مكية، وهي إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)] ١ - ٣ [
المراد بالضحى: وقت الضحى، وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي شعاعها
_________________
(١) ـ سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ مكية، وهي إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس)، الراغب: "الضحى: انبساط الشمس وامتداد النهار، وسمي الوقت به، قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. وضحى يضحى: تعرض للشمس، وضاحية كل شيء: ناحيته البارزة. الأضحية جمعها أضاحي، وقيل: ضحية وضحايا، وأضحاة وأضحى، وتسميتها بذلك في الشرع لما ورد: "من ذبح قبل صلاتنا هذه فليُعِد".
[ ١٦ / ٤٧٨ ]
وقيل: إنما خص وقت الضحى بالقسم؛ لأنها الساعة التي كلم فيها موسى ﵇، وألقى فيها السحرة سجدًا، لقوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)] طه: ٥٩ [وقيل: أريد بالضحى: النهار،
_________________
(١) قوله: (وقيل: إنما خُص وقت الضحى بالقسم، لأنها الساعة التي كُلم فيها موسى ﵇)، وسُئلت عنه وعن قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، فأجبت: إنه من باب قوله: وثناياك إنها إغريض وذلك أن المشركين لما قالوا: إن محمدًا ودعه ربه وقلاه، قيل له: كيف يودعك ويقليك وأنت خصصت بوجوب ما تقر عينك من الصلاة في هذين الوقتين، كقوله تعالى ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله؟: "كتب علي النحر ولم يُكتب عليكم، وأُمرت بصلاة الضحى ولم تُؤمروا بها"، رواه الدارقطني في كتاب "المجتني" عن ابن عباس، وهما الوقتان اللذان يخلو [فيهما] المحب مع المحبوب، يعني: وحق قربك عندنا، وزُلفاك لدينا، إنا ما ودعناك ولا قليناك. ثم لا يخلو تعلق الوداع بالضحوة والقلي بالليل من لطيفة، قال ابن عطاء: "ما حجبك عن قُربه حين بعثك إلى خلقه".
[ ١٦ / ٤٧٩ ]
بيانه قوله: (أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا ضُحًى)] الأعراف: ٩٨ [في مقابلة (بَياتًا). (سَجى) سكن وركد ظلامه. وقيل: ليلة ساجية: ساكنة الريح. وقيل معناه: سكون الناس والأصوات فيه. وسجا البحر: سكنت أمواجه. وطرف ساٍج: ساكن فاتر. (ما وَدَّعَكَ) جواب القسم، ومعناه: ما قطعك قطع المودع. وقرئ: بالتخفيف، يعني: ما تركك،
_________________
(١) قوله: (وقيل: ليلة ساجية: ساكنة الريح)، بيان لما سبق. ويجوز أن يكون وجهًا آخر، قال في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١]: "الليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج، وساكن لا ريح فيه". قوله: (وقرئ بالتخفيف، يعني: ما تركك)، قال ابن جني: "وهي قراءة النبي؟ وعروة ابن الزبير، وهي قليلة الاستعمال، قال سيبويه: استغنوا عن وذر وودع بقولهم: ترك، على أنها جاءت في شعر أبي الأسود، وأنشدناه أبو علي: ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحُب حتى ودعه إلا أنهم قد استعملوا مضارعه". وقلت: وقد جاء في شعر المتنبي: يَشُقكم بقناها كل سَلْهَبة والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع وإنما حسن هذه القراءة الموافقة بين الكلمتين، كأنه قيل: ما تركك وما قلاك، ومُؤدى معنى المشهورة إلى هذا، لأن التوديع أمارة المحبة، وقصدهم غاية البغض، ولذلك قال: "التوديع: مبالغة في الوداع"، ونظيره ما جاء في الحديث: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا
[ ١٦ / ٤٨٠ ]
قال:
وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر … فرائس أطراف المثقّفة السّمر
والتوديع: مبالغة في الودع؛ لأنّ من ودّعك مفارقًا فقد بالغ في تركك. روى أنّ الوحي قد تأخر عن رسول الله ﷺ أيامًا، فقال المشركون: إنّ محمدًا ودعه ربه وقلاه. وقيل: إنّ أم جميٍل امرأة أبى لهب قالت له: يا محمد،
_________________
(١) ـ الترك ما تركوكم"، لما في كل من الفقرتين من رد العجز على الصدر، وفي كليهما من صنعة الترصيع ما جبر منه. قوله: (وثم ودعنا آل عمرو) البيت، ودعنا: تركنا. فرائس: جمع فريسة، وهي صيد الأسود. والمثقفة: الرماح المقومة. والسُّمر: جمع أسمر، وهو لونه؛ يقول: تركنا في ذلك المقام قتلى آل عمرو وآل عامر، فرائس أطراف الرماح مجروحين مقتولين. قوله: (وقيل: إن أم جميل)، عن البخاري ومسلم والترمذي، عن جندب قال: اشتكى رسول الله؟، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، فلم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فنزلت. وفي رواية: أبطأ جبريل ﵇ على رسول الله؟، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾.
[ ١٦ / ٤٨١ ]
ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت. حذف الضمير من (قَلى) كحذفه من (الذَّاكِراتِ) في قوله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ)] الأحزاب: ٣٥ [يريد: والذاكراتة ونحوه: (فَآوى، فَهَدى، فَأَغْنى)، وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف.
[(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)] ٤ - ٥ [
فإن قلت: كيف اتصل قوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) بما قبله؟
قلت: لما كان في ضمن نفى التوديع والقلي، أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامةً أعظم من ذلك ولا نعمةً أجل منه: أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل،
_________________
(١) قوله: (وهو اختصار لفظي)، يعني: اختصر وحذف المفعول ليوافق الفواصل بدلالة: "ما ودعك" عليه. قوله: (لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك)، قال الإمام: "ويمكن أن يقال: إن المعنى: ولأحوال الآتية خير لك من الماضية، كانه تعالى وعده بأنه سيزيده كل يوم عزًا إلى عز، ومنصبًا إلى منصب". وقال الإمام أيضًا: "لما نزلت ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، حصل له بهذا تشريف عظيم، فكأنه استعظم ذلك، فقيل له: ﴿وَلَلْأخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾، يعني: هذا التشريف وإن كان عظيمًا، إلا ما لك عند الله في الآخرة أعظم وأعلى". وقلت: ويمكن أن يقال: وللآخرة خير لك في الاتصال والمحبة من الأولى، فيكتسب المعطوف من المعطوف عليه هذا المعنى، كما اكتسب المعطوف عليه منه معنى الأولية؛ فإن ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ و﴿وَمَا قَلَى﴾، معناه: قربك وأحبك في الدنيا، بدليل "وللآخرة"؛ وإن معنى ﴿خَيْرٌ لَّكَ﴾، خير فيما يزلفك ويمنحك المحبة، بدلالة ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ و﴿وَمَا قَلَى﴾، إذ لا ينبغي أن يشاب
[ ١٦ / ٤٨٢ ]
وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية. (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) موعد شامل لما أعطاه في الدنيا من الفلج والظفر بأعدائه يوم بدٍر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجًا، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين،
_________________
(١) ـ الاتصال والمحبة بمعنى آخر للطفهما، ويكون قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، معطيًا جميع ما أحصاه المصنف وما لا يُحصى لإطلاقه. وأيضًا يتصل ﴿وَالضُّحَى (وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، بهذه الآية اتصاله بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، فتصير الآيات من التثاني، ويتحقق فيها معنى المثاني. قوله: (وإعلاء مراتبهم بشفاعته)، الانتصاف: "وإخراج العُصاة من النار بشفاعته". قوله: (من الفلج)، بالجيم. الجوهري: "الفلج: الظَّفَر والفوز". النهاية: "وقد فلج أصحابه وعلى أصحابه: إذا غلبهم، والاسم: الفلج، بضم الفاء". قوله: (وما فتح على خلفائه)، عطف على "ما أعطاه"، و"ما" موصولة، والعائد محذوف، وكذا قوله: "وما قذف". قوله: (وأنهبهم)، أي: جعلهم متمكنين من النهب. و"أنهب" متعد إلى مفعولين، وحذف أحدهما وهو العائد إلى الموصول، أي: لما أنهبوه، يقال: أنهب الرجل ماله الناس. قوله: (وفشو الدعوة)، قيل: هو عطف على "ما" لا على "الإسلام". الرعب، "إذ ليس مما قُذف في القلوب، وفيه نظر لما سيجيء".
[ ١٦ / ٤٨٣ ]
ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله. قال ابن عباٍس ﵄: له في الجنة ألف قصٍر من لؤلٍؤ أبيض ترابه المسك.
فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟
قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في: لا أقسم، أن المعنى: لأنا أقسم؛
_________________
(١) قوله: (ولما ادخر له من الثواب)، عطف على قوله: (لما أعطاه في الدنيا). واعلم أنه راعى في هذه المعطوفات ترتيبًا غريبًا، لأن الموعد إما أمر يتعلق بالدنيا أو بالآخرة؛ فما يتعلق بالدنيا: أما ما يختص به صلوات الله عليه، فهو الذي أراده بقوله: "من الفلج والظفر بأعدائه". أو بخلفائه الراشدين، فهو قوله: "ما فتح في أقطار الأرض من المدائن". أو بأمته من بعده، فهو المراد كم قوله: "ما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب"، إلى قوله: "واستيلاء المسلمين"، لأن ما يختص بالأمة إما النهب أو الإستيلاء، لأنهم ما فتحوا المشرف والمغرب. ولما فرغ من ذكر أحوال الدنيا وشرع في أحوال الآخرة، أعاد اللام في المعطوف ليؤذن بالفرق بين المعطوفات، فظهر من هذا أن قوله: "وفشو الدعوة"، عطف على "الإسلام"، أي: تهيب فشو الدعوة والاستيلاء. قوله: (هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف)، قال ابن الحاجب: "هي لام التأكيد وليست لام الابتداء. وقول من قال: إنها لام الابتداء دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ فاسد، لأن اللام مع المبتدأ كـ "قد" مع الفعل و"إن" مع الاسم، فكما لا يحذف الاسم والفعل وتبقى "إن" و"قد"، كذلك لا تبقى اللام بعد حذف الاسم. وأيضًا اللام في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤]، لمجرد التأكيد، مثلها في قولك: إن زيدًا لقائم، ولا يصح أن تكون للحال، لأن المعنى هو الاستقبال. وقد صرح في "مفصله": "ويجوز عندنا: إن زيدًا لسوف يقوم، ولا يجيزه الكوفيون"، ولو كانت للحال لتناقض مع (سوف) ".
[ ١٦ / ٤٨٤ ]
وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسٍم أو ابتداٍء؛ فلام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، فبقى أن تكون لام ابتداٍء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟
قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر، لما في التأخير من المصلحة.
[(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى)] ٦ - ٨ [
عدّد عليه نعمه وأياديه، وأنه لم يخله منها من أول تربيه وابتداء نشئه، ترشيحًا لما أراد به؛ ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير والكرامة، ولا يضيق صدره ولا يقل صبره. و(أَلَمْ يَجِدْكَ) من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد. والمعنى: ألم تكن يتيمًا، وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمّه، وهو ابن ثماني سنين، فكفله عمه أبو طالب، وعطفه الله عليه فأحسن تربيته.
_________________
(١) وقلت: قد نص في "مريم" أن اللام مخلصة للتأكيد، ولا بأس بحذف المبتدأ، والفرق بين هذه اللام و"إن" و"قد"، أنهما مؤثران في المدخول عليه مع التوكيد بخلاف هذه اللام، لأن مقتضاها أن تؤكد مضمون الجملة لا غير، وهو باق وإن حُذف المبتدأ. قوله: (بين حرفي التوكيد والتأخير)، أي اللام و"سوف". قوله: (ترشيحًا لما أراد به)، الأساس: "ومن المجاز: هو مرشح للخلافة، وأصله ترشيح الظبية ولدها تعوده المشي". قيل: "ترشيحًا" مفعول له، لقوله: "فلم يُخله"، أو لقوله: "عدد عليه نعمه".
[ ١٦ / ٤٨٥ ]
ومن بدع التفاسير: أنه من قولهم: درّة يتيمة، وأن المعنى: ألم يجدك واحدًا في قريٍش عديم النظير فآواك. وقرئ: (فأوى) هو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه؛ سمع بعض الرعاة يقول: أين آوى هذه الموقسة وإما من: أوى له؛ إذا رحمه، (ضَالًّا) معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع،
_________________
(١) ـ قوله: (أين آوي هذه الموقسة؟)، آوي: فعل مضارع من: أوي. الجوهري: "إن بالبعير لوقسًا، إذا قارفه شيء من الجرب، فهو بعير موقوس". قوله: (الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع)، قال الواحدي: "أكثر المفسرين: وجدك ضالًا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة، غافلًا عنها فهداك إليها، ودليله قوله: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وهو اختيار الزجاج"، وسيجيءفي سورة "الكافرون"، أنه؟ قبل البعثة على أي ملة كان. وقال الجُنيد: "وجدك متحيرًا في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال بعضهم: وجدك غافلًا بقدر نفسك، فأشرفك على عظيم محلك، وأيضًا وجدك ضالًا عن معنى محض المودة، فسقاك كأسًا منم شراب القُربة والمودة، فهداك به إلى معرفته. وقال جعفر الصادق: كنت ضالًا عن محبتي لك في الأزل، فممنت عليك بمعرفتي. وقال الجريري: وجدك مترددًا في غوامض معاني المحبة، فهداك بلطفه لها". وقلت: هذا ملائم لمعنى الفاتحة. الراغب: "الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية. ويقال الضلال لكل عدول عن النهج، عمدًا كان أو سهوًا، يسيرًا طان أو كثيرًا، فإن الطريق المستقيم المرتضى صعب جدًا، ولذا قال؟: "استقيموا ولن تُحصوا"، وقال بعضهم: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة؛ فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى المقرطس من المرمى،
[ ١٦ / ٤٨٦ ]
كقوله: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ)] الشورى: ٥٢ [. وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فردّه أبو جهٍل إلى عبد المطلب. وقيل: أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب. فهداك: فعرفك القرآن والشرائع، أو فأزال ضلالك عن جدك وعمك. ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة، فإن أراد أنه كان على خلوهم عن العلوم السمعية، فنعم؛ وإن أراد أنه كان على دينهم وكفرهم، فمعاذ الله؛ والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوّة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع؟ (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)] يوسف: ٣٨ [وكفى بالنبي نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر. (عائِلًا) فقيرًا. وقرئ: (عيلا) كما قرئ: (سيحات)،
_________________
(١) وما عداه من الجوانب كلها ضلال. فإذا كان الضلال ترك المستقيم عمدًا أو سهوًا، قليلًا أو كثيرًا، صح أن يستعمل الضلال في من يكون منه خطأ ما، ولذلك نُسب إلى الأنبياء والكفار، وإن كان بينهما بون بعيد، قال في حق نبينا صلوات الله عليه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ وقال أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وقال موسى ﵇: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، أي من الساهين، وقال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: تنسى. وأما الضلال في معرفة وحدانية الله ومعرفة النبوة ونحوهما، فهو الضلال البعيد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِي﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ". قوله: (كما قرئ: "سيحات")، يعني: قرئ بدل ﴿سَائِحَاتٍ﴾: "سَيِّحات"، وإنما شبهه بذلك لأنه جعل فيها "فيعل" مكان "فاعل".
[ ١٦ / ٤٨٧ ]
وعديمًا، (فَأَغْنى) فأغناك بمال خديجة. أو بما أفاء عليك من الغنائم. قال ﵇: «جعل رزقي تحت ظل رمحي» وقيل: قنعك وأغنى قلبك.
[(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)] ٩ - ١١ [
(فَلا تَقْهَرْ) فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه. وفي قراءة ابن مسعود: (فلا تكهر) وهو أن يعبس في وجهه. وفلان ذو كهرورة: عابس الوجه. ومنه الحديث: فبأبي وأمي هو، ما كهرني. النهر، والنهم: الزجر. عن النبي ﷺ: «إذا رددت السائل ثلاثًا فلم يرجع، فلا عليك أن تزبره». وقيل: أما إنه ليس بالسائل المستجدي،
_________________
(١) قوله: (وعديمًا)، أي: وقرئ: عديمًا، وفي "الموضح" أنها قراءة ابن مسعود. قوله: (فبأبي وأمي هو، ما كهرني)، الحديث من رواية مسلم وأبي داود والنسائي، عن معاوية بن الحكم السُّلمي، قال: "بينما أنا أصلي مع رسول الله؟، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أماه! ما شأنكم تنظرون؟ وجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني سكت. فلما صلى رسول الله؟، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، فقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيئ من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح والتكبير". قوله: (أن تزبره)، الجوهري: "الزبر: الزحر والمنع، يقال: زَبَره يزبُره بالضم: إذا انتهره". قوله: (أما إنه ليس بالسائل المستجدي)، أي: لم يرد بهذا السائل من يطلب الجدوى، أي: العطاء، ولكن أُريد به طالب العلم.
[ ١٦ / ٤٨٨ ]
ولكن طالب العلم: إذا جاء فلا تنهره. التحديث بنعمة الله: شكرها وإشاعتها، يريد: ما ذكره من نعمة الإيواء والهداية والإغناء وما عدا ذلك. وعن مجاهد: بالقرآن، فحدث: أقرئه، وبلغ ما أرسلت به. وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح يقول: رزقني الله البارحة خيرًا: قرأت كذا وصليت كذا، فإذا قيل له: يا أبا فراس مثلك يقول مثل هذا؟ قال: يقول الله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)] الضحى: ١١ [وأنتم تقولون: لا تحدث بنعمة الله. وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف، وأن يقتدي به غيره، وأمن على نفسه الفتنة. والستر أفضل، ولو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفى به. وفي قراءة على ﵁: (فخبر) والمعنى: أنك كنت يتيمًا، وضالًا وعائلًا، فآواك الله، وهداك: وأغناك؛ فمهما يكن من شيٍء وعلى ما خيلت فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث. واقتد بالله، فتعطف على اليتيم وآوه، فقد ذقت اليتم وهوانه، ورأيت كيف فعل الله بك؛ وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك، كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر؛ وحدّث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتديًا بالله في أن هداه من الضلال.
عن رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة "والضحى"، جعله الله فيمن يرضى لمحمٍد أن يشفع له، وعشر حسناٍت يكتبها الله له بعدد كل يتيٍم وسائٍل».
_________________
(١) قوله: (عن عبد الله بن غالب)، في "الكاشف في أسماء الرجال": "هو عبد الله بن غالب البصري الحُداني، بضم الحاء المهملة والنون، كان عابدًا واعظًا قانتًا متبتلًا، روى عن أبي سعيد الخدري ﵁، وروى عنه قتادة والقاسم بن فضل. قتل يوم الجماجم في سنة ثلاث وثمانين". قوله: (فمهمايكن من شيء)، يريد أن موقع "أما" مع مدخولها بعد قوله ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ
[ ١٦ / ٤٨٩ ]
_________________
(١) يَتِيمًا فَآوَى﴾، موقع الحكم الذي ترتب على الوصف المناسب، فيجب المداومة عليه، لأن معنى "أما" الشرطية على تفسير سيبويه، في نحو قولهم: أما زيد فذاهب، هو: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وفائدته التوكيد، يعني أنه لا محالة ذاهب، وأنه منه عزيمة، ولذلك قال: "وعلى ما خَيَّلت، أي: النفس، فلا تنس رحمة الله". وقيل: فاعل "ما خَيَّلت" الحال، أي: على أي حال كنت، يقولون: افعل على ما خَيَّلته، أي: ما شُبهت الحال. واعلم أن في كلامه إشعارًا بأن قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، جاء مقابلًا لقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، مقابلًا لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، لقوله: "وترحم على السائل كما رحمك ربك فأغناك". وأما قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فجيء على العموم، فدخل تحته مفهوم القرينة الثانية، وهو قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أول شيء، وإليه الإشارة بقوله: "وحدث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتديًا بالله في أن هداه من الضلال". وقلت: الظاهر أن المراد بالسائل طالب العلم لا المستجدي، ولذلك أتى بكلمة التنبيه وحرف الاستدراك في قوله: "أما إنه ليس بالسائل المستجدي، ولكن طالب العلم"؛ فالجمل الثلاث المصدرة بـ "أما"، كالتفصيل لتلك الحالات الثلاث على الترتيب، ولذلك أتى بالفاء في الأولى، وعطف الآخران عليها بالواو. نعم، الثالثة من الجوامع التي تشتمل على المذكورات وغير المذكورات. ويؤيد هذا التأويل، ما رواه الإمام عن الحسن أنه قال: "المراد من السائل من يسأل العلم، ونظيره من وجه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]، وحينئذ يحصل الترتيب،
[ ١٦ / ٤٩٠ ]
_________________
(١) لأنه تعالى قال أولًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، ثم اعتبر هذا الترتيب فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية من يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه". فإن قلت: ما الحكمة في تأخير حق الله عن حق اليتيم والسائل؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها كأنه يقول: أنا غني وهما محتاجان، وتقديم المحتاج أولى. وثانيها أنه وضع في حظهما الفعل ورضي لنفسه بالقول. وثالثها أن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله فختمت به. وأُوثر ﴿فَحَدِّثْ﴾ على "فخبِّر"، ليكون ذلك عنده حديثًا لا ينساه، ويوجده ساعة غب ساعة؛ قاله الإمام. تمت السورة * … * … *
[ ١٦ / ٤٩١ ]