مختلف فيها، وهي إحدى عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[(وَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)] ١ - ١١ [.
أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون
_________________
(١) سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ مدنية، وهي إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله: (والضبح: صوت أنفاسها)، الراغب: "قيل: الضَّبح: صوت أنفاس الفرس تشبيهًا بالضُّباح، وهو صوت الثعلب. وقيل: هو الخفيف العدو، وقد يقال ذلك للعدو. وقيل: الضبح كالضبع، وهو مد الضبعة في العدو، وشُبه عدوه به كتشبيهه بالنار في كثرة حركاتها". وع بعضهم: ضبح الخيل في عدوها: إذا سُمع من أفواهها صوت ليس بصهيل ولا حمحمة، يعني: أنهن يضبحن في المعركة عند الكر والفر.
[ ١٦ / ٥٤٦ ]
وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أح أح. قال عنترة:
والخيل تكدح حين تضـ … ـبح في حياض الموت ضبحا
وانتصاب ضبحًا على: يضبحن ضبحًا، أو بالعاديات، كأنه قيل: والضابحات؛ لأن الضبح يكون مع العدو، أو على الحال، أي: ضابحات. (فَالْمُورِياتِ) تورى نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها، (قَدْحًا) قادحات صاكات بحوافرها الحجارة. والقدح: الصك، والإيراء: إخراج النار؛ تقول: قدح فأورى، وقدح فأصلد، وانتصب قدحًا بما انتصب به ضبحًا. (فَالْمُغِيراتِ) تغير على العدو، (صُبْحًا) في وقت الصبح. (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا) فهيجن بذلك الوقت غبارًا. (فَوَسَطْنَ بِهِ) بذلك الوقت، أو بالنقع، أي: وسطن النقع الجمع. أو فوسطن ملتبسات به (جَمْعًا) من جموع الأعداء. ووسطه بمعنى توسطه. وقيل: الضمير لمكان الغارة، وقيل: للعدو الذي دلّ عليه (وَالْعادِياتِ) ويجوز أن يراد بالنقع: الصياح،
_________________
(١) قوله: (نار الحُباحب)، الجوهري: "الحُباحب: اسم رجل بخيل كان لا يوقد إلا نارًا ضعيفة مخافة الضيفان، فضربوا بها المثل حتى قالوا: نار الحُباحب لما تقدحه الخيل بحوافرها". قوله: (فأصلد)، الجوهري: "صَلَد الزَّند يَصلد - بالكسر - صُلودًا: إذا صوت ولم يُخرج نارًا، وأصلد الرجل، أي: صلد زنده". قوله: (وقيل: الضمير لمكان الغارة)، قال الفراء: "الضمير في ﴿بِهِي﴾ للمكان الذي انتهى إليه، والموضع الذي تقع فيه الإغارة، لأن في قوله ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، دليلًا على أن الإغارة لا بد لها من موضع". وقال الواحدي: "يقال: وسطت المكان، أي: صرت في وسطه، يعني: صرن بعدوهن وسط جمع العدو".
[ ١٦ / ٥٤٧ ]
من قوله ﵇: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، وقول لبيد:
فمتى ينقع صراخ صادق
أي: فهيجن في المغار عليهم صياحًا وجلبة. وقرأ أبو حيوه: (فأثرن) بالتشديد، بمعنى: فأظهرن به غبارًا؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار، أو قلب ثورن إلى وثرن، وقلب الواو همزة، وقرئ: (فوسطن) بالتشديد للتعدية، والباء مزيدة للتوكيد، كقوله: (وَأُتُوا بِهِ)] البقرة: ٢٥ [وهي مبالغة في وسطن
_________________
(١) قوله: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، وفي "الاستيعاب" قال: "بلغ عمر بن الخطاب، أن نسوة من نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة". النهاية: "وفي حديث عمر ﵁: ما عليهم أن يسفكن من دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقع ولا لقلقة، يعني: خالد بن الوليد. النَّقع: رفع الصوت، وقيل: شق الجيوب، وقيل: وضع التراب على الرأس من النقع: الغبار، وهو أولى؛ لأنه قرن به اللَّقلقة، وهي الصوت، فحمل اللفظين على المعنيين أولى من معنى واحد". قوله: (فمتى ينقع صراخ صادق)، وتمامه في "الصحاح": يُحلبوه ذات جرس وزجل "الحلبة: خيل تُجمع للسباق من كل أوب، ولا تخرج من إصطبل واحد، كما يقال للقوم إذا جاؤوا من كل أوب للنُّصرة: قد أحلبوا". قوله: (وقرئ: "فوسطن" بالتشديد)، قال ابن جني: "قرأها علي ﵁ وابن أبي ليلى وقتادة، أي: أثرن باليد نقعًا، ووسطن بالعدو جمعًا، فأضمر المصدر لدلالة اسم الفاعل،
[ ١٦ / ٥٤٨ ]
وعن ابن عباس: كنت جالسًا في الحجر فجاء رجل فسألني عن (الْعادِياتِ ضَبْحًا) ففسرتها بالخيل، فذهب إلى علىّ وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت، فقال: ادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد (الْعادِياتِ ضَبْحًا) الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى؛ فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والثفر للثورة وما أشبه ذلك. وقيل: الضبح لا يكون إلا للفرس والكلب والثعلب. وقيل: الضبح بمعنى الضبع، يقال: ضبحت الإبل وضبعت إذا مدت أضباعها في السير، وليس بثبت. وجمع: هو المزدلفة.
فإن قلت: علام عطف (فَأَثَرْنَ)؟
_________________
(١) ـ كما أُضمر لدلالة الفعل عليه في قوله: من كذب كان شرًا له، أي: كان الكذب شرًا له. فأما "وسطن" بالتشديد، فعلى معنى: ميزن به جمعًا، أي: جعلنه شطرين، "قسمين، شقين". قوله: (إن كانت لأول غزوة)، "إن" مخففة من الثقيلة، واسم "كانت" ضمير الآية، و"بدر" خبر مبتدأ محذوف، غير منصرف في الأصح كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ [يوسف: ٩٩]، للعلمية والتأنيث. قوله: (والثَّفر للثورة)، الجوهري: "الثَّفر للسباع وكل ذات مخلب، بمنزلة الحياء من الناقة، وربما استعير لغيرها، قال الأخطل: جزى الله عنا الأعورين ملامة وفروة ثفر الثورة المتضاجم نصب "ثفر الثورة" بدلًا من "فروة" وهو لقبه، وخفض "المتضاجم" وهو من صفى الثفر على الجوار، كقولك: جُحر ضب خرب". وهو من الأضجم، أي: مُعوج الفم.
[ ١٦ / ٥٤٩ ]
قلت: على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه؛ لأنّ المعنى: واللاتي عدون فأورين، فأغرن فأثرن. الكنود: الكفور، وكند النعمة كنودًا، ومنه سمي: كندة؛ لأنه كند أباه ففارقه. وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مضر وربيعة: الكفور، يعنى: أنه لنعمة ربه خصوصًا لشديد الكفران؛ لأن تفريطه في شكر نعمة غير الله تفريط قريب لمقاربة النعمة، لأن أجلّ ما أنعم به على الإنسان من مثله نعمة أبويه، ثم إن عظماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة. (عَلى ذلِكَ) على كنوده، (لَشَهِيدٌ) يشهد على نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره. وقيل: وإنّ الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد. (الْخَيْرِ) المال من قوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا)] البقرة: ١٨٠]
_________________
(١) ـ قوله: (على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه)، الانتصاف: "والحكمة في مجيئه فعلًا تصوير هذه الأفعال في النفس؛ فإن التصوير يحصل بإيراد الفعل بعد الاسم، لما بينهما من التخالف، وهو أبلغ من التصوير بالأسماء المتباينة، وكذلك التصوير بالمضارع بعد الماضي". وقلت: وحظ هذا المقام من الفائدة، أنها إنما وصفت بالأوصاف الثلاث، ليرتب عليها ما قُصد من الظفر بالفتح وغلبة العدو، فأوقع الفعلين الماضيين مُسببين عن أسماء الفاعلين، فأفاد أن تلك المداومة إنما حققت هاتين البُغيتين. قوله: (لأن تفريطه) تعليل لقوله: "إنه لنعمة ربه خصوصًا لشديد الكفران"، ومعنى الاختصاص مستفاد من تقديم معمول "لكنود" عليه، ومعنى الشدة من بناء "كنود" من "فعول"، وتصدر الجملة بإن واللام في الخبر. قوله: (تفريط قريب)، أي: غير مجاوز للحد، وقوله: "لمقاربة" تعليل لقوله: "قريب"؛ من قولهم: شيء مقارب ومؤام وأمم، أي: وسط بين الجيد والرديء. قوله: (﴿الْخَيْرِ﴾: المال)، الراغب: "الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع والشر ضده.
[ ١٦ / ٥٥٠ ]
والشديد: البخيل الممسك، يقال: فلان شديد ومتشدّد. قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى … عقيلة مال الفاحش المتشدد
_________________
(١) ـ وقيل: الخير ضربان: خير مطلق، وهو أن يكون مرغوبًا فيه بكل حال، وعند كل أحد، كما ورد في وصف الجنة: "لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة". وخير وشر مقيدان، وهو أن يكون خيرًا لواحد شرًا لآخر، كالمال ربما كان خيرًا لزيد وشرًا لعمرو، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، أي: مالًا، وقال في آخر: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال بعض العلماء: لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرًا ومن مكان طيب؛ روي أن عليًا ﵁ دخل على مولى له، فقال له: ألا أوصي؟ قال: لا، لأن الله تعالى قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، وليس لك مال كثير، وعلى هذا قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، أي: للمال الكثير. والاختيار طلب ما هو خير، وقد يقال لما يراه الإنسان خيرًا وإن لم يكن خيرًا. والمختار في عُرف المتكلمين، يقال لكل فعل يفعله الإنسان لا على سبيل الإكراه، فقولهم: هو مختار في كذا، فليس يريدون به ما يراد بقولهم: فلان له اختيار؛ فإن الاختيار أَخذ ما يراه الخير". قوله: (شديد ومُتشدد)، الراغب: "الشديد والمتشدد: البخيل، فالشديد يجوز أن يكون بمعنى مفعول كأنه شُد، كما يقال: غُل عن الأفضال، وإلى نحو هذا أشار بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤]. ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كالمتشدد، كأنه شد صُرَّتَه". قوله: (أرى الموت يعتام) البيت، يعتام: يختار، وعقيلة كل شيء أكرمه، والفاحش: البخيل الذي جاوز الحد في البخل. يقول: أرى الموت يختار كرام الناس، وكرائم الأموال التي يُضن بها.
[ ١٦ / ٥٥١ ]
يعني: وإنه لأجل حب المال، وأن إنفاقه يثقل عليه، لبخيل ممسك. أو أراد بالشديد: القوى، وأنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوى مطيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس. تقول: هو شديد لهذا الأمر، وقوىّ له: إذا كان مطيقًا له ضابطًا. أو أراد: أنه لحب الخيرات غير هش منبسط، ولكنه منقبض. (بُعْثِرَ) بعث. وقرئ: بحثر وبحث، وبحثر، وحصل على بنائهما للفاعل. وحصل: بالتخفيف. ومعنى (حُصِّلَ) جمع في الصحف، أي: أظهر محصلًا مجموعًا. وقيل: ميز بين خيره وشره، ومنه قيل للمنخل: المحصل. ومعنى علمه بهم يوم القيامة: مجازاته لهم على مقادير أعمالهم؛ لأنّ ذلك أثر خبره بهم. وقرأ أبو السمال: (إنّ ربهم بهم يومئذ خبير).
عن رسول الله ﵌: «من قرأ سورة "والعاديات"، أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعًا».
_________________
(١) ـ قوله: (ومعنى "حُصل" جُمع في الصحف، أي: مُحصلًا مجموعًا)، الراغب: "التحصيل: إخراج اللُّب من القشور، كإخراج الذهب من حجر المعدن، والبُّر من التبن، قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، أي: أُظهر ما فيها وجُمع، كإظهار اللُّب من القشر وجمعه، أو كإظهار الحاصل من الحساب. وحوصلة الطير: ما يحصل فيه الغذاء؟ . قوله: (ومعنى علمه بهم يوم القيامة)، قيل: فيه إشارة إلى أن قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾، وهو العامل في "إذا" ومفعولاه محذوفان، أي: أفلا يعلمهم عاملين ما عملوا إذا بُعثر؟ أي: أفلا يجازيهم إذا بعثر؟ أو يقول: أُجري العلم مجرى الفعل اللازم، أي: أفلا يكون له العلم في هذه الحال؟ أي: أفلا يجازيهم حينئذ؟ يعني: يُجازيهم؛ ثم حقق ذلك بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾.
[ ١٦ / ٥٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قال أبو البقاء: "العامل في ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾: "يعلم"، وقيل: العامل فيه ما دل عليه خبر "إن"، وهو "لخبير". والمعنى: إذا بُعثر جُوزوا". وقال صاحب "الكشف": "لا يجوز أن يعمل فيه "لخبير" بنفسه، لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبله". الجوهري: "يقال: من أين خبرت هذا الأمر؟ أي: من أين علمت؟ والاسم: الخُبر بالضم، وهو العلم بالشيء، والخبير: العالم". قال الإمام: "دلت هذه الآية على أنه تعالى عالم بالجزيئات الزمانيات وغيرها، لأنه تعالى نص على كونه عالمًا بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم، فكيف لا يكون منكره كافرًا؟ ". [تمت السورة] * … * … *
[ ١٦ / ٥٥٣ ]