الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
_________________
(١) ما بين القوسين تكملة استدرك بها الناسخ فأثبتها فى هامش الصفحة.
(٢) لم يكن الناسخ يظهر اهتماما بأبيات الشعر فوصلتنا رديئة الخط كثيرة الأخطاء فقمنا بتصحيحها بقدر الإمكان حتى تبدو ذات معنى، وذلك استنادا إلى حالة لها اكثر ضبطا إما في مواضع أخرى من هذا الكتاب أو من كتب القشيري الأخرى.
[ ١ / ٥٥ ]
حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق، وموجب الأمرين التوفيق. والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد، فى حفظ العهد، ومراعاة الحد. فالمؤمنون هم الذين صدّقوا باعتقادهم ثم الذين صدقوا فى اجتهادهم.
وأمّا الغيب فما يعلمه «١» العبد مما خرج عن حد الاضطرار فكل أمر دينى أدركه العبد بضرب استدلال، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غيبيّ. فالرب ﷾ غيب.
وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر، والثواب والمآب، والحساب والعذاب- غيب.
وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين، فأوردهم صدق الاستدلال ساحات الاستبصار، وأوصلهم صائب الاستشهاد إلى مراتب السكون فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعى الريب.
ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية، وطلب بخواطر ذكية، وردّ وردع لدواع ردية، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم، وفى معناه أنشدوا:
ليلى من وجهك شمس الضحى وظلامه فى الناس سارى
والناس فى سدف الظلا م ونحن فى ضوء النهار
وأنشدوا:
طلعت شمس من أحبّك ليلا فاستضاءت ومالها من غروب
إن شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليست تغيب «٢»
ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب فى شهود الغيب فصار غيبا يغيب.
وأمّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة «٣» عن شهودها برؤية من يصلّى له «٤»
_________________
(١) وردت (يعمله) والأرجح أن تكون (يعلمه) حتى تتلاءم مع طبيعة الغيب.
(٢) وردت (مما لها)، (وتغيب بالليل)، (ليت تغيب) وقد صححنا ذلك بما يتلاءم مع الوزن والمعنى
(٣) وردت (ثم الغيت) وهى خطأ من الناسخ والأصح (الغيبة) كما سنجد فى الهامش التالي.
(٤) القشيري هنا متأثر بفكرة الواسطي حينما دخل نيسابور وسأل أصحاب أبى عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها. فقال « هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها» الرسالة ص ٣٤.
[ ١ / ٥٦ ]
فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجرى عليه منه، وهو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم مستقبلة القبلة، وقلوبهم مستغرقة فى حقائق الوصلة:
أرانى إذا صلّيت يمّمت نحوها بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا
أصلى فلا أدرى إذا ما قضيتها أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا؟
وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون. أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون فشتّان بين غائب يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة، وبين غائب يرجع إلى أحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة.
قوله جل ذكره: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق ما تمكّن الإنسان من الانتفاع به، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمّا نفلا وإما فرضا على موجب تفصيل «١» العلم. وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله ﷾ شيئا من ميسورهم فينفقون نفوسهم فى آداب العبودية، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية. فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال، فهؤلاء يكتفى منهم عشرين بنصف ومن المائتين بخمس «٢»، وعلى هذا السّنن جميع الأموال يعتبر فيه النّصاب. وأمّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم- لأنفسهم ولحظوظهم- لحظة قامت عليهم القيامة.
[فصل] الزاهدون أنفقوا فى طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على مناهم، والعابدون أنفقوا فى سبيل الله وسعهم وقواهم، فلازموا سرا وعلنا نفوسهم. والمريدون أنفقوا فى سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شىء من دنياهم وعقباهم. والعارفون أنفقوا فى سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرّبهم الحق سبحانه وأجزاهم، وبحكم الإفراد به لقّاهم.
_________________
(١) وردت (تفضيل) ولا يرجحها السياق فالمقصود ما يفصله العلم من مقادير زكاة المال. []
(٢) إشارة إلى ان زكاة الأموال مقدارها ربع العشر.
[ ١ / ٥٧ ]
[فصل] الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم. والفقراء أنفقوا من هممهم على منابتهم «١» ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله، فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم، وحين قاموا لحقّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية.
قوله جلّ ذكره: