وهذا أمر ظاهر في تفسيره «لباب التفاسير» وكتابه «البرهان»، وإنما انتقد عليه تأليفه لكتاب «غرائب التفسير» وفي ذلك يقول السيوطي في «الإتقان» (١) عند النوع التاسع والسبعين (في غرائب التفسير): (ألف فيه محمود بن حمزة الكرماني كتابًا في مجلدين سمّاه «العجائب والغرائب» ضَمَّنه أقوالًا ذكرت في معاني الآيات منكرة لا يحل الاعتماد عليها ولا ذكرها إلا للتحذير منها).
وقد فهم بعض من جاء بعد السيوطي أن الأخير ينتقد الكرماني على هذا الكتاب، وبنظرة تأمليَّة إلى كلام السيوطي فإننا لا نجد انتقادًا، وإنما هي جمل تصف الكتاب فحسب، ولعلها مقتبسةٌ من مقدمة الكرماني لكتابه «غرائب التفسير» حيث يقول الكرماني: (وبعد، فإن أكثر العلماء والمتعلمين في زماننا يرغبون في غرائب تفسير القرآن وعجائب تأويله، ويميلون إلى المشكلات والمعضلات في أقاويله، فجمعت في كتابي هذا منها ما أُقَدِّرُ أن فيه مقنعًا لرغبتهم ومكتفىً لطلبتهم، لما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، فإن الله يحب أن تعرب آي القرآن) ولما ذكر ابن عباس ﵁: (إن هذا القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى). وأوجزت ألفاظه من غير إطناب، فإن مجتنى كنوز العلم في اختياره وحسن جمعه واختصاره، ولم أشتغل بذكر الآيات الظاهرة والوجوه المعروفة المتظاهرة، ولا بذكر الأسباب والنزول والقصص والفصول، فإني قد أودعت جميع ذلك في كتابي الموسوم بـ «لباب التفاسير» من غير إفراط مني فيه ولا تقصير).
وهذه المقدمة تعطينا تصورًا عن هذا الكتاب، فهو كتاب له غرض معين، فلا
_________________
(١) انظر: «الإتقان» للسيوطي (ص ٨٧٦).
[ ٣٢ ]
ريب أن تجتمع فيه الأقوال الغريبة والعجيبة والمنكرة، ولكن ليس هذا هو وجه الكرماني في التفسير، بل إن كتابه «لباب التفاسير» هو الكتاب الذي نَزِنُ به مكانة الكرماني العلمية في التفسير، ولذلك فقد مرَّ معنا أن المترجمين الأوائل للكرماني وصفوه ببعض العبارات التي تبين هذه المنزلة العالية.
وقد ترك الكرماني عددًا من المؤلفات، أذكر منها ما وقفت عليه في كتب التراجم وبعض كتب أهل العلم:
أولًا: «لباب التفسير»: وسيأتي الحديث عنه مفصلًا إن شاءالله تعالى.
ثانيًا: «غرائب التفسير وعجائب التأويل»: وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق الدكتور شمران العجلي، ونشرته دار القبلة في جدة بالاشتراك مع مؤسسة علوم القرآن في بيروت، وذلك سنة ١٤٠٨ هـ.
ثالثًا: «البرهان في متشابه القرآن»: وهو مطبوع عدة طبعات، وحقق في رسائل جامعية، أما المطبوع فلدي نسخة بتحقيق الدكتور أحمد عزالدين خلف الله، صدرت عام ١٤١٧ هـ عن دار صادر ببيروت، وهناك طبعات أخرى للكتاب، مثل طبعة دار الاعتصام بالقاهرة سنة ١٩٧٦ م بتحقيق الأستاذ عبدالقادر عطا، وعنوان الكتاب في هذه الطبعة: أسرار التكرار في القرآن، وأظنه قام بتغيير هذا العنوان إلى العنوان الأصلي لاحقًا، وذلك نظرًا لكثرة الانتقادات التي وجهت له.
وقام مركز الكتاب بالقاهرة سنة ١٩٩٧ م بنشر الكتاب أيضًا بتحقيق السيد الجميلي.
أما الرسائل الجامعية، فالأولى قدمت إلى قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض سنة ١٣٩٧ هـ، ونوقشت سنة ١٣٩٩ هـ من قبل الباحث الشيخ ناصر بن سليمان العمر، وهو كذلك الذي قدم الجزء الأول من تفسير الكرماني «لباب التفاسير» وتمت مناقشته في عام ١٤٠٤ هـ كرسالة دكتوراه.
[ ٣٣ ]
والثانية قدِّمت إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة للحصول على درجة الماجستير سنة ١٩٧٥ م من قبل الباحث: منصور محمد منصور.
رابعًا: «العنوان في النحو»: وهو كتيِّب صغير يحوي متنًا نحويًا، وطبع كهدية مرفقة مع مجلة «الأحمدية» العدد (٢١) الصادرة عن دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث في الإمارات، وعدد صفحاته (٩٣) صفحة، وقام بتحقيقه: الدكتور حازم البياتي، والدكتورة: منال عزيز، وصدرت طبعته الأولى سنة ١٤٢٦ هـ.
خامسًا: «النهاية في شرح الغاية»: وهو في القراءات، شرح به الكرماني كتاب ابن مهران (ت ٣٨٢ هـ) «الغاية في القراءات العشر»، وهذا الكتاب له نسخة خطية في مكتبة علي أصغر في طهران برقم (٣٧)، وله صورة عن هذه النسخة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، ورقمها (٣٨٣٦)، وقد سمَّاه المؤلف نفسه بهذا الاسم في مطلع تفسيره عندما تكلم على لفظ الجلالة (الله) من البسملة، بينما سمَّاه المترجمون للكرماني بـ (الهداية شرح الغاية)، وأخصّ بالذكر منهم: ابن الجزري، وعندما اطلعت على الصفحات الأولى من مخطوطة الكتاب لم أجد ما يدل على اسم الكتاب بوضوح، لكثرة السواد الذي أصاب النسخة من جرَّاء التصوير.
سادسًا: «الإفادة في النحو»: ذكره بعض المترجمين له، كياقوت وغيره، وسماه البغدادي في «هدية العارفين» ٢/ ٤٠٢ (الإفادة في النجوم) ولا أظنه إلا وهمًا.
سابعًا: «الإيجاز في النحو»: وهو مختصر لكتاب «الإيضاح» لأبي علي الفارسي، وقد ذكره أكثر المترجمين للكرماني.
ثامنًا: «خطّ المصاحف»: ذكره ابن الجزري والداودي والزركلي.
تاسعًا: «شرح اللمع»: وهو شرح لكتاب «اللمع» لابن جني (ت ٣٩٢ هـ).
عاشرًا: «النظامي»: وهو مختصر لكتاب «اللمع» أيضًا.
حادي عشر: «أسرار الحروف»: ذكره له ابن فلاح اليمني النحوي (ت ٦٨٠ هـ) في كتابه «المغني» (ق ٤٤١/أ) (١).
[ ٣٤ ]
كما نسبت للكرماني أربع مؤلفات أخر، هي:
١ - رسالة البسملة: ذكرت في «الفهرس الشامل - علوم القرآن» ١/ ١٣٠، وأحالوا على الظاهرية، فلما رجعت إلى «فهرس الظاهرية - علوم القرآن» ٢/ ١٤١ وجدتهم ذكروا أن المؤلف هو الكرماني ثم وضعوا بعده علامة استفهام، مما يدل على أنهم لم يميزوا اسمه الأول، والكرمانيون كُثُر، فأيّهم ألَّف هذه الرسالة؟ ولذلك ذَكَرْتُ هذه الرسالة ضمن الكتب المنسوبة للكرماني ولا أستطيع الجزم بنسبتها إلى محمود بن حمزة حتى وإن فعل ذلك غيري، إلى أن أقف عليها وتتم دراستها دراسة علمية.
٢ - جزء الكرماني: ذكره ابن حجر في «المجمع المؤسس» ١/ ٢٧٥ - ٢٨٦، وفي «المعجم المفهرس» (ص ٣٤٤)، وهو من مرويات الحافظ ابن حجر عن شيخه أحمد بن أبي بكر بن عبدالحميد إجازة مكاتبة، أنبأنا التقي سليمان بن حمزة المقدسي سماعًا، أنبأنا عمر بن كرم الدينوري في كتابه، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا الكرماني به.
هكذا الرواية، ولم يذكر من هو الكرماني، علمًا أن الدكتور يوسف المرعشلي محقق «المجمع المؤسس»، والأستاذ محمد شكور المياديني محقق «المعجم المفهرس» قد جزما في الهامش بأن الكرماني هو محمود بن حمزة، ومرةً أخرى أجدني في شكٍّ من ذلك، فهذا إسناد مليء بكبار المحدثين، فأبو الوقت السجزي (ت ٥٥٣ هـ) من كبار المحدثين، ولم يذكر في ترجمة الكرماني أنه كذلك، فياليت المحقِّقَيْن الفاضِلَيْن ذكرا مستندهما في تعيين الكرماني.
٣ - غنية الطالب شرح رسالة أبي بكر الصديق لعلي بن أبي طالب: وقد نسبها للكرماني الدكتور شمران العجلي، محقِّق كتاب «غرائب التفسير» وأحال على فهرس دار الكتب، وذكر أن للكتاب نسختين، وعند عودتي للفهرس المذكور وجدت النسختين ولكن وجدت أن المؤلف هو: محمود بن محمد الحسيني الحمزاوي، فلا أدري ما هو سبب الوهم.
٤ - مصنف في موانع الصرف: ذكره كحالة في «معجم المؤلفين» منسوبًا للمؤلف، ولعل إثبات هذا الكتاب إنما جاء نتيجة ما ذكره ياقوت حيث يقول: (وله في موانع الصرف) ثم ذكر بيتين من الشعر، مما يدل على أن قصده إثبات الأبيات التي ذكرها الكرماني لا إثبات مصنف في موانع الصرف.
* * *
_________________
(١) استفدت هذه المعلومة من الباحث حسن قابور، مؤلف كتاب «المسائل النحوية في كتاب غرائب التفسير» وهو بحث تكميلي مقدم لنيل درجة الماجستير في تخصص النحو، وقدم إلى كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى سنة (١٤٢٥ هـ)، وذلك في (ص ٦) من البحث المذكور.
[ ٣٥ ]