عقيدته ومذهبه الفقهي
تميزت مؤلفات الكرماني المطبوعة بعدم ظهور مذهبه فيها بجلاء، سواءً العقدي أو الفقهي أو حتى النحوي، ولعل هذا ما دعى تلاميذه أن يصِفوه بقولهم (زين الفريقين) (١) أو (رئيس الفريقين) (٢)، والله أعلم.
ورغم أنه أحد النحاة المعروفين إلا أنه قد صدرت دراستان حاول فيهما الباحث معرفة مذهبه النحوي فلم يظهر بوضوح هل الكرماني كوفي أم بصري.
فهناك بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى مقدم من الباحث حسن بن إبراهيم قابور سنة (١٤٢٥ هـ) عنوانه (المسائل النحوية في كتاب «غرائب التفسير وعجائب التأويل» لتاج القراء محمود بن حمزة الكرماني)، وقد قال الباحث في بيان مذهبه النحوي: (من خلال ما درسته من مسائل وما استخرجته من مصطلحات نحوية ذكرها الكرماني في تفسيره - يقصد الغرائب والعجائب - يتضح لنا أنه لم يكن تابعًا لأيّ من المذاهب النحوية، ولم يتعصب لأحدها، حيث لم يذكر كما ذكر غيره لفظ «شيوخنا» و«أصحابنا» وغيرها من مصطلحات التبعية، بل كان منتقيًا للرأي الذي يراه صوابًا من خلال إقامة الحجة وقوة الدليل، وإن كان أكثر ميلًا للمذهب البصري فقد وافقهم في أكثر المسائل الخلافية التي درستها) (٣).
_________________
(١) هذا في أول تفسيره «لباب التفاسير»، بالإضافة لكتاب «قراءة الكسائي» لرضي الدين الكرماني، حيث ساق إسناده في أول الكتاب عن طريق محمود بن حمزة الكرماني ووصفه بأنه (زين الفريقين).
(٢) هذا في أول كتابه «غرائب التفسير».
(٣) ص (٢٥٣) من البحث المذكور أعلاه.
[ ٢٥ ]
وهذه هي نفس النتيجة التي توصل لها محققا كتاب الكرماني «العنوان في النحو»، حيث قالا: (ولم يتبين لنا مذهبه النحوي من خلال نصّ الرسالة لأنه مزج بين مصطلحات المدرستين البصرية والكوفية، وعرض آراءهما من غير ترجيح رأي على آخر) (١).
ونفس المشكلة ظهرت لي، فهل الرجل أشعري أم ماتريدي؟ وهل هو حنفي أم شافعي؟ وطوال فترة البحث وأنا أجمع المرجِّحات من أقواله، وأقوال الذين ينقلون عنه، والمترجمين له، ولم أظفر بما أعتبره يقينًا في هذه المسألة، وإن كان الغالب عندي الآن أنه أشعري، رغم كونه حنفيًا، وهذا غريب في تراجم العلماء، ولكن تزول الغرابة إذا علمنا أنه لم يكن من المتعصبين في عقيدته وفقهه ومذهبه النحوي كذلك، ويزول الاستغراب أيضًا إذا علمنا أن إقليم كرمان فيه حنفية وشافعية (٢).
وقبل الحديث عن أشعرية الكرماني، أشير إلى أنه لم يكن معتزليًا في تفسيره رغم نقولاته عن بعض وجوه المعتزلة، ومما يظهر ذلك بوضوح ما يلي:
١ - صدَّرَ الكرماني تفسيره بقوله: (الحمد لله منزل القرآن غير محدث ولا مخلوق)، ومذهب المعتزلة هو القول بخلق القرآن.
٢ - وقال أيضًا في مطلع تفسيره: (فالجنة والنار مخلوقتان)، ومذهب المعتزلة أن الله ينشئهما يوم القيامة.
٣ - وقال في مطلع تفسيره: (بشَّرَ المؤمنين في الحياة الدنيا بالرؤية في الآخرة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]) وحَرَّمَ الرؤية والنعيم على الجاحدين فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥])، والمعتزلة هم الذين ينكرون الرؤية.
٤ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (٣) من سورة البقرة: (كل ما يصل إلى العبد من عطية فهو رزق الله حلالًا كان أو حرامًا)، وهذا خلاف قول المعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق.
كما أورد بعض الردود على الرافضة، ومن ذلك:
١ - قال في أثناء تفسيره للآية (٨٢) من سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال الكرماني: (وهذا قاطع لقول من زعم من الرافضة أن القرآن لا يفهم معناه إلَاّ بتفسير الرسول له).
٢ - وقال في أثناء تفسير الآية (١٠) من سورة الحديد: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال الكرماني: (وفي هذه الآية دليل واضح وبرهان لائح على فضل أبي بكر وتقديمه، لأنه أول من أسلم، وعن علي ﵁ أنه قال: سبق رسول الله -ﷺ- وثنَّى أبو بكر وثلَّث عمر ﵄، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري وطرح الشهادة).
_________________
(١) ص (٢٧) من مقدمة المحققين لكتاب «العنوان في النحو» للكرماني.
(٢) انظر: «أحسن التقاسيم» للمقدسي (ص ٤٦٨) وهامشه.
[ ٢٦ ]
ونعود الآن إلى مسألة مذهب الكرماني العقدي، فرغم التشابه الكبير والمعروف بين الأشاعرة والماتريدية، إلا أن العلماء قد ذكروا عددًا من المسائل التي يمكن التفريق فيها بين المذهبين، بل قد كتبت بعض المؤلفات حول هذه الفروق (١)، وكان اهتمامي كبيرًا بدراسة هذه الفروق عند الكرماني، واستخلصت عددًا من النقاط التي ترجح - فيما أرى - ميل الكرماني للمذهب الأشعري، وهذه النقاط كالتالي:
١ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (١٧٣) من سورة الأعراف: (وهذا دليل على أن التقليد في التوحيد كفر).
وهذا القول هو قول الأشاعرة، إذ يرون عدم صحة إيمان المقلد، بينما خالفهم الماتريدية (٢).
٢ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (١٦٤) من سورة النساء: (﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ من غير واسطة ﴿تَكْلِيمًا﴾ قيد بالمصدر قطعًا للمجاز).
وهذه المسألة تعرف عند الأشاعرة والماتريدية بأنه: هل يجوز أن يُسْمَعَ كلام الله تعالى أم لا؟ فالأشعرية على الجواز، والماتريدية على عدم الجواز (٣)، والذي يظهر من تفسير الكرماني أنه يرى رأي الأشاعرة.
٣ - قال الكرماني في أثناء تفسيره الآية (٢٨٦) من سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال الكرماني: (وقيل: ولا تكلفنا ما لا نطيق، وهذا أظهر)، وظهر لي من هذا التفسير أن الكرماني يرى أنه يجوز التكليف بما لا يطاق وهؤلاء يدعون الله بأن لا يكلفهم ما لا يطيقون، ومسألة التكليف بما لا يطاق من المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية، فالأشاعرة على جواز أن يكلف الله العباد بما لا يطاق، والماتريدية على المنع (٤).
وقد وقع الكرماني في التأويل المذموم، حيث أوَّل عددًا من آيات الصفات، فقد أوَّل الرحمة بأنها إرادة الخير بالعباد (٥)، وأوَّل صفة الغضب، حيث قال:
_________________
(١) منها على سبيل المثال: القصيدة النونية لتاج الدين السبكي، وهي موجودة في «طبقات الشافعية الكبرى»، وكتاب «الروضة البهية في ما بين الأشاعرة والماتريدية» لأبي عذبة، وكتاب «نظم الفرائد» لشيخ زاده، وغيرها من الكتب، وقد طبعت الكتب الثلاثة المذكورة في كتاب واحدة اسمه: المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية.
(٢) ينظر كتاب: «الماتريدية - دراسة وتقويمًا» للدكتور أحمد الحربي (ص ٥٠١).
(٣) ينظر كتاب «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٤٢٣.
(٤) ينظر كتاب «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» ١/ ٤٢٦.
(٥) انظر تفسيره للبسملة في أول الفاتحة.
[ ٢٧ ]
(والغضب إرادة الانتقام، وقيل: الغضب من الله الذم للعصاة) (١)، وقال في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]: ( حب الله المؤمنين: ثناؤه - سبحانه - عليهم وإثابته إياهم)، وهذا تأويل فاسد، والصواب إثبات صفة المحبة لله تعالى دون تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، إلى غير ذلك من الأمثلة.
ولكون هذه التأويلات يشترك فيها الأشاعرة والماتريدية فقد اعتنيت في أول هذا المبحث ببيان بعض المسائل التي انفرد بها مذهب الأشاعرة عن الماتريدية لكي يتأيد القول الذي رجحته وهو أن الكرماني من الأشاعرة.
أما المذهب الفقهي للكرماني، فظهر لي أنه من الأحناف، بدلالة عدد من المسائل، ومنها:
١ - ذكر أربعة من العلماء أنه حنفي، وهم:
أ - السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه «الحاوي للفتاوى» ٢/ ١٤٠، حيث يقول السيوطي: (فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي -ﷺ- إلى الملائكة على قولين، أحدهما أنه لم يكن مبعوثًا إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي، كلاهما من أئمة أصحابنا، ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه «العجائب والغرائب» وهو من أئمة الحنفية).
ب - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) في كتابه «الفتاوى الحديثية» (ص ٢٨٣).
جـ - شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (ت ١٠٠٤ هـ) في كتابه «الفتاوى» الموجودة بهامش كتاب «الفتاوى الكبرى الفقهية» للهيتمي ٤/ ٣٠٥.
د - الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ) في «روح المعاني» ١٥/ ١٧٣.
ولكن أشير إلى أن وصف الكرماني بأنه حنفي ورد عند هؤلاء الأربعة في مسألة واحدة، فلعل الهيتمي والرملي والألوسي نقلوا عن السيوطي هذا الوصف، وقد يقال: إن نقلهم ذلك والسكوت عليه تصحيح له، فالله أعلم.
_________________
(١) انظر صفحة (٩٩) من رسالة الشيخ ناصر العمر في تحقيق أول هذا التفسير.
[ ٢٨ ]
٢ - استبعدت أن يكون الكرماني حنبليًا أو مالكيًا، فنظرت إلى المسائل التي اختلف فيها قول الحنفية والشافعية، فظهر لي:
أ - في تفسيره [المائدة: ٦] في مسألة مسح الرأس قال إن المفروض هو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية، وفي ذلك يقول الكرماني: (والمفروض قدر الربع، ولا يستوعب الرأس، خلافًا لمالك، ولا يقتصر على ما دونه، خلافًا للشافعي ﵀)، وما ذكره من أن المفروض هو ربع الرأس مذهب أبي حنيفة (١).
ب - في بيان حكم العمرة (٢) قال الكرماني: (وهي سنة عندنا)، وهذا مذهب الأحناف (٣)، فإن الشافعية يوجبون العمرة.
جـ - عند تعريفه للاعتكاف (٤) قال الكرماني: (لزوم عبادة الله في مسجد تقام فيه الجماعة مع الصوم)، وهذا مذهب الأحناف، فإنهم يشترطون الصوم للاعتكاف، بخلاف الشافعية (٥).
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض المترجمين المتأخرين وصف الكرماني بأنه شافعي، فمثلًا حاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في كتابه «كشف الظنون» وصف الكرماني مرتين بأنه شافعي (ص ٢٤١) و(ص ١٥٤١)، بينما وصفه بأنه حنفي مرة واحدة (ص ١٤٣٧)، وفي حين سكت الزركلي (ت ١٣٩٧ هـ) في «الأعلام» ٧/ ١٦٨ عن بيان مذهبه الفقهي، فإن كحالة (ت ١٤٠٨ هـ) جزم في «معجم المؤلفين» ٣/ ٨٠٤ بأنه شافعي المذهب، ولست أدري: هل تبع كحالة ما ورد في «كشف الظنون»، أم أنه وقف على شيء لم نقف عليه.
_________________
(١) انظر: «المغني» لابن قدامة ١/ ١٧٧.
(٢) انظر: «لباب التفاسير» للكرماني (ص ٦٥٣) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر.
(٣) انظر: «المجموع شرح المهذب» للنووي ٧/ ١٢.
(٤) انظر: «لباب التفاسير» للكرماني (ص ٥٤٧) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر العمر.
(٥) انظر: «المغني» لابن قدامة ٤/ ٤٥٩.
[ ٢٩ ]