مكية إحدى وستون، وقيل: ثنتان وستون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى * ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَاوَى * إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ ومَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ١ - ١٨].
النجم: الثريا، وهو اسم غالب لها. قال: إذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساءً.
_________________
(١) سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ مكية، وهي إحدى وستون آية، وقيل: ثنتان وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (إذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء)، قال ابن قتيبة الدينوري: الثريا: انتهاء الحمل، وجاءت مصغرًا، ولم يتكلم بها إلا كذلك، نحو حميًا الكأس، وأصلها من الثروة، وهي كثرة العدد، وطلوعها ليلة عشرة تخلو من آيار، وسقوطها
[ ١٥ / ٦٧ ]
أو جنس النجوم. قال:
فباتت تعد النجم في مستحيرة
يريد: النجوم.
_________________
(١) ليلة عشرة من تشرين، تظهر من أول الليل في المشرق عند ابتداء البرد، وإذا توسطت السماء مع غروب الشمس يكون غاية شدة البرد. قوله: (فباتت تعد النجم في مستحيرة)، تمامه: سريع بأيدي الآكلين جمودها أنشده الزجاج وقال: يصف قدرًا كثيرة الدسم، ومعنى تعد النجم، أي: من صفاء دسمها ترى النجوم فيه، والمستحيرة: القدر، فقال: يجمد على الأيدي الدسم من كثرته، واستشهد به الزجاج لصحة إطلاق النجم على النجوم. وقال ابن قتيبة: النجم في البيت الثريا، لأن الثريا في الشتاء تصير في كبد السماء، فترى حينئذ في الماء وفي المرآة، وفي كل شيء له صفاء، ويناسب هذا القول قوله: جمودها لأن الدسم يجمد في البرد. أوله: قريت الكلابي الذي يبتغي القرى وأمك إذ تحدي علينا قعودها أي: ضفت الكلابي وأمك.
[ ١٥ / ٦٨ ]
﴿إذَا هَوَى﴾ إذا غرب أو انتثر يوم القيامة، أو: النجم: الذي يرجم به، ﴿إذَا هَوَى﴾: إذا انقض. أو: النجم من نجوم القرآن، وقد نزل منجمًا في عشرين سنة، ﴿إذَا
_________________
(١) قوله: (﴿إذَا هَوَى﴾: إذا غرب وانتثر، وفي "المقتبس" قال الجنزي: فاوضت جار الله في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ما العامل في إذًا؟ فقال: العامل فيه: ما تعلق به الواو، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل؟ وهذا لأن معناه أقسم الآن، وليس معناه أقسم بعد هذا؟ فرجع فقال: والعامل فيه مصدر محذوف، تقديره: وهوي النجم إذا هوى. فعرضته على زين المشايخ فلم يستحسن قوله الثاني. والوجه: أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا احمر البسر، أي: وقت احمراره، فقد عري عن معنى الاستقبال، لأنه وقت الغنية عنه، بقوله: آتيك. قال عبد القاهر: إخبار الله بالمتوقع يقام مقام الإخبار بالواقع، إذا لا خلف فيه فحرى المستقبل مجرى المحقق الماضي. الراغب: قيل: أراد بالنجم الكوكب، وإنما خص الهوى دون الطلوع، فإن لفظ النجم دل على طلوعه، وقيل: أراد بذلك القرآن المنجم المنزل قدرًا فقدرًا، وفسر على الوجهين قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾.
[ ١٥ / ٦٩ ]
هَوَى﴾: إذا نزل. أو: النبات ﴿إذَا هَوَى﴾: إذا سقط على الأرض.
وعن عروة بن الزبير: أن عتبة بن أبي لهب
_________________
(١) وعن بعضهم: نبه بالطلوع والهوي على أنه مخلوق، والله خالقه، كما قال إبراهيم: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، أي: ذلك من أمارات الحدوث. وقلت: كأنه أقسم بذلك لما فيه من الدلالة على وجود محدثه. قوله: (وعن عروة بن الزبير أن عتبة بن أبي لهب) هذا الحديث موضوع، رواه بعض الشيعة، وأتى به محمد بن حماد المعروف بالدولابي في كتاب "الذرية الطاهرة"،
[ ١٥ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وذلك أن ابن عبد البر وابن الأثير صاحبي "الاستيعاب" و"جامع الأصول" ذكرا أن عتبة ابن أبي لهب أسلم هو وأخوه معتب يوم فتح مكة، كانا قد هربا، فبعث العباس فأتى بهما فأسلما، وسر رسول الله ﷺ ودعا لهما، وشهدا معه حنينًا والطائف. روى عن ابن عباس حديث المملوكين: "أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون".
[ ١٥ / ٧١ ]
وكانت تحته بنت رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى الشام، فقال: لآتين محمدًا فلأوذينه؛ فأتاه فقال: يا محمد، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل في وجه رسول الله ﷺ ورد عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك"، وكان أبو طالب حاضرًا، فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه، فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلًا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم؛ وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم، حتى ضرب عتبة فقتله. وقال حسان:
_________________
(١) وروي عن عتبة بن خراش، أخرجه الإمام الشافعي ﵁ في "مسنده". قوله: (فوجم لها) النهاية: وجم يجم وجومًا، والواجم: الذي أسكته الهم، وعلته الكآبة، والضمير في "لها" للكلمة أو الدعوة. قوله: (ما كان أغناك) "ما" للتعجب، و"كان" زائدة. قوله: (وقال حسان) ذكر هذا صاحب "الذرية الطاهرة" في كتابه، في ضمن
[ ١٥ / ٧٢ ]
من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ، والخطاب لقريش، وهو جواب القسم،
_________________
(١) أبيات، ونسبه إلى حسان: سائل بني الأشعر إن جئتهم ما كان أنباء أبي الواسع لا أوسع الله له قبره بل طبق الله على القاطع رحم الله نبر جده جده ويدعو إلى نور له ساطع أسبل بالحجر لتكذيبه دون قريش نهزة القادع واستوجب الدعوة منه بما بين للناظر والسامع أن سلط الله به كلبه يمشي هوينًا مشية الخادع حتى أتاه وسط أصحابه وقد علتهم سنة الهاجع والتقم الرأس بيافوخه والنحر منه فغرة الجائع استلموه وهو يدعو له بالسبب الأدنى وبالجامع والليث يعلوه بأنيابه منعفرًا وسط دم ناقع لا يرفع الرحمن مصروعكم ولا يوهن قوة الصارع وكان فيه لكم عبرة للسيد المتبوع والتابع من يرجع العام إلى رحله فما أكيل السبع بالراجع من عاد فالليث له عائد أعظم به من خبر شائع وأثر الصنعة ظاهر في هذه الأبيات.
[ ١٥ / ٧٣ ]
والضلال: نقيض الهدى، والغي: نقيض الرشد، أي: هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي، وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، وإنما هو وحي من عند الله يوحى إليه.
ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى.
_________________
(١) قوله: (والغي: نقيض الرشد) الراغب: الغي جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد لا صالحًا ولا فاسدًا، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا الثاني يقال له: غي. قوله: (ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء قال القاضي: واحتج بها من ال يرى الاجتهاد له، وأجيب عنه بأنه: إذا أوحي إليه بأن يجتهد، كان اجتهاده وما يسند إليه وحيًا، وفيه نظر؛ لأن ذلك حينئذ بالوحي. وقلت: هاهنا بحث لا بد منه، وهو أن هذه الآية واردة في أمر التنزيل، وليس فيها لمستدل أن يستدل بشيء من أمر الاجتهاد، لا نفيًا ولا إثباتًا، لأن الضمير في ﴿إِنْ هُوَ﴾ للقرآن؛ بدليل من فسر النجم بنجوم القرآن، وهي من الأيمان الحسنة، نحوه قوله: وثناياك إنها إغريض. وينصره قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ وفي الآيات معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ
[ ١٥ / ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٠ - ٢٧] فقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى﴾ جواب القسم، وقد تقرر أن الجملة القسمية يتلقى بها المنكر المصر، أي: ما ضل صاحبكم وما مسه الجن، ولا استهواه، وما غوى، وليس بينه وبين الغواية تعلق، أي: ليس بشاعر والشعراء يتبعهم الغاوون، وما ينطق عن الهوى كالكاهن، فقوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى﴾ كالتكملة للبيان، فكأنه قيل: ما هذا القرآن إلا وحي، ليس بقول مجنون، ولا بقول شاعر، ولا بقول كاهن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤١] فقال أولًا: ما ضل وما غوى ماضيين، ثم قفاه بقوله: ﴿ومَا يَنطِقُ﴾ مستقبله، إيذانًا بأنه صلوات الله عليه في صغره حين اعتزلكم وما تعبدون، ما ضل قط، وما غوى في كبيرة، حين اختلى بغار حراء، فكيف ينطق بالهوى الآن وهو رسول من عند الله أمين على خلقه رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا. وإلى هذا المعنى ينظر ما رويناه عن البخاري ومسلم عن ابن عباس عن أبي سفيان حين سأله هرقل وقال: سألتكم هل كنتم تتهمونه بالكذب، قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن: لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله. وقال جعفر بن محمد: كيف ينطق عن الهوى من هو ناطق بإظهار التوحيد، وإتمام الشريعة، وإيجاب الأمر والنهي، بل ما نطق إلا بأمر، ولا سكت إلا بأمر. فإذا تقرر أن الآية ساكنة عن حديث الاجتهاد، فلنبين ثبوته بالنصوص الواردة فيه: منها ما روينا عن الترمذي وأبي داود عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حرام فحرموه".
[ ١٥ / ٧٥ ]
﴿شَدِيدُ القُوَى﴾ ملك شديد قواه، والإضافة غير حقيقية، لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهو جبريل ﵇، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من
_________________
(١) وفي رواية: "وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله؛ ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه". وعن أحمد بن حنبل ومسلم وابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله، قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟ قالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر مع الأنثى، فقال رسول الله ﷺ: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: "إن كان ينفعهم فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به، فإني لا أكذب عليه"، وفي رواية أحمد: "إذا كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئًا من أمر دينكم فإلي". وفي رواية أخرى: "والظن يخطئ ويصيب"، والله أعلم قوله: (﴿شَدِيدُ القُوَى﴾ ملك شديد قواه) الراغب: قال تعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ يعني به جهل جبريل ﵇، ووصفه بالقوة عند ذي العرش، فأفرد اللفظ ونكره تنبيهًا على أنه إذا اعتبر بالملأ الأعلى فقوته إلى حد ما، وقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ فإنه وصف القوة بلفظ الجمع، وعرفها تعريف الجنس، تنبيهًا أنه إذا اعتبر بهذا العالم، وبالذين يعلمهم ويفيدهم هو كثير القوى عظيم القدرة.
[ ١٥ / ٧٦ ]
الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء ثم قلبها؛ وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين؛ وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف، ورأى إبليس يكلم عيسى ﵇ على بعض عقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند.
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو حصافة في عقله ورأيه، ومتانة في دينه، ﴿فَاسْتَوَى﴾ فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان ينزل
_________________
(١) قوله: (في أوحى من رجعة الطرف) أي: أسرع. قوله: (﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو حصافة في عقله)، الراغب: المرور: المضي والاجتياز بالشيء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] وأمررت الحبل: إذا فتلته، والمرير والممر: المفتول، ومنه فلان ذو مرة، كأنه محكم الفتل. وروي عن ابن عباس: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو منظر حسن، قال الطبري: هو الصواب، يعني صحة الجسم وسلامته من الآفات، وإذا كان كذلك، كان قويًا، ومنه الحديث: "ولا ذي مرة سوى". وعن سعيد بن المسيب: ذي حكمة، لأن كلام الحكماء متين. قوله: (﴿فَاسْتَوَى﴾ فاستقام على صورة نفسه الحقيقية)، عن بعضهم: استوى، أي: ارتفع إلى السماء بعد أن علمه. وعن الحسن: أن الأفق أفق المغرب.
[ ١٥ / ٧٧ ]
في صورة دحية، وذلك: أن رسول الله ﷺ أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق. وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد ﷺ مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء.
﴿ثُمَّ دَنَا﴾ من رسول الله ﷺ ﴿فَتَدَلَّى﴾ فتعلق عليه في الهواء، ومنه: تدلت الثمرة، ودلى رجليه من السرير، والدوالي: الثمر المعلق. قال:
تدلى عليها بين سب وخيطة
_________________
(١) قال أبو البقاء: ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ، ﴿بِالأُفُقِ﴾ خبره، والجملة حال من فاعل "استوى"، وقيل: هو معطوف على فاعل ﴿فَاسْتَوَى﴾، وهو ضعيف، إذ لو كان كذلك لقال: استوى هو، وعلى هذا يكون المعنى: فاستويا بالأفق، يعني محمدًا وجبريل صلوات الله عليهما. قوله: (ما رآه أحد من الأنبياء) الحديث من رواية الترمذي عن مسروق عن عائشة ﵄ في حديث من أخبر أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية، لكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد له ست مئة جناح قد سد الأفق. قوله: (﴿ثُمَّ دَنَا﴾ من رسول الله ﷺ ﴿فَتَدَلَّى﴾) فتعلق في الهواء، أي: جبريل على محمد صلوات الله عليهما، يعني أرد الدنو فتدلى. قوله: (تدلى عليها بين سب وخيطة) أنشد الجوهري، تمامه لأبي ذؤيب: بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
[ ١٥ / ٧٨ ]
ويقال: هو مثل القرلى، إن رأى خيرًا تدلى، وإن لم يره تولى.
﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ مقدار قوسين عربيتين: والقاب والقيب؛ والقاد والقيد، والقيس:
_________________
(١) والخيطة في الوتد. قال أبو عمرو: وهو حبل لطيف يتخد من السلب، وهو لحاء شجر يعمل منه الحبال، والسب: الحبل، في لغة هذيل، والوكف: النطع، والجرداء: الصخرة الملساء، يصف مشتار العسل، والضمير في عليها للعسل. قوله: (هو مثل القرلى) قرلى _بكسر القاف والراء المهملة_ ليس له ذكر في الأصول، وفي الحاشية: هو طائر يصيد السمك، وإحدى رجليه أطول. قوله: (مقدار قوسين عربيتين) وفي "التيسير": كانت عظماء العرب، إذا أرادوا تأكيد عهد وتوثيق عقد لا ينقض، أحضر المتعاقدان قوسيهما، فجمعا بينهما، وقبضا عليهما، ونزاعهما جميعًا ورميا عنهما سهمًا واحدًا، يشير بذلك إلى الاتحاد الكلي، وكان بعد ذلك رضا أحدهما رضا الآخر، وسخط أحدهما سخط الآخر، فكأنهما قالا: أكدنا المحبة وأبرمنا القربة.
[ ١٥ / ٧٩ ]
المقدار. وقرأ زيد بن علي: (قاد)، وقرئ: (قيد) و(قدر). وقد جاء التقدير بالقوس والرمح، والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع، ومنه: " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين".
وفي الحديث: "لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها"، والقد: السوط. ويقال: بينهما خطوات يسيرة. وقال:
وقد جعلتني من حزيمة أصبعا
_________________
(١) وفي "معالم التنزيل": قال مجاهد: معناه: حيث الوتر من القوس. وهي إشارة إلى تأكيد العرب، وأصله أن الحليفين كانا إذا أرادا عقد الصفاء أخرجا بقوسيهما وألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما صاحبه. قوله: (الفتر) الجوهري: الفتر ما بين طرفي السبابة والإبهام إذا فتحهما، قوله: (لقاب قوس أحدكم) روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة، واقرؤوا إن شئتم: ﴿وظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب". أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. قوله: (وقد جعلتني من حزيمة أصبعًا) أوله: فأدرك إبقاء العرادة ظلعها البيت لأبي الأسود، حزيمة _بالحاء المهملة وبفتحها وكسر الزاي_: اسم قبيلة،
[ ١٥ / ٨٠ ]
فإن قلت: كيف تقدير قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾؟
قلت: تقديره: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله:
وقد جعلتني من حزيمة أصبعا
أي: ذا مقدار مسافة أصبع.
﴿أَوْ أَدْنَى﴾ أي على تقديركم، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ إلى عبد الله، وإن لم يجر لا سمه ﷿ ذكر، لأنه لا يلبس؛ كقوله:
﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥].
﴿مَا أَوْحَى﴾ تفخيم للوحي الذي أوحي إليه: أوحي إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
_________________
(١) عرادة: اسم فرس، وظلع: وجع الرجل، ومعنى أبقاها: أن من عادة عتاق الخيل أن لا يعطي ما عنده من العدو، بل يبقي شيئًا منه بعد شيء، لوقت الحاجة إليه، ومفعول إبقاء محذوف، أي: ذخيرتها. يقول: أوصلتني عرادة إلى العدو الذي هو حزيمة، وبقي بيني وبينه قدر مسافة أصبع، عرض لما ادخرت من العدو الظلع، ففات مني وهرب. قوله: (قيل: أوحي إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها)، وروينا عن مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "آتي باب الجنة يوم القيامة فاستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك".
[ ١٥ / ٨١ ]
﴿مَا كَذَبَ﴾ فؤاد محمد ﷺ ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، أي: ما
_________________
(١) قوله: (﴿مَا كَذَبَ﴾ فؤاد محمد صلوات الله عليه ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇) واعلم أن السلف والخلف اختلفوا في أنه: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء أم لا؟ روينا عن مسلم والترمذي عن ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرتين، وفي رواية الترمذي قال: رأى محمد صلوات الله عليه ربه تعالى. قال عكرمة: قلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟ [الأنعام: ١٠٣] قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. وفي أخرى له: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى﴾؛ ﴿فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال ابن عباس: قد رآه النبي ﷺ. وفي أخرى له: ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قال: رآه بقلبه. وعن مسلم والترمذي عن عبد الله بن شقيق قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ كنت أسأله: هل رأيت ربك؟، قال أبو ذر: قد سألته فقال: "نور، أنى أراه؟ ! " وزاد الإمام أحمد بن حنبل: "نوراني أراه"، يعني: على طريق الإيجاب. وعن الترمذي عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعبًا بعرفة، فسأله عن شيء فكبر حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم، فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلوات الله عليهما، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين، قال مسروق: فدخلت على عائشة ﵂ فقلت: هل رأى محمد صلوات الله عليه ربه تعالى؟
[ ١٥ / ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فقالت: لقد تكلمت بشيء قف له شعري، قلت: رويدًا، ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾، فقالت: أين يذهب بك إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدًا رأى ربه، أو كتم شيئًا مما أمر به، أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، فقد أعظم الفرية. وعن البخاري عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب … الحديث. وفي "شرح صحيح مسلم" للإمام المتقن أفضل المتأخرين، محيي الدين النواوي ﵀: "قال القاضي عياض: اختلف السلف والخلف: هل رأى نبينا صلوات الله عليه ربه ليلة الإسراء؟ فأنكرته عائشة، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين، وروي عن ابن عباس أنه رأى بعينه، ومثله عن أبي ذر وكعب والحسن، وكان يحلف على ذلك، وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل. وحكى أصحاب المقالات عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه أنه رآه، ووقف بعض مشايخنا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز. ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة، واختلفوا أن نبينا صلوات الله عليه هل كلم ربه ﷾ ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمه، وعزى بعضهم إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس، وكذلك اختلفوا في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾، فالأكثرون على أن هذا الدنو والتدلي مقسم ما بين جبريل والنبي ﷺ، وعن ابن عباس والحسن ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من النبي ﷺ إلى ربه، أو من الله تعالى، والدنو والتدلي على هذا متأول، ليس على وجهه. قال جعفر بن محمد: الدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود، فدنوه صلوات الله عليه وسلامه من ربه ﷿ قربه منه، وظهور عظيم منزلته لديه، وإشراق أنوار معرفته
[ ١٥ / ٨٣ ]
_________________
(١) ـ عليه واطلاعه على أسرار ملكوته وغيبه، بما لم يطلع عليه سواه، والدنو من الله تعالى إظهار ذلك واتصال عظيم بره وفضله إليه، و﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا صلوات الله عليه وسلامه، ومن الله إجابة الرغبة وإبانة المنزلة، ونحوه في قوله صلوات الله عليه حكاية عن ربه: "من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا". هذا آخر كلام عياض. وأما صاحب "التحرير" فإنه اختار إثبات الرؤية، قال: والحجج في هذه المسألة، وإن كانت كثيرة، لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى، منها: حديث ابن عباس: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله عليهم! والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة، والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة: هل رأى محمد صلوات الله عليه ربه؟ فأخبره أنه رآه، ولا يقدح في هذا حديث عائشة، لأن عائشة ﵂ لم تخبر أنها سمعت من النبي ﷺ يقول: "لم أر ربي"، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٥١] الآية، ولقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم، لم يكن قوله حجة، وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسماع، ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه بالظن والاجتهاد. وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. في هذا كلام صاحب "التحرير".
[ ١٥ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقال الشيخ محيي الدين ﵀: "الحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء، وإثبات هذا ليس إلا بالسماع من رسول الله ﷺ، هذا مما لا ينبغي أن يشكك فيه، ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث، ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات. أما احتجاجها بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ فجوابه أن الإدراك هو الإحاطة، والله تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، وبقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية، فجوابه أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، أو أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة. وقال ابن عباس: وعلى هذا معنى ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾، تعود إلى النبي ﷺ، فقد كانت له عرجات في تلك الليلة لاستحطاط عدد الصلوات، وكل عرجة: نزلة" تم كلامه. وفي "التفسير الكبير": واعلم أن من ينكر جواز رؤية الله يلزمه أن ينكر رؤية جبريل، وفيه إنكار الرسالة، وهو كفر. ثم إن النصوص وردت أن محمدًا صلوات الله عليه رأى ربه بفؤاده، وجعل بصره في فؤاده، أو رآه ببصره وجعل فؤاده في بصره، وكيف لا؟ ومذهب أهل السنة: الرؤية بالإراءة، لا بقدر العبد، فإذا حصل من طريق القلب كان معرفة الله، والله تعالى قادر على أن يحصل العلم بخلق مدرك للعلوم في البصر، كما قدر أن يحصله بخلق مدرك للعلوم في القلب. والمسألة مختلف فيها بين الصحابة، واختلاف الوقوع مما ينبئ عن الاتفاق على الجواز، والله أعلم.
[ ١٥ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وأما اقتضاء النظم فإن مجرى الكلام إلى قوله: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾، من أمر الوحي، وتلقيه من الملك، ودفع شبه الخصوم، ومن قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ على أمر العروج إلى الجناب الأقدس، والضمير في: ﴿أَوْحَى﴾ لله تعالى، و﴿عَبْدِهِ﴾ من إقامة المظهر موضع المضمر، لتصحيح نسبة القرب، وتحقيق معنى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]. ولا يخفى على كل ذي لب إباء مقام ﴿مَا أَوْحَى﴾ الحمل على أن جبريل أوحى إلى عبد الله ما أوحى، إذ لا يذوق منه أرباب القلوب إلا معنى المناغاة بين المتسارين، وما ينطوي عنده بساط الوهم، ولا يطيقه نطاق الفهم كله، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ على هذا منزلة على التراخي بين المرتبتين، والفرق بين الوحيين؛ وحي بواسطة وتعليم، وآخر بغير واسطة لجهة التكريم، فيحصل عنده الترقي من مقام ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] إلى مخدع ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. وروى السلمي عن جعفر بن محمد: أدناه منه حتى كان منه كقاب قوسين، والدنو من الله لا حد له، والدنو من العبد بالحدود، ﴿فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: بلا واسطة فيما بينه وبينه، سرًا إلى قلبه لا يعلم به أحد سواه، بلا واسطة إلا في العقبى حتى يعطيه الشفاعة لأمته. ﴿فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أي كان ما كان وجرى ما جرى. وذكر الشيخ أبو القاسم القشيري في "مفاتيح الحجج": أخبر الله تعالى بقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أنه صلوات الله عليه بلغ من الرتبة والمنزلة القدر الأعلى مما لا يفهمه الخلق، ثم قال: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾، أي: فوق ذلك. قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس الله سره: ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ﴾ إخبار عن حاله صلوات الله عليه بوصف خاص، فكان ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ﴾ حاله في طرف
[ ١٥ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الإعراض، وفي طرف الإقبال تلقى ما ورد عليه في مقام قاب قوسين بالروح والقلب، ﴿ومَا طَغَى﴾ حاله من الفرار من حياء إلى مطاوي الانكسار لئلا تنبسط النفس فيطغى، وقال: فيه وجه آخر ألطف منه: أنه ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ﴾ حيث لم يتخلف عن البصيرة ولم يتقاصر، و"ما طغى" لم يسبق البصيرة فيتجاوز حده، ويتعدى مقامه، فلم يزل صلوات الله عليه مستحلس حجاله، في خفارة أدب حاله، حتى خرق حجب السماوات فانصبت إليه أقسام القرب انصبابًا، وانقشعت عنه حجب الحجب حجابًا حجابًا، حتى استقام على صراط ﴿مَا زَاغَ البَصَرُ ومَا طَغَى﴾، فمر كالبرق الخاطف، إلى مخدع الوصل واللطائف، وهذا غاية الأدب، ونهاية الأرب. وقال أبو العباس بن عطاء: لم يره بطغيان يميل، بل رآه على شرط اعتدال القوى. وقال سهل بن عبد الله التستري: لم يرجع رسول الله ﷺ إلى شاهد نفسه، ولا إلى مشاهدتها، وإنما كان مشاهدًا بكليته لربه، يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل. وعن "حقائق": السلمي، قال الصادق: لما قرب الحبيب من الحبيب بغاية القرب، نالته غاية الهيبة، فلاطفه بغاية اللطف، لأنه لا يحتمل غاية الهيبة إلا غاية اللطف، وذلك قوله: ﴿فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أي: كان ما كان، وجرى ما جرى، قال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب لحبيبه، وألطف له إلطاف الحبيب لحبيبه، وأسر إليه ما يسر الحبيب إلى حبيبه، فأخفيا ولم يطلعا على سرهما أحدًا. وقال جعفر: لا يعلم ما رأى إلا الذي رأى، والذي رئي صار الحبيب إلى الحبيب قريبًا وله نجيًا وبه أنيسًا، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾.
[ ١٥ / ٨٧ ]
قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبًا، لأنه عرفه، يعني: أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه، ولم يشك في أن ما رآه حق، وقرئ: (ما كذب) أي صدقه ولم يشك أنه جبريل ﵇ بصورته.
﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ من المراء وهو الملاحاة والمجادلة، واشتقاقه من مري الناقة، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، وقرئ: (أفتمرونه) أفتغلبونه في المراء، من ماريته فمريته. ولما فيه من معنى الغلبة عدي ب"على"، كما تقول: غلبته على كذا: وقيل: (أفتمرونه): أفتجحدونه. وأنشدوا:
لئن هجرت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا
_________________
(١) وقال السلمي: ﴿مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: البصر، وهو مشاهدة ربه كفاحًا ببصره وقلبه. وقال ابن عطاء: ما اعتقد القلب خلاف ما رأته العين، وليس كل من رأى شيئًا مكن فؤاده من إدراكه، إذ العيان قد يظهر فيضطرب السر عن حمل الوارد عليه، والرسول ﷺ محمول فيها فؤاده وعقله وحسه ونظره، وهذا يدل على صدق طويته وحمله فيما شوهد به. قوله: (وقرئ: "ما كذب") قرأها هشام، والباقون: بتخفيفها. قوله: (من مري الناقة) مريت الناقة مريًا: إذا مسحت ضرعها لتدر، وأمرت الناقة، إذا: در لبنها. قوله: (وقرئ: ("أفتمرونه") حمزة والكسائي، والباقون: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾. قوله: (لئن هجرت أخا صدق) البيت، يقول: لئن هجرتني، وأنا ذو صدق ومكرمة، لقد جحدت حق أخ وفي ما كان يجحد حقك.؟
[ ١٥ / ٨٨ ]
وقالوا: يقال: مريته حقه: إذا جحدته، وتعديته ب"على" لا تصح إلا على مذهب التضمين.
﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى من النزول، نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة، لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها، أي نزل عليه جبريل ﵇ نزلة أخرى في صورة نفسه، فرآه عليها، وذلك ليلة المعراج.
قيل في سدرة المنتهى: هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في كتابه، يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها. والمنتهى: بمعنى موضع الانتهاء، أو الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة وآخرها. وقيل: لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء.
﴿جَنَّةُ المَاوَى﴾: الجنة التي يصير إليها المتقون، عن الحسن. وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء.
_________________
(١) قوله: (فكانت في حكمها) أي: فكانت النزلة في حكم المرء، الفاء نتيجة التعليل، لتفسير ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ بـ"مرة أخرى". قال أبو البقاء: المرة في الأصل: مصدر: مر يمر، ثم استعمل ظرفًا اتساعًا، وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل. قوله: (ثمرها كقلال هجر) في حديث المعراج عن البخاري ومسلم والنسائي عن أنس: "ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشاها من أمر الله ما غشى، تغيرت، فما أحد يستطيع أن ينعتها من حسنها".
[ ١٥ / ٨٩ ]
وقرأ علي وابن الزبير وجماعة (جنة المأوى)، أي: ستره بظلاله ودخل فيه. وعن عائشة: أنها أنكرته وقالت: من قرأ به فأجنه الله.
﴿مَا يَغْشَى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله: أشياء لا يكتنهها النعت ولا يحيط بها الوصف.
وقد قيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها. وعن رسول الله ﷺ: "رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله". وعنه ﵊: "يغشاها رفرف من طير خضر". وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش من ذهب.
_________________
(١) قوله: (جنة المأوى"، أي: سترة بظلاله، ودخل فيه)، يعني: رسول الله ﷺ، سترة المأوى ودخل هو فيه، قال أبو البقاء: ويقرأ: "جنة" على أنه فعل، وهو شاذ، والمستعمل: أجنة. وقلت: ولهذا قالت أم المؤمنين: من قرأ به فأجنه الله تعالى، أي جعله مجنونًا، أو جعله في الجنن، أي: القبر، تقول العرب: أجن الله جبلتك، وأجنه الله، فهو مجنون، من الشواذ. قوله:: (رفرف)، النهاية: الرفرف: البساط، وقيل: ما كان من الديباج وغيره رقيقًا حسن الصنعة، ثم اتسع فيه. قوله: (يغشاها فراش من ذهب) عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها، قال: ويغشى السدرة ما يغشى، قال: فراش من ذهب، أخرجه مسلم والترمذي والنسائي. قوله: (يغشاها فراش من ذهب) عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وإليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض منها، قال: ويغشى السدرة ما يغشى، قال: فراش من ذهب، أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
[ ١٥ / ٩٠ ]
﴿مَا زَاغَ﴾ بصر رسول الله ﷺ ﴿ومَا طَغَى﴾ أي أثبت ما رأى إثباتًا مستيقنًا صحيحًا، من غير أن يزيغ بصره عنه أو يتجاوزه، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها، ﴿ومَا طَغَى﴾: وما جاوز ما أمر برؤيته.
﴿لَقَدْ رَأَى﴾ والله لقد رأى ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ الآيات التي هي كبراها وعظماها، يعني: حين رقي به إلى السماء فأري عجائب الملكوت.
[﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى * ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ ومَا تَهْوَى الأَنفُسُ ولَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى﴾ ١٩ - ٢٣].
اللات والعزى ومناة: أصنام كانت لهم، وهي مؤنثات؛ فاللات كانت لثقيف
_________________
(١) قوله: (رأى ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾، الآيات التي كبراها)، قال أبو البقاء: ﴿الكُبْرَى﴾ هي مفعول ﴿رَأَى﴾، وقيل: هو نعت لـ ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾، والمفعول محذوف، أي: شيئًا من آيات ربه الكبرى. الانتصاف: ﴿الكُبْرَى﴾ صفة لـ ﴿آيَاتِ رَبِّهِ﴾ لا مفعول به، ويكون المرئي محذوفًا تعظيمًا له، ولأن في الآيات ما لم يره، وفيها ما رآه، وعلى الأول يكون مقتضاه أنه رأى الآيات الكبرى كلها على الشمول، فإن آيات الله لا يحيط بها أحد. فإن قلت: علم أريد به الخصوص، قلت: فقد رجع إلى الأول بعد تكلف. الإنصاف: ويجوز أن تكون ﴿الكُبْرَى﴾ مفردًا مفعولًا وجعل الإسراء وما رأى فيه من العجائب كالشيء الواحد، فلا يرد عليه سؤال صاحب "الانتصاف"، وعلى هذا أول الزمخشري قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ الآية الكبرى من آياتنا. قوله: (اللات والعزى ومناة: أصنام)، قال الزجاج: فلما قص هذه الأقاصيص،
[ ١٥ / ٩١ ]
بالطائف. وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعله من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة. أو يلتوون عليها: أي يطوفون. وقرئ (اللات) بالتشديد، وزعموا أنه سمي برجل كان يلت عده السمن بالزيت ويطعمه الحاج. وعن مجاهد:
كان رجل يلت السويق بالطائف، وكانوا يعكفون على قبره، فجعلوه وثنًا.
_________________
(١) قيل لهم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى﴾ أي: اخبرنا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء؟ ! قلت: ونظير الآيات في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] إذ المعنى: أفالله الذي هو قائم رقيب على كل نفس صالحة وطالحة بما كسبتن يعلم خيره وشره، كمن ليس كذلك! ! أو لم يوحدوه وجعلوا له شركاء!؟ إلى قوله: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول، من غير أن يكون لذلك حقيقة، وهو معنى قوله: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ ويمكن أن يقال: إنه تعالى لما رد طعن المشركين في النبي ﷺ بقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى﴾ وفي ما أنزل إليه بقوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى﴾ وقرر المعنى الثاني بقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ إلى آخرها، حتى بلغ به الغاية القصوى، أخذ يبين ضلالتهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى﴾ إلى آخر الآيات، ووبخهم على غوايتهم، حيث جعلوا لله شركاء إناثًا، وسموها بأسامي لا حقيقة لها، أي: هذه الضلالة والغواية التي بلغت غايتها، ولذلك التفت من المخاطبة ناعيًا عليهم إلى الغيبة على الضلالة بعد مجيء الآيات البينات بقوله: ﴿إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ ومَا تَهْوَى الأَنفُسُ ولَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى﴾. والظاهر أن الواو للحال، وقد دخلت على الجملة القسمية مقررة لجهة الإشكال، ولهذا قال الواحدي: هذا التعجب من حالهم، حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان، والله أعلم.
[ ١٥ / ٩٢ ]
و"العزى" كانت لغطفان وهي سمرة، وأصلها تأنيث الأعز. وبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها، داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله أهانك
ورجع فأخبر رسول الله ﷺ فقال ﵊: " تلك العزى ولن تعبد أبدًا".
ومناة: صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وعن ابن عباس ﵄: لثقيف. وقرئ: (ومناءة) وكأنها سميت مناة؛ لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي: تراق، ومناءة، مفعلة من النوء، كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها.
و﴿الأُخْرَى﴾ ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩] أي: وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم.
_________________
(١) قوله: (و﴿الأُخْرَى﴾ ذم وهي) إلى آخره، الانتصاف: "أخرى": تأنيث "آخر"؛ أفعل، ولا شك أنه في الأصل من التأخر الوجودي، إلا أن العرب عدلت به عن التأخر الوجودي، إلى استعماله حيث يذكر مغايرًا لما تقدم لا غير، وسلبت دلالتها عن المعنى الأصلي، بخلاف آخر وآخرة، فإشعارهما بالتقدم الوجودي ثابت، ومن ثم قالوا: ربيع الآخر، جمادة الآخرة، بكسر الخاء ليدل على التأخير الوجودي، وهذا البحث حرره ابن الحاجب، وهو الحق، فحينئذ يكون الإشعار يتغاير في الذكر مع مراعاة الفواصل. الإنصاف: إنما حمل الزمخشري على القول الأول قوله إنه رأى "أخرى" إذا كانت تأنيث "آخر" _بفتح الخاء_ يستدعي مشاركة "ما"، فجعلت قرينة لها في الوصف المذكور لما سبقه، وها هنا مناة ثالثة، وليست اللات والعزى موصوفين بكون كل واحد منهما ثالثة، فامتنع أن يقال الأخرى بهذا المعنى، فلذلك عدل الزمخشري.
[ ١٥ / ٩٣ ]
ويجوز أن تكون الأولية والتقديم عندهم للات والعزى. كانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدوهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى مع وأدهم البنات، فقيل لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنثَى﴾، ويجوز أن يراد: أن اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث، وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادًا لله وتسمونهن آلهه؟ ! ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ جائزة، من ضازه يضيزه إذا ضامه، والأصل: ضوزى، ففعل بها ما فعل بـ"بيض"؛ لتسلم الياء
_________________
(١) والظاهر أن صاحب "الانتصاف" لم يفهم عنه هذا المعنى، وقد كشف عن المعنى القاضي حيث قال: ﴿الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾: صفتان للتوكيد، كقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، أو ﴿الأُخْرَى﴾ من التأخر في الرتبة. وذلك أنه لما عطف عليهما، علم أنها ثالثتهما، فجيء بالثالثة توكيدًا، فالأخرى؛ إما توكيد مثلها، أو تجعل بمعنى أخرى من التأخر الوجودي، فتصير حينئذ مثل "ثم" في أن يذهب بها إلى التراخي بحسب الزمان حقيقة، أو المرتبة مجازًا، فقول المصنف: "والأخرى ذم" من القبيل الثاني، وقوله: "الأولية والتقدم عندهم للات" من القبيل الأول. قوله: (ويجوز أن يراد أن)، الفرق بين هذا الوجه وما سبق، أن الإنكار على الأول زاد عن قولهم: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، مع استنكافهم عن البنات، فأنكر عليهم قولهم حال استنكافهم، ألا ترى كيف أوقع قوله: "مع وأدهم البنات" حالًا من فاعل "يقولون"؟ ! وعلى الثاني: الإنكار وارد على فعلهم، فإنهم لما عبدوها وهي إناث جعلوها شركاء لله تعالى في العبادة، فأنكر عليهم ذلك الفعل، ولذلك قال: "جعلتموهن لله شركاء … " إلى آخره. قوله: (والأصل: ضوزى، ففعل بها ما فعل بـ"بيض")، الجوهري: هو فعلى مثل: طوبى وحبلى، وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء، لأنه ليس في كلام العرب فعلى صفة، وإنما
[ ١٥ / ٩٤ ]
وقرئ: (ضئزى) من: ضأزه، بالهمز. و(ضيزى) بفتح الضاد. ﴿هِيَ﴾ ضمير الأصنام، أي ما هي ﴿إِلاَّ أَسْمَاءٌ﴾ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشده منافاة لها. ونحوه قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠] أو ضمير الأسماء وهي قولهم: اللات والعزى ومناة، وهم يقصدون بها أسماء الآلهة، يعني: ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها
_________________
(١) هو من بناء الأسماء كالشعرى والدلفى. وجمع الأبيض بيض، وأصله بيض _بضم الباء_، وإنما أبدلوا من الضمة كسرة ليصح البناء. قال الزجاج: أجمعوا أن أصل ضيزى، ضوزى، نقلت من "فعلى" إلى "فعلى"، كأبيض إلى بيض وأصله بوض، كأحمر وحمر، فنقلت الضمة إلى الكسرة وهم لا يعرفون في الكلام فعلى صفة، بل فعلى بالفتح نحو سكرى وعصبى، وبالضم؛ نحو: حبلى وفضلى، ولذلك قالوا: مشية حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها: أي يتبختر، فحيكى عندهم: فعلى بضم الفاء بضم الفاء أيضًا. قوله: (وقرئي: "ضئزى" من: ضأزة، بالهمز) ابن كثير: ضئزى بالهمز، والباقون بغير همز. قوله: (يعني: ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها) وقال أبو البقاء: يجب أن يكون المعنى: ذوات أسماء، لقوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾، لأن لفظ الاسم لا يسمى. والمصنف ذهب إلى أن هذه التسمية تسمية ليس لها مسميات يستحق أن يسمى بها، لأن الإله ينبغي أن يكون
[ ١٥ / ٩٥ ]
بهواكم وشهوتكم، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتعلقون به. ومعنى ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ سميتم بها، يقال: سميته زيدًا، وسميته بزيد. ﴿إن يَتَّبِعُونَ﴾ -وقرئ بالتاء- ﴿إلاَّ الظَّنَّ﴾ إلا توهم أن ما هم عليه حق، وأن آلهتهم شفعاؤهم، وما تشتهيه أنفسهم، ويتركون ما جاءهم من الهدى والدليل على أن دينهم باطل.
[﴿أَمْ لِلإنسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولَى﴾ ٢٤ - ٢٥].
﴿أَمْ لِلإنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: ليس للإنسان ما تمنى، والمراد طمعهم في شفاعة الآلهة، وهو تمن على الله في غاية البعد، وقيل: هو قولهم: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠] وقيل: هو قول الوليد بن المغيرة ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي ﷺ.
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولَى﴾ أي هو مالكها، فهو يعطي منهما من يشاء ويمنع من يشاء، وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما.
[﴿وكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ ويَرْضَى﴾ ٢٦].
_________________
(١) خالقًا رازقًا عالمًا مثيبًا ومعاقبًا، وإليه الإشارة بقوله: "سميتموها بهواكم وشهوتكم". وفي "الكبير": وقيل: أي قلتم عزى ولا عزة لها، وقلتم: إنها آلهة، وليست بآلهة. قوله: (والدليل على أن دينهم باطل) عطف تفسيري على الهدى، وإنما جعله دليلًا وسلطانًا على بطلان دينهم لأنه مجلوب لقوله: ﴿مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]. أي: ما لهم من دليل قط، ما يتبعون إلا شهوات الأنفس، والحال أن جاءهم دليل قاطع وسلطان قاهر على بطلان ما هو عليه، فيكون قوله: ﴿ولَقَدْ جَاءَهُم﴾ حالًا مقررة لجهة الإشكال.
[ ١٥ / ٩٦ ]
يعني: أن أمر الشفاعة ضيق، وذلك أن الملائكة مع قربتهم وزلفاهم وكثرتهم واغتصاص السموات بجموعهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئًا قط ولم تنفع، إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلًا لأن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم؟ !
[﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنثَى * ومَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا * فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ولَمْ يُرِدْ إلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ ٢٧ - ٣٠].
﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ أي كل واحد منهم ﴿تَسْمِيَةَ الأُنثَى﴾ لنهم إذا قالوا: الملائكة بنات الله، فقد سموا كل واحد منهم بنتًا، وهي تسمية الأنثى ﴿بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بذلك وبما يقولون. وفي قراءة أبي: (بها)، أي: بالملائكة، أو التسمية. ﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ يعني: إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن، لا بالظن والتوهم. ﴿فَأَعْرِضْ﴾ عن دعوة من رأيته معرضًا عن ذكر الله وعن الآخرة ولم يرد إلا الدنيا، ولا تتهالك على إسلامه، ثم قال: ﴿إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ أي: إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، وأنت لا تعلم، فخفض على نفسك ولا تتعبها، فإنك لا تهدي من أحببت، وما عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ﴾ اعتراض، أو فأعرض عنه ولا تقابله، إن ربك هو أعلم بالضال والمهتدي، وهو مجازيهما بما يستحقان من الجزاء.
_________________
(١) قوله: (إنما يدرك الحق) قال القاضي: الحق الذي هو حقيقة الشيء؛ لا يدرك إلا بالعلم، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها.
[ ١٥ / ٩٧ ]
[﴿ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وإذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ٣١ - ٣٢].
قرئ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ و(لنجزي)، بالياء والنون فيهما. ومعناه: أن الله ﷿ إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت لهذا الغرض: وهو أن يجازي المحسن من المكلفين والمسيء منهم. ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ لأن نتيجة العلم بالضال والمهتدي جزاؤهما. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ بعقاب ما
_________________
(١) قوله: (قرئ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾، و"لنجزي") والمشهورة: "يجزي" بالياء فيهما. قوله: (ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾): أي ﴿لِيَجْزِيَ﴾ إما تعليل لقوله: ﴿ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ﴾ وإما لقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ المعنى: أن قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ و﴿بِمَنِ اهْتَدَى﴾، ليجزي كل واحد منهما بما يستحقه، فيكون قوله: ﴿ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ﴾ على هذا معترضة، توكيدًا لما تضمن الكلام من معنى القدرة والمنعة، يعني هو عالم كامل العلم، قادر تام القدرة، يعلم أحوال المكلفين فيجازيهم، لا يمنعه أحد مما يريده، لأن كل شيء تحت قهره وسلطانه. قال الواحدي: "لله ملك السموات والأرض": إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو معترض، أي: إذا كان أعلم بهم جازى كلًا بما يستحقه، وإنما يقدر على المجازاة إذا كان كثير الملك. تم كلامه. وكان هذا من توارد الخاطر، وعلى الأول متصل بقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ولَمْ يُرِدْ إلاَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: فأعرض عن دعوة من تدعوه إلى لقاء ربه والدار الآخرة وهو
[ ١٥ / ٩٨ ]
عملوا من السوء. و﴿بِالحُسْنَى﴾ بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. أو بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى.
﴿كَبَائِرَ الإثْمِ﴾ أي الكبائر من الإثم؛ لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر، والكبائر: الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة. وقيل: التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها، ﴿والْفَوَاحِشَ﴾ ما فحش من الكبائر، كأنه قال: والفواحش منها خاصة: وقرئ: (كبير الإثم) أي: النوع الكبير منه، وقيل: هو الشرك بالله. واللمم: ما قل وصغر. ومنه: اللمم: المس من الجنون، واللوثة منه. وألم بالمكان: إذا قل فيه لبثه. وألم بالطعام: قل منه أكله: ومنه:
لقاء أخلاء الصفاء لمام
_________________
(١) يقول: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، والحال أن الله ﷾ إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت ليجزي المحسن والمسيء، ويكون قوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ العِلْمِ﴾ تعريضًا بهم، وبظنهم الباطل أنهم يتركون سدى، ويزعمون أن السماوات والأرض وما بينهما خلق عبثًا، وقوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ الآية، على هذا اعتراض وتوكيد للتهديد والوعيد. قوله: (لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر) إلى آخره، الانتصاف: أطال الزمخشري الكلام في هذه الآية على معتقدين فاسدين؛ أحدهما وجوب تعذيب مرتكب الكبيرة إن لم يتب، والثاني: وجوب تكفير صغائر مجتنب الكبائر مع عدم التوبة، وله أن يعذب بالصغائر مع اجتناب الكبائر وليس في الآية ما يخالف ذلك فلا حاجة إلى الإطالة. قوله: (كأنه قال: والفواحش منها خاصة) يريد أنه من أسلوب قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ … وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. قوله: (لقاء أخلاء الصفاء لمام) تمامه: وكل وصال الغانيات ذمام
[ ١٥ / ٩٩ ]
والمراد الصغائر من الذنوب. ولا يخلو قوله تعالى: ﴿إلاَّ اللَّمَمَ﴾ من أن يكون استثناء منقطعًا أو صفة، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأنبياء: ٢٢] كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم، وآلهة غير الله.
وعن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة، والغمزة، والقبلة. وعن السدي: الخطرة من الذنب، وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدًا ولا عذابًا. وعن عطاء: عادة النفس، الحين بعد الحين.
_________________
(١) وفي "ديوان الأدب": فلان يزورنا لمامًا، أي: في الأحايين. الجوهري: يقال: بئر ذمة، قليلة الماء وجمعها: ذمام. قوله: (أو صفة كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾) قيل: فيه نظر، لأن ﴿كَبَائِرَ الإثْمِ﴾ معرفة، و"غير اللمم" نكرة، اللهم إلا أن يحمل على الجنس نحو قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وإذا حمل الصفة يكون مثل قول الشاعر: . إلا الفرقدان لأن ﴿كَبَائِرَ الإثْمِ﴾ ليس جمعًا منكورًا. قوله: (عادة النفس الحين) وفي "التيسير": وقيل: اللمم أن لا يصر على ما ارتكبه، بل يبادر بالتوبة عنه، من قولهم: ما يأتينا فلان إلا لمامًا: أي زيارة لا لبث معها، يعني في الحين، أي لا يدوم عليه ولا يعتاده. وروينا عن الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "إن تغفر اللهم تغفر جمًا،،أي عبد لك لا ألما".
[ ١٥ / ١٠٠ ]
﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة.
﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ فلا تنسبوها إلى زكاء العمل، وزيادة الخير، وعمل الطاعات، أو إلى الزكاء والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وآخرا، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم.
وقيل: كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت، وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به التمدح، لم يكن من المزكين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر.
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وأَعْطَى قَلِيلًا وأَكْدَى * أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وإبْرَاهِيمَ الَّذِي وفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى * وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى * وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى * وأَنَّ إلَى رَبِّكَ المُنتَهَى * وأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكَى * وأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وأَحْيَا * وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إذَا تُمْنَى * وأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى * وأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وأَقْنَى * وأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وأَطْغَى * والْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ٣٣ - ٥٤].
_________________
(١) قوله: (فأما من اعتقد أن عمله من العمل الصالح) روينا عن مسلم عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن".
[ ١٥ / ١٠١ ]
﴿وأَكْدَى﴾ قطع عطيته وأمسك، وأصله: إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية:
وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر، ونحوه: أجبل الحافر، ثم استعير فقيل: أجبل الشاعر: إذا أفحم.
روي أن عثمان ﵁ كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد ابن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء. فنزلت.
ومعنى ﴿تَوَلَّى﴾ ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل.
﴿فَهُوَ يَرَى﴾ فهو يعلم أن ما قاله له أخوه من احتمال أوزاره حق، ﴿وفَّى﴾ قرئ مخففا ومشددا، والتشديد مبالغة في الوفاء. أو بمعنى: وفر وأتم، كقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية، من ذلك: تبليغه الرسالة، واستقلاله بأعباء النبوة، والصبر على ذبح ولده، وعلى نار نمرذ، وقيامه بأضيافه وخدمته إياهم، وأنه كان يخرج كل يوم فيمشى فرسخا يرتاد ضيفًا،
_________________
(١) قوله: (أجبل الحافر) الجوهري: أجبل القوم: إذا حفروا فبلغوا المكان الصلب، وأكدى الحافر: إذا بلغ الأرض الصلبة فلا يمكنه أن يحفر. قوله: (﴿فَهُوَ يَرَى﴾ فهو يعلم) قال أبو البقاء: ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ جملة اسمية واقعة موقع الفعلية، والأصل: أعنده علم الغيب فيرى؟ ولو جاء على ذلك لكان نصبًا على جواب الاستفهام. قوله: (﴿وَفَّى﴾ قرئ مخففًا ومشددًا)، المشددة: هي المشهورة.
[ ١٥ / ١٠٢ ]
فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم. وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به. وعن الهذيل بن شرحبيل: كان بين نوح وبين إبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره، ويقتل بأبيه وابنه وعمه وخاله، والزواج بامرأته، والعبد بسيده؛ فأول من خالفهم إبراهيم. وعن عطاء ابن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليكما فلا. وعن النبي ﷺ: "وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار، وهي صلاة الضحى". وروي: ألا أخبركم سمى الله خليله ﴿الَّذِي وفَّى﴾؟ كان يقول إذا أصبح وأمسى:) ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى ﴿حِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] وقيل: وفي سهام الإسلام: وهي ثلاثون: عشرة في التوبة ﴿التَّائِبُونَ ﴾ [التوبة: ١١٢]، وعشرة في الأحزاب: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ …﴾ [الأحزاب: ٣٣] وعشرة في المؤمنين ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠] وقرئ: (في صحف)، بالتخفيف.
﴿أَلاَّ تَزِرُ﴾ "أن" مخفقة من الثقيلة. والمعنى: أنه لا تزر، والضمير ضمير الشأن، ومحل "أن" وما بعدها: الجر، بدلا من "ما في صحف موسى". أو الرفع على: هو أن لا تزر، كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: أن لا تزر.
﴿إلاَّ مَا سَعَى﴾ إلا سعيه.
_________________
(١) قوله: (فإن وافقه أكرمه) قال: يقال: وافقت فلانًا يصلي، ووفقته أي: وجدته. قوله: (﴿إلاَّ مَا سَعَى﴾ إلا سعيه). الراغب، السعي: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل في الجد في الأمر، خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة، وخص المسعاة بطلب المكرمة.
[ ١٥ / ١٠٣ ]
فإن قلت: أما صح في الأخبار: الصدقة عن الميت، والحج عنه، وله الإضعاف؟
_________________
(١) قوله: (أما صح في الأخبار: الصدقة عن الميت) تلخيصه: أن التركيب، أي: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، يفيد بما فيه من أداة الحصر، وتعقيبه لقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ اختصاص الإنسان بثواب ما عمل هو بنفسه لنفسه، وانتفائه بسعي غيره، وأنه لا يجزى من سعيه إلا مقدار ما عمله لا يزاد عليه، وهو على خلاف الأقوال الواردة في الصدقة والحج، والآيات الصادرة في مضاعفة الثواب. وأما الأخبار الواردة في الصدقة فكثيرة، منها: ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي عن عائشة ﵂ أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "تعم". "افتلتت نفسها": أي: ماتت فجأة، كأن نفسها أخذت فلتة، وأما في الحج فكذلك، منها ما روي في البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس، قال: أتى رجل النبي ﷺ قال: إن أختي نذرت لأن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي ﷺ: "لو كان عليها دين أكنت قاضيه"؟ قال: نعم، قال: "حق الله أحق بالقضاء". وأما الآيات الدالة على مضاعفة الثواب فلا تخفى كثرتها، وأجاب أن سعي الغير إنما لم ينفعه إذا لم يوجد له سعي قط، فإذا وجد له سعي بأن يكون مؤمنًا صالحًا، كان سعي الغير تابعًا لسعيه، كأنه سعي نفسه.
[ ١٥ / ١٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ ويمكن أن يقال: إن عقله الإيمان وصله قوية، روينا عن البخاري ومسلم عن النعمان ابن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وعن البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، ثم شبك بين أصابعه. فإذا سعى أحد في الإيمان والصلاح فكأنه سعى في شد عضد أخيه، وسد ثلمته، فكأن سعيه سعيه. وقلت: ما أحسن هذا المعنى لو اطرد في الصوم والصلاة وقراءة القرآن، لعل الظاهر أن الآية عامة خصصت في صور معدودة، وعن أحمد بن حنبل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدونه، وأن هشامًا ابنه نحر حصته خمسين، وأن عمر أخبر النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك". وذكر صاحب "الروضة" في "الأذكار": المشهور من مذهب الشافعي إلى أنها تصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: "اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان"، والله أعلم. أما بيان النظم، فإن قوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ تنبيه لمن خوطب بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وأَعْطَى قَلِيلًا وأَكْدَى﴾ على خطئه في إمساكه عن البر، وقبول قول أخيه أنا أتحمل ذنوبك كلها، ولذلك جعل قوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ تمهيدًا لقوله: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾.
[ ١٥ / ١٠٥ ]
قلت: فيه جوابان؟؛ أحدهما: أن سعي غيره لما ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنا صالحا، وكذلك الإضعاف، كان سعي غيره كأنه سعي نفسه، لكونه تابعا له وقائما بقيامه. والثاني: أن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه.
﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ ثم يجزى العبد سعيه، يقال: جزاء الله عمله وجزاه على عمله، بحذف الجار وإيصال الفعل. ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: ﴿الجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ أو أبدله عنه، كقوله تعالى: ﴿وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، ﴿وأَنَّ إلَى رَبِّكَ﴾ قرئ بالفتح على معنى: أن هذا كله في الصحف، وبالكسر على الابتداء، وكذلك ما بعده. والمنتهى: مصدر بمعنى الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه، كقوله تعالى ﴿وإلَى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨].
_________________
(١) قوله: (ثم يجزى العبد سعيه) قال السجاوندي: الجزاء مصدر، والمفعول الثاني الضمير المنصوب، والأول مرفوع مستكين، قال: إن أجز علقمة بن سيف سعيه لا أجزه ببلاء يوم واحد أي: ثم يجزى هو سعيه، وقال أبو البقاء: ﴿الجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ هو مفعول ﴿يُجْزَاهُ﴾، وليس بمصدر لأنه وصفه بالأوفى، وذلك من صفة المجزى به، لا من صفة الفعل. وقال صاحب "الكشف": جعلت الهاء في ﴿يُجْزَاهُ﴾ مصدرًا، لم يكن ﴿الجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ مصدرًا، لأن فعلًا واحدًا لا ينصب مصدرين، بل يكون التقدير: المجزى الأوفى، كالصيد بمعنى المصيد. قوله: (﴿وأَنَّ إلَى رَبِّكَ﴾، قرئ بالفتح): الجماعة كلهم.
[ ١٥ / ١٠٦ ]
﴿أَضْحَكَ وأَبْكَى﴾ خلق قوتي الضحك والبكاء.
﴿إذَا تُمْنَى﴾ إذا تدفق في الرحم، يقال: منى وأمنى. وعن الأخفش: تخلق، من منى الماني، أي قدر المقدر.
_________________
(١) قوله: (خلق قوتي الضحك والبكاء) الانتصاف: وخلق أيضًا فعلي الضحك والبكاء على قواعد السنة، وعليه دلت الآية، غير متأثرة لتحريفه. وقلت: المراد من ﴿أَضْحَكَ وأَبْكَى﴾ خلق السرور والحزن، أو ما يسر ويحزن من الأعمال الصالحة والطالحة، ولذلك قرنهما بقوله: ﴿أَمَاتَ وأَحْيَا﴾. قال الواحدي: ﴿وأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكَى﴾، هذا يدل على أن ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه، حتى الضحك والبكاء. قال الكلبي: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار. الراغب: بكى يبكي بكاء وبكى، فالممدود سيلان الدمع عن الحزن وعوامل، يقال إذا كان الصوت أغلب كالرغاء والثغاء. والمقصور، يقال إذا كان الحزن أغلب، و"بكى" يقال في الحزن وإسالة الدمع معًا ومنفردًا، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] إشارة إلى الفرح والترح. قوله: (من منى الماني) أي: مأخوذ منه؛ بفتح الميم والنون، وفي نسخة: "من مني الماني بسكون النون. الراغب: المنى كالقفا: القدر، يقال: منى لك الماني، أي: قدر لك المقدر، ومنه المنى الذي يوزن به فيما قيل، والمني: الذي قدر منه الحيوان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ أي: تقدر بالعزة الإلهية ما لم يكن منه.
[ ١٥ / ١٠٧ ]
قرئ ﴿النَّشْأَةَ﴾ و(النشاءة) بالمد. وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأنها واجبة عليه في الحكمة، ليجازي على الإحسان والإساءة.
﴿وأَقْنَى﴾ وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته، وعزمت أن لا نخرجه من يدك.
_________________
(١) قوله: ﴿النَّشْأَةَ﴾ و"النشاءة" بالمد) ابن كثير وأبو عمرو والباقون بالقصر. قوله: (وقال: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأنها واجبة في الحكمة)، وعند أهل السنة كالواجبة بحسب الوعد. الانتصاف: معنى ﴿عَلَيْهِ﴾ ههنا: أن أمر النشأة الثانية تدور على قدرته تعالى وإرادته، تقول: دارت قضية فلان على يدي، أي: أنا المشيد بها، ويقول المحدثون: هذا الحديث يدور على فلان. قوله: (تأثلته) أي: اتخذته أصلًا. الراغب: الغنى: يقال على ضربين؛ أحدهما ارتفاع الحاجات، وليس ذلك إلا لله ﷿، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] والثاني: قلة الحاجات كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] ومنه الحديث: "الغنى عنى النفس"، والثالث: كثرة القنيات بحسب ضروب الناس، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: لهم غنى النفس ويحسبهم الجاهل أن لهم القنيات لما فيهم من التعفف والتلطف، وهذا المعنى هو المعني بقول الشاعر: قد يكثر المال والإنسان مفتقر
[ ١٥ / ١٠٨ ]
﴿الشِّعْرَى﴾ مرزم الجوزاء: وهي التي تطلع وراءها، وتسمى كلب الجبار، وهما
_________________
(١) يقال: أغنى عنه كذا، إذا كفاه، قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ [المسد: ٢] والغانية: المستغنية بزوجها عن الزينة، وقيل: المستغنية بحسنها عن التزين، وغنى في مكان كذا، إذا طال مقامه فيه مستغنيًا به عن غيره، يقال: يغني وغنى أغنية وغناء وتغنى، وقيل: تغنى بمعنى استغنى، وحمل الحديث: "من لم يتغن بالقرآن" على ذلك. قوله: (مرزم الجوزاء) قال ابن قتيبة في "كتاب الأنواء": يد الجوزاء: كوكبان أزهران في أحدهما حمرة، والآخر، هو مرزم الجوزاء، وبحيال يديها كوكبان نورهما نحو نور اليدين، وقال أبو زيد: لما استتمت إلى جوزاء أكرعها يريد رجليها. وفيها الشعرى العبور، ومزرم الشعرى، وهي التي ذكرها الله ﷿ في كتابه ﴿وأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾، فإن قومًا عبدوها وفتنوا بها. وكان أبو كبشة الذي كان المشركون ينسبون رسول الله ﷺ إليه أول من عبدها، وقال: قطعت السماء عرضًا ولم يقطعها غيرها، وخالف قريشًا، فلما بعث النبي ﷺ ودعاهم إلى عبادة الله ﷿، وترك أوثانهم سموه به، أي: هو شبهه، ومثله في الخلاف، وشعريان: أحدهما التي ذكرت في الجوزاء، وهي التي تسمى بالعبور، والشعرى الأخرى، هي الغميصاء من الذراع المبسوطة في نجوم الأسد، لا في الجوزاء، وزعم العرب أن سهيلًا والشعريين كانت مجتمعة، فانحدر سهيل نحو اليمين، وتبعه العبور، فعبرت المجرة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل فغمصت عينها فهي أقل نورًا من العبور، والغمص مثل الرمص، والشعرى العبور: نجم كبير يزهر.
[ ١٥ / ١٠٩ ]
شعريان؛ الغميصاء والعبور. وكانت خزاعة تعبدها، سن لهم ذلك أبو كشبه رجل من أشرافهم، وكانت قريش تقول لرسول الله ﷺ: أبو كبشة، تشبيها له به، لمخالفته إياهم في دينهم، يريد: أنه رب معبودهم هذا.
عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. وقيل: الأولى: القدماء؛ لأنهم أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح، أو المتقدمون في الدنيا الأشراف. وقرئ: (عادًا لولى)
_________________
(١) قال ذو الرمة: يذكر طلوعها أول الليل وفي الشتاء: إذا أمست الشعرى العبور كأنها مهاة علت من رمل يبرين رابيا انتهى كلام ابن قتيبة. وعن بعضهم: الجبار: اسم الجوزاء، والكلب: اسم الشعرى، لأنه يتبع الجوزاء كما يتبع الكلب الصائد. قوله: (وقيل: الأولى: القدماء) سلك بالأولى ما سلكه بالأخرى في قوله: ﴿ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ فسرها تارة بالتقدم الزماني حيث قال: "أول الأمم هلاكًا بعد قوم نوح"، وأخرى بالتقدم الرتبي، وإليه الإشارة بقوله: "أو المتقدمون في الدنيا الأشراف". قوله: (وقرئ: "عادًا لولى" نافع وأبو عمرو: بضم اللام بحركة الهمزة، وإدغام التنوين فيها، وأتى قالون بعد ضمه اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو، والباقون: يكسرون التنوين ويسكنون اللام، ويحققون الهمزة بعدها.
[ ١٥ / ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ قال صاحب "الكشف": من قال في الأحمر: لحمر، بفتح اللام وإسقاط همزة الوصل، قال هاهنا: لولى بضم اللام المنقول إليها من الهمزة، وحرك اللام وحذف ألف الوصل، فيقرأ: عادًا لولى، فيدغم التنوين في اللام، ولابد من ذلك، ومن قال: في الأحمر: الحمر بفتح اللام ولا يحذف همزة الوصل، ادعاء منه بأن اللام وإن تحركت، وهي في تقدير السكون، لأن حركتها حركة الهمزة المحذوفة المقدرة، قال هاهنا: "ألولى"، فإذا وصلها بـ"عاد"، قال: عادًا لأولى، فلا يدغم التنوين في اللام لأن اللام في تقدير السكون، والساكن لا يدغم في الساكن. قال الزجاج: "الأولى" بإثبات الهمزة: أجود اللغات، وبعدها: "لولى" بضم اللام وطرح الهمزة، والقياس إذا تحركت اللام أن تسقط ألف الوصل، لأن ألف الوصل إنما اجتلبت لسكون اللام، لكنه جاز ثبوتها، لأن ألف لام المعرفة لا تسقط مع ألف الاستفهام، فخالف ألف الوصل، ومن العرب من يقول: "لولى" يريد "الولى"، فيطرح الهمزة ليجري اللام، وقرئ "عادًا لولى" على هذه اللغة وأدغم التنوين في اللام. والأكثر: ﴿عَادًا الأُولَى﴾
[ ١٥ / ١١١ ]
بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى، ونقل ضمتها إلى لام التعريف.
﴿وثمودًا﴾، وقرئ ﴿وثَمُودَا﴾، ﴿أَظْلَمَ وأَطْغَى﴾ لأنهم كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وما أثر فيهم دعاؤه قريبا من ألف سنة. ﴿والْمُؤْتَفِكَةَ﴾ والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت، وهم قوم لوط، يقال: أفكه فائتفك. وقرئ: (المؤتفكات).
﴿أَهْوَى﴾ رفعها إلى السماء على جناح جبريل، ثم أهواها إلى الأرض، أي: أسقطها.
﴿مَا غَشَّى﴾ تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب، وأمطر عليها من الصخر المنضود.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [٥٥ - ٥٨].
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ تتشكك،
_________________
(١) بكسر التنوين، ولأبي علي كلام على الزجااج في "الإغفال". قوله: (وقرئ: ﴿وثَمُودَا﴾) عاصم وحمزة: يقفان بغير ألف، والباقون: بالتنوين ويقفون بالألف. وعن بعضهم: "ثمود": نصب نسق على ﴿عَادًا﴾، ولا يجوز أن ينصب بقوله: ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ لأن ما بعد الفاء لا يعمل في ما قبلها، لا تقول: زيدًا فضربت، وأكثر النحويين ينصب ما قبل الفاء بما بعدها. وقال أبو البقاء: ﴿وثَمُودَا﴾ منصوب بفعل مضمر، أي: وأهلك ثمود، ولا يعمل فيه ما أبقى لأجل حرف النفي، وكذلك "قوم نوح"، ويجوز أن يعطف على ﴿عَادًا﴾.؟
[ ١٥ / ١١٢ ]
والخطاب لرسول الله ﷺ، أو للإنسان على الإطلاق، وقد عدد نعما ونقما وسماها كلها آلاء، من قبل ما في نقمه من المزاجر والمواعظ للمعتبرين.
﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ أي: إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. أو هذا الرسول منذر من المنذرين الأولين، وقال ﴿الأُولَى﴾ على تأويل الجماعة.
_________________
(١) قوله: (والخطاب لرسول الله ﷺ أو للإنسان)، الثاني أظهر لقوله تعالى في الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ على أن الخطاب إذا كان لرسول الله ﷺ فهم المرادون أيضًا؛ لأن الخطاب إما من باب الإلهاب والتهييج، أو لأنه هو الرئيس والقدوة، وهم المرؤوسون. قوله: (وقد عدد نعمًا ونقمًا وسمى كلها آلاء)، اعلم أنه تعالى جعل الكلام على نمطين، وكل نمط مشتمل على نعم ونقم، أما النمط الأول فمن قوله: والنجم إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ من النعم التي دونها كل نعم، ومن قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ والْعُزَّى﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لِلإنسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ مشتمل على النقم التي دونها كل نقم، أما النمط الثاني فابتداؤه من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿وأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ في بيان النعم الجسيمة، ومن قوله: ﴿وأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ إلى قوله: ﴿فَغَشَّاهَا﴾ من النقم. قوله: (﴿هَذَا﴾ القرآن ﴿نَذِيرٌ﴾) إلى قوله: (أو هذا الرسول)، يعني: في بيان ﴿نَذِيرٌ﴾، بقوله: ﴿مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ بعد ذكر قوله: ﴿مَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وإبْرَاهِيمَ الَّذِي وفَّى﴾ إشعار بأن المشار إليه بقوله: ﴿هَذَا﴾ هو القرآن أو الرسول. قوله: (من المنذرين الأولين) فإن قلت: كيف أعتبر معنى التأخر في الزمان، ثم المرتبة في "مناة الثالثة الأخرى"؟ وكذا في ﴿عَادًا الأُولَى﴾ فيهما، وخص هذا الموضع بالتقدم الزماني؟ قلت: استدعى ذلك احتمال التحقير في الأولى والتعظيم في الثانية، وهاهنا ليس المراد سوى التقدم في الزمان لأنه على وزان ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩] فلا يدخل في المعنى إرادة التعظيم.؟
[ ١٥ / ١١٣ ]
﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ قربت الموصوفة بالقرب؛ من قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، ﴿لَيْسَ لَهَا﴾ نفس ﴿كَاشِفَةٌ﴾ أي مبينة متى تقوم، أي مبينة متى تقوم، كقوله تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو ليس لها نفس كاشفة، أي: قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله، غير أنه لا يكشفها. أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير، وقيل: الكاشفة مصدر بمعنى الكشف، كالعافية. وقرأ طلحة: (ليس لها مما يدعون من دون الله كاشفة، وهي على الظالمين ساءت الغاشية).
_________________
(١) قوله: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾: قربت الموصوفة بالقرب)، الراغب: دنت القيامة، وأزف وأفد يتقاربان، لكن أزف يقال اعتبارًا بضيق وقتها، ويقال: أزف الشخوص، والأزف ضيق الوقت، وسميت به لقرب كونها، وعلى ذلك عبر عنها بالساعة، وقيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، فعبر عنها بلفظ الماضي، لقربها وضيق وقتها. قوله: (أوليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير) يعني: لو وقعت الآن لم يردها لوقتها أد إلا الله، وعلى الوجه الثاني: روى محيي السنة عن قتادة وعطاء والضحاك: معناه: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يرد عنهم أحد. قوله: (وهي على الظالمين ساءت الغاشية) إلى هنا قراءة طلحة، قال ابن جني: هذا جار مجرى قولهم: زيد نعم الرجل، لأن ساء بمعنى بئس، والغاشية هنا جنس، والعائد منها إلى "هي" ضمير يتجرد ويمتاز من معنى الجماعة، كقولهم: زيد قام بنو محمد، إذا كان محمد أباهم، فكأنه قال: زيد قام في جملة القوم، كما أن قولك: زيد نعم الرجل، العائد عليه في المعنى ذكر يخصه من جملة الرجال.
[ ١٥ / ١١٤ ]
﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ * وأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [٥٩ - ٦٢].
﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ﴾ وهو القرآن، ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنكارا، ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ استهزاء ﴿ولا تَبْكُونَ﴾، والبكاء والخشوع حق عليكم.
وعن رسول الله ﷺ: أنه لم ير ضاحكا بعد نزولها. وقرئ: (تعجبون تضحكون)، بغير واو. ﴿وأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ شامخون مبرطمون. وقيل: لاهون لاعبون. وقال بعضهم لجاريته: اسمدي لنا، أي: غني لنا ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾، ولا تعبدوا الآلهة.
وعن رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة".
_________________
(١) قوله: (مبرطمون) الجوهري: البرطمة: الانتفاخ من الغضب، وتبرطم الرجل: تغضب من كلام. الراغب: السامد: اللاهي الرافع رأسه، من سمد البعير في سيره. سئل ابن عباس عن السمود، قال: البرطمة وهي رفع الرأس تكبرًا، أي: رافعون رؤوسهم تكبرًا. تمت السورة حامدًا الله تعالى ومصليًا على رسول الله ﷺ. * * *
[ ١٥ / ١١٥ ]