قيمة الكتاب العلمية وأثره في التفاسير المؤلفة بعده
تنبع القيمة العلمية لكتاب الكرماني «لباب التفاسير» من المكانة العلمية البارزة التي يحتلها الكرماني، فهو تاج القراء، وقال عنه ابن الجزري: (إمام كبير محقق ثقة كبير المحل) (١)، وقال ياقوت: (أحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبًا في دقة الفهم وحسن الاستنباط) (٢)، فعالم بهذه المنزلة لا بد أن يكون للتفسير الذي يكتبه مكانة عالية كذلك، وهو ما حصل بالفعل، فإنك تجد في هذا التفسير العبارة المختصرة الدقيقة، والتي سعى فيها الكرماني بقوة إلى جمع لباب التفاسير من خلالها، إلى درجة أنني كنت أحتاج دائمًا إلى مراجعة بعض التفاسير الأخرى لفهم عبارته المختصرة، فضلًا عن بعض ترجيحاته واختياراته، وقد كان الكرماني أحيانًا يشير إلى ذلك بعبارة علمية مهذبة، فيها تنبيه للقارئ إلى أن هذا القول هو من الكرماني، فأحيانًا يقول الكرماني: (ولم أسبق إليه) (٣)، وأحيانًا يقول: (ولم يبينه المفسرون) (٤)، إلى غير ذلك من العبارات.
ولعلي أذكر هنا عددًا من النقاط التي تبين قيمة الكتاب العلمية.
١ - يعتبر «لباب التفاسير» من الكتب التي حوت فنونًا عديدة مما يتعلق بالتفسير، فتجد في هذا الكتاب: تفسير القرآن بالقرآن وبالأحاديث وبأقوال السلف،
_________________
(١) انظر: «غاية النهاية» لابن الجزري ٢/ ٢٩١.
(٢) انظر: «معجم الأدباء» لياقوت الحموي ٦/ ٢٦٨٦.
(٣) انظر التفسير في المواطن التالية: سورة يونس (آية ٦١)، وسورة الأعراف (آية ١٩٠).
(٤) انظر تفسير سورة هود (آية ٧١).
[ ٤٢ ]
وتجد فيه القراءات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وتجد فيه مباحث في العقيدة والفقه واللغة والإعراب، فهو بحق يعتبر لبابًا للتفاسير الأخرى.
٢ - انفرد الكرماني ببعض النقولات، سواءً عن السلف أو عن بعض الكتب المتقدمة للمفسرين أو اللغويين، فتجد في التفسير أقوالًا لابن عباس والحسن لم أعثر عليها عند غير الكرماني، وتجد نقولات عن كتب علمية لبعض المفسرين أو اللغويين، ككتاب «نظم القرآن» للجرجاني، وكتاب أبي عيسى الرماني، وكتاب التفسير لابن بحر الأصفهاني، وهذه الكتب إما مفقودة كليًا، أومفقود أغلبها، وهذا يعطي كتاب الكرماني أهمية علمية.
٣ - بَرَعَ الكرماني في توظيف الإعراب لخدمة المعنى، مما حدا بالمفسرين الذين أتوا بعده لمناقشته ودراسة أقواله، وهذا ظاهر عند أبي حيان والسمين الحلبي وغيرهم.
٤ - بظهور هذا التفسير للباحثين، ستتسع دائرة الأقوال التي يحكيها المفسرون في معنى الآية، فكتابناهذا شبيه بكتاب «زاد المسير» لابن الجوزي، من جهة سرد الأقوال في معنى الآية.
٥ - لقد كان للكرماني مصادر علمية اعتمدها أساسًا في كتابه، وهي: تفسير الطبري، والثعلبي، وأبي الليث السمرقندي، والماوردي، والواحدي، ومعاني القرآن للفراء، والزجاج، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، و«الحجة» لأبي علي الفارسي، و«أسباب النزول» للواحدي، والناظر لهذه المصادر يتبين له بجلاء أنها مصادر علمية لها مكانتها البارزة في حقل التفسير، فاكتسب كتاب «لباب التفاسير» هذه المكانة عن طريق اقتباسه من هذه الكتب واختياره منها، فإن حُسْنَ الاختيار يحكي ثقافة العالِم ويبرز درجته العلمية.
٦ - استفاد تلاميذ الكرماني، كالزمخشري والطبرسي من كتاب «لباب التفاسير» وإن لم يشيروا إلى ذلك (١)، بينما كان أبو حيان أبرز المفسرين الذين استعانوا بكتاب الكرماني، ثم تبعه السمين الحلبي، وابن عادل، والألوسي، وغيرهم، وكل هذا يُظْهِرُ بجلاءٍ المكانة العلمية لكتاب «لباب التفاسير» وأثره في التفاسير التي جاءت بعده.
* * *
_________________
(١) سبق أن بيَّنت هذا الأمر عند الحديث عن تلاميذ المؤلف.
[ ٤٣ ]