو والله فوق الجواد. ويفسد أن يقال: إن ﴿يَزِيدُونَ﴾ عطف على ﴿مِئَةِ﴾، لأن "إلى" لا تعمل في "يزيدون"، فلا يجوز أن يعطف ﴿يَزِيدُونَ﴾ على معموله. فإن قلت: قد يجوز في العطف ما لا يجوز في المعطوف عليه، كقولنا: رب رجل وأخيه، ورب شاة وسخلتها، ومررت برجل صالح أبواه لا طالحين، ونحو ذلك، ونحو ذلك، قلنا: لو قدرت المتجوز في هذا ونحوه لا تبلغ ما رمته من تقدير حرف الجر مباشرًا للفعل، ألا تراك لا تجيز مررت بقائم ويقعد، وأنت تريد بقاعد، ومع ذلك يلزم فساد المعنى؛ لأن المعنى حينئذ: وأرسلناه إلى جمعين: مئة ألف والآخر زائد، وليس الغرض ذلك؛ لأن الغرض وأرسلناه إلى جمع لو: رأيتموهم لقلتم أنتم: هؤلاء مئة ألف وهم أيضًا يزيدون، فالجمع إذن واحد لا جمعان، وكذلك قراءة العامة: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي: أو هم يزيدون. قال الزجاج: روي عن الفراء وابي عبيدة: معنى ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾: بل يزيدون. وقال غيرهما: أو يزيدون في تقديركم أنتم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مئة ألف أو يزيدون. هذا هو القول. وقيل: معناه الواو، وهو يعيد؛ لأن الواو معناها الاجتماع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئيين قبل الآخر.
[ ١٣ / ٢٠٥ ]
[﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١٤٩ - ١٥٧].
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة. أمر رسوله باستفتاء قريش على وجه إنكار البعث أولًا، ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها؛ حيث
_________________
(١) ـ قوله: (أمر رسوله صلوات الله عليه باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث، أولا، ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة)، يريد أنه تعالى أمر حبيبه صلوات الله عليه أن يستفتي قريشًا في هذه السورة الكريمة مرتين، أولاهما: يستفتيهم في وجه إنكارهم البعث بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ثم ساق الكلام في بيان أمر الحشر والنشر وما إليه مآل الفريقين المصدقين له والمكذبين إياه، وأشبع الكلام فيه، ثم علل أن إنكارهم ذلك ما نشأ إلا من التقليد بقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ ولا فائدة في الحرص على إيمانهم، مسليا حبيبه صلوات الله عليه؛ لئلا تذهب نفسه عليهم حسرات، وقرر ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ إذ دأب قومك معك كدأب سائر الأمم السالفة مع أنبيائهم، وبين وخامة عاقبة المكذبين وحسن عواقب المرسلين ومصدقيهم مفصلًا، فبدأ من نوح ﵇ إلى أن ختم بيونس ﵇. ثم شرع في نوع آخر من الاستفتاء وهو الكلام في الإلهيات، وختم السورة بما يتصل بها. فإن قلت: قد علم وجه اتصال الاستفتاء الأول بفاتحة السورة وأنه من جهة الخالقية وأن المخلوقات السابقة أشد خلقًا من خلق المنكرين للبعث، فما وجه اتصال هذا الاستفتاء بها؟
[ ١٣ / ٢٠٦ ]
جعلو لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهم، واستنكافهم من ذكرهن. ولقد ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر؛ أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام. والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم: كما قال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧]، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨].
والثالث: أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه وأقربهم إليه؛ حيث أنثوهم، ولو قيل لأقلهم وأدناهم: فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء؛ للبس لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه، وذلك في وأهاجيهم بين مكشوف، فكرر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات، ودل على فظاعتها في آيات: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ
_________________
(١) ـ قلت: من وجه كونه تعالى رب السموات والأرض وما بينهما، وأنه مناف للمجانسة كما تقرر في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. قوله: "عن وجه القسمة الضيزى" وهي من ضاز حقه يضيزه ضيزا، بخسه ونقصه. قوله تعالى: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] أي: جائزة، وهي فعلى مثل طوبى وحبلى، وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء؛ لأنه ليس في كلامهم فعلى صفة، وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى. وقال الفراء: بعض العرب تقول: ضأزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع بعض العرب يهمز الضيزى. قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ قال: أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه يتزين في الزينة والنعمة؟ وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال.
[ ١٣ / ٢٠٧ ]
شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢]، ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور، ٣٩]، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: ١٦]، ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾: فإن قلت: لم قال: ﴿وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ فخص علم المشاهدة؟ قلت: ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل، وكذلك قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩]، ونحوه قوله: ﴿أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]؛ وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم، ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر.
ويجوز أن يكون المعنى: أنهم يقولون ذلك، كالقائل قولًا عن ثلج صدور وطمأنينة نفس؛ لإفراط جهلهم، كأنهم قد شاهدوا خلقهم، وقرئ: (ولد الله) أي: الملائكة ولده. والولد "فعل" بمعنى مفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث،
_________________
(١) ـ قوله: (وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة) يعني: نفي طريق المشاهدة بالاستهزاء بهم وبتجهيلهم ليسند جميع طرق العلم، كأنه قيل: ما حصل لكم العلم الضروري بهذا القول ولا أخبركم به صادق ولا طريق للاستدلال والنظر إليه، فبقي أنكم شهدتم ذلك، أخبروني به إن حصل ذلك. قوله: (عن ثلج صدر) أي: عن طمأنينة. الأساس: ومن المجاز: ثلج فؤاده، وهو مثلوج الفؤاد.
[ ١٣ / ٢٠٨ ]
تقول: هذه ولدي، وهؤلاء ولدي. فإن قلت: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ بفتح الهمزة: استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد، فكيف صحت قراءة أبي جعفر الهمزة على الإثبات؟ قلت: جعله من كلام الكفرة بدلا عن قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾، وقد قرأ بها حمزة والأعمش. وهذه القراءة وإن كان هذا محملها فهي ضعيفة، والذي أضعفها: أن الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها؛ وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، فمن جعلها للإثبات، فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين.
_________________
(١) ـ قوله: (وقد قرأ بها حمزة والأعمش) أي: في الشاذ. قوله: (فمن جعلها للإثبات فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين) يعني: قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ كلام الله تعالى على سبيل الإنكار، فلو جعل ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ إخباريا لكان من كلام الكفار فيختل النظم. وقلت: جعله إخباريًا لا يمنع من أن يكون من كلام الله على سبيل الإنكار، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] بكسر الهمزة؟ وتفسير الحسن أنه قول الله يكذبهم. وقد قال المصنف: قول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار، ووجهه أن يكون على نحو قوله: أفرح أن أرزأ الكرام وأنشدوا لعمر بن أبي ربيعة: ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا! عدد الرمل والحصى والتراب أي تحبها؟ وبهرًا، أي عجبًا.
[ ١٣ / ٢٠٩ ]
وقرئ: (تَذَكَّرُونَ) من ذكر. ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: حجة نزلت عليكم من السماء وخبر بأن الملائكة بنات الله، ﴿فَاتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي أنزل عليكم في ذلك، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]، وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم، وإنكار فظيع، واستبعاد لأقاويلهم شديد، وما الأساليب التي وردت عليها إلا ناطقة بتسفيه أحلام قريش، وتجهيل نفوسها، واستركاك عقولها، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مخطر مثل ذلك على بال ويحدث به نفسًا؛ فضلًا أن يجعله معتقدًا ويتظاهر به مذهبًا.
[﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ ١٥٨ - ١٦٠].
﴿وَجَعَلُوا﴾ بين الله ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ وأراد الملائكة ﴿نَسَبًا﴾؛ وهو زعمهم أنهم بناته، والمعنى: جعلوا بما قالوا نسبة بين الله وبينهم، وأثبتوا له جنسية جامعة له وللملائكة. فإن قلت: لم سمي الملائكة جنة؟ قلت: قالوا: الجنس واحد، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرًا كله فهو شيطان، ومن طهر منهم ونسك وكان خيرًا كله فهو ملك؛ فذكرهم في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم؛ وضعًا منهم وتقصيرًا بهم، وإن كانوا معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "تذكرون"، من ذكر) يعني: بالتخفيف؛ حفص وحمزة والكسائي. قوله: (أن يبلغوا منزلة المناسبة) ينازع فيه قوله: "وضعًا وتقصيرًا"، وقوله: "وإن كانوا معظمين في أنفسهم" تتميز للصيانة. اعترض بين العامل والمعمول، كما في قوله تعالى: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
[ ١٣ / ٢١٠ ]
التي أضافوها إليهم. وفيه إشارة إلى أن من صفته الاجتبان والاستتار- وهو من صفات الأجرام- لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك. ومثاله: أن تسوي بين الملك وبين بعض خواصه ومقربيه، فيقول لك: أتسوي بيني وبين عبدي؟ ! وإذا ذكره في غير هذا المقوم وقره وكناه. والضمير في ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للكفرى. والمعنى: أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة، وقد علم الملائكة أنهم في ذلك كاذبون مفترون، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون، والمراد المبالغة في التكذيب؛ حيث أضيف إلى علم الذين ادعوا لهم تلك النسبة.
وقيل: قالوا: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة. وقيل: قالوا: إن الله والشيطان أخوان. وعن الحسن: أشركوا الجن في طاعة الله. ويجوز إذا فسر الجنة بالشياطين: أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ لهم، والمعنى: أن الشياطين عالمون أن الله يحضرهم النار ويعذبهم، ولو كانوا مناسبين له أو شركاء في وجوب الطاعة لما عذبهم. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع من المحضرين، معناه: ولكن المخلصين ناجون.
_________________
(١) ـ قوله: (والمراد المبالغة في التكذيب) يعني كذبهم الله بقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ حيث سماهم بالجنة، ولما أريد التتميم ومزيد المبالغة قيل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ حيث أوقع الجملة القسمية حالا وأعيد لفظ ﴿الْجِنَّةُ﴾ للتوضيع والتكذيب وجعلهم عالمين بأن معظمهم معذبون بتلك المقالة كما تقول: إن الذي مدحته وعظمته هو الذي يعلم أنك كاذب وهو يسعى في نكالك وخزيك. قوله: (وقيل: قالوا إن الله والشيطان أخوان) قال الإمام: روينا أن قوما من الزنادقة يقولون: إن الله وإبليس أخوان، والله هو الأخ الكريم، وإبليس هو الأخ الشرير الخسيس. وعندى أن هذا القول أقرب وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن.
[ ١٣ / ٢١١ ]
و﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في ﴿يَصِفُونَ﴾، أي: يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصين براء من أن يصفوه به.
[﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١٦١ - ١٦٣].
الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ لله ﷿، ومعناه: فإنكم ومعبوديكم ﴿مَا أَنْتُمْ﴾ وهم جميعا ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ على الله إلا صاحب النار الذين سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.
فإن قلت: كيف يفتنونهم على الله؟ قلت: يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهوائهم، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته، كيف تقول: أفسدها عليه وخببها عليه.
_________________
(١) ـ قوله: (ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو في ﴿يَصِفُونَ﴾ فعلى هذا أيضًا منقطع، ولا يجوز أن يكون متصلا؛ لأن المعنى يأباه. وقيل: يجوز أن يكون الاستثناء من "جعلوا" واختار الواحدي الأول، وهو إنما يحسن كل الحسن، إذا فسر الجن بالشياطين ليرجع معناه إلى قوله تعالى حكاية عن اللعين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] أي: إنهم لمحضرون النار ومعذبون حيث أطاعونا في إغوائنا إياهم، لكن الذين أخلصوا لطاعة الله وطهروا قلوبهم من أرجاس الشرك وأنجاس الكفر والرذائل ما عمل فيهم كيدنا فلا يحضرون، ويكون ذلك مدحا للمخلصين وتعريضًا بالمشركين وإرغامًا لأنوفهم ومزيدا لغيظهم، أي أنهم بخلاف ما هم عليه من سفه الأحلام وجهل النفوس وركاكة العقول. والله أعلم. قوله: (وخببها عليه)، الجوهري: الخب: الرجل الخداع الحربز. وقد خبب غلامي فلان أي: خدعه. وقيل: خبها؛ من الخب، وهو الطرار، وقيل: التخبيب، تعليم الخب وهو الدهاء، والدهاء العلم بالشر.
[ ١٣ / ٢١٢ ]
ويجوز أن يكون الواو في ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى "مع" مثلها في قولهم: كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته؛ جاز أن يسكت على قوله: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ساد مسد الخبر، لأن معناه: فإنكم مع ما تعبدون. والمعنى: فإنكم مع آلهتكم، أي: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها، ثم قال ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، أي: على ما تعبدون ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلاب، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ﴾ ضال مثلكم.
أو يكون في أسلوب قوله:
فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم
_________________
(١) ـ قوله: (بمعنى مع) قال أبو البقاء: المشهور أن الواو في "وما تعبدون" للعطف، أي إنكم ومعبودكم. وقيل: يضعف أن يكون بمعنى "مع" إذ لا فعل هنا. قوله: (أو يكون في أسلوب قوله: فإنك والكتاب إلى علي) عطف على قوله: (مثلها في قولهم) إلى آخره. أي تكون "الواو" بمعنى "مع" ويكون الخبر "ما أنتم" كقول الشاعر. قال الميداني. كدابغة وقد حلم الأديم. يضرب للأمر الذي قد انتهى فساده، وذلك أن الجلد إذا حلك فليس بعده إصلاح. ويروى عن الوليد بن عقبة أنه كتب إلى معاوية البيت. وقال المفضل: إن المثل لخالد بن معاوية أحد بني عبد شمس بن سعيد حيث قال: قد علمت أحسابنا تميم في الحرب حين حلم الأديم
[ ١٣ / ٢١٣ ]
وقرأ الحسن: (صال الجحيم) بضم اللام، وفيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون جمعًا وسقوط واوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف. فإن قلت: كيف استقام الجمع مع قوله: ﴿مَنْ هُوَ﴾؟ قلت: ﴿مَنْ﴾ موحد اللفظ مجموع المعنى، فحمل هو على لفظه، والصالون على معناه، كما حمل في مواضع من التنزيل على لفظ "من" ومعناه
_________________
(١) ـ الجوهري: الحلم بالتحريك: أن يفسد الإهاب في العمل وبقع فيه دود فيثقب. تقول منه: حلم الأديم؛ بالكسر. يقول: حالك مع كتابك إلى علي، يعني إصلاح شأنك معه بالكتابة إليه بعدما فسد ما بينكما كحال من ترك الأديم حتى فسد ثم أخذ في دباغتها لا يفيده شيء ويبطل سعيه، كذلك أنتم أيها الكفرة مع عبادتكم قرناءكم لا يتسهل لكم أن تفتنوا الناس إلا من هو ضال مثلكم. وفي بعض النسخ: "ويكون في أسلوب قوله: وإنك والكتاب على علي" بالواو وبدل "أو" في "الكشاف" وبـ"على" بدل "إلى" في البيت، وكتب في الحاشية أن الواو في الآية وفي البيت عاطفة، والاستشهاد في "علي"، كأن هذا القائل أراد أن قوله: "بفاتنين" متضمن معنى: باعثين وحاملين فعدي بـ"على" كما عدي الكتاب بـ"على" لتضمنه معنى البعث، فلا يخفى على من له أدنى مسكة بعد هذا التقرير وظهور الأول. قوله: (وقرأ الحسن: "صال الجحيم") قال ابن جني: "صال الجحيم" كان شيخنا أبو علي يحمله على حذف ياء "صال" تخفيفًا، وتعرب اللام بالضم، كما حذفت ياء البالة من قولهم: ما باليت به بالةً، وهي البالية كالعافية والعاقبة. وذهب قطرب إلى أنه جمع "صال" أي: صالون، فحذف النون للإضافة وبقي الواو فحذفت لالتقاء الساكنين، وحمل على معنى "من" لأنه جمع معنى، وهذا حسن. وقول أبي علي وجه مأخوذ به.
[ ١٣ / ٢١٤ ]
في آية واحدة. والثاني: أن يكون أصله: صائل على القلب، ثم يقال: صال في صائل، كقولهم: شاك في شائك. والثالث: أن يحذف لام صال تخفيفًا، ويجرى الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم: ما باليت به بالةً، وأصلها بالية من بالى، كعافية من عافى. ونظيره قراءة من قرأ: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ﴾ [الرحمن: ٢٤] بإجراء الإعراب على العين.
[﴿ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ * وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ ١٦٤ - ١٦٦]
[﴿ومَا مِنَّا﴾ أحد ﴿إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، كقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
_________________
(١) ـ قوله: (أن يكون أصله: صائل على القلب) يريد أن أصل "صال" "صائل" و"صائل" مقلوب "صالي" فصار صائلًا ثم حذف الياء، كما أن "شاك" أصله "شائك" مقلوب "شاكي" على أنه أصل لا مقلوب، فإن صاحب "الصحاح" عد شاكي السلاح في باب "شكا" ثم قال: وقال الأخفش: هو مقلوب شاك، فكأنه لا اتفاق على كون "شاك" مقلوبًا، قال صاحب "التقريب"، وقال أبو البقاء: قرئ "صال" بضم اللام في الشاذ، من "صالي" قلب فصار "صائلًا" ثم حذف الياء فبقي "صال". وذكر الجوهري في باب "شوك": شاك الرجل يشاك شوكًا، أي: ظهرت شوكته وشدته، فهو شائك السلاح، وشاكي السلاح أيضًا مقلوب منه. قوله: (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا)، تمامه: متى أضع العمامة تعرفوني
[ ١٣ / ٢١٥ ]
بكفي كان من أرمى البشر
_________________
(١) ـ أي: أنا ابن رجل جلا الأمور وكشفها، متى أضع العمامة على رأسي تعرفوني أني من أهل العمامة، والدليل على حذف الموصوف منع التنوين من الابن وامتناع أن يضاف الابن إلى "جلا"؛ لأنه ليس باسم أبيه فيضاف إليه، وإذا جعلناه صفة فلا بد أن يكون فعلًا، ولا يضاف إلى الفعل إلا اسم الزمان والمكان وليس الابن بواحد منهما، فثبت أن المضاف إليه محذوف وهو الموصوف. فإن قلت: فلعل عدم دخول التنوين على "جلا" على مذهب عيسى بن عمر، فمذهبه أن الفعل إذا سمي به كان كونه على صيغة الفعل سببًا والعملية سبب آخر فيمتنع من الصرف، وإن لم يمنع صرف مثله الخليل وسيبوية والجمهور. قلت: ذلك مذهب باطل بدليل ما نقله الثقات من صرف "كعسب"، وهو في الأصل فعل، يقال: كعسب الرجل إذا مشى بإسراع مع تقارب الخطو. ولا تنوين في "جلا" في البيت فيحمل على أنه فعل ماض وقع صفة لموصوف محذوف، وفيه تأويل آخر، وهو أن "جلا" من باب حكاية الجمل كأن "جلا" فيه ضمير فيجب حكايته كما حكى "يزيد" في قوله: نبئت أخوالي بني يزيد قال الميداني: يضرب للمشهور المتعالم، وهو من قول سحيم بن وثيل الرياحي، تقديره: أنا ابن الذي يقال له: جلا الأمور وكشفها. قوله: (بكفي كان من أرمى البشر)، أوله: مالك عندي غير سهم وحجر وغير كبداء شديدة الوتر جادت بكفي (أي بكفي شخص) كان من أرمى البشر.
[ ١٣ / ٢١٦ ]
﴿مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾: مقام في العبادة، والانتهاء إلى أمر الله مقصور عليه لا يتجاوزه، كما روي: "فمنهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه". ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: نصف أقدامنا في الصلاة، أو أجنحتنا في الهواء، منتظرين ما نؤمر. وقيل: نصف أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين. وقيل: إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية. وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين. ﴿الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزهون، أو المصلون. والوجه: أن يكون هذا وما قبله من قوله:
_________________
(١) ـ الكبداء: القوس الذي يملأ مقبضها الكف، والدليل على حذف الموصوف حذف النون. قوله: (والوجه أن يكون هذا وما قبله) إلى آخره، عطف على قوله: ﴿سُبْحَانَ اللهِ﴾ اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه من حيث المعنى، يعني: يجعل من قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ قصة واحدة؛ ليكون مفرغًا إفراغًا واحدًا، وتقريره: ولما علمت الملائكة أن الكفرة محضرون ومعذبون تبرؤوا منهم ونزهوا الله ﷾ بقولهم: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: يصفه هؤلاء ولكن المخلصون برآء مما يصفونه به، ثم التفتوا إلى الكفرة وجاؤوا بالفاء الجزائية، أي إذا صح أنكم تفترون- والله تعالى منزه عما تقولون- وأن المخلصين من عباد الله برآء مما تصفونه، فاعلموا أنكم وآلهتكم لا تقدرون على أن تفتنوا. على الله تعالى من عباده المخلصين الذين اصطفاهم لنفسه، بل الذي تقدرون أن تفتنوه من هو مثلكم ممن قدر الله أنه من أصحاب النار، ولما فرغوا من الاحتجاج رجعوا إلى إظهار العبودية والخضوع لربهم والاعتذار عما نسب إليهم بقوله: ﴿ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ إلى آخره. هذا تقرير حسن، لكن قوله: "ممن علم الله بكفرهم أنهم من أهل النار لا لتقديره وإرادته" تعريج من المحجة، وفسر بمجرد الرأي، حيث فرق بين علم الله وتقديره وإرادته. قال محيي السنة: إلا من قدر الله أنه سيدخل النار أي: سبق له في علم الله الشقاوة.
[ ١٣ / ٢١٧ ]
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] من كلام الملائكة، حتى يتصل بذكرهم في قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾ [الصافات: ١٥٨]، كأنه قيل: ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة، وقالوا: ﴿سُبْحَانَ اللهِ﴾، فنزهوه عن ذلك، واستثنوا عباد الله المخلصين، وبرؤوهم منه، وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدًا من خلقه وتضلوه، إلا من كان مثلكم ممن علم الله- لكفرهم، لا لتقديره وإرادته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- أنهم من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب العزة وتجمعنا وإياه جنسية واحدة؟ وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفرًا؛ خشوعًا لعظمته وتواضعًا لجلاله، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته وأجنحتنا، مذعنين خاضعين مسبحين ممجدين، وكما يجب على العباد لربهم. وقيل:
_________________
(١) ـ وقال الإمام: إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره. وذلك تصريح بأن المقتضي لوقع هذه الحوادث حكم الله، وكان عمر بن عبد العزبز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب، أي: أن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصولها. وقلت: ويساعد عليه النظم الذي لخصناه. قوله: (أنهم من أهل النار) متعلق بقوله: "علم الله"، أي: علم الله بسبب كفرهم أنهم من أهل النار، وقوله: "ويجمعنا وإياه" داخل في حيز الإنكار، أي: كيف تجمعنا والله ﷾ جنسية؟ ! قوله: (أن يزل عنه ظفرًا)، أي: مقدار ظفر، كقوله: وقد جعلتني من خزيمة أصبعًا قوله: (وكما يجب على العباد) تقديره: ونحن- كما ذكرنا- خاضعين مسبحين، وكما يجب على العباد لربهم من الطاعة.
[ ١٣ / ٢١٨ ]
هو من قول رسول الله ﷺ، يعني: وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله، من قوله تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثُكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
ثم ذكر أعمالهم وأنهم هم الذين يصطفون في الصلاة يسبحون الله وينزهونه مما يضيف إليه من لا يعرفه مما لا يجوز عليه.
[﴿وإن كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ١٦٧ - ١٧٠]
هم مشركو قريش كانوا يقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا﴾ أي: كتابًا ﴿مِنَ﴾ كتب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا، ولا خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب، فكفروا به، ونحوه ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، فسوف يعلمون مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. و﴿إِن﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة؛ وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه، فكم بين أول أمرهم وآخره!
[﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ ١٧١ - ١٧٣]
_________________
(١) ـ قوله: (هو من قول رسول الله ﷺ) وعلى هذا يكون قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ اعترضًا، وكلام الرسول ﷺ استطرادًا؛ لأنه تعالى لما أمر رسوله ﷺ بالاستفتاء عن وجه تلك القسمة الضيزى التي قسموها بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَنَاتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ وبالإنكار البليغ واستجهال النفوس واستركاك العقول سخطًا عليهم وغضبًا على تلك المقالة الشنيعة أتى بما دل على ضد ذلك من معنى الرضا عن المؤمنين لأجل أعمالهم الصالحة من الصلاة في الجماعات، وتسبيح الله وتنزيهه عما أضاف إليه الكفرة.
[ ١٣ / ٢١٩ ]
الكلمة: قوله: ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾، وإنما سماها كلمة وهي كلمات عدة؛ لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت حكم كلمة مفردة. وقرئ: (كلماتنا).
والمراد الموعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]، ولا يلزم انهزامهم في بعض المشاهد، وما جرى عليهم من القتل؛ فإن الغلبة كانت لهم يحتذى عليها وعبرًا يعتبر بها.
وعن الحسن ﵀: ما غلب نبي في حرب ولا قيل فيها. ولأن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه: الظفر والنصرة وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة، والحكم للغالب.
وعن ابن عباس ﵄: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة. وفي قراءة ابن مسعود: (على عبادنا)، على تضمين ﴿سبقت﴾ معنى حقت.
_________________
(١) ـ قوله: (الكلمة: قوله ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وإنَّ جُندَنَا﴾)، الراغب: يقال للعسكر: الجند اعتبارًا بالغلظة من الجند أي: الأرض الغليظة التي فيها حجارة، ثم يقال لكل مجتمع: جند، نحو"الأرواح جنود مجندة" والجمع: أجناد وجنود. قال الله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩]. قوله: (كانت في حكم كلمة مفردة) عن بعضهم: نظير "الكلمة"، "الثمرة" يقال: باع فلان ثمرة بستانه، وإن كانت ثمرات، ويقال للقرية: مدرة؛ لأنها لما اجتمعت وتضامت صارت في حكم شيء واحد.
[ ١٣ / ٢٢٠ ]
[﴿فتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ١٧٤ - ١٧٥]
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأعرض عنهم وأغض على أذاهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى مدة يسيرة؛ وهي مدة الكف عن القتال.
وعن السدي: إلى يوم بدر. وقيل: الموت. وقيل: إلى يوم القيامة.
﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ وما يقتضى عليهم من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة، فسوف يبصرونك، وما يقضى لك من النصرة والتأييد والثواب في العاقبة. والمراد بالأمر بإربصارهم على الحال المنتظرة الموعودة: الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك. وفي ذلك تسلية له وتنفيس عنه. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ للوعيد كما سلف، لا للتبعيد.
[﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنذَرِينَ (١٧٧) وتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ١٧٦ - ١٧٩]
مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض بصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم، ولا دبروا أمرهم تدبيرًا ينجيهم، حتى أناخ بفنائهم بغتة، فشن عليهم الغارة وقطع دابرهم، وكانت عادة
_________________
(١) ـ قوله: (الدلالة على أنها كائنة) يعني: إنما أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ والمبصر منتظر بعد، للدلالة على أن وعد الله الآتي بمنزلة الكائن استحضارًا لتلك الحالة الآتية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. قوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ للوعيد كما سلف)، يعني: قوله: " ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ وما يقضى عليهم من الأسر" إلى قوله: "وما يقضى لك من النصرة والتأييد والثواب في العاقبة" لا للتعبيد، كما تقول: سوف أنتقم منك، وأنت متهيئ للانتقام. قوله: (فشن عليهم الغارة) شن الماء على الشراب: فرقه عليه، ومنه قيل: شن عليهم الغارة وأشن، إذا فرقها عليهم من كل وجه.
[ ١٣ / ٢٢١ ]
مغاويرهم أن يغيروا صباحًا، فسميت الغارة "صباحًا"، وإن وقعت في آخر. وما فصحت هذه الآية، ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك تواردها على نفسك وطبعك، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل. وقرأ ابن مسعود: (فبئس صباح). وقرئ: (نزل بساحتهم) على إسناده إلى الجار والمجرور، كقولك: ذهب بزيد، و(نزل) على: ونزل العذاب. والمعنى: فساء صباح المنذرين صباحهم. واللام في ﴿الْمُنذِرِينَ﴾ مبهم في جنس من أنذروا؛ لأن "ساء" و"بئس" يقتضيان ذلك. وقيل: هو نزول رسول الله ﷺ يوم الفتح بمكة.
وعن أنس ﵁: لما أتى رسول الله ﷺ خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي، قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم. فقال ﵇: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". وإنما ثني
_________________
(١) ـ قوله: (مغاويرهم) جمع مغوار، وهو كثير الغارة. الجوهري: رجل مغوار ومغاور، أي: مقاتل، وقوم مغاوير، وخيل مغيرة. قوله: (واللام في ﴿الْمُنذِرِينَ﴾ مبهم في جنس من أنذروا) ولا يجوز أن يكون للعهد؛ لأن أفعال المدح والذم تقتضي الشيوع للإبهام والتفصيل. لا يجوز أن تقول: بئس الرجل هذا، ونعم الرجل هذا، إذا أردت رجلًا بعينه. قوله: (وعن أنس: لما أتى رسول الله ﷺ)، الحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عنه مع زيادات، وهذه الرواية مختصر منه. النهاية: الخميس: الجيش، سمي به لأنه مقسوم خمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل: لأنه تخمس فيه الغنائم. و"محمد" خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا محمد صلوات الله عليه.
[ ١٣ / ٢٢٢ ]
﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ ليكون تسلية على تسلية، وتأكيدًا لوقع الميعاد إلى تأكيد. وفيه فائدة زائدة؛ وهي إطلاق الفعلين معًا عن التقييد بالمفعول، وأنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف المسرة وأنواع المساءة. وقيل: أريد بأحدهما عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب الآخرة.
[﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١٨٠ - ١٨٢]
أضيف الرب إلى العزة؛ لا ختصاصه بها، كأنه قيل: ذو العزة، كما تقول: صاحب صدق؛ لا ختصاصة بالصدق. ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلا وهو ربها ومالكها، كقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوا إليه مما هو منزه عنه،
_________________
(١) ـ قوله: (وهي إطلاق الفعلين) وهما في قوله ﴿وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، أي: انتظر حتى ترى ويرون. قوله: (كما تقول: "صاحب صدق" لا ختصاصه بالصدق) قال في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الانعام: ٩٣]: "أضاف العذاب إليه، كقوله: رجل سوء، يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه"، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهي مصدر نحو، رجل عدل، فإذا تجسم من الصدق فلا يكون شيئًا غيره، فيلزم أن يكون مختصًا به، وإليه الإشارة بقوله: "لاختصاصه به"، ويجوز أن تكون الإضافه بمعنى اللام، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الزخرف: ٨٢] والتعريف في "العزة" للجنس، فإذا كان مالك جنس العزة هو الله فلا يكون أحد معتزًا إلا به، وإليه الإشارة بقوله: "ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلا هو ربها ومالكها".
[ ١٣ / ٢٢٣ ]
وما عاناه المرسلون من جهتهم، وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم؛ فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون، والتسليم على المرسلين، ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ على ما قيض لهم من حسن العواقب، والغرض تعليم المؤمنين أن
_________________
(١) ـ قوله: (وما عاناه)، الجوهري: المعاناة: المقاساة، يقال: عاناه وتعناه وتعنى. قوله: (قيض لهم)، الجوهري: قيض الله فلانا لفلان، أي: جاءه به وأباحه له. قوله: (والغرض تعليم المؤمنين) يريد أن هذه الآية لما كانت خاتمة لما تضمنته السورة من تخاليط المشركين وتكاذبهم ونسبتهم إلى جلاله الأقدس ما لا يليق بجنابه، ومن فرطاتهم مع أنبيائه والصالحين من عباده وتجرعهم الغصص، ومن وخامة حالة المكذبين وحسن عاقبة المرسلين، وفذلكة لذلك التفصيل كانت أيضًا تعليمًا للمؤمنين؛ لأنه لا يخلو كل مقام يجلس فيه الإنسان من فلتات وهفوات ومن كلمات فيها رضي الله وسخطه، فالواجب على المؤمن إذا قام من مجلسه أن يتلو هذه الآية لتكون مكفرة لتلك السقطات ومحمدةً لما وفق من الطيبات، ومن ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: "كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم له بهن عليه كما يختم بخاتم على الصحيفة: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو. وأخرج النسائي عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﷺ إذا جلس مجلسًا أو صلى تكلم بكلمات، فسألت عائشة عن الكلمات، فقال: إن تكلم بخير كان طابعًا عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بشر كانت كفارةً له: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
[ ١٣ / ٢٢٤ ]
يقولوا ذلك، ولا يخلوا به، ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم، ومودعات قرآنه المجيد. وعن علي ﵁: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ إلى آخر السورة.
عن رسول الله ﷺ: "من قرأ ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت عنه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنًا بالمرسلين".
_________________
(١) ـ قوله: (ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم)، يعني: كما وقفتم على هذه الخاتمة وتضمنها لهذا المطلب الشريف كذلك سائر كتابه الكريم مودع تحت كل كلمة منه أسرار دقيقة وإشارات وتلويحات، فلا تغفلوا عنها. رزقنا الله بفضله العميم التوفيق للعمل بما فيه كما يرضيه، ووفقنا بكرمه الجسيم للاطلاع على تلك الأسرار، إنه هو البر الرحيم. تمت السورة حامدًا ومصليًا على رسوله. * * *
[ ١٣ / ٢٢٥ ]