مكية، وهي ثلاث وثمانون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
[﴿يس * والْقُرْآنِ الحَكِيمِ * إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١ - ٧]
قرئ: (ياسين) بالفتح، كـ"أين" و"كيف"، أو بالنصب على: اتلُ ياسين؛ وبالكسر
_________________
(١) ـ سورة يس مكية وهي ثلاث وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: ("ياسين" بالفتح كـ"أين")، والمشهورة "ياسين" مبني على السكون، أبو بكر وحمزة والكسائي: بإمالة فتحة الياء، والباقون: بإخلاص فتحها. وقال ابن جني: فتح النون قراءة ابن أبي إسحاق [بخلاف] والثقفي، وبكسر النون أبو السمال، وبالرفع هارون. أما الفتح والكسر فكلاهما لالتقاء الساكنين وذلك
[ ١٣ / ٥ ]
على الأصل، كـ"جير"، وبالرفع على: هذه ياسين، أو بالضم كـ"حيث". وفخمت الألف وأميلت. وعن ابن عباس ﵄: معناه: يا إنسان في لغة طيء. والله أعلم بصحته. وإن صح فوجهه أن يكون أصله: يا أنيسين، فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القسم: مُ الله، في: ايمن الله. ﴿الحَكِيمِ﴾: ذي
_________________
(١) ـ أنه بنى الكلام على الإدراج، لا على وقف حروف المعجم؛ فحرك لذلك، ومن فتح هرب إلى خفة الفتحة لأجل ثقل الياء قبلها والكسرة، ومن كسر جاء به على أصل حركة التقاء الساكنين. وهو نظير جير وهيت لك وإيه وسيبويه وعمرويه وبابهما. ومن ضم احتمل أمرين: أحدهما لالتقاء الساكنين كـ"جير" و"هيت لك"، وفي الآخر: ما عندي فيه وهو: يا إنسان؛ لكنه اكتفى منه بالسين وحذف الفاء والعين وجعل السين اسمًا قائمًا بذاته، فـ"يا" فيه حرف نداء، ونظيره ما جاء في الحديث: "كفى بالسيف شا" أي: شاهدًا، فحذف العين واللام. ويؤيده ما ذهب ابن عباس ﵄ إليه في "حمعسق" ونحوه أنها حروف من جملة أسماء الله تعالى، وهي: رحيم وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك. قوله: (كـ"جير")، الجوهري: جير، بكسر الراء: يمين العرب، ومعناه: حقا، وقال: وايمن الله: اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون وألفه ألف وصل، وربما حذفوا منه النون فقالوا: أيم الله، وربما حذفوا الياء وقالوا: أم الله، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة وقالوا: م الله.
[ ١٣ / ٦ ]
الحكمة، أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي، أو لأنه كلام حكيم، فوصف بصفة المتكلم به. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبر بعد خبر، أو صلة لـ ﴿المُرْسَلِينَ﴾. فإن قلت: أي حاجة إليه خبرًا كان أو صلةً، وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه
_________________
(١) ـ قوله: (أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي) أي: نسب الحكيم إلى ضمير القرآن، وجعل القرآن على سبيل الاستعارة المكنية كالشخص الناطق بالحكمة، والقرينة نسبة الحكيم إليه، أو أسند الحكمة إليه إسنادًا مجازيا؛ لأنه صدر من الحكيم، وإليه الإشارة بقوله: "فوصف بصفة المتكلم به". قوله: (﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبر بعد خبر أو صلة لـ ﴿المُرْسَلِينَ﴾)، روى صاحب "المرشد" عن الزجاج أنه قال: الأحسن في العربية أن يكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا، والمعنى: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم، ويجوز أن يكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ من صلة ﴿المُرْسَلِينَ﴾، أي: المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة، وقال القاضي: يجوز أن يكون حالًا من المستكن في الجار والمجرور، وفائدته وصف الشرع بالاستقامة صريحًا وإن دل عليه: ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ التزامًا. قوله: (ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره) إلى قوله: (وإنما الغرض وصفه) إلى آخره، وقال صاحب "الفرائد": لم يحصل مما ذكر جواب السؤال من الأول، وأما الثاني فهو قوله: فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه كنهه، فمنظور فيه، لأن الصراط
[ ١٣ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ المستقيم واحد؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. والجواب أن يقال: هذه الآية لرد قول الكفار، لأنهم كانوا يقولون: لست مرسلًا، وإنك تركت الطريق المستقيم، ألا ترى إلى قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، فلا بد في الجواب من ذكرهما، وما ذكر أنه على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه، مسلم إلا أنه واحد ولا يلزم منه أن يكون الصراط المستقيم متعددًا. وقلت: من لم يقف على الأساليب كلها، ولم يستوعب معرفة أفانينهم بأسرها لا بد أن يحصل على شيء في أمثال هذين الجوابين: أما الجواب الأول، فنحوه قول صاحب "المفتاح": وإما لأن كونه، أي: المسند إليه متصفًا بالخبر [يكون] هو المطلوب لا نفس الخبر، كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ قلت: الزاهد يشرب ويطرب. وأورد صاحب "الإيضاح" أن قوله: "لا نفس الخبر" يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر وهو باطل، لأن نفس الخبر تصور لا تصديق، والمطلوب بها إنما أن يكون تصديقًا وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقًا فغير صحيح أيضًا. وأجيب: بأن مضامين الجمل مشتملة على أمرين: الإخبار عن الوقوع، وعن اتصال المسند إليه بالمسند وقد يقصد أحدهما قصدًا أوليًا، ويكون الآخر تبعًا له. قال الإمام في "النهاية": وقد يتصور في الفعل أن يكون المراد به وقوعه من الفاعل، وأن يكون مجرد اتصافه به. تم كلامه. وههنا ليس الغرض في إيقاع "عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" خبرًا أو صلةً
[ ١٣ / ٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ مجرد الإخبار، وإنما الغرض أنه صلوات الله عليه وسلامه مستقر فيه ثابت عليه، وأنه جادته بل هو عادته. وقال المصنف في قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]: "وإذا كان الكلام منصبًا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض مطرح". وأما الجواب عن الثاني فعلى التجريد. قال ابن جني - في قراءة الحسن: "اهدنا صراطًا مستقيمًا"-: أراد -والله أعلم- التذلل لله تعالى وإظهار الطاعة له، أي: قد رضينا منك يا ربنا بما يقال له: "صراطٌ مستقيم"، ولسنا نريد المبالغة في قول من قال: "اهدنا الصراطَ المستقيم" أي: الصراط الذي قد شاعت استقامته وتعولمت في ذلك طريقته، فإن قليل هدايتك لنا زاكٍ؛ وزاد في حسن التنكير ما دخله من المعنى، وهو أدم هدايتك لنا فإنك إذا فعلت ذلك بنا فقد هديتنا إلى صراط مستقيم، فجرى حينئذ مجرى قولك: لئن لقيت رسول الله ﷺ لتلقين منه رجلًا متناهيًا في الخير، ورسولًا جامعًا لسبل الخير، فقد آل إلى معنى التجريد، وأنشد أبو علي: أفاءت بنو مروان ظلمًا دماءنا … وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل والله تعالى أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر حكمًا عدلًا، فأخرج اللفظ مخرج التنكير، فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف، وعليه قوله عز اسمه: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٨]. وإليه ينظر قول "المصنف": "على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه" كأنه جعل الصراط المستقيم الصرط كلها، ثم جرد منها صراط مستقيم وهو هي، والله أعلم.
[ ١٣ / ٩ ]
ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت، وأيضًا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه. وقرئ: (تنزيلُ العزيز الرحيم) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على: أعني، وبالجر على البدل من ﴿الْقُرْآنِ﴾. ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾: قومًا غير منذر آباؤهم على الوصف، ونحوه قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا الَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]، وقد فسر ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ على إثبات الإنذار. ووجه ذلك: أن تجعل ﴿مَا﴾ مصدرية: لتنذر قومًا إنذار آبائهم، أو موصولةً منصوبةً على المفعول الثاني: لتنذر قومًا ما أنذره آباؤهم من العذاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ على التفسيرين؟ قلت: هو على الأول متعلق بالنفي، أي: لم ينذروا فهم غافلون، على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم، وعلى الثاني: بقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لتنذر، كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره، فإنه غافل، أو: فهو غافل. فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي الأخر؟ قلت: لا مناقضة؛ لأن الآي في
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "تنزيل") قرأ حفص وابن عامر وحمزة والكسائي: بالنصب، والباقون: بالرفع. قال أبو البقاء: "تنزيل العزيز" أي: هو تنزيل، والمصدر بمعنى المفعول، أي: منزل العزيز، ويقرأ بالنصب على أنه مصدر، أي: نزل تنزيلًا، وبالجر أيضًا صفة للقرآن، وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يجوز أن يتعلق بـ ﴿تَنْزِيلَ﴾، وأن يتعلق بمعنى قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: مرسل لتنذر. قوله: (أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني) وعلى النافية كان صفة لـ"قوم"، وعلى المصدرية مفعولًا مطلقًا. قوله: (كيف يكونون منذرين غير منذرين؟) هذا السؤال وارد على ترتيب من ذهب
[ ١٣ / ١٠ ]
نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم، وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل، وكانت النذارة فيهم. فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا، وهو الظاهر، فما تصنع به؟ قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد. ﴿الْقَوْلُ﴾: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنِّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، يعني: تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب؛ لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر.
[﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٨ - ٩]
ثم مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل
_________________
(١) ـ إلى إثبات الإنذار، وأن "ما" مصدرية أو موصولة. يعني: دل على إثبات الإنذار كما قلت: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم، أو ما أنذره آباؤهم، ودل قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] على أن الإنذار لم يوجد رأسًا. وأجاب: أن الآيات لم تدل إلا على نفي إنذارهم، أما على نفي إنذار آبائهم فلا يشك في أن التفسيرين متنافيان لدلالة أحدهما أن آباءهم ما أنذروا، والثاني على أن آباءهم أنذروا. فأجاب: أن المراد ما أنذر آباؤهم الأقربون دون القدماء. قوله: (ثم مثل تصميمهم على الكفر)، الانتصاف: يكون تصميمهم على الكفر مشبهًا بذي الأغلال، واستكبارهم مشبهًا بالإقماح، لأن المقمح لا يطاطئ رأسه. وقوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ تتمة للزوم الإقماح، وعدم النظر في القرون الخالية مشبهًا بالسد من خلفهم، وعدم النظر في العواقب المستقبلة مشبهًا بسد من قدامهم. ونقل صاحب "الفرائد" عن صاحب "التيسير": الأغلال مع الأيدي مجموعة إلى الأذقان: عبارة عن منع التوفيق حين كانوا متكبرين مستثقلين للحق، لأن المتكبر يوصف
[ ١٣ / ١١ ]
إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين؛ في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم، في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله. فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾؟ قلت: معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها؛ وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول، تكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود، نادرًا من الحلقة إلى الذقن، فلا يخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله، فلا يزال مقمحًا. والمقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره. قمح البعير فهو قامح: إذا روي فرفع رأسه، ومنه: شهرا قماح؛ لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء؛ لبرده فيهما، وهما الكانونان
_________________
(١) ـ بانتصاب العنق، والمتواضع يوصف بضده، قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]. قوله: (إلى ارعوائهم)، أي: امتناعهم وإمساكهم، يقال: ارعوى عن القبيح: إذا كف عنه. قوله: (نادرًا من الحلقة إلى الذقن)، الأساس: ندر: نادر من الجبل: إذا خرج ونتأ، وندر من بيته: خرج. قوله: (والمقمح: الذي يرفع رأسه)، الراغب: القمح: رفع الرأس لسَفِّ الشيء، ويسمى السويق من القمح -أي البر-: قميحه، ثم يقال لرفع الرأس كيف ما كان قمح، وقمح البعير رأسه وأقمحت البعير: شددت رأسه إلى خلف، وقوله تعالى: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ تشبيه بذلك، ومثل لهم، وقصد إلى وصفهم بالتأبي عن الانقياد للحق والتأبي عن الإنفاق في سبيل الله، وقيل: إشارة إلى حالهم يوم القيامة إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل.
[ ١٣ / ١٢ ]
ومنه: اقتمحت السويق. فإن قلت: فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي، وزعم أن الغل لما كان جامعًا لليد والعنق -وبذلك يسمى جامعة- كان ذكر الأعناق دالًا على ذكر الأيدي؟ قلت: الوجه ما ذكرت لك، والدليل عليه: قوله: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾، ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة قوله: ﴿فَهِيَ إِلِى الْأَذْقَانِ﴾؟ ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرًا، على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف،
_________________
(١) ـ قوله: (اقتحمت السويق). عن بعضهم: أقمحت الدواء: إذا ألقتيه في فمك، ويقال: اقتمحته؛ أي: أشفقته، وذلك إنما يكون عند رفع الرأس. قوله: (فما قولك فيمن جعل الضمير للأيدي؟) قال محيي السنة: فهي كناية عن الأيدي وإن لم يجر لها ذكر، لأن الغل يجمع اليد إلى العنق. وقال الزجاج بعد ما ذكر نحوًا من هذا: ولم تذكر الأيدي إيجازًا واختصارًا، لأن الغل يتضمن اليد والعنق، ومثله قول الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني؟ فذكر الخير وحده، وقد علم أن الخير والشر معرضان للإنسان، ونحوه قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. قوله: (ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الإقماح ظاهرًا)، الانتصاف: ويحتمل أن تكون الفاء للتعقيب كقوله: ﴿فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ﴾، أو للتسبب، فإن ضغط اليد مع العنق يوجب الإقماح، لأن اليد تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن رافعة لها، ولأن اليد إذا كانت مطلقة كانت راحة للمغلول، فربما تحيل بها على فكاك الغل فيكون منبهًا على انسداد باب الحيلة.
[ ١٣ / ١٣ ]
وترك الظاهر الذي يدعو المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج. فإن قلت: فقد قرأ ابن عباس ﵄: (في أيديهم)، وابن مسعود: (في أيمانهم)، فهل تجوز على هاتين القراءتين أن يجعل الضمير للأيدي أو للأيمان؟ قلت: يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور كون الضمير للأغلال، وسداد المعنى عليه كلما ذكرت. وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم، وقيل: ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله فبالضم. ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فأغشينا
_________________
(١) ـ قوله: (ظهور كون الضمير للأغلال) فاعل "يأبى"، و"سداد المعنى" عطف على "ظهور". قال الزجاج: من قرأ "في أيمانهم" أو "في أيديهم" المعنى واحد، وذلك أن الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون العنق، فالمعنى: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيمانهم أغلالًا، ﴿فَهِيَ إلَى الأَذْقَانِ﴾ كناية عن الأيدي لا عن الأذقان لأن الغل يجعل اليد إلى الذقن، والعنق هو مقارب للذقن لا يجعل الغل العنق إلى الذقن. قوله: (وقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم) بالفتح: حمزة والكسائي وحفص، والباقون: بالضم. الراغب: أصل السد مصدر: سددته. وشبه به الموانع، والسدة كالظلة على الباب، وقد يعبر به عن الباب كما قيل: الفقير الذي لا يفتح له سدد السلطان، والسَّداد والسِّدَد: الاستقامة، والسِّداد: ما يسد به الثلمة والثغر، واستعير لما يسد به الفقر.
[ ١٣ / ١٤ ]
أبصارهم، أي: غطيناها وجعلنا عليها غشاوةً من أن تطمح إلى مرئي. وعن مجاهد: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فألبسنا أبصارهم غشاوة. وقرئ بالعين؛ من العشى. #وقيل: نزلت في بني مخزوم؛ وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدًا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده، حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى قومه فأخبرهم، فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر فذهب، فأعمى الله بصره.
[﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ ١٠ - ١١]
فإن قلت: قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار، ثم قفاه بقوله: ﴿إنَّمَا﴾، وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيًا. قلت: هو كما قلت،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ بالعين؛ من العشى). قال ابن جني: هي قراءة ابن عباس وعكرمة وغيرهما من: عشى يعشى؛ إذا ضعف بصره، فعشي وأعشيته، كعمي وأعميته. وأما قراءة العامة فهي على حذف المضاف، أي: فأغشينا أبصارهم. وينبغي أن يعلم أن (ع ش ي) يلتقي معناها مع (غ ش ي)، فإن العشاوة على العين كالغشي على القلب، كل منهما يركب صاحبه ويتجلله، غير أنهم خصوا ما على العين بالواو وما على القلب بالياء من حيث كانت الواو أقوى من الياء، وما يبدو للناظر من العشاوة على العين أبدى إلى الحس مما يخامر القلب، ولهذا في هذه اللغة نظائر ما لو أودع كتابًا لكبر حجمه. قوله: (وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار منفيًا)، الانتصاف: في سؤاله سوء أدب، وكان ينبغي أن يقال: ما وجه ذكر الإنذار الثاني؟
[ ١٣ / ١٥ ]
ولكن لما كان ذلك نفيًا للإيمان مع وجود الإنذار، وكان معناه: أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة، وهي الإيمان؛ قفي بقوله: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ﴾ على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين، وهم المتبعون للذكر -وهو القرآن، أو الوعظ- الخاشون ربهم.
_________________
(١) ـ وقلت: توجيه السؤال أن قوله: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يستدعي سبق عدم الإنذار، أي: إنك لا تنذر من لم يتبع الذكر، وإنما تنذر من اتبعه، فكيف أثبت الإنذار بقوله: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ ثم عقبه بقوله: ﴿إنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾؟ وحاصل الجواب: أنه نزل وجود الإنذار الذي لم يفض إلى المقصود منزلة العدم، كأنه قيل: ما أنذرت أولئك لأنهم لم يؤمنوا، إنما تنذر هؤلاء الذين انتفعوا به. قال صاحب "المفتاح" - في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]-: لا يخفى على أحد ممن به مسكة أن الإنذار إنما يكون إنذارًا ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله والبعث والقيامة وأهوالها. والنظم يساعد عليه، لأن أصل الكلام وارد على تقسيم المنذرين، وذلك أن قوله: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ مطلق شامل في المنذرين الذين لا ينفع فيهم الإنذار وفيمن ينفع فيهم ذلك، ثم قسم المنذرين في قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ على قسمين، وحكم على أكثرهم أنهم لا يؤمنون، وأكد ذلك بالجملة القسمية، وسجله بسبق التقدير كما تعلق بهم هذا القول، أي: قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وثبت عليهم ووجب، ثم علل ذلك بخلق الكفر فيهم وجعلهم مصممين عليه، وآذن حبيبه صلوات الله عليه بالإياس عنهم بقوله: ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وجعله كالتخلص إلى ذكر الفريق الأقلين وهم المتبعون للذكر الخاشون ربهم، ولهذا التقرير البليغ والتقدير المقتضي ينبغي أن يستسلم العاقل ولا يكابر النص القاطع.
[ ١٣ / ١٦ ]
[﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُّبِينٍ﴾]
نحيي الموتى: نبعثهم بعد مماتهم. وعن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم من الشرك
_________________
(١) ـ قوله: (وعن الحسن: إحياؤهم: أن يخرجهم) يعني: يجوز أن يحمل ﴿يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ على الحقيقة كما سبق، وعلى المجاز كما ذهب إليه الحسن. اعلم أن التعريف في ﴿المَوْتَى﴾ يحتمل أن يجري على الجنس وعلى العهد. وعلى الثاني: إما أن يراد بهم المصممون على الكفر المعني بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أو المنتفعون بالإنذار في قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾، أو الفريقان جميعًا، وقول الحسن منزل على الثالث. وتقديره: أنه تعالى لما أمره صلوات الله عليه وسلامه بإنذار هؤلاء وبشارتهم بالمغفرة والأجر الكريم اتجه لسائل أن يسأل: لم خص هؤلاء بهذين الأمرين؟ فأجيب لأنا نخرجهم من الشرك إلى الإيمان ونكتب ما قدموا وآثارهم من الخير والشر فنغفر سيئاتهم ونثيبهم على حسناتهم. وتقرير الوجه الثاني هو: أن الله تعالى لما ذكر ما دل على انتفاء إيمان أولئك المصممين، وقفاه بما دل على انتفاع الإنذار في حق هؤلاء، ورتب على الثاني البشارة بالمغفرة والأجر، قيل: إذا كان حكم هؤلاء هذا فما حكم أولئك المصممين؟ فقيل: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى﴾ الآية. وتحرير المعنى: اشتغل بمن ينتفع بإنذارك وبشرهم بالفوز بالبغيتين ودع أولئك الموتى إلينا، فإنا نبعثهم ثم ننبئهم بما عملوا كما قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]، قال المصنف: هؤلاء الموتى - يعني الكفرة - يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم. وأما تقرير الجمع أو الجنس فمحمول على الفريقين وعلى أعم منهم، فيقدر الاستئناف على ما يقتضيه المقام، والله أعلم.
[ ١٣ / ١٧ ]
إلى الإيمان. ﴿وَنَكْتُبُ مَا﴾ أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس أحبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد، أو رباط، أو قنطرة، أو نحو ذلك؛ أو سيئ؛ كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله؛ من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها، ونحوه قوله ﷿: ﴿يُنَبَّأُ الإنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] أي: قدم من أعماله، وأخر من آثاره.
وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد. وعن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله
_________________
(١) ـ قوله: (وما هلكوا عنه) أي: ماتوا وتركوا، وهو عطف على "ما أسلفوا"، وقوله: "أثر حسن" نشر لقوله: "ما أسلفوا"، وقوله: " أو سيئ كوظيفة" نشر لقوله: "وما هلكوا". قوله: (أو حبيس) أي: وقف. النهاية: يقال: حبست أحبس حبسًا، وأحبست أحبس إحباسًا، أي: وقفت. والاسم الحبس بالضم. قوله: (أو سكة أحدثها فيها تخسيرهم) أي: فيها ذهاب مال المسلمين. الأساس: ومن المجاز: خذ في هذه السكة أي: في هذه الطريقة وأنت عامل على سكة واضحة. وعن بعضهم: السكة: الحديدة التي يحرث بها. وسكة الدراهم، وطريقة النخل، وواحد السكك سكة إذا أثبته. قوله: (وعن جابر) الحديث من رواية الترمذي عن أبي سعيد قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقال رسول الله ﷺ: "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا.
[ ١٣ / ١٨ ]
خالية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأتانا في ديارنا، وقال: "يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد"، فقلنا: نعم، بعد علينا المسجد، والبقاع حوله خالية، فقال: "عليكم دياركم، فإنما يكتب آثاركم". قال: فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله ﷺ. وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح. والإمام: اللوح. وقرئ: (ويكتب ما قدموا وآثارهم) على البناء للمفعول، (وكل شيء) بالرفع.
[﴿واضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ القَرْيَةِ إذْ جَاءَهَا المُرْسَلُونَ * إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ومَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أَنتُمْ إلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ ١٣ - ١٥]
﴿واضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾: ومثل لهم مثلًا، من قولهم: عندي من هذا الضرب كذا، أي: من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد، أي: على مثال واحد. والمعنى: واضرب لهم مثلًا مثل أصحاب القرية، أي: اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية. والمثل الثاني بيان للأول. وانتصاب ﴿إَذْ﴾ بأنه بدل من ﴿أَصْحَابَ القَرْيَةِ﴾.
_________________
(١) ـ قوله: (وهذه الأشياء على ضرب واحد) أي: مثال واحد. ذكر في "الأساس" في قسم المجاز: هم ضربائي، وقولهم: هو ضربه وضريبه، أي: مثله. قوله: (والمثل الثاني بيان للأول). قال أبو البقاء: قيل: التقدير: واذكر مثلًا أصحاب القرية، والثاني بدل من الأول، والظاهر أن "اضرب" بمعنى: اجعل، فـ ﴿أَصْحَابَ﴾: مفعول أول، ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان، واختار مكي هذا. وقال: أصح ما يعطي القياس فيه هذا.
[ ١٣ / ١٩ ]
والقرية: أنطاكية. و﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: رسل عيسى صلوات الله عليه إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق، وكانوا عبدة أوثان، أرسل إليهم اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا شيخًا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار صاحب ياسين، فسألهما فأخبراه، فقال: أمعكما آية؟ فقالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض سنتين، فمسحاه، فقام، فآمن حبيب، وفشا الخبر، فشفي على أيديهما خلق كثير، ورقي حديثهما إلى الملك، وقال لهما: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك، فقال: حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس وضربوهما. وقيل: حبسا. ثم بعث عيسى ﵇ شمعون؛ فدخل متنكرًا، وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى الملك، فأنس به، فقال له ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين، فهل سمعت ما يقولانه؟ فقال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك، فدعاهما، فقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال: صفاه وأوجزا. قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك، فدعا بغلام مطموس العينين، فدعوا الله حتى انشق له بصر، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما، فقال له شمعون: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف. قال: ليس لي عنك سرًا، إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا
_________________
(١) ـ وقد ذكرنا تعليله في قوله تعالى ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] وهو اختيار المصنف هناك. قوله: (صاحي ياسين) روى صاحب "الجامع" عن رسول الله ﷺ أنه قال حين قتل ثقيف عروة بن مسعود: "مثل عروة مثل صاحب يس، دعا قومه إلى الله تعالى فقتلوه"، ولعل معنى النسبة مجيء ذكره في هذه السورة، وقريب منه تسمية السورة بالبقرة ونحوها لذكرها فيها.
[ ١٣ / ٢٠ ]
يضر ولا ينفع، وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم، ثم قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام، فقام وقال: إني أدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابًا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومن هم؟ قال: شمعون وهذان، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه، فآمن، وآمن قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل ﵇ فهلكوا. ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: فقوينا. يقال: المطر يعزز الأرض: إذا لبدها وشدها، وتعزز لحم الناقة. وقرئ بالتخفيف من عزه يعزه: إذا غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا، ﴿بِثَالِثٍ﴾ وهو شمعون. فإن قلت: لم ترك ذكر المفعول به؟ قلت: لأن الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون، وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل الباطل، وإذا كان الكلام منصبًا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح، ونظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق، الغرض المسوق إليه: قولك: بالحق؛
_________________
(١) ـ قوله: (﴿فَعَزَّزْنَا﴾: فقوينا)، الراغب: العزة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، من قولهم: أرض عزاز. أي: صلبة، وتعزز اللحم: اشتد وعز، كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه، كقولهم: تظلف، أي: حصل في ظلف من الأرض، والعزيز: الذي يقهر ولا يقهر، وعز المطر الأرض: غلبها، وعز الشيء: قل، اعتبارًا بما قيل: كل موجود مملول، وكل مفقود مطلوب. قوله: (وقرئ بالتخفيف) أبو بكر: بتخفيف الزاي، والباقون: بتشديدها، وهما لغتان كشده وشدده، أي: قويناهما. قوله: (لم ترك [ذكر] المفعول به) أي: لم يقل: فعززناهما بثالث.
[ ١٣ / ٢١ ]
فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه. إنما رفع ﴿بَشَرٌ﴾ هنا ونصب في قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]؛ لأن "إلا" تنقض النفي، فلا يبقى لـ"ما" المشبهة بـ"ليس" شبه، فلا يبقى له عمل. فإن قلت: لم قيل: ﴿إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ أولًا، و: ﴿إنَّا إلَيْكُم لَمُرْسَلُونَ﴾ آخرًا؟ قلت: لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار.
[﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ١٦ - ١٧]
وقوله: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قولهم: شهد الله، وعلم الله. وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم: ﴿ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أي: الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته؛ وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي، ولم يحضر البينة؛ كان قبيحًا.
[﴿قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ولَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ ١٨ - ١٩]
_________________
(١) ـ قوله: (لأن الأول ابتداء إخبار) فيه نظر، لأن قوله تعالى: ﴿إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ يدل على إنكار سابق، ولا سيما وقد سبق ﴿أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، فلابد من كلام كذبا فيه، والجملة الابتدائية هي التي يتلقى بها خالي الذهن، وتكون خلوا من المؤكدات. قوله: (مع قولهم: ﴿ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾) متعلق بقوله: "وإنما حسن"، يريد: لولا قولهم: ﴿ومَا عَلَيْنَا إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ﴾ لم يحسن قولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾؛ لأن هذا قول العاجز من الدليل الذي لم يبق له متشبث يتشبث به سوى هذه الكلمة، قال في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِّنْ دُونِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٣]: أي: لا تستشهدوا بالله، ولا تقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه. وحين كان معترفًا به وهو أمارة على إقامة البينة فجاز وحسن، لأن البلاغ إنما يكون مبينًا إذا كان مؤكدًا بالمعجزات الظاهرة والآيات المشاهدة.
[ ١٣ / ٢٢ ]
﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: تشاءمنا بكم؛ وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منهم نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشأموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا: ببركة هذا، و: بشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط: ﴿وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى ومَن مَّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وعن مشركي مكة: ﴿وإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]. وقيل حبس عنهم القطر فقالوا ذلك. وعن قتادة: إن أصابنا شيء كان من أجلكم. ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، وقرئ: (طيركم)، أي: سبب شؤمكم معكم؛ وهو كفرهم، أو أسباب شؤمكم معكم؛ وهي كفرهم ومعاصيهم. وقرأ الحسن: (اطيركم) أي تطيركم. وقرئ: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزة الاستفهام وحرف الشرط، و: (آإن ذكرتم) بألف بينهما، بمعنى: أتتطيرون إن ذكرتم؟ وقرئ: (أأن ذكرتم)
_________________
(١) ـ قوله: (﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ تشاءمنا بكم)، الراغب: الطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء، وتطير فلان واطير، وأصله التفاؤل بالطير، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم وقوله: (إنما طائرهم عند الله) أي: شؤمهم: ما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم. قوله: (وقرئ: "طيركم") قال الزجاج: طائر وطير بمعنى واحد، ولا أعلم أحدًا قرأ "طيركم" بغير ألف. قوله: (وقرئ: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزة الاستفهام وحرف الشرط) وهي المشهورة، وقرأ أبو عمرو وقالون وهشام: "آئن" بألف بينهما، وهو استفهام وشرط محذوف الجواب، تقديره: آئن ذكرتم، أي: وعظتم وزجرتم عن الشرك تطيرتم؟
[ ١٣ / ٢٣ ]
بهمزة الاستفهام و"أن" الناصبة، بمعنى: أتطيرتم لأن ذكرتم؟ وقرئ: (أن)، و: (إن) بغير استفهام بمعنى الإخبار، أي: تطيرتم لأن ذكرتم، أو: إن ذكرتم تطيرتم. وقرئ: (أين ذكرتم) على التخفيف، أي: شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم، وإذا شئم المكان بذكرهم كان بحلولهم فيه أشأم. ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ في العصيان،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "أأن") إلى آخرها شواذ، قال ابن جني: قرأ الماجشون: "أن ذكرتم" بهمزة واحدة مفتوحة مقصورة ولا ياء بعدها، والأعمش وأبو جعفر: "أين" بهمزة بعدها ياء ساكنة والنون مفتوحة. "ذكرتم" مضمومة الذال خفيفة الكاف. أما "أن ذكرتم" فمنصوبة الموضع بقوله: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، فإنهم لما قالوا: ﴿إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أجيبوا: بل طائركم معكم أن ذكرتم، أي: هو معكم لأن ما ذكرتم، فلم تذكروا ولم تنتهوا، فاكتفى بالسبب الذي هو التذكير من المسبب الذي هو الانتهاء، كما وضعوا الطائر موضع مسببه وهو التشاؤم لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيق الغراب أو بروحه. وأما "أين ذكرتم" أي: حللتم وكنتم ووجدتم فذكرتم، فاكتفى بالمسبب الذي هو الذكر من السبب الذي هو الوجود، و"أأين" هاهنا شرط وجوابها محذوف لدلالة ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ عليه، أي: أين وجدتم وجد شؤمكم معكم. ولا يجوز الوقف على هاتين القراءتين على ﴿مَّعَكُمْ﴾، لاتصال "أن" "وأين" بها، لكن جاز على الاستفهام لأن الاستفهام يقطع ما قبله عما بعده. قوله: (وإذا شئم المكان بذكرهم). أي: هو من باب الكناية، وذلك أن أجري ذكرهم في مكان دليل على أن المكان حامل على ذكرهم لأمارة أو أثر شؤم منهم فيه، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. قوله: (﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ في العصيان) هذا مبني على أن الإضراب من قوله:
[ ١٣ / ٢٤ ]
ومن ثم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو: بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله.
[﴿وجَاءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ * ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ
_________________
(١) ـ ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾، وحده. فيكون قوله: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ شرطًا جزاؤه محذوف لدلالة ﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، والشرط والجزاء معترضة، وإليه أشار بقوله: "أتطيرون إن ذكرتم؟ " أثبت أولًا ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ بمعنى: أسباب شؤمكم معكم، وهو كفرهم ومعاصيهم، وهو التقدير الثاني، وأكده بالجملة الشرطية، ثم أضرب عنه بقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: مسرفون في عصيانكم، فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله. "أو: بل أنت قوم مسرفون في ضلالكم متمادون" هذا مبني على أن الإضراب من المجموع بمعنى: أتطيرتم لأن ذكرتم؟ وإلى التعليل أشار بقوله: "حيث تتشاءمون" بمعنى: سبب شؤمكم - وهو كفرهم - لأجل أن ذكرتم فلم تذكروا ولم تنتهوا، وهو التقدير الأول، ثم أضرب عنه بقوله: " ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: مسرفون في ضلالكم، متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به". قال القاضي: ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ شرط جوابه محذوف، أي: وعظتم تطيرتم أو توعدتم بالرجم والتعذيب؛ بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان. فمن ثم جاء الشؤم والإسراف في الضلال، ومن ثم توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يتبرك به. وأما ما قدره أبو البقاء: إن ذكرتم ثم كفرتم، فليس بشيء لأن الكلام مع الكفار، والكفر موجود فلا يجوز تعلق الشرط به والله أعلم.
[ ١٣ / ٢٥ ]
مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ولا يُنقِذُونِ * إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ٢٠ - ٢٥]
﴿رَجُلٌ يَسْعَى﴾: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن برسول الله ﷺ، وبينهما ست مئة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره. وقيل: كان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة، فقالوا: أو أنت تخالف ديننا؟ فوثبوا عليه فقتلوه. وقيل: توطؤوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره. وقيل: رجموه وهو يقول: اللهم اهد قومي؛ وقبره في سوق أنطاكية، فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل ﵇. وعن رسول الله ﷺ: "سباق الأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: على بن أبي طالب، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون". ﴿مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي: لا تخسرون معهم
_________________
(١) ـ قوله: (خرج قصبه) القصب: الأمعاء وبه سمي القصاب، لأنه يزاول الأمعاء. قوله: (اللهم اهد قومي) روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، وهو يقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون". قوله: (كلمة جامعة في الترغيب فيهم) وذلك أن القائل أومأ بقوله: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلى أن المرسلين واجبو الاتباع، وأن من أرسله الله تعالى ليرشد الخلق ويخرجهم من الظلمات إلى النور كان صلاحهم في الدارين متابعته، وتعقيبه ذلك بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ تتميم؛ معناه: وأن من سعى في أمر لابد أن يطمع ويتوقع أجره، وهؤلاء السادة بخلاف ذلك، وبقوله ﴿وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إشارة إلى أن غرضهم في ذلك ليس إلا محض النصح لا متابعة أمر الشهوة والرياء، وأن يكونوا موطئي العقب،
[ ١٣ / ٢٦ ]
شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، ثم ابرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم؛ ليتلطف لهم ويداريهم؛ ولأنه أدخل في إمحاض النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه، ولقد وضع
_________________
(١) ـ وهو إيغال في نهاية من الكمال. روى ابن الأفلح الكاتب في المقدمة: أن النابغة الذبياني كان يضرب له قبة آدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها فأتاه حسان فأنشده، وأتاه الأعشى فأنشده، ثم أتته الخنساء فأنشدته القصيدة الرائية فلما بلغت: وإت صخر آلتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار فقال لها: أما كفاك أن جعلته علما حتى صيرت في رأسه نارًا، والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفًا لقلت: إنك أشعر أهل زمانك من الجن والإنس.
[ ١٣ / ٢٧ ]
قوله: ﴿ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مكان قوله: ومالكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؟ ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ يريد:
_________________
(١) ـ قوله: (ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع)، قال صاحب "المفتاح": ولولا التعريض لكان المناسب: وإليه أرجع، وكذا ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ولا يُنقِذُونِ * إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ المراد: أتتخذون من دونه آلهة إن يردكم الرحمان بضر لا تغن عنكم شفاعتهم شيئًا ولا ينقذوكم إنكم إذًا لفي ضلال مبين، ولذلك قيل: ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأتبعه ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ ولا تعرف حسن موقع هذا التعريض إلا إذا نظرت إلى مقامه وهو يطلب إسماع الحق على وجه لا يورث طالبي دم المسمع مزيد غضب، وهو ترك المواجهة بالتضليل والتصريح بارتكاب الباطل. قلت: قد ذهبا إلى أن قرينة التعريض هو قوله: ترجعون، ولو لاه لم يكن تعريضًا كأن هذا تعريض منهما بالواحدي حيث قال: فلما قال هذا، أي: الرجل: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ إلى آخره/ فرفعوه إلى الملك فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: ﴿ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي: أي شيء لي إذا لم أعبد خالقي وإليه ترجعون، تردون عند البعث فيجزيكم بكفركم؟ تم كلامه. وذلك أنه إذا رجع الإنكار إليه لا إلى القوم لم يكن لخطاب القوم بقوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ معنى، وكان الظاهر إليه أرجع.
[ ١٣ / ٢٨ ]
فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه: أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتؤكم وإليه مرجعكم، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا
_________________
(١) ـ ويمكن أن يقال: إن الرجل كان في غيظ شديد من تكذيبهم الرسل، وقولهم: ﴿مَا أَنتُمْ إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ إلى قوله: ﴿ولَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وانتهز الفرصة للانتقام، فلما تمكن من تهديدهم أوقع قوله: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في البين؛ أي: مالي لا أعبد الذي من علي بنعمة الإيجاد ونعمة الانتقام منكم والتشفي من غيظكم إذ ترجعون إليه، فيجزيكم بكفركم وتكذيبكم الرسل وعنادكم، لكن النظم يساعد على الأول، فإن التقدير: اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون في عبادة الملك العلام الضار النافع، وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وما لكم أيها القوم لا تتبعونهم، ولا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون فيجزيكم على أعمالكم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ثم نبه على ضلالتهم، وأنهم على خلاف ما عليه الرسل من الاهتداء بقوله: ﴿إنِّي إذًا لَّفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ورشح التنبيه بقوله: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي: اسمعوا ما قلت لكم من حال الرسل وحالكم ثم حالي، لتفرقوا بين الحق والباطل، فتتبعوا الرسل. وقد يقال: إن الأسلوب من الالتفات المعنوي حيث التفت من حكاية النفس في ﴿ومَا لِيَ﴾ إلى الخطاب في ﴿تُرْجَعُونَ﴾، ولا بأس باختلاف المفهومين، لأن المراد ما لكم كما سبق، وقريب من الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] قال المصنف: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ عبارة عن البخل، و﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما يقول: سبني سب الله دابره، أي: قطعه، لأن السب أصله القطع. قوله: (وما أدفع العقول وأكرها لأن تستحبوا) معناه: ما أدفع العقول وأنكرها
[ ١٣ / ٢٩ ]
على عبادته عبادة أشياء إن أرادكم هو بضر وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم ولم يمكنوا من أن يكونوا شفعاء عنده، ولم يقدروا على إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم في هذا الاستحباب لواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذي عقل وتمييز. وقيل: لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم: ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي: اسمعوا إيماني تشهدوا لي به. وقرئ: (إن يردني الرحمن بضر) بمعنى: إن يوردني ضرًا، أي: يجعلني موردًا للضر.
[﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ ٢٦ - ٢٧]
أي: لما قتل ﴿قِيلَ﴾ له: ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾. وعن قتادة: أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق. أراد قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقيل: معناه البشرى بدخول الجنة وأنه من أهلها. فإن قلت: كيف مخرج هذا القول في علم البيان؟ قلت: مخرجه مخرج الاستئناف؛ لأن هذا من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، كأن قائلًا قال: كيف كان لقاء ربه بعد ذلك التصلب في نصرة دينه والتسخي لوجهه بروحه؟ فقيل: قيل: ادخل الجنة، ولم يقل: قيل له؛ لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه، لا إلى القول له مع كونه معلومًا، وكذلك ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم. وإنما تمنى علم قومه بحاله؛ ليكون علمهم بها سببًا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن الكفر، والدخول في الإيمان، والعمل الصالح المفضيين بأهلها إلى الجنة. وفي حديث مرفوع: "نصح قومه حيًا وميتًا".
_________________
(١) ـ لاستحبابكم عبادة أشياعكم على عبادة الله؛ إن أراد الله أن يضركم فهؤلاء لم يتمكنوا من الشفاعة. قوله: (نصح قومه حيًا وميتًا) أما نصحه حيًا فظاهر، وأما في الممات فإنه لا تمنى من الله
[ ١٣ / ٣٠ ]
وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام؟ ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزًا، ولم تعقبه إلا سعادة؛ لأن في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور. والأول أوجه. وقرئ: (المكرمين). فإن قلت: "ما" في قوله تعالى: ﴿بِمَا
_________________
(١) ـ تعالى أن يعلم قومه بأنه تعالى غفر له وجعله من المكرمين لا يبعد أن الله تعالى أعطى مناه وحقق متمناه وأعلمهم ذلك إما بإلهام أو برؤية صادقة، وكان علمهم بذلك سبب لاكتساب مثلها لأنفسهم إلى آخر ما أشار إليه المصنف. هذا معنى نصح الميت. قوله: (في غمار) يقال: دخلت في غمار الناس وغمار الناس؛ بفتح وبضم، أي: كثرتهم وزحمتهم. قوله: (والأول أوجه) وهو أن يكون قوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ تمنى علم قومه بحاله ليكون علمهم بذلك سببًا لاكتساب مثلها، لا تمنى أن ينتهوا عن خطئهم وصوابه، لما ينبئ ذلك على أنه نصح قومه حيًا وميتًا؛ ولما اشتمل على تلك الفوائد المتكاثرة على سبيل الإدماج بخلافه في الثاني، فإن فيه شائبة حظ النفس من الشماتة بهم والاغتياظ بها قال، فلا يطابق قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ كما سبق أن غرضهم في الدعوة لم يكن سوى محض النصح. قوله: (وقرئ: "المكرمين")، وهي شاذة.
[ ١٣ / ٣١ ]
غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي الماآت هي؟ قلت: المصدرية أو الموصولة؛ أي: بالذي غفره لي من الذنوب. ويحتمل أن تكون استفهامية؛ يعني: بأي شيء غفر لي ربي؟ يريد به ما كان منه معهم من المصابرة لإعزاز الدين حتى قتل، إلا أن قولك: بم غفر لي، بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزًا؛ يقال: قد علمت بها صنعت هذا، [أي: بأي شيء صنعت]، و: بم صنعت.
[﴿ومَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ٢٨ - ٢٩]
المعنى: أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم يتنزل لإهلاكهم جندًا من جنود السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت: وما معنى قوله: ﴿ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾؟ قلت: معناه: وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندًا من السماء؛ وذلك لأن الله ﷿ أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، وما
_________________
(١) ـ الراغب: الإكرام والتكريم: أن يوصل إلى الإنسان نفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو جعل ما يوصل إليه شيئًا شريفًا، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤]، أي: جعلهم كرامًا، وقال: ﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾، وقوله: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] منطو على المعنيين. قوله: (بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزًا)، أنشد في "المطلع": إنا قتلنا بقتلانا سراتكم أهل اللواء ففيما يكثر القتل قال: "ففيما" بالألف.
[ ١٣ / ٣٢ ]
ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]؟ فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؛ قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، ﴿بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ﴿بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]؟ قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحته، ولكن الله فضل محمدًا ﷺ بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من الرسل، فضلًا على حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما
_________________
(١) ـ قوله: (فضلًا عن حبيب النجار) وفي بعض النسخ: "على حبيب النجار"، وهو مفعول مطلق، يعني: فضل الله تعالى محمدًا صلوات الله عليه على كبار الأنبياء فضله على حبيب النجار، يعني: له أسوة بسائر الأنبياء في أن لم ينزل الله تعالى في إهلاك قومهم جندًا من السماء، لأن ذلك من خصائص سيدهم صلوات الله عليه وعليهم. فإن قلت: أي فرق بين الاستعمالين؟ قلت: على الأول ينعكس المعنى وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿ومَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ على معنى: ما كان يصح في حكمة الله أن ينزل في إهلاك قوم حبيب جندًا من السماء، لأن ذلك من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها حبيب النجار، ولو أريد ذلك المعنى لقيل: ولكن الله تعالى فضل محمدًا صلوات الله عليه على كبار الأنبياء حيث خصه بهذه الفضيلة ولم يعطها أحدًا منهم فضلًا عن حبيب النجار، فيلزم منه تنقيص الحبيب، لأن "فضلًا" إذا عدي بـ"عن" ضمن معنى التجاوز، واستعمل في
[ ١٣ / ٣٣ ]
لم يوله أحدًا؛ فمن ذلك أنه أنزل له جنودًا من السماء، وكأنه أشار بقوله: ﴿ومَا أَنزَلْنَا﴾، ﴿ومَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله بغيرك. ﴿إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً﴾: إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة. وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على "كان" التامة، أي: ما وقعت إلا صيحة، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل؛ لأن المعنى: ما وقع شيء إلا صيحة، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ، وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وبيت ذي الرمة:
_________________
(١) ـ موضع يستعبد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه، وما كان طريقًا إلى بيان فضله كان أولى بالسلوك مما فيه بيان نقصه. قوله: (وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل) قال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: ما كانت عقوبتهم إلا صيحة واحدة، ومن قرأ بالرفع فالمعنى: ما وقعت عليهم عقوبة إلا صيحة واحدة. وقال ابن جني: في الرفع ضعف لتأنيث الفعل، ولا يقوى أن تقول: ما قدمت إلا هند، لأن الكلام محمول على: ما قام أحد إلا هند، وأما محصول الآية فقد كان هناك صيحة واحدة فجيء بالتأنيث، ومثله قراءة الحسن: "فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم" [الأحقاف: ٢٥]، وقول ذي الرمة: طوى النحز والأجراز ما في غروضها وما بقيت إلا الصدور الجراشع أي: ما بقي شيء منها إلا الضلوع، وفي رواية: برى لحمها سير الفيافي وحرها طوى، أي: أضمر. والنحز: الضرب بالأعقاب في الاستحثاث.
[ ١٣ / ٣٤ ]
وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
وقرأ ابن مسعود (إلا زقية واحدة)، من زقا الطائر يزقو ويزقي؛ إذا صاح، ومنه المثل: أثقل من الزواقي. ﴿خَامِدُونَ﴾ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رمادًا، كما قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع
[﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ٣٠]
﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾
_________________
(١) ـ والأجراز: الأمحال والأرضون التي لا نبت بها، جمع جرز. والغروض: جمع غرض، وهي الغرضة بضم الغين المعجمة. والتصدير: وهو للرحل بمنزلة الحزام للسرج. والجراشع: جمع الجرشع، وهو المنتفخ الجنب يملأ الحزام. يقول: هزل النياق الاستحثاث والارتحال وما بقيت إلا الضروع المنتفخة. قوله: (وقرأ ابن مسعود: إلا زقية واحدة). قال ابن جني: يقال: زقي الطائر يزقو ويزقي زقوًا وزقيًا: إذا صاح، وهي الزقوة والزقية، وإنما استعمل هنا صياح الطائر تنبيهًا على ان البعث من عظيم القدرة، وإعادة ما استرم من إحكام الصنعة، وإنشار الموتى من القبور: سهل كزقية الطائر، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. قوله: (أثقل من الزواقي) قال الميداني: قال محمد بن قدامة: سألت الفراء عنها فلم يعرفها، فقالجليس له: غن العرب كانت تسمر بالليل، فإذا زقت الديكة استثقلتها لأنها تؤذن بالصبح، فاستحسن الفراء قوله.
[ ١٣ / ٣٥ ]
نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل. والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم
_________________
(١) ـ قوله: (نداء للحسرة عليهم) قال الزجاج: هذا [من] أصعب مسألة في القرآن، لأن الحسرة مما لا يجيب، فالفائدة في مناداتها كما أنك تقول لمن هو مقبل عليك: يا زيد، ما أحسن ما صنعت! فإنه أوكد وأبلغ من إذا قلت: ما أحسن ما صنعت! لتنبيهه بالنداء على المطلوب، فكذا إذا قلت: وأنا أعجب مما فعلت، فقد أفدته أنك متعجب، ولو قلت: واعجباه مما فعلت! كان أبلغ في الفائدة، والمعنى: يا عجب أقبل فإنه من أوقاتك، وإنما نداء العجب تنبيه لأن يتمكن علم المخاطب بالتعجب من فعله. والحسرة: هي أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية بعده حتى يبقى حسيرًا. قوله: (وهي حال استهزائهم) بيان لاسم الإشارة في "فهذه"، أي: حال استهزائهم بالرسل حال من أحوالك يا حسرة، فاحضري فيها. وفيه: أن قوله تعالى: ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ بيان للكلام السابق، كأنه لما قيل: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾، قيل: لأي شيء؟ فأجيب بأنه ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ فالمتحسر إما عام يعني بلغ الأمر فخامته وشدته إلى حيث كل من يأتي منه التلهف إذا نظر إلى حالة استهزائهم الرسل تحسر عليهم، وقال: فيا لها من خسار وخيبة على هؤلاء المجازفين حيث بدلوا الإيمان بالكفر، والسعادة بالشقاوة، وإما كل من يعتد منه التحسر كما في قوله لهم: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وهو المراد من قوله: من جهة الملائكة والمؤمنين، وأما التحسر من الله فمجاز. وذلك أن التحسر هو تلهف ورقة تعتري الإنسان لا يلحق بصاحبه من مشقة وشدة، وغايته أن يستعظم ذلك الأمر، وينكر على مرتكبه، ويتعجب منه كيف تورط فيه، وفي حق الله تعالى محمول على غايته لا على بدايته، وإليه أشار بقوله: في تعظيم ما جنوه على أنفسهم إلى آخره.
[ ١٣ / ٣٦ ]
المتحسرون، ويتلهف على حالهم المتلهفون. أو: هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. ويجوز أن يكون من الله عز وعلا على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحنوها به، وفرط إنكاره له وتعجيبه منه، وقراءة من قرأ: (يا حسرتا) تعضد هذا الوجه، لأن المعنى: يا حسرتي. وقرئ: (يا حسرة العباد)،
_________________
(١) ـ قوله: (على سبيل الاستعارة) إلى قوله: (وتعجيبه منه)، قال في قوله تعالى "بل عجبت ويسخرون" [الصافات: ١٢] بضم التاء: معنى التعجب من الله تعالى: إما مجرد الاستعظام، أو يتخيل العجب ويفرض. وسيجيء بيانه إن شاء الله تعالى في "الصافات". قوله: (وقرئ: "يا حسرة العباد") قال ابن جني: هي قراءة ابن عباس والضحاك وأبي بن كعب. وقرأ الأعرج ومسلم بن جندب: "يا حسره" ساكنة الهاء، ففيه نظر، لأن قوله: ﴿عَلَى الْعِبَادِ﴾ متعلق بها، أو صفة لها، فلا يحسن الوقف عليها دونه إلا أن يقال: إن العرب إذا أخبرت عن الشيء غير معتد به، ولا معتزمة عليه، أسرعت فيه، ولم تتأن على اللفظ المعبر عنه، قال: قلنا لها: قفي لنا، قالت: قاف أي: وقفت. فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها تهاونًا بالحال، وتثاقلا عن الإجابة، أو ﴿عَلَى العِبَادِ﴾ غير متعلقة بـ ﴿يَا حَسْرَةً﴾ بل بمضمر يدل عليه ﴿حَسْرَةً﴾، كأنه قيل: أتحسر على العباد. وأما الإضافة فعلى وجهين: أحدهما: أن العباد فاعلون في المعنى كقولك: يا قيام زيد،
[ ١٣ / ٣٧ ]
على الإضافة إليهم؛ لاختصاصها بهم؛ من حيث إنها موجهة إليهم. و(يا حسره على العباد) على إجراء الوصل مجرى الوقف.
[﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وإن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ٣١ - ٣٢].
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾: ألم يعلموا، وهو معلق عن العمل في ﴿كًمْ﴾؛ لأن "كم" لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للاستفهام أو للخبر، لأن أصلها الاستفهام، إلا أن معناه نافذ
_________________
(١) ـ ويا جلوس عمرو، وكأن العباد إذا شاهدوا ذلك تحسروا. وثانيهما: أن العباد مفعولون في المعنى، وشاهده القراءة الظاهرة، أي: يتحسر عليهم من يعنيه أمرهم، ويهمه ما يهمهم. ويقوي الوجه الأول قول صاحب المطلع: ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ﴾ كالبيان لسبب حسرتهم، كأنه قيل: ما سبب تحسرهم؟ فقيل: استهزاؤهم بالرسل. والقراءة بالإضافة تدل على هذا المعنى. قال صاحب "الكشف": ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ﴾ نداء مطول مشابه للمضاف لتعلق الجار بالمصدر، فهو كقولهم: با خيرًا من زيد. وفي "المنتقي": وقفوا بالهاء الساكنة على ﴿حَسْرَةً﴾ وقفًا طويلًا تعظيمًا للأمر ثم قال: ﴿عَلَى العِبَادِ﴾. وفي "اللوامح": وقفوا على الهاء مبالغة في التحسر لما في الهاء من التأهه كالتأوه، ثم وصلوه على تلك الحال. قوله: (لأن "كم" لا يعمل فيها عامل قبلها)، قال الزجاج: موضع "كم" نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، لأن "كم" لا يعمل فيها ما قبلها خبرًا كانت أو استخبارًا، تقول في الخبر: كم فرسخ سرت؟ تريد: سرت فراسخ كثيرة. ولا يجوز: سرت كم فرسخ، وذلك أن "كم" في بابها بمنزلة "رب" وإن كان أصلها الاستفهام والإبهام، فكما أنه لا يجوز في الاستفهام: سرت كم فرسخًا، كذا في الخبر، لأن الإبهام قائم.
[ ١٣ / ٣٨ ]
في الجملة، كما نفذ في قولك: ألم يروا إن زيدًا لمنطلق، وإن لم يعمل في لفظه. و﴿أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى، لا على اللفظ، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. وعن الحسن: كسر: "إن" على الاستئناف. وفي قراءة ابن مسعود: (ألم يروا من أهلكنا)، والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال، وهذا مما يرد قول أهل الرجعة. ويحكى عن ابن عباس ﵄: أنه قيل له: إن قومًا يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذن؛ نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه. قرئ: (لما) بالتخفيف، على أن "ما" صلة للتأكيد،
_________________
(١) ـ قوله: (و﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ)، قال صاحب "الكشف": ﴿أَنَّهُمْ إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بدل من موضع ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وليس بدلًا من "كم" وحده، لأن العامل في "كم" هو ﴿أَهْلَكْنَا﴾ ولا يعمل ﴿أَهْلَكْنَا﴾ في "أن"، إذ ليس المعنى: أهلكنا أنهم لا يرجعون، والتقدير: ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا، أي: ألم يعتبر كفار مكة بكثرة من أهلكنا من قبلهم واستئصالنا وتدميرنا إياهم حتى لم يبق منهم أثر فيقلعوا عما هم فيه! قوله: (والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال) لأن "من أهلكنا" ذات، وعلى ألأول: كان بدل الكل، فإنهم كونهم غير راجعين عبارة عن إهلاكهم، لأنه لازم له وهو المراد من قوله: "بدل على المعنى لا على اللفظ". قوله: (مما يرد قول أهل الرجعة) أي: التناسخية، يقال: فلان يؤمن بالرجعة، أي: بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت. قوله: (وقرئ: "لما" بالتخفيف) عاصم وابن عامر وحمزة: بتشديد الميم، والباقون: بتخفيفها، وسبق تفسيره في سورة "هود".
[ ١٣ / ٣٩ ]
و"إن": مخففة من الثقيلة، وهي متلقاة باللام لا محالة؛ و﴿لَّمَّا﴾ بالتشديد، بمعنى: إلا، كالتي في مسألة "الكتاب": نشدتك بالله لما فعلت، و﴿إِنْ﴾ نافية، والتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ هو الذي يقع عوضًا من المضاف إليه، كقولك: مررت بكل قائمًا. والمعنى: أن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. وقيل: محضرون: معذبون.
فإن قلت: كيف أخبر عن "كل" بـ"جميع" ومعناها واحد؟ قلت: ليس بواحد؛ لأن "كلا" يفيد معنى الإحاطة، وان لا ينفلت منهم أحد، والجميع: معناه: الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم. والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاؤوا جميعًا.
[﴿وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ * وجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وأَعْنَابٍ وفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العُيُونِ * لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ومَا عَمِلَتْهُ
_________________
(١) ـ قوله: (ليس بواحد؛ لأن "كلا" يفيد معنى الإحاطة) والجميع: معناه: الاجتماع. الانتصاف: ومن ثم أوقع "أجمع" في التوكيد تابعًا لـ"كل". قوله: (يقال: حي جميع)، الأساس: وهو جميع الرأي، وجميع الأمر، وحي جميع. الجوهري: والجميع: الحي المجتمع، قال لبيد: عريت وكان بها الجميع فأبكروا منها وغودر نؤيها وثمامها واعلم أن ألفاظ التوكيد كأجمع وأكتع وأبصع، لا تكون إلا تأكيدًا وتابعًا لما قبله، لا يبتدأ بها، ولا يخبر عنها، ولا تكون فاعلًا ولا مفعولًا، ولفظ "جميع" من التوكيد الذي يقع تارةً اسمًا وأخرى تأكيدًا، مثل: نفسه وعينه وكله. ويكون صفة كقولهم: حي جميع، ولهذا قال: والجميع فعيل بمعنى مفعول.
[ ١٣ / ٤٠ ]
أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومِنْ أَنفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣٣ - ٣٦]
القراءة بـ ﴿المَيْتَةُ﴾ على الخفة أشيع؛ لسلسها على اللسان. و﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئناف، بيان لكون الأرض الميتة آية، وكذلك ﴿نَسْلَخُ﴾ [يس: ٣٧]، ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل؛ لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض وليل بأعيانهما؛ فعوملا معاملة
_________________
(١) ـ قوله: (بيان لكون الأرض الميتة آية) كأن قائلًا قال: كيف تكون الأرض الميتة آية؟ فقال: ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾. قال أبو البقاء: ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأ و﴿لَّهُمْ﴾ الخبر، و﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ و﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ الخبر، والجملة تفسير الآية. وقيل: ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ و"آية" خبر مقدم و﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ تفسير الآية، و﴿لَّهُمْ﴾ صفة الآية. قوله: (ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل) أي: بـ ﴿أَحْيَيْنَا﴾ و﴿نَسْلَخُ﴾، لأنه أريد بهما الجنسان، والتقدير: وآية لهم أرض ميتة من الأراضي الميتة أحييناها، وليل من الليالي سلخنا منه النهار. الانتصاف: غير الزمخشري يمنع من وقوع الجملة وصفًا للمعرفة وإن كانت جنسًا، ويراعي المطابقة اللفظية. قلت: قد ذكرنا عن ابن جني أنه قال: إن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته؛ ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، فتجد معناه معنى قولك: خرجت فإذا الأسد بالباب، لا فرق بينهما، وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسدًا واحدًا معينًا، وإنما تريد: خرجت فإذا بالباب واحد من هذا الجنس. وقال ابن الحاجب: المحققون قالوا في مثل قوله:
[ ١٣ / ٤١ ]
النكرات في وصفهما بالأفعال، ونحوه:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
وقوله: ﴿فَمِنْهُ يَاكُلُونَ﴾ بتقديم الظرف؛ للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء
_________________
(١) ـ ولقد أمر على اللئيم يسبني إن قوله: "يسبني" صفة، لكونه لم يقصد لئيمًا معهودًا، فجرى في ذلك مجرى المنكر لما كان باعتبا الموجود مثله. قوله: (ولقد أمر على اللئيم يسبني)، تمامه: فمضيت ثمت قلت لا يعنيني فإن قلت: لم تمنع أن يكون "لا يعنيني" حالًا لا صفة ويراد: لئيم معهود؟ قلت: كان الشاعر يصف نفسه بالتؤدة، وأنه حليم ذو أناة، ولا يستتب له ذلك بمروره مرة على لئيم ولا مرتين حتى يصير ذلك ملكة راسخة. قوله: (بتقديم الظرف) للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش يعني: عقيب إخراج الحب الأكل مع تقديم صفة الأكل المفيد للاختصاص. وقد علم أن المأكول غير مختص به، لكن قدم ليدل على أنه الأصل في الارتزاق والمأكولات تابعة له، ألا ترى أنه إذا قل نزل القحط وإذا حصر جاء الهلاك، فالدوران معه، فإرادة التخصيص على المبالغة والادعاء نحو إطلاق اسم الجنس على فرد من أفراده كحاتم الجواد. ويجوز أن يقدم رعاية للفواصل.
[ ١٣ / ٤٢ ]
القحط ووقع الضر، وإذا فقد حضر الهلاك ونزل البلاء. قرئ: ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ بالتثقيل والتخفيف، والفجر والتفجير، كالفتح والتفتيح لفظًا ومعنى. وقرئ: ﴿ثَمَرِهِ﴾ بفتحتين، وضمتين، وضمة وسكون، والضمير لله تعالى، والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر ﴿وَ﴾ من ﴿مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ من الغرس والسقي والإبار، وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: ﴿وَفّجَّرْنَا﴾ بالتثقيل) هي المشهورة. قوله: (وقرئ: ﴿ثَمَرِهِ﴾ بفتحتين وضمتين) بالضمتين: حمزة والكسائي. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ "من" على قول الأخفش زائدة، وعلى قول غيره: المفعول محذوف، أي: من العيون ما تنتفعون به. قوله: (والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر ﴿وَ﴾ من ﴿مَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾) فـ"ما" على هذا موصولة وهومع صلته، عطف على ما بينه قوله: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ وهو ما خلقه الله. وتلخيصه ما قال: إن الثمر في نفسه فعل الله، وفيه آثار من كد بني آدم. وعن بعضهم: في "ما عملته" ثلاثة أوجه: أحدهما: أن تكون "ما" موصولة، والثاني: أن تكون نكرة موصوفة. وعلى الوجهين هو في موضع جر عطفًا على ﴿ثَمَرِهِ﴾، ويجوز نصبه على موضع ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾. والثالث: أن تكون نافية، أي: ليأكلوا من ثمره ولم تعلمه أيديهم، ويقرأ بغير هاء. وتحتمل الأوجه الثلاثة إلا أن كونها نافية ضعيف، لأن "عملت" لم يذكر له مفعول، وهو من قول أبي البقاء. قوله: (والإبار)، الجوهري: تأبير النخل: تلقيحه. يقال: نخل مؤبرة، والاسم منه الإبار، على وزن الإزار. قوله: (وإبان أكله) إبان الشيء بالكسر والتشديد: وقته، يقال: كل الفواكه في إبانها، أي: في وقتها.
[ ١٣ / ٤٣ ]
من كد بني آدم، وأصله من ثمرنا كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ [المائدة: ١٣٠]، ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ [الكهف: ٢٣]، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل، وتترك الأعناب غير مرجوع إليها؛ لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره. ويجوز أن يراد: من ثمر المذكور؛ وهو الجنات، كما قال رؤبة:
فيها خطوط من بياض وبلق كأنه في الجلد توليع البهق
فقيل له، أردت: كأن ذاك. ولك أن تجعل "ما" نافية، على أن الثمر
_________________
(١) ـ قوله: (على طريقة الالتفات) ليس هذا من مظان الالتفات، لأن القصد في جعل الجنات وتفجير العيون إخرج الثمر المأكول، فكان التمكن على الأكل أولى بالتفخم لأنه أدل على الامتنان، وأنت تعلم الفرق بين ضمير الإفراد والجمع للواحد المطاع، بل الضمير راجع إلى المذكورات ليكون على وزان قوله: ﴿وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ﴾ ويظهر التفاوت بين ذلك المأكول وبين هذا من تقديم المعمول وتأخيره عن العامل، ثم جعل "ما" نافية أحرى مما تجعل موصولة لإيراد قوله: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ على التقريع والتوبيخ، وأيضًا يلزم من الموصولة أن يكونوا مستقلين في ذلك العمل، وليس فيه لله تعالى أثر، كقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] لأن التركيب من باب قولهم: أخذته بيدي ورأيته بعيني، وذلك ينافي أن يكون قوله: ﴿أَحْيَيْنَاهَا وأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ﴾ إلى آخر الآيتين، بيانًا لقوله: ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ﴾، والله أعلم. قوله: (ويجوز أن يرجع إلى النخيل) عطف على قوله: "والضمير لله". الجوهري: النخل والنخيل بمعنى، والواحدة نخلة. قوله: (فيها خطوط) البيت، التوليع: ظهور النقط البيض على الشيء، والمولع كالملمع إلا أن التوليع استطالة البلق. قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة: إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت البياض والبلق فقل: كأنهما، فقال: كأن ذلك ويلك.
[ ١٣ / ٤٤ ]
خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه. وقرئ على الوجه الأول: (وما عملت) من غير راجع، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام مع الضمير. ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: الأجناس والأصناف. ﴿ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾: ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقًا إلى العلم به؛ لأنه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأعلمهم بما لا يعلمون، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون. وعن ابن عباس ﵁: لم يسهم. وفي الحديث: "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه" فأعلمنا بوجوده وإعداده، ولم يعلمنا به ما هو، ونحوه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه ومما جهلوه ما دل على عظم قدرته واتساع ملكه.
[﴿وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ ٣٧]
سلخ جلد الشاة: إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه: سلخ الحية: لخرشائها، فاستعير لإزالة الضوء وكشفه
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ على الوجه الأول) أي: على أن تكون "ما" موصولة. قال القاضي: ويؤيده قراءة الكوفيين عن حفص بلا هاء، فإن حذفه من الصلة أحسن من غيرها. قوله: (وفي الحديث: "ما لا عين رأت") الحديث، أخرجناه في سورة السجدة. قوله: (وإعداده) أي: قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. قوله: (فاستعير لإزالة الضوء وكشفه) يعني: استعار لإزالة الضوء السلخ، وهي
[ ١٣ / ٤٥ ]
عن مكان الليل وملقى ظله. ﴿مُظْلِمُونَ﴾: داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا، كما يقال: أعتمنا وأدجينا.
_________________
(١) ـ استعارة تبعية مصرحة، والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر. وقوله: (عن مكان الليل وملقى ظله): ظاهره مشعر بأن النهار طار على الليل. قال المرزوقي: الآية دلت على أن الليل قبل النهار، لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ، كما أن المغطى قبل الغطاء. وقال الفراء: الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها إذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل، أي: كشط وأزيل فتظهر الظلمة. قال محيي السنة: معناه: نذهب بالنهار ونجيء بالليل، وذلك أن الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها. ويؤيده ما روى الإمام أحمد بن حنبل والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليه من نوره، فمن أصابه من نوره اهتدى، ومن أخطاه ضل"، لكن قوله في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣] أي: يلبسه مكانه، فيصير أسود مظلمًا بعد ما كان أبيض منيرًا، مؤذن بأن بين الليل والنهار توالجًا وتداخلًا، قال الله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] قال: إن الليل والنهار خلفة؛ يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه، فكأنما ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس.
[ ١٣ / ٤٦ ]
[﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ
_________________
(١) ـ وأما قول صاحب "المفتاح": المستعار له ظهور النهار والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، فمأخوذ من تفسير الزجاج قال: ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ معنى نسلخ: نخرج منه النهار إخراجًا لا يبقى معه شيء من ضوء النهار، وذلك من العلامات الدالة على توحيد الله وقدرته، فصح قوله: ﴿فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي: داخلون في الظلام. وفي "النهاية": كتب عمر إلى [أبي] عبيدة ﵄: "فاظهر بمن معك من المسلمين إليها"، أي: إلى الأرض، يعني: اخرج بهم إلى ظاهرها. وفي حديث عائشة ﵂: "كان يصلي العصر ولم يظهر الفيء بعد من حجرتها"، أي: لم يرتفع ولم يخرج إلى ظهرها. وفي "المغرب": أصل الظهور خلاف الخفاء، وقد يعبر به عن الخروج والبروز، لأنه يردف ذلك؛ أي: هو كناية عنه. هذا التفسير موافق لما ذهب إليه المصنف؛ لأن الظهور بمعنى الزوال، وقد قال: "إذا كشطه عنها وأزاله". حكى الجوهري يقال: وهذا أمر ظاهر عنك عاره، أي: زائل. وفي "النهاية": لما قيل لابن الزبير: با ابن ذات النطاقين، تمثل بقول أبي ذؤيب. وتلك شكاة ظاهر عنك عارها يقال: ظهر عني هذا العيب: إذا ارتفع عنك.
[ ١٣ / ٤٧ ]
حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٣٨ - ٤٠]
﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾: لحد لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقًا مشرقًا ومغربًا مغربًا حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع، فذلك حدها ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه، أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا؛ وهو المغرب.
_________________
(١) قوله: (لحد لها مؤقت مقدر) بيان لقوله: "مؤقت"، فاللام في ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾ للاختصاص، لأن جريها مختص به كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر. قال المصنف في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]: "لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه، ومعنى اللام الاختصاص". ولو قيل: إلى مستقر لها، كان للغاية والانتهاء، ومعنى الاختصاص يعود للانتهاء، لأن جريها لما يختص بها ينتهي إليه، ولهذا قال: ينتهي إليه. قوله: (أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب) يريد أن الشمس كل يوم لها مشرق ومغرب إلى ستة أشهر إلى أن تنتهي إلى غاية ارتفاعها في زمان الصيف، فذلك حدها في الارتفاع لا تعدوه، ثم ترجع على تلك المقنطرات ستة أشهر أخرى إلى أن تنتهي إلى غاية انخفاضها في زمان الشتاء، فذلك حدها في الانخفاض لا تعدوه، واختلاف المشارق والمغارب بحسب ارتفاعها وانخفاضها وحركاتها المخصوصة شيئًا فشيئًا بحسب التدرج أو التدلي، وهو المراد من قوله: لأنها تتقصاها مشرقًا مشرقًا ومغربًا مغربًا. الأساس: تقصيت المكان: صرت في أقصاه، وهو مني بالقصا، أي: بالبعد.
[ ١٣ / ٤٨ ]
وقيل: مستقرها: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه؛ وهو آخر السنة، وقيل: الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها، وهو يوم القيامة.
وقرئ: (تجري إلى مستقر لها)، وقرأ ابن مسعود: (لا مستقر لها) أي: لا تزال
_________________
(١) ـ قوله: (وقيل: مستقرها: أجلها)، فعلى هذا: المستقر اسم الزمان، وعلى الأول: اسم المكان. قوله: (وقيل: الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة)، فالمستقر أيضًا: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها. الأساس: يقال: قررت عنده الخبر فتقرر، ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "تذهب لتسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، وذلك قوله تعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ". متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. قوله: (وقرأ ابن مسعود: "لا مستقر لها") قال ابن جني: قرأ بها ابن عباس وعكرمة وعطاء وظاهرها العموم، ومعناه الخصوص؛ لأن "لا" النافية للجنس لا تدخل إلا نفيًا عامًا؛ فقولك: لا رجل عندي، جواب عن سؤال عام، أي: هل عندك قليل أو كثير من هذا الجنس الذي يقال لواحده: رجل؟ فقوله تعالى: "لا مستقر لها" نفي أن تستقر أبدًا، ونحن نعلم أن السماوات إذا زلن بطل سير الشمس أصلًا، فاستقرت مما كانت عليه من السير. ونعوذ بالله أن تقول: إن حركتها دائمة كما تذهب إليه الملحدة. ونحوه قول الشاعر: أبكي لفقدك ما ناحت مطوقة وما سما فنن يومًا على ساق
[ ١٣ / ٤٩ ]
تجري لا تستقر. وقرئ: (لا مستقر لها) على أن "لا" بمعنى "ليس". ﴿ذَلِكَ﴾ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه، وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا ﴿تَقْدِيرُ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علمًا بكل معلوم.
قرئ: (والقمر) رفعًا على الابتداء، أو عطفًا على ﴿اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧]، يريد: ومن آياته القمر، ونصبًا بفعل يفسره ﴿قَدَّرْنَاهُ﴾، ولابد في ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ من تقدير مضاف؛ لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل، والمعنى: قدرنا مسيره منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه،
_________________
(١) ـ أي: ما عشت أبدًا بكيتك، كذلك "لا مستقر لها" ما دامت السماوات على ما هي عليه. قوله: (على أن "لا" بمعنى "ليس") المعنى: ذلك الجري على ذلك التقدير: ليس بمستقر للشمس، ذلك تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور. قوله: (قرئ: "القمر"، رفعًا على الابتداء) قرأها الكوفيون وابن عامر: بالنصب، والباقون: بالرفع. قال أبو البقاء: "والقمر" بالرفع مبتدأ، و﴿قَدَّرْنَاهُ﴾ الخبر، وبالنصب على فعل مضمر، أي: وقدرنا القمر، لأنه معطوف على اسم قد عمل فيه الفعل، فحمل على ذلك، ومن رفع قال: هو محمول على ﴿وآيَةٌ لَّهُمْ﴾ في الموضعين أو على ﴿والشَّمْسُ﴾ وهي أسماء لم يعمل فيها فعل، و"منازل"؛ أي: ذا منازل، فهو حال أو مفعول ثان لأن "قدرنا" بمعنى: صيرنا، وقيل: التقدير: قدرنا له منازل.
[ ١٣ / ٥٠ ]
على تقدير مستو لا يتفاوت، يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثمانية والعشرين، ثم ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي: الشرطان،
_________________
(١) ـ قوله: (الأنواء المستمطرة)، المغرب: الأنواء: جمع نوء وهي منازل القمر. وكانت العرب تعتقد أن الأمطار والخير كله يجيء منها. الجوهري: النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق، ويقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يومًا. قال أبو عبيد: ولم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، والعرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقال الأصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول: مطرنا بنوء كذا، والجمع أنواء ونوآن أيضًا مثل عبد وعبدان وبطن وبطنان. قوله: (الشرطين)، قال المرزوقي في كتاب "الأزمنة والأمكنة": الشرطان سمي بذلك لأنهما كالعلامتين، أي: سقوطهما علامة ابتداء المطر، والشرط: العلامة، ولهذا قيل لأصحاب السلطان: الشرط لأنهم يلبسون السواد كأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، ويقال: أيهما قرنا الحمل، وهما أول نجوم فصل الربيع ونوؤه ثلاثة أيام. والبطين: وسمي بذلك لأنه بطن الحمل، ونوؤه ثلاث ليال.
[ ١٣ / ٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والثريا: ويسمى النجم والنظم، وهو تصغير ثروى من الكثرة ونوؤه خمس ليال. والدبران: وسمي بذلك لأنه دبر الثريا، أي: صار خلفها ويسمى المجدح، ونوؤه ثلاث ليال. فإن قيل: أتقول لكل ما دبر كركبًا الدبران؟ قلت: لا، لأنه قد يختص الشيء من جنسه بالاسم حتى يصير علمًا له، وإن كان المعنى يعم الجميع، وعلى ذلك قولهم: النابغة، في الجعدي [والذبياني]، وابن عباس في عبد الله، وأنشد: وردن اعتسافًا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن ماء محلق تبدت على آثارها دبرانها فلا هو مسبوق ولا هو يلحق والهقعة: تشبيها سميت بذلك تشبيهًا بهقعة الدابة تكون عند رجل الفارس في جنب الدابة، يقال: فرس مهقوع، وهي ثلاثة كواكب تسمى رأس الجوزاء ونوؤه ست ليال، ولا يذكرون نوءها إلا بنوء الجوزاء، وتسمى الأثافي لأنها ثلاثة صغار منقاة. والهنعة: وهي منكب الجوزاء الأيسر، وسميت بذلك من قولهم: هنعت الشيء: عطفته وثنيت بعضه على بعض، وكأن كل واحد منها منعطف على صاحبه، ونوؤها لا يذكر، وهو ثلاث ليال، وإنما يكون في نوء الجوزاء. والذراع: ذراع الأسد وله ذراعان: مقبوضة ومبسوطة، ونوؤها خمس ليال، وقيل: ثلاث ليال وأحد كوكبي الذراع الغميصاء وهي تقابل العبور والمجرة. ويقال لكوكبها الآخر: الشمال المرزم، ويروى ومرزم الجوزاء، ولا نوء له.
[ ١٣ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ والنثرة: وهي ثلاثة كواكب، وسميت نثرة لأنها مخطة مخطها الأسد كأنها قطعة سحاب. ويجوز أن تسمى بذلك لأنها كأنها من سحاب قد نثر، والنثرة الأنف، ونوؤها سبع ليال. والطرف: سميت بذلك لأنها عينا الأسد، يقال: طرف فلان، أي: رفع طرفه، ونوؤه ثلاث ليال. والجبهة: جبهة الأسد، ونوؤه سبع ليال. والزبرة: زبرة الأسد، أي: كاهله، وقيل: زبرته شعره الذي يزبر عند الغضب في قفاه، ونوؤها أربع ليال. والصرفة: سميت بذلك لأن البرد ينصرف بسقوطها، وقيل: أرادوا صرف الأسد رأسه من قبل ظهره، وأيام العجوز في نوئها وهو ثلاث ليال. والعواء: يمد ويقصر، والقصر أجود وأكثر، وهي خمسة كواكب كأنها ألف معطوفة الذنب، وسميت العواء للانعطاف والالتواء الذي فيها، تقول العرب: عويت الشيء: عطفته. ويجوز أن يكون من "عوى": إذا صاح، كأنه يعوي في آثر البرد. ولهذا سميت طاردة البرد، ونوؤها ليلة. والسماك: سمي السماك الأعزل لأن السماك الآخر يسمى رامحًا لكوكب تقدمه كأنه رمحه، ونوؤه أربع ليال، وسمي سماكًا لأنه سمك، أي: ارتفع. والغفرة: وهي ثلاثة كواكب. قيل: هو من الغفرة، وهو الشعر الذي في طرف ذنب
[ ١٣ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ الأسد، وقيل: سميت الغفرة لأنها ينقص ضوؤها، ويقال: غفرت الشيء: إذا غطيته، فعلى هذا هو في معنى مفعول. ونوؤها ثلاث ليال، وقيل: بل ليلة. والزباني: وسمي بزبانى العقرب، وهما قرناها. كوكبان [وهو] مأخوذ من الزبن: الدفع. وكل واحد منهما مندفع عن صاحبه غير مقارن له، ونوؤها ثلاث ليال. والإكليل: وهي ثلاثة كواكب مصطفة على رأس العقرب، ولذلك سميت به، كأنه من التكلل وهو الإحاطة. ونوؤها أربع ليال، وهو من العقرب. والقلب: وهي كوكب أحمر نير. سمي بالقلب لأنه في قلب العقرب، ونوؤها ليلة. والقلوب أربعة: قلب العقرب، وقلب الأسد، وقلب الثور، وهو الدبران، وقلب الحوت. والشولة: سميت بذلك لأنها ذنب العقرب، وذنبها شائل أبدًا. والحجازيون يسمونها الإبرة، ونوؤها ثلاث ليال، وهما كوكبان مضيئان. والنعائم: وهي ثمانية كواكب: أربعة منها في المجرة وتسمى الواردة، لأنها شرعت في المجرة كأنها تشرب، وأربعة خارجة تسمى الصادرة، وإنما سميت نعائم تشبيهًا بالخشيات التي تكون على البئر، ونوؤها ليلة. والبلدة: وهي فرجة بين النعائم وبين سعد الذابح، وهو موضع خال ليس فيه كوكب،
[ ١٣ / ٥٤ ]
البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوا، السماك، الغفر، الزبانى، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشاء. فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس، و﴿عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾؛ وهو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. وقال الزجاج: هو فعلون، من الانعراج؛ وهو الانعطاف. وقرئ: (العرجون) بوزن الفرجون؛ وهما لغتان،
_________________
(١) ـ وإنما سميت بذلك تشبيهًا بالفرجة التي تكون بين الحاجتين غير مقرونين. يقال: رجل أبلد؛ إذا اقترن حاجباه. ونوؤها ثلاث ليال، وقيل: ليلة. والذابح: سمي بذلك لكوكب بين يديه يقال: هو شاته التي تذبح. ونوؤه ليلة. والبلع: سمي بذلك لأن الذابح معه كوكب بمنزلة شاته، وهذا لا كوكب معه، فكأنه قد بلع شاته. وقيل: سمي به لأن صورته صورة فم فتح ليبلع، ونوؤه ليلة. وسعد السعود: سمي بذلك لأن في وقت طلوعه ابتداء ما به يعيشون وتعيش مواشيهم، ونوؤها ليلة. وسعد الأخبية: وسمي بذلك لكوكب في كواكبها على صورة الخباء. وقيل: لأنه يطلع قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئًا. ونوؤه ليلة. وفرغ الدلو المقدم: ويقال الأعلى. وقال: إنما سمي به لأن في وقته تأتي الأمطار كثيرًا، فكأنه فرغ دلو، وهو مصب الماء، ونوؤه ثلاث ليال. وفرغ الدلو المؤخر: ونوؤه أربع ليال. والرشا: وهو السمكة، ويقال: بطن السمكة وقلب الحوت. تم كلام المرزوقي، والله أعلم. قوله: (العرجون) وهو المحش، أي: مشط تدلك به الدابة من الحديد.
[ ١٣ / ٥٥ ]
كالبزيون والبزيون؛ والقديم المحول، وإذا قدم دق وانحنى واصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه. وقيل: أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، فلو أن رجلًا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر، أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول وأكثر. وقرئ: (سابق النهار) على الأصل، والمعنى: أن الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار
_________________
(١) ـ قوله: (البزيون والبزيون)، الجوهري: بالضم: السندس. قوله: (والقديم المحول)، الجوهري: أحال عليه الحول، أي: حال وأحالت الدار وأحولت، أي: أتى عليه حول، فهو محيل. قال الكميت: وما أنت والطلل المحول؟ قوله: (فشبه به من ثلاثة أوجه) أي: هو من تشبيه الهيئة الحاصلة من مجموع أمور بمثلها، نحو تشبيه النجم بعنقود الكرم في الهيئة الحاصلة من تقارن الصور البيض المستديرة الصغار المقادير في المرئي على كيفية مخصوصة إلى مقدار مخصوص، وفي معنى التدرج والعود الذي يغطيانه "حتى" و"عاد" الإشعار بأن الابتداء إنما هو من الشبه بالعرجون حتى يتدرج إلى أن يصير بدرًا ثم ينزل إلى العود إلى ما بدئ منه. قوله: (وقرئ: "سابق النهار" على الأصل)، قال أبو البقاء: وقرأ بعضهم: "سابق النهار" بالنصب بلا تنوين، وهو ضعيف، وجوازه على أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
[ ١٣ / ٥٦ ]
وآيتيهما قسمًا من الزمان، وضرب له حدًا معلومًا، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي
_________________
(١) ـ قوله: (وآيتيهما قسمًا من الزمان) عطف تفسيري على قوله: "الليل والنهار" نحنو: أعجبني زيد وكرمه، وهما النيران من قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] وإنما فسر به لينطبق على قوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ كأنه قيل: ولا القمر سابق الشمس لينطبق عليه قوله: ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال القاضي: وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. واعلم أن هذه الآية من المعضلات، وقد زاد في إشكالها عبارة المصنف؛ فقوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ معناه: لا يتسهل لها أن تتصرف في سلطان القمر، وفي الليل لوقوع التدبير في المعاقبة بين الليل والنهار، وذلك أن سلطان القمر في الليل فلا تطلع الشمس فيه، فتزيل سلطانه وتصرفه عن مطارح ضيائه وصبغه الفواكه وغير ذلك، وقوله: ﴿ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ معناه: لا يتسهل للقمر أن يكون ذا سلطان في النهار بل تراه جرمًا لا نورانية له، ولا بهاء فيه، فضلًا أن يزيل سلطان الشمس. تلخيصه: أن كلا منهما مدبر بأمر معلوم ومقام مختص به، وتسخير معين في السير، نحوه قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وينصره النظم. أما السباق فقوله: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ والسياق ﴿وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وإليه الإشارة بقوله: ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، كأنه قيل: لا الشمس ينبغي لها أن تتصرف في الليل
[ ١٣ / ٥٧ ]
للشمس - أي: لا يتسهل لها، ولا يصح، ولا يستقيم؛ لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله - ﴿أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ فتجتمع معه في وقت واحد، وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار، يعني: آية الليل آية النهار، وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر
_________________
(١) ـ ولا القمر أن يتصرف في النهار. ويرد على هذا التأويل إشكال وهو أن يقال: إن كان المراد من ذلك عدم تسهل تصرف كل واحد في سلطان الآخر، فلم خولف بين العبارتين بالسبق والإدراك؟ وهو المراد من قوله: لم جعلت الشمس غير مدركة والقمر غير سابق؟ وخلاصة الجواب: أنه روعي المناسبة بين العبارتين لا غير، لأن إثبات صفة الإدراك وسلبها مناسب للشمس، كما أن إثبات صفة السبق ونفيها مناسب للقمر لسرعة سير القمر وبطء سير الشمس. ويؤيد هذا التأويل ما روى محيي السنة عن بعضهم: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر؛ لا تطلع الشمس بالليل، ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء، فإذا اجتمعا، وأدرك كل واحد منهما صاحبه، فلقد قامت القيامة. وقيل: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ أي: لا يجتمع معه في فلك واحد تم كلامه. فإن قلت: لم عدل عن الظاهر، وأن يقال: ولا القمر سابق الشمس كما صرح به المصنف، ولا يسبق الليل النهار، أي: أية الليل آية النهار؟ قلت: ليؤذن بالتعاقب بين الليل والنهار، ومنصوصية التدبير على المعاقبة، فإنه مستفاد من الحركة اليومية التي مدار تصرف كل واحد منهما عليها، والله أعلم.
[ ١٣ / ٥٨ ]
من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويطلع الشمس من مغربها.
فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟ قلت: لأن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك؛ لتباطؤ سيرها عن سير القمر، والقمر خليقًا بأن يوصف بالسبق؛ لسرعة سيره. ﴿وَكُلٌّ﴾ التنوين فيه عوض من المضاف إليه، والمعنى: كلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره.
[﴿وآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ * وخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وإن نَّشَا نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ولا هُمْ يُنقَذُونَ * إلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا ومَتَاعًا إلَى حِينٍ﴾ ٤١ - ٤٤]
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادهم ومن يهمهم حمله. وقيل: اسم الذرية يقع على النساء؛ لأنهن مزارعها، وفي الحديث: أنه نهى عن قتل الذراري، يعني النساء. ﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾: من مثل الفلك ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ من الإبل، وهي سفائن البر. وقيل: ﴿الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: سفينة
_________________
(١) ـ قوله: (والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره) أي: في "سورة الأنبياء"، قال فيها: "والضمير للشمس والقمر والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها" وقد شرحناه. وإنما جمعها بالواو والنون لما وصفا بما يختص بذوي العقول وهو السبح. قال الزجاج: ومعنى "يسبحون" يسيرون فيه بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك السباحة في الماء. قوله: (وقيل: اسم الذرية يقع على النساء لأنهن مزارعها)، قال في " الفائق": قال حنظلة الكاتب: كنا في غزاة مع رسول الله ﷺ. فرأى امرأة مقتولة فقال: "هاه! ما كانت
[ ١٣ / ٥٩ ]
نوح، ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم؛ لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. و﴿مِّن مِّثْلِهِ﴾: من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق. ﴿فَلا صَرِيخَ﴾: لا مغيث. أو: لا إغاثة. يقال: أتاهم الصريخ. ﴿ولا هُمْ يُنقَذُونَ﴾: ولا ينجون من الموت بالغرق ﴿إلاَّ رَحْمَةً﴾: إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة، ﴿إلَى حِينٍ﴾: إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه بعد النجاة
_________________
(١) ـ هذه تقاتل، الحق خالدًا وقل: لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا". وهي نسل الرجل، وقد أوقعت على النساء كقولهم للمطر سماء. وقال الراغب: الذرية: أصلها الصغار من الأولاد، وإن كان يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل في الواحد والجمع، وأصلها الجمع، قال الله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] وفيه ثلاثة أقوال: قيل هو من ذرأ الله الخلق فترك همزه كـ" روية"، و"برية" وقيل: أصله ذروية، وقيل: هو فعلية من الذر نحو قمرية. قوله: (لا مغيث أو لا إغاثة) وفي "اللباب": الصريخ والصارخ: المغيث، والصريخ والصارخ: المستغيث. قوله: (لا ينجون من الموت بالغرق ﴿إلاَّ رَحْمَةً﴾ إلا لرحمة منا) مشعر بأن الاستثناء متصل والمستثنى منه أعم عام المفعول له.
[ ١٣ / ٦٠ ]
من موت الغرق. ولقد أحسن من قال:
ولم أسلم لكي أبقى، ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام
وقرأ الحسن ﵁: (نغرقهم).
[﴿وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ومَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * ومَا تَاتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ٤٥ - ٤٦]
_________________
(١) ـ قال أبو البقاء: هو مفعول له أو مصدر، وقيل: استثناء منقطع. وقد اختار المصنف في "الأنعام" هذا وتقديره: ولا هم ينجون من الغرق البتة ولكن رحمة ربي هي التي تنجيهم. قوله: (ولم أسلم) البيت. يقول: إن أسلم من مرض لم أبق خالدًا، ولكن سلمت من الموت بهذا المرض إلى الموت بمرض أو سبب آخر. الانتصاف: القائل أبو الطيب، أخذ المعنى من هذه الآية، أخبر الله تعالى أنهم إن يسلموا من موت الغرق فذلك سلامة إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه. قوله: (﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ومَا خَلْفَكُمْ﴾ كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [سبأ: ٩] وجه المشابهة: إحاطة العذاب بهم من كل أدب، وأنهم أينما ساروا فإنه أمامهم وخلفهم محيط بهم لا يقدرون الخروج عما هم فيه يدل عليه قوله: ﴿إِنْ نَشَا نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وهذا هو الوجه لقوله ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ولا هُمْ يُنقَذُونَ * إلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ ولذلك قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
[ ١٣ / ٦١ ]
﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ومَا خَلْفَكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٩]، وعن مجاهد: ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر. وعن قتادة: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من الوقائع التي خلت، يعني: من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها، ﴿ومَا خَلْفَكُمْ﴾: من أمر الساعة، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لتكونوا على رجاء رحمة الله. وجواب ﴿إِذَا﴾ محذوف مدلول عليه بقوله: ﴿إلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا: أعرضوا. ثم قال: ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة.
[﴿وإذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ٤٧]
كانت الزنادقة منهم يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون:
_________________
(١) قوله: (ودأبهم الإعراض عند كل آية) إشارة إلى أن قوله: ﴿ومَا تَاتِيهِم مِّنْ آيَةٍ﴾ كالتذييل للكلام السابق. قوله: (كانت الزنادقة). في "المغرب": قال الليث: الزنديق معروف. وزندقته: أنه لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق. وعن ثعلب: ليس "زنديق" من كلام العرب، ومعناه ما تقول العامة: ملحد ودهري. وقال الإمام: الزنادقة هم المانوية، وكان المزدكية يسمون بذلك، ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ، وزعم أن الأموال والحرم مشتركة، وأظهر كتابًا سماه "زندا"، وهو كتاب المجوس الذي جاء به زردشت الذي زعموا أنه نبي فنسب أصحاب مزدك إلى زند، وعربت الكلمة فقيل: زنديق.
[ ١٣ / ٦٢ ]
لو شاء الله لأغنى فلانًا، ولو شاء لأعزه، ولو شاء لكان كذا؛ فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله. ومعناه: أنطعم المقول فيه هذا بينكم؟ وذلك أنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله؛ لأنهم معطلة لا يؤمنون بالصانع. وعن ابن عباس ﵄: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ ! وقيل: كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادرًا على إطعامه ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء أصحاب رسول الله ﷺ: أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله، يعنون قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، فحرموهم وقالوا: لو شاء الله لأطعمكم.
﴿إنْ أَنتُمْ إلاَّ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ قول الله لهم. أو حكاية قول المؤمنين لهم. أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين.
_________________
(١) ـ قوله: (أنطعم المقول فيه هذا القول)، فـ ﴿مَنْ﴾ موصولة، وصلته الجملة الشرطية، ولذلك أوله بالمقول فيه، وجعل المجموع في تأويل المفعول به لقوله ﴿أَنُطْعِمُ﴾، والظاهر أن الصلة مفتقرة إلى التأويل، كما قال في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [النساء: ٩]: ما معنى وقوع "لو تركوا" وجوابه صلة لـ ﴿الَّذِينَ﴾؟ وأجاب: معناه: ليخش الذين صفتهم وحالهم أتهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافًا. ويمكن أن يقال: إن الصلة والموصول كشيء واحد، فلذلك جاز تأويله بالموصولة تارة والصلة أخرى بذاك. قوله: (ولا يشاء إطعامه فنحن أحق بذلك) قال القاضي: هذا من فرط جهالتهم، فإن الله يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له.
[ ١٣ / ٦٣ ]
[﴿ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَاخُذُهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٤٨ - ٥٠]
قرئ: (وهم يخصمون) بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء وكسرها، وإتباع الياء الخاء في الكسر، و: (يختصمون) على الأصل، و(يخصمون) من: خصمه. والمعنى: أنها تبعتهم وهم في أمنهم وغفلتهم عنها، لا يخطرونها ببالهم مشغلين بخصوماتهم في متاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ويتشاجرون. ومعنى يخصمون: يخصم بعضهم بغضًا. وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في أنهم لا يبعثون، لا يستطيعون أن يوصوا في شيء من أمورهم ﴿تَوْصِيَةً﴾، ولا يقدرون على
_________________
(١) ـ قوله: (وهم يخصمون) قرأ ابن كثير وورش وهشام: بفتح الخاء وتشديد الصاد، وقالون وأبو عمرو: باختلاس فتحة الخاء وتشديد الصاد، والنص عن قالوا: بالإسكان، وحمزة: بإسكان الخاء وتخفيف الصاد، والباقون _وهم: عاصم وابن ذكوان والكسائي_: بكسر الخاء وتشديد الصاد. قال مكي: من قرأ بفتح الياء وكسر الخاء مشددًا فأصله يختصمون ثم إذا ألقى حركة التاء على الخاء وأدغمها في الصاد. ومن قرأ بفتح الياء وكسر الخاء مشددًا، فإنه لم يلق حركة التاء على الخاء إذا أدغمها، ولكن حذف الفتحة لما أدغم فاجتمع ساكنان: الخاء والمشدد، فكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وكذلك التقدير في قراءة من اختلس فتحة الخاء، اختلسها لأنها ليست بأصل في الخاء ولم يمكنه إسكان الخاء لئلًا يجمع بين ساكنين، فيلزمه الحذف والتحريك. قوله: (وقيل: تأخذهم) عطف على قوله: يخصم إلى آخره. قيل: قوله: "يخصم بعضهم بعضًا" قريب من معنى"يختصمون" و"يخصمون" بالتشديد. وقوله: "وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة" من قولهم: خصمته أي: غلبته بالحجة، أي: أنهم عند أنفسهم
[ ١٣ / ٦٤ ]
الرجوع إلى منازلهم وأهاليهم، بل يموتون بحيث تفجؤهم الصحية.
[﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَإذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا ويْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ ٥١ - ٥٢]
قرئ: ﴿الصُّورِ﴾ بسكون الواو؛ وهو القرن، أو جمع صورة، وحركها بعضهم، و﴿الأَجْدَاثِ﴾: القبور. وقرئ بالفاء. (ينسلون) يعدون، بكسر السين وضمها، وهي النفخة الثانية. قرئ: (يا ويلتنا). وعن ابن مسعود ﵁: (من أهبنا)، من هب من نومه؛ إذا انتبه، وأهبه غيره. وقرئ: (من هبنا) بمعنى أهبنا، وعن بعضهم:
_________________
(١) ـ لا يغلبون بالحجة في عدم البعث وفي الواقع مغلوبون محجوجون. الجوهري: خاصمته مخاصمة وخصامًا، والاسم الخصومة. وخاصمته فخصمته أخصمه بالكسر ولا يقال بالضم إلا في الشذوذ. ومنه قراءة حمزة"وهم يخصمون". قوله: (قرئ: ﴿الصُّورِ﴾ بسكون الواو) وهي قراءة العامة، وحركها بعضهم كما تقول: درر ودرور، وكذا ﴿يَنسِلُونَ﴾ بكسر السين. قوله: (وقرئ: "من هبنا") قال ابن جني: هي قراءة أبي بن كعب. و"من أهبنا" بالهمز عن ابن مسعود، وهي أقيس. ويقال: هب من نومه أي: انتبه، وأهببته أنا: أي: أنبهته. قال: ألا أيها النوام ويحكم هبوا أسائلكم هل يقتل الرجل الحب؟ وأما أهبني أي: أيقظني فلم أرلها أصلا، ولا مربنا في اللغة مهيوب بمعنى موقظ، اللهم إلا أن يكون حرف الجر محذوفًا أي: هب بنا، أي: أيقظنا ثم حذف وأوصل الفعل وليس
[ ١٣ / ٦٥ ]
أراد هب بنا، فحذف الجار وأوصل الفعل. وقرئ: (من بعثنا)، و(من هبنا)، على "من" الجارة والمصدر، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و﴿مَا وَعَدَ﴾ خبره، و﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة. ويجوز أن يكون ﴿هَذَا﴾ صفة للمرقد، و﴿مَا وَعَدَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا وعد الرحمن، أي: مبتدأ محذوف الخبر، أي: ﴿مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ حق عليكم. وعن مجاهد: للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور، قالوا: من بعثنا؟ وأما ﴿هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ فكلام الملائكة. عن ابن عباس، وعن الحسن: كلام المتقين. وقيل: كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم، أو بعضهم بعضًا. فإن قلت: إذا جعلت ﴿مَا﴾ مصدرية؛ كان المعنى: هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، فما وجه قوله: ﴿وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ إذا جعلتها موصولة؟ قلت: تقديره: هذا الذي وعده الرحمن، والذي صدقة المرسلون، بمعنى: والذي صدق فيه المرسلون، من قولهم: صدقوهم الحديث والقتال،
_________________
(١) ـ المعنى على: من هب فهببنا معه، وإنما معناه: من أيقظنا كما أن قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] ليس معناه أنه تعالى ذهب وذهب بنورهم معه، بل أذهب نورهم، فذهب به كأذهبه، أي: أزاله فاعرف ذلك. قوله: (وقرئ: "من بعثنا") قال ابن جني: قرأها علي ﵁. فمن الأولى متعلقة بالويل، أو حال منه متعلقة بمحذوف، أي: كائنا من بعثنا، وجاز أن يكون حالًا منه كما يجوز أن يكون خبرًا منه، كقول الأعشى: ويلي عليك وويلي منك يا رجل ومن في ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ متعلقة بنفس البعث.
[ ١٣ / ٦٦ ]
ومنه: صدقني سن بكره. فإن قلت: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾؟ سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك جوابًا؟ قلت: معناه: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنباكم به الرسل؛ إلا أنه جيء به على طريقة: سيئت بها قلوبهم، ونعيت إليهم أحوالهم، وذكروا كفرهم وتكذيبهم، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به، وكأنه قيل لهم: ليس بالبعث الذي عرفتموه، وهو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده في كتبه المنزلة على السنة رسله الصادقين.
_________________
(١) ـ قوله: (ومنه: صدقني سن بكره) أي: في سن بكره. مضى شرحه في "الأحزاب" عند قوله تعال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قوله: (فكيف طابقه ذلك جوابًا) يعني: سألوا عن الفاعل وعن الباعث بقولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾؟ وكان من الظاهر أن يجابوا بأنه الرحمن أو الله، فكيف قيل: ﴿هَذَا مَا وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾؟ وأجاب: أن ذلك القدر ليس بكاف في الجواب ظاهرًا، لأن قولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ حكاية عن قولهم هذا عند البعث بعد ما سبق من قولهم: ﴿ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلا بد في الجواب من قول يتضمن معنيين فإذا مقتضى الظاهر أن يقال: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث، وأنبأكم به الرسل كما صرح به المصنف. لكن عدل إلى ما يشعر بتكذيبهم وتصوير حال كفرهم ليكون أهول وفي التفريع أدخل. والجواب وارد على الأسلوب الحكيم يعني: لا تسألوا عن الباعث فإن هذا البعث ليس كبعث النائم، وإن ذلك ليس مما يهمكم الآن، وإنما الذي يهمكم أن تسألوا: ما هذا البعث ذو الأهوال والأفزاع إلى آخر ما ذكره المصنف.
[ ١٣ / ٦٧ ]
[﴿إن كَانَتْ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ ٥٣ - ٥٨]
﴿إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ قرئت منصوبة ومرفوعة. ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ حكاية ما يقال في ذلك اليوم. وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره. ﴿فِي شُغُلٍ﴾: في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم المقيم، ووقع في تلك الملاذ التي أعدها الله للمرتضين من عباده، ثوابًا لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم، وذلك بعد الوله والصبابة، والتفصي من مشاق التكليف ومضايق
_________________
(١) ـ قوله: (في أي شغل) إلى آخره، بيان لإطلاق ﴿شُغُلٍ﴾، وتقرير لمعنى التنكير فيه. الراغب: الشغل والشغل: العارض الذي يذهل الإنسان، وقد شغل فهو مشغول، ولا يقال: أشغل. وشغل شاغل. قوله: (بعد الوله): الوله: التحير من شدة الوجد، و" الصبابة": رقة الشوق وحرارته. وذلك إشارة إلى قوله: "شغل من سعد" إلى آخره، أي: فما ظنك بشغل من سعد بالمذكور بعد الوجد والتشوق إلى نيل المباغي، ثم إلى قوله: "الخشية" متعلق بالأمور الدنيوية، ومن قوله: " وتخطي الأهوال" إلى آخره، متعلق بما عند الموت والبرزخ إلى آخر أخطار القيامة. وفي معناه قول القائل: الوصول إلى المطلوب بعد النصب أعز من المنساق بلا تعب.
[ ١٣ / ٦٨ ]
التقوى والخشية، وتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار، وجواز الصراط، ومعاينة ما لقي العصاة من العذاب؟ ! وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار. وعنه: في ضرب الأوتار. وعن ابن كيسان: في التزاور. وقيل: في ضيافة الله. وعن الحسن: شغلهم عما فيه أهل النار: التنعم بما هم فيه. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم؛ لئلًا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. قرئ: ﴿في شُغُلٍ﴾ بضمتين، وضمة وسكون، وفتحتين، وفتحة وسكون. والفاكه والفكه: المتنعم والمتلذذ، ومنه: الفاكهة؛ لأنه مما يتلذذ به، وكذلك: الفكاهة؛ وهي المزاحة. وقرئ: ﴿فَاكِهُونَ﴾، و(فكهون)، بكسر الكاف وضمها، كقولهم: رجل حدث وحدث، ونطس ونطس. وقرئ: (فاكهين)،
_________________
(١) ـ قوله: (وعن ابن عباس: في افتضاض الأبكار) شروع في تقييد ﴿شُغُلٍ﴾ بعد تفسيره بما ينبئ عن العموم أو الإطلاق وما لا يدخل تحت الحصر، فتارة قيده ب"في" وأخرى ب"عن" في قوله: "شغلهم عما فيه أهل النار". قوله: (﴿في شُغُلٍ﴾ بضمتين) الحرميان وأبو عمرو: بإسكان الغين، والباقون: بضمها. قوله: (وكذلك الفكاهة؛ وهي المزاحة) الراغب: الفكاهة: حديث ذوي الأنس. قال تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قوله: (رجل حدث وحدث)، الجوهري: رجل حدث_ بضم الدال وكسرها_ أي: حسن الحديث. قوله: (ونطس ونطس)، الجوهري: التنطس: المبالغة في التطهر وكل من أدق النظر في الأمور واستقصى علمها فهو متنطس ومنه: رجل نطس بضم الطاء وكسرها.
[ ١٣ / ٦٩ ]
و(فكهين) على أنه حال، والظرف مستقر. ﴿هُمْ﴾ يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون تأكيدًا للضمير في ﴿شُغُلٍ﴾، وفي ﴿فَاكِهُونَ﴾ على أن أزواجهم يشاركنهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال. وقرئ: (في ظلل)، والأريكة: السرير في الحجلة. وقيل: الفراش فيها. وقرأ ابن مسعود: (متكئين). ﴿يَدَّعُونَ﴾ يفتعلون، من الدعاء،
_________________
(١) ـ قوله: ("فكهين" على أنه حال)، قال أبو البقاء: ويقرأ ﴿فَاكِهينَ﴾ على الحال من الضمير في الجار، وعلى المشهورة: ﴿فَاكِهُونَ﴾ خبر ثان، والأول ﴿فِي شُغُلٍ﴾، أو هو الخبر، و﴿فِي شُغُلٍ﴾ يتعلق به. قوله: (وقرئ: "في ظلل") حمزة والكسائي: بضم الظاء من غير ألف، والباقون: بكسرها وبالألف. وقال أبو البقاء: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ يجوز أن يكون خبر ﴿هُمْ﴾، و﴿عَلَى الْأَرِائِكِ﴾ استئناف، ويجوز أن يكون الخبر ﴿مُتَّكِئُونَ﴾، و﴿فِي ظِلَالٍ﴾ حال و﴿عَلَى الْأَرِائِكِ﴾ منصوب بمتكئون. وظلال: جمع ظل، كذئب وذئاب، أو جمع ظلة، كقبة وقباب، والظلل: جمع ظلة لا غير. قوله: (في الحجلة) وهي واحدة حجال العروس وهي بيت يزين بالثبات. قوله: (يفتعلون من الدعاء) قال مكي: أصل ﴿يَدَّعُونَ﴾: يدتعيون، على وزن: يفتعلون، من: دعا يدعو، فأسكنت الياء بعد أن ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها، وقيل: بل ضمت العين لأجل واو الجمع بعدها، ولم تلق
[ ١٣ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ عليها حركة الياء، لأن العين كانت متحركة فصارت يدتعون، فأدغمت التاء في الدال وكان ذلك أولى من إدغام الدال في التاء، لأن الدال حرف مجهور، والتاء حرف مهموس والمجهور أقوى، فكان رد الأضعف إلى الأقوى أولى، فأبدلوا من التاء دالًا فأدغمت فصارت: يدعون. و"ما" ابتداء بمعنى: الذي، أو مصدر، أو نكرة وما بعدها صفة لها و"لهم" الخبر. وقال أبو البقاء: وقيل: الخبر ﴿سَلَامٌ﴾، وقيل: ﴿سَلَامٌ﴾ صفة ثانية ل"ما" أو من الهاء المحذوفة، أي: ذا سلامة أو مسلمًا، و﴿قَوْلًا﴾: مصدر، أي: يقول الله أو الملائكة قولًا، و"من" صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾. قوله: (هو بدل من "ما") هذا إذا كانت "ما" نكرة موصوفة فظاهر، وأما إذا كانت معرفة موصولة فجائز عند بعضهم وقال: من ذهب إلى اشتراط النعت في البدل فقوله فاسد والدليل على ذلك قوله: إنا وجدنا بني سلمى بمنزلة كساعد الضب لا طول ولا قصر ف" لا طول" و"لا قصر" نكرتان، وهما بدلان من "ساعد الضب" ولم ينعتا، ولا يجوز أن يكون نعتين، لأن ساعد الضب معرفة. قال الإمام: ليس معناه: أنهم يدعون لأنفسهم دعاء فيستجاب بعد الطلب، بل معناه: لهم ما يدعون لأنفسهم أي: لهم ذلك فلا حاجة إلى الدعاء كما أن الملك إذا طلب مملوكه منه شيئا يقول: لك ذلك ففهم منه تارة أنك مجاب إلى مطلوبك وأخرى الرد، أي: إن ذلك حاصل لك فلم تطلبه؟ أي: لهم ما يدعون ويطلبون فلا طلب لهم، أو لهم الطلب والإجابة،
[ ١٣ / ٧١ ]
أي: يدعون به لأنفسهم، كقولك: اشتوى واجتمل؛ إذا شوى وجمل لنفسه. قال لبيد:
فاشتوى ليلة ريح واجتمل
ويجوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك: ارتموه، وتراموه. وقيل: يتمنون، من قولهم: ادع علي ما شئت، بمعنى: تمنه علي، و: فلان في خير ما ادعى، أي: في خير ما تمنى. قال الزجاج: وهو من الدعاء، أي: ما يدعوا به أهل الجنة يأتيهم. و﴿سَلَامٌ﴾
_________________
(١) ـ فإن الطلب أيضًا لذة وكذلك العطاء، فإن من يتمكن من أن يخاطب الملك في حوائجه فله منصب عظيم. قوله: قال لبيد أوله: وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل أرستله فأتاه رزقه فاشتوى ليلة ريح واجتمل الألوك: الرسالة، والجميل: الإهالة المذابة، أي: أذاب وشوى لنفسه. قوله: (يتداعونه) قال الإمام: فهو افتعال بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى التقاتل، ومعناه ما ذكرنا: أن كل ما يصح أن يدعوا أحد صاحبه إليه أو يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل. قوله: (قال الزجاج)، والمذكور في تفسيره: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ معناه: ما يتمنون، يقال: فلان في خير ما ادعى، أي: ما تمنى، وهو مأخوذ من الدعاء، أي: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم.
[ ١٣ / ٧٢ ]
بدل من ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾، كأنه قال لهم: سلام يقال لهم ﴿قَوْلًا مِن﴾ جهة ﴿رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. والمعنى: أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم، ولهم ذلك لا يمنعونه. قال ابن عباس: فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. وقيل: ﴿مَا يَدَّعُونَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿سَلَامٌ﴾، بمعنى: ولهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه. و﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكد لقوله تعالى: ﴿ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلامٌ﴾ أي: عدة من رب رحيم. والأوجه: أن ينتصب على الاختصاص،
_________________
(١) ـ ﴿سَلَامٌ﴾: بدل من "ما"، المعنى: لهم ما يتمنونه سلام، أي: هذا منى أهل الجنة أن يسلم الله عليهم. قوله: (أو بغير واسطة مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم) فيقال له: ليس أبلغ في التعظيم وألذ الملاذ أن ينظروا مع ذلك إلى وجهه الكريم، على ما روينا عن ابن ماجه، عن جابر عن النبي ﷺ: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، قال: وذلك قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فنظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره"، وماذا على المصنف لو آمن به وترك التعصب. قوله: "يحتجب عنهم": الاحتجاب: جعل الخلق في حجاب من رؤيته، ويجوز أن يقال: الله تعالى محتجب وليس بمحجوب، لأن الاحتجاب اقتدار وقهر، والمحجوب مقهور، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قوله: (والأوجه أن ينتصب على الاختصاص) أي: ﴿قًوْلًا﴾ إذا جعل منصوبًا على
[ ١٣ / ٧٣ ]
وهو من مجازه. وقرئ: (سلم) وهو بمعنى السلام في المعنيين. وعن ابن مسعود: (سلامًا) نصب على الحال، أي: لهم مرادهم خالصًا.
[﴿وامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ﴾ ٥٩]
﴿وامْتَازُوا﴾ وانفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الروم: ١٤ - ١٦]. يقال: مازه فانماز وامتاز. وعن قتادة: اعتزلوا عن كل خير. وعن
_________________
(١) ـ المدح كان أوجه من أن ينتصب على المصدر بفعل محذوف، أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة، لأن المقام من مجاز المدح، لأن هذا القول صادر عن رب رحيم في مقام التعظيم، وكان جديرًا بأن يفخم أمره ويعظم قدره، ويكون جملة مستقلة مفصولة عما سبق. وأما جواز أن يكون النصب على المدح نكرة، فقد سبق في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. قوله: (وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة)، أي: يقال للمجرمين: وامتازوا عن المؤمنين ليسار بهم إلى النار كما يسار بالمؤمنين إلى الجنة، ويخاطبون بما يقابله، أي: وامتازوا اليوم أيها المؤمنين؛ على تضمين ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ﴾ هذا المعنى. وبيانه: أن قوله ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ﴾ خطاب مجمل يعم أهل المحشر وفيهم الفريقان، وتفصيله قوله: ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ﴾ وقوله: ﴿وامْتَازُوا﴾، فلا بد من ذلك التقدير ليصح عطف الطلبي على مثله، وإنما لم يقدر خلافه بأن يقال: إن أصحاب النار كذا، لأن المجمل وهو ﴿الْيَوْمَ﴾ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ خطاب، والمناسب أن يكون التفصيل أيضًا خطابًا ليطابق المجمل، وإلى الإجمال والتفصيل الإشارة باستشهاد بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] إلى آخر الآيات. قوله: (فانماز وامتاز)، الجوهري: مزت الشيء أميز ميزًا: عزلته، وكذلك: ميزنه تمييزًا، فانماز وامتاز وتميز واستماز: كله بمعنى، يقال: امتاز القوم: إذا تميز بعضهم من بعض.
[ ١٣ / ٧٤ ]
الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه، لا يرى ولا يرى. ومعناه: أن بعضهم يمتاز من بعض.
[﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ٦٠ - ٦٠]
العهد: الوصية، وعهد إليه: إذا وصاه. وعهد الله إليهم: ما ركز فيهم من أدلة العقل، وأنزل عليهم من دلائل السمع.
وعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم. وقرئ: (إعهد) بكسر الهمزة، وباب "فعل" كله يجوز في حروف مضارعته الكسر، إلا في الياء؛ و(أعهد) بكسر الهاء. وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نعم بنعم وضرب يضرب؛ و(أحهد) بالحاء، و(أحد) وهي لغة تميم، ومنه قولهم: دحامحًا. ﴿هَذَا﴾: إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان وطاعة الرحمن؛ إذ لا صراط أقوم منه، ونحو التنكير فيه ما في قول كثير:
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا لأفقر مني إنني لفقير
_________________
(١) ـ قوله: (وقد جوز الزجاج)، وذكر في "تفسيره": ويقرأ "أعهد" بالكسر، والأكثر الفتح، على قولك: عهد يعهد، والكسر على ضربين: على: عهد يعهد، مثل: حسب يحسب. قوله: (قولهم: دحامحًا)، قال في "المطلع": وقرئ بالحاء مكان العين، وبحاء مشددة على الإدغام والقلب بالحرفين، وهي لغة تميم، ومنه قولهم: "دحامحا" في: دعها معها، أي: دع هذه القربة مع هذه المرأة. قوله: ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى لفظ ﴿هَذَا﴾ في قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. قوله: (لئن كان يهدى) البيت، قال المرزوقي: أفقر لا يصح أن يكون من افتقر
[ ١٣ / ٧٥ ]
أراد: إنني لفقير بليغ الفقر، حقيق بأن أوصف به لكمال شرائطه في، وإلا لم يستقم معنى البيت، وكذلك قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾،
_________________
(١) ـ لأن شرط بناء التفضيل أن يكون من الثلاثي ولكن من "فقر" المرفوض استعماله. أو بني منه على حذف الزوائد نحو: ريح لاقح، أي: ملقح، ويهدى: من الإهداء: الإتحاف، أو من الهداء: الزفاف. أنيابها العلى؛ أي: الشريفة العالية أو الأعالي، فإنها مواضع القبل. وقوله: "إنني لفقير"؛ فعيل: بناء مبالغة، ولا سيما أطلق إطلاقًا، فلا يقال: فقير إلى كذا وكذا، فيخصص، أي: لا غاية لفقري. قوله: (وإلا لم يستقم معنى البيت) أي: لو لم يخمل "لفقير" على: بليغ الفقير؛ لم يستقم معنى البيت، لأن أفعل التفصيل يستدعي أن يكون المهدى إليه كذلك كأنه قيل: لم تجد أحدًا أفقر مني لأني بلغت غايته، كما قال المرزوقي. كذلك لو لم يحمل ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ على المبالغة لم يتم معنى قوله: ﴿لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ … وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ لأن النهي عن عبادة الشيطان نهي عن متابعة سبيله، وهو جميع طرق الضلالات والأهواء والبدع، والأمر بعبادة الرحمن أمر باختصاص متابعة سبيل الحق، كأنه قيل: لا تعبدوا الشيطان وخصصوني بالعبادة، لأن صراطي بليغ في استقامته، وأيضًا إن قوله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ جملة مستأنفة على بيان الموجب فلو لم يحمل على ما شرحه لم يتم ذلك. ونحوه ما روينا عن النسائي والدارمي عن ابن مسعود: خط لنا رسول الله ﷺ خطأ، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله وقال: "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان
[ ١٣ / ٧٦ ]
يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه.
ويجوز أن يراد: هذا بعض الصرط المستقيمة؛ توبيخًا لهم على العدول عنه، والتفادي عن سلوكيه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى الضلالة والتهلكة، كأنه قيل: أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق: أن يعتمد فيه كما يعتمد في الطريق الذي لا يضل السالك، كما يقول الرجل لولده وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار؛ توبيخًا له على الإعراض عن نصائحه.
[﴿ولَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا اليَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ٦٢ - ٦٤]
_________________
(١) ـ يدعوا إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قوله: (يريد: صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته)، قال صاحب الفرائد: الذي حمله على هذا البيان أن حق المقام في الظاهر التعريف إدارة الحصر بأن يقال: هذا الصراط المستقيم، أو هذا هو الصراط المستقيم ليكون إثباتًا له ونفيًا لغيره؛ لأن الصراط المستقيم لم يمكن أن يكون غير هذا، لكن لهذا المعنى الدقيق اللطيف عدل إلى التنكير. قوله: (ويجوز أن يراد: هذا بعض الصرط المستقيمة توبيخًا لهم عن العدول عنه)، أي: أن قوله: ﴿هَذّا﴾ بعض الطرق المستقيمة، مع أن الواقع أنه كل الطرق، بل ليس الطريق إلا هو، للإيذان بأن المخاطب قد تفادى وتحامى وانزوى عن سلوكه، يعني: هب أن هذا الطرق ليس من الطرق التي بلغت في الكمال غايته، أليس أنه بعض منها؟ وأقل ما عليك أن تعتقد أنه طريق لا يضل السالك فيه، فهضم من حقه ليكون توبيخًا للمخاطب على عدم التفاته إليه، وأهجم به على الغلبة وأبعث على التفكير لأنه من الكلام المنصف.
[ ١٣ / ٧٧ ]
قرئ: (جبلًا) بضمتين، وضمة وسكون، وضمتين وتشديدة، وكسرتين، وكسرة وسكون، وكسرتين وتشديدة، وهذه لغات في معنى الخلق. وقرئ: (جبلاُ) جمع جبلة، كفطر وخلق، وفي قراءة علي ﵁: (جيلًا) واحد الأجيال.
[﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٦٥]
يروى: أنهم يجحدون ويخاصمون؛ فيشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي الحديث: "يقول العبد يوم القيامة: إني لا أجيز علي شاهدًا إلا من نفسي، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل"، وقرئ: (يختم على أفواههم)، و(تتكلم أيديهم)،
_________________
(١) ـ قوله: (قرئ: جبلًا): قرأ نافع وعاصم: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمر وابن عامر: بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام، والباقون: كذلك غير أنهم ضموا الباء. قوله: (وهذه لغات في معنى الخلق). قال الإمام: الجيم والباء واللام لا تخلو من معنى الاجتماع. قوله: (أناضل) أي: أدافع. الجوهري: فلان يناضل عن فلان: إذا تكلم عنه بعذره ودفع.
[ ١٣ / ٧٨ ]
وقرئ: (ولتكلمنا أيديهم وتشهد) بلام "كي" والنصب، على معنى: ولذلك نختم على أفواههم. وقرئ: (ولتكلمنا أيديهم ولتشهد) بلام الأمر والجزم، على أن الله يأمر الأعضاء بالكلام والشهادة.
[﴿ولَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) ولَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ٦٦ - ٦٧]
الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ لا يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل. والأصل: فاستبقوا إلى الصراط، أو يضمن معنى: ابتدروا، أو يجعل الصراط مسبوقًا لا مسبوقًا إليه،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ولتكلمنا أيديهم") قال ابن جني: قرأها طلحة، وفيه حذف أي: لتكلمنا أيديهم ولتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ما نختم من أفواههم، كقولك: أحسنت إليك ولشرك ما أحسنت إليك، وأنلتك سؤلك. قوله: (أو يضمن معنى: ابتدروا) قال في "الأساس" في قسم الحقيقة: واستبقوا الصراط: ابتدروه. وقال أيضًا: تبادروا الباع وابتدروها. قوله: (أو يجعل الصراط مسبوقًا لا مسبوقًا إليه) يعني: على الاتساع، كقوله: ويوم شهدناه
[ ١٣ / ٧٩ ]
أو ينتصب على الظرف. والمعنى: أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم المألوفة التي ترددوا إليها كثيرًا كما كانوا يستبقون إليه ساعتين في متصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم؛ لم
_________________
(١) ـ الجوهري: واستبقنا في العدو، أي: تسابقنا. قوله: (أو ينتصب على الظروف)، على نحو قوله: كما عسل الطريق الثعلب على تقدير: في، وفيه إشكال، لأن حكم مؤقت المكان كحكم غير الظرف. قوله: (والمعنى أنه لو شاء)، اعلم أنه ذكر في ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ وجهًا على اللف، ومن هنا شرع في النشر، فقوله أولًا: "فلو راموا أن يستبقوا إلى الطريق" مبني على حذف "إلى" وإيصال الفعل، أو على تضمين معنى"ابتدروا". وقوله ثانيًا: "فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف" مبني على أن ينتصب ﴿الصِّرَاطَ﴾ على الظرف، فأبرز لذلك لفظة "في". وقوله: "فلو طلبوا أن يخلقوا الصراط" مبني على أن ﴿الصِّرَاطَ﴾ مفعول به، وإليه أشار بقوله: " أو يجعل الصراط مسبوقًا". وعن بعضهم: استبق الصراط: جاوزها. و﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ أي: لا يبصرون، لأن معنى ﴿فَأَنَّى﴾ في هذا المقام معنى "كيف" على الإنكار. قوله: (إلى الطريق المهيع)، وفي حاشية" الصحاح": طريق مهيع، أي: مسلوك. وأبو عبيد: المهيع: الطريق الواسع الواضح. قوله: (موضعين)، الجوهري: وضع البعير وغيره، أي: أسرع في سيره.
[ ١٣ / ٨٠ ]
يقدروا، وتعايا عليهم أن يبصروا ويعلموا جهة السلوك فضلًا عن غيره. أو: لو شاء لأعماهم، فلوا أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف كما كان ذلك هجيراهم لم يستطيعوا. أو: لو شاء لأعماهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه لعجزوا ولم يعرفوا طريقًا، يعني: أنهم لا يقدرون إلًا على سلوك الطريق المعتاد دون ما وراءه من سائر الطريق والمسالك، كما ترى العميان يهتدون فيها ألفوا وضروا به من المقاصد دون غيرها. ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾، وقرئ: (على مكاناتهم)، والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام. أي: لمسخناهم مسخًا يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضي ولا رجوع. واختلف في المسخ؛ فعن ابن عباس: لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل: حجارة. وعن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم. وقرئ: ﴿مُضِيًا﴾ بالحركات الثلاث، فالمضي والمضي كالعتي والعتي، والمضي كالصبي.
_________________
(١) ـ قوله: (وتعايا عليهم)، الأساس: عي بالأمر وتعيى به وتعايا، وأعياه الأمر: إذا لم يضبطه. قوله: (وضروا به) أي: تعودوا. الجوهري: وقد ضري الكلب بالصيد ضراوة: تعود. قوله: (وقرئ: "على مكاناتهم") قرأ أبو بكر: بالجمع، والباقون: على التوحيد. قوله: (وقرئ: ﴿مُضِيًا﴾ بالحركات الثلاث)، بالضم: هي المشهورة، وبالفتح والكسر: شاذ.
[ ١٣ / ٨١ ]
[﴿ومَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٦٨]
(ننكسه في الخلق): نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه قبلًا؛ وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسد، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة، إلى أن يبلغ أشده، ويستكمل قوته، ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص، حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله. قال ﷿: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، وهذه دلالة على أن من ينقلهم من الشباب إلى الهرم، ومن القوة إلى الضعف، ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز، ومن العلم إلى الجهل بعدما نقلهم خلاف هذا النقل وعكسه قادر على أن يطمس على أعينهم ويمسخهم على مكانتهم ويفعل بهم ما شاء
_________________
(١) ـ قوله: (وهذه دلالة على أن من ينقلهم من الشباب إلى الهرم) إلى قوله: (قادر على أن يطمس [على] أعينهم ويمسخهم) يريد أن قوله ﴿ومَن نُّعَمِّرْهُ﴾ الجملة معطوفة على متعلق علة محذوفة، المعنى: لو نشاء لفعلنا الطمس، ولو نشاء لفعلنا المسخ، لأنا قادرون على كل شيء وعلى قلب الحقائق، ألا ترى كيف نقلب الإنسان في الخلق فتخلقه على عكس ما خلفناه قبلًا، وهذا ليس بأعرب من ذلك، وقوله: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ تنبيه على التفكير وتوبيخ لما لو عسى أن ينكر منكر أنه تعالى كيف يختم على الأفواه يوم القيامة لتتكلم الأيدي وتشهد الأرجل، ومثله ما روينا عن البخاري ومسلم عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله ﷺ: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا
[ ١٣ / ٨٢ ]
وأراد. وقرئ بكسر الكاف، و﴿نُنَكِّسْهُ﴾، و(نَنْكُسْهُ) من التنكيس والإنكاس. ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ بالتاء والياء.
[﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ومَا يَنْبَغِي لَهُ إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ ٦٩ - ٧٠]
كانوا يقولون لرسول الله ﷺ: شاعر، وروي: أن القائل: عقبة بن أبي معيط، فقيل: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أن القرآن ليس بشعر،
_________________
(١) ـ قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا. قوله: (وقرئ بكسر الكاف و﴿نُنَكِّسْهُ﴾): عاصم وحمزة: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بضم النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الكاف وتشديدها. والباقون: بالفتح للنون الأولى وإسكان الثانية وضم الكاف مخففة. قوله: (أي: وما علمناه بتعليم القرآن الشعر، على معنى: أن القرآن ليس بشعر) يعني: قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ كناية تلويحية عن كون القرآن ليس بشعر، وأن رسول الله ﷺ ليس بشاعر، لأن الآية رد لقولهم: هو شاعر، وذلك أنهم ما سمعوا من رسول الله ﷺ منذ نشأ بين ظهرانيهم ما ينبئ عن الشعر ولا نسبوه إلى الشاعرية أصلًا، فلما سمعوا منه هذا القرآن المجيد نسبوه إليها إيذانًا بأن القرآن شعر فقيل لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ ودل به على أن القرآن ليس بشعر، أي: وما جعلنا تعليمنا القرآن له ذريعة إلى تعلم الشعر حتى يكون شاعرًا، فإذا لم يكن تعليم القرآن ذريعة إليه، فلا يكون القرآن شعرًا، ولا يكون هو شاعرًا،
[ ١٣ / ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فالباء في قول المصنف: " وما علمناه بتعليم القرآن الشعر" للاستعانة، وذلك أن من يمارس الدواوين والأشعار ربما يستعين به على قرض الشعر. وإذا لم يكن القرآن من الشعر في شيء فكيف يستعان به عليه؟ وإليه الإشارة بقوله: فأين الوزن وأين التقفية، وأين المعاني وأين النظم وأين الأساليب؟ والغرض في ارتكاب هذه الكناية تطبيق هذا الرد على قولهم لرسول ﷺ: إنه شاعر، وتلفيق قوله ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ فقوله: " وما ينبغي له" اعتراض لتقرير أنه ليس بشاعر، وقوله: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ تقرير للمقدر. وأورد أن هذا ليس من قبيل الكناية فضلًا عن أن يكون تلويحية لأنه انتقال من ملزوم واحد إلى اللازم، فيقال: لا ارتياب أن دلالة ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ على أن القرآن ليس بشعر، ودلالة ذلك على نقي الشاعر ليس من قبيل المفهوم الحقيقي، وهو نفي تعليم الشعر منه. ولا من قبيل المجاز عند مقتني صناعة البيان؛ لا من أنواع المفرد منه ولا المركب، أي: الاستعارة التمثلية أو الإسناد المجازي، فوجب المصير إلى الكناية باستعانة اقتضاء المقام كما سبق لما يلزم من نفي الشاعرية حينئذ نفي كون القرآن شعرًا ومن نفيه نفي تعليم الشعر بواسطة القرآن، فآذن الانتقال من قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ أي: أن القرآن ليس بشعر، ومن ذلك إلى أنه صلوات الله عليه ليس بشاعر انتقال من اللازم إلى الملزوم بمرتبتين، ولا يعني بالتلويح الأبعد والانتقال؛ ألا ترى إلى ما أنشده صاحب"المفتاح" من قوله ابن هرمه: لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبة الأجل فإنه استعان بوساطة مقام المدح وتسلسل اللوازم على أنه مضياف، والله أعلم وأما البيان النظم فإن قوله ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ الآية خاتمة لبيان
[ ١٣ / ٨٤ ]
وما هو من الشعر في شيء، وأين هو عن الشعر، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى،
_________________
(١) ـ أحوال المعاد، وكالتخلص إلى ذكر أحوال المكذبين من قوم الرسول الله ﷺ، وتقريعهم وتوبيخهم، وهو قوله: ﴿ولَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ﴿ولَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: لا تتعجبوا بما نختم على أفواههم في القيامة، ولو شئنا الآن لطمسنا على أعينهم، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق المألوف لم يستطيعوا، ولو نشاء لمسخناهم مسخًا يجمدهم مكانهم لفعلنا، ومن تكاذبهم قولهم في القرآن وفي من أنزل عليه: إنه شاعر وهو شعر حتى رد عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾، وهذا المعنى يملح إلى ما أفتتح به السورة من قوله: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. قوله: (والشعر إنما هو كلام موزون مقفى)، الراغب: الشعر معروف، والجمع أشعار، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾ [النحل: ٨٠] وشعرت: أصبت الشعر، ومنه استعير، شعرت: كذا، أي: علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر. قيل: وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته. فالشعر في الأصل: اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري، وصار في التعارف اسمًا للموزون المقفى من الكلام والشاعر المختص بصناعته. وقوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] كثير من المفسرين حملوه على أنهم رموه بكونه أتى بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء في القرآن من كل لفظة تشبه الموزون من نحو قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. وقال بعض المحصلين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، لأنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشعر، ولا يخفى ذلك على الأغتام من العجم فضلًا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب، فإن الشعر يعبر به عن الكذب، والشاعر: الكاذب، حتى سمى قوم الأدلة الكاذبة الشعرية، ولهذا قال في وصف عامة الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ
[ ١٣ / ٨٥ ]
يدل على معنى، فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟ وأين نظم كلامهم عن نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا حققت، اللهم إلا أن هذا لفظه عربي، كما أن ذاك كذلك. ﴿ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾: وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي: جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأت له ولم يتسهل،
_________________
(١) ـ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ولكون الشعر مقر الكذب، قيل: أحسن الشعر أكذبه، وقال بعضهم: لم ير متدين صادق اللهجة مفلقًا في شعره. والشعار: الثوب الذي يلي البدن لمماسته الشعر. والشعار: ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب أي: يعلم، والشعراء ذباب الكلب لملازمته شعره. قوله: (﴿ومَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ وما يصح له ولا يتطلب)، روي عن المصنف أنه قال: في" كتاب" سيبويه حرف واحد: كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعه على الانفعال، كضرب وطلب وعلم، وما ليس فيه علاج كعدم وفقد لا يتأتى في مطاوعه الانفعال البتة. وقال ابن الحاجب: ﴿مَا يَنْبَغِي﴾ بمعنى: لا يستقيم عقلا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]؛ لأنه لو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه. ولذلك عقبه بقوله: ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾؛ لأنه إذا انتفت الريبة لم يبق إلا المعاندة، فيحق القول عليهم. أشار إلى اتصال هذا الآية بما قبلها وما بعدها كما قررناه آنفًا. قال الإمام: وفيه وجه أحسن من ذلك، وهو أن الشعر لا يليق بمثله، ولا يصلح له، لأن الشعر يدعوا إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن، ولأن أحسنه المبالغة والمجازفة والإغراق في الوصف، وكلها تستدعي الكذب، وجل جناب الشارع عنه، فما هو إلا كتاب
[ ١٣ / ٨٦ ]
كما جعلناه أميًا لا يتهدى للخط ولا يحسنه؛ لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض.
وعن الخليل: كان الشعر أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام، ولكن كان لا يتأتى له. فإن قلت: فقوله:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
وقوله:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
_________________
(١) ـ سماوي يقرأ في المحاريب ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته الفوز في الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا. وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن عائشة قالت: كان أبغض الحديث إليه الشعر. وفي "المسند" أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما أبالي ما ركبت إذا أنا شربت ترياقًا أو علقت تميمة، أو قلت شعرًا من قبل نفسي". قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، قاله صلوات الله عليه يوم حنين حين نزل ودعا واستنصر في حديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن البراء.
[ ١٣ / ٨٧ ]
قلت: ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة، من غير صنعة فيه ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك كما ينفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرًا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنها شعر، وإذا فتشت في كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزن البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعد المشطور من الرجز شعرًا، ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ يعني: ما هوا إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس والجن، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧]، وما هو إلا قرأن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ ﴿لِيُنذِرَ﴾ القرآن، أو الرسول،
_________________
(١) ـ وعن البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت قوله: (على السليقة)، الجوهري: هي الطبيعة يقال: فلان يتكلم بالسليقة، أي: بطبعه، لا عن تعلم وهي منسوبة. قوله: (المشطور من الرجز)، عن بعضهم: المشطور: الذي أخذ شطره، وهو الذي ليس بمصرع، كقوله: يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
[ ١٣ / ٨٨ ]
وقرئ: (لتنذر) بالتاء، و(لينذر): من: نذر به؛ إذا علمه. ﴿مَن كَانَ حَيًا﴾ أي: عاقلًا متأملًا؛ لأن الغافل كالميت؛ أو معلومًا منه أنه يؤمن فيحيا بالإيمان، ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ﴾:
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "لتنذر") بالتاء: نافع وابن عامر، والباقون: بالياء التحتانية. قوله: (من: نذر به: إذا علمه)، الجوهري: ونذر القوم بالعدو بكسر الذال المعجمة؛ إذا علموا. قوله: (أو معلومًا منه أنه يؤمن)، عطف على " عاقلًا متأملًا"، وعلى الأول ﴿حَيًّا﴾ استعارة مصرحة بحقيقته استعبر الحياة للعقل لجامع التكميل والتزيين. وعلى الثاني استعارة للإيمان كذلك، ثم مجاز باعتبار ما يؤول. كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] قال: سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، كأنه قيل: لينذر من كان مآل أمره إلى الإيمان به لأنه الذي ينتفع بالإيمان، ولذلك رتب "فيجيء بالإيمان" على قوله: "معلومًا منه أنه يؤمن". وقال بعض المشاهير: أطلق كان والمراد يكون مجازًا باعتبار ما يؤول، فيقال: " كان" في هذه الآية نحوها في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧]؛ ولذلك قال: "معلومات منه أنه يؤمن". وهذا الوصف على هذا التقدير ثابت للموصوف، وكذا على الوجه الأول. قال الراغب: "كان" يستعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصف لينبه على أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، ومن ثم قوبل به قوله: ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ لأنه معبر به عن العلم الأزلي، واختير قوله ﴿عَلَى الكَافِرِينَ﴾ على "من يكفر"؛ أي: وجب وثبت في علم الله واستمراره على الكفر كما ثبت في
[ ١٣ / ٨٩ ]
وتجب كلمة العذاب ﴿عَلَى الكَافِرِينَ﴾ الذين لا يتأملون ولا يتوقع منهم الإيمان.
[﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ ومِنْهَا يَاكُلُونَ * ولَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ومَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ٧١ - ٧٣]
﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على توليه غيرنا، وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة والحكمة فيها، والتي لا يصح أن يقدر عليها إلا هو. وعمل الأيدي: استعارة من عمل من يعملون بالأيدي، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ أي: خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم متصرفون فيها تصرف الملاك، مختصون بالانتفاع بها لا يزاحمون. أو فهم لها ضابطون قاهرون، من قوله:
_________________
(١) ـ علم الله دخول ذلك في الإيمان، فظهر من هذا التقابل: أن الكافر كالميت والمؤمن كالحي. وقوله: " (﴿عَلَى الكَافِرِينَ﴾ الذين لا يتأملون) مقابل لقوله: أي عاقلًا متأملا. وقوله: "ولا يتوقع منهم الإيمان" مقابل لقوله: "أو معلومًا منه الإيمان" والله أعلم. قوله: (وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة) يعني: إنما قرن إنا خلقنا لهم بقوله: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وآثر صيغة التعظيم والأيدي مجموعة ليدل على إبداع خلق عجيب وإبداع صنع غريب فيه، لأن اليد إذا استعيرت للقدرة دلت على دقة في المقدور. قوله: (وعمل الأيدي استعارة من عمل من بعمل) يعني: استعير عمل الأيدي من مكان يستعمل فيه هذا اللفظ حقيقة، وهو الإنسان، لمن لا يستعمل فيه عمل الأيدي إلا مجازًا، وهو الله ﷾، ونحوه استعمال الطلع في قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] فيما لا طلع له من الشجر، واستعمال المرسن في أنف لا رسن له. قوله: (أو: فهم لها ضابطون) فالمالك بمعنى القاهر والقادر من ملكت العجين: إذا أجدت عجنه فقويته، ومنه أخذ الملك لأنه القدرة على المملوك، والفاء على الأول للتسيب وهي فصيحة لتقدير فملكناهم وهذا أوجه، لأن قوله: ﴿وذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ وتقسيمه بالركوب
[ ١٣ / ٩٠ ]
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا
أي: لا أضبطه، وهو من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليله وتسخيره لها؟ كما قال القائل:
يصرفه الصبي بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير
ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]. وقرئ: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ و(ركوبتهم)،
_________________
(١) ـ والأكل يدل على الضبط والقهر فدل "مالكون" على أن أحدًا لا يمنعهم من التصرف فيها ودل ﴿وذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ على أنها في أنفسها لا تمتنع من التصرف فيها بما أراد صاحبها، وعلى الوجه الثاني: وذلللناهم لهم عطف تفسيري على قوله: ﴿مَالِكُونَ﴾ وليس بقوي. قوله: (أصبحت) البيت، وبعده: والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا سئل عن أبي هرمة: كيف أصبحت؟ فأنشد البيتين. قوله: (يصرفه الصبي) البيتين، الجرير: حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة غير الزمام، والخسف: الذل. والهراوى: جمع الهراوة وهي العصا الضخمة، والغير: اسم من قولهم: غيرت الشيء فتغير، أو جمع غيره. قوله: (وقرئ: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾)، وهي قراءة العامة. قال ابن جني: قرأ الحسن والأعمش بضم الراء. وقرأت عائشة ﵂ ركوبتهم، وأما الضم فمصدر، والكلام محمول
[ ١٣ / ٩١ ]
وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة. وقيل: الركوبة: جمع. وقرئ: (ركوبهم) أي: ذو ركوبهم، أو: فمن منافعها ركوبهم. ﴿مَنَافِعُ﴾: من الجلود والأوبار والأصواف وغير ذلك. ﴿ومَشَارِبُ﴾: من اللبن، ذكرها مجملة، وقد فصلها في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ الآية [النحل: ٨٠]. والمشارب: جمع مشرب؛ وهو موضع الشرب، أو الشرب.
[﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ * فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ومَا يُعْلِنُونَ﴾ ٧٤ - ٧٦].
اتخذوا الآلهة طمعًا في أن يتقووا بهم ويعضدوا بمكانهم، والأمر على عكس ما قدروا؛ حيث هم جند لآلهتهم معدون
_________________
(١) ـ على حذف المضاف، أي: ذو ركوبهم، وهو المركوب ومرجعها إلى قراءة من قرأ بفتح الراء وإن شئت قدرت: فمن منافعها أو من أعراضها ركوبهم، وأما ركوبتهم فهي المركوبة كالجزورة والحلوبة، أي: ما يجز ويحلب. وقال مكي: ركوبتهم: الأصل عند الكوفيين؛ ليفرق بين ما هو فاعل وبين ما هو مفعول، يقولون: امرأة صبور وشكور فهذا فاعل، ويقولون: ناقة حلوبة وركوبة فهذا مفعول. قوله: (هو موضع الشرب، أو الشرب)، في" المطلع": مشارب: جمع مشرب، بمعنى موضع الشرب، أو هي مصدر بمعنى المشروب، وهو لبنها ومخيضها والزبد والسمن والأقط والجبن والرائب وغيرها.
[ ١٣ / ٩٢ ]
﴿مُحْضَرُونَ﴾ يخدمونهم ويذبون عنهم، ويغضبون لهم، والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر، أو: اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهموا؛ حيث هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلون وقودًا للنار.
قرئ: ﴿فَلا يَحْزُنكَ﴾ بفتح الياء وضمهما، من حزنه وأحزنه. والمعنى: فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بـ ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ من عداوتهم ﴿ومَا يُعْلِنُونَ﴾،
_________________
(١) ـ قوله: (﴿مُحْضَرُونَ﴾ يخدمونهم) أي: يحضرونها لخدمتها وعبادتها، لقوله: "محضرون لعذابهم" حيث صرح باللام. وأما اتصال هذه الآية بما قبلها فأن تجعل حالًا مقررة لجهة الإشكال؛ أي: إنا خلقناهم وفعلنا كذا وكذا وهم اتخذوا من دون الله ما لا يستطيعون نصرهم، ومع ذلك إنهم يذبون عنها ويغضبون لها، وإليه الإشارة بقوله: والأمر على عكس ما قدروا. قوله: (قرئ: ﴿فَلا يَحْزُنكَ﴾ بفتح الياء وضمها): نافع: بالضم، والباقون: بالفتح. قوله: (والمعنى: فلا يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم) إلى آخره، لابد لهذا الفاء من كلام تتصل به، والذي يصلح لذلك قوله: ﴿ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾، لأنه في جواب من قال: إنه صلوات الله عليه شاعر والقرآن شعر. وأما بيان النظم، فإنه تعالى بعد ما رد عليهم قولهم: إنه شاعر، أتى بقوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ الآيات، مسليًا حبيبه صلوات الله عليه، يعني: لك التأسي بربك، فإنه تعالى أراهم تلك الآيات الباهرة، وأولاهم تلك النعم المتظاهرة، وعلموا أنه المتفرد بها، ومع ذلك كابروا وعاندوا واتخذوا من دونه آلهة أشركوها به في العبادة، فإذا كان كذلك فلا يحزنك قولهم، لأنا مجازوهم على تكذيبهم إياك إشراكهم بي.
[ ١٣ / ٩٣ ]
وإنا مجازوهم عليه، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة؛ حتى ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن. فإن قلت: ما تقول فيمن يقول: إن قرأ قارئ: (أنا نعلم) بالفتح: انتقضت صلاته، وإن اعتقد بما يعطيه من المعنى: كفر؟ قلت: فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون على حذف لام التعليل، وهو كثير في القرآن والشعر، وفي كل كلام وقياس مطرد، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء، وعليه تلبية رسول الله ﷺ: "إن الحمد والنعمة لك"، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي، وكلاهما تعليل. والثاني: أن يكون بدلًا من ﴿قَوْلُهُمْ﴾، كأنه قيل: فلا يحزنك، إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون. وهذا المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة
_________________
(١) ـ قوله: (ينقشع عنه الهم ولا يرهقه الحزن)، الجملتان مقررتان على النفي والإثبات طردًا وعكسًا. قوله: (وعليه تلبية رسول الله ﷺ)، عن البخاري ومسلم ومالك وغيرهم، عن ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يهل ملبدًا يقول: " [لبيك] اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" لا يزيد على هذه الكلمات. النهاية: التلبيد: هو أن يسرح الشعر ويجعل فيه شيء من صمغ ليلتزق ولا يتشعث في الإحرام. قوله: (مع المكسورة) يعني: هذا المحذور أيضًا قائم مع المكسورة على تقدير المقول، فعليك أن لا تقدر البدل فاتحًا، ولا تقدر مقول القول كاسرًا لأنه على التقديرين نهى رسول الله ﷺ عن الحزن على كون الله عالمًا بسرهم وعلانيتهم، بل يقدر على الفتح، والكسر للتعليل، وهو المراد بقوله: وإنما يدوران على تقديرك: فينفصل إلى آخره على أن ذلك جائز على سبيل التعريض كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥].
[ ١٣ / ٩٤ ]
للقول، فقد تبين أن تعلق الحزن بكون الله عالمًا وعدم تعلقه لا يدوران على كسر "إن" وفتحها، وإنما يدوران على تقديرك، تتفضل إن فتحت بأن تقدر معنى التعليل ولا تقدر البدل، كما أنك تتفضل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى المفعولية، ثم إن قدرته كاسرًا أو فاتحًا على ما عظم فيه الخطب ذلك القائل، فما فيه إلا نهي رسول الله ﷺ عن الحزن على كون الله عالمًا بسرهم وعلانيتهم، وليس النهي عن ذلك ما يوجب شيئًا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٦٨]، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧]، ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
[﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ * إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٧٧ - ٨٣]
قبح الله ﷿ إنكارهم البعث تقبيحًا لا ترى أعجب منه وأبلغ، ودل على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في الخسة،
_________________
(١) ـ قوله: (قبح الله ﷿ إنكارهم البعث تقبيحًا)، قال القاضي: هذه تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر. يريد أن قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنسَانُ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ وأسلوبها أسلوبها في التعكيس، يعني: أنا كما تولينا إحداث النعم ليكون ذريعة إلى أن يشكروها فجعلوها وسيلة إلى الكفران، كذلك خلقناهم من أخس الأشياء وأمهنها، ليخضعوا ويتذللوا، فإذا هو خصيم مبين.
[ ١٣ / ٩٥ ]
وتغلغله في القحة؛ حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء وأمهنه؛ وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة الجبار، ويبرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعدما ومت عظامه؟ ! ثم يكون خصامه في ألزام وصف له وألصقه به؛ وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي الكابرة التي لا مطمح وراءها، وروي: أن جماعة من كفار قريش منهم أبي بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبي: ألا ترون إلى ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأصيرن إليه
_________________
(١) ـ قوله: (في القحة)، الجوهري: وقح الرجل إذا صار قليل الحياء، وهو وقح ووقاح بين القحة والوقاحة، والهاء عوض من الواو. قوله: (ويمحك)، الجوهري: المحك: اللجاج، وقد محك يمحك فهو رجل محك ومماحك. قوله: (ثم يكون خصامه في ألزم وصف) ثم هذه يجوز أن تكون للاستعباد؛ يعني ينكر الحشر، ويخاصم مع مهانته الجبار مع مهابته في شيء في غاية من الظهور والجلاء! ما أبعد ذلك من العاقل! قوله: (والعاص بن وائل)، عن بعضهم: العاص، صح بالرفع، لأنه من الأعياص، من العوص لا من العصيان، والأعياص من قريش وهم أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم أربعة: العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، والعيص الأصل.
[ ١٣ / ٩٦ ]
ولأخصمنه، وأخذ عظمًا باليًا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعدما قد رم؟ ! قال ﷺ: "نعم، ويبعثك ويدخلك جهنم". وقيل: معنى قوله: ﴿فَإِذَا.
_________________
(١) ـ قوله: (ولأخصمنه)، وخاصمت فلانا فخصمته أخصمه بالكسر، ولا يقال بالضم، وهو شاذ. ومنه قراءة حمزة: " وهم يخصمون". قوله: (نعم، ويبعثك ويدخلك جهنم)، من الأسلوب الحكيم، أي: إحياؤه مما لا كلام فيه، فسل عن حالك كيف تصير إلى جهنم؟ قيل: ليس هذا من الأسلوب الحكيم في شيء، بل أجاب وزاد في الجواب بالبعث والعقاب. فيقال: الأسلوب الحكيم: هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب والسائل بغير ما يتطلب، فقوله صلوات الله عليه: " ويبعثك ويدخلك جهنم" هو الجواب المفحم، وقوله: "نعم" توطئة للجواب، واللعين لم يترقب ذلك، على أن سؤاله ذاك لم يكن سؤال مسترشد طالب للحق بل سؤال متعنت متهكم لم يقنع بلا ونعم. فكيف لا وقد أسلف: ألا ترون ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات إلى آخر ما ذكره، نظيره قوله تعالى: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٨] جوابًا عن قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦] على أن الزائد على الجواب لا يتبينه إلا الحكيم الحاذق. قال الراغب: السؤال ضربان: سؤال جدل وحقه أن يطابقه جوابه لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، وسؤال تعلم وحق المعلم أن يصير فيه كطبيب رفيق يتحرى شفاء سقيم فيطلب ما يشفيه طلبه المريض أو لم يطلبه.
[ ١٣ / ٩٧ ]
هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾: فإذا هو بعدما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق قادر على الخصام، ﴿مُّبِينٌ﴾: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. فإن قلت: لم سمى قوله: ﴿مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ مثلًا؟ قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل؛ وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. أو لما فيه من التشبيه؛ لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله تعالى بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل: من يحيي العظام؟ على طريق الإنكار لأن يكون ذلك ممًا يوصف الله تعالى بكونه قادرًا عليه؛ كان تعجيزًا لله وتشبيهًا له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه. والرميم: اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبرًا لمؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو
_________________
(١) ـ وقلت: مثاله من غلب عليه مرة السوداء إذا طلب من الطبيب تناول الجبن فيقول: عليك بمائه كما أجيب عن قولهم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ بقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وإذا طلب من قهره الصفراء العسل فيقول له: مع الخل، وعليه ما نحن بصدده، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. قوله: (من التشبيه؛ لأن ما أنكر) إلى آخره، تلخيصه: أن إحياء الأموات من قبيل الصفات التي يوصف بها الباري ليمتاز عن الخلق كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقال تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الدخان: ٨]، فإذا أنكر ذلك لزم منه العجز وهو ما يرصف به المخلوق، فلذلك قيل: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ أي شبهنا بالمخلوقين. قال الإمام: ﴿وضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب. قوله: (ولا هو فعيل بمعنى فاعل) قيل: هو معطوف على قوله "غير صفة". وفي
[ ١٣ / ٩٨ ]
مفعول. ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام، ويقول: إن عظام الميتة نجسة؛ لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. وأما أصحاب أبي حنيفة فهي عندهم ظاهرة، وكذلك الشعر والعصب، ويزعمون أن الحياة لا تحلها؛ فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس. ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات من أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي توري بها الأعراب وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، ويقطع الرجل منهما غصنين من مثل السواكين وهما
_________________
(١) ـ "المطلع": الرميم اسم غير صفة كالرمة والرفات لا فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولأجل أنه اسم لا صفة لا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر لمؤنث؟ قال القاضي: والرميم: ما بلي من العظام، ولعله فعيل بمعنى فاعل؛ من: رم الشيء، فصار اسمًا بالغلبة، ولذلك لم يؤنث، أو بمعنى مفعول؛ من: رممته، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء. وقال محيي السنة: لم يقل رميمة لأنه معدول عن فاعلة، وكل ما كان معدولًا عن وجهه ووزنه كان مصروفًا عن أخواته لقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أسقط الهاء؛ لأنها كانت مصروفة عن: باغية. قوله: (في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار)، استمجد: يستعمل في تفضيل الفاضل على الفضلاء، قال الميداني: يقال مجدت الإبل تمجد مجودًا إذا نالت من الخلى قريبًا من الشبع، واستمجد المرخ والعفار، أي: استكثر وأخذا من النار ما هو حسبهما؛ شُبِّها
[ ١٣ / ٩٩ ]
خضراوان، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ، وهو ذكر، على العفار، وهي أنثى، فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس ﵄: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب. قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين. قرئ: ﴿الْأَخْضَرِ﴾ على اللفظ، وقرئ: (الخضراء) على المعنى، ونحوه قوله تعالى: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٢ - ٥٤]. من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وقرئ: (يقدر). وقوله: ﴿أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السماوات والأرض، أ: أن يعيدهم؛ لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به،
_________________
(١) ـ بمن يكثر العطاء طلبًا للمجد، لأنهما يسرعان الوري. يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض، وليس في الشجر أورى زنادًا من المرخ. والزند الأعلى يكون من العفار، والأسفل من المرخ قال: إذا المرخ لم يور تحت العفار قوله: (والقماءة)، الجوهري: قمؤ الرجل قماء وقماءة، قميئًا، وهو الصغير الذليل، وأقمأنه: صغرته وذللته فهو قميء؛ على: فعيل. قوله: (لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به) أي: أم المعاد مثل المبتدأ وليس بعينه، كما فسره صاحبا"المطلع" و"التقريب". وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر لأنه خلاف المذهب وقد أحسن وأجاد بعض فضلاء العصر حيث قال: ما ذكره المصنف مناف لما صرح به قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأن الضمير في ﴿يُحْيِيهَا﴾ و﴿أَنشَأَهَا﴾ راجع إلى أمر واحد. فيكون المحيي هو المنشئ أول مرة فالمعاد عين المبتدأ، ولأن قولهم: ﴿مَن يُحْيِي
[ ١٣ / ١٠٠ ]
_________________
(١) ـ العِظَامَ﴾ إنكار لخلق تلك العظام الرميمة البالية بعينها إحياء، فلو لم يكن المراد من قوله: ﴿يُحْيِيهَا﴾ أن الله يجعلها أحياء بعينها لم يطابق السؤال الجواب. وقال الإمام ﵀: إعادة المعدوم عندنا جائز خلافًا لجهور الفلاسفة خذلهم الله، الكرامية وطائفة من المعتزلة. وقال أيضًا: والدليل على أن حشر الأجساد حق أن عود البدن في نفسه ممكن والله قادر على كل الممكنات. وعالم بكل المعلومات فكان القول بالحشر ممكنًا والأنبياء قد أخبروا عن وقوعه، والصادق إذا أخبر عن وقوع شيء ممكن وجب القطع بصحته، وإنما احتجنا إلى إثبات القدرة والعلم، لأنه تعالى إذا علم بجميع المعلومات علم بأجزاء تلك العظام النخرة والجلود المتمزقة المتلاشية في أقطار الآفاق، وإذا قدر على جميع المقدورات كان قادرًا على تمييز الأجزاء وجمعها وإعادتها كما كانت أول مرة فسبحان الخلاق العليم. هذا تلخيص كلام الإمام. وقال: قد جمع الله ﷾ هذه المقدمات بأسرها صريحًا في جوابه عن قولهم ﴿مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾، أما ما يدل إثبات القدرة على الممكن فهو قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ إلى آخره، وأما ما يدل على إثبات العلم بالجزئيات فهو قوله: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، وأما ما يدل على الإخبار عن الصادق فهو قوله: ﴿قُلْ﴾، أي: قل أيها الصادق المصدوق المشهور عندهم بالأمين، الثابت نبوته بالدلائل والبرهان، فظهر أن الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما المصنف هو الوجه تصحيحًا وذوقًا. أما التصحيح فكما مر، وأما الذوق فإن لفظة"مثل" ههنا كناية عن المخاطبين نحو قولك: مثلك يجود، وهو المراد من قوله: "أن يخلق مثلهم" في الصغر والقماءة ثم الالتفات
[ ١٣ / ١٠١ ]
﴿وهُوَ الخَلاَّقُ﴾: الكثير المحذوفات ﴿العَلِيمُ﴾: الكثير المعلومات. وقرئ: (الخالق). ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ﴾: إنما شأنه ﴿إذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾: إذا دعاه داعي حكمة إلى تكوينه ولا صارف ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾: أن يكونه من غير توقف ﴿فَيَكُونُ﴾ فيحدث، أي: فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت: ما حقيقة قوله: ﴿أَن يَقُولَ لَهُ كُن﴾؟ قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل؛ لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. فإن قلت: فما وجه القراءتين في ﴿فَيَكُونُ﴾؟ قلت: أما الرفع؛ فلأنها جملة من مبتدأ وخبر؛ لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها؛ وهي: أمره أن يقول له: كن. وأما النصب؛ فللعطف على ﴿يَقُولُ﴾،
_________________
(١) ـ من قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿مِثْلَهُم﴾ لمزيد الاحتقار والازدراء أي: مثل أولئك البعداء، ولأن وزان هذه الآية وزان قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ولو جعل المثل بمعنى مثل المبتدأ لفات أكثر هذه الفوائد. قوله: (وتمثيل لأنه لا يمتنع) أي: تمثيل لعدم الامتناع، فاللام صلة وليس بتعليل. والضمير فيه للبيان، وقوله: "وأنه بمنزلة المأمور" عطف تفسيري عليه، والضمير للشيء؛ فالممثل الشيء المكون والممثل به المأمور المطيع، والتمثيل "كن فيكون" لأنه اللفظ المستعار لذلك المعنى، ولو أريد التعليل لقيل تمثيل، لأنه ليس ثم قول ولا أمر ولا مأمور حقيقة. قوله: (فما وجه القراءتين في ﴿فَيَكُونُ﴾؟) يعني الرفع والنصب. النصب ابن عامر والكسائي، والباقون بالرفع. قوله: (وأما النصب فللعطف على ﴿يَقُولُ﴾)، قال أبو علي في "الإغفال": لا يجوز أن يكون جوابًا لقوله: "كن" لأن الجواب بالفاء إنما يكون لغير الموجب نحو: النفي والأمر والنهي والتمني والعرض.
[ ١٣ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ فإن قلت: فقد تقدم ﴿كُنْ﴾ وهو أمر فهلًا جاز انتصابه به نحو: أتيتني فأعطيك؟ قلت: كن وإن كان على لفظ فليس بأمر، لأن الأمر يقتضي مأمورًا موجودًا أو معدومًا، فإن كان موجودًا فلا وجه للأمر، وإن كان معدومًا، فلا يجوز أن يؤمر المعدوم بالكون والحدوث لما يلزم أن يكون المأمور المعدوم فاعلًا لنفسه كما يكون المتلقي لما يؤمر به وذلك فاسد. وإذا لم يكن أمرًا كان خبرًا، وإذا كان خبرًا لم يجز انتصاب الفعل بعدها على حد ما تنتصب الأفعال، ويكون المعنى- والله أعلم-: فإنما يكونه فيكون، ففاعل الفعل اسم الله تعالى، وأما ما في "النحل" فالرفع على "فهو يكون"؛ لأن المعنى ليس على جواب الأمر كقولك: قم فأعطيك، فالأول أمر والثاني ضمان، فقوله: كن "للأمر فيكون" ما يقع من المأمور. وعن أبي العباس: فإنما يقول له كن فيكون "رفع ولا يجوز إلا الرفع لأنه ليس مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: ٦١] لأن الأول منهم والثاني من غيرهم، ووجه النصب على الجواب. فأما إذا كان ألأول والثاني من واحد، فلم يكن إلا العطف، فقوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ ليس منه القول ومن المخلوق شيء، وليس هو أكثر من التكوين والإيجاد. وقال أيضًا: ليس كن مثل قم فأعطيك، لأن أحد الفعلين مع المخاطب والآخر منك، ومن نصب نصب فهو على ما ذكر، وليس على الجواب. ذكره في البقرة عند قوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ [البقرة: ١٠٢]. ويمكن أن يقال: إنك إذا قلت لزيد: اضرب عمرًا فضرب، فهم أن ضربه مسبب عن قولك، لا عن اضرب.
[ ١٣ / ١٠٣ ]
والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئًا مما تقدر عليه؛ من المباشرة بمحال القدر، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب، إنما أمره- وهو القادر العالم لذاته- أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون، فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ ﴿فَسُبْحَانَ﴾: تنزيه له ممًا وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا. ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: هو مالك
_________________
(١) ـ قوله: (والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام)، يعني: إنما عقب بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ما سبق من إثبات القدرة على خلق السماوات والأرض وخلق مثلهم، لئلا يقيس الجاهل المنكر الغائب بالشاهد، والقادر على الإطلاق بالعاجز المحتاج؛ لأن الباري عز شأنه إذا تعلقت إرادته بإيجاد شيء يحدث بلا توقف لا محالة. على أن هذا تفهيم وتقريب. قوله: (العالم لذاته)، مذهبه. قوله: (وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا)، أي: الجماعة من كفار قريش، منهم: أبي بن خلف، وأبو جهل والعاص والوليد كما سبق؛ تكلموا في البعث وأنكروه كل الإنكار حتى أخذ أبي عظمًا باليًا، فجعل يفته بيده ويقول: يا محمد، أترى يحيى هذا بعدما رم؟ ولما أجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وعقبه بقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ رتب عليه بالفاء قوله ﴿فَسُبْحَانَ﴾ تأكيدًا وتقريرًا أي: إذا تقرر هذا ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فكان من حق الظاهر أن يقال: بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله، فخص رجوع المشركين بالذكر دلالةً على غضب شديد وتهديد عظيم، لقولهم: من يحيي العظام وهي رميم؟ ولهذا السر أيضًا أجاب نبي الله ﷺ أبيًا عن هذا القول بقوله: "نعم. ويبعثك ويدخلك جهنم" كما سبق.
[ ١٣ / ١٠٤ ]
كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وقرئ: (ملكة كل شيء)، و(مملكة كل شيء)، و(ملك كل شيء)، والمعنى واحد. ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء وفتحها. وعن ابن عباس ﵁: كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك، فإذا إنه لهذه الآية.
قال رسول الله ﷺ: "إن لكل شيء قلبًا، وإن قلب القرآن ﴿يس﴾،
_________________
(١) ـ قوله: (وقرئ: "ملكة كل شيء")، قال ابن جني: قرأها طلحة وإبراهيم والأعمش، أي: عصمة كل شيء، وهو من: ملكت العجين: إذا أجدت عجنه، فقويته بذلك. ومنه: الملك؛ لأنه القدرة على المملوك، ومنه الملك لأن به قوام الأمور. والملكوت: فعلوت منه للمبالغة، ولهذا لا يطلق إلا على الأمر العظيم، ونظيره: الجبروت والرغبوت والرهبوت. قوله: (﴿تُرْجَعُونَ﴾ بضم التاء): العامة، وفتحها: شاذ. قوله: (إن لكل شيء قلبًا وإن قلب القرآن ﴿يس﴾) الحديث من رواية الترمذي عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "لكل شيء قلب، وقلب القرآن ﴿يس﴾، ومن قرأها كتب الله له قراءة القرآن عشر مرات". وروى الإمام عن حجة الإسلام أنه قال: إنما كان قلب القرآن، لأن الإيمان صحته الاعتراف بالحشر والنشر، وهذا المعنى مقرر فيه بأبلغ وجه.
[ ١٣ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" وأبي داود عن معقل بن يسار، عن رسول الله ﷺ قال: "اقرؤوا سورة ﴿يس﴾ على موتاكم". قال الإمام: وذلك أن اللسان حينئذ ضعيف القوة والأعضاء ساقطة المنة، لكن القلب قد أقبل على الله بكليته، فيقرأ عليه ما تزداد قوة قلبه، ويشتد تصديقه بالأصول، فهو إذن عمله. وقلت -والعلم عند الله-: إن هذه السورة الكريمة من فاتحتها إلى خاتمتها في تقرير أمهات علم الأصول وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم بأبلغ وجه وأتمه: فقوله تعالى: ﴿يس * والْقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ وقوله: ﴿تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ في إثبات المعجزة، فإن الحكيم بمعنى مفعل؛ أي: المحكم المتقن الرصين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فهو محكم في نفسه، فلو حام حوله سمة الحدوث ووصمة العدم لم يكن محكمًا في نفسه، ولم يكن تنزيلًا من عزيز رحيم، ومحكم في ترصيفه وتركيبه، فلو عورض لمثله لم يكن محكمًا في ترصيفه وترتيبه ولم يكن منزلًا من لدن عزيز رحيم. وقوله: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وهُم مُّهْتَدُونَ﴾ في بيان المسائل المعتبرة في النبوات من التبليغ والبشارة والنذارة وكيفية دعوة الأمة واستعمال اللين والرفق فيها وعدم الطمع في الأجر، وأحوال الأمم وقبول البعض وإباء الآخرين، وبيان خاتمة السعداء منهم والأشقياء، وقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في
[ ١٣ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ـ إثبات القدر وأن الكائنات كلها واقعة بقدر الله ولا يخرج شيء منها من علمه، وقوله: ﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا﴾ الآيات في إثبات القضاء. وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وإن كان كسبًا لهم، فعلم أنه لا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا فلتة خاطر إلا بقضاء الله وقدره وإدارته ومشيئته وقوله: ﴿ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وقوله: ﴿وأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ في إثبات التوحيد ونفي الأضداد والأنداد ومواجب العبادة. وقوله: ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ إلى آخر الآيات كالبحر الزاخر في إثبات الصفات المعتبرة في أصول الدين مدبجًا بدليل الآفاق والأنفس على أتم وجه. وقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ إثبات لأمارات الساعة لأنها هي النفخة الأولى، يدلك عليه قوله: ﴿تَاخُذُهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ على ما روينا عن مسلم: "وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم"، وفيه: "أول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله" الحديث. كما أن قوله: ﴿ونُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ إثبات للنفخة الثانية، وقوله: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ﴾ إلى آخره في بيان الإعادة، وقوله: ﴿فَإذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ في بيان الحشر. وقوله: ﴿فَإذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ بيان للحضور في العرصات والموقف. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ إثبات للحساب والجزاء. وقوله: ﴿إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ﴾ وقوله ﴿وامْتَازُوا اليَوْمَ﴾ في بيان المرجع والمآب بعد الحساب: فريق في الجنة وفريق في السعير.
[ ١٣ / ١٠٧ ]
من قرأ ﴿يس﴾ يريد بها وجه الله، غفر الله له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة ﴿يس﴾ نزل بكل حرف فيها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفًا يصلون عليه، ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ ياسين وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل
_________________
(١) ـ وقوله: ﴿ولَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ في بيان أن لهم ما تشتهي الأنفس. وقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ في بيان حصول ما يلذ به السمع وتقر به الأعين، وهو نيل الحسنة الكبرى والبغية الأسنى وهي رؤية الله تعالى كما دل عليه حديث المصطفى وقد أوردناه في موضعه من هذه السورة. وقوله: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ كالفذلكة للمذكورات. وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كالخاتمة المشتملة على أسرار عجيبة، تتحير فيه الأفهام، وتكل من شرحه الألسن والأقلام، ولهذا قال حبر الأمة على ما رواه المصنف: كنت لا أعلم ما روي في فضائل ﴿يس﴾ وقراءتها كيف خصت بذلك، فإذا إنه لهذه الآية. وفي تقديم بعض هذه الأصول وتأخير بعضها معان لا تكاد تنضبط. هذا ومن رام التفصيل فقد حاول نزف البحر هيهات ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] فلله تعالى في كل كلمة من القرآن كلماته التي ينفد البحر دون
[ ١٣ / ١٠٨ ]
الجنة وهو ريان". وقال ﵊: "إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس".
_________________
(١) ـ نفادها. ولله در شيخنا شيخ الإسلام قدس سره وإنشاءه في كتابه "العوارف": أنعى إليك قلوبًا طال ما هطلت سحائب الوحي فيها أبحر الحكم تمت السورة حامدًا لله ومصليًا على خير خلق الله * * *
[ ١٣ / ١٠٩ ]